[ ٢٨٩ ]
الفَصْلُ الأَوَّلُ: مَكَانَةُ الحَدِيثِ فِي التَّشْرِيعِ:
إِشَادَةُ القُرْآنِ بِطَاعَةِ الرَّسُولِ وَالْتِزَامِ سُنَّتِهِ:
انتهى العلماء المحققون إلى أن الحديث الصحيح حجة على جميع الأمة، وأيدوا رأيهم هذا بالاَيات القرآنية التي تفرض على المؤمنين اتباع الرسول، والتسليم لحكمه، ورأوا من يحكي خلاف هذا المذهب غير خليق بالانتساب إلى العلم وأهله، وإن نسب نفسه أو نسبته العامة إلى سعة المعرفة والتفقه في الدين (١).
وكان طَبِيعِيًّا أن ينتهي التحقيق العلمي الدقيق إلى هذا الحكم السديد، لأن الآيات التي فرضت على المؤمنين طاعة النبيﷺ - صريحة لا تحتمل التأويل، وإنما تكون طاعته بالتزام سنته، والعمل بحديثه، والأخذ بمضمونه الصحيح في مسائل الدين، واعتباره الأصل الثاني من أصول التشريع بعد القرآن المجيد.
ومع أن تقرير هذا الأمر على هذه الصورة الواضحة يبدو بديهيًا،
_________________
(١) قارن بـ " قواعد التحديث ": ص ٢٦٣.
[ ٢٩١ ]
نؤثر أن نجلو بعض الجوانب الشائكة التي تَحُفُّ بِحُجِّيَّةِ الحديث. فهل النصوص القرآنية الحَاثَّةِ على طاعة النبي تُقِرُّ لحديثه بالاستقلال في التشريع، فيؤخذ بما فيه من الأحكام كما يؤخذ بما في الكتاب، أم لا تقر له بالاستقلال التشريعي، كما هو إلا بيان للقرآن، وراجع إليه؟
وإن يكن الحديث مُبَيِّنًا للقرآن أو مُفَصِّلًا لإجماله، فكيف يعد مع الكتاب أصلًا من أصول التشريع مع أن أحكام الدين إنما تستقى من أحدهما فقط وهو كتاب الله المجيد؟ وحين يؤخذ بالحديث أصلًا تشريعيًا أو على غير استقلال، هل يقبل فيه خبر الآحاد، أم لا بد لتصحيحه من التقوية والتعزيز؟
وإن الإجابة الدقيقة عن هذه الأسئلة لتفرض علينا في البداية سرد أهم النصوص القرآنية الدالة على وجوب العمل بالسنة النبوية، مشفوعة بتطبيقها العملي في واقع السيرة المطهرة، ومقرونة بفهم الرعيل الأول من الصحابة لمدلولها المتبادر من غير تكلف ولا اعتساف.
يرى عبد الرحمن بن يزيد رجلًا مُحْرِمًا في موسم الحج قد ارتدى ثوبًا مخيطًا، فرشده إلى نزع ثيابه والأخذ بسنة النبي - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - في لباس الإحرام، فيقول الرجل لعبد الرحمن: «اِئْتِنِي بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَنْزِعُ ثِيَابِي»، فلا يرى عبد الرحمن خيرًا من أن يقرأ عليه قول الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١). فَنَزْعُ الثوب المخيط لم يرد صريحًا في كتاب الله، وإنما ورد في الحديث فقط.
وهكذا انفردت السُنَّةُ بهذا الحكم الشرعي، وكانت أصلًا مستقلًا من أصول التشريع، لأن الله أمر المؤمنين بالانتهاء عما نهى عنه نبي
_________________
(١) [سورة الحشر، الآية: ٧]. وقارن بـ " جامع بيان العلم " لابن عبد البر: ٢/ ١٨٨.
[ ٢٩٢ ]
الهدى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -.
ويصلي الإمام الكبير طاووس (١) بعد العصر ركعتين، فيقول له الصحابي الجليل ابن عباس: اتركهما، فيجيبه طاووس بأن الرسول - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - إنما نهى عنهما مخافة أَنْ تُتَّخَذَا سُنَّةً، ولا ضير في هاتين الركعتين إن صُلِّيَّتَا بغير نية الاستمرار، ولكن ابن عباس يُصِرُّ على نهي رسول الله - ﷺ - عن الصلاة مطلقًا بعد العصر، ويؤكد لطاووس أن ليس له الخيار، فما جاء به رسول الله، مستندًا إلى الآية الكريمة: " ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢) [الأحزاب: ٣٦].
ولئن تكن للمؤمن خِيَرَة فيما مضت به سنة الرسول، فما عليه إلا أَنْ يُحَكِّمَ هذه السنة في كل خلاف يَشْجُرُ، وفي كل دعوى ترفع، مع التسليم التام لكل ما تصدره من أحكام، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣). وجملة الروايات الواردة في سبب نزول هذه الآية تتلخص في أن النبي - ﷺ - قضى للزبير بن العوام بالشرب من شِرَاجِ الحَرَّةِ قبل رجل شهد بدرًا من الأنصار (٤). ولا ريب أن حديث النبي هنا قد انفرد بالتشريع في هذه
_________________
(١) هو طاووس بن كيسان الخولاني الهمداني بالولاء. كان من أكابر التابعين، ومن أشهر رواة الحديث المتفقهين فيه. توفي حَاجًّا بالمزدلفة سنة ١٠٦ هـ (" تهذيب التهذيب ": ٥/ ٢٨).
(٢) " الموافقات ": ٤/ ٢٥.
(٣) [سورة النساء، الآية: ٦٥].
(٤) انظر تفصيل هذه الرواية - مع تخريج الأسانيد والمفاضلة بينها، في " تفسير ابن كثير: ١/ ٥٢٠. ومغزى تفسير الآية - على جميع الآراء - أن الأنصاري الذي اعترض على سقي الزبير قبله كان جديرًا به قبول الحكم النبوي دون أن يجد في نفسه منه حرجًا.
[ ٢٩٣ ]
المسألة التي لم يعرض لها القرآن بحكم صريح.
وعندما خاطب الله نَبِيَّهُ بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١)، نَبَّهَ المؤمنين إِلى مكانة السنة في التشريع، فإن أقوال الرسول وأعماله تبين المراد من القرآن، إذ تفصل ما أجمله، وتقيد ما أطلقه، وتخصص فيه ألفاظ العموم، وتعين ما لم يعينه من المقادير والحدود والجزئيات. فللسنة أن تنفرد في التشريع حين يسكت القرآن عن التصريح، ولها أن تقوم بوظيفة التبيان حين يترك لها التفصيل والتوضيح. وذلك ما استنتجه عمران بن حصين لما رمى رجلًا بالغفلة الشديدة والفهم السقيم، وقال له مُؤَنِّبًا مقرعا: «إِنَّكَ امْرُؤٌ أَحْمَقُ! أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ [الظُّهْرَ أَرْبَعًا]، لاَ يُجْهَرُ فِيهَا بِالقِرَاءَةِ؟» ثم سرد له بعض أحكام الصلاة ومقادير الزكاة وما أشبه ذلك من أركان الإسلام وفرائضه، ثم قال للرجل: «" أَتَجِدُ هَذَا فِي كِتَابِ اللهِ مُفَسَّرًا؟ إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ أَبْهَمَ هَذَا وَأَجْمَلَهُ"، وَإِنَّمَا فَسَّرَتْهُ السُنَّةَ تَوْضِيحًا وَبَيَانًا» (٢).
