[ ٣٣٥ ]
الفَصْلُ الأَوَّلُ: ابْنُ سَعْدٍ وَمَنْهَجُ التَّصْنِيفِ فِي " الطَّبَقَاتِ ":
تَمْهِيدٌ:
لقد كان جمع الحديث وتلقيه والرحلة في طلبه وتدوين المصنفات للثقافة العربية الإسلامية الأولى بجميع علومها النقلية المعتمدة، المُعَوِّلَةِ على الإسناد، فكل ما نعرفه من التاريخ والسيرة، والمغازي والفتوح، والتراجم والطبقات، وحتى تفسير القرآن وعلوم القراءات تشعب عن جمع الحديث وروايته، إذ كان الحديث في صورته الأولى التي نشأ عليها يشمل ذلك كله في أذهان الرواة وذواكر الحفاظ. إلا أن هذه المعلومات الجزئية التفصيلية أخذت تستقل بأسمائها وموضوعاتها عن الحديث رويدًا رويدًا، وأضحى كل منها فيما بعد علمًا قائمًا برأسه.
وكتب الطبقات لون من هذه الثقافة الإسلامية الأولى المتفرعة عن تدوين الحديث وجمع الروايات، وفيها نعثر على تراجم الرواة،
[ ٣٣٧ ]
وأحوالهم عصرًا بعد عصر، وطبقة بعد طبقة (١). وإنما يعنينا - في هذا الفصل - أن نعرف ما لا يسعنا جهله عن هذه الطبقات، وعن مصادرها الأساسية، وتسلسل المشتغلين بهذا اللون من الدراسة التاريخية النقدية.
وما تكاد لفظة «الطبقات» تلقى حتى يطوف في الأذهان ذكر كتاب " الطبقات الكبرى " لابن سعد، لأنه من أول الكتب في علم الطبقات (٢)، ولا ريب أن خير ما نصنعه تحليل هذا الكتاب لنقف على حقيقة هذه الدراسات، وعلى مناهج المصنفين فيها. ونبدأ أولًا بكلمة عن صاحب هذه " الطبقات ".
ابْنُ سَعْدٍ، حَيَاتُهُ وَأَخْبَارُهُ:
هو محمد بن سعد بن منيع الزهري، لأنه كان من موالي بني زهرة، الهاشمي أيضًا لأن أحد أجداده كان مولى للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس من الهاشميين. ولد بالبصرة سنة ١٦٨هـ. ولذلك نسب إليها فقيل (ابن سعد البصري)، ثم رحل إلى المدينة والكوفة وبغداد، ولا بد أن تكون رحلته إلى المدينة قبل سَنَة ٢٠٠ هـ.، لأنه لقي فيها بعض الشيوخ وأخذ عنهم سَنَةَ ١٨٩ هـ، وقد لقي في المدينة رجال الرواية المشاهير، لأن المدينة دَارُ السُنَّةِ، والإقليم الأول الذي انطلقت منه رواية الأحاديث. أما بغداد فإنه لما ارتحل إليها أقام فيها حتى توفي سَنَةَ ٢٣٠ هـ، فيكون قد عاش اثنتين وستين عَامًا. وفي بغداد
_________________
(١) " الرسالة المستطرفة ": ص ١٠٤.
(٢) " مختصر علوم الحديث ": ص ٣٠٢.
[ ٣٣٨ ]
لازم المؤرخ الكبير الواقدي صاحب " الطبقات " و" المغازي "، وظل يكتب له حتى عرف باسم «كاتب الواقدي»، وَعَدَّهُ المؤرخون نفحة من نفحاته الخالدة. ولم يُعْزَ إليه في كتب التراجم التي وصفت حياته وسيرته إلا ثلاثة كتب أحدها هذه " الطبقات الكبرى "، والثاني كتاب قدموه لنا باسم " الطبقات الصغير " والثالث " أخبار النبي " الذي لم ينسب إليه ابن النديم في " فهرسته " سواه، ويرجح بعض الباحثين - ونحن معهم - أن الكتب الثلاثة ليست في حقيقتها إلا كتابًا واحدًا، لأن محتوى كتاب " الطبقات الصغير " وكتاب " أخبار النبي " وارد على ما يبدو في الجزئين الأولين من هذه " الطبقات الكبرى ". وليس معنى هذا أن ابن سعد لم يؤلف حَقًّا غير هذا الكتاب، ولكن هذا مجمل ما ألقته كتب التراجم على ابن سعد وتآليفه من أضواء. ولئن لم يكن له إلا هذه " الطبقات الكبرى " فإنها وحدها تَنِمُّ عن علمه الغزير، وحافظته القوية، واتصاله الوثيق بمنابع الرواية ومصادر التاريخ في عصره.
مَصَادِرُهُ الأَسَاسِيَّةُ:
كانت مصادره في " طبقاته " على نوعين: مصدر المشافهة والسماع كأكثر المحدثين والمؤرخين في عصره، ومصدر الكتابة، وهو ضيق محدود. وما دمنا نتكلم عن " الطبقات " بشكل خاص، فإن الأمانة العلمية تفرض علينا أن نقول: إن صاحبنا عَوَّلَ بالدرجة الأولى على النقل المباشر من أفواه الشيوخ، وحتى ما تلقاه عن شيخه الواقدي في كتابه " الطبقات " أخذه عنه بالمشافهة إلى جانب أخذه إِيَّاهُ من الكراريس والقراطيس.
والأمانة العلمية تفرض علينا أيضًا أن نقول: إن أحدًا غير الواقدي لم
[ ٣٣٩ ]
يسبق ابن سعد في تأليف سُمِّيَ صراحة باسم " الطبقات ".
ولم يكد يفوت ابن سعد التلقي المباشر عن أحد من رجال الحديث المشاهير في عصره، ومن سنذكرهم من شيوخه على سبيل المثال يكفينا سرد أسمائهم لنعرف نوع البيئة العلمية التي كان ابن سعد يحيط بها نفسه: فلقد لقي وكيع بن الجراح وسليمان بن حرب وَهُشَيْمٍ بن بشير وأبا نُعَيْمٍ الفَضْلَ بْنُ [دُكَيْنٍ] وسفيان بن عُيينة والوليد بن مسلم وأبا الوليد الطيالسي ومحمد بن سعدان المقرئ الضرير. وذلك ما أتاح لنقاد الحديث المتأخرين عن عصره والذين كانوا بُعَيْدَهُ بقليل أن يثنوا عليه وَيُزَكُّوهُ وَيُعَدِّلُوهُ ويقولوا فيه: «صَدُوقٌ ثِقَةٌ يَتَحَرَّى فِي كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَاتِهِ»، حتى فضله [بعضهم] على شيخه الواقدي، فقال السخاوي مثلًا: «ثِقَةٌ مَعَ أَنَّ أُسْتَاذَهُ ضَعِيفٌ».
كَلِمَةٌ فِي شَيْخِهِ الوَاقِدِي:
ولا بد من كلمة في أستاذه الواقدي هذا - وإن قالوا فيه: «ضَعِيفٌ» - فهو محمد بن عمر بن واقد الواقدي، كان من موالي بني هاشم. وكان مولده بالمدينة سَنَةَ ١٣٠ هـ، في خلافة مروان بن محمد، صاحب الخليفة هارون الرشيد في رحلة إلى الحج سَنَةَ ١٧٠هـ، وزار معه المدينة، ودله على المشاهد ومواقع الغزوات، فأعجب به الرشيد، ثم طلب إليه وزير الرشيد يحيى بن خالد البرمكي أن يصير إليه في العراق إذا استقرت به الدار، واتصل به الواقدي ووجد لديه كل إعزاز وتكريم. وخرج بعد ذلك إلى الشام والرقة، ثم عاد إلى بغداد حيث ولاه المامون قضاء «عسكر المهدي» ولم يزل قاضيًا حتى مات ببغداد
[ ٣٤٠ ]
سنة ٢٠٧هـ أو سنة ٢٠٩هـ.
وقد تيسر للواقدي أن يأخذ العلم من أفواه الرعيل الأول من الرواة والحفاظ أمثال مالك بن أنس إمام أهل المدينة، وسفيان بن سعيد الثوري، ومعمر بن راشد، وكان معاصرًا لمحمد بن إسحاق صاحب " السيرة " المشهورة، إلا أنه كان أصغر منه سِنًّا، ويعدونه الثاني بعد ابن اسحاق في سعة العلم بالتاريخ والسير والمغازي والفتوح. لكن أكثر علم الواقدي بالمغازي جاءه من نجيح السندي المعروف باسم أبي معشر السندي المتوفى سنة ١٧٠هـ ببغداد، وقد استقدمه الخليفة المهدي معه إلى بغداد حين جاء يزور المدينة وسمع بعلمه وفضله. ومع أن الحفاظ والنقاد يطعنون في بعض روايات أبي معشر هذا لكثرة ما يرويه من المناكير، كانوا يتفقون على بصره بالمغازي وخبرته التامة بسيرة النبي وبالفتوح. حتى قال الإمام أحمد بن حنبل: «أَبُو مَعْشَرَ بَصِيرٌ بِالمَغَازِي».
لا عجب إذن إذا طبقت كتب الواقدي في الطبقات والتاريخ والمغازي شرق الأرض وغربها كما يقول الخطيب البغدادي في ترجمته، فإنه تلقى كل ما يتعلق بتفصيلاتها وجزئياتها الدقيقة من أبناء الصحابة وأبناء الشهداء ومن الموالي، ومن الرواة والعلماء، ومن أبي معشر صاحب المغازي أولًا وبالذات، ثم إنه ما علم غزوة إلا مضى إلى الموقع الذي وقعت فيه أحداثها ليعاينه بنفسه ويراه ويحسن وصفه ويتقصى أبسط الأخبار فيه.
ولا يعنينا من تآليف الواقدي التي زعموا أنها بلغت ست مائة قِمَطْرٍ من الكتب حُمِلَتْ على عشرين ومائة وَقْرٍ أو «حِمْلِ» -
[ ٣٤١ ]
لا يعنينا منها كتابه المسمى " التاريخ الكبير " الذي رتبه على أخبار السنين وأحداثها وأفاد منه الطبري كثيرًا في " تاريخه "، وكان آخر ما اقتبس منه حوادث سنة ١٧٩ هـ، ولا كتابه في " الردة " الذي سرد فيه أخبار المرتدين عن الإسلام بعد وفاة الرسول، ولا كتابه المشهور " المغازي " الذي لم يصح له من تصانيفه سواه ولم يصل إلينا أيضًا سواه، وإنما يعنينا كتابه الذي لم يصلنا، وهو كتاب " الطبقات " الذي ذكر فيه سير الصحابة والتابعين على حسب طبقاتهم، ووصف أخبارهم في العصرين الإسلامي والأموي بوجه خاص، وَعَوَّلَ فيما ذكره من أخبارهم على نحو خمسة وعشرين شيخًا أكثرهم من أهل المدينة دَارَ السُنَّةِ وبلد الرواية الصحيحة، وكان هؤلاء الرواة هم الذين أخذ عنهم مغازيه أيضًا كما ذكر في أوائل كتابه " المغازي ": ذلك بأن هذه " الطبقات "- وإن لم تصل إلينا بالصورة التي وضعها مؤلفها - بلغتنا على نحو أدق وأصفى فيما نقله التلميذ عن الشيخ، وما كان التلميذ ها هنا إلا محمد بن سعد بن منيع صاحب " طبقاتنا " هذه.
بَيْنَ الشَّيْخِ وَالتِّلْمِيذِ:
لقد جَرَّحَ بعض نقاد الحديث الواقدي الشيخ، واتهموه بالتساهل أحيانًا وبتركيب الأحاديث أحيانًا أخرى، - قال الإمام أحمد بن حنبل: «الوَاقِدِيُّ يُرَكِّبُ الأَسَانِيدَ» وقال يحيى بن معين: «أَغْرَبَ الوَاقِدِيُّ عَلَى رَسُولِ اللهِ عِشْرِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ». وقالوا أيضًا: إنه كان يجمع الأسانيد المختلفة ويجيء بالمتن واحدًا، مع أن جزءًا من المتن لراو معين وجزءًا آخر لراو آخر، وقالوا، إنه كان يأخذ من الصحف
[ ٣٤٢ ]
والكتب والكراريس، وهم لا يحبون للراوي أن يروي إلا ما سمعه بأذنه مخافة التحريف والتصحيف، وحسن الظن به بعضهم الآخر كالإمام مالك بن أنس الذي كان يفضل روايته على ابن إسحاق، وكأبي عبيد القاسم بن سلام، وكالإمام الشافعي، ولكن جمهرة المحدثين على التردد في أمره ولا سيما لما عرفوه عنه من شدة اتصاله بالعباسيين حتى تلاعب ببعض الأخبار جريًا مع هواه لبني العباس، فحذف اسم العباس عم النبي من قائمة الأسرى الذين وقعوا يوم بدر في أيدي المسلمين، كأنه عز عليه - وهو العباسي الهوى - أَنْ يُؤْسَرَ عَمُّ النَّبِيِّ الكَرِيمِ. لكن هذا التردد في قبول أخبار الرجل لم يكن له فيما يتعلق بابن سعد خاصة إلا أَصْدَاءٌ خِفَافٌ، فإن أكثرهم قالوا - كما أسلفنا -: «ثِقَةٌ مَعَ أَنَّ أُسْتَاذَهُ ضَعِيفٌ».
إن ابن سعد - كما قال ابن النديم بحق - «أَلَّفَ كُتُبَهُ مِنْ تَصْنِيفَاتِ الوَاقِدِيِّ»، فإنه لا يكاد ينسى في طبقة ترجم لها أو باب عقده لغزوة من غزوات النبي اسم شيخه الواقدي في سلسلة الإسناد، بيد أنه - رغم ذكره إياه - يغربل الرواية التي يذكرها له، أو يعضدها برواية أخرى لغيره من المشتغلين بالأنساب والمغازي والفتوح، فهو مثلًا حين يتحدث عن الوفود التي وفدت على الرسول لا يكتفي برواية شيخه الواقدي بل يضع إلى جانب اسمه هشام بن محمد بن السائب الكلبي. وربما اتفق له أن يجدد بعض الفصول التي لم يجد لشيخه فيها رواية، كمباحثه في كنية رسول الله، وما كان رسول الله يَعُوذُ بِهِ وَيُعَوِّذُهُ بِهِ جبريل، وأنساب الجاهليين وسير الأنبياء والأمم السابقة التي اتضح أن الواقدي لم يكن يحتفل بأمرها كثيرًا.
[ ٣٤٣ ]
أَهَمُّ مُحْتَوَيَاتِ الكِتَابِ:
إن " طبقات " ابن سعد كتاب ضخم غزير المادة حاول صاحبه أن يجعله في خمسة عشر مجلدًا يعرض فيها سير المحدثين والأخباريين والنسابين في عصر الرسول والتابعين وعصره الذى عاش فيه. وروى لنا هذه " الطبقات " عن ابن سعد تلميذه الحارث بن أبي أسامة، فلذلك نجد في بعض الفصول بين الحين والحين مثل هذه العبارة: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنْ ُسَعْدٍ»، وهذا يدل على آن راوي النص التلميذ وليس ابن سعد نفسه. وبهذا نعقل سر اكتفاء ابن سعد بتسجيل ما بلغه من الأخبار بدقة بالغة من غير أن يعقب عليها إلا في النادر القليل. وبعض الكتاب كان من رواية الحسن بن فهم تلميذ ابن سعد كَأَنَّ هذين التلميذين تقاسما رواية هذه " الطبقات الكبرى ".
