لقد صنف أهل العلم في علوم الحديث وفنونه كتبًا كثيرة، منها المستدركات والمستخرجات، كمستدرك الحاكم ومستخرج الإسماعيلي، ومنها المعاجم وغيرها من فنون الحديث وكتبه.
[ ١ ]
ضابط المستدركات
مثال المستدرك: أن البخاري يقول: أنا سأخرج الأحاديث التي توافر فيها الشرط الفلاني والشرط الفلاني، فخرج والتزم هذا الشرط، ولكن فاتته أحاديث، فعندما آتي وأستدرك عليه الأحاديث التي لم يخرجها وهي على شرطه، ففي هذه الحالة سأقول: إنني استدركت على البخاري حديثًا على شرطه ولم يخرجه في الصحيح، مثلما فعل الحاكم في مستدركه صنع هذا الصنيع، أورد أحاديث يستدرك فيها ما فات البخاري ومسلم في صحيحيهما، ويقول: هذا حديث على شرط البخاري ولم يخرجه هذا حديث على شرط مسلم ولم يخرجه هذا الحديث على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه؛ فكأنه يستدرك عليهما ما فاتهما مما توافرت فيه الشروط.
ولا يشترط أن يلتقي مع المصنف وشيخ شيخه أو في شيخه كما هو في المستخرج، وكذلك يشترط في المستدرك ألا يكون من نفس طريق المستدرَك عليه، الذي هو البخاري ومسلم؛ لأنه إذا التزم إسناده، ففي هذه الحالة لا تقدر أن تقول: إن الحاكم في هذه الحالة استدرك عليه؛ فلا بد أن يكون إسناد المستدرِك من غير طريق المستدرَك عليه.
والإمام الدارقطني عمل كتابًا على الصحيحين اسمه: الإلزامات والتتبع، ومعنى الإلزامات، أي: الاستدراكات، أي: أن الإمام الدارقطني يلزم البخاري ومسلمًا بإخراج الحديث الذي فاتهما؛ لأنه قد تحقق فيه شروط البخاري ومسلم، أو شروط البخاري، أو شروط مسلم، فيقول: إن هذا الحديث على شرط البخاري ولم يخرجه، أو على شرط مسلم ولم يخرجه، أو على شرطهما ولم يخرجاه، ففي هذه الحالة وكأنه يلزم الإمام البخاري أو الإمام مسلمًا أنه كان ينبغي لهما أن يخرجا هذا الحديث، ولذلك سماه: الإلزامات.
أما مسألة التتبع فهي تتبع أحاديث الصحيحين التي لم تكن على شرط صاحبها، بأن يتتبع بعض الأحاديث عند البخاري لم يتوافر فيها الشرط، فهو تتبع البخاري حديثًا حديثًا، ومسلمًا حديثًا حديثًا، فأي حديث وجد أنه ليس من شرط البخاري بين أنه لم ينطبق فيه شرطه، وليس معنى ذلك أن الحديث ضعيف؛ لأن هذه الشروط إنما هي في داخل الكتاب فقط، ليس في أصل الصحة.
يقول الحافظ ابن الأخرم: قل ما يفوت البخاري ومسلمًا من الأحاديث الصحيحة.
ابن الأخرم يقول: إن البخاري ومسلم لم يتركا من الحديث الصحيح إلا القليل جدًا، وابن الأخرم رجل عالم، وحتى نحسن الظن به نقول: هذا الكلام صحيح إن كان يقصد شرط البخاري ومسلم، فيكون فاتهما الشيء القليل، إنما لو كان يقصد مطلق الصحة فلا وألف لا، وهذا الكلام مردود؛ لأن البخاري نفسه فيه من الأحاديث الصحيحة أربعة ألاف فقط.
والبخاري نفسه يقول: أحفظ من الصحيح مائة ألف، يعني: ستة وتسعون ألف حديث صحيح كانت عند البخاري من حفظه لم يخرجها في الصحيح، فهل يستقيم هذا الكلام مع كلام ابن الأخرم: أن البخاري ومسلمًا رويا من الصحيح شيئًا يسيرًا جدًا؟ أبدًا، لكن لو كان ابن الأخرم يقصد ما كان على شرطهما فكلامه بلا شك معقول شيئًا ما، أما إذا كان يقصد مطلق الصحة فهذا الكلام مردود بلفظ البخاري ولفظ مسلم أيضًا.
