من المعلوم أنَّ طرق الاستدلال بألفاظ السُنّة هي طرق الاستدلال بألفاظ القرآن، وهي تشمل المدلولات اللغوية، والفهم العربي لنصوص السُنَّةِ، كما تشمل بيان الرسول - ﷺ - لما ورد من أحكام حسب ما ذكرنا.
وطرق الاستدلال أنواع:
أولًا: طرق استدلال الأحكام من الألفاظ:
ويكون ذلك بأحد طرق ثلاثة:
١ - النقل المتواتر وهو ما رواه جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب، مثل ألفاظ الأرض والنار والهواء والحر والبرد والسماء والنور والموت كقوله - ﷺ -: «عَادِيُّ الأَرْضِ للَّهِ وَرَسُولِهِ» (١) أو قوله: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» (٢) فكلمتا «الأَرْضَ»
_________________
(١) رواه البيهقي في " السنن " وهو حديث مرسل.
(٢) رواه أبو داود والترمذي وأحمد في " مسنده " وحسَّنَهُ الترمذي.
[ ١٨ ]
و«مَيِّتَةً»، معروف معناهما بالتواتر اللغوي لا يختلف فيه اثنان (١).
٢ - نقل الآحاد كنقل غريب الألفاظ كقوله - ﷺ -: «القَتْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ مُمَصْمِصَةٌ» أي مُطهِّرَةٌ مِنء دَنَسِ الخَطَأِ (٢). وقوله - ﷺ -: «إِذَا عَرَّسْتُمْ فَاجْتَنِبُوا هَزْمَ الأَرْضِ فَإِنَّهَا مَأْوَى الهَوَامِّ» و" الهَزْمُ ": مَا تَشَقَّقَ مِنَ الأَرْضِ (٣).
ويدخل في النوعين الأولين ما يشتق من اللغة كقوله - ﷺ -: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِمَيْسَمِهَا وَمَالِهَا وَحَسَبِهَا» (٤) فـ " المَيْسَمُ ": مفعل الوسامة وهي الجمال.
٣ - العقل من النقل كما إذا نقل إلينا أَنَّ الجمع المعرف يدخله الاستثناء، مثل الرجال، فهو متناول لجميع أنواع
_________________
(١) " نهاية السول " للأسنوي: ٢/ ٢٩، المطبعة السلفية بمصر سنة: ١٣٤٥ هـ.
(٢) " الفائق في غريب الحديث " للزمخشري: ٣/ ٢٠، مطبعة القاهرة سنة: ١٣٦٧ هـ - ١٩٤٨ م.
(٣) " الفائق في غريب الحديث " للزمخشري: ٣/ ٢٠٤، مطبعة القاهرة سنة: ١٣٦٧ هـ - ١٩٤٨ م.
(٤) " الفائق في غريب الحديث ": ٢/ ١٦٠.
[ ١٩ ]
الرجال، ولكن يمكن إخراج بعض ما ينتظمه اللفظ فتقول: الرجال خير من النساء، فلا يمنع أنْ يكون بعض النساء خير من الرجال.
٤ - وهناك مسألة تنازع فيها الأصوليون، وهي ثبوت اللغة بالقياس، كَأَنْ يُسَمَّى شيءٌ باسم له معنى ينظر في التسمية، ويوجد له معنى في غير المُسَمَّى الذي ثبت وضع اللفظ له. فالنبي - ﷺ - يقول: «لَعَنَ اللَّهُ شَارِبَ الْخَمْرِ» (١) فالخمر لفظ وضع لغة للتي من ماء العنب أو التمر إذا اشْتَدَّ وغلا وقذف بالزبد. ولكن فيه معنى آخر وهو ستر العقل، فيعتبر هذا علَّة التسمية، فيشمل كل شراب - من غير هذين - يستر العقل، وهذا ما ذهب إليه الجمهور.
والأصوليون أول ما اتَّجَهُوا في طرق الاستنباط إلى بيان الطرق اللفظية:
فقسّموا اللفظ باعتبار ما وضع له إلى ثلاثة أقسام:
_________________
(١) رواه أبو داود في [الأشربة] بلفظ: «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَلَعَنَ شَارِبَهَا» ورواه أحمد في " مسنده ".
[ ٢٠ ]
١ - مشترك: وهو ما وضع لِمُتَعَدِّدِ المعاني، كالعين للجاسوس، والماء، والذهب، وعين الإنسان، والوجه. وقد اختار جمهور الأصوليين عدم جواز إطلاق المشترك وإرادة جميع معانيه، وإنما تدل القرينة على المراد منه، ورأى بعضهم جواز ذلك.
٢ - عام: وهو ما وضع بلفظ واحد لكثيرين يستغرقهم اللفظ، ويشمل كلمات العموم، وجميع صيغ العموم مثل: أسماء الشرط، والموصول، والاستفهام، والمُحَلَّى بأل الجنسية، والنكرة المنفية، والجمع المُحَلَّى باللام، والإضافة، ومثاله قوله - ﷺ -: «الإنسان مجزي بعمله إنْ شرًّا فشرٌّ وإنْ خيرًا فخيرٌ» (*). فالعموم في الإنسان يشمل جميع بني البشر.
وقوله - ﷺ -: «الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» (١) ففهم منها وجوب الصلاة على العموم من سمع النداء. ومثل قوله - ﷺ -: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَنْبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ» (٢) فهي عام في كل صدقة،
_________________
(١) (*) [ليس بحديث وإن صح معناه، كما قال القليوبي، فقد بحثت عنه فلم أجده في كتب الحديث إلاَّ في كتب الإعراب أو " حاشية الصبان على شرح الأشمونى لألفية ابن مالك " ١/ ٣٥٦].
(٢) رواه أبو داود والدارقطني.
(٣) رواه مسلم.