شُمُولُ السُنَّةِ كُلَّ آفَاقِ التَّشْرِيعِ:
وتكاد الأمثلة الواردة في تفصيل السنة مجملاتِ القرآن تشمل كل آفاق التشريع الإسلامي في العبادات والمعاملات والحلال والحرام.
وينتهي النبي - ﷺ - في كل منها، على حدة، إلى التبيان الدقيق عن
_________________
(١) [سورة النحل، الآية: ٤٤].
(٢) قارن بـ " جامع بيان العلم ": ٢/ ١٩١ و" الموافقات ": ٤/ ٢٦.
[ ٢٩٤ ]
طريق القياس تارة، والمقارنة بين نظيرين تارة أخرى، والموازنة بين متقابلين تارة ثالثة.
فاذا قال الله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) أدرك رسول اللَه - ﷺ - أن الزيادة من غير مقابل ولا عوض هي السر في تحريم الربا، فألحق قياسًا بالربا كل تعامل يشمل على زيادة من هذا النوع، وحكم بأن «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، [وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ]، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى» (٢)، ثَم ينحي عن مدلول الربا ما اختلفت فيه تلك الأصناف ولم تتماثل، فخلا من كل زيادة لا عوض فيها، فيقول - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ».
وإذا حَرَّمَ القرآن الزنى وأباح النكاح في آيات معروفة، وسكت عن حكم النكاح المخالف للشرع، كزواج المرأة بغير إذن وليها مثلًا، عقد النبي - ﷺ - مقارنة بين السفاح المحض وهذا اللون من النكاح المخالف للشرع، وقضى ببطلان ما لم تراع فيه أصول العقد الزوجي، فقال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» (٣).
وإذا عَدَّ القرآن صيد البحر حلالًا طيبًا فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ
_________________
(١) [سورة البقرة، الآية: ٢٧٥].
(٢) الحديث من رواية مسلم في " صحيحه " وأحم في " مسنده " وأبي داود في " سننه ". وهو حديث مشهور.
(٣) قارن بـ " سنن أبي داود ": ٢/ ٣٠٨ رقم الحديث ٢٠٨٣ (باب في الولي) والحديث من رواية السيدة عائشة - ﵂ -.
[ ٢٩٥ ]
صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (١)، وَحَرَّمَ الميتة تحريمًا قاطعًا في مواطن متعددة (٢)، وَازَنَ رسول الله - ﷺ - بين حِلِّ الصيد البحري المطلق وحرمة الميتة في صيغتها العامة المطلقة، فخص ميتة البحر بالحل واستثناها من الحكم العام، وقال عن البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» (٣)، وأكد هذا التخصيص بقوله في الحديث الاَخر: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ، فَأَمَّا المَيْتَتَانِ: فَالحُوتُ وَالجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالكَبِدُ وَالطِّحَالُ» (٤).
ولعل شعور العلماء الأولين بأثر السُنَّةِ العظيم في توضيح الأصول القرآنية، بأي طريق تم ذلك التوضيح، هو الذي حمل بعضهم على الحكم بأن السُنَّةَ قاضية على الكتاب، حتى قال الأوزاعي: «الكِتَابُ أَحْوَجُ إِلَى السُنَّةِ مِنَ السُنَّةِ إِلَى الكِتَابِ». (٥). وما أراد الأوزاعي ولا غيره بهذا إلا التنبيه على أن أعلم الخلق بمعاني القرآن هو رسول الله الأمين الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. وَمِنْ هُنَا قِيلَ لِمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ (٦): لاَ تُحَدِّثُونَا إِلاَّ بِالقُرْآنِ، فَقَالَ لِلْسَّائِلِينَ: «وَاللَّهِ مَا نُرِيدُ بِالقُرْآنِ بَدَلًا، وَلَكِنْ نُرِيدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِالقُرْآنِ مِنَّا» (٧).
_________________
(١) [سورة المائدة، الآية: ٩٦].
(٢) كما ورد في سورة البقرة ١٨٢ والمائدة ٣ والأنعام ١٤٥.
(٣) قارن بـ " سنن أبي داود ": ١/ ٥٤ رقم الحديث ٨٣.
(٤) قارن بـ " سبل السلام " لمحمد بن إسماعيل الصنعاني: ٤/ ٧٦ (" شرح بلوغ المرام " لابن حجر).
(٥) " جامع بيان العلم ": ٢/ ١٩١.
(٦) مطرف بن عبد الله بن الشيخر، زاهد من كبار التابعين، ثقة فيما رواه من الأحاديث. توفي بالبصرة سنة ٨٧ هـ (" وفيات الأعيان ": ٢/ ٦٧).
(٧) " الموافقات ": ٤/ ٢٦.
[ ٢٩٦ ]
وما دامت الأمثلة التي ذكرناها تجعل السُنَّةَ بين أمرين: فهي إما مستقلة في التشريع بما ليس في القرآن، إما مفسرة لمجملات القرآن، فلا مناص من الاعتراف - كما قال الشاطبي - بأن «[أَدِلَّةُ] القُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَكُلَّ مَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى، فَهُوَ لاَحِقٌ فِي الحُكْمِ بِمَا جَاءَ فِي القُرْآنِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا عَلَيْهِ» (١).
وإن هذه الزيادة الملحوظة في التفصيلات النبوية هي التي تجعل للحديث، على جميع الأقوال، المرتبة الثانية بعد القرآن، وهي التي تؤكد أن الشرع الإسلامي يتكون من الأصلين مَعًا: القرآن والحديث، مصداقًا لقول النبي الكريم نفسه: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ، لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ، وَسُنَّتِي» (٢).
اِسْتِقْلاَلُ السُنَّةِ بِالتَّشْرِيعِ وَلَوْ كَانَ أَصْلُهَا فِي الكِتَابِ:
فإن قيل بعد هذا: بل القرآن دَالٌّ على كل ما في الحديث إجمالًا وتفصيلًا، وما سن الرسول سُنَّةً قَطُّ إلا كان في الكتاب أصلها، لأن الله أنزل القرآن ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣)، وتمم به الدين كله فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٤)، وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٥)، فليس للسنة، بأي صورة، أن تزيد
_________________
(١) " الموافقات ": ٤/ ١٤.
(٢) قارن بـ " جامع بيان العلم ": ٢/ ١٨٠.
(٣) [سورة النحل، الآية: ٨٩].
(٤) [سورة المائدة، الآية: ٣].
(٥) [سورة الأنعام، الآية: ٣٨].
[ ٢٩٧ ]
في التشريع شيئًا فضلًا على استقلالها بالتشريع، أحلنا أصحاب هذه الشبهة على القرآن نفسه الذي يشيد بطاعة الرسول، ويحذر- من مخالفته، ولا يفرق في ذلك بين ما فَسَّرَهُ النبي من القرآن وما أمر به في سنته أمرًا مستقلًا، فهو الذي يقول بلهجة الإنذار: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ (١)، وبهذه يخصه بشيء يطاع فيه ولايعصى، وهو سنته التي جاء بها ولم تكن من القرآن ولا أتت في القرآن. ويشبه هذا ما أمر الله به المؤمنين من رد النزاع إلى الله ورسوله في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ﴾ (٢) وإنما يكون الرد إلى الله رجرعا إلى الكتاب، ولا يكون الرد إلى الرسول إلا رجوعًا إلى سنته بعد وفاته - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -.