وابن الصلاح ناقش ابن الأخرم في ذلك، وذكر أن الحاكم قد استدرك عليهما أحاديث كثيرة، وإن كان في بعضها مقال، إلا أنه يصفو له شيء كثير؛ لأن الحاكم استدرك على البخاري ومسلم أحاديث كثيرة، هذه الأحاديث ربما تكون في ظن الحاكم في محلها، والصحيح والصواب غير ذلك؛ لأن مستدرك الحاكم فيه الصحيح والحسن والضعيف، بل والموضوع، فكيف يكون صحيحًا، بل كيف يكون على شرط البخاري ومسلم؟! والكلام عليه سيأتي.
قال ابن كثير: وفي هذا الكلام نظر؛ فإنه يلزمهما بإخراج أحاديث لا تلزمهما؛ لضعف رواتها عندهما أو لتعليلهما ذلك.
والله أعلم.
[ ٢ ]
ضابط المستخرجات
ثم انتقل من مستدرك الحاكم إلى المستخرجات، فقال: وقد خرجت كتب كثيرة على الصحيحين يؤخذ منها زيادات مفيدة.
وهذه أيضًا من فوائد المستخرج، فالحديث الذي استخرجه المستخرِج على أصل الصحيح يحمل زيادة؛ إما في السند، وإما في المتن، وهذه أيضًا فائدة من فوائد المستخرج.
قال: يؤخذ منها زيادات مفيدة، وأسانيد جيدة.
يعني: هناك أسانيد في المستخرجات أنظف من أسانيد المصنفات الأصلية، وهذه أيضًا فائدة.
قال: كصحيح أبي عوانة، وأبي بكر الإسماعيلي، والبرقاني، وأبي نعيم الأصبهاني وغيرهم، وكتب أخر التزم أصحابها صحتها: كـ ابن خزيمة، وابن حبان البستي وهما خير من المستدرك بكثير، وأنظف أسانيد ومتونًا.
رغم ما فيهما أيضًا من ضعيف؛ لأن ابن خزيمة وابن حبان يشترطان أصل الصحة، حتى سمي الكتابين: صحيح ابن حبان، وصحيح ابن خزيمة، ومع هذا تخلف هذا الشرط أحيانًا، فإن في هذين الكتابين من الضعيف شيئًا ليس يسيرًا.
وكذلك يوجد في مسند الإمام أحمد من الأسانيد والمتون شيء كثير مما يوازي كثيرًا من أحاديث مسلم، بل والبخاري، بل وأنظف من أسانيد البخاري، بل ولم يخرجه واحد من أصحاب الكتب الستة ولا الأربعة، وهي: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وأما الأربعة فهم أهل السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
ولذلك تجد عند أحمد أحاديث انفرد بها، فمثلًا: قد يوجد في مسند أحمد حديث ليس موجودًا في أي من الصحيحين أو السنن، بل يكون في مسند أحمد فقط هو الذي أخرجه، وأخرجه بإسناد الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر، وهذا الإسناد يعتبر السلسلة الذهبية، فيكون هذا الإسناد الذي انفرد به الإمام أحمد أنظف من كثير من الأسانيد التي أخرجها البخاري ومسلم.
فنقول: على العموم البخاري ومسلم هما أصح الكتب بعد كتاب الله ﷿، ثم البخاري يتفوق على مسلم، وفي بعض الكتب الأخرى كالسنن والمسانيد والمعاجم والأجزاء والفوائد أسانيد على حدة وعلى انفراد توازي وتعادل بل وتفوق بعض الأسانيد المنفردة عند البخاري وعند مسلم على انفراد، أما الكتابين في مجملهما - البخاري ومسلم - فقد تلقتهما الأمة بالقبول، وهما أصح الكتب بعد كتاب الله ﷿.
وليس هذا القبول لكل حديث ولكل كلمة في الكتابين، وإنما لعموم الكتابين، ثم هناك أحرف يسيرة قد انتقدت على البخاري وعلى مسلم، هذه الأحرف اليسيرة التي طال فيها الخلاف بين إثبات ما كانت على شرط صاحب الصحيح أو لم يكن على شرطه، وظهر فيها الخلاف أيضًا بين الصحة والضعف، هذه الأحرف لم تتلقها الأمة بالقبول، وإنما الأمة تلقت بالقبول ما اتفق على صحته.