[ ٢١ ]
زكاة أو تَبَرُّعًا. وقوله - ﷺ -: «لاَ يَرِثُ الْقَاتِلُ» (١)، وقوله - ﷺ -: «أيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» (٢) عام في كل قاتل وفي كل إهاب.
ويستدل بالعام ما لم يرد عليه التخصيص، وقد نقل الإجماع على عدم العمل بالعام ما لم يبحث عن المخصص. قال الغزالي: «لاَ يَجُوزُ الْمُبَادَرَةُ إلَى الْحُكْمِ بِالْعُمُومِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ [الأَدِلَّةِ الْعَشَرَةِ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا فِي الْمُخَصِّصَاتِ]؛ لأَنَّ الْعُمُومَ دَلِيلٌ بِشَرْطِ انْتِفَاءِ [الْمُخَصِّصِ]» (٣). والصحيح أنَّ هذا رأي الجمهور (٤).
ودلالة العام على كل أفراده قطعية عند الحنفية، ما لم يتبع بالقرينة الدالة على بعض أفراده، ويرى المالكية والشافعية والحنابلة أنَّ دلالة العام على كل أفراده ظنية.
٣ - خاص: وهو كل لفظ وضع لواحد أو لعدد محصور، كمحمد، أو قوم، فهي للرجال دون النساء. ومن الأحاديث
_________________
(١) رواه ابن ماجه بلفظ: «لَيْسَ لِقَاتِلٍ مِيرَاثٌ».
(٢) رواه البخاري وأبو داود.
(٣) " المستصفى من علم الأصول " للغزالي: ٢/ ٣٥.
(٤) انظر " التلويح على التوضيح ": ١/ ٤٠ و" أصول الفقه " للخضري: ص ١٧٢.
[ ٢٢ ]
التي يستنبط فيه موجب الخاص قوله - ﷺ - للمرأة: «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» (١)، ففهم من الخاص معنى الحيض، وأخذ من اللفظ حكم النهي عن الصلاة وقت الحيض.
وقوله - ﷺ -: «لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٢) فلفظ (بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) لفظ خاص بسورة الفاتحة، فاستدل الشافعية بالحديث على وجوب قراءة سورة الفاتحة.
والخاص أنواع:
١ - مطلق: وهو ما دلَّ على فرد أو أفراد، شائعة بدون قيد مستقل لفظًا، أو ما أريد به فرد غير مقيد، أي ما كان شائعًا في جنسه، والاستدلال به من السُنَّة مثل قوله - ﷺ - في صدقة الفطر: «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ » (٣) فالأداء عن مطلق الحر والعبد من غير تقييد، لأنَّ دلالة المطلق غير مقيدة، ويحمل المطلق على إطلاقه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود والترمذي وحسَّنَهُ.
(٢) رواه الترمذي ومسلم بلفظ: «لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
(٣) رواه الدارقطني. [عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، فَقَالَ: «أَدُّوا صَاعًا مِنْ بُرٍّ أَوْ قَمْحٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ»، كتاب زكاة الفطر، حديث ٢١١٨، تحقيق الشيخ شعيب الارنؤوط، حسن عبد المنعم شلبي، عبد اللطيف حرز الله، أحمد برهوم، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان الطبعة الأولى: ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م، ٣/ ٨٤].
[ ٢٣ ]
٢ - مقيَّد: وهو ما دلَّ على فرد، أو أفراد شائعة بقيد مستقل لفظًا يُقَلِّلُ من شيوعه، ومثاله من السُنَّة قوله - ﷺ -: «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ مُسْلِمَيْنِ» (١) وقوله - ﷺ - لأبي ذر: «إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَصُمْ ثَلاَثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ» (٢)، فقد قيد المطلق في الحديث الأول بقوله (مُسْلِمَيْنِ) وقيده الأيام الثلاثة بأنها ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، ومثله التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.
وقد يحمل المطلق على المُقَيَّدِ إذا ورد في نص مطلقًا، وفي آخر مُقيَّدًا، فإذا مَرَّ حديث مطلق فينبغي أنْ ننظر إنْ كان قد ورد مُقيَّدًا أم لا، فلا يؤخذ الحكم الشرعي منه حتى نحمل المُقيَّدَ عليه، وذلك إذا اتحد في النصين الحكم والسبب، ومثاله قوله - ﷺ -: «لاَ عَقْرَ فِى الإِسْلاَمِ» (٣) فهو مطلق، قيَّدَهُ ما رواه أبو داود عن عبد الرزاق أنهم كانوا يعقرون عند القبر بقرة
_________________
(١) رواه الترمذي: وقال: «حديث حسن صحيح».
(٢) أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان والبيهقي. وقال الترمذي: «حديث حسن».
(٣) رواه أبو داود في كتاب الجنائز رواه أحمد في " مسنده ".
[ ٢٤ ]
أو شاة في الجاهلية، وإلاَّ فالذبائح من سنن الإسلام.
وأما إذا لم يتحد الحكم والسبب في النصين فلا يحمل أحد النصين على الآخر باتفاق الفقهاء، بل يعمل بالمطلق على إطلاقه، والمُقيَّد على تقييده، ومثاله ما روي عن عائشة - ﵂ - قالت: «كَانَ النَبِيُّ يُصَلِّيَ الضُّحَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ» (١) وهو مطلق في ركعات أربع فَصَّلَ كيفية أدائها ما أخرجه الطبراني في " الكبير " عن ابن عباس قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا اسْتَوَى النَّهَارُ خَرَجَ إِلَى بَعْضِ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ» (٢)، وفيه: «قَامَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَلَمْ [يَتَشَهَّدْ] بَيْنَهُنَّ وَ[سَلَّمَ] فِي آخِرِ الأَرْبَعِ» وروي عَنْ أُمِّ هَانِئٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» (٣).