وَلْتَرْجَعْ السُنَّةُ بعد هذا إلى القرآن بمدلولاتها التفصيلية كلها، فان أحدًا من أهل العلم لا يخالف في أن العمل بما جاءت به السنة هو عمل بالقرآن، لأن القرآن هو الذي دل على وجوب العمل بالسنة، ولأن القرآن أعم والحديث أخص ولا بد أن يشتمل الأعم بكلياته على الأخص بجزئياته، وما بين القرآن والحديث من اتفاق في الأصول لا ينفي ما تفرد الحديث بتشريعه أو توضيحه حتى من تلك الأصول، فإنما جعل الله رسوله إمامًا، وسنته قدوة، وهديه النبوي أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا.
_________________
(١) [سورة النور، الآية: ٦٣].
(٢) [سورة النساء، الآية: ٥٩].
[ ٢٩٨ ]
ولقد تحدث الإمام الشافعي في " رسالته " (١) عما سَنَّهُ رسول الله - ﷺ - مما ليس فيه نص قرآني، فأداره على أربعة وجوه ترتد كلها إلى الإقرار بوجود زيادة في السنة على ما في الكتاب، وَأَوْشَكَ - وهو يعلل مصدر هذه الزيادة ومدى حجيتها في التشريع - أَنْ يُرَجِّحَ الوجه الثاني الذاهب إلى أن النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - «لَمْ يَسُنَّ سُنَّةً قَطُّ إِلاَّ وَلَهَا أَصْلٌ فِي الكِتَابِ كَمَا كَانَتْ سُنَّتُهُ لِتَبْيِينِ عَدَدَ الصَّلاَةِ، وَعَمَلِهَا عَلَى أَصْلِ جُمْلَةِ فَرْضِ الصَّلاَةِ، وَكَذَلِكَ ما سَنَّ مِنَ البُيُوعِ وَغَيْرِهَا مِنَ الشَّرَائِعِ، لأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٢) وَقَالَ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣) فَمَا أَحَلَّ وَحَرَّمَ فَإِنَّمَا بَيَّنَ فِيهِ عَنْ اللهِ كَمَا بَيَّنَ الصَّلاَةَ» (٤).
ويخيل إلينا أن المذهب الأخير هو أصوب المذاهب لدى توضيح مكانة الحديث في التشريع، فإنه يوفق بغير تكلف ولاتعسف بين اشتمال القرآن على كل شيء، وتبيانه كل شيء، وأن الله لَمْ يُفَرِّطْ فيه من شيء، وَبَيَّنَ إثبات السنة أحكامًا لم يثبتها القرآن ولم ينفها مع أن أصولها الأولى واردة في القرآن، وإن هذا المذهب المعتدل ليأذن لنا دون تردد، بتسمية الحديث «الأصل الثاني من أصول التشريع في الإسلام»، ولا علينا بَعْدُ أَنْ يُعَدَّ هذا الأصل عند بعضهم مستقلًا
_________________
(١) " الرسالة ":ص ٩١.
(٢) [سورة البقرة، الآية: ١٨٨] و[سورة النساء، الآية: ٢٩].
(٣) [سورة البقرة، الآية: ٢٧٥].
(٤) قارن هذا بقول الطبري في " التفسير ": ١/ ٢٥: «إِنَّ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ القُرْآنِ، عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ، مَا لاَ يُوصَلُ إِلَى عِلْمِ تَأْوِيلِهِ، إِلاَّ بِبَيَانِ الرَّسُولِ ﷺ، وَذَلِكَ تَأْوِيلُ جَمِيعِ مَا فِيهِ، مِنْ وجُوهِ أَمْرِهِ: وَوَاجِبِهِ، وَنَدْبِهِ، وَإِرْشَادِهِ إِلَى آخرِهِ».
[ ٢٩٩ ]
فيما شرعه من أحكام، وعند بعضهم الآخر غَيْرَ ذِي استقلال. وقديمًا قال العلماء وصدقوا: «تَرَكَ الكِتَابُ مَوْضِعًا لِلسُّنَّةِ، وَتَرَكَتِ السُّنَّةُ مَوْضِعًا لِلْقُرْآنِ» (١). ولا غرابة في هذا بعد قول الله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢).
_________________
(١) " الموافقات ": ٤/ ١٦، ١٧.
(٢) [سورة النساء، الآية: ٨٠].
[ ٣٠٠ ]
الفَصْلُ الثاَّنِي: الحَدِيثُ الصَّحِيحُ حُجَّةٌ فيِ التَّشْرِيعِ:
لاَ فَرْقَ بَيْنَ السُنَّةِ وَالكِتَابِ فِي الحَلاَلِ وَالحَرَامِ:
لكأني برسول الله - ﷺ - استشف حجاب الغيب فرأى في القرون من بعده قومًا يفرقون بين كتاب الله وسنة رسوله، ولا يعملون إلا بما نص عليه القرآن وحده، فإذا هو يُصَوِّرُ لنا هؤلاء تصويرًا ينبئنا عن فداحة خطئهم، وضلالهم عن الصراط المستقيم، فيقول: «أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا القُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ» (١).
ويفسر الإمام الشافعي اعتناء النبي نفسه بضم سنته إلى كتاب الله في
الحلال والحرام، وفي كل أمر تشريعي ذي بال، بأن رسول الله - ﷺ - لم يحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولم يحرم إلا ما حرم الله في
_________________
(١) رواه أبو داود والدارمي وابن ماجه من طريق المقدام بن معد يكرب، وقد عد الشاطبي هذا الحديث دليلًا على أن في السنة ما ليس في الكتاب (" الموافقات ": ٤/ ١٥).
[ ٣٠١ ]
كتابه، ثم يؤكد بلهجة جازمة حاسمة أن «جَمِيعَ مَا تَقُولُهُ الأَئِمَّةُ شَرْحٌ لِلْسُنَّةِ، وَجَمِيعُ السُنَّةِ شَرْحٌ لِلْقُرْآنِ» (١). ويكاد غير الشافعي يغلو في تفسير هذه الظاهرة حين يَعُدُّ السُنَّةَ «وَحْيًا يَنْزِلُ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ كَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ، وَيُعَلِّمُهُ إِيَّاهُ كَمَا يُعَلِّمُهُ القُرْآنَ» (٢)، ويصرح أبو البقاء بهذا التفسير حين يقول في " كلياته " (٣) دون تَجَوُّزٍ وَلاَ اتِّسَاعٍ: «وَالحَاصِلُ أَنَّ القُرْآنَ وَالحَدِيثَ يَتَّحِدَانِ فِي كَوْنِهِمَا وَحْيًا مُنَزَّلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ بِدَلِيلِ: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] إِلاَّ أَنَّهُمَا يَتَفَارَقَانِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ القُرْآنَ هُوَ المُنَزَّلُ لِلإِعْجَازِ وَالتحَِّدي بِهِ بِخِلاَف الحَدِيثِ، وَإِنَّ أَلْفَاظَ القُرْآن مَكْتُوبَةٌ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وَلَيْسَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَلاَ لِلْرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أَنْ يَتَصَرَّفَا فِيهَا أَصْلًا. وَأَمَّا الأَحَادِيثُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّازِلُ عَلَى جِبْرِيلَ مَعْنًى صِرْفًا فَكَسَاهُ حلَّةَ العِبَارَةِ».
