شرح قول المصنف: "ثم المخالفة إن كانت بتغيير السياق فمدرج الإسناد، أو بدمج موقوف بمرفوع فمدرج المتن، أو بتقديم أو تأخير فالمقلوب، أو بزيادة راوٍ فالمزيد في متصل الأسانيد، أو بإبداله ولا مرجح فالمضطرب، وقد يقع الإبدال عمدًا امتحانًا، أو بتغيير مع بقاء السياق فالمصحّف والمحرّف، ولا يجوز تعمد تغيير المتن بالنقص والمرادف إلا لعالم بما يحيل المعاني، فإن خفي المعنى احتيج إلى شرح الغريب وبيان المشكل، ثم الجهالة وسببها أن الراوي قد تكثر نعوته فيذكر بغير ما اشتهر به لغرض، وصنفوا فيه الموضح .. "
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
لكن يكفي أن تذهب إلى ابن مهدي فيقول لك: الحديث معلول، تسأله عن الحجة لا يعطيك، تذهب للإمام أحمد فيقول لك: الحديث معلول، تذهب للقطان يقول لك: معلول، ابن معين يقول: معلول وهكذا، لكن كلهم يتفقون على أنه معلول لكن الحجة في ذلك قد تخفى، كثرة الممارسة للحديث ومعرفة رجاله، وأحاديث كل واحد منهم يتوصل به إلى معرفة أن هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان، فيعلون الأحاديث بذلك، نعم.
طالب:. . . . . . . . .
إذا لم يعارض يكتفى به، لكن إذا عورض ينظر من قبل إمام آخر.
ثالثًا: جمع طرق الحديث والنظر في اختلاف رواته والاعتبار بمكانتهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط، قال علي بن المديني: "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطأه".
رابعًا: النص على علة الحديث أو القدح فيه أنه معل من قبل إمام من أئمة الحديث المعروفين بالغوص في هذا الشأن، فإنهم الأطباء الخبيرون بهذه الأمور الدقيقة، فعلم العلل ليس بالشيء السهل الهين الذي يتصدى له آحاد الطلبة، فعلى المبتدئ أن يتجه إلى الأحاديث الصحيحة والأحاديث العملية فيعمل بها، فإذا عمل بالأحاديث الصحيحة بحث عن الأحاديث الضعيفة، وبحث عن عللها؛ ليتم له الذب عن سنة النبي -﵊-، أما شخص يتجه إلى العلل ويترك الأحاديث الصحيحة ويقول: الأحاديث الصحيحة مدركة لكل أحد وأنا أقوم بهذا؟ نقول: لا، لا يمكن حتى تتأهل، والله المستعان.
المدرج:
[ ٨ / ١ ]
قال الحافظ: "ثم المخالفة إن كانت بتغيير السياق -مخالفة الثقات- إن كانت بتغيير السياق فمدرج الإسناد، أو بدمج موقوف بمرفوع فمدرج المتن".
الحافظ -رحمه الله تعالى- يقصد أن مخالفة الراوي لغيره من الرواة الثقات وهي الوجه السابع من أوجه الطعن في الراوي إن كانت بتغيير سياق الإسناد فالواقع فيه ذلك التغيير مدرج الإسناد، وإن كانت المخالفة بدمج موقوف من كلام صحابي أو من دونه بمرفوع إلى النبي -﵊- فهذا ما يسمى بمدرج المتن.
والمدرج في اللغة: اسم مفعول من الإدراج، يقال: أدرجت الشيء في الشيء إذا أدخلته فيه وضمنته إياه، ويقال: أدرجت الكتاب في الكتاب إذا جعلته في درجه أي طيه، وأدرج فلان في أكفانه إذا أدخل فيها.
واصطلاحًا: هو ما غير سياق إسناده أو أدخل في متنه كلامًا ليس منه، ومن خلال التعريف يتضح أن المدرج قسمان: مدرج الإسناد ومدرج المتن، فمدرج الإسناد ما غير سياق إسناده سمي بذلك؛ لأن المغير له أدخل الخلل في إسناد الحديث.
صور الإدراج في الإسناد:
ولمدرج الإسناد أربع صور ذكرها الحافظ في النزهة وهي:
[ ٨ / ٢ ]
الصورة الأولى: أن يروي الحديث جماعة بأسانيد مختلفة، أن يروي الحديث جماعة بأسانيد مختلفة فيرويه عنهم راوٍ فيجمع الكل على إسناد واحد من تلك الأسانيد، ولا يبين الاختلاف، الحديث مروي من قبل جماعة من الرواة بأسانيد مختلفة، فيرويه عنهم راوٍ واحد فيجمع الكل على الإسناد، على إسناد واحد يختصر هذه الأسانيد بإسناد واحد ولا يبين الاختلاف، حديث الإفك مخرج في صحيح البخاري عن جمع كل واحد منهم حدث ببعضه، ولم يميز البخاري روية بعضهم من بعض، لكن كلهم ثقات، ومثل هذا لا يقدح؛ لأنه سواء كان نصفه الأول أو ربعه الأول من طريق واحد من هؤلاء، وربعه الثاني من طريق الثاني، وربعه الثالث من طريق الثالث، والرابع من طريق الرابع، أو العكس، يؤثر أو لا يؤثر؟ كلهم ثقات، لا يؤثر، لكن إذا روى البخاري عن ثقة، عن شخص ثقة وقال: حدثني بنصف الحديث، النصف الثاني عن من؟ وما النصف الذي حدثه به هذا الراوي والنصف الذي لم يحدثه به؟ وهذا موجود في كتاب الرقاق من صحيح البخاري: "حدثني فلان بنصفه" طيب النصف الثاني من حدثه به؟ لم يذكر، غاية ما هنالك أن النصف الثاني معلق، والنصف الأول موصول، لكن من الذي يميز النصف الأول من النصف الثاني؟ على كل حال النصف الأول موجود موصول عند البخاري، والنصف الثاني موجود موصول عند البخاري، ولا إشكال في صحة الخبر، لكن قد يشبه ما عندنا من الإدراج، مثال ذلك: ما روى أبو داود عن علي -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم» الحديث، فهذا الحديث قد أدرج فيه إسناد آخر، وبيان ذلك أن عاصم بن ضمرة رواه موقوفًا على علي، والحارث الأعور رواه مرفوعًا، فجاء جرير بن حزم وجعله مرفوعًا من روايتهما، هو مرفوع من رواية الحارث الأعور وهو ضعيف، وهو موقوف على علي من رواية عاصم بن ضمرة، جاء جرير بن حازم وجعله مرفوع من رواية عاصم والحارث، هذا إدراج، مع أن أبا داود ذكر أن شعبة وسفيان وغيرهما رووا هذا الحديث عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي ولم يرفعوه، فعلمنا أن جريرًا قد أدرج رواية عاصم مع رواية الحارث فجعل الحديث مرفوعًا من طريقهما.
[ ٨ / ٣ ]
الصورة الثانية: أن يكون المتن عند راوٍ بإسناد واحد، أن يكون المتن عند راوٍ بإسناد واحد، إلا طرفًا منه فإنه عنده بإسناد آخر فيرويه راوٍ عنده تامًا بالإسناد الأول ويحذف الإسناد الثاني، ومثال ذلك: ما روى أبو داود عن زائدة بن قدامة عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر في صفة صلاة النبي -ﷺ-، وفي آخره أنه جاء بعد ذلك في زمان فيه برد شديد، فرأى الناس عليهم جُل الثياب، تحرك أيديهم تحت الثياب، والصواب رواية من روى عن عاصم بن كليب بهذا الإسناد صفة صلاة النبي -ﷺ- فقط، من دون مجيئه بعد ذلك، من دون مجيئه بعد ذلك في زمان البرد، وفصل ذكر رفع الأيدي عنه فرواه عن عاصم عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل بن حجر.
ويلتحق بهذه الصورة ما إذا سمع الراوي من شيخه حديثًا بلا واسطة إلا طرفًا منه فيسمعه عن شيخه بواسطة فيرويه عنه تامًا بحذف الواسطة مع أنه لم يسمع الطرف إلا بواسطة، يروي نصف الحديث بغير واسطة عن شيخه، ويروي النصف الثاني عن هذا الشيخ بواسطة، فيأتي بالحديث كامل مع حذف الواسطة التي بها روى نصف الحديث الثاني عن ذلك الشيخ.
[ ٨ / ٤ ]
الصورة الثالثة: أن يكون عند الراوي حديثان مختلفان بإسنادين مختلفين، أن يكون عند الراوي حديثان مختلفان بإسنادين مختلفين فيرويهما عنه راوٍ مقتصرًا على أحد الإسنادين، أو يروي أحد الحديثين بإسناده الخاص به لكن يزيد فيه من المتن الآخر ما ليس منه، أن يكون عند الراوي حديثان مختلفان بإسنادين مختلفين فيرويهما عنه راوٍ مقتصرًا على أحد الإسنادين، أو يروي أحد الحديثين بإسناده الخاص به، لكن يزيد فيه من المتن الآخر ما ليس منه، أنا أقول: هذه الصور تحتاج إلى شيء من البسط في سبورة أو في وسيلة إيضاح، لكن من معه الشرح يمكن يتابع، مثال ذلك: ما روى سعيد بن أبي مريم عن مالك عن الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا» الحديث متفق عليه، فقوله: «لا تنافسوا» مزيدة في هذا الحديث من حديث آخر لمالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تنافسوا» فهذه الجملة لا توجد في الحديث السابق لكنها مروية بإسناد آخر صحيح فأضيفت إلى الحديث الأول.