وجمهور الفقهاء على أنهم يحملون المطلق على المقيَّد؛ رفعًا للتعارض بين النصوص، ومثاله: ما صحَّ أنه - ﷺ - قضى بالشُفعة للجار، وهو مطلق قيَّدَهُ قوله - ﷺ -: «اَلْجَارُ أَحَقُّ
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) أخرجه الطبراني في " الكبير ".
(٣) متفق عليه.
[ ٢٥ ]
بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا - وَإِنْ كَانَ غَائِبًا - إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» (١) والحنفية هنا لا يحملون هذا المطلق على المُقيَّدِ: لأنهم لا يحتجون بمفهوم المخالفة، ولهذا تثبت الشفعة للجار الشريك في الطريق، والجار غير الشريك في الطريق.
٣ - قد يأتي الخاص على صيغة الأمر: وهي الصيغة المعلومة افعل وما يجري مجراها مقتضى بها الفعل حتمًا مع استعلاء، وهي تأتي لمعانٍ مختلفة قد تبلغ ستة عشر معنى، من أههمها: الإيجاب كقوله - ﷺ -: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَسْعَ إِلَى الجُمُعَةِ» (٢)، «لاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (٣)، وقوله: «اِسْتَنْزِهُوا مِنْ اَلْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ اَلْقَبْرِ مِنْهُ» (٤).
والندب كقوله - ﷺ -: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ» (٥)، وقوله: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّ
_________________
(١) رواه النسائي في [البيوع] وابن ماجه في [الشفعة].
(٢) أخرجه الدارقطني والبيهقي.
(٣) رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد والنسائي وابن ماجه.
(٤) رواه الدارقطني وهو صحيح الإسناد.
(٥) رواه أصحاب السنن وأحمد.
[ ٢٦ ]
شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» (١).
والأباحة مثل قوله - ﷺ -: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَك فَاذْكُر اسْمَ الْلَّه تَعَالَى، فَإِنْ أَمْسَك عَلَيْك فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْه، وَإِن أَدْرَكْتَه قَد قَُتَل وَلَم يَأْكُل مِنْه فَكُلْه، وَإِنْ وَجَدْتَ مَع كَلْبِك كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَد قُتِل فَلاَ تَأْكُل، فَإِنَّك لاَ تَدْرِي أَيَّهُمَا قَتَلَه، وَإِنْ رَمَيْت بِسَهْمِك فَاذْكُر اسْمَ الْلَّه تَعَالَى فَإِن غَابَ عَنْكَ فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلاَّ أَثَر سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيْقْا فِي الْمَاءِ فَلاَ تَأْكُل» متفق عليه واللفظ لمسلم.
ومثل: «وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا مَا لَمْ يَكُنْ سِنًّا أَوْ ظُفْرًا» (٢) أخرجه الجماعة.
ومنها: الإرشاد كقوله - ﷺ -: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَن ادِّخَار لُحُوْم الأَضَاحِي أَلاَ فَادَّخِرُوْا» (٣).
ومنها الدعاء: «اللهمَّ اغْفِرْ لِي».
_________________
(١) رواه البخاري وأصحاب السنن.
(٢) رواه الجماعة بزيادة «وَأَنْهَرَ الدَّمَ».
(٣) رواه مسلم وأحمد والترمذي وصحَّحَهُ بلفظ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلاَثٍ لِيَتَّسِعَ ذُو الطَّوْلِ عَلَى مَنْ لاَ طَوْلَ لَهُ، فَكُلُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا».
[ ٢٧ ]
وطريقة الاستدلال بالأمر تختلف بحسب القرائن، فالنصوص الآمرة قد تدل على الوجوب أو الإباحة، أو الندب، أو الإرشاد، أو الدعاء، ومن هنا نجد جانبًا من اختلاف العلماء في ذلك. وَأَنَّ الأصل في الأمر الوجوب ولكن قد تصرفه القرائن إلى سواه.
٤ - وقد يأتي الخاص على صيغة النهي، والنهي: هو طلب الكف عن الفعل على جهة الاستعلاء.
فهل هذه الصيغة للتحريم أو للكراهة؟ إنها تفيد التحريم أو الكراهة، وإنَّ الأصل في النهي هنا التحريم، لكن قد يصرفه عن التحريم صارف إلى الكراهة.
فمن أمثلة نهي التحريم قوله - ﷺ - «لاَ تُجْمَعُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا» (١). فقد أفاد النهي عن التحريم، ومثله قوله - ﷺ -: «لاَ تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ، وَلاَ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ، وَلاَ الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ» (٢)، وقوله: «لاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) رواه مسلم.
[ ٢٨ ]
بَعْضٍ» (١).
ومن أمثلة الكراهة ما روته السيدة عائشة - ﵂ -: «أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ» (٢) أي في الصلاة، وقوله - ﷺ -: «لاَ تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ، فَإِنَّ اَلشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ» (٣) ذهب الجمهور إلى أنه مكروه لا غير.
ومثله قوله - ﷺ -: «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ [ثَلاَثًا] (٤)» متفق عليه.
ومقتضى النهي شرعًا قبح النهي عنه، كما أنَّ مقتضى الأمر حسن المأمور به، لأنَّ الحكيم العليم - جَلَّ شَأْنُهُ - لا ينهى عباده عن فعل إِلاَّ لِقُبْحِهِ، ولا يأمرهم بشيء إِلاَّ لِحُسْنِهِ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٥).
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) رواه مسلم.
(٣) رواه مسلم.
(٤) [لم يقع ذكر لفظة «ثَلاَثًا» في " الصحيحين "، وإنما أوردها صاحب " سبل السلام ".
(٥) [النحل: ٩٠].
[ ٢٩ ]
ثانيًا: طرق الاستدلال من الألفاظ الواضحة وغير الواضحة:
أ - الألفاظ الواضحة هي:
١ - الظاهر: هو ما دل على معناه دلالة واضحة - عند الحنفية - بحيث لا يحتاج الوقوف على معناه إلى قرينة خارجية، ولم يكن ذلك المعنى هو المقصود الأصلي من سياق الكلام، ويحتمل التخصيص، أو التأويل، أو النسخ (١).
