ولما فَرَغَ المصنِّف من بيان المردود للسَّقْط، شَرَعَ في المردود للطَّعْن؛ فقال: والطَّعْنُ يَكُونُ في الرَّاوِي بِوَاحِدٍ مِنْ عَشَرَةِ أَشْيَاءَ، وهي قسمان:
خمسةٌ منها تتعلَّق بالعدالة (^١)، وهي - لغةً - التوسُّط في الأَمْرو الاستقامةُ،
وفي الاصطلاح: مَلَكَةٌ تَمْنَعُ من فِعْل كبيرةٍ، وأُلْحِقَ بها إصرارُهُ على صغيرةٍ، أي: المداومةُ عليها إنْ لمْ تَغْلِبْ طاعاتُهُ، أما من غلبَتْ طاعاتُهُ، فلا إصرارَ عِنْدَهُ؛ بل لا صغائر أصلا؛ لما قاله الجمهورُ مِنْ أنَّ من غَلَبَتْ طاعتُهُ معاصيَهُ، كان عدلًا، ومَنْ تَغْلِبُ معاصيه طاعَتَهُ، كان مردودَ الشَّهادة، والمرادُ "المَلَكَة" هيَيْئَةٌ راسخةٌ في النَّفْس، ويُعْرَفُ هذا الرسوخُ بغلبة الطاعاتِ؛ إذ ليس للعَدْلِ علامةٌ يُفَرَّقُ بينه وبين غير العَدْل في بدنه، ولا لَفْظِهِ؛ وإنما علامةُ صدقه ما يُخْبِرُ عن حاله في نفسه، فإن كان الأغلَبُ من أمره ظَاهِرَ الخَيْر، قُبِلَ. وهي -أي- الخمسة المتعلقة بالعدالة مجموع ما يذكر بعد لا كل واحد منها حتى يقال لا يصح الحكم على الخمسة بكلِّ واحدٍ من هذه الأمور؛ وبيان ذلك:
_________________
(١) وهذه الخمسة المتعلقة بالعدالة هي: الكذب في الحديث النبوي، التهمة بالكذب ظهور الفسق، الجهل بحال الراوي، البدعة المكفرة. والخمسة الأخرى متعلقة بالضبط وهي: فحش الغلط، كثرة الغفلة، الوهم، مخالفة الثقات، سوء الحفظ، وسيأتي الكلام عليها.
[ ٢٨٧ ]
أن الضَّمِيرَ راجعٌ إلى الخمسة، إلا، أنَّ العطْفَ مقدَّم على الحكْم؛ فكأنه عطف أولا بعضهًا على بَعْض، ثُمَّ حكَمَ على المجموع بأنَّهُ خبر المبتدأ، ومِثْلُ هذا شائعٌ في عبارتِهِمْ،
[ ٢٨٨ ]