[ ٨ / ٥ ]
الصورة الرابعة: أن يسوق الراوي الإسناد فيعرض له عارض، يسوق إسناد حديث فيعرض له عارض فيتكلم بكلام من تلقاء نفسه مناسب لهذا العارض، فيظن السامع أن هذا الكلام هو متن ذلك الإسناد، أن يسوق الراوي الإسناد فيعرض له عارض فيقول كلامًا من قبل نفسه فيظن من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد فيرويه عنه كذلك، ومثال ذلك: ما وقع لثابت بن موسى الزاهد أنه دخل على شريك القاضي وهو يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله -ﷺ- ..، شريك بن عبد الله بن أبي نمر القاضي يحدث يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال رسول الله -ﷺ- ..، فدخل ثابت، ثابت بن موسى الزاهد، وثابت بن موسى الزاهد صاحب صيام وقيام، وجهه كأنه مذهبة، عليه النور والبهاء، فلما ساق شريك القاضي الإسناد السابق ودخل هذا الرجل الذي يتلألأ وجهه قال: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" هو يقصد ثابت الذي دخل، السامع -الذين سمعوا- قالوا: إن هذا المتن هو لذلك الإسناد الذي ساقه، وثابت أيضًا ممن ظن هذا الظن، فظن أن هذا المتن لذلك الإسناد، فدخل ثابت عليه فلما نظر إلى ثابت قال: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار"، يريد بذلك ثابتًا، فظن ثابت أن ذلك سند الحديث فكان يحدث به بهذا الإسناد، هذا ليس بحديث، وثابت زاهد عابد، وعرفنا أن الزهاد والعباد الذين غفلوا عن معرفة السنن وقعوا في شيء من الوضع، ومثل بعضهم لهذا النوع وجعله من الموضوع، وليس بحديث، رُفع إلى النبي -﵊- عن طريق الخطأ، والله المستعان.
لكن هل يضير ثابت؟ هل يأثم ثابت في هذا الصنيع؟ أخطأ بلا شك، وغفل لكنه بصدد ما هو مقبل عليه من عبادة وزهد وانصراف عن الدنيا، نعم، هو مفضول بالنسبة لمن أنصرف إلى العلم؛ فالعلم أفضل من العبادة، العلم أفضل من جميع نوافل العبادات، والله المستعان.
مدرج المتن:
القسم الثاني: مدرج المتن:
[ ٨ / ٦ ]
تعريفه: أن يدخل في حديث رسول الله -ﷺ- شيء من كلام بعض الرواة من غير فصل، وحاصله: أن يذكر الراوي صحابيًا أو غيره كلامًا لنفسه أو لغيره فيرويه من بعده متصلًا بالحديث، إما أن يعقب على الحديث ببيان معناه من غير فصل ثم يأتي من يرويه كاملًا، الحديث المرفوع مع تفسير هذا الراوي.
حاصله: أن يذكر الراوي كلامًا لنفسه أو لغيره فيرويه من بعده متصلًا بالحديث من غير فصل يميزه عن الحديث فيتوهم من لا يعرف حقيقة الحال أنه من الحديث، والفرق بينه وبين الصورة الرابعة مدرج الإسناد هنا: " «إن أمتي يبعثون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء» " فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل" من استطاع .. إلى آخره من كلام أبي هريرة -﵁-، ما الفرق بينه وبين كلام ثابت بن موسى الزاهد الذي تقدم: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار"؟ الفرق بينه وبين الصورة الرابعة من مدرج الإسناد أن مدرج الإسناد يكون بتمامه مما يظن أنه حديث مستقل، وأما مدرج المتن فيظن أنه جزء من الحديث.
أقسام مدرج المتن ثلاثة:
وأقسام مدرج المتن ثلاثة: مدرج في أول المتن، مثاله حديث: "أسبغوا الوضوء «ويل للأعقاب من النار» «ويل للأعقاب من النار» هذا حديث ثابت في الصحيحين وغيرهما لكن "أسبغوا الوضوء" مدرج من قول أبي هريرة -﵁-، يدل على الإدراج ما رواه البخاري عن أبي هريرة أنه قال: "أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم -ﷺ- قال: «ويل للأعقاب من النار» وهذا القسم نادر جدًا –الإدراج في أول المتن-.
والثاني: المدرج في أثناء المتن، ومثاله: ما رواه الدارقطني عن بسرة بنت صفوان قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «من مس ذكره أو أنثييه أو رُفْغَيه فليتوضأ» الأصل: «من مس ذكره فليتوضأ» فأدرج في الخبر: "أو أنثييه أو رفغيه"، فقوله: "أو أنثييه أو رفغيه" مدرج من قول عروة غير مرفوع، رواه الدارقطني وهو في السنن الأربعة بدونها، ومن أمثلة المدرج في أثناء المتن تفسير التحنث بالتعبد في حديث بدء الوحي "فكان يتحنث -وهو التعبد-" فهو مدرج، الأكثر على أنه من قول الزهري.
[ ٨ / ٧ ]
الثالث: مدرج في آخر المتن وهو الأكثر، ومثاله: حديث أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار لوضوء» "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" قوله: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" مدرج من كلام أبي هريرة، قال الحافظ ابن حجر: "لم أرَ هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة وهم عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه"، كذا قال وهو في مسند الإمام أحمد وفيه هذه الزيادة من رواية ليث عن كعب عن أبي هريرة، فكعب تابع نعيمًا على رواية هذه الزيادة عن أبي هريرة.
وينشأ الإدراج في المتن عن عدة أسباب منها:
أن يقصد الراوي تفسير كلمة غريبة كتفسير التحنث بالتعبد، أو يقصد بيان تمام عمل، ومثاله: حديث ابن مسعود في التشهد وفي آخره: "فإذا قلت ذلك فقد قضيت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد" يريد ابن مسعود أن يبين أن الصلاة تمت بهذا.
بم يعرف الإدراج؟
ويعرف الإدراج بأمور منها:
النص عليه من الراوي كما تقدم: "أسبغوا الوضوء فإن أبا القاسم -ﷺ- قال" هذا نص الراوي، وميز بين قوله من قول النبي -﵊-.
ورود اللفظ المدرج منفصلًا في رواية أخرى.
الثالثة: استحالة صدور الكلام المدرج من النبي -﵊- كقول أبي هريرة -﵁- في حديث: "للعبد المملوك الصالح أجران، للعبد المملوك الصالح أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك" هل يمكن أن يقول النبي -﵊-: "لولا الجهاد في سبيل الله وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك؟ " لا يمكن، وجه استحالته أن أمه -﵊- قد ماتت وهو صغير قبل البعثة.
حكم الإدراج:
[ ٨ / ٨ ]
وأما حكم الإدراج: فلا يخلو: إما أن يكون عن خطأ أو عن عمد، فإن كان عن خطأ فلا حرج على المخطئ، إلا أن كثرة الخطأ تقدح في ضبطه وإتقانه، وإن كان عن عمد فإنه حينئذ يكون حرامًا، لما يتضمن من التلبيس والتدليس ومن عزو القول إلى غير قائله إلا أن يكون الإدراج لتفسير شيء في الحديث ففيه بعض التسامح، والأولى أن ينص الراوي على بيانه.
من هذا من الإدراج وهو مما ينبغي العناية به ويقع فيه الكثير، ونحن ونحن نقرر هذا الكلام نقع فيه كثيرًا، كيف؟ ننقل كلام لبعض أهل العلم ونعقبه بكلام لنا من غير فصل، السامع إذا سمعك تقول: قال شيخ الإسلام، تنقل كلام شيخ الإسلام وتتبعه بكلام لك من غير فصل هذا إدراج، والأولى أن يقال: انتهى كلامه -﵀-، قلت، كما يقوله الأئمة، يفصل كلام المنقول عنه من كلام الناقل، هذا الأولى لكن أحيانًا يغفل الإنسان، نعم، ويطرأ عليه كلام يخشى أن ينساه فيقحمه أحيانًا في أثناء النقل، وأحيانًا يعقبه به من غير فصل، والله المستعان، لكن يتجاوز هذا في الكلام العادي لكن في المكتوب ينبغي أن ينص على كل شيء.
المقلوب:
ثم قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: "أو بتقديم أو تأخير فالمقلوب"، أو بتقديم أو تأخير فالمقلوب، يقصد الحافظ -رحمه الله تعالى- أن مخالفة الراوي لغيره من الرواة إن كانت بتقديم أو تأخير في أسماء رجال الإسناد أو في متن الحديث فهذا النوع يسمى المقلوب، وهو في اللغة: اسم مفعول من القلب، تقول: قلبته قلبًا من باب ضرب، حولته عن وجهه، وكلام مقلوب مصروف عن وجهه، وقلب بالتشديد مبالغة وتكثير، وفي التنزيل: ﴿وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ﴾ [(٤٨) سورة التوبة] فالمقلوب المصروف عن وجهه.
اصطلاحًا: هو الحديث الذي تُصرف في سنده أو متنه بتقديم أو تأخير ونحوه عمدًا أو سهوًا.
أنواع القلب:
أنواع القلب: القلب في الحديث على ثلاثة أنواع: القلب في الإسناد وله صورتان: الأولى: أن يكون الحديث مشهورًا براوٍ فيجعل مكانه آخر في طبقته، نحو حديث مشهور عن سالم فيجعله الراوي عن نافع، يكون قلب الحديث قلب الإسناد، هو عن سالم فيجعله عن نافع أو العكس.
[ ٨ / ٩ ]
الثانية: أن يكون القلب بالتقديم والتأخير في رجال الإسناد كأن يقول: كعب بن مرة بدل مرة بن كعب، نصر بن علي بدل علي بن نصر.