ومثاله: دخل - ﷺ - على عائشة وعندها رجل، فكأنه تغيَّرَ وجهه، كأنه كره ذلك، فقالت: إنه أخي، فقال: «انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ» متفق عليه (٢)، فقوله - ﷺ -: «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ» غير مقصود المعنى بطريق الأصالة، وإنما المقصود التأكد من أخوة الرضاعة، لأنه قاله لما رأى الرجل عند عائشة، وأخبرته أنه أخوها في الرضاعة. ولذلك لم يكن بيان أَنَّ الرضاعة من
_________________
(١) " كشف الأسرار ": ١/ ٤٤.
(٢) رواه الجماعة إلا الترمذي.
[ ٣٠ ]
المجاعة، هو المقصود الأصلي من السياق، وهو يحتمل التخصيص والتأويل والنسخ.
٢ - النص: وهو اللفظ الذي ظهر المراد منه وازداد وُضُوحًا بِأَنْ سِيقَ الكلام له مع احتماله التخصيص والنسخ والتأويل، ومثاله من السُنَّةِ ما ذكر في " الصحيحين " من حديث أم هانئ أنها أجارت رجلين من أحمائها وجاءت إلى النبي - ﷺ - تخبره أنَّ عليًّا أخاها لم يجز إجارتها. فقال: - ﷺ -: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» فهو نص في جواز إجارة المرأة.
هذا وقد اعتبر بعض الفقهاء الظاهر والنص بمعنى واحد، ولكن الجمهور يُفَرِّقُ بينهما، والنص أقوى من الظاهر، ودلالة النص عند الشافعية قطعية، وحكمهما العمل بهما بما يدل عليهما عَمَلًا وما انتظمهما ثابت.
٣ - المفسر: هو اللفظ الذي ظهر المراد منه، وسيق الكلام له، وازداد وضوحًا بعدم احتماله التخصيص أو التأويل، لكنه يحتمل النسخ مثل قوله - ﷺ -: «فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» (١).
_________________
(١) هذا جزء من حديث طويل رواه أنس، وهو كتاب أبي بكر في الصدقات. =
[ ٣١ ]
فهو لا يحتمل تأويلًا ولا تخصيصًا عند الشافعية.
والمفسر أقوى في دلالته على الحكم من الظاهر والنص، وإذا تعارض الظاهر والنص مع المفسر أُوِّلاَ ليوافقا المفسر، ومثال ذلك ما روي عن عائشة - ﵂ - أنَّ فاطمة بنت [أبي] حُبيش جاءت إلى النبي - ﷺ - فقالت: «إِنِّى امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلاَ أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاَةَ؟ قَالَ لَهَا: «لاَ، اجْتَنِبِى الصَّلاَةَ أَيَّامَ مَحِيضِكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِى وَتَوَضَّئِى لِكُلِّ صَلاَةٍ، ثُمَّ صَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ»، فهذا يعارض ما ورد في رواية أخرى أنه قال لفاطمة بنت [أبي] حبيش هذه: «تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلاَةٍ» فعلى الرواية الأولى يوجب الوضوء لكل صلاة، وعلى الثانية يوجبها لوقت كل صلاة، فَيُؤَوَّلُ الأول ليكون المعنى لوقت كل صلاة (١)
_________________
(١) = والحديث أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود والبخاري. وأخرجه أيضًا الشافعي والبيهقي والحاكم وَصَحَّحَهُ ابن حبان لكن لفظ الحديث: «وَفِى صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِى سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاةٌ».
(٢) متفق عليه، رواية «تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلاَةٍ» من زيادة البخاري وأشار مسلم إلى أنه حذفها عَمْدًا فإنه قال في " صحيحه " بعد ذكر الحديث: «وفي حديث حماد حرف تركنا ذكره»، قال البيهقي هو قوله: «تَوَضَّئِي» لأنها زيادة غير محفوظة. وقد قرَّرَ صاحب " الفتح " أنها ثابتة.
[ ٣٢ ]
٤ - المحكم: هو اللفظ الذي ظهر المراد منه وازداد قوة بعدم احتماله النسخ، أو التخصيص، أو التأويل كقوله - ﷺ -: «الْجِهَادُ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (١) وحكم المحكم أنه يجب العمل به قطعًا، ولا يحتمل الصرف عن ظاهره، ولا النسخ، ولا الإبطال.
ب - الألفاظ غير الواضحة هي:
١ - الخفي: هو اللفظ الذي يدل على معناه دلالة ظاهرة، لكن في انطباق معناه على بعض الأجزاء غموض وخفاء يحتاج إلى نظر، ومثاله في السُنَّةِ «نَهَى النَبِيُّ - ﷺ - عَنِ المُحَاقَلَةِ وَالمُخَاصَرَةِ وَالمُلاَمَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ وَالمُزَابَنَةِ». رواه البخاري.
فالمخاصرة تدل على معناها دلالة واضحة: وهي بيع الثمار والحبوب قبل أنْ يبدو صلاحها. لكن هناك خفاء في انطباقها
_________________
(١) الحديث أخرجه أبو داود عن أنس بلفظ: «وَالْجِهَادُ مَاضٍ [مُنْذُ] بَعَثَنِىَ اللَّهُ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ [آخِرُ أُمَّتِى] الدَّجَّالَ لاَ يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلاَ عَدْلُ عَادِلٍ». قال الشوكاني: وحديث أنس سكت عنه أبو داود والمنذري وفي إسناده يزيد بن أبي نشبة وهو مجهول، وأخرجه أيضًا أبو داود وأبو يعلى مرفوعًا بلفظ: «الْجِهَادُ مَاضٍ مَعَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ» ولا بأس بإسناده.