ولقد ملأ ابن سعد سواد الجزئين الأولين بسيرة الرسول، مُمَهِّدًا لذلك بذكر مَنْ وَلَدَ رَسُولَ اللهِ من الأنبياء، وذكر حواء وإدريس ونوح وإبراهيم وإسماعيل والقرون والسنين بين آدم ومحمد، وذكر تسمية الأنبياء وأنسابهم، وذكر مَنْ وَلَدَ النبي مَنْ وَلَدَ حتى آدم، وأمهات النبي وأجداد النبي قصي وعبد مناف وهاشم وعبد المطلب، وذكر أبيه عبد الله وأمه آمنة بنت وهب حتى يصل إلى مبعث الرسول، ونزول الوحي عليه، ثم يبلغ الحديث عن هجرته، فيصف غزواته واحدة واحدة، ويصف ما وفد عليه من الوفود، ويتحدث بعد ذلك عن الذين كانوا يُفْتُونَ بالمدينة على عهد الرسول، ثم يترجم بعد ذلك للصحابة والتابعين فيملأ بتراجمهم جميعًا، الأجزاء الباقية من " طبقاته " إلا الجزء الأخير الذي عقده للنساء خاصة.
[ ٣٤٤ ]
مَنْهَجُهُ فِي " الطَّبَقَاتِ ":
و" الطبقات " ينبغي أن يراعى فيها بالدرجة الأولى عنصر الزمان. وفد تنبه إلى ذلك ابن سعد، فكانت السابقة إلى الإسلام نقطة الانطلاق الزماني، في حديثه عن المهاجرين إلى الحبشة، أو عن البدريين الذين شهدوا وقعة بدر، أو من أسلم قبل فتح مكة، ولهذا بدأ بالمهاجرين البدريين ثم بالأنصار البدريين ثم بمن أسلم قديمًا ولم يشهد بدرًا وإنما هاجر إلى الحبشة أو شهد بَدْرًا، ثم من أسلم قبل فتح مكة وهكذا، ويشبه هذا ما صنعه الخليفة عمر حين دَوَّنَ الدواوين، ولعل ابن سعد راعى فيه من تلقاء نفسه ما صنعه عمر.
على انه لم يغفل كذلك عنصر المكان، فترجم للصحابة على حسب الأمصار التي حلوها، فسمى من كانوا بالمدينة أو مكة أو الطائف أو اليمن أو اليمامة، ومن نزلوا الكوفة، ومن نزلوا البصرة، ومن فضلوا البقاء بالشام أو مصر. ومثل هذا المنهج الزماني المكاني لوحظ أيضًا في " الطبقات " أثناء تراجم التابعين، فقد ترجم لهم في " طبقاته " على هذا النمط نفسه، وتتراجع مدة الطبقة في رأيه خلال عشرين سَنَةً تَقْرِيبًا، وقد جرت بهذا عادة كثير من أصحاب الطبقات ورجال التراجم والسير.
وأهم ما في كتاب " الطبقات " تراجم الصحابة أولًا، وكبار التابعين ثانيًا، لأن هؤلاء هم أقرب الناس إلى عهد الرسول، فكل ما يروى عنهم من المعلومات الدينية والتاريخية يؤخذ به دون تردد. وقد اصطلح ابن سعد على أن يجعل الصحابة خمس طبقات: ١ - طبقة المهاجرين البدريين ٢ - طبقة الأنصار البدريين ٣ - طبقة الذين أسلموا قديمًا
[ ٣٤٥ ]
ممن هاجروا إلى الحبشة أو شهدوا وقعة أُحُدٍ ولكن لم يشهدوا بدرًا ٤ - من أسلم قبل فتح مكة ٥ - من أسلم بعد فتح مكة.
وفي هذا التقسيم الطبقي الذي أخذ به ابن سعد - وفضله أصحاب الطبقات بعده، عيب واضح لكنه لا مفر منه: وهو تداخل بعض أشخاص الطبقات فيما بينهم. فقد يكون المترجم من طبقة المهاجرين البدريين، ثم يتاح له أن يهاجر إلى بعض البلدان أثناء الفتوح، ثم يكون ممن حلوا مدة طويلة في المدينة يفتون، فلم يكن بُدٌّ من أن يترجم له ابن سعد في طبقته الحقيقية، ثم يضطر لترجمته في موضعين آخرين أو أكثر، إلا أن ابن سعد التفت الى هذا فجعل الترجمة المفضلة المسهبة هي الواردة لدى طبقة الشخص المترجم وليس تبعًا لبعض ما امتاز به من الخصائص الأخرى.
عِنَايَتُهُ بِالأَنْسَابِ:
ومع أن ابن سعد خَصَّ كتابه باسم " الطبقات "، وكان متوقعًا ألا يشمل إلا التقسيم الطبقي، إلا أنه أبدى اهتمامًا ظاهرًا بالتاريخ الجاهلي خلافًا لأستاذه الواقدي. ونراه هنا يعتمد على هشام بن محمد بن السائب الكلبي الذي كان كأبيه نَسَّابَةً يحسن التمييز بين أحساب العرب القدامى. وذلك يعني أن ابن سعد يعرف الأنساب معرفة جيدة، وأنه تلقاها مشافهة ممن كان غزير العلم بها، فإن هشامًا الكلبي أكمل خطة أبيه «فكان عالمًا بالنسب وأخبار العرب وأيامها ومثالبها ووقائعها» وكتبه كثيرة في المآثر والبيوتات والمنافرات وأخبار الاسلام، وأخبار البلدان، حتى عدوا له ١٤٠ كتابًا، وقد أخذ الأخبار القريبة التي حدثت في
[ ٣٤٦ ]
العصر الأموي من أبيه مباشرة، وقد عاش أبوه محمد بن السائب طويلًا في العصر الأموي، وشهد وقعة دير الجماجم مع عبد الرحمن بن الأشعث، لم يكن ضلعه مع بني أمية.
ونجد في " طبقات ابن سعد " ذكرًا لنسابة عاش على عهد النبي ولم يعدوه صحابيًا، وهو دَغْفَلُ بْنُ حَنْظَلَةَ الشَّيْبَانِيُّ، وهو الذي رَوَوْا عنه مناظرة في أنساب العرب مع أبي بكر الصديق، وهو الذي قيل إنه اتصل بمعاوية وأعجب بعلمه، وروى الكثير من أخبار الأنساب في عصره.
والمادة التي تركها ابن سعد في معرفة الأنساب واضحة في كتابين ألفا بعده أحدهما " أنساب الأشراف " والآخر " فتوح البلدان " وكلاهما للبلاذري، فإن مؤلف الكتابين لا يني يروي عن ابن سعد آخذًا من " طبقاته " نصوصها وألفاظها.
ولعل هذه المعرفة الدقيقة بالأنساب هي التي مكنت ابن سعد من تجنب الوقوع في مثل الأخطاء التي وقع بها المؤرخون بعده في الأنساب والطبقات، فهناك صحابة عُدُّوا من التابعين عند بعضهم: كَالنُّعْمَانِ وَمُؤَيْدٍ ابْنَيْ مُقَرِّنٍ المُزَنِي، وهناك تابعون عُدُّوا صحابة مثل (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ غَنْمٍ) غلط فيه محمود بن الربيع الجيزي لأنه أرسل الخبر، وإبراهيم بن عبد الرحمن العُذْرِيِّ غلط فيه ابْنُ مَنْدَهْ.
رَاوِيَةٌ عَلَى طَرِيقَةِ المُحَدِّثِينَ:
ومع أن " طبقات ابن سعد " تعتمد على الرواية، وتكاد تختفي فيها
[ ٣٤٧ ]
شخصية المؤلف، وتكاد تخلو من التعقيبات، إلا أن نتفًا يسيرة من التوضيحات أظهرتنا على النقد الموضوعي الذي كان يتمتع به ابن سعد: فهو مثلًا يورد رواية خلاصتها أن النبي بكى عند قبر أمه لما فتح مكة فقال: «وَهَذَا غَلَطٌ وَلَيْسَ قَبْرُهَا بِمَكَّةَ، وَقَبْرُهَا بِالأَبْوَاءِ». ونقل عن هشام الكلبي قوله: إِنَّ الذِي حَضَرَ بَدْرًا هُوَ السَّائِبُ بْنُ مَظْعُونٍ (لاَ السَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ) فَقَالَ يُعَقِّبُ عَلَى ذَلِكَ: «وَذَلِكَ عِنْدَنَا مِنْهُ وَهَلٌ لأَنَّ أَصْحَابَ السِّيرَةِ [وَمَنْ] يَعْلَمُ المَغَازِي يُثْبِتُونَ السَّائِبَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ [فِيمَنْ] شَهِدَا بَدْرًا. وَشَهِدَ أُحُدًا، وَالخَنْدَقَ، وَالمَشَاهِدَ كُلَّهَا».
والمادة الأدبية في " الطبقات " ليست غزيرة في الشعر غزارتها في الخطب، ولا سيما خطب النبي في المناسبات المختلفة. أما الشعر فبعضه جاهلي قديم يتعلق أغلبه بأجداد النبي أو بسادات العرب من قريش، وبعضه الآخر إسلامي يتصل غالبًا بباب المغازي. إلا أنه قليل إذا قيس بما ورد من الشعر في " مغازي الواقدي " أو " سيرة ابن إسحاق ".
وابن سعد أولًا وآخرًا رجل رواية على طريقة المحدثين، وليس ناقدًا على طريقة الأدباء (١).
_________________
(١) ترجمة ابن سعد في " تاريخ بغداد ": ٥/ ٣٢١، و" الوفيات ": ١/ ٥٠٧، و" تهذيب التهذيب ": ٩/ ١٨٢، و" الجرح والتعديل ": رقم ١٤٣٣، و" طبقات القراء ":١/ ١٤٢. وقد عولنا في تلخيص ترجمته هنا على تقديم صديقنا الأستاذ المفضال إحسان عباس للـ " الطبقات الكبرى " المطبوعة في بيروت في دار صادر.
[ ٣٤٨ ]
الفَصْلُ الثَّانِي: طَبَقَاتُ الرُوَّاةِ:
طَبَقَاتُ الرُوَّاةِ وَتَقْسِيمُهَا الاِصْطِلاَحِي:
كاد المحدثون يتفقون على أن الطبقة هي القوم المتشابهون في السن وفي لقاء الشيوخ (١). ولما قسموا الرواة إلى طبقات جاءت قسمتهم اصطلاحية محضة (٢)، فمنهم من عد الصحابة كلهم طبقة واحدة، وجعل التابعين بعدهم طبقة ثانية، ثم الذين بعدهم طبقة ثالثة، واستشهدوا على هذا التقسيم بقوله - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ» (٣)، فذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة.
ومنهم من يقسم الصحابة إلى طبقات، ثم يمضي إلى التابعين فمن
_________________
(١) قارن بـ " المختصر في علوم رجال الأثر ": ص ١٨.
(٢) " مختصر علوم الحديث " (لابن كثير): ص ٣٠٢.
(٣) الحديث مخرج في " الصحيحين " من طريق الصحابي عمران بن حصين.
[ ٣٤٩ ]
بعدهم فيصنف كل جماعة منهم في طبقات (١).
والضابط في هذا التقسيم الذي يتناول الجماعة الواحدة: اجتماع أفراد تلك الجماعة في صفة واحدة، ففي طبقة الصحابة تلتقي جماعات متعددة فيها السابقون إلى الإسلام تارة، وفيها المهاجرون تارة أخرى، وفيها الذين شهدوا المشاهد والمعارك تارة ثالثة: فأبو بكر يعد مثلًا من طبقة الصحابة، ومن طبقة السابقين، ومن طبقة المبشرين بالجنة، ومن طبقة المهاجرين. وكل من اشترك معه في وصف من هذه الأوصاف كان معه من طبقته (٢). فمن هنا تعددت طبقات الصحابة، وتعددت - تَبَعًا لَهَا - طبقات التابعين، لما لوحظ من تنوع الاعتبارات واختلاف وجهات النظر في التقسيم.
طَبَقَاتُ الرُوَّاةِ عَلَى تَقْسِيمِ ابْنِ حَجَرْ:
وقد حاول ابن حجر العسقلاني أن يحصر طبقات الرواة منذ عصر الصحابة إلى آخر عصر الرواية، فوصف اثنتي عشرة طبقة ليس فيها إلا من كانت له رواية في " الكتب الستة ".
الأولى: الصحابة على اختلاف مراتبهم.
الثانية: طبقة كبار التابعين كسعيد بن المسيب.
الثالثة: الطبقة الوسطى من التابعين كالحسن وابن سيرين.
_________________
(١) وليسوا حينئذٍ على أن القرن مائة عام. بل منهم من يجعله أربعين عامًا فقط (" مختصر علوم الحديث ": ص ٣٠٢).
(٢) " المختصر ": ص ١٩.
[ ٣٥٠ ]
الرابعة: طبقة أخرى تلي الوسطى أكثر مروياتهم عن التابعين كالزهري وقتادة.
الخامسة: الطبقة الصغرى من التابعين الذين لم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة كالأعمش.
السادسة: طبقة حضروا مع الخامسة ولم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة، كَابْنِ جُرَيْجٍ.
السابعة: طبقة كبار أتباع التابعين كمالك بن أنس ؤسفيان الثوري.
الثامنة: الوسطى من أتباع التابعين كابن عيينة وَابْنِ عُلَيَّةَ.
التاسعة: الطبقة الصغرى من أتباع التابعين كأبي داوود الطيالسي والشافعي.
العاشرة: كبار الآخذين من أتباع الأتباع ممن لم يلق التابعين كأحمد بن حنبل.
الحادية عشرة: الطبقة الوسطى منهم كالذهلي والبخاري.
الثانية عشرة: صغار الآخذين عن أتباع التابعين كالترمذي (١).
ومعرفة طبقات الرواة تزيل كثيرًا من اللبس، وتحول دون تداخل الأسماء والكنى المتشابهة، وتقف البَاحِثَ على صور التدليس والانقطاع والإرسال. ولذلك رأينا أن نعرض لأهم الطبقات، ونترجم لأشهر
_________________
(١) وألحق ابن حجر بهذه الطبقة الثانية عشرة باقي شيوخ الأئمة الستة الذين تأخرت وفاتهم قليلًا كبعض شيوخ النسائي.
[ ٣٥١ ]
الرواة في كل طبقة، فندرس طبقة الصحابة، وطبقة التابعين، وطبقة أتباع التابعين.
طَبَقَةُ الصَّحَابَةِ:
اصطلحوا على أن الصحابي هو من لقي النبي - ﷺ - مؤمنًا به ومات وهو مسلم. فاللقاء ولو ساعة من نهار لا بد منه (١)، لذلك لم يعدوا أصحمة النجاشي صحابيًا، لأنه آمن برسول الله - ﷺ - من غير أن يلقاه.
والتمييز كاف في الصحبة، فالصبي الذي «يفهم الخطاب ويرد الجواب»، - كما يقول النووي والعراقي - يعد صحابيًا، كالحسن والحسين ابني عَلِيٍّ، ومحمود بن الربيع.
وقد نص العلماء على أمور إذا توفر أحدها كان دليلًا على الصحبة، أهمها (٢):
أولًا - تواتر العلم بذلك، كصحبة العشرة المبشرين بالجنة، وهم الخلفاء الأربعة، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة عامر بن الجراح. ومن المعلوم أن صحبة أبي بكر ثابتة بالقرآن في قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٣) ثانيا- استفاضة العلم بذلك من غير تواتره، كصحبة ضِمام بن ثعلبة وعكاشة بن محصن.