القلب في المتن، ومثاله: ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وفي الحديث: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمنيه ما تنفق شماله» كذا وقع في صحيح مسلم، والصحيح المعروف «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» كما في البخاري وغيره، والصدقة تكون باليمين وإلا بالشمال؟ باليمين، «حتى لا تعلم يمنيه ما تنفق شماله» على هذا كانت النفقة بالشمال، والذي في البخاري: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» لكن الرواية في صحيح مسلم، كيف نصون الصحيح عن مثل هذا الخطأ؟ جاء في الحديث الصحيح في صحيح البخاري وبغيره: «ما يسرني أن لي مثل أحد ذهبًا تأتي علي ثالثة –يعني ليلة ثالثة- وعندي منه دينار»، وفي رواية: " «وعندي منه شيء إلا أن أقول به هكذا وهكذا وهكذا وهكذا» عن يمنيه وعن شماله ومن أمامه ومن خلفه" فلكثرة الإنفاق قد ينفق الإنسان بيمينه وقد ينفق بشماله، وقد ينفق من أمامه ومن خلفه، فعلى هذا يمكن أن يتأول أو تتأول هذه الرواية بأنه لكثرة إنفاقه نعم، إنه أحيانًا ينفق عن جهة اليمين، وأحيانًا عن جهة الشمال، وبهذا نكون نصون الصحيح من الخطأ، يمكن وإلا ما يمكن؟ له وجه وإلا ما له وجه؟ نعم، له وجه، ونسلك مثل هذا الكلام صيانة للصحيح لئلا يتطاول الجهال على مثل هذه الكتب، وإلا كل من شرح الحديث قال: إنه مقلوب، وصوابه: أنه لا تعلم شماله ما تنفق يمينه؛ لأن الإنفاق يكون باليمين، نقول: هذا الرجل الذي يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله كثير الإنفاق جدًا، ويبينه حديث: " «ما يسرني أن لي مثل أحد ذهبًا تأتي علي ثالثة وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدين إلا أن أقول به هكذا وهكذا وهكذا وهكذا» عن يمنيه وعن شماله .. " فيمكن الإنفاق من جهة الشمال.
[ ٨ / ١٠ ]
الثالث: القلب في السند والمتن معًا، وهو أن يؤخذ إسناد متن فيجعل على متن آخر وبالعكس، من أمثلة المقلوب: حديث البروك قال بعضهم: إنه انقلب على راويه: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه» قال بعضهم: إنه انقلب الحديث وإلا فالأصل: "وليضع ركبتيه قبل يديه" لماذا؟ لأن البروك يقدم يديه قبل ركبتيه، هذا الكلام صحيح وإلا ليس بصحيح؟ مقلوب وإلا ليس بمقلوب؟
طالب:. . . . . . . . .
ممن قال به ابن القيم، وقلده كثير من أهل العلم، ورجحوا الحديث الثاني حديث أبي هريرة عليه أن النبي -﵊- كان إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه، والصواب أن حديث البروك أرجح من هذا وأصوب وأصح، وهذا نص عليه الحافظ ابن حجر وغيره، وهو أقوى من حديث أبي هريرة فإن له شاهد من حديث ابن عمر، حديث البروك أقوى من الحديث الثاني، كيف يكون أقوى وهو مقلوب؟ يعني إذا قلنا: إنه مقلوب والأصل: "وليضع ركبتيه قبل يديه" هل يمكن أن يرجح على الحديث الثاني؟ يمكن أن يرجح عليه؟ ما يمكن، لأن معناهما واحد، متى نرجح هذا الحديث على الحديث الذي يليه؟ إذا قلنا: أنّ ما في قلب سليم "وليضع يديه قبل ركبتيه" وليضع يديه قبل ركبتيه ولا في قلب ولا إشكال، وحينئذ يكون أرجح من حديث: "كان رسول الله -ﷺ- إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه".
بقي علينا كيف نوفق بين أول الحديث وآخره؟ كيف يقول النبي -﵊-: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه» إذا وضع يديه قبل ركبتيه شابه البعير صح وإلا لا؟ كيف نقول: إنه أصح من حديث أبي هريرة ونقول: إنه مقلوب؟ هو في معنى حديث أبي هريرة، إذا قلنا: إنه مقلوب فلا اختلاف بينه وبين حديث أبي هريرة، هذا من قوله وهذا من فعله -﵊- ومعناهما واحد، إذا قلنا: هو أرجح وليس فيه قلب، الحديث صحيح وهو أصح من حديث أبي هريرة «وليضع يديه قبل ركبتيه» والسنة أن يضع المصلي يديه قبل ركبتيه، كيف نوفق بين أول الحديث وبين آخره؟ ما معنى بروك البعير؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ٨ / ١١ ]
لا هو إذا قدم يديه قبل ركبتيه البعير يقدم يديه قبل ركبتيه، لكن ما معنى بروك البعير؟ بروك البعير يقال: برك البعير وحصحص البعير إذا أثار الغبار وفرق الحصى، إذا ألقى الإنسان بيديه بقوة على الأرض برك مثل ما يبرك البعير، لكن إذا وضع يديه على الأرض مجرد وضع امتثل الأمر «وليضع يديه قبل ركبتيه» ولا أشبه البعير في بروكه، فرق بين أن يضع الإنسان يديه وبين أن يبرك كما يبرك البعير، فبروك البعير هو إلقاؤه بقوة على الأرض، وأنتم تسمعون إذا قيل: إنسان مريض أو كبير في السن ثم أراد أن يجلس وقع على الأرض بقوة يقال: برك، نعم، والبعير بقوة ينزل على الأرض، فإذا نزل مقدمًا يديه قبل ركبتيه بقوة أشبه البعير، إذا كان مجرد وضع امتثل الأمر ولم يشبه بروك البعير، لكنه إذا قدم ركبتيه قبل يديه بقوة أشبه الحمار بعد، نعم، يشبه الحمار، وعلى هذا لا يكون فيه قلب، معناه صحيح وأوله يشهد لآخره، وآخره مناسبة لأوله، وليس فيه قلب، ومجرد الوضع يختلف عن الرمي والإلقاء والطرح، ولذا يجيز أهل العلم وضع المصحف على الأرض، تضع المصحف على الأرض جائز، لكن ترمي بالمصحف على الأرض يجوز وإلا لا؟ لا، لا، هذا خطر عظيم، هذا استهتار واستخفاف بالقرآن، بكلام الله -﷿-، وعلى هذا يكون الراجح حديث البروك، لكن إيش معنى البروك؟ نقف عند معنى البروك، ولا قلب في الحديث.
طالب:. . . . . . . . .
اشتبه عليه التبس عليه كيف يقدم يديه ولا يشبه بعير؟ حقيقةً التنصيص على مثل هذا نادر عند أهل العلم، ما ينص عليه، لكن كيف يصحح الحديث مع فهم ابن القيم؟ ما يمكن أن يصحح، والأئمة صححوا الحديث، كيف يصحح الحديث مع اختلاف أوله مع آخره؟ إلا أن معنى الأول يختلف عن معنى الآخر، والله المستعان.
القلب في السند والمتن معًا: وهو أن يؤخذ إسناد متن فيجعل على متن آخر وبالعكس، وهذا النوع قد يقصد به الإغراب فيكون كالوضع، وقد يفعل اختبارًا لحفظ المحدث كما وقع للإمام البخاري لما ورد بغداد فيما رواه ابن عدي وغيره، فعمد أصحاب الحديث إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، ودفعوها إلى عشرة، لكل واحد منهم عشرة أحاديث، إلى آخر القصة.
[ ٨ / ١٢ ]
علماء بغداد سمعوا بالبخاري ولما قدم اجتمع عليه وجوه الناس فأرادوا أن يختبروه، فعمدوا إلى مائة حديث وأعطوا كل واحد منهم عشرة، كل رجل أعطوه عشرة أحاديث، وجعلوا سند الحديث الأول للثاني، وسند الثالث للرابع، والخامس والسابع إلى آخر المائة، وألقوا العشرة عليه مقلوبة، فألقاها الأول العشرة والبخاري ساكت على القلب، ثم جاء الثاني فألقى العشرة على الإمام وهو ساكت، الثالث، الرابع، العاشر، لما انتهى التفت إلى الأول قال: حديثك الأول قلت فيه كذا وصوابه كذا، الثاني قلت فيه كذا وصوابه كذا، يعني كون البخاري يحفظ الصواب ما هو بغريب، لكن الغريب كونه يحفظ الخطأ، ثم يرده إلى الصواب إلى تمام المائة.
وهذه القصة يقدح فيها بعضهم؛ لأن ابن عدي يرويها عن عدة من شيوخه ولم يسم واحدًا منهم، فقالوا: هذه القصة جاءت ..، ذكرها ابن عدي عن مجاهيل، لكن هؤلاء المجاهيل هم من شيوخ ابن عدي، وهم عدد، ليسوا بواحد ولا اثنين ولا ثلاثة، حدثني عدة من شيوخنا، وبعضهم يجبر بعضًا، وحينئذ تكون القصة ثابتة، نعم هم مجاهيل، لكن مجهول مع مجهول مع مجهول يتقوى بلا شك، والإمام البخاري أهل لمثل هذا.
وفي آخر القصة: "فرد متن كل حديث إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل" وبالنسبة لحكم القلب لا يخلو القلب إما أن يكون عن قصد أو عن غفلة وعن غير قصد، فإن كان عن قصد فلا يخلو: إما أن يكون للإغراب فلا شك في أنه لا يجوز، إذا كان هدف الذي قلب ليقال أن عنده حديث لا يوجد إسناده عند غيره، إن كان القصد منه الإغراب فلا شك في أنه لا يجوز، وأما إن كان للاختبار فقد فعله كثير من المحدثين مما يدل على جوازه، شريطة ألا يستمر عليه، بل ينتهي بانتهاء الحاجة، وإن كان القلب من غير قصد فلا شك أن فاعله معذور؛ لأنه لم يقصد إليه إلا أنه إذا كثر يجعل المحدث ضعيفًا لضعف حفظه وضبطه.
المزيد في متصل الأسانيد:
[ ٨ / ١٣ ]
قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: "أو بزيادة راوٍ فالمزيد في متصل الأسانيد"، فالمزيد في متصل الأسانيد، ويقصد الحافظ -رحمه الله تعالى- أن مخالفة الراوي لغيره من الرواة إن كان بزيادة راوٍ في أثناء الإسناد، ومن لم يروها أتقن ممن زادها، من لم يزد هذه الزيادة أتقن ممن زادها فهذا النوع يسمى المزيد في متصل الأسانيد.
