التدليس له مفاسد عظيمة منها: تحليل الحرام وتحريم الحلال، وعدم الإخلاص، وتضعيف الثقات وتوثيق الضعفاء، وإيهام العلو ولا علو، إضافة إلى ما فيه من توعير الطرق على الواقفين على الحديث والباحثين عن صحته، ولقد كره السلف التدليس أيما كراهة وبعضهم حرمه.
وللمدلسين مراتب خمس، وكل مرتبة من المراتب لها حكمها الخاص بها، ويمكن معرفة التدليس في الحديث بطرق وأساليب متبعة معلومة لدى العلماء.
[ ٨ / ١ ]
مفاسد التدليس
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فإن التدليس له مفاسد عظيمة جدًا، وهذه المفاسد قد عدها كثير من العلماء لا سيما شعبة، وهو يقول: لئن أخر من السماء خير لي من أن أدلس، وكان يقول عن نفسه: أن يزني خير له من أن يدلس؛ وذلك لفحش التدليس، وحماد بن زيد كان يبين أن المدلسين من الذين يتشبعون بما لم يعطوا، فيدرجهم تحت حديث النبي ﷺ: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور).
[ ٨ / ٢ ]
من مفاسد التدليس تحليل الحرام وتحريم الحلال
مفاسد التدليس عظيمة جدًا ومتعددة، منها: أولًا: أعظم هذه المفاسد التي تنبع وتنتج من التدليس: تحليل الحرام وتحريم الحلال، بمعنى: أن المدلس إذا دلس على حديث ضعيف مثلًا، أو فيه راو ضعيف، فأسقط الضعيف وجعل سلسلة الإسناد كلها سلسلة منتقاة من الثقات، كل تلميذ فوقه شيخ ثقة، فالحديث أمام الناظر إليه أو غير المدقق يراه حديثًا صحيحًا، ويكون هذا الحديث مثلًا قد أحل حرامًا كأن النبيذ حلال، أو أن لحم الخنزير حلال، فإن كانت الرواية رفعت للنبي ﷺ بسند صحيح فلابد أن يقال: هذا حلال؛ لأنه مستثنى من الأصل العام، والنبي ﷺ قد قال ذلك، فمن المفاسد العظيمة أنه إما أن يحل حرامًا بحكم مرفوع للنبي ﷺ، أو يحرم حلالًا أيضًا بحكم رفع للنبي ﷺ، وطبعًا هذا نابع ومستقى من حديث النبي ﷺ: (ألا وإنما حرم رسول الله كما حرم الله، ألا وإنما أحل رسول الله ﷺ كما أحل الله)، فإذا رفع حديثًا حكمه حكم الرفع للنبي ﷺ يحل شيئًا أو يحرم شيئًا، وهذا الحديث في ظاهره الصحة، وفي باطنه أنه ضعيف، وأنه في بعض الطبقات من الوهن بمكان، فقد أحل حرامًا وحرم حلالًا، وهذه جناية شديدة جدًا على الشرع، وهو أيضًا من مفاسد الشريعة.
وهذه المسألة بينها جليًا نوح الجامع الذي قال فيه العلماء: نوح الجامع قد جمع كل شيء إلا الصدق، وعندما أخذوه ليعاقب على ذلك فيصلبوه قال: كيف تفعلون بألف حديث قد وضعت على الرسول ﷺ، أو كلمة نحو ذلك، يعني عدد نحو هذا، فقال له الأمير: يعيش لها الجهابذة، هم الذين يقفون بالمرصاد لهذه الأحاديث، لكن بتوعير الطرق على النقاد وبتضعيف حديث أو تصحيح حديث ينقلب الحرام حلالًا وينقلب الحلال حرامًا.