_________________
(١) قارن بـ " الكفاية ": ص ٥١. وانظر " الإصابة ": ١/ ٤، ٥.
(٢) قارن بـ " اختصار علوم الحديث ": ص ٢٣١.
(٣) [التوبة: ٤٠]
[ ٣٥٢ ]
ثالثًا - تأكيد صحابي مشهور أن لفلان صحبة، كما قال أبو موسى الأشعري بصحبة حَمَمَةَ بْنِ أَبِي حَمَمَةَ الدَّوْسِيِّ (١).
رابعًا - ادعاء الصحبة من شخص معلوم العدالة ضمن الإطار الزمني الممكن، وقد اصطلحوا على أن هذا الزمن الممكن لا ينبغي أن يجاوز سنة ١١٠ هـ (مائة سنة وعشر سنين للهجرة) واستنبطوا ذلك من قوله - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - كما في رواية مسلم والترمذي- " «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ اليَوْمَ، تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ، وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ» (٢). ولذلك كان طبيعيًا أن يرفض العلماء صحبة جعفر بن نسطور الرومي الذي ادعاها بعد سنة ٢٠٠هـ، وَسَرَبَاتِكْ الهندي المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣٣٣ هـ.
ومما يستأنس به على ثبوت الصحبة، ولم ينص العلماء عليه: أن الأوس والخزرج كانوا جميعًا مسلمين في عهده - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، فكل من لاقاه منهم فهو صحابي، وأن كل من كان بالمدينة أو بالطائف سنة عشر قد أسلم وشهد حجة الوداع مع النبي - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، فثبتت له بذلك الصحبة. وأنه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - لَمْ يُؤَمِّرْ في الفتوحات إلا أصحابه، فَقُوَّادِ الفُتُوحَاتِ في عهده صحابة كلهم (٣).
وقد حكى ابن الصلاح وابن عبد البر والنووي الإجماع على عدالة جميع الصحابة. وفي القرآن والسنة إشارة إلى فضل الصحابة وعدالتهم، فالله يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٤)، ويقول ﴿وَكَذَلِكَ
_________________
(١) " الباعث الحثيث: ص ٣٢١ ح ٣.
(٢) " الإصابة ": ١/ ٦.
(٣) " المختصر ": ص ٢٧.
(٤) [سورة آل عمران، الآية: ١١٠].
[ ٣٥٣ ]
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (١). والنبي - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - يقول: «طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي»، ويقول: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي»، ويقول: «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لاَ تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ» (٢).
وأول الصحابة إيمانًا على الإطلاق زوج النبي - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - السيدة خديجة بنت خويلد، ومن الشيوخ ورقة بن نوفل ابن عم خديجة، ومن الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن الصبيان عَلِيٌّ، ومن الأرقاء بلال، ومن الفُرْسِ سلمان (٣).
وقد تفرق الصحابة في القرى والأمصار فأصبح إحصاء عددهم مُتَعَذِّرًا، ويقول أبو زرعة (٤): إن رسول الله - ﷺ - قُبِضَ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا (١١٤٠٠٠)، وقد انقرض عصرهم بوفاة آخرهم أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي الكناني عام مائة على
الأرجح.
وَيُعَدُّ مُكْثِرًا من الرواية بين الصحابة كل من زاد منهم على ألف حديث، وهؤلاء المكثرون سبعة (٥) هم أبو هريرة روى له (٥٣٧٤)، ابن عمر روى له (٢٦٣٠)، أنس بن مالك، روى له (٢٢٨٦)،
_________________
(١) [سورة البقرة، الآية: ١٤٣].
(٢) " المختصر ": ص ٢٩.
(٣) قارن بـ "علوم الحديث " لابن الصلاح: ص ٢٢٦.
(٤) " اختصار علوم الحديث ": ص ٢٢٤.
(٥) " تلقيح فهوم أهل الأثر " (لابن الجوزي)، طبعة الهند: ص ١٨٤.
[ ٣٥٤ ]
السيدة عائشة لها (٢٢١٠) عبد الله بن عباس له (١٦٦٠)، جابر بن عبد الله له (١٥٤٠)، أبو سعيد الخُدري (١١٧٠)، ولذلك سنترجم لكل منهم ترجمة خاصة، ثم نتبعهم بمن هو أقل رواية منهم، ونكتفي بذكر كلمات موجزة عنهم.
وابن سعد في " طبقاته " اكتفى بتقسيم الصحابة إلى خمس طبقات، إلا أن بعضهم فَصَّلَ وَوَضَّحَ فجعلها اثنتى عشرة تَبَعًا للسبق في الإسلام والهجرة وحضور المشاهد (١):
الأولى: السابقون بالإسلام ممن آمن بمكة، كالعشرة المبشرين بالجنة، وخديجة وبلال.
الثانية: أصحاب دار الندوة الذين أسلموا بعد إسلام عمر.
الثالثة: من هاجر إلى الحبشة في السَّنَةِ الخَامِسَةِ من البعثة، وكانوا أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، منهم عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وجعفر بن أبي طالب، ورقية زوج عثمان وابنة النبي - ﷺ -، وسهلة بنت سهل امرأة أبي حذيفة. ومثل هذه الطبقة من هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وكانوا نحو ثلاثة وثمانين، منهم جعفر بن أبي طالب، وامرأته أسماء بنت عُميس، وَعُبَيْدَ اللهِ بن جحش، وامرأته أم حبيبة وأخوه عبد الله وأبو موسى وابن مسعود.
الرابعة: أهل العقبة الأولى، وفيهم اثنا عشر من الأنصار، ومنهم جابر بن عبد الله، وعقبة بن عامر، وأسعد بن زُرارة، وعبادة بن الصامت.
_________________
(١) قارن بـ " تدريب الراوي ": ص ٢٠٧.
[ ٣٥٥ ]
الخامسة: أهل العقبة الثانية الذين أسلموا بعد عام العقبة الأولى، وكانوا سبعين من الأنصار ومعهم امرأتان. ومنهم البراء بن معرور، وسعد بن عبادة، وكعب بن مالك.
السادسة: المهاجرون الذين وصلوا إلى المدينة والنبي - ﷺ - في قباء قبل أن يدخل المدينة.
السابعة: أهل بدر الذين قال فيهم - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». رواه أبو داود، وكانت عدتهم بضعة وثلاث مائة رجل.
الثامنة: من هاجر بين بدر والحديبية.
التاسعة: الذين بايعوا تحت الشجرة بالحديبية بيعة الرضوان. وفيهم يقول - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ».
العاشرة: المهاجرون قبل فتح مكة وبعد الحديبية، ومنهم خالد بن الوليد.
الحادية عشرة: الذين أسلموا في فتح مكة، وهم يزيدون عن الألف، ومنهم أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام.
الثانية عشرة: الصبيان الذين رأوا النبي يوم الفتح وحجة الوداع، ومنهم الحسن والحسين ابنا عَلِيٍّ، والسائب بن يزيد الكلبي، وعبد الله بن الزبير.
[ ٣٥٦ ]
طَبَقَةُ التَّابِعِينَ:
عَرَّفُوا التَّابِعِيَّ بأنه من لقي صحابيًا مؤمنًا بالنبي - ﷺ - ومات على الإيمان. ويشترط الخطيب البغدادي صحبة الصحابي، لا مجرد اللقاء فقط (١). وقد شهد الكتاب والسنة لهذه الطبقة بفضلها، فقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «طُوبَى لِمَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي» وقال: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ».
وآخر طبقات التابعين على رأي الحاكم من لقي آخر الصحابة موتًا، فآخرهم من لقي أبا الطفيل بمكة، والسائب بالمدينة، وأبا أمامة بالشام، وعبيد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وأنس بن مالك بالبصرة (٢).
ويعتبر خلف بن خليفة المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٨١ هـ (إحدى وثمانين ومائة) آخر التابعين موتًا، لأنه لقي في مكة آخر الصحابة موتًا أبا الطفيل عامر بن واثلة. ومن هنا قيل: إن عصر التابعين انقضى سنة ١٨١ هـ.
طَبَقَةُ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ:
تابع التابعي هو الذي لقي مؤمنًا بالنبي - ﷺ - ومات على الإسلام.
وقد عدوا من هذه الطبقة الإمام مالك بن أنس والإمام الشافعي. أما أبو حنيفة فالأرجح أنه من التابعين لأنه لقي من الصحابة أنس بن مالك،
_________________
(١) قارن بـ " اختصار علوم الحديث ": ص ٢٣٢.
(٢) نفسه: ص ٢٣٠.
[ ٣٥٧ ]
وجابر بن عبد الله وعبد الله بن جَزْءٍ الزُّبَيْدِيَّ، وعبد الله بن أُنَيْسٍ، وعائشة بنت عجرد، وروى عنهم. وأما الإمام أحمد بن حنبل فإنه يعتبر من الطبقة التى تلي أتباع التابعين، فهو من أتباع أتباع التابعين، لأن وفاته كانت سنة ٢٤١هـ مع أن عصر أتباع التابعين ينتهي بعام عشرين بعد المائتين (١).
_________________
(١) " المختصر ": ص ٤٤، ٤٥.
[ ٣٥٨ ]
الفَصْلُ الثَّالِثُ: مِنْ تَرَاجِمِ الصَّحَابَةِ:
أَوَّلًا - السَّبْعَةُ المُكْثِرُونَ:
نَبَّهْنَا على أن كل صحابي زاد على رواية ألف حديث عُدَّ مُكْثِرًا.
وَالمُكْثِرُونَ - كما قلنا - سبعة، هم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، والسيدة عائشة، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري. وإليك ترجماتهم وفقًا للترتيب الذي وردت به أسماؤهم آنفًا.
١ - أبو هريرة:
هو أكثر هؤلاء السبعة رواية، فقد أخرج له بقي بن مخلد (٥٣٧٤) حديثًا (١).
_________________
(١) " مسند بقي بن مخلد " من أهم مصادر الحديث. فقد روى عن ألف وثلاث مائة صاحب ونيف، ورتب حديث كل صحابي على أبواب الفقه، فهو مسند مصنف، وليست هذه الرتبة لأحد قبله. (قارن بـ " نفح الطيب ": ١/ ٥٨١).
[ ٣٥٩ ]
ورسوله الله - ﷺ - هو الذي كناه (أبا هريرة) يوم شاهده يحمل هرة صغيرة ولكن هذه الكنية التي سماه بها رسول الله على سبيل التحبب غلبت عليه، حتى بات من النادر أن يطلق عليه أحد اسمه الحقيقي (عبد الرحمن بن صخر). وهو دَوْسِيٌّ، يرجع نسبه إلى بطن من الأزد هم بَنُو دَوْسِ بْنِ عَدْنَانَ.
أسلم - ﵁ - عنه في السَّنَةِ السَّابِعَةِ للهجرة، عام خيبر، وتوفي بالعقيق عام ٥٧ هـ على الراجح. وكان عريف أَهْلَ الصُفَّةِ الذين كانوا منقطعين إلى العبادة في مسجد النبي - ﷺ - (والصفة موضع مُظَلَّلٌ في المسجد، كان يأوي إليه أولئك الزهاد). وقد استجاب الله دعاء النبي - ﷺ - له بالحفظ، فكان بين الصحابة أكثرهم حفظًا. أخرج الشيخان والترمذي عنه أنه قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْمَعُ مِنْكَ أَشْيَاءَ فَلاَ أَحْفَظُهَا، قَالَ: "ابْسُطْ رِدَاءَكَ" فَبَسَطْتُ، فَحَدَّثَ حَدِيثًا كَثِيرًا، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا حَدَّثَنِي بِهِ».
وأبو هريرة - على ورعه وتقواه وزهده - كان مَرِحًا يحب الدعابة، ويطرب للنكتة، فإذا مر بصبيان أضحكهم، وإذا التقى بالناس في الأسواق قَصَّ عليهم ما يسليهم. ولكنه إذا خَلاَ إلى نفسه تَهَجَّدَ طيلة الليل، خَاشِعًا مُتَبَتِّلًا.
كان عاملًا على البحرين في عهد عمر بن الخطاب، إلا أن عمر عزله بعد ذلك. ويقال: ان علي بن أبي طالب أراد في خلافته أن يستعمله فأبى عليه، ثم ولاه معاوية إمارة المدينة. ويبدو أن عمر - على عادته في التشدد في الرواية عن رسول الله - ﷺ - أنكر عليه كثرة رواياته وقال له: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ [عَنِ رَسُولِ اللَّهِ] أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ
[ ٣٦٠ ]
دَوْسٍ!» حتى إذا روى له أبو هريرة قوله - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» أَقَرَّهُ على رواية الحديث وَقَالَ: «أَمَّا إِذَنْ فَاذْهَبْ فَحَدِّثْ».
وقد لاحظ شعبة بن الحجاج أن أبا هريرة يروي عن كعب الأحبار ويروي عن رسول الله - ﷺ - وَلاَ يُمَيِّزُ بَيْنَ رِوَايَتَيْهِ، فرماه «بالتدليس»، ولكن بُسْرَ (*) بن سعيد لا يطمئن إلى قول شعبة في أبي هريرة، فرده بقوة قائلًا: «اتَّقُوا اللهَ، وَتَحَفَّظُوا مِنَ الحَدِيثِ، فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نُجَالِسُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَيُحَدِّثُنَا عَنْ كَعْبِ الأَحْبَارِ، ثُمَّ يَقُومُ، فَأَسْمَعُ بَعْضَ مَنْ كَانَ مَعَنَا يَجْعَلُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ عَنْ كَعْبٍ، [وَيَجْعَلُ] حَدِيْثَ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -». فإذا كان ثمة تدليس فليس صادرًا عن أبي هريرة نفسه، وإنما كان يصدر عن الذين يَرْوُونَهُ عَنْهُ. وحسبنا أن الامام الشافعي كان يقول: «أَبُو هُرَيْرَةَ أَحْفَظُ مَنْ رَوَى الحَدِيثَ فِي دَهْرِهِ» وأن سَالِمًا أَبَا الزُّعَيْزِعَةِ، وَالِي مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ وَكَاتِبَهُ يَرْوِي: «أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ دَعَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَأَقْعَدَهُ خَلْفَ السَّرِيرِ، فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ، وَجَعَلْتُ أَكْتُبُ، حَتَّىَ إِذَا كَانَ رَأْسُ الحَوْلِ دَعَا بِهِ، فَأَقْعَدَهُ مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ، فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ الكِتَابِ، فَمَا زَادَ وَلاَ نَقَصَ، وَلاَ قَدَّمَ وَلاَ أَخَّرَ».
وقد روى أبو هريرة عن النبي - ﷺ - وعن أبي بكر وعمر وعثمان وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وأسامة بن زيد وعائشة وسواهم من الصحابة. ويجاوز عدد الذين رَوَوْا عنه ثمان مائة رجل بين صحابي وتابعي، فيهم من علماء الصحابة عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك، وفيهم من علماء التابعين سعيد بن المسيب وابن سيرين
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) في الكتاب المطبوع (بِشْرٌ) والصواب: بُسْرٌ بن سعيد مولى ابن الحضرمي المدني العابد، روى عن سعد بن أبي وقاص وزيد بن ثابت وأبي هريرة وغيرهم وروى عنه أبو سلمة وزيد بن أسلم ومحمد بن إبراهيم التيمي وغيرهم، قال ابن معين: «ثِقَةٌ». انظر " التمييز " للإمام مسلم، الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، ص ١٧٥، الطبعة الثالثة: ١٤١٠ هـ، نشر مكتبة الكوثر - المربع - المملكة العربية السعودية.