[ ٣ ]
الكلام على المسانيد والمعاجم
تكلمنا عن الكتب التي خرجت أحاديث في مثل قوة الأحاديث التي رواها البخاري ومسلم، أو ما يناهزها، وذكرنا منها المستخرجات والمستدركات، ثم ذكرنا منها مسند الإمام أحمد بن حنبل، وكذلك كتب السنن، كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
وكذلك يوجد بعض الأحاديث بأسانيد نظيفة ومتينة في معجمي الطبراني الكبير والأوسط، أما المعجم الصغير ففيه من الغرائب والعجائب الكثير.
وكذلك في مسندي أبي يعلى والبزار، وغير ذلك من المسانيد والمعاجم والفوائد والأجزاء، يعني: هذه الكتب المصنفة كلها فيها أحاديث كثيرة صحيحة، وربما أخذت في الصحة مرتبة أعلى من مرتبة بعض الأحاديث عند البخاري ومسلم، وليس معنى كلام ابن الأخرم أن البخاري ومسلم فاتهما الشيء اليسير من الصحيح.
وفي هذه المسانيد والأجزاء والفوائد والمعاجم ما يتمكن المتبحر في هذا الشأن من الحكم بصحة كثير منها، لكن لا يكون ذلك إلا من المتبحر في هذا الشأن، أي: في كلام وقرائن ومصطلحات أهل العلم في التصحيح والتضعيف، يعني: لا يكون التصحيح والتضعيف مبنيًا على الوجد أو العقل، فتجد من يحكم على حديث بالضعف؛ لأنه لا يمكن أن يعقل، وأنتم تعرفون أن هناك نابتة في كل زمان ومكان تقول بهذا، وهؤلاء تلامذة وأبناء المعتزلة في كل زمان ومكان يحكمون العقل ويقدمونه على النقل، فتجد من يحكم على حديث من الأحاديث بالضعف فإذا سألته: لماذا؟ قال: لأنه لا يتفق مع العقل، وهو على كل حال لا يتفق مع العقل الغبي، إنما يتفق مع العقل السليم، فيظن أنه لم يخطئ.
يقول: (ما يتمكن المتبحر في هذا الشأن من الحكم بصحة كثير منه)، أي: بصحة كثير من الأحاديث التي وردت في هذه الكتب والمسانيد والمعاجم والأجزاء والفوائد.
قال: (بعد النظر في حال رجاله، وسلامته من التعليل المفسد)، أي: التعليل الذي يفسد صحته.
قال: (ويجوز له الإقدام على ذلك)، أي: ويجوز للمتبحر الإقدام على التصحيح والتضعيف لهذه الأحاديث الموجودة في غير الصحيحين إذا كانت له القدرة والمؤهلات التي تجعله يتفوق في هذا المجال.
قال: (وإن لم ينص على صحته حافظ قبله، موافقة للشيخ أبي زكريا يحيى النووي، وخلافًا للشيخ أبي عمرو بن الصلاح).
لأن ابن الصلاح أغلق باب الاجتهاد مطلقًا، فضلًا عن الاجتهاد في علم الحديث، يعني: هو بدأ بإغلاق باب الاجتهاد في الحديث، ثم سحب هذا الحكم على عموم الاجتهاد.
قال: لا يوجد اجتهاد، وما كان كان، والذي لم يكن لم يكن، ثم قال: الأحاديث التي رواها البخاري ومسلم هذه صحيحة قطعًا، والأحاديث التي حكم عليها أهل العلم بالصحة أو الضعف فهي صحيحة أو ضعيفة، لا خلاف على هذا، وأما الأحاديث التي لم يحكم عليها أهل العلم بصحة ولا ضعف، ولا توجد في كتاب من الكتب التي التزمت الصحة، فنتوقف عن قبولها والعمل بها.
وهذا الكلام خطأ، وهو حجة عليه؛ لأن كونك تتوقف عن العمل بها هذا ذاته حكم، وهو رد، وهو اجتهاد لكن الإمام النووي رد على ابن الصلاح ردًا مفحمًا جدًا بقوله: ما الذي يمنع المتبحر من الحكم ومن الاجتهاد؟ فكم ترك السابق للاحق! وكثير ممن لحق تفوق على من سبقه، فما فائدة إغلاق باب الاجتهاد.
