لقد عني علماء الإسلام بعلم الحديث أشد الاعتناء، وشددوا فيه أيما تشديد، فدققوا في الأسانيد وانتقدوا الرواة حتى يميزوا بين الصحيح من الحسن من الضعيف من الموضوع، حتى إنهم من شدة اعتنائهم بعلم الحديث تكلموا في أناس جهابذة ثقات وردوا بعض مروياتهم، وآخرون ميزوا طريقة تحديثهم واكتشفوا أسلوب التدليس ونوعه عندهم على قوة علمهم وجلالة قدرهم، ومن هؤلاء سفيان بن عيينة والثوري رحمهما الله رحمة واسعة.
[ ١٠ / ١ ]
المرتبة الثانية من مراتب التدليس: من ثبت عليهم التدليس وهم أئمة كبار
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
نتكلم عن المرتبة الثانية من مراتب التدليس، فالمرتبة الثانية لها أصناف وأنواع وأقسام وهي خمسة أقسام: منها: قوم ثبت عليهم التدليس، لكن لا يدلسون إلا عن ثقة؛ كـ ابن عيينة، وحميد الطويل، والذي دلس مرة واحدة هو يزيد بن هارون الواسطي، وابن حبان استوعب المسألة فقال: وأكاد أقول في هذه الأصناف: لا يوجد إلا ابن عيينة، وذلك بعد الاستقراء والبحث؛ لأنه لو سمى ابن جريج، أو سمى معمر بن راشد، أو سمى عبد الرزاق مثلًا فوف نقول: ما سمى إلا الثقات.
الصنف الثاني من المرتبة الثانية: قوم دلسوا وثبت تدليسهم، ولكن التدليس بالنسبة لسعة الرواية قليل، فنقول: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، وهذا الباب أساسه هو الثوري؛ ولذلك نحن نتكلم اليوم عن تدليس ابن عيينة والثوري.
[ ١٠ / ٢ ]
الإمام الثوري وتدليسه
[ ١٠ / ٣ ]
فضل الإمام الثوري ومكانته وعلمه
الثوري: هو الإمام العالم الزاهد التقي الورع العابد، أمير المؤمنين في الحديث، واسع الاطلاع، يحفظ ألف ألف حديث في الآثار وفتاوى الصحابة والمقطوع والموقوف وغير ذلك، فقد كان أوسع الناس في حفظ أحاديث النبي ﷺ، وكان ثقة ثبتًا، عالمًا بالرجال، عالمًا بالعلل، ولكنه كان يدلس، بل اتهموه بتدليس التسوية، أي: أنه كان يسوي الإسناد، وتدليس التسوية من تدليس الإسناد، ومع ذلك اغتفر تدليس الثوري؛ لأنه كان واسع الرواية، كما قال البخاري: ما أقل تدليسه بالنسبة لروايته.
يقول شعبة: أمير المؤمنين في الحديث الثوري، وكان إذا خالف الثوري شعبة قال شعبة: قدموا الثوري، فكان يقدم الثوري على نفسه؛ ولذلك كان ابن مهدي يقول: يقدم الثوري، فهو إمام زمانه، وكان يحيى بن سعيد القطان إذا قورن عنده بين شعبة والثوري قدم الثوري في علم الرجال، وأيضًا في حفظ المتون والروايات.
قال بشر الحافي: الثوري في زماننا كـ أبي بكر وعمر في زمانهما، وهذه دلالة على إمامته وجلالة قدره، وكان الثوري مع حفظه للحديث وعلمه بالسنة عابدًا زاهدًا ورعًا تقيًا، وكان يصلي بوضوء العشاء، كان يقوم الليل حتى الفجر، وكان يأكل كثيرًا ويقول: أتقوى به على قيام الليل، فهو كمن قال فيه النبي ﷺ: (رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره)، وقد طلبه الخليفة للقضاء فرفض ورعًا منه وتقوى، فطلبه الوالي، وهم بقتله؛ فهرب منه، ثم طلبه، فقالوا: هو في مكة قد دخل الحرم فتعلق بأستار الكعبة، وقال: عذت بربي جل في علاه أن يصل إلي؛ فجاءه الخبر أن الوالي مات في الطريق قبل أن يصل إلى مكة.