ولقد نكون أشد ميلًا - من ناحية الوحي - إلى التفرقة بين نزول القرآن على قلب النبي وإلهامه النطق ببعض الأحاديث، ثم نجنح - بسبب هذه التفرقة - إلى استقلال القرآن وحده بظاهرة الوحي على النحو الذي أوضحناه في كتابنا " مباحث في علوم القرآن " (٤)، إذ «كان - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - يُفَرِّقُ بِوُضُوحٍ بَيْنَ الوَحْيِ الذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ وَبَيْنَ أَحَادِيثِهِ
_________________
(١) قارن بـ " قواعد التحديث ": ص ٣٣.
(٢) عزا القاسمي هذا إلى حسان بن عطية في رواية بهذا المعنى ذكرها في " قواعد التحديث ": ص ٣٢.
(٣) " كليات " أبي البقاء: ص ٢٨٨ (المطبعة الأميرية سَنَةَ ١٢٨١ هـ، الطبعة الثانية). وقارن بـ " الإحكام " لابن حزم: ١/ ٩٦.
(٤) راجع من كتابنا هذا بعناية خاصة الفصل الثاني من الباب الأول: ص ٢٢ (مبحث ظاهرة الوحي) الطبعة الثالثة، دار العلم للملايين.
[ ٣٠٢ ]
الخَاصَّةِ التِي كَانَ يُعَبِّرُ عَنْهَا بِإِلْهَامٍ مِنَ اللهِ: فَمَا يَجُولُ فِي نَفْسِهِ مِنْ خَوَاطِرَ وَأَفْكَارٍ كَانَ ذَا صِفَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ مَحْضَةٍ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَخْتَلِطَ بِالكَلاَمِ الرَبَّانِيَّ» (١).
ونؤثر إذًا - لتبيان المعنى «التوفيقي» في الأحاديث النبوية التبليغية - أن نسميها «بالحكمة» كما سماها القرآن في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (٢)، فقد اختار معظم العلماء المحققين أن الحكمة في الآية هي شيء آخر غير القرآن، وهي مجموعة ما أطلع الله عليه رسوله من مقاصد الشرع وتعاليمه وأسراره، التي لا يمكن أن تكون غير سنة الرسول القولية والفعلية، لأن الله أمن على خلقه - كما قال الشافعي - «بِتَعْلِيمِهِمْ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ، فَلَمْ يُجِزْ - وَاللُه أَعْلَمُ - أَنْ يُقَالَ: الحِكْمَةُ هُنَا إِلاَّ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا مَقْرُونَةٌ مَعَ الكِتَابَ، وَأَنَّ اللهَ اِفْتَرَضَ طَاعَةَ رَسُولِهِ، وحَتَّمَ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعَ أَمْرِهِ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِقَوْلٍ: (فُرِضَ) إِلاَّ لِكِتَابَ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ اللهَ جَعَلَ الإِيمَانَ بِرَسُولِهِ مَقْرُونًا بِالإِيمَانِ بِهِ» (٣).
تَفَاوُتُ عِلْمِ الصَّحَابَةِ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ:
ولو رجعنا إلى العصر النبوي لرأينا رسول الله في البيت والمسجد والسوق وساحة المعركة، وفي الحضر والسفر، مُعَلِّمًا للرعيل الأول من
_________________
(١) انظر كتابنا " مباحث في علوم القرآن ": ص ٣٢ وما بعدها.
(٢) [سورة آل عمران، الآية: ١٦٤].
(٣) الرسالة ص ٧٨.
[ ٣٠٣ ]
الصحابة الكرام، يرشدهم بأقواله وأفعاله إلى فهم القرآن في كل نازلة تقع لهم، ولرأينا من عناية أولئك الصحابة بسنته - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - ما لا تدرك العبارة وصفه، حتى كان بعضهم يتناوبون مجلسه يومًا بعد يوم، ينزل هذا يومًا وينزل ذاك يومًا آخر، ثم يخبر كل منهما صاحبه بما سمعه من أقوال رسول الله وتوجيهاته، مخافة أن يفوت أحدهم منها شيء، بعد أن شَوَّقَهُمْ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - إلى العلم وأروى ظمأهم إليه بمثل قوله: «رَحِمَ اللَّهُ امْرُءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» (١).
لكن الصحابة لم يبلغوا جميعًا مرتبة الاجتهاد، بل تفاوتوا في علمهم بسنة الرسول وأقواله، إذ كان فيهم القروي والبدوي، والصانع والتاجر، وفيهم من صحب النبي - ﷺ - مرة واحدة، ومن سمع منه حديثًا واحدًا.
«وَلاَ شَكَّ أَنَّ مَنْ سَمِعَ [مِنْهُمْ] حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللهِ أَوْ عَنْ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ يَعْمَلُ بِهِ حَسْبَ فَهْمِهِ، مُجْتَهِدًا كَانَ أَوْ لاَ، وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّ غَيْرَ المُجْتَهِدِ مِنْهُمْ كُلِّفَ بِالرُّجُوعِ إِلَى المُجْتَهِدِ فَمَا سَمِعَهُ مِنَ الحَدِيثِ، لاَ فِي زَمَانِهِ - ﷺ -، وَلاَ بَعْدَهُ فيِ زَمَانِ الصَّحَابَةِ - ﵃ -. وَهَذَا تَقْرِيرٌ مِنْهُ - ﷺ - بِجَوَازِ العَمَلِ بِالحَدِيثِ لِغَيْرِ المُجْتَهِدِ وَإِجْمَاعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ وَلَوْلاَ ذَلِك لأَمَرَ الخُلَفَاءُ غَيْرَ المُجْتَهِدِ مِنْهُمْ - سِيمَا أَهْلَ البَوَادِي أَنْ لاَ يَعْمَلُوا بِمَا بَلغَهُمْ مِنَ النَّبِي - ﷺ - مُشَافَهَةً أَوْ بِوَاسِطَةٍ حَتَّى يَعْرِضُوا عَلَى المُجْتَهِدِينَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَرِدْ مِنْ هَذَا عَيْنٌ وَلاَ أَثَرٌ» (٢).
_________________
(١) " جامع بيان العلم ": ١/ ٣٩.
(٢) من أقوال الإمام السندي الحنفي، نقلها علم الدين الفُلاَّنِي في (" إيقاظ الهمم "): ص ٩٠. (مطبعة رياض الهند، سَنَةَ ١٢٩٨ هـ).٣٣٣٣
[ ٣٠٤ ]
ولم يكن بُدٌّ - وقد تفاوت علم الصحابة بسنة الرسول - من أن يختلفوا في تعليل بعض الأحكام، وفي ضبط بعض الألفاظ، وفي مقدار موافقتهم للسنة فما اجتهدوا فيه واستنبطوه، إذ «رَأَى كُلُّ صَحَابِيٍّ مَا يَسَّرَهُ اللهُ لَهُ مِنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ وَفَتَاوَاهُ وَأَقْضِيَتَهُ، فَحَفِظَهَا وَعَقَلَهَا، وَعَرَفَ لِكُلِّ شَيْءٍ وَجْهًا مِنْ قِبَلِ حُفُوفِ القَرَائِنِ بِهِ، فَحَمَلَ بَعْضَهَا عَلَى الإِبَاحَةِ، وَبَعْضَهَا عَلَى النَّسْخِ لأَمَارَاتٍ وَقَرَائِنَ كَانَتْ كَافِيَةً عِنْدَهُ، وَلَمْ يَكُنْ العُمْدَةُ عِنْدَهُمْ إِلاَّ وِجْدَانُ الاِطْمِئْنَانِ وَالثَّلَجِ مِنْ غَيْرِ اِلْتِفَاتٍ إِلَى طُرُقِ الاِسْتِدْلاَلِ» (١).