وعرفه الحافظ ابن كثير بقوله: هو أن يزيد راوي في الإسناد رجلًا لم يذكره غيره، وفي شرح الملا علي قاري على النزهة: هو أن يزيد الراوي في إسناد حديث رجل أو أكثر وهمًا منه وغلطًا، وشرطه كما قال الحافظ في النزهة: أن يقع التصريح بالسماع في موضع الزيادة، وإلا فمتى كان معنعنًا ترجحت الزيادة، ومثاله: حديث أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» مثاله: حديث أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» رواه مسلم، قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن حديث رواه ابن المبارك عن ابن جابر عن بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس عن واثلة عن أبي مرثد، فقال: يريدون أن ابن المبارك وهم في هذا الحديث، أدخل أبا إدريس الخولاني بين بشر بن عبيد الله وبين واثلة".
وقال الترمذي: "الصحيح أنه ليس فيه عن أبي إدريس، وقد صرح بسر بالسماع من وثلة كما في رواية أبي داود"، وأيضًا في إسناده زيادة أخرى وهي ذكر سفيان بين ابن المبارك وابن جابر، وهي وهم ممن دون ابن المبارك؛ لأن جماعة من الثقات رووه عن ابن المبارك عن ابن جابر نفسه، ومنهم من صرح فيه بلفظ الإخبار بينهما.
وهذا النوع وهو المزيد في متصل الأسانيد، تجد حديث رباعي وتجد هذا الحديث مروي من طريق هؤلاء الأربعة، بين الثاني والثالث زيادة راوي فيكون خماسي، والسند الرباعي بين الثالث والرابع حدثنا فلان، اللي هو مكان الزيادة في السند الثاني.
[ ٨ / ١٤ ]
يروي زيد عن عمرو عن سعيد عن خالد عن بكر، زيد عن عمرو عن خالد، يأتي شخص راوي ثاني فيقول: زيد عن عمرو عن سعيد عن خالد عن بكر، فيزيد راوي وهو سعيد، السند الأول رباعي، والثاني خماسي، إذا كان عمرو صرح بالسماع عن خالد، قال: عن عمرو سمعت خالدًا يحدث عن بكر، أو لا يعرف بتدليس وقال: (عن) فالسند متصل بدون سعيد، لكن هل سعيد خطأ وإلا ليس بخطأ؟ ذكر سعيد زيادة لا وجه لها؟ أو يحتمل أن عمرًا مرة سمعه من سعيد عن خالد ثم لقي خالد فسمعه منه من غير واسطة؟ احتمال، نعم، وعلى هذا فالحكم للقرائن، إن رجحت القرائن أن عمرًا سمعه مباشرة من خالد وسعيد لا وجود له في الرواية فهو من المزيد في متصل الأسانيد، وإن كانت القرائن ترجح احتمال أن عمرو سمعه عن خالد بواسطة سعيد ثم أنه لقي خالد مرة ثانية فسمعه منه فهذا ليس بمزيد، بل يكون عمرو سمع الحديث على الوجهين، مرة سمعه عن سعيد عن خالد، ومرة لقي خالدًا وسمعه منه من غير واسطة، فإذا رجحت القرائن أن سعيد ليس له علاقة وصرح عمرو بالسماع من خالد فهو المزيد في متصل الأسانيد، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
طالب:. . . . . . . . .
متى كان معنعنًا؟
طالب:. . . . . . . . .
معروف يعني إذا كان في مثالنا يرويه عمرو عن خالد، ومرة قال: عن عمرو عن سعيد عن خالد، احتمال أن يكون عمرو أسقط سعيد، نعم، ورواه عن خالد مباشرة؛ لأن (عن) تحتمل السماع، صيغة محتملة، لكن إذا افترضنا أن عمرو غير معروف بتدليس فهي محمولة على الاتصال مثل (سمعت)، نعم، إذا كان معنعن وعمرو معروف بالتدليس تترجح الزيادة بلا شك، أما إذا كان غير معروف بالتدليس فكأنه صرح بالسماع، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
المضطرب:
[ ٨ / ١٥ ]
قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: "أو بإبداله ولا مرجح فالمضطرب" يقصد الحافظ -رحمه الله تعالى- أن المخالفة إن كانت من الراوي بإبداله الشيخ المروي عنه أو بعضًا من المروي، فالحديث حينئذ يسمى المضطرب، "أو بإبداله ولا مرجح" الذي قبله أو بزيادة راوٍ، إن كانت مخالفة الراوي للثقات بزيادة راوٍ فالمزيد في متصل الأسانيد، وإن كانت هذه المخالفة بإبداله، والإبدال يشمل ما كان في السند وما كان في المتن ولا مرجح فالمضطرب، فعلى هذا يكون شاملًا لمضطرب السند ومضطرب المتن.
المضطرب: اسم فاعل من الاضطراب وهو اختلال الأمر، وفساد نظامه، ويقال: اضطرب الأمر اختل، واضطرب البرق في السحاب تحرك، واضطرب الحبل بين القوم إذا اختلفت كلمتهم.
والمضطرب في الاصطلاح: هو الحديث الذي يروى على أوجه مختلفة متساوية، الذي يروى على أوجه مختلفة متساوية، يقول ابن الصلاح: "المضطرب من الحديث هو الذي تختلف الرواية فيه فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر مخالف له"، وإنما نسميه مضطربًا إذا تساوت الروايتان، أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه أو غير ذلك من جوه الترجيحات المعتمدة فالحكم للراجحة، ولا يطلق عليه حينئذٍ وصف المضطرب ولا له حكمه"، يعني أن المضطرب لا بد أن يكون لحديث مرويًا على أوجه لا على وجه واحد، فالذي يروى على وجه واحد لا يمكن أن يسمى مضطربًا، فلا بد أن يكون على أوجه، وأن تكون هذه الأوجه مختلفة، فإن كانت متفقة فلا اضطراب، ولا بد أن تكون متساوية، بحيث لا يمكن ترجيح بعضها على بعض، بهذه القيود يسمى الخبر مضطربًا، أن يروى على أوجه مختلفة متساوية، إن أمكن ترجيح بعضها على بعض انتفى الاضطراب.
أقسام المضطرب:
وينقسم الاضطراب بحسب موقعه في الحديث إلى ثلاثة أقسام:
[ ٨ / ١٦ ]
الأول: الاضطراب في السند وهو الأكثر، ومثاله: حديث أبي بكر -﵁- أنه قال: يا رسول الله أراك شبت؟ قال: «شيبتني هود وأخواتها» قال الدارقطني: "هذا حديث مضطرب فإنه لم يروَ إلا من طريق أبي إسحاق وقد اختلف فيه على نحو عشرة أوجه" فمنهم من رواه مرسلًا، ومنهم من رواه موصولًا، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة، ورواته ثقات لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض، والجمع متعذر كما قرره الحافظ ابن كثير في اختصار علوم الحديث، فهذه الأوجه في سند هذا الحديث عشرة وهي مختلفة متساوية بحيث لا يمكن ترجيح بعضها على بعض، وقد لاح لبعضهم ترجيح بعض الطرق على بعض فانتفى الاضطراب عن الحديث.
ومثل ابن الصلاح لمضطرب السند بحديث الخط في السترة، قد روي على أوجه ذكرها ابن الصلاح وغيره، مع عدم تمكنه من ترجيح بعضها على بعض، لكن الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام نفى الاضطراب عن الحديث فقال: "لم يصب من زعم أنه مضطرب بل هو حديث حسن"، وعلى كل حال قد يخفى وجه الترجيح على بعض أهل العلم فيحكم بالاضطراب، ثم يلوح لآخر فينفي عنه الاضطراب.
الثاني: الاضطراب في المتن وهو نادر، ومثاله: حديث البسملة الذي خرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك: قال: "صليت خلف النبي -ﷺ- وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [(٢) سورة الفاتحة] ولا يذكرون ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [(١) سورة الفاتحة] في أول قراءة ولا في آخرها".
[ ٨ / ١٧ ]
قال ابن عبد البر: "هذا الحديث مضطرب، وبيان ذلك أن البخاري ومسلمًا قد اتفقا على إخراج رواية أخرى في الموضوع نفسه لم يتعرض فيها الراوي بذكر البسملة بنفي أو إثبات، بل اكتفى بقوله: "فكانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [(٢) سورة الفاتحة] وهناك رواية ثالثة عن أنس تفيد أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية فأجاب: أنه لا يحفظ في ذلك شيئًا عن رسول الله -ﷺ-، لكن هل هذا من المضطرب؟ ابن عبد البر قال: "هذا حديث مضطرب" الآن الرواية في صحيح مسلم: "كانوا لا يذكرون: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [(١) سورة الفاتحة] في أول قراءة ولا في آخرها، والمتفق عليه ليس فيه ذلك، فكانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [(٢) سورة الفاتحة] لم يتعرض فيه لا لنفي ولا إثبات التسمية، وأنس سئل عن الافتتاح بالتسمية فأجاب أنه لا يحفظ في ذلك عن رسول الله -ﷺ-، هل ينطبق على هذا المثال تعريف المضطرب؟ أو نقول: هذه من زيادات الثقات؟ هذه زيادة، نعم، على أن هذه الزيادة من فهم الراوي، الراوي سمع أنهم كانوا يفتتحون بـ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [(٢) سورة الفاتحة] ففهم أنهم لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [(١) سورة الفاتحة] ولذا مُثل بالحديث للمعل، يقول الحافظ العراقي:
وعلة المتن كنفي البسملة إذ ظن راوٍ نفيها فنقله
[ ٨ / ١٨ ]
وعلة المتن، نعم قد يكون التعليل بالاضطراب، والاضطراب وجه من وجوه العلل، لكن إذا أردنا أن نطبق تعريف الاضطراب على هذا الحديث نجد أن هذا المثال لا ينطبق عليه التعريف، الحافظ ابن حجر يرى أن الحديث ليس فيه أدنى اضطراب ولا علة أيضًا؛ لأنه يمكن الجمع بين الروايات المختلفة بحمل نفي القراءة على نفي السماع، ونفي السماع على نفي الجهر، الراوي الذي قال: لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة ولا في آخرها؛ لأنه لم يسمع، لم يسمعهم يذكرون، هو لا يستطيع أن ينفي الإسرار بالبسملة، نعم، لا يستطيع أن ينفي الإسرار بالبسملة هو ينفي الجهر، ولا ينفي الذكر، هو لم يسمع وعدم السماع يتضمن نفي الجهر بالبسملة.