[ ١٠ / ٤ ]
من أقوال الإمام الثوري ﵀
كان الإمام الثوري يحمل حديث النبي ﷺ ويعمل به؛ لأنه قال: يا أهل الحديث! عليكم بزكاة الحديث، وزكاة الحديث في كل أربعين حديث أن تعملوا بحديث واحد، وقال: والله ما حفظت حديثًا ووعاه قلبي واحتجت أن أسترجعه إلا ختم الله به على قلبي جل في علاه حفظًا وإتقانًا وتثبيتًا.
وهذا أيضًا من ورعه وتقواه تثبيتًا للحفظ والعمل به؛ لأنه قال: ما سمعت حديثًا عن النبي ﷺ فحفظته إلا وعملت به ولو مرة واحدة في حياتي، ولذلك ورد عنه أنه قال: يا أهل الحديث! إن تعملوا بالحديث مرة واحدة تكونوا من أهله.
ومن درر كلام الثوري أنه قال: من اعتاد أفخاذ النساء ضيع عليه العلم.
وأيضًا من درر كلام الثوري -وهذا الكلام فيه نظر- أنه قال: من تزوج فقد ركب البحر، ومن أنجب له أو ولد له فقد كسرت سفينته، يعني: قارب على الغرق والهلاك، مع أنه تزوج، وكذلك الشافعي ومالك وأبو حنيفة، ولكن إذا دققت النظر في كلام العلماء تجد بالتحليل والتدقيق أنهم كانوا ينهون الناس عن أن يتزوجوا قبل أن يتفقهوا، ولذلك كان الشافعي كثيرًا ما يقول: تفقهوا قبل أن تسودوا.
فأنت إذا طلبت الأصول وأتقنتها ثم تزوجت بعد ذلك فإن البركة تكون معك.
كذلك من درر كلام الثوري أنه قال: على طالب العلم أن ينتقي.
يعني: يعرف من يدخل عليه؛ لأن كثيرًا من الناس لا ينتقون من يدخلون عليهم عند التعلم، وقد كان الثوري وابن عيينة والشافعي يقولون: الانتقاء هو أول الطريق، أي: انتقاء العالم هو أول الطريق؛ ولذلك كان النبي ﷺ يقول: (إن من علامات الساعة طلب العلم عند الأصاغر) يعني: الأصاغر في العلم، الذين لم يتقنوه وما درسوه على أيدي مشايخ كبار في العلم، وما قرءوا على عالم فأجازهم، ولا أتقنوا المسائل، ما هي إلا نقل أقوال، أو سماع لبعض الأشرطة، مع عدم الإتقان والتمحيص والتنقيح والتدقيق.
[ ١٠ / ٥ ]
تدليس الإمام الثوري ليس قادحًا في عدالته
كان الثوري أمير المؤمنين في الحديث، ومع ذلك اتهم بالتدليس، وهذا فيه دلالة كبيرة وواضحة جدًا على أن التدليس ليس قادحًا، وليس جرحًا، إلا ما ظهر من التعمد في تدليس التسوية وغيرها، والتعمية على الباحث.
الإمام الثوري رغم أنه كان أمير المؤمنين في الحديث وكان أوسع الناس حفظًا فقد كان فقيهًا مدققًا منقحًا، وهذه هي بركة العلم، وكان له مذهب مستقل، مع أنه كان من الكوفة، وكان مذهبه مذهب الكوفيين في كثير من المسائل كمسألة النبيذ وغيرها، لكن كان فقيهًا فحلًا، فجمع بين الفقه والحديث، لكن لم يحمله أصحابه في الفقه، وحملوه في الحديث فقط؛ ولذلك ترى أقوالًا متناثرة من أقوال الثوري في الفقه، وكان ينشغل بالحديث وفقهه؛ لذلك ذاع صيته بين الناس، وظهر علمه ودقة نظره في أقوال النبي ﷺ.
[ ١٠ / ٦ ]
ابن عيينة وتدليسه
ومن علماء المرتبة الثانية ابن عيينة، وتدليسه أرقى من تدليس الثوري؛ لأن الثوري كان يدلس عن ضعفاء الحديث وعن الثقات، أما ابن عيينة فكان تدليسه تدليسًا منتقى، إذْ كان يحسن تجويد الإسناد، ولذلك كان يروي الحديث عن عمرو بن دينار، فيقولون: سمعته من عمرو؟ فيقول: اتركه على ما هو عليه، فيقولون: نردده عليك يا ابن عيينة أسمعته من عمرو؟ فيقول: جودته فاتركوه، فيقولون: لا، سمعته من عمرو؟ فيقول: لا، ما سمعته من عمرو.