[ ٨ / ٣ ]
من مفاسد التدليس عدم الإخلاص
ثانيًا: من مفاسد التدليس عدم الإخلاص؛ لأن المدلس له مقاصد كثيرة منها: المقصد الأول: أن يبين كثرة الشيوخ كتدليس الشيوخ، فيكنيه مرة، ويسميه مرة، ويسمي بلدًا مرة، ومكانًا آخر مرة أخرى، ورحلته مرة، وهذه كلها داخلة في النية، فالمدلس يريد أن يبين للناس أنه رحل كثيرًا، ذهب إلى الشام، وذهب إلى بيت المقدس، وذهب إلى بلاد ما وراء النهر، كما بينا في الأمثلة السابقة، فهو يوهم الناس أنه رحل كثيرًا حتى يأتي بهذه الأحاديث، فتجتمع الناس عليه من كثرة رحلته، وهذه تدخل على نيات الشخص، بل تدخل الرياء عليه.
المقصد الثاني: أن فيه من الغش ما فيه؛ لقول النبي ﷺ: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) لأنه إنما أخذ عن شيخ واحد فقط، فهو يسميه مرة، ويكنيه مرة، ويلقبه مرة، فكأنه يكثر من شيوخه ليبين أنه له شيوخًا كثر أخذ عنهم، فهذه أيضًا من مفاسد التدليس، وهي مذمومة عند الله جل في علاه، فإن الإنسان إذا أراد وجه الله يعلم أن الممدوح بحق هو من مدحه الله جل في علاه، والمذموم بحق هو من ذمه الله جل في علاه، بل ألسنة العباد وقلوب العباد بيد الله.
دخل أعرابي على رسول الله ﷺ فقال له: (يا محمد! -بأبي هو وأمي ﷺ- يا محمد! أعطني فإن مدحي فين)، بمعنى: أنك لو أعطيتني مدحتك (فإن مدحي فين، وذمي شين، فقال له النبي ﷺ: ذاك الله)، فإن الممدوح بحق هو من مدحه الله، والمذموم بحق هو من ذمه الله جل في علاه، فالذي يتشبع بما لم يعط ليمدح فهو مدخول في نيته.
[ ٨ / ٤ ]
من مفاسد التدليس توعير الطريق على الواقف على الحديث
ثالثًا: من مفاسد التدليس: توعير الطرق على الناقد البصير، أو الواقف على الحديث، فإنه يسمي شيخه بغير اسمه، أو يلقبه بلقب غير مشهور، أو يكنيه بكنية غير مشهورة، فالواقف على الحديث ليصححه أو يضعفه حتى يبين للأمة أن هذا الحديث منسوب نسبة صحيحة للنبي، أو غير منسوب نسبة صحيحة للنبي ﷺ، يوعر عليه الطريق، فلا يستطيع أن يكشف أمر هذا المجهول الذي وعر طريقه المدلس، وهذا فيه ما فيه من الذم، وفيه ما فيه من الجرح، بل بعض العلماء قال: إن قصد ذلك فهو مجروح لا تؤخذ روايته ولا يروى عنه.
[ ٨ / ٥ ]
من مفاسد التدليس تضعيف الثقات وتوثيق الضعفاء
رابعًا: من المفاسد العظيمة للتدليس: تضعيف الثقات وتوثيق الضعفاء، وهذا موجود حتى في عصرنا، فقد يسمي الواحد منا شيخه بغير اسمه مرة -وقد يكون جالس شيخًا مرة واحدة- ويكنيه مرة بغير كنيته المشهورة؛ ليشتبه على السامعين -نسأل الله أن يعافينا من هذا الداء العضال- فالثقة بالتدليس يمكن أن يطعن فيه، والضعيف بالتدليس يمكن أن يرتقي بالثقات، كما في حديث بقية، أو حديث ابن أرطأة أو الوليد بن مسلم، وهذه مشهورة عن الوليد بن مسلم، فكان الأوزاعي يروي عن ضعفاء، والوليد بن مسلم يروي عن الأوزاعي، فيأتي الوليد بن مسلم مثلًا فيسقط الضعيف بين الأوزاعي وبين الثقة الذي هو شيخ شيخه، فيكون الإسناد مباشرة: الوليد بن مسلم وهو الثقة، عن الأوزاعي وهو الثقة، عن شيخ شيخ الأوزاعي الثقة أيضًا، أما الضعيف الذي بين الثقتين فأسقطه، لا سيما وإن كان شيخ شيخ الأوزاعي لم يكن معاصرًا له ولم يسمع منه، فالناظر والناقد لهذا الحديث في أول وهلة يرى أن سلسلة الإسناد سلسلة صحيحة، لكن الناقد البصير الجهبذ سينظر فيقول: إن الأوزاعي لم يرو عن شيخ شيخه هذا، ولم يرو الأوزاعي عن فلان إلا بواسطة، وهذه الواسطة لم يسقطها الوليد؛ لأنه يقول: حدثني الأوزاعي، ويقول: الأوزاعي أسقط الضعيف وعنعن عن الثقة، فـ الأوزاعي مدلس، فيتهمون الأوزاعي بالتدليس بسبب فعل الوليد بن مسلم، أو بسبب فعل بقية بن الوليد.