وعلى كل حال الرواية في الصحيح، وحملها على هذا الوجه صيانة للصحيح هو المتعين، فنقول: الرواية ليست مضطربة فنقول حينئذٍ: إنهم لا يذكرون جهرًا ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولو قدر أن الراوي فهم أنهم لعدم جهرهم بها لا يذكرونها مطلقًا هذا فهمه، ولا يقدح في الحديث حينئذٍ.
الثالث: الاضطراب في السند والمتن معًا، ومثاله: حديث عبد الله بن عكيم أن رسول الله -ﷺ- كتب إلى جهينة قبل موته بشهر: «ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» رواه الخمسة، قال الترمذي: ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده حيث رواه بعضهم فقال: عن عبد الله بن عكيم عن أشياخ له من جهينة، قال الحافظ ابن حجر: "الاضطراب في سند، فإنه تارة قال: عن كتاب النبي -ﷺ-، وتارة عن مشيخة من جهينة، وتارة عن من قرأ الكتاب، واضطراب متنه حيث رواه الأكثر من غير تقييد بشهر، ومنهم من رواه بقيد شهر أو شهرين أو أربعين يومًا أو ثلاثة أيام، ويمكن أن يمثل له بحديث القلتين في اضطراب السند والمتن.
حكم الاضطراب:
[ ٨ / ١٩ ]
وأما حكم الاضطراب: فالاضطراب حيث وقع في سند حديث أو متنه فإنه موجب للضعف؛ لإشعاره بعدم ضبط راويه، وذلك أنه لما كان يروى الحديث تارة على وجه وأخرى على وجه آخر فإن ذلك معناه أنه لم يستقر الحديث في حفظه، وكذا إذا وقع التعارض بين رواة متعددين ولا يعلم أيهم أضبط للحديث فيحكم بضعفه من أجل ذلك، لكن هناك اضطراب لا يضر ولا يقدح في صحة الحديث، وذلك بأن يقع الاختلاف في اسم راوٍ أو اسم أبيه أو نسبته أو نحو ذلك مع كون ذلك الراوي ثقة، يختلف في اسم الراوي، يختلف في اسم أبيه، يختلف في نسبته، مع أنه ثقة، سواء نسب إلى هذه القبيلة أو إلى تلك هو ثقة، فيحكم حينئذ للحديث بالصحة ولا يضر الاختلاف فيمن ذكر مع تسميته مضطربًا.
يقول: "وقد يقع الإبدال عمدًا امتحانًا" يقصد الحافظ -رحمه الله تعالى- أن الراوي قد يبدل راوٍ بآخر عمدًا، لمن يراد اختبار حفظه امتحانًا من فاعله، كما وقع للبخاري والعقيلي وغيرهما كالدارقطني، وشرطه ألا يستمر عليه، بل ينتهي بانتهاء الحاجة إليه، وسبقت الإشارة إليه في المقلوب، قال القاري في شرح النزهة: "والأظهر عندي أن مناسبته بالقلب أقوى، فإنه يفيد العكس بخلاف الإبدال كما يظهر وجهه في المثال" قال الحافظ: "فلو وقع الإبدال عمدًا لا لمصلحة بل للإغراب مثلًا فهو من أقسام الموضوع، ولو وقع غلطًا فهو من المقلوب أو المعل" كذا قال -رحمه الله تعالى-.
المصحف والمحرف:
ثم قال: "أو بتغيير مع بقاء السياق فالمصحف والمحرف" يقصد الحافظ -رحمه الله تعالى- أنه إن كانت مخالفة الراوي لغيره من الرواة بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق، فإن كان ذلك بالنسبة إلى النقط فالمصحف، وإن كان ذلك بالنسبة إلى الشكل فالمحرف.
[ ٨ / ٢٠ ]
والمصحف: اسم مفعول من التصحيف، وهو في الأصل تغيير اللفظ حتى يتغير المعنى المراد من الموضع، وأصله الخطأ، قال المطرزي: "التصحيف أن يقرأ الشيء على خلاف ما أراده كاتبه، أو على خلاف ما اصطلحوا عليه" والمصحِف والصحفي هو الذي يروي الخطأ على قراءة الصُحُف، يعني إذا قيل: صحفي نسبة إلى الصحيفة المفرد، أما نطقها صُحُفي نسبة إلى الجمع شاذة، فيقال: صحفي، فهذا الصحفي الذي يروي الخطأ على قراءة الصحف هذا عند أهل الحديث؛ لأنه لا يوجد صحف بمعنى جرائد عندهم، وإن كان الآن اللفظ ينطلق عرفًا على من له عناية بالصحافة، والله المستعان.
المصحف اصطلاحًا: هو ما وقعت المخالفة فيه بتغيير النقط في الكلمة مع بقاء صورة الخط فيها، وبهذا الحد قال الحافظ ابن حجر، وعرفه السخاوي: بأنه تحويل الكلمة من الهيئة المتعارفة إلى غيرها، تحويل الكلمة من الهيئة المتعارفة إلى غيرها، وبين هذين التعريفين عموم وخصوص، فمجرد التغيير بأي صفة كان يسمى تصحيفًا عند السخاوي، ولا شك أن المعنى اللغوي يعضد هذا، والحافظ ابن حجر يخصه بالتغيير في النقط فقط وهو اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح.
أقسام التصحيف:
ينقسم التصحيف باعتبار موقعه إلى قسمين: تصحيف في السند، ومثاله: العوام بن مراجم، صحفه ابن معين فقال: ابن مزاحم، وهذا يقع كثيرًا حينما يكون الاسم على غير الجادة، يقع فيه التصحيف.
والثاني: تصحيف المتن، ومثاله: «من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال» صحفه الصولي فقال: "شيئًا" بدل "ستًا"، كما أنه ينقسم باعتبار اللفظ والمعنى إلى قسمين:
الأول: تصحيف لفظي وأمثلته كثيرة، منها المثالان السابقان.
الثاني: تصحيف معنوي، ومثاله: قول أبي موسى العنزي: "نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة –قبيلة- صلى إلينا رسول الله -ﷺ-" يريد بذلك حديث أن النبي -﵊- صلى إلى عنزة، فتوهم أنه صلى إلى قبيلتهم، والمراد بالعنزة هنا العصا الذي ينصبه المصلي أمامه سترة له، وليس المراد بذلك القبيلة، كما أن هذا حديث صحف على ما سيأتي من وجه آخر، فقُرأتْ عَنَزَة عَنْزة، صحفت من وجه آخر.
وينقسم التصحيف باعتبار منشأه إلى قسمين:
[ ٨ / ٢١ ]
الأول: تصحيف بصر وهو الأكثر، وهو أن يشتبه الخط على بصر القارئ، إما لرداءة الخط، أو لضعف البصر.
والثاني: تصحيف سمع، ومنشأه رداءة السمع أو بعد السامع أو نحو ذلك، فتشتبه عليه بعض الكلمات لكونه على وزن صرفي واحد، تصحيف السمع سببه رداءة السمع من المستمع، أو بعد السامع من المتكلم، أو عدم إبانة المتكلم يعني من الطرف الآخر، فتشتبه عليه بعض الكلمات لكونها على وزن صرفي واحد، من ذلكم تصحيف بعضهم اسم عاصم الأحول فقال: واصل الأحدب، عاصم صار واصل، والأحول صار الأحدب، قد ذكر الدارقطني أنه من تصحيف السمع، لا من تصحيف البصر؛ لأنه في الكتابة مختلف، بينهم فرق كبير في الكتابة، لكن في السمع، واصل وعاصم قريبة، لا من تصحيف البصر كأنه -والله أعلم- ذهب إلى أن ذلك مما لا يشتبه من حيث الكتابة وإنما أخطأ فيه سمع من رواه.
والمحرف: اسم مفعول من التحريف وهو تغيير الكلمة عن معناها، وهي قريبة الشبه كما كانت اليهود تغير معاني التوراة بالأشباه، فوصفهم الله بفعلهم كما قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [(٤٦) سورة النساء] ويقال: تحرف وانحرف واحرورف عن الشيء إذا مال، قال تعالى: ﴿إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ﴾ [(١٦) سورة الأنفال].
واصطلاحًا: هو ما وقعت المخالفة فيه بتغيير الشكل في الكلمة مع بقاء صورة الخط فيها، وإفراده عن المصحف اصطلاح لبعض العلماء، وهو الذي مشى عليه الحافظ، وإلا فكثير من العلماء لا يفردون المحرف، فيجعلونه داخل في المصحف، ويطلقون كلا منهما التصحيف والتحريف على كل تغيير يقع في الكلمة ولو مع عدم بقاء صورة الخط فيها.