تمر بالنبي وصحابته جنازة، فيقوم لها ويقوم الصحابة معه اقتداءً به، ولكنهم لا يعرفون سر قيامه لها، ولا يكتم أحد الصحابة عجبه، فيقول: يا رسول الله إنها جنازة يهودي، ويجيبه النبي - ﷺ - بقوله: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟!» ثم يردف مُعَلِّمًا مُرْشِدًا: «إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ، فَقُومُوا لَهَا» (٢). وقد اختلف الصحابة في تعليل القيام للجنازة، وتفسير عموم الأمر به للمؤمن والكافر على السواء، فقيل: تعظيمًا لهول الموت: وقيل: إعظامًا للملائكة الحافين بالميت (٣). ولكن مقتضى التعليل بقوله - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا» أن القيام يستحب لكل جنازة (٤).
ويروي عبد الله بن عمر عن النبي - ﷺ -: «إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ
_________________
(١) قارن بـ " حجة الله البالغة ": ص ١١٣ (لولي الله الدهلوي) طبع بمصر سَنَةَ ١٣٤١ هـ.
(٢) الحديث في " الصحيحين " من طريق جابر بن عبد الله مرة، ومن طريق سهل بن حنيف مرة أخرى. وقارن بـ " سنن أبي داود ": ٣/ ٢٧٧ رقم الحديث ٣١٧٤ (باب القيام للجنازة).
(٣) قارن بـ " حجة الله البالغة ": ص ١١٤.
(٤) إلى هذا التعليل ذهب الشوكاني في " نيل الأوطار ".
[ ٣٠٥ ]
أَهْلِهِ عَلَيْهِ» فتقضي عليه عاثشة أم المؤمنين بأنه لم يأخذ الحديث على وجهه، ولم يضبط لفظه، فإنما مَرَّ رسول الله - ﷺ - على يهودية يبكي عليها أهلها، فقال: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا»، فلم يكن العذاب لبكاء أهلها عليها، وليس عذاب كل ميت في قبره معلولًا للبكاء، كما يستنتج من ألفاظ الحديث برواية ابن عمر. بل الحديث - على رواية عائشة - تقرير لمشهد حكاه النبي - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - كما سمعه ورآه، فلا يتضمن حكمًا شرعيًا ولا تعليمًا نبويًا (١).
وقد يقع اجتهاد الصحابي موافقًا للحديث كما في رواية " النسائي " أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ - ﵁ - سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، فَقَالَ: «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقْضِي فِي ذَلِكَ»، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ شَهْرًا وَأَلَحُّوا، فَاجْتَهَدَ بِرَأْيِهِ وَقَضَى فِي ذَلِكَ، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ شَهْرًا وَأَلَحُّوا، فَاجْتَهَدَ بِرَأْيِهِ وَقَضَى بِأَنَّ لَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا لاَ وَكْسَ وَلاَ شَطَطَ، وَعَلَيْهَا العِدَّةُ، وَلَهَا المِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ (*) فَشَهِدَ بِأَنَّهُ - ﷺ - قَضَى بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي امْرَأَةٍ مِنْهُمْ. فَفَرِحَ بِذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَرْحَةً لَمْ يَفْرَحْ بِمِثْلِهَا قَطُّ بَعْدَ الإِسْلاَمِ (٢).
وهكذا اختلفت مذاهب أصحاب النبي - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، وأخذ عنهم التابعون، فحفظ كل ما تيسر له، وعرف مذاهب الصحابة، ووثق بين المختلف منها على ما تيسر له، ورجح بعض الأقوال على بعض، وصار لكل عالم من أئمة التابعين مذهب مستقل، وانتصب في كل بلد
_________________
(١) انظر " حجة الله البالغة ": ص ١١٣.
(٢) قارن بـ " قواعد التحديث ": ص ٣١٤. --------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) ورد في الكتاب المطبوع (معقل بن يسار) والصواب (مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ)، انظر " سنن النسائي " تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: ٦/ ١٢١، حديث رقم ٣٣٥٥، الطبعة الثانية: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، نشر مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب. سوريا.٣٣٣٣
[ ٣٠٦ ]
إمام، واستفتاهم المستفتون، ودارت بينهم المسائل، ورفعت إليهم الأقضية والأحكام (١).
نَشْأَةُ المَذَاهِبِ وَاحْتِجَاجُ أَصْحَابِهَا بِالحَدِيثِ:
وسمع أتباع التابعين فتاوى المفتين، وسألوا عن قضاياهم ومسائلهم في الأمصار، ولم يألوا جُهْدًا في الاجتهاد والاستنباط، وفي القضاء والفتوى، ثم كانت المذاهب، وكثر أتباعها، واستند كل - تأييدًا لرأيه - إلى السُنَّةِ يستنطقها الحكم الصحيح في إيضاح المشكلات، والفصل في النازعات، وَصَرَّحَ أصحاب تلك المذاهب كلها بتعيين العمل بالسنة، ووجوب الاحتجاج بها، وأمسوا - عند اختلاف أحاديث الرسول في مسألة ما - يرجعون إلى أقوال الصحابة لأنهم أقرب إلى نبع الإسلام الأصيل، وأقرب الناس عَهْدًا برسول الله - ﷺ -.
على ان أصحاب المذاهب المشهورة - مهما يزعم الباحثون من تفاوتهم في حفظ الحديث والعلم به - قد أجمعوا كلهم على أن الحديث إذا صح يقدم على القياس والنظر، فما فيهم إمام إلا قال: «إذَا صَحَّ الحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي» أو عبارة تشبه هذه. حتى أبو حنيفة الذي «أَفْرَطَ أَصْحَابُ الحَدِيثِ فِي ذَمِّهِ، وَتَجَاوَزُوا الحَدَّ فِي ذَلِكَ» (٢)، لم يوجه وجهه إلا للعمل بالسنة متى ظفر بها وصحت لديه. وقد فسر الشعراني وجهة نظر أبي حنيفة أدق التفسير حين قال: «وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الذِي أَضَافَ إِلَى الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُقَدِّمُ القِيَاسَ عَلَى النَصِّ، ظَفَرَ بِذَلِكَ فِي كَلاَمِ
_________________
(١) " حجة الله البالغة ": ص ١١٤ بشيء من التصرف.
(٢) هذه عبارة ابن عبد البر في " جامع بيان العلم ": ٢/ ١٤٨.
[ ٣٠٧ ]
مُقَلِّدِيهِ الذِينَ يُلْزِمُونَ العَمَلَ بِمَا وَجَدُوهُ عَنْ إِمَامِهِمْ مِنَ القِيَاسِ، وَيَتْرُكُونَ الحَدِيثَ الذِي صَحَّ بَعْدَ مَوْتِ الإِمَامِ، فَالإِمَامُ مَعْذُورٌ، وَأَتْبَاعُهُ غَيْرَ مَعْذُورِينَ، وَقَوْلُهُمْ: (إِنَّ إِمَامَنَا لَمْ يَأْخُذْ بِهَذَا الحَدِيثِ) لاَ يَنْهَضُ حُجَّةً، لاِحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَظْفَرْ بِهِ أَوْ ظَفَرَ بِهِ لَكِنْ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ» (١).