فهذا من المفاسد العظيمة: أن يجعل الثقة ضعيفًا بين العلماء، وإذا ضعف العلماء أو جرحوا الأوزاعي فستكون كل الأحاديث التي من طريق الأوزاعي ضعيفة ولا يؤخذ بها، وبهذا نكون قد ضيعنا كمًا من أحاديث النبي ﷺ.
فالمقصود أن التدليس يجعل الثقة في محل الضعفاء، ويجعل الضعيف في محل الثقات.
[ ٨ / ٦ ]
من مفاسد التدليس إيهام العلو ولا علو
خامسًا: من مفاسد التدليس: إيهام العلو ولا علو، وبهذا اتهم مالك؛ لأن مالكًا كان يروي عن ثور بن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس، فكان مالك يقول: بلغني عن ابن عباس، فيرويه عن ابن عباس بلاغًا، فبعض العلماء قالوا: كأنه إيهام بالعلو وهو ليس بعلو، وهو ظاهر طبعًا، وبعضهم اتهم مالكًا بالتدليس في ذلك.
ومثله في ذلك البخاري في التعليق.
[ ٨ / ٧ ]
من مفاسد التدليس الغش
سادسًا: من مفاسد التدليس: الغش، والنبي ﷺ قال: (من غشنا فليس منا)، فهذا فيه تزوير وترويج للضعفاء، وفيه طمس للحقائق، وهو طمس للثقات، ونحن نعيش في أزمنة طمس الحقائق فيها موجود، حيث تصدر الدعاة للعلم والفتوى، أما العلماء فتأخروا خلف الدعاة، وشمس الدعاة هي التي أشرقت، والبعض يتهمني بأني تكلمت كثيرًا عن مسألة الدعاة وطلبة العلم، وفهم أني قللت من شأن الدعاة، وإني لم أقلل من شأن العلماء والدعاة قط، ولكن هم الذين يقصدون ذلك، فكثير من الناس يريدون العلو لمن لا علو له، ويريدون الانخفاض لمن لا انخفاض له، وهذا من طمس الحقائق، فالواجب أن ندور مع قول الله تعالى: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف:٨٥]، وأن نخشى من قول الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين:١]، وأن نعمل بقول عائشة ﵂ كما في مقدمة الصحيح: (أمرنا أن ننزل الناس منازلهم)، وبحديث النبي ﷺ (لا يعرف لأهل الفضل فضلهم إلا أهل الفضل).
ولذلك نقول: دعاتنا لهم فضل عال وعظيم جدًا، فكفى بجهودهم النيرة، وكفى بسهر الليالي، ودعوة الناس بشتى البلاد، وإدخال الناس أفواجًا في دين الله جل في علاه، لكن كان يجب عليهم -وهذا هو الذي أنوه له- كان يجب عليهم أن يقولوا: هذه مهمتنا، والمهمة الأكبر عند فلان وعند علان، وأن يبينوا للناس هذا، فهذا هو الطلب، وهذه هي الدعوة؛ حتى يعلم الناس من الذين يذهب إليهم في الملمات؛ لأن الدنيا الآن تتخبط بمسائل عويصة جدًا، ومسائل شائكة جدًا، لا يفصل فيها إلا العلماء، بل لا يفصل فيها إلا الراسخون في العلم، فإذا زورنا على الناس فقد دخلنا في باب التدليس والطمس للحقائق أيضًا، فإظهار الحقائق واجب، رضي به من رضي وأنكره من أنكره، فهذا دين، والدين لا بد أن يحكم على الرءوس.