أقسام التحريف: ينقسم التحريف باعتبار موضعه إلى قسمين:
[ ٨ / ٢٢ ]
تحريف في السند كأن يجعل بشيرًا ولهيعة بفتح أولهما بُشيرًا بالتصغير ولُهيعة بضمهما، هذا تحريف، تحريف في المتن: ومثاله ما وقع لبعض الأعراب في حديث: " صلى النبي -﵊- إلى عنزة" الذي مر آنفًا، فحرك العنزة وسكن النون وقال: "عنْزة" ثم روى الحديث بالمعنى على حسب وهمه، فقال: "كان النبي -﵊- إذا صلى نصبت بين يديه شاة" حرف، سكن النون، ثم روى الحديث بالمعنى صارت العنزة بدل ما هي عنزة صارت شاة، إذا وجد الراوي كلمة مصحفة أو محرفة في كتابه فهل يهجم على هذه الكلمة ويصححها؟ أو يبقيها كما هي خطأ ويقرأها خطأ ويشير إلى الصواب؟ اختلف العلماء فيما إذا وجد الراوي أو المحدث في سند حديث أو متنه تصحيفًا أو تحريفًا فهل له تصحيح هذا التصحيف أو ضبط التحريف؟ على قولين:
الأول: ذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك لا يجوز، بل يبقى كما هو إذا كان مكتوبًا ذكره الخطيب عن عبد الله بن داود الخريبي، وذكره ابن الصلاح عن محمد بن سيرين، ولا شك أن هذا أحفظ للكتب، تبقى كما هي، تبقى كما أرادها مؤلفوها، يعني مو بخطأ من النساخ أو من الطابع، لا، خطأ من المؤلف نفسه، أما خطأ من النساخ يبين بمقابلة النسخ، خطأ من الطابع كذلك، يتبين بمراجعة الأصول، لكن إذا كان خطأ من المؤلف؟
القول الأول: أنه يبقى كما هو فلا يتعرض له لا بتصحيح ولا بضبط، يبقى كما هو، ولا شك أن هذا أحوط، نقله الخطيب عن عبد الله بن داود الخريبي، وابن الصلاح نقله عن محمد بن سيرين، وهذا من باب احتياط للكتب لئلا يهجم من ليس بأهل فيصحح فيقع في الخطأ، يظن أن هذا خطأ فيهجم عليه فيصححه فإذا حسمت المادة ما يصحح شيء خلاص، احتاط الناس للكتب.
[ ٨ / ٢٣ ]
القول الثاني: ذهب ابن المبارك والأوزاعي إلى جواز تغييره وإصلاحه وروايته على الصواب -لكن الأول إذا روي على الخطأ ينبه بالحاشية أن هذا خطأ صوابه كذا- القول الثاني: ذهب ابن المبارك والأوزاعي إلى جواز تغييره وإصلاحه وروايته على الصواب، أما إصلاحه في الكتاب فجوزه بعضهم، قال النووي: "والصواب تقريره في الأصل على حاله" يبقى في الأصل على حاله، والتضبيب عليه يوضع ضبة وبيان الصواب في الحاشية، الصواب كما قرره النووي أن يبقى الخطأ كما هو ويوضع عليه ضبة، إيش معنى الضبة؟ طرف صاد على شان تمد بقدر الكلمة، أو الكلام الذي يظن أنه خطأ، هذه يسمونها ضبة، يضبب عليه، ويكتب في الحاشية أن هذا خطأ صوابه كذا، إذا عرفنا هذا وأن الخطأ لا بد أن يقع من المخلوق، وأن التصحيف والتحريف موجود؛ لأن الرواة بشر يقعون في الخطأ، والنساخ كذلك، فعلينا أن نعتني بالتصحيح والتصويب والمقابلة، مقابلة الكتب على أصولها لنسلم من كثرة الأخطاء، ثم بعد ذلكم علينا أن نعتني بهذه الكتب فلا نهجهم عليها بتصحيح ومحو وكشط، بل يبقى الكتاب كما هو، إذا قوبل على الأصل يبقى كما هو، وإذا تبادر إلى الذهن أن هذه الكلمة خطأ أو هذه الجملة خطأ يبقيها كما هي ونصوب في الحاشية.
مما ينبغي الاهتمام به لطالب الحديث وغيره من طلاب العلم الشرعي أن يتعلم من النحو واللغة ما يسلم به من اللحن والتصحيف، وطريقه في السلامة من التصحيف الأخذ من أفواه الرجال، كم من كلمة تقرأ على غير وجهها؟ أما إذا سمعت من الأفواه استقرت، تكون الصورة واحدة تقرأها على الخطأ وإيش المانع؟ عَبيدة تقرأها عُبيدة على الجادة، لكن إذا سمعتها من أفواه الرجال ما أخطأت مرة ثانية، عن أبي حَصين تقرأها حُصين الجادة.
[ ٨ / ٢٤ ]
وطريقه في السلامة من التصحيف الأخذ من أفواه أهل المعرفة والتحقيق والضبط، لا من بطون الكتب، ولذا يقولون: "من كان علمه من كتابه كان خطأه أكثر من صوابه" تجدون الأوهام الكثيرة فيمن يعتني بالكتب ولم يأخذ العلم من أفواه الرجال، أيضًا على طالب العلم أن يعتني بالكتب التي فيها الضبط، سواء كانت لألفاظ المتون أو الأسانيد يعتني بها، فإذا تحررت له كلمة مضبوطة بعد المراجعة يهتم بها ويودعها سويداء قلبه، ويكون هذا ديدنه أي كلمة يشك فيها يراجع، ثم لا يلبث أن يكون لديه رصيد من الكلمات المصححة المصوبة التي يقع فيها كثير من الناس خطأً.
هناك بعض الشروح تعتني بالضبط بدقة، والضبط أحيانًا يضبطون بالشكل، وأحيانًا يضبطون بالحرف، وأحيانًا يضبطون بالضد، وأحيانًا يضبطون بالنظير، بالشكل واضح، يضعون الفتحة والضمة إلى آخره، زيد. . . . . . . . . بفتح الزاي والياء ساكنة، يضبط، أحيانًا يضبطون بالحرف فيقولون: عبيدة بفتح العين، أو يقولون: بفتح المهملة وكسر الموحدة، أحيانًا يضبطون بالضد: حرام بن عثمان ضد الحلال، حرام بن عثمان ضد الحلال، أسد بن موسى بلفظ الحيوان المعروف، عياض بن حمار بلفظ الحيوان، الحكم بن عتيبة بتصغير
عتبة الدار، وهكذا هم يضبطون بهذه الطريقة، يضبطون بهذه الطرق، وهل يضبط كل الكلام؟ منهم من ذهب إلى ذلك، قال: يضبط بالشكل كل الكلام من أوله إلى آخره، حتى كلمة (قال) تضبط؛ لأنه لا يبعد أن يأتي من صغار المتعلمين من لا يحسن قراءتها، لكن هذا لا، هذا ليس بجيد وإن قيل به، لكن إنما يشكل المشكل، يشكل المشكل، الكلام المشكل هو الذي يضبط بالشكل، إيش معنى تضبط كلمة (زيد) بفتح الزاي وسكون الياء ومثناة التحتية؟ ما هو لازم، لا داعي لضبط (زيد) لأنه ما في أحد ..، إيش بيقراه؟ كيف يقرأ غير زيد؟ لكن عبيدة اضبط؛ لأنه يأتي من يبي يقرأها على الجادة عُبيدة، ولذا المحرر عند أهل التحقيق أنه إنما يشكل المشكل.
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ٨ / ٢٥ ]
يعني في القرآن؟ القرآن يصحح بلا شك، القرآن يصحح ويضبط على ..، لكن ما يهجم على تصحيح قراءة وهو لا يعرف أنها قراءة، يمكن هذه القراءة المعتمدة عند المؤلف "تفسحوا في المجلس" ثم يصحح يقول: "مجالس" قد تكون القراءة التي اعتمدها المؤلف غير القراءة التي اعتمدتها أنت، فكونك تصحح هذه مشكلة، اترك الكتاب كما هو، نعم، إذا بحثت في القراءات ولا وجدت وجه لهذه القراءة لك أن تصحح، على أنك لا تستعجل في التصحيح.
التصحيف والتحريف صنف فيه أبو هلال العسكري كتب، صنف فيه الدارقطني وغيره.
اختصار الحديث والرواية بالمعنى:
ثم قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: "ولا يجوز تعمد تغيير المتن بالنقص والمرادف إلا لعالم بما يحيل المعاني"، يقصد الحافظ -رحمه الله تعالى- أنه لا يجوز تغيير متن الحديث بنقص من ألفاظه وجمله، وهو ما يعرف باختصار الحديث، والاقتصار على بعضه دون بعض، ولا تعمد إبدال ألفاظه أو بعضها بالمرادف، وهو ما يعرف بالرواية بالمعنى، فعندنا مسألتان: اختصار الحديث، والرواية بالمعنى، كل منهما لا يجوز لكل أحد، إنما يجوز لعالم بما يحيل المعاني ومدلولات الألفاظ، وفي كل من المسألتين خلاف.