وربما عذرنا أبا حنيفة في إدخاله الرأي والقياس على الآثار واعتبارهما وَرَدِّهِ كَثِيرًا من أخبار الآحاد، إذا عرفنا أن الكذب على سول الله فشا في عهده فُشُوًّا مُخِيفًا، فكان لزامًا على إمام الرأي أن يتشدد في قبول الأحاديث، ويشترط للعمل بأخبار الآحاد شروطًا غَلاَ في بعضها، فحمل الأئمة على انتقاد بعض [مواقفه]، وعلى ذم مذهبه أحيانًا.
وأهم شروطه في هذا الباب ألا يعارض خبرُ الآحاد الأصول المجتمعة بعد استقراء موارد الشرع، وألا يعارض عمومات القرآن وألا يخالف السُنَّةَ المَشْهُورَةَ، سواء أكانت قولية أم فعلية، وألا يخالف العمل المتوارث بين الصحابة والتابعين دون تخصيص بلد، وألا يعول الراوي على خطه ما لم يذكر مرويه، وألا يعمل الراوي بخلاف حديثه، وألا يترك أحد المختلفين في الحكم من الصحابة الاحتجاج بالخبر الذي رواه أحدهم، وألا يكون الخبر منفردًا بزيادة، سواء أكانت في المتن أم في السند، وألا يكون مما تعم به البلوى (٢).
أما الشافعي فإجلاله للحديث أشهر من أَنْ يُعّرَّفُ بِهِ، فهو القائل: «وَهَلْ لأَحَدٍ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺحُجَّةٌ؟ بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي» (٣).
_________________
(١) " الميزان " للشعراني: ص ٧١.
(٢) قارن بـ " أصول السرخسي ": ١/ ٣٦٤.
(٣) " الميزان " للشعراني: ص ٦٥.
[ ٣٠٨ ]
وهو الذي أفرد في " رسالته " فصلًا برمته لتبيان «الحُجَّةِ فِي تَثْبِيتِ خَبَرَ الوَاحِدِ» (١).
وأما مالك بن أنس فحسبك أنه إمام أهل المدينة، دار السنة المشرفة، وأن كتابه " الموطأ " نمط من الفقه على طريقة أهل الحديث. وقد جاء احتجاجه بالحديث عَمَلِيًّا تَطْبِيقِيًّا، فلن تزيده الأقوال المروية عنه في هذا الصدد إيضاحًا ولا تفصيلًا. وكان مالك - على كل حال - يرى أن خبر الآحاد قطعي يوجب العلم والعمل مَعًا (٢).
وأما أحمد بن حنبل فـ " مسنده " العظيم في الحديث ينبئ عن مكانة السُنَّةِ العُظْمَى لديه في التشريع، وما من ريب في أنه من أكبر حفاظ الحديث، بل كان الحديث أغلب عليه من الفقه، «فَإِذَا وَجَدَ النَّصَّ أَفْتَى بِمُوجَبِهِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى مَا خَالَفَهُ وَلاَ مَنْ خَالَفَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ» (٣).
وإن هذا كله ليؤكد أن كبار الأئمة كانوا يعرفون للحديث مكانته، ويعدونه الأصل الثاني للتشريع، وإنما يختلفون في مدى اطمئنانهم إلى أخبار الآحاد.
الاِحْتِجَاجُ بِخَبَرِ الآحَادِ وَشُرُوطِهِ:
ومن لَمْ يَحْتَجَّ بِخَبَرِ الآحَادِ إلا بشروط - كما صنع أبو حنيفة - كان يلتمس العذر لنفسه فيما ورد من آثار عن الصحابة ربما استؤنس
_________________
(١) انظر " الرسالة ": ص ٤٠١.
(٢) " الإحكام " للآمدي: ١/ ١٠٨.
(٣) " إعلام الموقعين " لابن القيم: ١/ ٣٢، مطبعة النيل، سَنَةَ ١٣٢٥ هـ.
[ ٣٠٩ ]
بها على أن بعضهم لم يكن يعمل بهذا الضرب من الخبر الآحادى: فقد رَدَّ أبو بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة حتى انضم إليه خبر محمد بن مسلمة، وَرَدَّ عمر خبر أبي موسى في الاستئذان حتى انضم إليه أبو سعيد، وَرَدَّ أبو بكر وعمر خبر عثمان في إذن رسول الله - ﷺ - في رد الحكم بن العاص، وَرَدِّ علي خبر أبي سنان الأشجعي في المفوضة، وكان علي لا يقبل خبر أحد حَتَّى يُحَلِّفَهُ سوى أبي بكر، وردت عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله (١).
والحق أن الصحابة احتجوا بخبر الآحاد، وعملوا بمضمونه، وإنما توقفوا في قبول بعضه دَفْعًا للريبة، أو رغبة في اليقن، أو تَوَاصِيًا بالحيطة البالغة في رواية الحديث. ويفسر هذا قول عمر لأبي موسى: «أَمَا إِنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ وَلَكِنَّهُ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -»!. ويزيل اللَّبْسَ في هذا مرة واحدة علمنا بحقيقة الخبر الآحادى، فليس المراد منه ما رواه واحد فقط، بل ما يقابل المتواتر كما أوضحنا في بحث الصحيح (٢)، فانضمام صحابي آخر إلى الصحابي الأول في الروايات المذكورة ليس كافيًا لإخراجها من صفة «الآحادية»، بل لو انضم إلى الصحابي الأول اثنان أو ثلاثة أو حتى جمع كثير لا يؤمن تواطؤهم على الكذب لم تخرج تلك الأخبار عن حَيِّزِ الآحاد. ولهذا قال الآمدي: «وَمَا رَدُّوهُ مِنَ الأَخْبَارِ أَوْ تَوَقَّفُوا فِيهِ إِنَّمَا كَانَ لأُمُورٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ مِنْ وُجُودِ مُعَارِضٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ، لاَ لِعَدَمِ الاِحْتِجَاجِ بِهَا فِي جِنْسِهَا، مَعَ كَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ عَلَى العَمَلِ بِهَا» (٣)، وعلى هذا متى
_________________
(١) " الإحكام " للآمدي: ١/ ٩٤.
(٢) ارجع إلى صفحة ١٥٠ وقارن بـ " شرح النخبة ": ص ٦.
(٣) " الإحكام " للآمدي: ١/ ٩٧. وقارن بـ " إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان " لابن القيم ": ص ١٦٠.
[ ٣١٠ ]
صح الخبر صار أصلًا من الأصول. فلم يكن الباحث بحاجة إلى عرضه على أصل آخر، لأن الأصل الثاني إن وافقه عضده وقواه، وإن خالفه لَمْ يَجُزْ رَدُّ أحدهما لأن هذا من قبيل رد الخبر بالقياس، وهو مرفوض بالاتفاق، فان السُنَّةَ مقدمة على القياس (١). «وَلَوْ أَنَّ امْرُءًا قَالَ: لاَ نَأْخُذُ إِلاَّ مَا وَجَدْنَا فِي القُرْآنِ لَكَانَ كَافِرًا بِإِجْمَاعِ الأُمَّةِ، وَلَكَانَ لاَ يَلْزَمُهُ إِلاَّ رَكْعَةً وَاحِدَةً مَا بَيْنَ دُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ (٢)، وَأُخْرَى عِنْدَ الفَجْرِ، لأَنَّ ذَلِكَ هُوَ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ صَلاَةٍ، وَلاَ حَدَّ لِلأَكْثَرِ فِي ذَلِكَ» (٣).