فإن قيل: المفسدة ستكون أعظم من المصلحة عند إظهار الحقائق، فنقول: إن كانت المفسدة هي شحن الصدور فالمخلص لا يشحن صدره شيء، والداعي المخلص أو طالب العلم المخلص عندما يسأل في مسألة لا يعرفها يقول: لا أحسنها، أو لا أعلم حلها، والواجب عليه أن يقول: لست لها، بل لها فلان وفلان، اذهبوا إلى فلان وتعلموا منه، فهذا هو الإخلاص، ودين الله لا يمكن أن ينتصر إلا بمثل ما فعل الأولون، كما قال الإمام مالك: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وكان ابن عباس يسأل في وجود زيد بن ثابت فيقول: كيف أجيب في وجود هذا الرجل، وهو شيخه ويحيل على زيد بن ثابت، بل معاذ بن جبل تحال عليه المسائل، وعقد مجلس كامل لمسألة معينة اختلف فيها المجتهدون من الصحابة أمثال عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب، وهي مسألة الإنزال، وهي: إذا جامع رجل امرأته فلم ينزل فماذا يفعل؟ فـ عثمان وفريقه يقولون: لا يغتسل، ويستندون لقول النبي ﷺ: (إنما الماء من الماء)، وعمر بن الخطاب يرى الاغتسال إذا التقى الختانان، فأحال عمر بن الخطاب المسألة على عائشة، وهذا من إنصافه، وإلا فـ عمر بن الخطاب أعلم من عائشة، فقد كان عمر بن الخطاب أعلم الصحابة في وقته بعد موت أبي بكر ﵁ وأرضاه، ومع ذلك علم أن إتقان هذه المسائل تأتي لمن احتك بها، والمتخصص فيها هو عائشة من نساء النبي ﷺ، فأحال المجلس بأسره إلى عائشة، وما سكتت عائشة، بل قالت كأنها تنكل بهم: كان أولى بكم أن تأتوني أولًا وتسألوني، ووهمت ابن عمر، وعمر، واستدركت على كثير من الصحابة؛ لأنها ترى الإتقان في هذه المسألة.
فهم لما تركوا النفس خلفهم ظهريًا، وقدموا الدين والإخلاص ارتفعوا وارتقوا، وكل واحد منهم كان يقدم من حقه التقديم، ويؤخر من حقه التأخير، أما الآن ففي الأمور تخليط، وهذا التخليط سيضيع الأمة، ونحن لا نحتاج للغثائية بحال من الأحوال، بل نحتاج إلى ما قاله النبي ﷺ (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم)، فإظهار الحقائق ليس طعنًا في أحد، فإن قلنا: هذا المدير مدير في مسألة التجارة والمحاسبة، لم يحزن إذا قلنا عنه: ليس مديرًا في الهندسة، أو الطب، وهؤلاء العوام إذا وضعت المحاسب في مكانه يفرح ويتعب، والناس يقولون: ضع الرجل في مكانه، وإن وضعته طبيبًا على الناس قلنا: أنت مدان شرعًا وعقلًا وفطرة، فهذا الدين هو أحق ما يكون فيه هذا القطع والفصل بين الطائفتين، وليس الفصل هو الطعن أبدًا، بل كل صاحب ثغرة يسدها ويعمل فيها، لكن عندما يعمل الناس في التئام ووئام واتفاق، مع معرفة كل إنسان قدره، فحينئذ ترتفع الأمة وتعلو، فهذه الأمة خابت وخسرت لأنها لم تعرف قدر رجالاتها.