المسألة الأولى: اختصار الحديث، اختلف العلماء في حكم اختصار الحديث والاقتصار على بعضه دون بعض
[ ٨ / ٢٦ ]
الحديث مكون من جمل تقتصر على جملة من هذه الجمل لكونك بحاجة إليها ولست بحاجة إلى بقية الجمل، منع بعض العلماء مثل هذا التصرف، مثل هذا الاختصار، وأجازه بعضهم مطلقًا، والصحيح التفصيل، وهو المنع من غير العالم، العارف بما يحيل المعاني، وجواز ذلك من العارف إذا كان ما تركه متميزًا عما نقله، غير متعلق بما رواه بحيث لا يختل المعنى، ولا تختلف الدلالة، سواء رواه قبله تامًا أم لا؛ لأن ذلك بمنزلة خبرين منفصلين، يعني إذا رويت حديث: "نهى عن بيع حبل الحبلة، ونهى عن النجش" إذا اقتصرت على جملة لكونك بحاجة إلى الحديث عن هذا البيع وتركت الأخرى هل يلمزك أن تأتي بالثانية؟ أنت بحاجة وجدت شخص ينجش في السلعة -يزيد وهو لا يريد شرائها- هل يلزمك أن تقول: "نهى رسول الله -ﷺ- عن بيع حبل الحبلة، ونهى عن النجش؟ أو تقتصر على ما تريد وتترك الشق الثاني؟
[ ٨ / ٢٧ ]
الصواب في ذلك أنه يجوز أن تقتصر على ما تريد بالشرط المذكور، بحيث لا يكون المذكور متوقف فهمه على المحذوف، يعني لا يتوقف فهم المذكور على المحذوف لكونه وصف مؤثر، أو لكونه استثناء أو ما أشبه ذلك، أو قيد، إذا احتاج المذكور إلى المحذوف لا يجوز لك أن تتصرف، والصحيح حينئذٍ التفصيل وهو المنع من غير العالم وجوازه من العارف إذا كان ما تركه متميزًا عما نقله، غير متعلق بما رواه بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة، سواء رواه قبل تامًا أم لا؛ لأن ذلك بمنزلة خبرين منفصلين، روى البيهقي في المدخل عن ابن المبارك قال: "علمنا سفيان اختصار الحديث"، وهذا الاختصار إنما يجوز من الراوي الذي ترتفع منزلته عن التهمة، أما إذا اتهم الراوي بأنه زاد في الحديث إذا روه تامًا ونقص منه إذا رواه ناقصًا فعليه أن يأتي بالحديث بلفظه من غير نقص؛ فأما من رواه مرة تامًا فخاف إن رواه ناقصًا ثانيًا أن يتهم بزيادة فيما رواه أولًا أو نسيان لغفلة وقلة ضبط فيما رواه ثانيًا فلا يجوز له النقصان ثانيًا، كما أنه لا يجوز له النقصان ابتداء إن تعين عليه أداء تمامه، كما أنه لا يجوز له النقصان ابتداء إن تعين عليه أداء تمامه؛ لئلا يخرج بذلك باقيه عن حيز الاحتجاج به، يعني إذا كان الحديث لا يوجد إلا عنده لا بد أن يأتي به تامًا، وإذا جاز الاقتصار على بعض الآية دون بعض فالحديث بالشرط المتقدم من باب أولى، كما أنه لا يجوز أن تقول: "ويل للمصلين" وتسكت، لا يجوز أن تقول: "ويل للمصلين" وتسكت، لا بد أن تأتي بما بعدها، كذلك لا يجوز أن تقول: «فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم» وتسكت، فلا بد من إتمام مثل هذا لتعلق ما ذكر بما حذف، لا بد أن تقول: «إذا كان يدًا بيد» لأنك إذا قلت: «إذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم» يعني متفاضلًا ولو من غير تقابض، لكن الحاجة داعية إلى ذكر الجملة التي بعد ذلك «إذا كان يدًا بيد» وإذا جاز الاقتصار على بعض الآية في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [(٥٨) سورة النساء] يعني من يتحدث عن الأمانة ويستدل على وجوب أدائها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ
[ ٨ / ٢٨ ]
أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [(٥٨) سورة النساء] هل يلزم أن تقول: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [(٥٨) سورة النساء]؟ نعم، لا يلزم، ومثله إذا كان الحديث عن العدل، هل يلزمك أن تقول: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [(٥٨) سورة النساء]؟ تقتصر على ما تريد؛ لأن ما حذفته لا تعلق له بما ذكرته، فإذا جاز الاقتصار على بعض الآية في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ولا يجب الإتمام لمن أراد أن يحتج بالآية على وجوب أداء الأمانات، فلا يلزمه حينئذٍ أن يقول: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ وصنيع الأئمة جارٍ على جواز الاقتصار، وصحيح البخاري فيه من ذلك الشيء الكثير، مملوء من أجزاء الأحاديث التي يقتصر فيها الإمام البخاري على موضع الحاجة من الحديث، ومن أمثلة ذلك: صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة صحيفة طويلة تشتمل على أكثر من مائة وثلاثين جملة، سيقت في مسند الإمام أحمد مساقًا واحدًا، سيقت في المسند مساقًا واحدًا وفرقت في الصحيحين.
أقول: صحيفة همام بن منبه تشتمل على أكثر من مائة وثلاثين جملة، هي مسوقة سياقًا واحدًا في مسند الإمام أحمد؛ لأنه مرتب على المسانيد، ففي أحاديث أبي هريرة ذكر هذه الصحيفة كاملة، والإمام البخاري -رحمه الله تعالى- استشهد من هذه الصحيفة في مواضع كثيرة قطع منها ما يحتاجه من الجمل في مواضع، وكذلك مسلم، وللبخاري طريقته فيما يختاره، ولمسلم طريقته، فالبخاري إذا أراد أن ينقل من الصحيفة نقل عن همام عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ..» ثم يردف هذه الجملة بما يريد، هذه طريقة البخاري، طريقة مسلم يقتصر على ما يريد بعد أن يقول: عن همام عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- فذكر أحاديث منها، ثم يذكر ما يريد، وهذا مصير منهما إلى جواز تقطيع الحديث، والاقتصار على ما يريد منه.
[ ٨ / ٢٩ ]
المسألة الثانية: رواية الحديث بالمعنى: إذا كان الراوي عالمًا بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها، خبيرًا بما يحيل المعاني، بصيرًا بمقادير التفاوت بينها جازت له الرواية بالمعنى، أما إذا لم يكن الراوي عالمًا بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها ولم يكن خبيرًا بما يحيل المعاني بصيرًا بمقادير التفاوت بينها فإنه حينئذ لا يجوز له أن يروي ما سمعه بالمعنى، بل عليه أن يؤدي ما سمع باللفظ وهذا بلا خلاف، فالمتعين عليه حينئذٍ إذا كان هذا وصفه أن يؤدي اللفظ الذي سمع، فإن كان عالمًا بما يحيل المعاني عارف بمدلولات الألفاظ ومقاصدها خبيرًا بما يحيل المعاني فالجمهور على جوازه، إذا كان الراوي عالمًا بالألفاظ بهذه القيود لا بد أن تتوفر فيه هذه القيود، إذا كان عالمًا بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها، خبيرًا بما يحيل المعاني، بصيرًا بمقادير التفاوت بين الألفاظ فاختلف العلماء في حكم روايته الحديث بالمعنى: فقال طائفة من أصحاب الحديث والفقه والأصول: لا يجوز له الرواية بالمعنى كذلك، بل يتعين اللفظ، وإليه ذهب ابن سيرين وثعلب وأبو بكر الرازي من الحنفية، وهو مروي عن ابن عمر، وجوز بعضهم ذلك في غير حديث النبي -﵊-، ولم يجوزه في الحديث والكلام في الحديث، وقال جمهور السلف والخلف من الطوائف: يجوز بالمعنى في جميعه، إذا قطع بأداء المعنى، إذا قطع بأداء المعنى؛ لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف، ويدل عليه روايتهم القصة الواحدة بألفاظ مختلفة، القصة الواحدة تروى عن جمع من الصحابة بألفاظ مختلفة، فهذا يدل على جواز الرواية بالمعنى، قال ابن حجر: ومن أقوى حججهم الإجماع على جواز شرح الشريعة للعجم بلسانهم للعارف به، فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى فجوازه بالعربية أولى، وقيل: إنما يجوز في المفردات دون المركبات، وقال الماوردي: إن نسي اللفظ جاز؛ لأنه تحمل اللفظ والمعنى وعجز عن أداء أحدهما فيلزمه أداء الآخر لا سيما أن تركه قد يكون كتمًا للأحكام، فإن لم ينسه، لم ينسَ اللفظ لم يجز أن يورده بغيره؛ لأن في كلامه -ﷺ- من الفصاحة ما ليس في غيره، إذا نسي اللفظ جاز الأداء بالمعنى، أما إذا لم ينسَ اللفظ فإنه
[ ٨ / ٣٠ ]
لا بد أن يؤدي اللفظ على هذا القول، وقيل: عكسه وهو الجواز لمن يحفظ اللفظ ليتمكن من التصرف فيه دون من نسيه، لكن الذي عليه جماهير أهل العلم جواز الرواية بالمعنى بالشروط والقيود التي ذكرت، والاحتياطات التي جعلها أهل العلم:
أن يكون عالم بمدلولات الألفاظ، عارف بما يحيل المعاني، يقول القاضي عياض: "ينبغي سد باب الرواية بالمعنى؛ لئلا يتسلط من لا يحسن ممن يظن أنه يحسن كما وقع للرواة كثيرًا قديمًا وحديثًا" والأولى لا شك أن الأولى إيراد الحديث بلفظه دون التصرف فيه، ولا شك في اشتراط ألا يكون الحديث مما تعبد بلفظه، وقد صرح به الزركشي.
[ ٨ / ٣١ ]
إذا كان الحديث مما تعبد بلفظه لا تجوز روايته بالمعنى، ففي ذكر النوم في حديث البراء: «ونبيك الذي أرسلت» في آخره لما عرضه البراء على النبي -﵊- قال: "ورسولك الذي أرسلت" قال: «لا، قل: ونبيك الذي أرسلت» لأن هذا اللفظ متعبد به، وهذا الخلاف إنما يجري في غير المصنفات، ولا يجوز تغيير شيء من مصنف أو إبداله بلفظ آخر وإن كان بمعناه قطعًا؛ لأن الرواية بالمعنى رخص فيها من رخص لما كان عليهم في ضبط الألفاظ من الحرج وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه الكتب، يعني شخص يعمد إلى صحيح البخاري مثلًا لينسخ له نسخة من الكتاب فلا يعجبه لفظة فيبدلها بغيرها، يقول: الرواية بالمعنى جائزة، لا تعجبه جملة فيركب جملة هي أعجب إليه، نقول: لا، المصنفات لا يجوز تغييرها، لا يجوز تغييرها بحال، انقل من الكتاب كما وجدته، والسبب في ذلك: أن أداء اللفظ ونقل اللفظ أمر مقدور عليه، والرواية بالمعنى إنما جوزت للحاجة؛ ولأنه إن ملك تغيير اللفظ فليس يملك تغيير تصنيف غيره، يعني ماذا نتصور عن كتاب من الكتب المعتمدة عند أهل العلم يأتي شخص لينسخه فيرويه بالمعنى ثم يأتي آخر فيتصرف فيه فيرويه بالمعنى إيش تكون النتيجة بعد عشرة نساخ؟ النتيجة يمسخ الكتاب مسخًا كاملًا، وينبغي للراوي بالمعنى أن يقول عقيبه: أو كما قال، أو نحو ذلك، أو شبهه، أو ما أشبه هذا من الألفاظ، وقد كان قوم من الصحابة يفعلون ذلك، وهم أعلم الناس بمعاني الكلام، خوفًا من الزلل بمعرفتهم بما في الرواية بالمعنى من الخطر، روى الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم عن ابن مسعود أنه قال يومًا: قال رسول الله -ﷺ- فاغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، ثم قال: "أو مثله، أو نحوه، أو شبيهًا به"، ومثل ذلك في سنن الدارمي عن أبي الدرداء، وفي المسند وابن ماجه عن أنس ابن مالك أنه كان إذا حدث عن رسول الله -ﷺ- ففرغ قال: "أو كما قال رسول الله -ﷺ-"، لكن هذا على سبيل الاستحباب، ليس بلازم، إنما هو على سبيل الاستحباب؛ لأنه هذا نادر أن يقال في مثل هذه المناسبات، كثيرًا ما نجد الرواية بالمعنى في الكتب ولا ينصون على أنه شبهه أو نحوه، أو
[ ٨ / ٣٢ ]
كما قال -﵊-.