[ ٣٦١ ]
وعكرمة وعطاء ومجاهد والشعبي.
وأصح الأسانيد عنه: ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب عنه.
أما أضعفها: فالسري بن سليمان عن داوود بن يزيد الأودي عن والده يزيد عنه (١).
٢ - عبد الله بن عمر:
يلي أبا هريرة في كثرة الرواية، فقد روى (٢٦٣٠) حديثًا.
وهو ابن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وشقيق السيدة حفصة أم المؤمنين، وأحد العبادلة الأربعة المشهورين بالإفتاء، وكل واحد منهم يسمى (عبد الله) والثلاثة الباقون هم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير (٢).
ولد ابن عمر بعد البعثة النبوية بقليل، وكان عمره عشر سنوات حين أسلم مع أبيه. ثم إنه هاجر إلى المدينة قبل أبيه. وكان في معركة أُحُدْ حَدَثًا، فاستصغره رسول الله - ﷺ - ولم يأذن له بالاشتراك في القتال، لكنه فيما بعد شهد كثيرًا من الغزوات، كما أنه حضر القادسية، واليرموك، وفتح إفريقية ومصر وفارس، وقدم البصرة والمدائن.
كان الزهري لا يعدل برأيه أَحَدًا، وكان مالك والزهري يقولان: «إِنَّ ابْنَ عُمَرَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الرَّسُولِ وَأَصْحَابِهِ». وقد
_________________
(١) انظر ترجمة أبي هريرة في " الإصابة " رقم الترجمة ١١٧٩ (باب الكنى) و" تهذيب الأسماء واللغات ": ٢/ ٢٧٠، و" حلية الأولياء ": ٢/ ٣٧٦.
(٢) أما عبد الله بن مسعود فقد حال اشتغاله بالعبادة وتقدم وفاته دون ذكره مع هؤلاء العبادلة المشهورين بالإفتاء. (قارن بـ " الباعث الحثيث ": ص ٢٢٩).
[ ٣٦٢ ]
روى عن أبي بكر وعمر وعثمان والسيدة عائشة وشقيقته السيدة حفصة وعبد الله بن مسعود. وروى عنه كثيرون منهم سعيد بن المسيب والحسن البصري وابن شهاب الزهري وابن سيرين ونافع ومجاهد وطاووس وعكرمة.
توفي عام ٧٣ هـ. ويقال: إن الحجاج دَسَّ له رجلًا فسم ثم زُجَّ لرمح له ورجمه به في ظهر قدمه فمات متاثرًا بهذه الإصابة. وقد تكون وفاته طبيعية، ويكون الخبر عَارِيًا عن الصحة.
وأصح الأسانيد عنه ما يسمى بـ «سلسلة الذهب» وهي مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر.
وأضعفها: محمد بن عبد الله بن القاسم عن أبيه عن جده عنه (١).
٣ - أنس بن مالك:
هو ثالث الرواة المكثرين من الصحابة، فقد روى (٢٢٨٦) حَدِيثًا.
وهو خادم رسول الله الأمين، جاءت به أمه أُمُّ سُلَيْمٍ إلى النبي - ﷺ - وهو ابن عشر سنين ليقوم على خدمته. وأبوه هو مالك بن النضر، ويتصل نسبه بابن عدي بن النجار. كان - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - يداعبه قائلًا: «يَا ذَا الأُذُنَيْنِ» ولم تكن معاملته له معاملة السيد لعبده، وكان أنس من أجل ذلك يقول: «لَمْ يَسْأَلْنِي ﷺ عَنْ شَيْءٍ فَعَلْتُهُ لِمَ فَعَلْتَهُ، وَلاَ عَنْ شَيْءٍ تَرَكْتُهُ لِمَ تَرَكْتَهُ، بَلْ كَانَ يَقُولُ: " مَا شَاءَ اللهُ
_________________
(١) انظر ترجمة ابن عمر في " الإصابة " رقم ٤٨٢٥، و" تهذيب الأسماء ": ١/ ٢٧٨. وقارن بـ " طبقات ابن سعد ": ٤/ ١٠٥.
[ ٣٦٣ ]
كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ».
لم يشهد أنس غزوة بدر الكبرى، لحداثة سنه، ولكنه شهد كثيرًا من الغزوات بعد ذلك، وحين استشار أبو بكر عمر في استعمال أنس على البحرين أثنى عليه عمر وقال: «إِنَّهُ فَتًى لَبِيبٌ كَاتِبٌ». وهو مشهود له بالتقوى والورع، لطول معاشرته الرسول - ﷺ -. قال أبو هريرة فيه: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ صَلاَةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ ابْنِ أُمِّ سُلَيْمٍ» (يعني أنسًا). وقال فيه ابن سيرين: «أَحْسَنُ النَّاسِ صَلاَةً فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ».
انتقل أنس في أخريات أيامه إلى البصرة، ويقول بعضهم: إن سبب انتقاله إليها أنه امتحن في فتنة ابن الأشعث، فآذاه الحجاج، فلم يجد بُدًّا مِنَ الهجرة إلى البصرة، حيث كان الصحابي الوحيد فيها، ولذلك يقولون: إنه آخر الصحابة مَوْتًا بالبصرة. توفي عام ٩٣ هـ. بعد أن جاوز المائة. وقال فيه مُوَرِّقٌ يوم وفاته: «ذَهَبَ نِصْفُ العِلْمِ، كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ إِذَا خَالَفَنَا قُلْنَا لَهُ تَعَالَ إِلَى مَن سَمَِع مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -».
أما أسانيده فأصحها ما رواه: مالك عن الزهري عنه. وأضعفها ما رواه: داود بن المحبر عن أبيه المحبر عن أبان بن أبي عياش عنه (١).
٤ - السيدة عائشة أم المؤمنين:
هي زوج النبي - ﷺ -، وبنت صديقه وأحب الناس إليه أبي بكر
_________________
(١) انظر ترجمة أنس في " طبقات ابن سعد: ٧/ ١٠، و" تهذيب ابن عساكر ": ٣/ ١٣٩.
[ ٣٦٤ ]
الصديق. أسلمت صغيرة بعد ثمانية عشر شخصًا، وتزوجها - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - في العام الثاني من الهجرة، ولم يتزوج بِكْرًا سواها. وكان يؤثرها بالحب ويتابعها على هواها: ولا غرو، فإن الخصال الكريمة التي اجتمعت فيها يندر أن تتوافر لسواها، فهي تعلم اللغة والشعر والطب والأنساب وأيام العرب. قَالَ الزُّهْرِيُّ: «لَوْ جُمِعَ عِلْمُ عَائِشَةَ إِلَى عِلْمِ جَمِيعِ أَزوَاجِ النَّبِيِّ وَعِلْمِ جَمِيعِ النِّسَاءِ، لَكَانَ عِلْمُ عَائِشَةَ أَفْضَلَ».
وقال عروة: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِطِبٍّ وَلاَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِفِقْهٍ مِنْ عَائِشَةَ».
وهي من المكثرات في الرواية، تلي في ذلك أنس بن مالك، فقد روت ٢٢١٠ أحاديث. ومن مزاياها أنها كانت أحيانًا تنفرد باستنباط بعض المسائل، فتجتهد فيها اجتهادًا خَاصًّا وتستدرك بها على علماء الصحابة، حتى إن الزركشي ألف كتابًا خاصا في هذا المعنى سماه: " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ".
أما ما ينسب إلى رسول الله - ﷺ - من أنه قال فيها: «خُذُوا شَطْرَ دِينِكُمْ عَنِ هَذِهِ الحُمَيْرَاءِ». - أي البيضاء لأن العرب تسمي الأبيض أحمر - فإنه حديث لا سند له، وقد صَرَّحَ ابن حجر وَالمِزِّي والذهبي وابن كثير بأنه مكذوب مصنوع. إلا أن القارئ يقول: «لكن معناه صحيح».
روت عن أبيها أبي بكر، وعن عمر، وسعد بن أبي وقاص وَأُسَيْدِ بن حُضَيْرٍ (*) وغيرهم.
أما الصحابة الذين رَوَوْا عنها فهم أبو هريرة وأبو موسى الأشعري وزيد بن خالد الجُهَنِيِّ، وصفية بنت شيبة وغيرهم. وأما كبار
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) ورد بالكتاب المطبوع خطأ في الطباعة (أسيد بن خُضَيْرٍ) والصواب (أُسَيْدِ بن حُضَيْرٍ)، انظر " تقريب التهذيب " لابن حجر، تحقيق الشيخ محمد عوامة: ص ١١٢ ترجمة رقم ٥١٧. طبعة دار الرشيد سوريا - حلب، طبعة ثالثة منقحة: ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.
[ ٣٦٥ ]
التابعين الذين أخذوا عنها فهم سعيد بن المسيب، وعلقمة بن قيس، ومسروق بن الأجدع، وعائشة بنت طلحة، وعمرة بنت عبد الرحمن وحفصة بنت سيرين. وهؤلاء النسوة الثلاث كن من فُضْلَيَاتِ تلميذاتها الفقيهات.
وحسبها شرفًا وفخرًا أن الله أنزل في شأنها قرآنًا بعد حادثة الإفك المشهورة، فَبَرَّأَهَا من افتراء الأفاكين، حتى قال فيها حسان بن ثابت بعد أن خاض في الإفك مع الخائضين:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ
وكانت - مع ذلك - تغضب إذا مس أحد حسان بن ثابت بسوء، وتدافع عنه قائلة: أليس هو القائل:
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
كانت وفاتها عام ٥٧هـ على الأصح، وصلى عليها أبو هريرة.
وأصح أسانيدها ما رواه يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر بن حفص عن القاسم بن محمد عنها، وما رواه الزهري أو هشام بن عروة عن عروة بن الزبير عنها.
وأضعف أسانيدها ما يرويه الحارث بن شبل عن أم النعمان عنها (١).
٥ - عبد الله بن عباس:
هو خامس الصحابة المكثرين من الرواية، يلي في ذلك السيدة
_________________
(١) انظر في ترجمة السيدة عائشة "الإصابة "، كتاب النساء رقم ٧٠١، و" طبقات ابن سعد ": ١/ ٣٩، و" تاريخ الطبري ": ٣/ ٦٧، و" حلية الأولياء ": ٢/ ٤٣. واقرأ الكتاب القيم الذي ألفه الأستاذ سعيد الأفغاني عنها " عائشة والسياسة ".
[ ٣٦٦ ]
عائشة، فقد روي له (١٦٦٠) حَدِيثًا.
وهو ابن عم رسول الله - ﷺ - وأبوه هو العباس بن عبد المطلب، وأمه هي أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية، أخت أم المؤمنين ميمونة.
كان مولده قبل الهجرة بثلاث سنوات ودعا له - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - بقوله: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»، فاستجاب الله دعاء نبيه، فاشتهر ابن عباس بالعلم الغزير، والفقه الدقيق، حتى صارت تشد إليه الرحال للفتوى والرواية، وظل يفتي الناس بعد عبد الله بن مسعود نَحْوًا من خمس وثلاثين سَنَةً. وفيه يقول عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة: «مَا رَأَيْتُ أحدًا أَعْلَمَ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَا سَبَقَهُ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَقَضَاءِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَلاَ أَفْقَهَ مِنْهُ، وَلاَ أَعْلَمَ بِتَفْسِيرِ القُرْآنِ، وَبِالعَرَبِيَّةِ وَالشِّعْرِ وَالحِسَابِ وَالفَرَائِضِ. وَكَانَ يَجْلِسُ يَوْمًا لِلْفِقْهِ، وَيَوْمًا لِلْتَّأْوِيلِ، وَيَوْمًا لِلْمَغَازِي، وَيَوْمًا لِلْشِّعْرِ، وَيَوْمًا لأَيَّامِ العَرَبِ. وَمَا رَأَيْتُ قَطُّ عَالِمًا جَلَسَ إِلَيْهِ إِلاَّ خَضَعَ لَهُ، وَلاَ سَائِلًا سَأَلَهُ إِلاَّ وَجَدَ عِنْدَهُ عِلْمًا».
ذكر النسائي أن أصح أسانيده في الحديث ما رواه الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس، وأضعفها ما يرويه (محمد بن مروان السُدِّيُّ الصغير عن الكلبي عن أبي صالح، وهذه تسمى «سِلْسِلَةَ الكَذِبِ»).
لَقَّبَهُ رسول الله - ﷺ - ترجمان القرآن، وقال الناس في تفسيره: «لَوْ سَمِعَهُ أَهْلُ الرُّومِ وَالدَّيْلَمِ لأَسْلَمُوا». إلا أن الناس تزيدوا عنه في الرواية، وَنَبَّهَ العلماء على أن أوهى طرقه في التفسير هي بالدرجة الأولى «سِلْسِلَةَ الكَذِبِ» التي أشار النسائي إليها، ثم بالدرجة الثانية طريق
[ ٣٦٧ ]
الضحاك بن مُزاحم، وهي منقطعة لأنه لم ير ابن عباس. وهذا السند إذا رواه جُوَيْبِرُ البَلْخِيُّ عَنْ الضَحَّاكِ زاد ضعفًا.
أما طرقه الجيدة في التفسير فهي:
أولًا: طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي، وقد اعتمد البخاري هذه الطريق فيما يعلقه عن ابن عباس. وكانت نسخة التفسير المروية عن ابن عباس بهذه الطريق عند أبي صالح كاتب الليث بمصر، يرويها عن علي بن أبي طلحة معاوية بن صالح، ويرويها عن معاوية كَاتِبُ الليث، وفيها يَقُولُ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «بِمِصْرَ صَحِيفَةٌ فِي التَّفْسِيرِ، رَوَاهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ لَوْ رَحَلَ رَجُلٌ فِيهَا إِلَى مِصْرَ قَاصِدًا مَا كَانَ كَثِيرًا».
ويظهر أن علي بن أبي طلحة لم يسمع هذه الصحيفة من ابن عباس مباشرة، وإنما سمعها من مجاهد أو ابن جُبير، وكلاهما ثقة، فكان ابن طلحة أخذها عن ابن عباس نفسه.
ثانيًا: طريق قيس عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جُبَيْرٍ عنه. وهذه الطريق على شرط الشيخين. وبها خَرَّجَ الحاكم النيسابوري عَدَدًا من الأحاديث في " مستدركه ".
ثالثًا: طريق ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت عن عكرمة أو ابن جبير عنه. وبهذه الطريق أخرج ابن جرير الطبري كثيرًا من الروايات في " تفسيره ".
سئل ابن عباس: بِمَ نِلْتَ العِلْمَ؟ فَقَالَ: «بِلِسَانٍ سَؤُولٍ، وَقَلْبٍ عَقُولٍ». ولذلك كانت معرفته للغة القرآن تتجاوز القضايا الدينية والتشريعية إلى الإحاطة بلغة العرب، والاستشهاد على أسلوب القرآن بما كان شَائِعًا من التعبير العربى الجاهلي الصميم. روي أن نافع بن
[ ٣٦٨ ]
الأزرق ونجدة بن عويمر خرجا في نفر من الخوارج يطلبون العلم، فدخلا مكة، فإذا بابن عباس عند زمزم يسأله الناس في التفسير وهو يجيبهم، فسأله نافع عن آيات في القرآن، وعن كلمات فيها، فيقول له نافع: وهل تعرف العرب ذلك قبل أن ينزل الكتاب؟ فيقول له: نعم، وينشده بيتًا من الشعر حتى شهد له هو وأصحابه بسعة المعرفة، وغزارة العلم.
