يُعْتَبَرُ المسلمون أسبق الأمم جميعًا لعلم الفهرسة، وقد ابتدأوا ذلك في القرن الثاني بترتيب كتب الأحاديث ورجالها، ومفردات القرآن الكريم، واللغة العربية وسائر العلوم ضمن معاجم على حروف الهجاء، وَمِمَّنْ ساهم في إرساء أصول علم الفهرسة الخليل بن أحمد (١٧٥ هـ) واضع كتاب " العين "، والإمام محمد بن عزيز السِّجِسْتَانِي (٣٣٠ هـ) الذي وضع كتابه " غريب القرآن " وجمع فيه المفردات القرآنية وشرحها على ترتيب حروف الهجاء، ومنهم ابن دُريد (٣٢١ هـ) الذي أَلَّفَ كتاب " جمهرة اللغة "، وهو معجم لغوي مُرَتَّبٌ على
[ ٢١ ]
حروف الهجاء ومنهم ابن النديم (٤٣٨ هـ) واضع كتاب " الفهرست " جمع فيه ما أُلِّفَ من الكتب حتى عصره، وقد ظهرت هذه الفهارس عند المسلمين قبل ظهور أول معجم إنكليزي بنحو سبعة قرون، كما يقول الدكتور محمد أحمد الغمراوي في كتابه " مرشد المتعلم " ص: ٢٧٦، ويزيد قائلًا: «فَالعَرَبُ هُمْ أَسْبَقُ الأُمَمِ قَاطِبَةً إِلَى القَوَامِيسِ تَأْلِيفًا وَاسْتِعْمَالًا لِلْتَرْتِيبِ الهِجَائِيِّ فِيهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ المُتَأَدِّبِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ التَّرْتِيبَ الهِجَائِيَّ شَيْءٌ اِبْتَدَعَهُ الإِفْرَنْجُ، وَاخْتَصَّتْ بِهِ القَوَامِيسُ الإِفْرَنْجِيَّةُ».
وقد استفاد المسلمون في هذه الفترة المُبَكِّرَةِ من علم الفهرسة واستخدموه في خدمة السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ، فوضعوا ما يُسَمَّى بـ " المسانيد "، وهي الكتب المُصَنَّفَةُ على ترتيب أسماء الصحابة، جمعوا فيها أحاديث كل صحابي تحت اسمه، وهو نوع من الفهرسة المتقدمة، ومن أشهر هذه المسانيد: " مسند أسد بن موسى (٢١٢ هـ)، و" مسند العبسي " (٢١٣ هـ)، و" مسند مسدد بن مسرهد " (٢٢٨ هـ)، و" مسند نُعيم بن حماد " (٢٢٨ هـ)، و" مسند إسحاق بن راهويه " - شيخ البخاري - (٢٣٨ هـ)، و" مسند عثمان بن أبي شيبة " (٢٣٩ هـ)، و" مسند أحمد بن حنبل " (٢٤١ هـ) وهو أكبرها على الإطلاق إذ تَضَمَّنَ حوالي ثلاثين ألف حديث، وغيرها من المسانيد التي أربت على المائة.
كما استخدم المسلمون الفهرسة في نوع آخر من المُصَنَّفَاتِ الحَدِيثِيَّةِ يُسَمَّى بـ " المعاجم " والمعجم في اصطلاح المحدثين هو الكتاب الذي تُرَتَّبُ فيه الأحاديث على مسانيد الصحابة، أو الشيوخ، أو البلدان أو غير ذلك، والغالب أن يكون ترتيب الأسماء فيه على حروف المعجم، ومن هذه الكتب " المعجم الكبير " للطبراني (٣٦٠ هـ)، و" المعجم الأوسط " له أيضًا، و" المعجم الصغير " له أيضًا، و" معجم الصحابة " لابن لال (٣٩٨ هـ)، و" معجم الصحابة " لأبي يعلى الموصلي (٣٠٧ هـ).