ونحن الآن نطبق التدليس والطمس بالحقائق تطبيقًا عمليًا، وأمثلة الواقع الكثيرة تدل على هذا، من ذلك ما حصل في عنيزة، حيث كان يعقد الشيخ صالح بن عثيمين فيه مجلسًا، هذا الشيخ الجبل الذي لم نجد له خلفًا حتى الآن، فشمس فقهه أشرقت على دنيانا ثم غابت، ولم نجد من يحل محله حتى الآن، حتى الشيخ صالح الفوزان الذي قال فيه الشيخ ابن باز لما سألوه من نستفتي بعدك؟ فقال: صالح بن فوزان، ولكن لم يرتق أيضًا لمنزلة دقة نظر الشيخ صالح بن عثيمين، وانظر إلى كلامه وإفتاءاته، وانظر إلى ترجيحات الشيخ صالح بن عثيمين، هذا الشيخ صالح بن عثيمين كانت تعقد له مجالس العلم، وتعقد مجالس للشيخ سلمان أيضًا، فترى القلة تذهب إلى الشيخ صالح بن عثيمين، والكثرة تذهب إلى الشيخ سلمان العودة، وهذا من مقت الحقوق وتضييع الأمة؛ لأن الأمة لا تعرف ممن تأخذ، فالراسخون في العلم لا بد أن يوجد تحت أرجلهم، ويأخذ منهم العلم، أما الآخرون فهم يشيرون إلى أولئك، وإني لأستيقن أن الشيخ سفر، أو الشيخ سلمان، أو الشيخ ناصر العمر، وغيرهم من الدعاة للناس في السعودية كانوا يحيلون النظر على العلماء في الملمات، إلا إذا كان عندهم نظر فقهي مثلًا فيعود على شيخ من هؤلاء المشايخ المفتين، فيقول: أنا أخالف، ويبين الدليل، فمن رأى أنه راجح أخذ به.
فالمقصود أن هؤلاء هم الذين يحيلون الناس على هؤلاء، بل الطامة الكبرى التي حدثت مع الشيخ في السعودية لم يفصل النزاع فيها إلا الشيخ صالح بن عثيمين، فالمقصود أن ملمات المسائل لا يفصل فيها إلا العلماء الراسخون، وعندما نبين مكانة العلماء الراسخين من مكانة الدعاة ليس هذا طعنًا في الدعاة، بل الدعاة لهم المنة على الأمة بأسرها، فهم الذين يرققون قلوب الناس، ويدخلون الناس أفواجًا في حضيرة الالتزام، بل يرشدون الناس إلى من يأخذون منه العلم، فلهم عظيم المنة علينا وعلى الأمة بأسرها، لكنهم ليسوا بعلماء، ولا يمكن أن يستفتى واحد منهم في مسائل مشكلة أو في الملمات بحال من الأحوال؛ لأنهم ليسوا بعلماء، فالواجب أن نبين العالم من الداعي، فإذا خرج علينا العالم الداعي فهذا هو المطلوب، لكن طالما أن الصف الآن منشق إلى علماء ودعاة، فالدعاة المخلصون هم الذين يرشدون الناس إلى العلماء حتى يرجعوا إليهم في الملمات، والعلماء يرشدون الناس للدعاة المخلصين بأن يسمعوا لهم، ويجلسوا في مجالسهم، حتى ترقق قلوبهم، ويرتفعوا إلى ربهم جل في علاه، فالدعاة هذه هي مهمتهم، (فلأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم)، فانظروا إلى هذه المهمة العظيمة، والثغرة الكبيرة الجسيمة الذي يسدها الدعاة، فعندما نفرق بين العالم وطالب العلم والداعي فنحن لا نطعن في الدعاة بحال من الأحوال، ولا نرفع العلماء لمنزلة غير منزلتهم، لكن نحدد الطريق، ونبين للناس؛ لأن عدم التمييز هو الذي ضيع البشر كلهم، وهو الذي ضيع العامة كلها، والعامة الآن يهرفون بما لا يعرفون، وكل منهم يردد قولًا لا يعرف معناه، وذات مرة قال أحدهم لآخر: أنت سروري، فأتى الأخ إلي وهو يبكي فقال: أنا سروري، قلت له: سروري أحسن من حزيني، لكن من قال لك هذا هل يعرف معنى سروري؟ أقسم بالله أنه لا يعرفه، وأنا على يقين من ذلك، فكثير من الناس يهرفون بما لا يعرفون.