روى ابن عباس عن عَلِيٍّ وَعُمَرَ وَأُبَيٍّ بْنَ كَعْبٍ، وَذَكَرَ مَعْمَرٌ أن علمه من هؤلاء الثلاثة. وروى أيضًا عن معاذ بن جبل وأبي ذر الغفاري وغيرهما. وروى عنه عبد الله بن عمر وأنس بن مالك وسهل بن حنيف ومولاه عكرمة.
وشهد ابن عباس حُنَيْنًا والطائف وفتح مكة وحجة الوداع، وشهد فتح إفريقية مع ابن أبي السرح، وَالجَمَلَ وَصِفِّينَ مع عِلٍّي، وقد جعله عَلِيٌّ نائبه على البصرة.
وفي أخريات أيامه أصيب في بصره، كما أصيب بذلك من قبله أبوه وجده. وتوفي بالطائف عام ٦٨ هـ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ (١).
٦ - جابر بن عبد الله:
هو سادس المكثرين عن رسول الله - ﷺ -، فقد روى (١٥٤٠) حديثًا.
_________________
(١) ترجمة ابن عباس في " الإصابة " رقم ٤٧٧٢، و" حلية الأولياء ": ١/ ٣١٤، و" نكت الهميان ": ص ١٨٠.
[ ٣٦٩ ]
وأبوه هو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَمِيِّ (نسبة إلى بَنِي سَلَمَةَ بطن من الأنصار)، وقد شهد مع أبيه هذا وخاله «العقبة الثانية» في السبعين من الأنصار الذين بايعوا الرسول - ﷺ - على نصرته وتأييده ونشر دينه. وأتيح لجابر أن يشهد أكثر الغزوات النبوية، إلا أنه لم يشهد معركتي بَدْرٍ وَأَحُدْ، وقد أشار إلى ذلك بقوله: «غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَلَمْ أَشْهَدْ بَدْرًا، وَلاَ أُحُدًا مَنَعَنِي أَبِي، فَلَمَّا قُتِلَ، لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ قَطُّ».
قدم جابر بن عبد الله مصر والشام، فكان الناس يأخذون عنه العلم حيثما وجدوه. وفي المسجد النبوي بالمدينة كانت له حَلْقَةٌ يجتمع عليه الناس فيها وينتفعون بعلمه وتقواه. وكانت وفاته بالمدينة عام ٧٤ هـ، وصلى عليه أبان بن عثمان والي المدينة آنذاك.
والمشهور أن أصح الأسانيد عنه ما رواه أهل مكة من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عنه (١).
٧ - أبو سعيد الخُدري:
هذا هو سابع المكثرين في الرواية عن رسول الله، فقد روى (١١٧٠) حَدِيثًا، وكان الناس يسالونه أن يكتبوا عنه ما يسمعون من أحاديثه، فيجيبهم: «لَنْ تَكْتُبُوهُ، وَلَنْ تَجْعَلُوهُ قُرْآنًا، وَلَكِنْ احْفَظُواعَنَّا كَمَا حَفِظْنَا».
_________________
(١) ترجمة جابر في " الإصابة ": ١/ ٢١٣، و" تهذيب التهذيب ": ١/ ١٤٢.
[ ٣٧٠ ]
وقد غلبت عليه كنيته (أبو سعيد) ولكن اسمه هو سعد بن مالك بن سنان، وقد استشهد أبوه مالك بن سنان هذا في وقعة أُحُدْ. وهو خُدْرِيٌّ، يتصل نسبه بِخُدْرَةَ بن عوف بن الحارث بن الخزرج، المعروف بـ «الأَجِيرِ».
جاء به أبوه مالك يوم أُحُدْ إلى رسول الله - ﷺ -، وعرضه عليه، وكان له من العمر ثلاث عشرة سَنَةً، وراح يشيد بقوته وصلابته ويقول: «إِنَّهُ عَبِلُّ العِظَامِ يَا رَسُولَ اللَّهِ»، ولكنه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - استصغره وأمر برده.
وأبو سعيد الخدري هو أحد الذين بايعوا الرسول - ﷺ - على ألا تأخذهم في الله لومة لائم، وهم أبو ذر الغفاري، وسهل بن سعد، وعُبادة بن الصامت، ومحمد بن مسلمة. وقد خرج مع رسول الله - ﷺ - في غزوة بني المصطلق، كما شهد غزوة الخندق وما بعدها، فكان مجموع ما شهده اثنتي عشرة غزوة.
رواياته عن الصحابة كثيرة، ولكن أشهر من روى عنهم أبوه مالك بن سنان، وأخوه لأمه قتادة بن النعمان، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبو موسى الأشعري، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن سلام.
ومن الذين رَوَوْا عنه: ابنه عبد الرحمن، وزوجته زينب بنت كعب بن عجرد، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وَأَبُو الطُّفَيْلِ، ونافع، وعكرمة.
أخذ بيد ابنه عبد الرحمن إلى البقيع، وأوصاه أن يدفنه في مكان بعيد منه وقال له: «يَا بُنَيَّ، إِذَا أَنَا مُتُّ فَادْفِنِّي هَا هُنَا، وَلاَ تَضْرِبْ
[ ٣٧١ ]
عَلَيَّ فُسْطَاطًا، وَلاَ تَمْشِ مَعِي بِنَارٍ، وَلاَ تُبْكِيَنَّ عَلَيَّ نَائِحَةً، وَلاَ تُؤَذِّنْ بِي أَحَدًا».
ولقد توفي الزاهد العابد، والعالم العامل، أبو سعيد الخدري عام ٧٤ هـ (١).
ثَانِيًا - بَعْضُ مَشَاهِيرِ الصَّحَابَةِ:
٨ - عبد الله بن مسعود:
هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، وكنيته أبو عبد الرحمن. كان سادس السابقين الأولين إلى الإسلام، وهاجر إلى الحبشة مرتين، وحضر جميع الغزوات مع رسول الله - ﷺ -، وفي غزوة بدر أجهز على أبي جهل، فشهد له الرسول بالجنة. وقال - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ (يَعْنِي ابْنِ مَسْعُودٍ) وَسَالِمٍ، مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ». وهو المراد بـ «عبد الله» عند الإطلاق في اصطلاح المحدثين.
كان دقيق الساقين، فكان بعض الصحابة يضحكون من ذلك، فقال - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي المِيزَانِ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ». وقد وَلاَّهُ عمر على القضاء وبيت المال في الكوفة، فكان رمزًا للتقى والورع والعفاف.
أصح الأسانيد عنه، ما رواه سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر
_________________
(١) انظر ترجمة أبي سعيد في " تهذيب التهذيب ": ٢/ ٤٧٩، و" حلية الأولياء ": ١/ ٣٦٩، و" صحفة الصفوة ": ١/ ٢٩٩.
[ ٣٧٢ ]
عن إبراهيم، عن علقمة.
وأضعف الأسانيد عنه: ما رواه شُرَيْكٌ، عن أبي فزارة، عن أبي زيد.
روى عن عمر، وسعد بن معاذ. وروى عنه العبادلة، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبو موسى الأشعري، وعلقمة، ومسروق، وَشُرَيْحٍ القَاضِي، وغيرهم. ويبلغ مجموع ما رواه (٨٤٨) حديثًا.
قدم المدينة ومرض بها، ثم توفي عام ٣٢ هـ، ودفن بالبقيع وصلى عليه عثمان بن عفان (١).
٩ - عبد الله بن عمرو بن العاص:
هو أحد العبادلة الفقهاء، وقد أسلم قبل أبيه، ثم هاجر قبل الفتح.
كان عابدًا زاهدًا، كثير الصيام والصلاة، مقبلًا على حديث رسول الله - ﷺ - حتى روى [عَنْهُ] (٧٠٠) حديث، وكان - بعد إذن النبي له بالكتابة - يُدَوِّنُ ما يسمعه منه من الحديث. وفي ذلك يقول أبو هريرة: «[مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ - ﷺ - أَحَدٌ أكْثَرَ حَدِيثًا منِّي] إلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، فإنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أكْتُبُ».
روى عن عمر، وأبي الدرداء، ومعاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم.
وروى عنه عبد الله بن عمر بن الخطاب، والسائب بن يزيد، وسعيد بن المسيب، وطاووس وعكرمة وغيرهم.
_________________
(١) ترجمة ابن مسعود في " الإصابة ": رقم ٤٩٤٥، و" طبقات القراء ": ١/ ٤٥٨، و" حلية الأولياء ": ١/ ١٢٤.
[ ٣٧٣ ]
وأصح الأسانيد عنه ما يرويه عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده عبد الله.
وتوفي عبد الله بن عمرو عام ٤٣هـ ليالي حصار الفسطاط (١).
١٠ - أبو ذر الغفاري:
هذه كنيته، أما اسمه فهو جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ، وهو منسوب إلى جده جُنَادَةَ الذي كان من غِفَارَ، وكان كِنَانِيًّا.
عُرِفَ عنه التعبد قبل مبعث النبي - ﷺ -، وكان خامس السابقين إلى الإسلام، ولم يتيسر له أن يهاجر إلا بعد غزوة الخندق. وهو ممن بايع النبي - ﷺ - على ألا تأخذه في الحق لومة لائم، وأن يقول الحق وإن كان مُرًّا.
كان - ﵁ - زَاهِدًا لاَ يَدَّخِرُ قُوتًا لِلْغَدِ، ووقف في عهد عثمان يدعو إلى نوع من الاشتراكية في المال أملاه عليه شعوره الإنساني المرهف، وورعه العظيم، ولكن عثمان بن عفان لم يرق له ذلك فنفاه إلى الرَّبَذَةِ، فبقي فيها حتى توفي عام ٣٢ هـ في خلافة عثمان نفسه، وصلى عليه ابن مسعود الذي كان مَارًّا بالربذة في ذلك الحين.
روى عن عمر، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم.
وروى عنه: الأحنف بن قيس، وعبد الرحمن بن غنم، وعطاء وغيرهم.
_________________
(١) ترجمة عبد الله بن عمرو في " الإصابة ": رقم ٤٨٢٨، و" طبقات ابن سعد ": ٤ / ق ٢ ص ٨ - ١٣، و" حلية الأولياء ": ١/ ٢٨٣.
[ ٣٧٤ ]
وأصح الأسانيد عنه ما رواه أهل الشام من طريق سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني عنه. وقد روي عنه (٢٨١) حَدِيثًا (١).
١١ - سعد بن أبي وقاص:
هو سعد بن أبي وقاص بن أُهَيْبٍ الزهري، ويكنى أبا اسحاق، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وهو رابع السابقين إلى الإسلام، وكان إسلامه على يد أبي بكر وهو في السابعة عشرة من عمره.
شهد مع الرسول - ﷺ - جميع الغزوات، وكان فيها جميعًا «فَارِسَ الإِسْلاَمِ»، وهو من بني زهرة الذين كانت آمنة أم النبي منهم، ولذلك قال فيه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «هَذَا خَالِي فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ».
وَلاَّهُ عمر بن الخطاب قيادة الجيش الذى سَيَّرَهُ لقتال الفرس، فهزمهم بالقادسية عام ١٥ هـ، وفي جلولاء عام ١٦هـ، وفتح المدائن، وبنى الكوفة عام ١٧هـ. وكان والي العراق في عهد عمر ثم في عهد عثمان. كان أحد الستة الذين عَيَّنَهُمْ عمر للخلافة. وقد اعتزل الفتنة الكبرى التي أسفرت عن مقتل عثمان، فلم يغادر بيته حتى توفي بِالعَقِيقِ عام ٥٥ هـ، ودُفِنَ بِالبَقِيعِ، وهو آخر من توفي من العشرة المبشرين بالجنة.
روى عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وخولة بنت
_________________
(١) ترجمة أبي ذر في " الإصابة ": ٧/ ٦٠، و" طبقات ابن سعد ": ٤/ ١٦١ - ١٧٥، و" حلية الأولياء ": ١/ ١٦٥.
[ ٣٧٥ ]
حكيم. وروى عنه مجاهد، وعلقمة بن قيس، والسائب بن يزيد.
وأصح الأسانيد عنه ما رواه علي بن الحسين بن علي عن سعيد بن المسيب عنه. وروي عنه (٢٧٠) حديثًا (١).
١٢ - معاذ بن جبل:
هو فقيه الصحابة، معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس، الخزرجي، وكنيته أبو عبد الرحمن. كان إسلامه وهو في الثامنة عشرة من عمره، وبايع النبي - ﷺ - في «العقبة الثانية» وشهد جميع الغزوات مع النبي - ﷺ -، وقد آخى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - بينه وبين عبد الله بن مسعود، وأرسله إلى اليمن. ليعلمهم ويفقههم في الدين ويحفظهم القرآن، فشيعه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - مَاشِيًا، وكان معاذ راكبًا، والنبي يقول له: «إِنِّ أُحِبُّكَ».
وقد ظل يعلم الناس في اليمن في عهد أبي بكر، ثم هاجر الى الشام.
كان أحد الصحابة الذين جمعوا القرآن في عهد النبي - ﷺ -، وكان كما قال فيه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «أَعْلَمُ النَّاسِ بِالحَلاَلِ وَالحَرَامِ». روى عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وروى عنه أنس بن مالك، ومسروق، وأبو الطفيل عامر بن واثلة. وتوفي عام ١٨ هـ الذي حدث فيه طاعون عَمَوَاسْ بالأردن، وهو ابن ثلاث وثلاثين. وفيه يقول عمر بن الخطاب: «عَجَزَتِ النِّسَاءُ أَنْ يَلِدْنَ مِثْلَ مُعَاذٍ، وَلَوْلاَ مُعَاذٌ لَهَلَكَ عُمَرُ!» (٢).
_________________
(١) ترجمة سعد في " التهذيب ": ٣/ ٤٨٣، و" الحلية ": ١/ ٩٢، و" صفة الصفوة: ١/ ١٣٨، ولعبد الحميد السحار كتاب فيه.
(٢) ترجمة معاذ في " الإصابة ": رقم ٨٠٣٩، و" أسد الغابة ": ٤/ ٣٧٦، و" طبقات ابن سعد ": ٣ / ق ٢ ص ١٢٠.
[ ٣٧٦ ]
١٣ - أبو الدرداء:
هذه هي الكنية التي اشتهر بها، أما اسمه فهو عويمر بن زيد بن قيس، وكان أنصاريًا خزرجيًا.
حفظ القرآن عن رسول الله - ﷺ -، وأبلى في غزوة أُحُدْ بَلاَءً حَسَنا وقال فيه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - يومئذٍ: «نِعْمَ الفَارِسُ عُوَيْمِرٌ»، وقد آخى الرسول - ﷺ - بينه وبن سلمان الفارسي.
ولي أبو الدرداء قضاء الشام في خلافة عثمان، وكان مفتي أهل الشام، وفقيه أهل فلسطين.
روى عن السيدة عائشة، وزيد بن ثابت، وروى عنه ابنه بلال، وزوجته أم الدرداء. ويبلغ مجموع ما رواه (١٧٩) حَدِيثًا. وفيه يقول مسروق: «وَجَدْتُ عِلْمَ رَسُولِ اللهِ - ﷺعِنْدَ سِتَّةٍ: مِنْهُمْ أَبُو الدَّرْدَاءِ» (١).