واستخدم المسلمون علم الفهرسة أيضًا في علم رجال الحديث في فترة مُبَكِّرَةٍ تعود للقرن الثالث، فَأَلَّفُوا كتب التراجم على صورة المعاجم، وَرَتَّبُوا فيها الأعلام على الحروف أيضًا، وَأَلَّفُوا في ذلك مؤلفات ضخمة واسعة؛ منها كتاب " التاريخ الكبير " للبخاري (٢٥٦ هـ) وكتاب " الجرح والتعديل " [لابن] أبي حاتم الرازي (٣٢٧ هـ) و" الضعفاء الكبير " للعقيلي (٣٢٢ هـ)، و" الكامل في ضعفاء الرجال " لابن عدي الجرجاني (٣٦٥ هـ).
[ ٢٢ ]
فَهْرَسَةُ الحَدِيثِ فِي القَرْنِ الرَّابِعِ:
بدأت محاولات الأئمة المتقدمين بفهرسة المصادر الأصلية منذ القرن الرابع، وقد بذلوا جُهْدًا كَبِيرًا لإرشاد الباحثين عن الأحاديث في مظانها من الدواوين الكبار كـ " الكتب الستة " وغيرها، فابتدأوا بتأليف نوع من الفهارس لها سموه الأطراف، رَتَّبُوا فيه أسماء الصحابة على الحروف، وجمعوا تحت اسم كل صحابي أحاديثه المروية في أحد هذه المصادر أو مجموعة منها.
ومن أقدم هذه الكتب: " أطراف الصحيحين " للإمام الحافظ خلف بن حَمْدُونَ الوَاسِطِي المُتَوَفَّى سَنَةَ (٤٠١ هـ)، وكتاب " الجمع بين الصحيحين " للحافظ أبي مسعود الدمشقي إبراهيم بن محمد بن عبيد (٤٠١ هـ) وكتاب " الجمع بين الصحيحين " للحافظ البرقاني أبي بكر أحمد بن محمد شيخ بغداد (٤٢٥ هـ)، وكتاب " أطراف الغرائب والأفراد " للإمام الحافظ الكبير أبي القاسم علي بن عساكر الدمشقي المُتَوَفَّى سَنَةَ (٥٧١ هـ) وكتاب " تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف " للحافظ المِزِّي (٧٤٢ هـ) الذي نَقَّحَ فيه كتاب ابن عساكر وزاد فيه زيادات واستدراكات، وكتاب " جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن " للحافظ ابن كثير الدمشقي (٧٧٤ هـ)، ثم جاء الشيخ عبد الغني النابلسي (١١٤٣ هـ) فاختصر كتاب المِزِّي في كتابه " ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الأحاديث " وهو أكثر كتب الأطراف فائدة مع الاختصار التام، وقد جعله لأطراف " الكتب الستة " و" موطأ مالك ".
ومن صُوَرِ فهرسة الأحاديث في العصور المبكرة أيضًا، تجميعها في دواوين كبيرة تضم مجموعة من المصادر الأصلية على أساس التصنيف الموضوعي مع حذف المُكَرَّرِ مِنْهَا، ومن أولى هذه المحاولات ما فعله الحافظ الحُمَيْدِيُّ أبي عبد الله محمد بن أبي نصر الأندلسي (٤٨٨ هـ) في كتابه " الجمع بين الصحيحين ".
ثم تبع ذلك محاولات متعددة لتجميع السُنَّةِ على صعيد واحد في مصنفات مستوعبة بعد انتهاء عهود الرواية والتدوين كان من أهمها: " التجريد للصحاح الستة " لِرُزَيْن بن معاوية العبدري الأندلسي (٥٣٥ هـ)، و" جامع الأصول في أحاديث الرسول " لابن الأثير الجزري (٦٠٦ هـ)، و" مجمع الزوائد ومنبع الفوائد " للحافظ نور الدين الهيثمي
[ ٢٣ ]
(٨٠٧ هـ)، و" إتحاف السادة المهرة بزوائد المسانيد العشرة " للحافظ شهاب الدين البُوصَيْرِي (٨٤٠ هـ)، و" المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية " للحافظ ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ)، و" جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد " لِلْعَلاَّمَةِ محمد بن سليمان الفاسي المغربي (١٠٩٤ هـ).