سم.
غريب الحديث:
قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: "ولا يجوز تعمد تغيير المتن بالنقص والمرادف إلا لعالم بما يحيل المعاني فإن خفي المعنى احتيج إلى شرح الغريب وبيان المشكل"، يقول الحافظ -رحمه الله تعالى-: "فإن خفي المعنى احتيج إلى شرح الغريب وبيان المشكل" يقصد الحافظ -رحمه الله تعالى- أنه إن خفي معنى الحديث من أجل لفظة غريبة يقل استعمالها ودورانها احتيج إلى شرح الغريب من كلمات الحديث، وهذا ما يسمى بغريب الحديث، وغريب الحديث المقصود به: غريب ألفاظه، وهو ما يقع في متن الحديث من لفظة غامضة بعيدة من الفهم لقلة استعمالها، وهو فن مهم جدًا يقبح جهله بأهل الحديث، والخوض فيه صعب، حقيق بالتحري، جدير بالتوقي، فليتحرى الخائض في ذلك، وليتق الله -﷿- أن يقدم على تفسير كلام نبيه -ﷺ- بمجرد الظنون.
[ ٨ / ٣٣ ]
على طالب العلم أن يتحرى ويتثبت، جاء الوعيد الشديد بالنسبة لتفسير القرآن بالرأي؛ لأنك إذا فسرت القرآن برأيك جزمت بأن هذا هو مراد الله -﷿- من كلامه، ومثله إذا جزمت بأن هذا معنى الحديث كأنك نسبت إلى النبي -﵊- ما لم يرده، فهذا الباب حقيق بالتحري، جدير بالتوقي، فليتحرى خائضه وليتق الله -﷿- أن يقدم على تفسير كلام النبي -ﷺ- بمجرد الظنون، وكان السلف يتثبتون فيه أشد تثبت، فهذا الإمام أحمد إمام السنة سئل عن حرف منه فقال: "سلوا أصحاب الغريب"، الإمام أحمد -﵀- يقول: "سلوا أصحاب الغريب، فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله -ﷺ- بالظن"، وسئل الأصمعي عن معنى حديث: «الجار أحق بصقبه» فقال: "أنا لا أفسر حديث رسول الله -ﷺ-، ولكن العرب تزعم أن الصقب اللزيق"، وإذا كان اللفظ مستعملًا بكثرة لكن في مدلوله دقة احتيج حينئذٍ إلى الكتب المصنفة في شرح معاني الآثار وبيان المشكل فيها، وقد صنف الأئمة في غريب الحديث كتب كثيرة جدًا، كتب كثيرة جدًا، عشرات من الكتب في غريب الحديث لأهميته، وغريب الحديث غريب الألفاظ يختلف تمامًا عن الحديث الغريب الذي تقدم، وهو ما يتفرد بروايته راو واحد، وهنا المقصود به غريب الألفاظ، وهو ما يقع في المتن من لفظ غامض بعيد من الفهم قليل الاستعمال يحتاج إلى شرح، فإذا خفي معنى الحديث ووجد لفظة غريبة يقل استعمالها ودورانها احتيج إلى شرح الغريب من كلمات الحديث بواسطة الكتب المنصفة في الغريب.
[ ٨ / ٣٤ ]
ومن أهمهما غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام، وغريب الحديث للنظر بن شميل، وغريب الحديث لأبي عبيدة معمر بن المثنى، وغريب الحديث لابن قتيبة، وغريب الحديث لإبراهيم الحربي، وغريب الحديث لأبي سليمان الخطابي، والفائق في غريب الحديث للزمخشري، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير، وهو أحسن كتب الغريب وأجمعها وأشهرها وأكثرها تداولًا؛ لأنه جمع الكتب السابقة، غالب ما في الكتب السابقة جمعه ابن الأثير في كتاب النهاية، فالذي يريد أن يقتصر على كتاب واحد في الغريب فعليه بالنهاية، إذا أراد أن يجمع أكثر من كتاب في الغريب فليعتنِ بأبي عبيد؛ لأنه إمام في هذا الباب، وهو ثقة إن أضاف إليه غريب الحديث للغربي والخطابي والفائق للزمخشري جيد، لكن إن أراد أن يقتصر على كتاب واحد فعليه بالنهاية، إن كان اللفظ مستعمل بكثرة يعني لفظ مع لفظ، لفظ مستقل ما في إشكال واضح، لكن إذا ركب منه جملة خفي معناها، إن كان اللفظ مستعملًا بكثرة لكن في مدلوله دقة احتيج حينئذ إلى الكتب المصنفة في شرح معاني الآثار وبيان المشكل منها، وقد أكثر الأئمة من التصانيف في ذلك كالطحاوي والخطابي وابن عبد البر وغيرهم، ومن ذلكم في شرح الغريب والمشكل ينبغي لطالب العلم أن يعتني بالشروح الموثوقة المعتمدة عند أهل العلم لكتب السنة، وهي كثيرة جدًا، من أهمها: شرح الخطابي على صحيح البخاري (أعلام السنن) أو (أعلام الحديث) وشرح الكرماني على صحيح البخاري، و(فتح الباري) للحافظ ابن حجر، و(عمدة القاري) للعيني، و(إرشاد الساري) للقسطلاني، و(المعلم) للمازري، و(إكمال المعلم) للقاضي عياض، و(إكمال الإكمال) للأبي، ومكمله للسنوسي، وشرح النووي على مسلم، و(المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم) للقرطبي، و(معالم السنن) على سنن أبي داود للخطابي، و(تهذيب السنن) لابن القيم، وشرح سنن أبي داود لابن رسلان، و(عون المعبود) لشمس الحق العظيم أبادي، وتعليقات السندي والسيوطي على سنن النسائي، و(عارضة الأحوذي) لابن العربي، و(تحفة الأحوذي) للمبارك فوري، وحاشية السندي على ابن ماجه، و(التمهيد) و(الاستذكار) على الموطأ لابن عبد البر، و(المنتقى) للباجي، وغيرها كثير،
[ ٨ / ٣٥ ]
كتب كثيرة جدًا، كتب كثيرة جدًا، نعم.
الجهالة:
"ثم الجهالة وسببها أن الراوي قد تكثر نعوته فيذكر بغير ما اشتهر به لغرض، وصنفوا فيه الموَضِح".
أو الموُضح؟
طالب: مشددة عندي.
نعم.
طالب: مشددة عندي.
لا بأس، لا بأس.
يقول الحافظ -رحمه الله تعالى-: "ثم الجهالة وسببها أن الراوي قد تكثر نعوته فيذكر بغير ما اشتهر به لغرض، وصنفوا فيه المُوضِح" أو المُوضّح لا بأس، تقدم الحديث عن الجهالة وحكم رواية المجهول بأقسامه، ذكر الحافظ هنا سبب الجهالة وهو أمران: أحدهما: كثرة نعوت الرواي من اسم أو كنية أو لقب أو صفة أو نسب أو حرفة فيشتهر بشيء منها فيذكر بغير ما اشتهر به لغرض من الأغراض، وقد تقدم شيء من ذلك في مبحث تدليس الشيوخ، ومن أمثلة ذلك ما يفعله الخطيب البغدادي في تنويع الشيخ الواحد حيث يقول مرة: أخبرنا الحسن بن محمد الخلال، ومرة أخبرنا الحسن بن أبي طالب، ومرة أخبرنا أبو محمد الخلال والجميع واحد، وقال مرة: عن أبي القاسم الأزهري، ومرة عبيد الله بن أبي القاسم الفارسي، ومرة عن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي والجميع واحد.
قال السخاوي: "وهو مكثر في تصانيفه من ذلك جدًا" قد تقدم التنبيه على ذلك في تدليس الشيوخ أيضًا، مثل الحافظ ابن حجر في النزهة لذلك بمحمد بن السائب بن بشر الكلبي؛ نسبه بعضهم إلى جده فقال: محمد بن بشر، وسماه بعضهم حماد بن السائب، وكناه بعضهم أبا النضر، وبعضهم أبا سعيد، وبعضهم أبا هشام فصار يظن أنه جماعة وهو واحد، وصنف في ذلك الخطيب البغدادي الحافظ كتابًا سماه: "موضح أوهام الجمع والتفريق"، يعني بعض الرواة يختلف فيهم أهل العلم هل هو واحد أو أكثر فيجعلهم البخاري اثنين مثلًا، وأبو حاتم يجزم بأنهم واحد، والعكس قد يجعل البخاري الاثنين واحد والواحد اثنين وأبو حاتم كذلك، كيف نميز هؤلاء الرواة؟ هل هم بالفعل اثنين أو هم واحد مرة ذكر بلقبه ومرة ذكر بنسبه؟ هذا يفيدنا فيه كثيرًا الموضح، موضح أوهام الجمع والتفريق للإمام الخطيب البغدادي
[ ٨ / ٣٦ ]