توفي - ﵁ - عام ٣٢ هـ بدمشق.
_________________
(١) ترجمة أبي الدرداء في " الإصابة ": رقم ٦١١٩، و" الاستيعاب " بهامشها: ٣/ ١٥، و" طبقات القراء ": ١/ ٦٠٦.
[ ٣٧٧ ]
الفَصْلُ الرَّابِعُ: تَرَاجِمُ بَعْضِ كِبَارِ التَّابِعِينَ:
١ - سعيد بن المسيب: (١)
هو- كما يقول أحمد بن حنبل - أفضل التابعين، سعيد بن المسيب بن حزن القرشي المخزومي، كان أبوه وَجَدُّهُ صحابيين، وقد ولد لسنتين مَضَتَا من خلافة عمر، وراح منذ نعومة أظفاره يرحل الأيام والليالي في التماس الحديث الواحد. قال فيه مكحول: «طُفْتُ الأَرْضَ كُلَّهَا فِي طَلَبِ العِلْمِ، فَمَا لَقِيتُ أَحَدًا أعلم مِنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ». وقال علي بن المديني: «لاَ أَعْلَمُ فِي التَّابِعِينَ أَوْسَعَ عِلْمًا مِنْهُ، هُوَ عِنْدِي أَجَلُّ التَّابِعِينَ».
وَيَرْوُونَ في زهده وورعه أنه زَوَّجَ ابنته لكثير بن أبي وداعة على درهمين فقط، وأبى أن يزوجها للوليد بن عبد الملك حين خطبها له أبوه عبد الملك. وحين أراد عبد الملك أن يحقق البيعة لابنه الوليد، ضرب هشام بن إسماعيل نائب عبد الملك على المدينة سعيد بن المسيب
_________________
(١) أهل العراق يفتحون ياء (المُسَيَّبِ) ويشددونها، وهو الأصح، وأهل المدينة يكسرونها.
[ ٣٧٨ ]
وعرضه على السيف ليحمله على الرضا بالبيعة، ولكنه أبى أن يبايع رغم ذلك كله.
روى ابن المسيب عن أبي بكر مرسلًا، وسمع من عمر، وعثمان، وأبي هريرة، وزيد بن ثابت، والسيدة عائشة وغيرهم.
وروى عنه سالم بن عبد الله، والزهري، وقتادة، وَشُرَيْكٌ، وأبو الزناد، وغيرهم. وكانت وفاته سنة ٩٤هـ (١).
٢ - نافع مولى ابن عمر: (*)
هو الفقيه نافع بن هرمز، وقيل: بن كاوس، وكنيته أبو عبد الله المدني، أصابه عبد الله بن عمر في بعض مغازيه، وقال فيه بعد أن آنس منه الرغبة في العلم والاستعداد الطيب للرواية: «لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا بِنَافِعٍ».
وقد أخلص نافع في خدمة سيده ابن عمر، وظل يخدمه ثلاثين عَامًا. ويرى بعضهم أن أصله من نيسابور، وآخرون أنه من كَابُلْ.
أما يحيى بن معين فيقول فيه: «نَافِعٌ دَيْلَمِيٌّ فِيهِ لَكْنَةٌ».
وكان الإمام مالك بن أنس من أصحاب نافع، بل كان «أَثْبَت أَصْحَابِهِ». كما يقول النسائي. وفيه يقول مالك: «كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ نَافِعٍ حَدِيثًا لا أُبَالِي أَلا أَسْمَعُهُ مِنْ [أَحَدٍ]». ومن هنا حكم الإمام البخاري بأن «أَصَحُّ الأَسَانِيدِ: مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ».
_________________
(١) انظر ترجمة ابن المسيب في " طبقات ابن سعد ": ٥/ ٨٨، و" حلية الأولياء ": ٢/ ١٦١، و" الوفيات ": ١/ ٢٠٦. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) خطأ في الطباعة حيث ورد في الكتاب المطبوع (ابن عمرو) والصواب (ابن عمر).
[ ٣٧٩ ]
ولم يرو نافع عن ابن عمر وحده، فإن له روايات عن أبي سعيد الخدري، والسيدة عائشة، والسيدة حفصة، مرسلًا.
وروى عنه عبد الله بن دينار، والزهري، والأوزاعي، وابن إسحاق، وصالح بن كيسان، وابن جريج.
وكان ابن عمر يحبة كثيرًا، وقد أعطاه فيه بعضهم ثلاثين ألفًا فأبى أن يبيعه وأعتقه في سبيل الله. وأرسله الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى مصر ليعلمهم السنن ويفقههم في الدين.
وكانت وفاة نافع سَنَةَ ١١٧ هـ (١).
٣ - محمد بن سيرين:
هو الفقيه الزاهد العابد محمد بن سيرين الأنصاري، وكان أبوه سيرين مولى لأنس بن مالك، اشتراه من خالد بن الوليد الذي أسره في «عين التمر»، في بادية العراق قرب الأنبار. إلا أن أنسًا كَاتَبَ سيرين على شيء من المال فأدى كتابته وأصبح حُرًّا. أما أم محمد ابن سيرين فهي صفية التي كانت مولاة لأبي بكر. وكان مولده لسنتين بقيتا من خلافة عثمان وتوفي سنة ١١٠هـ. وقد أدرك ثلاثين من الصحابة لكنه لم يدرك أبا بكر ولا أبا ذر الغفاري، ولا سمع من ابن عباس، ولا أبي الدرداء، ولا عمران بن حُصين، ولا السيدة عائشة: فجميع مروياته عن هؤلاء تعتبر مرسلة. لكنه روى أحاديث مسندة عن زيد بن ثابت وأنس بن مالك وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان وسواهم.
وممن روى عن ابن سيرين: الشعبي، والأوزاعي، وعاصم
_________________
(١) ترجمة نافع في " تهذيب الأسماء ": ١٠/ ٤١٢، و" الوفيات ": ٢/ ١٥٠.
[ ٣٨٠ ]
الأحول، ومالك بن دينار، وخالد الحذاء.
وفيه يقول هشام بن حسان: «هُوَ أَصْدَقُ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنَ البَشَرِ».
ويقول أبو عوانة: «رَأَيْتُ بن سِيرِينَ [فِي السُّوقِ] فَمَا رَآهُ أَحَدٌ إِلاَّ ذَكَرَ اللَّهَ». ويقول ابن سعد: «كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا عَالِيًا رَفِيعًا فَقِيهًا إِمَامًا كَثِيرَ العِلْمِ» (١).
٤ - ابن شهاب الزهري:
هو العالم الفقيه محمد بن مسلم بن عبد الله الذي قال فيه الليث بن سعد: «مَا رَأَيْتُ عَالِمًا قَطُّ أَجَمْعَ مِنَ الزُّهْرِيِّ، يُحَدِّثُ فِي التَّرْغِيبِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُحسِنْ غَيْرَهُ، وَيُحَدِّثُ عَنِ السُنَّةُ وَالقُرْآنِ فَيَكُونُ حَدِيثُهُ جَامِعًا».
كان يسكن في قرية بين الحجاز والشام تسمى «أَيْلَةَ»، وقد ذهب صيته حتى أمسى مرجع علماء الحجاز والشام. وقد جالس سعيد بن المسيب ثماني سنوات في قرية بأطراف الشام تسمى «شعبدا»، وبها كانت وفاته سنة ١٢٣هـ، وقال بعضهم: بل سنة ١٢٥هـ.
وكان يُدَوِّنُ ما يسمع من الحديث. قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: «كُنْتُ أَطْلُبُ العِلْمَ أَنَا وَالزُّهْرِيُّ، فَقَالَ: "تَعَالَ نَكْتُبْ مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - "، ثُمَّ قَالَ: " تَعَالَ نَكْتُبْ عَنْ الصَّحَابَةِ "، فَكَتَبَ وَلَمْ أَكْتُبْ، فَنَجَحَ وَضَيَّعْنَا"».
ويروى عنه - في معرض الاستشهاد على حفظه وضبطه - أن
_________________
(١) انظر ترجمة ابن سيرين في " تهذيب التهذيب ": ٩/ ٢١٤، و" الوفيات ": ١/ ٤٥٣، و" تاريخ بغداد ": ٥/ ٣٣١.
[ ٣٨١ ]
هشام بن عبد الملك سأله أن يملي على بعض ولده شيئًا، فأملى عليه أربعمائة حديث، وَخَرَجَ الزُّهْرِيُّ فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتُمْ يَا أَصْحَابَ الحَدِيثِ»، فَحَدَّثَهُمْ بِتِلْكَ الأَرْبَعِمِائَةٍ. ثُمَّ لَقِيَ هِشَامًا بَعْدَ شَهْرٍ [أَوْ] نَحْوِهِ، فَقَالَ هِشَامٌ لِلْزُّهْرِيِّ إِنَّ الكِتَابَ ضَاعَ مِنِّي، فَدَعَا بِكَاتِبٍ، فَأَمْلاَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَابَلَ هِشَامٌ بِالكِتَابِ الأَوَّلِ، فَمَا غَادَرَ حَرْفًا وَاحِدًا، فلما أعجب بعلمه جعله مؤدب أولاده.
وضبطه للحديث بهذه الدقة والعناية هو الذي حَمَلَ عمرو بن دينار على أن يعترف بفضله ويقول: «مَا رَأَيْتُ أَنَصَّ لِلْحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيِّ» فهو يحرص على رواية الحديث بنصه. وقد قيل: إن أحاديثه بلغت ألفًا ومائتين (١٢٠٠)، لكن المسند منها يناهز نصفها.
روى الزهري عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن جعفر، وسهل بن سعد، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح.
وله روايات مرسلة عن عبادة بن الصامت، وأبي هريرة، ورافع بن خديج وسواهم.
ويرى البخاري أن أصح أسانيده «الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ»، أما أبو بكر بن أبي شيبة فيرى أن أصح أسانيده «الزُّهْرِيُّ عَنْ عَلِيٍّ بْنِ الحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيٍّ» (١).
٥ - سعيد بن جبير:
هو الفقيه، المقرئ، الناسك، سعيد بن جبير الأسدى الكوفي،
_________________
(١) انظر في ترجمة الزهري " تهذيب التهذيب ": ٩/ ٤٤٥، و" الحلية ": ٣/ ٣٦٠، و" تذكرة الحفاظ ": ١/ ١٠٢.
[ ٣٨٢ ]
وَيُكَنَّى «أبا عبد الله». كان سفيان الثوري يقدمه على إبراهيم النخعي ويقول: «خُذُوا التَّفْسِيْرَ عَنْ أَرْبَعَةٍ: عَنْ سَعِيْدِ بنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ».
كان ابْنُ جُبَيْرٍ يكتب لعبد الله بن عتبة بن مسعود حين كان على قضاء الكوفة، ثم أصبح يكتب بعد ذلك لأبي بُرْدَةَ بن أبي موسى، ثم قتله الحجاج سنة ٩٥ هـ لخروجه مع ابن الاشعث.
وقد روى سعيد بن جبير عن عبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري، وأحاديثه مسندة عن هؤلاء. إلا أنه لم يسمع من أبي هريرة وأبي موسى الأشعري، وعلي، والسيدة عائشة، فكل مروياته عن هؤلاء مرسلة. ويقول يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ في مرسلاته هذه: «مُرْسَلاَتُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مُرْسَلاَتِ عَطَاءٍ».
وروى عنه الأعمش، ومنصور بن المعتمر، وَيَعْلَى بن حكيم الثقفي، وسِماك بن حرب وغيرهم.
وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: «مَاتَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ رَجُلٌ إِلاَّ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى عِلْمِهِ» (١).
٦ - الإمام أبو حنيفة:
أبو حنيفة هي الكنية التى اشتهر بها، أما اسمه فهو النعمان بن ثابت بن زُوطَى، وهو تَيْمِيٌّ بالولاء، إذ كان مولى لِتَيْمٍ الله بن ثعلبة الكوني، ولكن أصله من فارس. وهو تابعي لأنه رأى من الصحابة
_________________
(١) انظر في ترجمته " طبقات ابن سعد ": ٦/ ١٧٨، و" تهذيب التهذيب ": ٤/ ١١، وقارن بالطبري " ٨/ ١٣.
[ ٣٨٣ ]
أنس بن مالك، وسهل بن سعد الساعدي، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبا الطفيل عامر بن واثلة، وروى عن بعض هؤلاء، ويقول بعض العلماء إنه روى عنهم جميعًا.
أخذ أبو حنيفة الفقه والحديث عن عطاء، ونافع، وابن هرمز، وحماد بن أبي سليمان، وعمرو بن دينار وغيرهم، وروى عنه أصحابه: أبو يوسف، وَزُفَرْ، وأبو مطيع البلخي، وابن المبارك، والحسن بن زياد، وداود الطائى، ووكيع، وآخرون.
وقد شهد له العلماء بسعة المعرفة، والفقه، وقوة الحجة. قال الشافعي: «النَاسُ فِي الفِقْهِ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ».
وقال الليث بن سعد: «قَابَلْتُ مَالِكًا بِالمَدِينَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: " إِنِّي أَرَاكَ تَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِكَ "، قَالَ: " عَرَقْتُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، إِنَّهُ لَفَقِيهٌ يَا مِصْرِيُّ ". ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا حَنِيفَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَحْسَنَ قَوْلَ هَذَا الرَّجُلَ فِيكَ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " مَا رَأَيْتُ أَسْرَعَ مِنْهُ بِجَوَابٍ صَادِقٍ وَنَقْدٍ تَامٍّ "».
وهو بلا ريب فقيه أكثر منه مُحَدِّثًا، ولكن معرفته بالحديث لم تكن قليلة إلى الحد الذي يصوره به بعضهم، فقد جمع له محمد بن محمود الخوارزمي خمسة عشر مسندًا، وفي كتاب " الآثار " لصاحبه محمد بن الحسن كثير من الأحاديث التي أخذها محمد عنه. ولكن الفقه ظل الصفة البارزة فيه، وحسبه أنه مؤسس المذهب الحنفي المُسَمَّى باسمه، وإمام أهل الرأي.
ولقد كان أبو حنيفة تَقِيًّا وَرِعًا، يكسب حياته من عمل يده، ولا يقبل جوائز العلماء، إِبَاءً وَأَنَفَةً وَتَرَفُّعًا بكرامة العلماء أن تذل
[ ٣٨٤ ]
أَوْ تُهَانَ. أراد أبو جعفر أن يكرهه على القضاء، وحبسه وضربه مائة سوط وعشرة أسواط كل يوم عشرة، ليحمله على قبول ذلك المنصب، ولكنه أبى، وتوفي بالسجن سنة ١٥٠هـ في بغداد. وفيه يقول ابن المبارك: «أَفْقَهُ النَّاسِ أَبُو حَنِيفَةَ، مَا رَأَيْتُ فِي الفِقْهِ مِثْلَهُ، وَلَوْلاَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَغَاثَنِي بِأَبِي حَنِيفَةَ لَكُنْتُ كَسَائِرِ النَّاسِ، كَانَ وَرِعًا سَخِيًّا صَاحِبَ غَوْصٍ عَلَى المَسَائِلِ» (١)
_________________
(١) ترجمة أبي حنيفة في " تاريخ بغداد ": ١٣/ ٣٢٣ - ٤٢٣، و" الوفيات ": ٢/ ١٦٣، و" الجواهر المضيئة ": ١/ ٢٦.