[ ٣٣ ]
على الثمر الذي بلغ حَدًا ينتفع به، ولو لم يكن قد أخذ الثمر ألوانه واشتد الحَبُّ «مثل الخوخ الأخضر». ولذلك اشترط انتفاء القطع حتى يصح البيع، وإلاَّ لو أبقاه لشغل ملك البائع، وفي انطباقه على إبقاء ما بدا صلاحه خفاء كذلك، إذْ هل يشترط بقاؤه أو لا يشترط ومتى يصح في الحالين؟ خلاف بين العلماء.
ومثله قوله - ﷺ -: «لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلاَّ فِى رُبُعِ دِينَارٍ» (١) فمعنى السرقة واضح، لكن في انطباقه على بعض الأجزاء كَالنَبَّاشِ - وهو سارق أكفان الموتى - غموض، لنقصان معنى السرقة، لعدم وجود الحرز بينهما. وينطبق على الطَرَّارِ وهو الذي يقطع الجيوب والحوافظ.
٢ - المشكل: وهو اللفظ الذي لا يدل بصيغته على المراد منه، بل لاَبُدَّ من طريقة خارجية تُبَيِّنُ ما يراد منه بسبب غموض المعنى كحديث: «الْفَضْلُ رِبًا» (٢) ففي بيان الفضل إشكال يحتاج إلى طريقة خارجية تُبَيِّنُ المراد منه.
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) رواه البخاري.
[ ٣٤ ]
٣ - المجمل: وهو اللفظ الذي لا يدل بصيغته على المراد منه، بل لاَبُدَّ من دليل نقلي عليه كألفاظ الصلاة والزكاة والحج والربا.
***
[ ٣٥ ]
١ - عبارة النص
٢ - إشارة النص
ثالثًا: طرق الاستدلال من الدلالات:
استنباط الحكم من السُنَّةِ لا يكون إلاَّ بعد فهم السُنَّة، إما عن طريق الفهم من لفظ النص كما بَيَنَّا، وإما عن طريق إشارته، أو دلالته عن طريق اقتضائه، ومن هنا قَسَّمَ الأصوليون طرق الاستدلال من الدلالة إلى أربعة أقسام:
١ - عبارة النص: وهي دلالة اللفظ على حكم المقصود من السياق أصالة، أو تَبَعًا ومثاله من السُنَّة رواية نافع عن ابن عمر قال: «نَهَى رَسُولُ الله - ﷺ - عَنِ الشِّغَارِ» (١) وقوله - ﷺ -: «يَا بَنِى بَيَاضَةَ أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ وَانْكِحُوا إِلَيْهِ». وَكَانَ حَجَّامًا. رواه أبو داود.
فحكم حرمة الشغار يستفاد من النص أصالة، وحكم جواز إنكاح الحجام مستفاد من النص تَبَعًا.
٢ - إشارة النص: وهي دلالة اللفظ على حكم لم يقصد أصالة ولا تَبَعًا، ولكنه لازم للمعنى لزومًا عقليًا أو عاديًا،
_________________
(١) متفق عليه.
[ ٣٦ ]
٣ - دلالة النص
ومثاله قوله - ﷺ -: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا». (١) والحكم الذي دَلَّتْ عليه إشارة النص وهو تجويز ركوب المرهون لغير المالك، ولغير المرتهن إذا أذن له المرتهن.
ومثله قوله - ﷺ - للنساء: «تَقْعُدُ إِحْدَاكُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا فِي عُقْرِ بَيْتِهَا لاَ تَصُومُ وَلاَ تُصَلِّي» (٢)، قُلْنَ بَلَى. قَالَ: «فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا» فهم الشافعي من الحديث بإشارة النص أنَّ الحيض خمسة عشر يومًا لأنَّ لفظة الشطر موضوع للنصف، والحديث ليس مسوقًا له ولكنه لبيان نقصان دين المرأة.
وحكم عبارة النص وإشارته حكم قطعي، إلاَّ إذا وجد ما يصرفه عن ذلك. ودلالة الإشارة تحتاج إلى ذكاء ودقَّة فهم من المجتهد.
٣ - دلالة النص: وهي دلالة الكلام على ثبوت حكم المنصوص عليه للمسكوت عنه، لاشتراكهما في علة يمكن فهمها للعارف باللغة العربية من غير نظر ولا اجتهاد، مثل ما روي
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب البيوع.
(٢) [قال الإمام البيهقي: «وَأَمَّا الَّذِي يَذْكُرُهُ بَعْضُ فُقَهَائِنَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ قُعُودِهَا شَطْرَ عُمْرِهَا، وَشَطْرَ دَهْرِهَا لاَ تُصَلِّي، فَقَدْ طَلَبْتُهُ كَثِيرًا فَلَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ أَجِدْ لَهُ إِسْنَادًا بِحَالٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ»]. " معرفة السنن والآثار " للبيهقي، تحقيق عبد المعطي أمين قلعجي، ٢/ ١٤٣ حديث رقم ٢١٥٧، الطبعة الأولى: ١٤١٢هـ - ١٩٩١م نشر: جامعة الدراسات الإسلامية (كراتشي - باكستان)، دار قتيبة (دمشق -بيروت)، دار الوعي (حلب - دمشق)، دار الوفاء (المنصورة - القاهرة)].