وإغلاق باب الاجتهاد في كل زمان ومكان مصيبة على الإسلام وعلى المسلمين، ولكن بشرط أن يكون المجتهد ملتزمًا بالبصيرة العلمية، لا يأتي شخص ويقول: بقي للاجتهاد كذا شهرًا، فأنا سأجتهد.
[ ٤ ]
الكلام على كتاب المختارة للمقدسي والمستدرك للحاكم
يقول: (وقد جمع الشيخ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي في ذلك كتابًا سماه: المختارة).
وهذا الكتاب يشبه كتاب شرح السنة للبغوي، وهو كتاب نظيف، وأحاديثه عالية، وليس فيه ضعيف إلا الشيء اليسير، وكتاب المختارة قدمه كثير من أهل العلم على المستدرك للحاكم، ومستدرك الحاكم الكلام عليه يطول، ولكن باختصار جمَّع الحاكم هذه الأحاديث التي رواها في الاستدراك على البخاري ومسلم في كتاب، وكثرت أخطاء الحاكم في هذا الكتاب، وخالف كثيرًا مقصوده من الكتاب؛ لأنه قسم هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام: قسم منه صحيح تم فيه غرض الحاكم، وهو الاستدراك على البخاري ومسلم.
وقسم منه صحيح ولكنه ليس على شرط البخاري ولا على شرط مسلم.
وقسم فيه الضعيف، بل وفيه الموضوع، وطبعًا عندما تأتي تقرأ في كتاب المستدرك على الصحيحين تفاجأ بأن ثلث الكتاب ضعيف أو موضوع.
لكن اعتذر عما فعل الحاكم باعتذار، وهو ما يعبر عنه العلماء بمصطلح التقميش والتفتيش، يعني: عند كوني أريد أن أؤلف كتابًا أجمع كل المقالات وكل ما أجد من آيات وأحاديث وأقوال أهل العلم وأقوال الشراح وغير ذلك، أجمعها بحيث تكون أمامي، لكن عندما أصنف كتابًا سأفتش في هذا الكلام جيدًا، بحيث يكون اختياري أثناء التصنيف صحيحًا ومرتبًا.
وقد اعتذر الحافظ ابن حجر عن الحاكم حيث بيَّن أنه جمَّع هذه المادة وهذه الأحاديث ووضعها في كتاب، فنقح من كتابه جزءًا، ثم أدركته المنية قبل أن يتم التنقيح لباقي الكتاب؛ فكثر بعد ذلك الانتقاد لبقية الكتاب، وأما الجزء الأول منه فقلما تجد فيه ضعيفًا.
والحافظ الذهبي ﵀ لخص كتاب الحاكم، في هذا التلخيص قد يوافق الحاكم فيما ذهب إليه من حكم على الحديث، وقد يخالفه، فإذا رأى أن الحاكم قد أصاب الحكم وقد أصاب غرضه من هذا الحديث وافقه على هذا الصواب، وإذا رأى أن الحاكم أخطأ خالفه، وقال: لا، بل ليس على شرطهما، أو قال: بل ليس على شرط البخاري، أو بل ليس على شرط مسلم.
والغريب أن الحافظ الذهبي في مسألة موافقة أو مخالفة الحاكم أخطأ كثيرًا، ولسنا نحن من يحكم عليه بالخطأ، بل هو نفسه، فإن الذهبي ﵀ صنف كتبًا كثيرة في الرواة، أعلاها وأجلها قدرًا: كتاب تاريخ الإسلام، ثم أخذ من كتاب تاريخ الإسلام كتاب سير أعلام النبلاء، ثم أخذ من سير أعلام النبلاء كتاب ميزان الاعتدال في نقد الرجال، هذا الكتاب أربعة مجلدات، وهو في متناول كثير من الناس، فربما يقول الحاكم عن حديث ما: هذا الحديث على شرطهما ولم يخرجاه، ثم تجد من هؤلاء الرواة من قد حكم عليه الذهبي في ميزان الاعتدال أو في غيره بأنه ضعيف.