[ ٣٨٥ ]
الفَصْلُ الخَامِسُ: تَرَاجِمُ بَعْضِ أَتْبَاعِ التاَّبِعِينَ:
١ - الإمام مالك بن أنس:
هو إمام أهل المدينة، وأمير المؤمنين في الحديث، مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي، نسبة إلى ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان يكنى «أبا عبد الله»، وفيه يقول الإمام الشافعي: «مَالِكٌ حُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ بَعْدَ التَّابِعِينَ». ويقول ابن حيان: «كَانَ مَالِكٌ أَوَّلُ مَنْ انْتَقَى الرِّجَالَ مِنَ الفُقَهَاءِ بِالمَدِينَةِ، مَع الفِقْهِ وَالدِّينِ وَالفَضْلِ وَالنُّسُكِ، وَبِهِ تَخَرَّجَ الشَّافِعَيُّ». وَيَقُولُ النَّسَائِيُّ: «مَا عِنْدِي أَنْبَلَ مِنْ مَالِكٍ، وَلاَ أُجِّل مِنْهُ، وَلاَ أَوْثَقَ، وَلاَ آمَنَ عَلَى الحَدِيثِ مِنْهُ، وَلاَ أَقُلَّ رِوَايَةً عَنْ الضُّعَفَاءِ. مَا عَلِمْنَاهُ حَدَّثَ عَنْ مَتْرُوكٍ إِلاَّ عَبْدَ الكَرِيمِ». (يريد عبد الكريم ابن أبي المخارق البصري نزيل مكة، لأنه كان حسن السمت، كثير التضرع، ولم يكن من أهل بلد مالك، فخفي عليه أمره، على أنه لم يخرج له إلا شيئًا من فضائل الأعمال، أو زيادة على متن).
[ ٣٨٦ ]
وقد ألف مالك " الموطأ "، وأراد المنصور أن يحمل الناس عليه، ولكن مالكا أبى، كما أشرنا إلى ذلك في موضع آخر. وقد استغرق تأليفه " الموطأ " أَرْبَعِينَ سَنَةً عرضه خلالها على سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة، وقد جمعه من مائة ألف حديث. وروى " الموطأ " عنه أكثر من ألف رجل، ولذلك اختلفت نسخه فكانت ثلاثين لم يشتهر منها إلا عشرون، واشهرها رواية يحيى بن يحيى الليثي الأندلسى المصمودي.
وبعض العلماء كان يرى ان أصول الحديث سبعة، هي " الكتب الستة " ومعها " الموطأ "، ويجعل بعضهم بَدَلًا مِنْهُ " سنن الدارمي ". ويقول ابن حزم في وصف هذا الكتاب العظيم: «وهو كتاب في الفقه والحديث، ولا أعلم نظيره».
وليست أحاديث " الموطأ " كلها مسندة، بل فيه المرسل والمعضل والمنقطع وغير ذلك. وقد أحصى بعض العلماء فيه (٦٥٠) حديث مسند، و(٢٢٢) حديثًا مرسلًا، و(٦١٣) موقوفًا، و(٢٨٥) قولًا للتابعين، كما ذكروا أن جميع ما فيه من قوله: «بَلَغَنَا»، وقوله: «عَنْ الثِّقَةِ» من غير أن يسنده (٦١) لكنها مسندة من طرق أخرى غير طريق مالك نفسه. ولذلك تصدى ابن عبد البر النمري إلى تأليف كتاب حاول به أن يصل ما في " موطا مالك " من الأحاديث المرسلة والمنقطعة والمعضلة.
روى مالك عن نُعيم المُجْمِرْ، وزيد بن أسلم، ونافع، وشُريك بن عبد الله، والزهري، وأبي الزناد، وسعيد المُقْبِرِي، وحُميد الطويل. وكان خاتمة أصحابه حُذَافَةُ السهمي الأنصاري.
[ ٣٨٧ ]
أما الذين رَوَوْا عنه فكثيرون، منهم من كانوا شيوخًا له كالزهري ويحيى بن سعيد، ومنهم من كانوا من أقرانه، كالأوزاعي، والثوري، وسفيان بن عيينة، والليث بن سعد، وَابْنُ جُرَيجٍ، وشعبة بن الحجاج، ومنهم الذين أخذوا عنه كالشافعي، وابن المبارك، وابن وهب، وابن مهدي، والقطان، وأبي إسحاق الفزاري.
كان مولده سَنَةَ ٩٣هـ، ووفاته سَنَةَ ١٧٩هـ (١).
٢ - الإمام الشافعي:
هو الإمام الذي ملأ طباق الأرض عِلْمًا، محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، وإلى جده الأخير هذا نُسِبَ فَعُرِفَ بـ «الشافعي»، وهو قُرَشِيٌّ مُطَّلَبِيٌّ مَكِّيٌّ، كنيته أبو عبد الله. وكانت أمه «أزدية».
ولد الشافعي بغزة سَنَةَ ١٥٠هـ، ثم حمل إلى مكة بعد فطامه، ففيها نشأ وتلقى العلم. حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وَجَوَّدَهُ على مقرئ مكة في ذلك الحين إسماعيل بن قسطنطين، ويروى أنه كان يختمه في رمضان ستين مرة. حَدَّثَ عن مالك بن أنس إمام أهل المدينة، وفي الثالثة عشرة من عمره حفظ في عدة ليال " موطأه " وعرضه عليه، كما حَدَّثَ عن سفيان بن عيينة، وَعَبْدَ المَلِكِ بْنِ المَاجِشُونْ (٢) ٠ أما الفقه فقد أخذه عن مسلم بن خالد الزنجي الذي أذن له بالفتوى وهو دون العشرين. وكان إلى هذا كله بارعًا في اللغة
_________________
(١) ترجمته في " الديباج المذهب ": ص ١٧ - ٣٠، و" تهذيب التهذيب ": ١٠/ ٥، و" الوفيات ": ١/ ٤٣٩.
(٢) الماجشون: بفتح الجيم وكسرها.
[ ٣٨٨ ]
والشعر، قوي الحجة في المناظرة، أفحم جميع من ناظرهم من علماء العراق ومصر، وجمع بين فقه الحجازيين والمصريين والعراقيين.
ولي الحكم بنجران من أرض اليمن، فَوَشَوْا به الى الرشيد وزعموا أنه كان يريد الخلافة لنفسه، فَحُمِلَ إلى دار الخلافة ببغداد حيث اجتمع بالرشيد سَنَةَ ١٨٤هـ، وناظر أمامه محمد بن الحسن وعرف هذا قدره فَبَرَّأَهُ أمام الخليفة، ثم عاد إلى مكة ثم إلى العراق مرة ثانية سَنَةَ ١٩٥هـ، وفي هذه المرة اجتمع بالإمام أحمد بن حنبل والكرابيسي والزعفراني. وما زال بعد ذلك يتنقل بين مكة وبغداد حتى انتهى به المطاف في مصر سَنَةَ ١٩٩هـ، وفيها توفي سَنَةَ ٢٠٤هـ عن أربع وخمسين سَنَةً. وقد سئل إسحاق بن راهويه: كيف وضع الشافعي هذه الكتب وكان عمره يسيرًا؟ فقال: «جَمَعَ اللهُ لَهُ عَقْلَهُ لِقِلَّةِ عُمُرِهِ»!.
أما كتبه التي سُئِلَ عنها ابن راهويه فكثيرة في التفسير والحديث والفقه والأدب، ولكن أشهرها كتاب " الرسالة "، التي وضعها تلبية لرغبة عبد الرحمن بن مهدي، وهي رسالة في أصول الفقه. وله كذلك كتاب " الأم " الذي جمع فيه أعظم الأصول الدينية، ومنه ومن كتاب " المبسوط " للشافعي أيضًا التقط أبو عمرو محمد بن جعفر النيسابوري أحاديثة المسندة، فظن بعض العلماء أن للشافعي نفسه " مُسْنَدًا "، مستقلًا في الحديث. ولابن الأثير (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٠٦هـ شرح على " المسند " المذكور.
روى عنه الإمام أحمد بن حنبل، وأبو عبيد القاسم بن سلام،
[ ٣٨٩ ]
وعبد الله بن الزبير الحُميدي شيخ البخاري، وأبو ثور إبراهيم بن خالد البغدادي، ويوسف بن يحيى البُوَيْطِي، وحرملة بن يحيى، والحسن بن محمد الزعفراني وغيرهم.
وشهد له الذهبي بمهارته في الحديث «كَانَ حَافِظًا لِلْحَدِيثِ، بَصِيرًا بِعِلَلِهِ، لاَ يَقْبَلُ مِنْهُ إِلاَّ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَلَوْ طَالَ عُمُرَهُ لازْدَادَ مِنَّةً» (١).
وحسبه أن الإمام أحمد بن حنبل يقول فيه: «[مَا أَحَدٌ] مَسَّ مِحْبَرَةً وَلاَ قَلَمًا إِلاَّ وَلِلشَّافِعِيِّ فِي عُنُقِه مِنَّةٌ» (١).
٣ - سفيان الثوري:
هو الحافظ الضابط، الإمام الحجة، سفيان بن سعيد بن مسروق الكوفي، وكنيته أبو عبد الله، كان أبوه سعيد من علماء الكوفة. أما هو فاشتهر في رواية الحديث وضبطه حتى لَقَّبَهُ شعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن معين بـ «أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ فِي الحَدِيثِ»، وهو اللقب الذي عرفناه سابقًا للإمام مالك بن أنس.
قال فيه الخطيب البغدادي: «كَانَ إِمَامًا مَن أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وَعَلِّمَا مَن أَعْلَام الدَّيْن، مُجْمَعًا عَلَى إِمَامَتِهِ، بِحَيْثُ يُسْتَغْنَى عَنْ تَزْكِيَتِهِ، مَعَ الإِتْقَانِ وَالحِفْظِ وَالمَعْرِفَةِ وَالوَرَع وَالزُّهْدِ».
روى عن الأعمش (سُلَيْمَانُ بنُ مِهْرَانَ) وعبد الله بن دينار، وعاصم الأحول، وابن المنكدر، وغيرهم.
_________________
(١) ترجمة الشافعي في " طبقات الشافعية ": ١/ ١٨٥، و" تذكرة الحفاظ ": ١/ ٣٢٩، و" تهذيب التهذيب ": ١/ ٣٢٩، و" تاريخ بغداد ": ٢/ ٥٦ - ٧٣.
[ ٣٩٠ ]
وروى عنه عبد الرحمن الأوزاعي، وعبد الرحمن بن مهدي، وَمِسْعَرُ بْنِ كِدَامٍ، وأبان بن عبد الله الأحْمسي. وآخر من حَدَّثَ عنه علي بن الجعد.
قال عبد الله بن المبارك: «كَتَبْتُ عَنْ مِائَةِ شَيْخٍ وَألْفِ شَيْخٍ، فَمَا كَتَبْتُ عَنْ أَفْضَلِ مِنْ سُفْيَانَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، رَأَيْتَ سَعيدَ بْنَ جُبَيرٍ وَغَيْرَهُ وَتَقُولُ ذَلِك؟ قَالَ: هُوَ مَا أَقُولُ، مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْهُ». ولكنهم يَرْوُونَ عن ابن المبارك نفسه أن سفيان الثوري كان أَحْيَانًا يُدَلِّسُ. قال ابن المبارك: «حَدَّثْتُ سُفْيَانَ بِحَدِيثٍ فَجِئْتُهُ وَهُوَ يُدَلِّسُهُ، فَلَمَا رَآنِي اسْتَحْيَى وَقَالَ: " نَرْوِيهِ عَنْكَ"». فان صح هذا فَلاَ بُدَّ - للتوفيق بين عبارتي ابن المبارك - أن نحسب تدليس سفيان من النوع الذي لاَ يُجَرِّحُهُ، كأن يكون تدليسه عن الثقات فقط، ولذلك قال لابن المبارك: «نَرْوِيهِ عَنْكَ».، يريد بذلك أن إسناد الحديث إليه يُوَثِّقُهُ.
توفي الثوري بالبصرة سنة ١٦١هـ (١).
٤ - سفيان بن عيينة:
هو سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي الكوفي، ويكنى «أبا محمد»، أدرك سبعة وثمانين من التابعين وسمع من سبعين منهم، وأشهرهم جعفر الصادق، وحُميد الطويل، وعبد الله بن دينار، وأبو الزناد، وصالح بن كيسان.
_________________
(١) ترجمة سفيان الثوري في " طبقات ابن سعد ": ٦/ ٢٥٧، و" تهذيب التهذيب ": ٤/ ١١١ - ١١٥، و" الوفيات ": ١/ ٢١٠.
[ ٣٩١ ]
وقد روى عنه كثير من شيوخه وأقرانه وتلامذته، منهم الأعمش وَمِسْعَرُ بْنِ كِدَامٍ، وعبد الله [بن] المبارك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني.
انتقل من الكوفة إلى مكة سَنَةَ ١٦٣هـ، وبقي في مكة يُحَدِّثُ الحجازيين ويعلمهم القرآن الى أن تغير في آخر عمره «يَعْنِي ضَعُفَ حِفْظُهُ لِكِبَرِ سِنِّهِ»، ولذلك قال فيه ابن حجر العسقلاني: «ثِقَةٌ حَافِظٌ فَقِيهٌ، إِمَامٌ حُجَّةٌ، إِلاَ أَنَّهُ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ بِأَخِرَةٍ، وَكَان رُبَّمَا دَلَّسَ لَكِنْ عَنْ الثِّقَاتِ».
روى نحو سبعة آلاف حديث، وشهد له الشافعي بالعلم الغزير، فقال: «لَوْلاَ مَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ لَذَهَبَ عِلْمُ الحِجَازِ». وقال فيه العجلي: «كُوفِيٌّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ فِي الحَدِيثِ».
كانت وفاته بمكة سنة ١٩٨هـ عن إحدى وتسعين سَنَةً (١).
٥ - الليث بن سعد:
هو شيخ الديار المصرية، الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، ويكنى «أبا الحارث».
ولد بِقَرْقَشَنْد سنة ٩٤هـ. كان غَنِيًّا سَخِيًّا، يزيد دخله السنوي عن عشرين ألف دينار، ومع ذلك لم تجب في ماله زكاة، لأنه لشدة سخائه ما كان يبقي عنده نصاب الزكاة.
أكثر البخاري ومسلم من الرواية عنه، ووثقه أحمد بن حنبل،
_________________
(١) ترجمة ابن عيينة في " تذكرة الحفاظ ": ١/ ٢٤٢، و" الوفيات ": ١/ ٢١٠، و" ميزان الاعتدال ": ١/ ٣٩٧.
[ ٣٩٢ ]
والشافعي، وسفيان الثوري، والعجلي، وأكثر العلماء. وفيه يقول الشافعي: «اللَّيْثُ أَفْقَهُ مِنْ مَالِكٍ إِلاَّ أَنَّهُ ضَيَّعَهُ أَصْحَابُهُ».
أما الإمام مالك فإنه كلما ذكر في كتبه هذه العبارة: «أَخْبَرَنِي مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ العِلْمِ» فإنه يقصد الليث بن سعد.
كان - كما قال النووي- «يَتَحَاشَى التَّدْلِيسَ فِي رِوَايَتِهِ» ولكنه كان لا يرى بأسا بالإجازة، ولذلك قال فيه أحمد بن معين: «كَانَ يَتَسَاهَلُ فِي السَّمَاعِ وَالشُّيُوخِ». وقال أحمد بن حنبل: «اللَّيْثُ ثِقَةٌَ، وَلَكِنْ فِي أَخْذِهِ سُهُولَةٌ».