[ ٣٧ ]
أنَّ أعرابيا جاء إلى رسول الله - ﷺ - وهو ينتف شعره ويقول: هلكت هلكت، فقال: «مَاذَا صَنَعْتَ؟» فَقَالَ: وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَقَالَ: «أَعْتِقْ رَقَبَةً»، فضرب بيده على صفحة عنقه وقال: لا أملك إلاَّ رقبتي هذه. فقَالَ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - «صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ» فَقَالَ: هل أتيت ما أتيت إلاَّ من الصوم، فقال: «أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا». فقَالَ: لاَ أَجِدُ، فقال: «اجْلِسْ» فجلس فأتى بصدقات بني زريق فقال:
«خُذْ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا فَتَصَدَّقْ بِهَاعَلَى المَسَاكِينِ» فقال: أهَلْ على أهل بيت أحوج إليها مني ومن عيالي؟ فوالله ما بين لابتي المدينة أحوج إليها مني ومن عيالي: فقال - ﷺ -: «كُلْهَا أَنْتَ وَعِيَالِكَ» (١) وزيد في بعض الروايات: «يُجْزِيك وَلاَ يُجْزِئَ أَحَدًا بَعْدَك» فَدَلَّ الحديث على وجوب الكفارة بالجناية على الصوم بالأكل أو الشرب، وهو حكم مسكوت عنه، فهم من حكم النصوص، وهو الجماع في نهار رمضان، من غير حاجة إلى إعمال نظر. كما
_________________
(١) هذا الحديث روي بروايات مختلفة سردها ابن عبد البر في " التمهيد ". وقد روى هذا الحديث البخاري ومسلم وأصحاب السنن.
[ ٣٨ ]
٤ - دلالة الاقتضاء
يدل دلالة نص على وجوب الكفارة على زوجته، وإنْ لم ينص عليها. لأنَّ علَّةَ الجناية على الصوم مُتَحَقَّقَةٌ فيها أيضاَ.
ومثله في السُنَّةِ كذلك قوله - ﷺ -: «لاَ قَوَدَ إِلاَّ بِالسَّيْفِ» (١) فالقود بغير السيف كالمسدس دلالة النص، ومنها منع القَوَدِ، بِأَنْ يُفْعَلَ بالقاتل مثل ما فُعِلَ بالمقتول، كالرضخ بالحجارة، أو تفريق الأجزاء.
٤ - دلالة الاقتضاء: وهي دلالة الكلام على لازم متقدم يتوقف عليه صدق الكلام، أو صحَّته شرعًا وعقلًا، ومثاله في السُنَّة قوله - ﷺ - «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢) فقد نفى أَنْ تكون الأعمال بدون نية، وهذا مخالف للواقع، فَلاَبُدَّ أَنْ يكون المعنى اقتضاء وهو أنَّ «صِحَّةَ» الأعمال لا تكون إلاَّ بالنية، ومثله أيضًا قوله - ﷺ -: «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ» (٣) أي لا صِحَّةَ لصيامه، لأنَّ الصيام واقع موجود
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه والبزار والطبراني. واختلفوا في صحة إسناده فَصَحَّحَهُ بعضهم: وَضَعَّفَهُ ابن الجوزي، وقال البيهقي: لم يثبت له إسناد.
(٢) متفق عليه.
(٣) رواه الخمسة، وَصَحَّحَهُ أبو داود والترمذي. وقال في " المستدرك ": صحيح على شرط البخاري.
[ ٣٩ ]
بدون نية، وذلك بدلالة الاقتضاء، ومثله قوله - ﷺ -: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» (١) أي من الدين النصيحة.
هذا وقد قَسَّمَ غير الحنفية: وهي دلالة اللفظ على حكم شيء ذكر في الكلام ونطق به (وتشمل دلالة العبارة والإشارة والاقتضاء عند الحنفية) والقسم الثاني: دلالة المفهوم: وهي دلالة اللفظ على حكم شيء لم يذكر في الكلام ولم ينطق به، وبهذا ينقسم عندهم الكلام إلى مفهومين: مفهوم الموافقة: وهو أنْ يدل اللفظ على مساواة المسكوت عنه المذكور في الحكم، وهذا ما يسمى عند الحنفية (دلالة النص) ومفهوم المخالفة: وهو دلالة الكلام على انتفاء حكم المنطوق عن المسكوت عنه؛ لانتفاء قيد من القيود في المعتبرة في الحكم. ولم يأخذ الحنفية مفهوم المخالفة، وأخذ به الجمهور، ومثاله في السُنَّة قوله - ﷺ -: «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَّكَاةُ» (٢)، فمفهوم المخالفة أنه لا زكاة في الغنم المعلوفة.
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) رواه أحمد والنسائي والبخاري وأبو داود.
[ ٤٠ ]
ولمفهوم المخالفة أقسام، نطيل إذا ذكرناها، ولا يحتمل المقام التعرض لها، فنحن إنما نريد إعطاء فكرة عامة عن طريق الاستدلال بِالسُنَّةِ وقد فعلنا.
هذه هي طرق الاستدلال بِالسُنَّةِ بشكل عام، وقد حاولت جهدي أْنْ أسوق الأمثلة من السُنَّةِ حسب القواعد الأصولية في الاجتهاد لأسباب أهمها:
أولًا: معرفة السُنَّة شرط من شروط الاجتهاد: من المعلوم أنَّ العلماء اشترطوا للاجتهاد الشرعي شروطًا لاَبُدَّ أنْ تتحقَّقَ؛ وإلاَّ كان الاجتهاد غير معتبر. وقد ذهب الشاطبي إلى اشتراط شرطين:
١ - فهم مقاصد الشريعة على كمالها؛ لأنَّ الشريعة مبنية على اعتبار المصالح، وَأَنَّ المصالح إنما اعتبرت من حيث الشارع كذلك، لا من حيث إدراك المكلف. إذ المصالح تختلف عند ذلك بالنسب والإضافات، [أم] إنها تكون منافع ومضار في حال دون حال، ووقت دون وقت، وشخص دون شخص، وأنَّ الأغراض في الأمر الواحد تختلف، فوضع الشريعة لا يصح أَنْ
[ ٤١ ]
يكون تبعًا لما يراه المُكلَّفُ مصلحة. وَيُبَيِّنُ أَنَّ هذه المقاصد ثلاث مراتب: هي الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات، فإذا بلغ الإنسان مبلغًا فهم عن الشارع قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وكل باب من أبوابها فيحصل له وصف هذا السبب الذي يجعله للرسول - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - في الفُتْيَا والعلم.