فالواجب أن يقف كل منا عند قدره وحده، ولا يهتم بمهاترات بعض الجاهلين، فإنه لن يسلم منها أحد، ولقد قيل للشيخ صالح بن عثيمين: إنك لا تنقي التلاميذ، والمنهج عندك لا بد أن يكون منضبطًا، فمن طلابك من هو سروري وحروري، ونحو من هذا الكلام، فقال الشيخ: أنا لن أرد، لم يسلم رب العالمين، ولم يسلم الرسل، فأسلم أنا! يستدل على ذلك بقول النبي ﷺ: (ما رأيت أحدًا أصبر على أذى من الله، يسبونه فيرزقهم ويعافيهم)، فعلى الإنسان أن يخلص لله جل في علاه في أموره ولا يلتفت لمثل هذه الأمور؛ لأن المعترك في الساحة هين، وينتهي في وقته، أما المعترك في الداخل فهو الأصعب، وهو الذي يجب أن ينتبه له، فإن كانت النية الأصلية أن تجعل طائفة أهل العلم هم الذين ترتكز عليهم الأمة بأسرها، وتنتصر بهم، فأنت على خير، أما إن كانت النية هي الشهرة والظهور فهي قاصمة الظهور، والله يعلم ما في القلوب، والمنافق يستدرجه الله جل وعلا حتى يقع على رقبته ورأسه ويلقى حتفه.
فالإنسان لابد أن يبين الحقائق، ويبين أن التدليس والطمس لا يصح بشرعنا، فشرعنا ليس به طمس للحقائق، والنبي ﷺ جعلها صراحة أمام الصحابة عندما كان في مرض موته وقال كما في الصح
[ ٨ / ٨ ]
مراتب التدليس
نختم الكلام على كتاب التدليس بذكر مراتب المدلسين، ومراتب المدلسين خمس، وعدها بعضهم أربعًا، والصحيح أنها خمسة مراتب:
[ ٨ / ٩ ]
المرتبة الأولى من اتهم بالتدليس باطلًا
المرتبة الأولى: لها أقسام ثلاثة: منهم من اتهم بالتدليس وليس منهم، وذكره من صنف في التدليس لينبه على أن هذا اتهام باطل وأنه ليس من المدلسين، ومن أمثلة هذا القسم الإمام مالك، حيث اتهم مالك بالتدليس في بلاغاته، وذلك أن الحديث يكون عن ثور بن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس مثلًا، فيقول مالك: بلغنا عن ابن عباس كذا، فيسقط ثور بن يزيد، ويسقط عكرمة، ويأتي بـ ابن عباس، فقالوا: هذا مدلس.
ومن أمثلته أيضًا البخاري فقد اتهموه بالتدليس، وممن اتهم أيضًا ابن حزم، أما البخاري فاتهم لما قال في حديث: (يأتي زمان على أمتي يستحلون الحر والحرير)، قال: قال هشام بن عمار، و(قال) هذه من الصيغ الموهمة، فاتهموه بالتدليس على ذلك، وأيضًا لما كان بينه وبين شيخه محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري مشاحنة، حيث رأى الكثرة في مجلسه فقال: البخاري يقول بخلق القرآن، وهذا زور وبهتان، لكن البخاري ديانة وإنصافًا روى عنه حديثًا؛ لأنه يعلم أنه من الثقة بمكان، فكان يأخذ عنه الحديث لكن كان يعمي عليه حتى لا يقول الناس: عدلته بالرواية عنه فكلامه فيك صحيح، فكان يفعل ذلك.
وممن اتهم بالتدليس أيضًا: مسلم وهشام بن عروة، فهؤلاء جبال لا يمكن أن يقترب منهم أحد، فهؤلاء قسم اتهموا بالتدليس وهم منه براء.
القسم الثاني: قوم دلسوا لكن على ندرة وبقلة جدًا، مثل أبي سعيد الأنصاري، ويزيد بن هارون الواسطي، حيث قال: ما دلست إلا في حديث واحد وما بورك لي فيه، فهؤلاء من الندرة بمكان، وهم أيضًا في المرتبة الأولى من المدلسين.
القسم الثالث: قوم خلط العلماء بين إرسالهم وتدليسهم، فأنزلوا الإرسال مكان التدليس؛ لأن الإرسال الخفي أقرب ما يكون إلى التدليس.