وقد نَصَّ العلماء على أن أصح الأسانيد في مصر، ما رواه (الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر).
روى الليث عن نافع، والزهري، وسعيد المقبري، ويزيد بن أبي حبيب، وروى عنه عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب، وغيرهما.
وكانت وفاة الليث سَنَةَ ١٧٥هـ (١).
_________________
(١) ترجمته في " تاريخ بغداد ": ١٣/ ٣، و" تذكرة الحفاظ ": ١/ ٢٠٧، و" تهذيب التهذيب ": ٨/ ٤٥٩، و" الوفيات ": ١/ ٤٣٨.
[ ٣٩٣ ]
الفَصْلُ السَّادِسُ: تَرَاجِمُ بَعْضِ أَتْبَاعِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ:
١ - الإمام أحمد بن حنبل:
هو الإمام الجليل، أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال، الشيباني، المروزي ثم البغدادي، وكنيته أبو عبد الله. كانت أمه بِمَرْوٍ حين حملت به، ولكنها خرجت منها واتجهت إلى بغداد فولدته فيها سَنَةَ ١٦٤هـ.
كان أكثر طلبه للعلم في بغداد، إلا أنه تنقل في البلدان في طلب الرواية حتى انفرد بمعرفة آثار الصحابة والتابعين، مع الضبط التام، والورع الكامل، وله مؤلفات كثيرة، منها كتاب " العلل "، وكتاب " الزهد "، و" التفسير "، و" الناسخ والمنسوخ "، وكتاب " فضائل الصحابة "، وكتاب " الأشربة "،وغيرها.
وأشهر كتبه وأعظمها " المسند "، وفيه ثمانية عشر مسندًا: أولها مسند العشرة، وقد ذكرنا في بحث (التعريف بأهم كتب الرواية والمسانيد) دفاع ابن حجر عن " مسند ابن حنبل "، ونفيه وجود الأحاديث الموضوعة
[ ٣٩٤ ]
فيه. هذا وقد ذكر ابن حجر نفسه في كتابه " تعجيل المنفعة برجال الأربعة " أنه ليس في " المسند " حديث لا أصل له إلا ثلاثة أو أربعة.
ويشتمل " مسند ابن حنبل " على (٤٠٠٠٠) أربعين ألف حديث مسند، المُكَرَّرُ منها نحو عشرة آلاف، ولابنه عبد الله زيادة فيها نحو عشرة آلاف، كما أن لأحمد بن جعفر القطيعي، الراوي عن ابنه عبد الله، بعض الزيادات.
وعبد الله بن أحمد بن حنبل هو الذي رتب " مسند " أبيه، فوقع فيه خلط مات أحمد قبل أن يُهَذِّبَهُ. أما الذي رتب " المسند " على حروف المعجم فهو الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله المقدسي الحنبلي.
كان الإمام أحمد آية في الحفظ والضبط، حتى قال أبو زرعة عنه: «كَانَ يَحْفَظُ أَلْفَ أَلْفَ حَدِيثٍ، يُمْلِيهَا مِنْ حِفْظِهِ»، فَلاَ غَرْوَ إِذَا عُدَّ مِنْ «أُمَرَاءِ المُؤْمِنِينَ فِي الحَدِيثِ». وفيه يقول ابن حبان: «كَانَ فَقِيهًا حَافِظًا مُتْقَنًا، مُلاَزِمًا لِلْوَرَعِ الخَفِيِّ، مُحَافِظًا عَلَى العِبَادَةِ الدَّائِمَةِ حَتَّى ضُرِبَ بِالسِّيَاطِ، فَعَصَمَهُ اللهُ مِنَ البِدْعَةِ، وَجَعَلَهُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ وَمَلْجَأً يُلْجَأُ إِلَيْهِ».
والبدعة التي عصمه الله منها، حتى ضُرِبَ بالسياط عليها - كما يقول ابن حبان - هي محنة خلق القرآن، فإنه قد امتنع عن القول بها، فضرب وسجن «وَدَخَلَ الكِيرَ فَخَرَجَ ذَهَبًا إِبْرِيزًا» كما كان يقول بِشْرُ بْنُ الحَارِثِ الحَافِي.
كان في أول أمره يحضر مجلس القاضي أبي يوسف، ثم أخذ عن الشافعي الحديث والفقه والأنساب القرشية، وذهب إلى اليمن ليسمع
[ ٣٩٥ ]
من عبد الرزاق، ودخل الكوفة والبصرة والجزيرة ومكة والمدينة والشام.
روى عَنْ بِشْرٍ [بْنِ] المُفَضَّلِ الرَّقَاشِيُّ، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، وسليمان بن داود الطيالسي، وإسماعيل بن علية، ومعتمر بن سليمان البصري وغيرهم.
وروى عنه البخاري ومسلم وأبو داود ووكيع بن الجراح، ويحيى بن آدم الكوفي، وعلي بن المديني، وابن مهدي، وفيهم شيوخه وأقرانه وتلامذته.
توفي سَنَةَ ٢٤١ هـ عن سبع وسبعين سَنَةً، ومناقبه أعظم من أن تحصى (١).
٢ - الإمام البخاري:
هو الإمام الذي لا يجارى في حفظه للحديث وضبطه، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، ويكنى أبا عبد الله. أخذ يحفظ الحديث وهو دون العاشرة من عمره، فكتب عن أكثر من ألف شيخ، وحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومئتي ألف غير صحيح، وهو مصنف الكتاب العظيم " الجامع الصحيح " الذي هو أصح الكتب بعد القرآن المجيد: سمعه من أكثر من سبعين ألفًا، وظل يشتغل في جمعه ست عشرة سَنَةً. وللحفاظ تعليقات على بعض أحاديثه، فقد انتقدوا منها (١١٠) خَرَّجَ منها مسلم (٣٢) حَدِيثًا، وانفرد هو منها بثمان وسبعين (٧٨). ويرى ابن حجر العسقلاني: أن هذه الأحاديث التِي أُخِذَتْ عَلَيْهِ
_________________
(١) ترجمة الإمام أحمد في " تاريخ بغداد ": ٤/ ٤١٢، و" الوفيات ": ١/ ١٧، و" الحلية ": ٩ ١٦١.
[ ٣٩٦ ]
«لَيْسَتْ عِلَلُهَا كُلُّهَا قَادِحَةٌ، بَلْ أَكْثَرُهَا الجَوَابُ عَنْهُ [ظَاهِرٌ، وَالقَدْحُ فِيهِ مُنْدَفِعٌ، وَبَعْضُهَا الجَوَابُ عَنْهُ] مُحْتَمَلٌ وَاليَسِيرُ مِنْهُ فِي الجَوَابِ عَنْهُ تَعَسُّفٌ».
ولـ " صحيح البخاري " شروح كثيرة ذكر منها صاحب " كشف الظنون " اثنين وثمانين شَرْحًا (٨٢)، ولكن أفضلها شرح ابن حجر العسقلاني المسمى " فتح الباري " ويليه شرح القسطلاني " إرشاد الساري " ثم شرح العيني " عمدة القاري ".
وللبخاري مصنفات كثيرة، منها التواريخ الثلاثة " الكبير " و" الأوسط " و" الأصغر "، وكتاب " الكُنَى "، وكتاب " الوُحْدَانِ "، وكتاب " الأدب المفرد "،وكتاب " الضعفاء ". قال فيه الترمذي: «لَمْ أَرَ فِي العِلَلِ وَالرِّجَالِ أَعْلَمَ مِنَ البُخَارِيِّ». وقال ابن خزيمة: «مَا رَأَيْتُ تَحْتَ أَديمِ السَّمَاءِ أَعْلَمَ بِحَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ -ﷺ- مِنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ البُخَارِيَّ». وجاءه مسلم بن الحجاج فقبله بن عينيه وقال: «دَعْنِي أُقَبِّلُ رِجْلَيْكَ يَا أُسْتَاذَ الأُسْتَاذِينَ، وَسَيِّدَ المُحَدِّثِينَ، وَيَا طَبِيبَ الحَدِيثِ فِي عِلَلِهِ». ولعلنا لم ننس ما رويناه في (بحث الحديث المقلوب) حين قلب عليه علماء بغداد مائة حديث فَرَدَّ كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وأدهش العلماء بحفظه وضبطه. وفي سبيل ضبط الحديث وحفظه رَحَلَ البخاري إلى الشام ومصر وبغداد والكوفة والجزيرة والحجاز والبصرة.
روى البخارى عن الضحاك بن مخلد أبي عاصم النبيل، ومكي بن إبراهيم الحنظلي، وعبيد الله بن موسى العبسي، وعبد القدوس بن الحجاج، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وغيرهم.
وروى عنه كثيرون أشهرهم: الترمذي، ومسلم، والنسائي، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، ومحمد بن أحمد الدولابى. وآخر
[ ٣٩٧ ]
من روى عنه " الصحيح " مَنْصُوْرُ بنُ مُحَمَّدِ [البَزْدَوِيُّ] المتوفى سَنَةَ ٣٢٩هـ.
كان مولد البخاري سَنَةَ ١٩٤هـ، ووفاته سَنَةَ ٢٥٦هـ في قرى سمرقند تسمى «خَرْتَنْكْ» (١).
٣ - الإمام مسلم:
هو إمام أهل الحديث مسلم بن الحجاج بن مسلم القُشَيْرِيُّ، وَبَنُو قُشَيْرٍ قبيلة عربية معروفة، النيسابوري، وكنيته أبو الحسين.
أجمع العلماء على إمامته في الحديث وَتَضَلُّعِهِ في الرواية، وقد رَحَلَ كثيرًا في طلبه، فسمع بخراسان يحيى بن يحيى وإسحاق بن راهوية وغيرهما، وبالري محمد بن مهران وأبا غسان وغيرهما، وبالحجاز سعيد بن منصور وأبا مصعب وآخرين، وبالعراق أحمد بن حنبل وعبد الله بن مسلمة وآخرين، وبمصر عمرو بن سواد وحرملة بن يحيى وآخرين.
أما الذين رَوَوْا عنه فكثيرون: منهم الترمذي وأبو حاتم الرازي، وأحمد بن سلمة، وموسى بن هارون، ويحيى بن صاعد، ومحمد بن مخلد، وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفرائيني، ومحمد بن عبد الوهاب الفراء، وعلي بن الحسين، والحسين بن محمد بن زياد القباني، وإبراهيم بن محمد بن سفيان، وهذا الأخير هو راوية " صحيح مسلم ".
_________________
(١) ترجمة البخاري في " تاريخ بغداد ": ٢/ ٤ - ٢٦، و" تذكرة الحفاظ ": ٢/ ١٢٢، و" تهذيب التهذيب ": ٩/ ٤٧، و" الوفيات ": ١/ ٤٥٥.
[ ٣٩٨ ]
ولمسلم كتب كثيرة منها " صحيحه " المشهور، وكتاب " العلل "، وكتاب " أوهام المحدثين "، وكتاب " من ليس له إلا راو واحد "، وكتاب " طبقات التابعين "، وكتاب " المخضرمين "، وكتاب " المسند الكبير " على أسماء الرجال، وكتاب " الجامع الكبير " على الأبواب.
و" صحيح مسلم " مع " صحيح البخاري " هما أصح الكتب بعد القرآن المجيد، وقد تلقتهما الأمة بالقبول، والأكثرون على أن " البخاري " أصحهما.
وكان مسلم شديد الاعتزاز بـ " صحيحه " لما بذل في جمعه من الجهد، فإنه صَنَّفَهُ من ثلاث مائة ألف حديث مسموعة، وكان من أجل ذلك يقول: «لَوْ أَنَّ أَهْلَ الحَدِيثِ يَكْتُبُونَ [الحَدِيثَ] مِائَتَيْ سَنَةٍ، فَمَدَارُهُمْ عَلَى هَذَا المُسْنَدِ» - يعني صحيحه.
توفي مسلم - ﵀ - بنيسابور سَنَةَ ٢٦١ هـ، عن خمس وخمسين سنة (١).
٤ - الإمام الترمذي:
هو الإمام الحافظ الناقد محمد بن عيسى بن سَوْرَةَ الترمذي، ويكنى أبا عيسى، ولد سَنَةَ ٢٠٠ هـ، ودخل بُخَارَى وَحَدَّثَ بها، وتنقل في كثير من البلدان، فسمع من الخراسانيين والحجازيين والعراقيين.
روى عن البخاري، ومسلم، وإسماعيل بن موسى السدي. وروى عنه كثيرون منهم الهيثم بن كليب الشاشي، ومكحول بن الفضل، ومحمد بن محبوب المحبوبي المروزي راوي كتابه " الجامع " المعروف بـ " السنن ".
_________________
(١) ترجمة مسلم في " تذكرة الحفاظ ": ٢/ ١٥٠، و" تهذيب التهذيب ": ١٠/ ١٢٦، و" الوفيات ": ٢/ ٩١.
[ ٣٩٩ ]
وله كتب كثيرة منها: كتاب " العلل "، وكتاب " الشمائل "، وكتاب " أسماء الصحابة "، وكتاب " الأسماء والكنى "، وأشهر كتبه بلا ريب " جامعه " المسمى بـ " السنن ". وقد ذكرنا في (فصل الحديث الحسن) أن " سنن الترمذي أصل في الحديث الحسن. وفي كتابه هذا أربعة أقسام: قسم مقطوع بصحته، وقسم على شرط أبي داوود والنسائي، وقسم أظهر علته، وقسم رابع أبان عنه وقال فيه: «مَا أَخْرَجْتُ فِي كِتَابِي هَذَا إِلاَّ حَدِيثًا قَدْ عَمِلَ بِه بَعْضُ الفُقَهَاءِ».
ومن مزايا " سنن الترمذي " ما أشار إليه عبد الله بن محمد الأنصاري بقوله: «كِتَابُ التِّرْمِذِيِّ عِنْدِي أَنْوَرُ مَن كِتَابِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ. فَقَال لَه مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ المَقْدِسِيِّ: " وَلِمَ؟ " فَقَالَ:" لأَنَّهُ لاَ يَصِلُ إِلَى الفَائِدَةِ مِنْهُمَا إِلاَّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ المَعْرِفَةِ التَّامَّةِ بِهَذَا الفَنِّ، وَكِتَابُ التِّرْمِذِيِّ قَدْ شَرَحَ أَحَادِيثُه وَبَيَّنَهَا فَيَصِلُ إِلَيْهَا كُلُّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مِنَ الفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ وَغَيْرُهُمْ». وكان الترمذي يعرف قدر كتابه فيقول: «صَنَّفْتُ هَذَا الكِتَابَ، وَعَرَضْتُهُ عَلَى عُلَمَاءِ الحِجَازِ، وَالعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ، فَرَضُوا بِه، وَمَنْ كَانَ هَذَا الكِتَابُ فِي بَيْتِهِ، فَكَأَنَّمَا فِي بَيْتِهِ نَبِيٌّ يَتَكَلَّمُ»!.
أصيب في بصره في أخريات حياته، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٧٩ هـ (١).
_________________
(١) ترجمة الترمذي في " تهذيب الأسماء ": ٩/ ٣٨٧، و" تذكرة الحفاظ ": ٢/ ١٨٧، و" نكت الهميان ": ص ٢٦٤.
[ ٤٠٠ ]