٢ - التمكن من فهم مقاصد الشريعة، وهذا لا يكون إِلاَّ بواسطة معارف مُعَيَّنَةٍ.
ونحن نرى أَنَّ الشرط الأول لا يحصل إِلاَّ بعد حصول الشرط الثاني، لأنه هو الذي يُؤَدِّي إلى فهم الشريعة، ومعرفة مقاصدها في كل باب ومسألة. ولذلك خاض العلماء في بيان هذه الشرائط، ومنها العلم بالأدلة السمعية من الكتاب وَالسُنَّةِ والأحكام المشتركة بينهما.
ومعرفة وجوه القياس، والعلم بمسائل الإجماع، ومعرفة اللغة العربية، والإحاطة بفروعها إحاطة تُمَكِّنُهُ من فهم دلالات القرآن وَالسُنَّةِ من النصوص، ومعرفة غريبها،
[ ٤٢ ]
وَتَذَوُّقِ بلاغتهما. وهذه شروط مُجْمَعٌ عليها، وهناك شروط موضع خلاف بين العلماء؛ كمعرفة الفقه، ووجوه الاختلاف، والعدالة، وما لاَبُدَّ منه من علم الكلام.
وَيَهُمُّنَا هنا أَنْ نُبَيِّنَ معرفة أحكام الشريعة التي وردت بها السُنَّةُ، بحيث يستطيع المجتهد أَنْ يستحضر في كل موضوع ما ورد في السُنّةِ من نصوص، وقد قيل: ينبغي معرفة خمسمائة حديث، وقيل ثلاثة آلاف، وحصرها أحمد بن حنبل بالأصول من الأحاديث، وهي ألف ومائتا حديث، وقال الغزالي والرافعي وجماعة من الأُصُولِيِّينَ: «يكفيه مثل " سنن أبي داود "، و" معرفة السنن " للبيهقي مِمَّا يَجْمَعُ أحاديث الأحكام، وقد نازع العلماء هذا التحديد. قال النووي: «وَلاَ يَصِحُّ التَمْثِيلَ بِسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ؛ فَإِنَّهَا لَمْ تَسْتَوْعِبْ، وَكَمْ فِي البُخَارِي وَمُسْلِمَ مِنْ حَدِيثٍ حُكْمِيٍّ لَيْسَ فِيهِ»، وقال ابن دقيق العيد: «وَلاَ يَخْفَاكَ أَنَّ كَلاَمَ أَهْلِ العِلْمِ فِي هَذَا البَابِ مِنْ قَبِيلِ الإِفْرَاطِ وَالتَفْرِيطِ» (١).
_________________
(١) " إرشاد الفحول إلى [تحقيق الحق من] علم الأصول " للشوكاني: ص ٢٥١.
[ ٤٣ ]
والحق أنه لا يشترط هذا التحديد: لِسَعَةِ السُنَّةِ وَإِلاَّ انْسَدَّ باب الاجتهاد كما قال ابن أمير الحاج، وقد اجتهد صحابة رسول الله - ﷺ - والتابعون، ولم يستحضروا فيها جميع النصوص التي وردت في السُنّةِ، بل عُرِفَ أَنَّ أحدهم كان يجتهد فإذا رُوِيَ له من السُنّةِ غير ما توصل إليه اجتهاده رجع عنه. إِلاَّ أنني أرى في أيامنا هذه، ومع تيسر كتب السُنّةِ المطبوعة، أَنْ يرجع من يريد الاجتهاد إلى ما اشتملت عليه مجاميع السُنّةِ، كالأمهات الست، وما يلحق بها، كالمسانيد التي صَنَّفَهَا علماء الحديث، فيستخرج منها ما يحتاج إليه من الأحاديث المتعلقة بالموضوع الذي يريد أَنْ يجتهد فيه، ولا يشترط أَنْ يكون حَافِظًا لها بعد هذا التدوين، لكن لاَبُدَّ أَنْ يكون على دراسة ودراية بعلوم الحديث وأنواعه، والتمييز بين الحسن، والصحيح، والمشهور، والمتواتر، وأنواع الضعيف، ومعرفة بقواعد الجرح والتعديل، وأحوال الرجال، وغير ذلك، وهذا ما ذهب إليه كثير من العلماء كالشوكاني. ولعل الحصول على أعلى درجة أو إجازة في تَخَصُّصٍ ما من علوم الشريعة ولا سيما في الفقه وأصوله، أو التفسير وعلومه، أو الحديث وعلومه،
[ ٤٤ ]
يتيح لحاملها أَنْ يسير في طريق الاجتهاد، إذا توافرت لديه شرائط الاجتهاد الأخرى.
ثانيًا: اجتراء نفر من الناس على استنباط الأحكام من الكتاب وَالسُنّةِ بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فقد تَجَرَّأَ على الاجتهاد في الدين نفر من الناس، بضاعتهم في العلم مزجاة، أو ليس لديهم أدوات الاجتهاد، وهي التي لاَبُدَّ منها له، بالإضافة إلى الفهم والبصر، والعدالة والتقوى، فأخذ هؤلاء الناس يجتهدون، معتمدين على المقولة الشائعة «إنَّ لكل إنسان أن يأخذ الحكم من كتاب الله وسُنَّةَ نبيِّهِ»، أو على المفهوم المغلوط «الدين تحت العقل لا فوقه» من غير أَنْ يملكوا أدوات الاجتهاد، وجرأهم على هذا تقحم باب الاجتهاد مِمَّنْ قرأ بعض القرآن، أو حفظ بعض الأحاديث، أو قرأ كتابًا فقهيًا، أو من كتب الفكر الإسلامي الحديث، فَظَنَّ أنه قادر على الاجتهاد، فَتَخَبَّطَ في ابْتِسَارِ الأحكام وإصدارها، حتى عَمَّ البلاء في البلاد الإسلامية، ومنها العربية، وتَكَوَّنَ من ذلك أحزاب وشيع، كل حزب بما لديهم فرحون، وقعدوا للافتاء في الدين بكل مرصد، وَخَطَّؤُوا غيرهم، وحاولوا إرغام الآخرين
[ ٤٥ ]
على اجتهاداتهم، حتى مع ظهور خطئها، وَبُعْدِهَا عن الصواب.