فالمرتبة الأولى عنعن أو لم يعنعن فحديثه صحيح، وأحاديثه كلها محمولة على الاتصال، وسواء اتهم أم لم يتهم، أو كان في تدليسه ندرة أو لم يكن.
[ ٨ / ١٠ ]
المرتبة الثانية من ثبت عليهم التدليس وهم أئمة عظام
المرتبة الثانية: قوم دلسوا وثبت عليهم التدليس لكن هم أئمة عظام، جبال في الحفظ وبحور في التحديث كـ الزهري والثوري، وبعضهم أدخل الأعمش، وبعضهم أدخل سليمان بن مهران معهم؛ لأنه كثير الحديث، وهذا فيه نظر، أما الثوري والزهري ومن في طبقة كثرة الحديث وعظم المكانة وقلة التدليس فهؤلاء لا يدلسون إلا عن ثقة كـ ابن عيينة، قال ابن حبان: ما أجد في الدنيا مثل ابن عيينة، فكأنه خص الحكم هذا بصنف واحد هو ابن عيينة فقط، وكأنهم بحثوا ونقبوا فوجدوا الذين يدلسون لا يدلسون إلا عن الثقات، وما وجدوا إلا ابن عيينة، فهؤلاء أيضًا العنعنة عندهم كالتحديث، فإن وجدت الثوري يعنعن فقل: هذا على الاتصال، وإن وجدت الزهري والعنعنة موجودة في الصحيحين فقل: هي على الاتصال، فالمرتبة الثانية أيضًا محمولة على الاتصال ولو عنعن، في الصحيحين أو في غير الصحيحين.
[ ٨ / ١١ ]
المرتبة الثالثة من أكثروا من التدليس وهم ثقات في أنفسهم
المرتبة الثالثة: قوم أشبعوا أنفسهم بالتدليس، وهذه أليق بـ الأعمش وابن جريج، فأصحاب المرتبة الثالثة يدلسون كثيرًا، وهم ثقات في أنفسهم، أقلهم صدوق وإن كان يهم فهو صدوق، وأصحاب هذه المرتبة لا تقبل عنعنتهم عند جماهير أهل العلم، بل لابد من التصريح بالسماع، وقال الجماهير: تقبل عنعنتهم في حالة واحدة هي: إن كانت الرواية في الصحيحين؛ لأن جميع أهل العلم قالوا: إن أصحاب الصحيح اشترطوا على أنفسهم شروطًا فلا يمكن أن يخلوا بها، بل قالوا: يمكن أنهم اطلعوا على طرق أخرى صرحوا فيها بالسماع.
أما الأمور الأخرى التي منها إن كان مكثرًا أو غير مكثر ففيها نظر كما قلت، وهذه الذي قالها الذهبي عن الأعمش عن أبي وائل؛ لأنه قال: كان مكثرًا وملازمًا، فلو عنعن لا بد أن يكون قد سمع في مجلس من المجالس، وقلنا: إن هذا منتقد في راوٍ من الرواة كان مكثرًا عن شيخه واتهمه أيضًا الذهبي بالتدليس في التذييل على المستدرك.
[ ٨ / ١٢ ]
المرتبة الرابعة قوم ثقات لا يدلسون إلا عن الضعفاء
المرتبة الرابعة: قوم يدلسون كثيرًا، ولا يدلسون إلا عن الضعفاء، حيث نقب المحققون والمدققون في الذين دلسوا عنهم فما وجدوهم إلا عن الهالكين الضعفاء، ومن هذه المرتبة الحسن البصري وابن جريج والحجاج بن أرطأة وبقية بن الوليد، والوليد بن مسلم، وحكم هذه المرتبة أننا لا نقبل منه حتى يصرح بالسماع، ونرى الشيخ الذي دلس عنه ثقة أم لا، فنحتاج إلى أمرين لقبول هذا الحديث: الأمر الأول: تصريح الراوي بالسماع، الأمر الثاني: النظر إلى الشيخ المصرح به هل هو ثقة أم لا؟
[ ٨ / ١٣ ]
المرتبة الخامسة مدلسون وهم في أنفسهم ضعفاء
المرتبة الخامسة: يدلسون وهم في أنفسهم ضعفاء، بخلاف المراتب الأربع فقد كان فيهم الثقات، وفيهم من هو صدوق، وفيهم من يهم وفيهم من يخطئ، لكن أصحاب المرتبة الخامسة مدلسون وضعفاء، وهؤلاء كأمثال ابن لهيعة، وكثير من الناس لا يقرون بتدليس ابن لهيعة لكن الصحيح الراجح أنه أيضًا مدلس.