وقد يقول الحاكم: هذا الحديث على شرط مسلم، ثم لا تجد الحديث على شرط مسلم، وإن كان رواة الإسناد أخرج لهم مسلم، وهذه نكتة عظيمة، وهي أنه ليس بلازم أن يكون الرواة الذين أخرج لهم مسلم إذا اجتمعوا في إسناد أن يكون هذا الإسناد على شرط مسلم، فمثلًا: أخرج لي مسلم، ومحمد قد أخرج له مسلم، وإبراهيم قد أخرج له مسلم، فنحن الثلاثة متفقون أن مسلمًا احتج بنا، لكن الحقيقة أن هذا الإسناد ليس على شرط مسلم، ولو كان الرجال رجال مسلم؛ لأن مسلمًا احتج برواية محمد عن غير إبراهيم.
ولو احتج مسلم مثلًا بمحمد وإبراهيم وحسن؛ فالثلاثة من رجال مسلم، لكن مسلم احتج بكل واحد من هؤلاء الثلاثة عن غير من ذكر هنا، فمثلًا: يقول مسلم: محمد أنا أحتج بروايته إلا عن إبراهيم؛ لأنه لم يعرف إبراهيم، محمد ثقة في كل الناس إلا في إبراهيم، وهذا الأمر وقع فيه الحاكم وتبعه عليه الذهبي، يقول: محمد وحسن وإبراهيم على شرط مسلم، والحقيقة أنهم من رجال مسلم، ولكن ليس على شرط مسلم؛ لأن مسلمًا احتج برواية حسن عن غير محمد، وبرواية محمد عن غير إبراهيم.
فهناك فرق كبير بين أن تقول: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وأن تقول: هذا الإسناد على شرط الصحيح.
فقولي: هذا الإسناد على شرط الصحيح يلزم أن يكون الرجال رجال الصحيح، هذا عند العلماء كافة إلا عند الحاكم، فإنه قال: لا يلزم أن يكون الرجال أخرج ل
[ ٥ ]
الكلام على موطأ مالك
الكلام على موطأ الإمام مالك: معنى الموطأ: الممهد السهل المعبد، يقال: طريق موطأ، يعني: معبد وسهل، والإمام الشافعي ثبت عنه أنه قال: لا أعلم كتابًا في العلم أكثر صوابًا من كتاب مالك، الذي هو الموطأ.
فهل الذي يقدم كتاب البخاري بتلقي الأمة له بالقبول، أم موطأ مالك بنص الشافعي؟ الإمام مالك مات سنة (١٧٩)، والإمام الشافعي كان تلميذ الإمام مالك.
والإمام البخاري مات سنة (٢٥٦)، وذكرت سنة وفاة مالك ووفاة البخاري لأجل أن نلاحظ صحة الأخبار واستقامتها، وهو ما يسمى بمعرفة تواريخ المواليد والوفيات، فالإمام البخاري مات سنة (٢٥٦)، أما مالك فمتقدم على ذلك ولم يدركه البخاري؛ لأنه مات سنة (١٧٩)، دل ذلك على أن الإمام البخاري متأخر عن الإمام مالك، أما الإمام الشافعي فكان تلميذ الإمام مالك، بل هو أوثق من روى عن مالك، ولذلك من ذهب إلى أن السلسلة الذهبية: مالك عن نافع عن ابن عمر، قال: ولكون الشافعي أوثق من روى عن مالك فنقول: السلسلة الذهبية: الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر.
والإمام الشافعي عندما ذهبت به أمه إلى المدينة وعمره عشر سنوات ليحضر دروس مالك، قيل: إن مالكًا لم يهتم به في أول الأمر، حتى شعر الشافعي بذلك فقال: يا إمام! إني أحفظ الموطأ، فتعجب الإمام مالك من ذلك، والإمام الشافعي تلقى العلم على الإمام مالك، وكان شيخه في الفقه وفي الحديث، وإن كان الإمام مالك ينسب مذهبه كثيرًا إلى الرأي، بخلاف الإمام أبي حنيفة فإن مذهبه هو مذهب أهل الرأي، وبخلاف مذهب الشافعي في الفقه ومذهب أحمد بن حنبل فإنه مبني على الدليل.
والإمام الشافعي قال هذه المقولة: (ما تحت أديم السماء كتاب أصح من موطأ الإمام مالك)، ولم يزل الإمام البخاري غلام يتلقى العلم، ولم يكن بعد قد صنف كتاب الصحيح.
ثم هناك فرق كبير بين أول من صنف في الصحيح المطلق، وأول من صنف في الصحيح المجرد، فأول من صنف في الصحيح المطلق هو مالك، ولكن أول من صنف في الصحيح المجرد هو الإمام البخاري.