ومرة كان يحدث عن الزهري، وبين الزهري وبين ابن عيينة ثلاث طبقات؛ ولكن الزهري كان شيخًا مباشرًا له؛ لأن ابن عيينة تعمر واحدًا وتسعين سنة، فأدرك الزهري -هذا على الراجح- وكان يروي عنه وهو شيخه المباشر، فيقول: عن الزهري، فيقولون: سمعته من الزهري؟ فيقول: اتركوه، فيقولون: لا والله، سمعته من الزهري؟ فيقول: لا، ولا ممن سمعه من الزهري، سمعته من عبد الرزاق عن معمر بن راشد عن الزهري، ويسرد الحديث.
[ ١٠ / ٧ ]
فضل الإمام ابن عيينة ومناقبه
كان ابن عيينة فحلًا ثقة ثبتًا، قال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لضاع علم الحجاز، كان ابن عيينة -كما قلت- ثقة ثبتًا حافظًا، لكنه تغير في آخر عمه، والتغير بالآخرة ليس كالاختلاط، فهو أخف من الاختلاط، فهو أول درجات الاختلاط، وابن عيينة كان ثبتًا ورعًا تقيًا، عالمًا زاهدًا، كريمًا سخيًا، والمؤرخون عندما يترجمون لـ ابن عيينة يقولون: كان ابن عيينة فحلًا ثقة ثبتًا يرحلون له من مشارق الأرض ومغاربها، من اليمن والكوفة والبصرة يريدون الحج وأصل مرادهم ابن عيينة بنية مدخولة، فهل هذا الحج حج مبرور أم لا، حيث إن النبي ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات)؟
الجواب
لا تعارض بين أن يذهب لطلب العلم وينوي الحج؛ لأن الله يقول: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨] وبما أن الله قد أباح المنافع الدنيوية فمن باب أولى أن تكون المنافع الأخروية مباحة كطلب العلم.
إذًا: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨]، ومن أهم المنافع: طلب العلم؛ لأنه بالعلم تستقيم العبادة، فـ ابن عيينة كانوا يرحلون له، حتى إنه ذات مرة لما جلس مجلسه للحديث بكى وقال: (خلت الديار فسدت، إن هذا لزمان سوء)، ﵁ وأرضاه، وقد قال فيه الشافعي: ما رأيت أحسن تفسيرًا للحديث من ابن عيينة.
كان مجلس ابن عيينة يضج بطلبة العلم الذين يطلبون منه الحديث، ولكنه لم يكن واسع الرواية كـ سفيان الثوري، لكنه كان ثقة ثبتًا، وكان له اعتبار بين علماء الحديث، وكان من كبار أهل العلم.
وكان أيضًا عابدًا ورعًا تقيًا يحفظ حديث النبي ﷺ ويعمل به؛ ولذلك بارك الله له في العلم.
[ ١٠ / ٨ ]
من أقوال ابن عيينة ﵀
من درر كلامه قوله: تعلمنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله، وكان يقول: من عصى الله بالشهوة رجوت له التوبة، ومن عصى الله بالكبر فلا أرجو له ذلك، أو قال: لا رجوت له ذلك، فإن آدم عصى الله بالشهوة فتاب الله عليه فتاب، وأما إبليس فعصى الله بالكبر فلم يتب الله عليه، وهذا مصداق لقول النبي ﷺ: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، وأيضًا قول النبي ﷺ: (قال الله تعالى: الكبر ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما عذبته)، أو كما قال النبي ﷺ.
ومن درر كلامه ﵀ قوله: بوابة العلم الصبر، وهذا الكلام أيضًا استقاه منه الشافعي، فقد بين أن بوابة العلم الصبر على الطلب، وإن كان الأمر فيه مشقة، فإن المشقة دائمًا يلازمها بعد ذلك التيسير: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦]، وأنعم بقول السبكي عندما قال: من ألح الطرق فقد ولج، يعني: من أدام الطرق على الباب فقد ولج.
فلنعم الرجال هؤلاء العلماء! وآخر ما أقول: إن المرء لا يعيش مع أهل زمانه، إن أراد الرفعة والارتقاء فعليه مد بصره إلى هؤلاء الأخيار إلى هؤلاء الأكارم إلى هؤلاء الأماجد، إن عاش معهم ارتقى بنفسه وبهمته كما ارتقوا بهمتهم، وإن كان يدب كدبيب النمل فإنه سيصل، كما قال الحسن البصري: من سار على الدرب وصل وإن مشى ببطء.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
[ ١٠ / ٩ ]