لكن صحة العمل بخبر الواحد شيء، والقطع به شيء آخر، فالجمهور على أن خبر الواحد الثقة حجة يلزم به العمل (٤)، ويظل هذا النوع من الخبر ظني الدلالة لا يفيد القطع عند أكثرهم (٥)، وذهب قوم، منهم الإمام أحمد، والحارث بن أسد المحاسبي، الحسين بن علي الكرابيسي، وأبو سليمان - وروي عن مالك - إلى أنه قطعي موجب للعلم اليقيني (٦)، حتى قال ابن حزم: «إِنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ العَدْلِ عَنْ مِثْلِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يُوجِبُ العِلْمَ وَالعَمَلَ مَعًا» (٧). ومن هنا
_________________
(١) ذكر نحو هذا ابن السمعاني في كتابه " الاصطلام "، نقله القاسمي في " قواعد التحديث ": ص ٧٧.
(٢) أخذًا من قوله تعالى في سورة الإسراء ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
(٣) " ألإحكام في أصول الأحكام " لابن حزم: ٢/ ٨٠.
(٤) " شرح مقدمة مسلم " (للنووي): ١/ ٦٣.
(٥) عَلَّلَ النووي في (" التقريب ": ص ٤١) عدم قطعية الآحادي ولو كان صحيحًا بقوله: «لِجَوَازِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ عَلَى الثِّقَةِ» وعزا هذا الرأي للأكثرين والمحققين.
(٦) " الإحكام " (للآمدي): ١/ ١٠٨.
(٧) " الإحكام في أصول الأحكام " لابن حزم: ١/ ١١٩ - ١٣٧.
[ ٣١١ ]
تصدى الخطيب البغدادي لنقد هذا الرأي فعقد في " الكفاية " فصلًا للرد على من قال: يجب القطع على خبر الواحد (١). وآخر لذكر شبهة من زعم أن خبر الواحد يوجب العلم، وإبطال تلك الشبهة (٢)، ولم ير في الوقت نفسه مَانِعًا من الإفاضة في التزام العمل بأخبار الآحاد، والاحتجاج على ذلك بما صَحَّ من الروايات، إذ تكلم على ذلك كله في بحث مستقل بعنوان: «ذِكْر بَعْضِ الدَّلاَئِلِ عَلَى صِحَّةِ العَمَلِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ وَوُجُوبِهِ» (٣)، ثم فصل ما يقبل فيه خبر الواحد وما لا يقبل فيه، وانتهى إلى أن هذا الضرب من الخبر لا يقبل في «مُنَافَاةِ حُكْمِ العَقْلِ وَحُكْمِ القُرْآنِ الثَّابِتِ المُحْكَمِ، وَالسُّنَّةِ المَعْلُومَةِ، وَالفِعْلِ الجَارِي مَجْرَى السُّنَّةِ، وَكُلِّ دَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ» (٤).
ولئن دَلَّ هذا على شيء فإنما يدل على مكانة الحديث الصحيح في التشريع ولو رُوِيَ آحاديا، فإنه ليبدو عَسِيرًا، بل شبه مستحيل، أن تروى أخبار العلوم الوضعية، فضلًا على الدينية السماوية، بطرق أدق إسنادًا، وأصدق وَرَعًا، وأكمل أمانة. وأشد حَذَرًا، وأبلغ احتياطًا، وأوسع شهرة واستفاضة وانتشارًا، من أحاديث هذا الرسول العربي العظيم، ولو لم يبلغ معظمها درجة التواتر، ولم نورث أجيال الأمة كلها شعورًا واحدًا - أو متماثلًا - في العلم القطعي اليقيني.
ولذلك لا يضر الخبر الصحيح عَمَلُ أكثر الأمة بخلافه، لأن قول
_________________
(١) " الكفاية في علم الرواية ": ص ١٨ - ٢٠.
(٢) المصدر نفسه: ٢٥، ٢٦.
(٣) نفسه: ص ٢٦.
(٤) نفسه: ص ٤٣٢.
[ ٣١٢ ]
الأكثرين ليس بحجة (١)، ولأن العمل بالحديث خاضع لمقاييس نقدية تتناول - كما أوضحنا (٢) - المتن قبل السند، المضمون قبل الشكل، والمعنى قبل المبنى.
الاِحْتِجَاجُ بِالخَبَرِ المُحْتَفِّ بِالقَرَائِنِ، وَاِسْتِبْعَادِ الضَّعِيفِ:
من أجل هذا لم يكتف المحققون من العلماء بالاحتجاج بما صح سنده من أخبار الآحاد، بل احتجوا أيضًا بالخبر المحتف بالقرائن، وعدوه مفيدًا للعلم (٣)، وجنحوا إلى اعتباره أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، وإن كانوا قد خصوا هذا المزية «بِمَا لاَ يَنْتَقِدُهُ أَحَدٌ مِنَ الحُفَّاظِ ، وَبِمَا لَمْ يَقَعِ التَّجَاذُبُ بَيْنَ مَدْلُولَيْهِ ، حَيْثُ لاَ تَرْجِيحَ لاِسْتِحَالَةِ أَنْ يُفِيدَ المُتَنَاقِضَانِ العِلْمَ بِصِدْقِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لأَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ» (٤).
فإن يقبل الخبر المحتف بالقرائن، وتكن قرائنه هي التي تقويه، فإن للحسن - ولا سيما الحسن لذاته (٥) - من الشبه بالصحيح ما يكاد يدرجه فيه، وما يكاد يُشْرِكُهُ معه في الاحتجاج، وإن كان دونه
_________________
(١) قارن بـ " حصول المأمول من علم الأصول " (لصديق حسن خان): ص ٥٩. مطبعة الجوائب ١٢٩٦ هـ بالقسطنطينية.
(٢) راجع فصل (الحديث بين الشكل والمضمون) من كتابنا هذا: ص ٢٧٥ - ٢٨٨.
(٣) عبارة ابن حجر في " شرح النخبة ": ص ٧: «الخَبَرُ المُحْتَفُّ بِالقَرَائِنِ يُفِيدُ العِلْمَ خِلاَفًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ».
(٤) انظر أيضًا شرح النخبة ٧.
(٥) خصصنا الحسن لذاته بالذكر، لأن حسنه ذاتي قائم فيه، غير ناشئ عن سبب أجنبي آخر كما في الحسن لغيره عندما يعضد ببعض الشواهد والمتابعات. وراجع ما ذكرناه عن الحديث الحسن ص ١٥٦.
[ ٣١٣ ]
قوة ودرجة وإشعارًا باليقين. فلا عجب إذا قال أكثر الأئمة: إن الحسن كالصحيح في الاحتجاج به، فعليه - كما ذكر الخطابي - «مَدَارُ أَكْثَرِ الحَدِيثِ، لأَنَّ غَالِبَ الأَحَادِيثِ لاَ تَبْلُغُ دَرَجَةَ الصَّحِيحِ، وَعَمِلَ بِهِ عَامَّةُ الفُقَهَاءِ، وَقَبِلَهُ أَكْثَرُ العُلَمَاءِ» (١).