ولو جئنا نرى موطأ الإمام مالك فإننا نجده مليئًا بالمراسيل والغرائب والمقطوعات، فكيف -والحال هذه- يقول عنه الشافعي: أصح كتاب تحت أديم السماء؟
و
الجواب
أن وصل هذه الأحاديث المقطوعة والغريبة والمرسلة لم يخف على الشافعي، فـ الشافعي قد عرف مخارج حديث مالك، فإنه كان خبيرًا بحديثه وأخص تلاميذه، فقال هذا الحكم بناءً على علمه بوصل تلك الأسانيد، ولذلك الحافظ ابن عبد البر عليه رحمة الله أتى بعد ذلك في القرن الخامس والسادس فوصل -كما فعل غيره مع غير هذا الكتاب- هذه الأحاديث كلها، إلا أربعة أحاديث إلى الآن لم توصل، فالحافظ ابن عبد البر خدم موطأ الإمام مالك في أنه شرحه ووصل أسانيده، حتى صارت كل هذه الأسانيد المرسلة والمنقطعة والمعضلة أسانيد موصولة، وبذلك صحت جميع الأخبار والأحاديث التي رواها مالك في موطئه إلا أربعة أحاديث توقف أهل العلم فيها، على أن من سيأتي بعد ذلك ربما يهديه الله ﷿ إلى معرفة أسانيد هذه الأربعة.
وهذا الكتاب الذي بذل فيه ابن عبد البر ذلك الجهد اسمه التمهيد.
[ ٦ ]
الكلام على جامع الترمذي
الكلام على جامع الإمام الترمذي: والإمام الترمذي عندما سمى كتابه: الصحيح الجامع، شمل هذا الاسم فائدة وحكمًا: أما الحكم فهو سحب حكم الصحة على ما بداخل هذا الكتاب؛ لقوله: الصحيح، وكأنه أيضًا اشترط في كتابه أنه صحيح، أو أنه لا يورد فيه إلا الصحيح، ثم خالف ما بداخله هذا الحكم؛ لأن الإمام الترمذي أحيانًا يقول على حديث: حسن صحيح، وأحيانًا يقول: صحيح، وأحيانًا يقول: حسن، وأحيانًا يقول: حسن صحيح غريب، وأحيانًا يقول: صحيح غريب، وأحيانًا يقول: حسن غريب، وأحيانًا يقول: غريب فقط من غير صحيح ولا حسن؛ وكل مصطلح من هذه المصطلحات له مدلول عند الترمذي.
الشاهد من هذه المصطلحات كلها: لو قال الإمام الترمذي بعد أن أخرج حديثًا: هذا حديث غريب؛ فالذي يفهم من هذا المصطلح أنه غالبًا يقصد الضعف، وهذا مأخوذ بالاستقراء.
فإذا كان الترمذي نفسه يحكم على بعض ما رواه بأنه ضعيف -وهو المعني بقوله: غريب- فكيف يسمي كتابه الصحيح؟ وسماه الجامع لأنه يتكلم في كل أبواب العلم: من العقائد والأحكام والحدود والفقه والتفسير وغير ذلك؛ ولذلك الشيخ أحمد شاكر ﵀ لما بذل جهده في التعليق على الكتاب غمز هذا الاسم على غلاف الكتاب، فقال: سنن الترمذي المسمى بالصحيح الجامع.
وهذا إنكار من الشيخ أحمد شاكر أن يتسمى هذا الكتاب بالصحيح، وكذلك ما قيل في سنن الترمذي يقال في سنن النسائي، فكتاب النسائي المسمى والمعروف بسنن النسائي هذا أيضًا ليس أصل كتاب النسائي، إنما هو اختصار وتهذيب لأحد تلامذة الإمام النسائي وهو الإمام ابن السني، طلب منه أن يختصره وأن يجتبيه؛ فسمي المجتبى والمنتقى والمختصر لأصل كتاب الإمام النسائي وهو السنن الكبرى، فأصل كتاب النسائي فيه كثير من الأحاديث الموضوعة، بل فيه الحديث الموضوع، وقيل: إن ابن السني اجتهد ألا يقع في ذلك، ولكنه أيضًا وقع فيه، وروى أحاديث حكم عليها العلماء بعد ذلك بالوضع.
ونتوقف على مسند الإمام أحمد.
سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
[ ٧ ]