وحكم أحاديث أصحاب هذه المرتبة أنها ضعيفة، سواء صرح الراوي بالسماع أو لم يصرح فحديثه ضعيف؛ لأنه ضعيف في نفسه، فالجناية أصلًا مرتبطة بالضعف لا بالتدليس؛ لأن العلماء النقاد يقفون أمام أحاديث التدليس موقف التثبت أولًا فيقولون: نوقف الكلام في الحديث حتى نرى الراوي هل صرح بالسماع أو لم يصرح؟ أما الضعيف فلا يرجئون النظر فيه؛ لاختلال شرط من شروط الصحة وهو ضعف الراوي.
فالضعيف المدلس لا يقبل حديثه بحال، إلا إذا كان ضعفه ضعفًا ينجبر كـ ابن لهيعة؛ لأن ابن لهيعة في حفظه شيء وفيه لين، فلو توبع وصرح بالسماع لقبل الحديث؛ لأن ضعفه ضعف ينجبر.
[ ٨ / ١٤ ]
طرق معرفة التدليس في الحديث
يمكن معرفة أن العنعنة عنعنة مدلس، أو أن هذا الحديث فيه تدليس عن طريق أمور: أولًا: إخبار المدلس نفسه، بأن يقول: دلست عليكم كذا، وكما عمل من صرح بأنه دلس أحاديث عن المغيرة، فقال: ما حدثتكم عن المغيرة فإني ما سمعت حديثًا واحدًا عنه.
ثانيًا: أن يلح عليه، كما قال الحاكم: يعرف تدليس المدلس بعد الإلحاح عليه، ومن ذلك ما حدث به ابن عيينة عن الزهري فقال: ما سمعته من الزهري، قال: ولا ممن سمعوا منه، إذ كانت السلسلة في الأصل عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، فأسقط شيخين بينه وبين الزهري، فهو صرح بالتدليس بعد أن ألح عليه.
ثالثًا: أن يشترط الراوي على المدلس أن يصرح، فيعرف هذا مدلس أو لا، كأحاديث أبي الزبير، فإنه إن كان الليثي يحدث عنه علمنا أن هذا مصرح فيه بالسماع، أو كـ قتادة وأبي إسحاق السبيعي والأعمش، فكل هؤلاء إذا روى عنهم شعبة فقد كفانا تدليسهم.
رابعًا: عن طريق جمع الطرق فتعرف علة الحديث، كما قال ابن المديني: لا يصل أحد إلى علة الحديث إلا بجمع الطرق، وذلك بأن تكون هذه الرواية تأتي بلا واسطة، ثم تأتي من طريق آخر بالواسطة، فنعلم من ذلك أن هذا الراوي مدلس، فنقول: هو لا يرويها عنه إلا بواسطة وقد أسقط الواسطة، إذًا: الطريق هذا طريق فيه علة.
مثال ذلك: أن يروي الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه حديثًا عن النبي ﷺ، فيجيء تلاميذ الأعمش فيروونه عنه بطريقين: الطريق الأول: يروونه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، والطريق الآخر: يروونه عن الأعمش عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، فيصير عندنا طريقان، وإحدى الطرق فيها إسقاط الواسطة، فالناقد البصير ينظر هذين الطريقين ويقول: الأعمش لا يمكن أن يروي عن أبي هريرة إلا بواسطة، فالطريق الذي ليس فيه الواسطة طريق فيه علة وهي علة التدليس، قد دلسه الأعمش عن أبي هريرة وأسقط أبا صالح.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
[ ٨ / ١٥ ]