حَدَّثَنِي بعض أساتذة الشريعة أنه سأل طالبًا أعجميًا من طلبة السَنَةِ الأولى في إحدى كليات الشريعة: «هل تعرف شيئًا من الفقه؟ قال: نعم، قال: على مذهب مَنْ مِنَ الأئمة؟ على مذهب أبي حنيفة؟ قال: لا. قال: على مذهب الشافعي؟ قال: لا. قال: على مذهب مالك أو أحمد بن حنبل أو غيرهم؟ قال: لا. قال: على مذهب مَنْ إِذَنْ دَرَسْتَ بعض هذا الفقه؟ قال: أجتهد لنفسي وللناس».
ثالثًا: إِنَّ الدعوة إلى التَمَسُّكِ بِالسُنَّةِ وَاتِّبَاعِهَا هي دعوة حق، ولكن الأسلوب الذي اتبعته فئات من الناس أسلوب نَمَّ عن جَهْلٍ بِالسُنَّةِ، ولذلك كان لاَبُدَّ من تصحيح الفهم لِلْسُنَّةِ والاستدلال بها واتباعها. فقد زعم هؤلاء أَنَّ التزام السُنَّة في كل ما وردت به ينبغي أَنْ يكون على سبيل الوجوب، ولذلك أنكروا على من يترك المندوب والمستحب والمباح إذا كان الرسول - ﷺ - قد فعله؛ استنادًا إلى ظاهر الآية الكريمة ﴿وَمَا
[ ٤٦ ]
آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)، وقوله - ﷺ -: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (٢)، والحقيقة أَنَّ التزام السُنَّة واجب، ولكن على الوجه الذي وردت به، فإذا وردت السُنَّةُ بأمر هو فرض أو واجب، وجب أَنْ نلتزمه على وجه الوجوب: مثل الطواف سبعًا حول البيت، ومثل صلاة الظهر أربع ركعات، أو السعي سبعًا بين الصفا والمروة.
وإذا وردت السُنَّةُ بأمر على وجه التحريم وجب أَنْ نلتزمه على وجه التحريم فَنُحَرِّمَهُ على أنفسنا، كَنَهْيِهِ - ﷺ - عن الجمع بين المرأة وَعَمَّتِهَا أو خالتها، أو تحريمه بيع المنابذة.
وإذا وردت على وجه الندب والاستحباب وجب أَنْ نلتزمها على وجه الندب والاستحباب، فإذا فعلناها فلنا ثواب، وإذا تركناها فليس علينا عقاب، كَصَلاَةِ السُنَّةِ المُؤَكَّدَةِ قبل الظهر، وَصَلاَةِ السُنَّةِ غَيْرِ المُؤَكَّدَةِ قبل العصر، أو الشرب جالسًا، أو لبس البياض يوم الجمعة، أو الاغتسال يوم الجمعة.
_________________
(١) [الحشر: ٧].
(٢) رواه البخاري في جزء من حديث.
[ ٤٧ ]
وإذا وردت السُنَّةُ بالإباحة التزمناها على وجه الإباحة، فلنا أَنْ نفعلها أَوْ لا نفعلها ولا شيء علينا في الحالتين.
وكذلك إذا وردت السُنَّةُ بالكراهة وجب العمل بها على سبيل الكراهة فالثوم والبصل مكروه أكلهما عند الصلوات، فنلتزم مع كراهة أكلهما ولكن يباح أكلهما في غير الصلوات.
وقد أخطأ هؤلاء الذين أخرجوا مَنْ ترك فعل السُنَّةِ في المندوب والمباح، أو فعلوا المكروه، أخرجوهم من حظيرة الدين، وَكَفَّرُوهُمْ جَهْلًا بِالسُنَّةِ نفسها، واستشهادًا بالنصوص في غير موضعها. نعوذ بالله من الإنحراف عن القصد والعدل.
رابعًا: الدعوة إلى التَعَمُّقِ في دراسة الإسلام: ومن التَعَمُّقِ معرفة الأصول الفقهية، والابتعاد عن السطحية في التفكير،، والتزام البصر الفقهي، ومعرفة أحكام الفقه، حتى نستطيع مواجهة الأحداث والمشكلات، ونعرف حلولها من كتاب الله وَسُنَّةَِ رسوله - ﷺ -، ولا يتم هذا إِلاَّ بمعرفة كيفية فهم الكتاب وَالسُنَّةِ فَهْمًا عَمِيقًا مَبْنِيًّا على الأصول.
[ ٤٨ ]
وأخيرًا وربما لم يكن آخرًا: إِنَّ معرفة الاستدلال بالكتاب وَالسُنَّةِ يعطي المسلمين النظرة البصيرة للأشياء، والفكر المستنير في الحكم على الأشياء، وَيُقلِّلُ من تحجير العقول، وتضييق الفهم، والتشديد في غير موضعه، ويجعل الاتساع في الفهم يتسع لتعدد الأحكام، واختلاف الآراء، ووجود المدارس الفقهية النَيِّرَةِ، وهذا من التيسير في الدين، وعدم الحرج، ومع وجود الاختلاف لا تضيق به الصدور، ولا يلجأ الاختلاف إلى التناحر والتباغض، بل إلى المودة والمحبة، والتفاهم والتعاون في ظلال أحكام الله وعدل الإسلام.
والحمد لله رب العالمين.
[ ٤٩ ]