بيد أن الذي ينحى عن مدار الاحتجاج، مَكَانًا قَصِيًّا، هو الضعيف بجميع أضربه وصوره، وذلك أمر طبيعي لا يحتاج إلى التفسير، فإن أنواع الضعيف كلها تثير الريبة، سواء أكانت آفتها في المتن أم في الإسناد، ولسنا براجعين كرة أخرى إلى جميع ما وصفناه من المصطلحات الخاصة للضعف لكشف اللثام عن سر الضعف في كل منها على حدة، فما غادرنا مصطلحًا منها إلا ختمناه بالحديث عن المانع الجوهرى من الاحتجاج به، وإنما نود هنا أن نذكر القارئ بالروح النقدي المنهجي الذي ساد أبحاث المحدثين، فحال دون اعتبار أي لون من الضعف، مهما يكن يسيرًا، مصدرًا لحكم شرعي ولا لفضيلة خلقية، على التحقيق (٢). ونود أيضًا أن يظل القارئ على ذكر من اصطلاحات النقاد في التعديل والجرح، وكونها في الجرح أشد منها في التعديل (٣)، ليستيقن أن تلك المقاييس النقدية الدقيقة جعلت جرح الرواة جائزًا بل واجبًا (٤) لتصحيح الحديث الذي يؤخذ به، ولتنقيته من كل شائبة، فما يكون صالحًا للاحتجاج إلا الحديث الذى ثبتت نسبته إلى رواته الصالحين، وأدرك كل من رواه أن هذا الأمر دين!
_________________
(١) قارن بـ " قواعد التحديث ": ص ٨٧ (بيان كون الحسن حجة في الأحكام).
(٢) اقرأ بإمعان بحثنا السابق (رواية الأحاديث الضعيفة والعمل بها) ص: ٢١٠ - ٢١٤.
(٣) أوضحنا ذلك في فصل (شروط الراوي ومقاييس المحدثين) ص: ١٢٦ - ١٤٠.
(٤) " شرح صحيح مسلم " (للنووي): ص ٦٠.
[ ٣١٤ ]
الفَصْلُ الثَّالِثُ: أَثَرُ الحَدِيثِ فِي عُلُومِ الأَدَبِ:
نَشْأَةُ العُلُومِ الإِسْلاَمِيَّةِ فِي ظِلِّ الحَدِيثِ:
كان بعض العلماء يقول: «العُلُومُ ثَلاَثَةٌ عِلْمٌ نَضَجَ وَمَا احْتَرَقَ وَهُوَ عِلْمُ النَّحْوِ وَالأُصُول، وَعِلْمٌ لاَ نَضَجَ وَلاَ احْتَرَقَ وَهُوَ عِلْمُ البَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ، وَعِلْمٌ نَضَجَ وَاحْتَرَقَ وَهُوَ عِلْمُ الفِقْهِ وَالحَدِيثِ» (١). وانه لقول سديد ينبئ عن المراحل التي مرت بها العلوم الإسلامية الكبرى، ويصور النتائج التي انتهى إليها الباحثون بعد الموازنة بين تلك العلوم، وبعد المقارنة بين أصولها المؤصلة، وقواعدها المقررة، ومصطلحاتها الدقيقة.
ولقد جعل صاحب هذه الكلمة كُلًاّ من الفقه والحديث عِلْمًا وَاحِدًا، وأصاب وأحسن صنعًا، لأن فروع الفقه تشعبت عن التراث التشريعي الضخم الذي تركه حديث رسول الله في مختلف أبواب الحياة،
_________________
(١) عزاه السيوطي في " الأشباه والنظائر في النحو ": ١/ ٥ إلى بدر الدين الزركشي في أول قواعده.
[ ٣١٥ ]
سواء أكان هذا الحديث تبيانًا لمجملات القرآن أم أصلًا تشريعيًا مستقلًا بعد كتاب الله. وما من ريب في أن هذا التداخل الوثيق بين الفقه والحديث قد قارب بين خطواتها في طريق التطور، وقارن بين مراحلهما المتعاقبة في سبيل النماء، فما أرسيت أصول الفقه إلا بعد أن وضعت اللبنة الأولى في بناء «علوم الحديث».
وبعد أن مر الحديث والفقه بطور التمهيد والتحضير، اتسع البحث فيهما وتنوع، ودارت حولهما المدارس الفكرية تنتصر للمأثور تارة وللرأي تارة أخرى، فنضجا مَعًا واحترقا مَعًا، وظلت الرابطة وثيقة بينهما لتماثلهما في النشأة الأولى، وتشابههما في خطاهما الكبرى، واستمرار تلاقيهما في خدمة التشريع، وتعبيد الطريق للتحقيق والتدقيق فإن نُرِدْ الآن تسميتهما باسم واحد لا نجد أدق في الدلالة عليهما من لقب (علم الحديث)، وكأنا حينئذٍ نستغني بأحدهما عن الآخر إيماء إلى مكانة الحديث خاصة في مسائل الفقه جميعًا، فلولا الحديث لما كان الفقه عِلْمًا مَذْكُورًا.
إن العلم الذي نضج ثم احترق إذن - من كثرة التصنيف فيه - هو علم الحديث أو «فقه الحديث»، وإن العلوم الأخرى- سواء أنضجت ولم تحترق كأصول النحو أم لم تنضج ولم تحترق كمناهج التفسير- قد تأثرت تأثرًا يتفاوت قوة وضعفًا، واتساعًا وعمقًا، بما وضعه نقاد الحديث من مقاييس، وَأَرْسَوْهُ من قواعد وأصول. ولئن نشأ الفقه في ظل الحديث ثم أضحى جزءًا لا يتجزأ من كله الكبير، فقد وجد التفسير أيضًا طريقه في رحاب الحديث حين عَوَّلَ المفسرون على السنة النبوية في تأويل كتاب الله، وظل التفسير بعد ذلك - كالفقه - جزءًا
[ ٣١٦ ]
من الحديث، حتى استقل علمًا قائمًا بذاته له مناهجه وأصوله، ولكنه - على استقلاله - ما انفك شديد الارتباط بحديث الرسول، ولو في جانب منه على الأقل: وهو جانب التفسير بالمأثور (١).
وهكذا احتج المفسرون بالعلم الذي نضج واحترق - وهو الحديث - تأييدًا للذي لم ينضج ولم يحترق وهو التفسير (٢)، كما احتجوا أيضًا على الفقه بالحديث، فَدَأَبَ الفقهاء المفسرون يحتذون مناهج المحدثين، وطبعت ألوان كثيرة من الفقه والتفسير بطابع الحديث.
تَأْثِيرُ الحَدِيثِ فِي أُصُولِ النَّحْوِ:
بقيت أصول النحو التي نضجت ولم تحترق، فَأَنَّى يكون تأثرها بالحديث؟ وما حاجة النحو - وهو العلم الدنيوي الإنساني - إلى أصل من أصول الدين، ودعامة من دعائم التشريع؟!.
ومن عَجَبٍ أَنَّا، في إجابتنا، نكاد نرى رأي العين تأثير الحديث في النحو وأصوله بنسبة من القوة لا تقل عن تأثير الحديث في الفقه والتفسير، ولكن الزاوية التي ننظر من خلالها الى التأثر والتأثير في هذا المضمار أصيلة مبتكرة ليس فيها شيء من التقليد.
وقبل أن نمضي في توضيح رأينا نود أن نلتزم - تَخَفُّفًا من ثقل
_________________
(١) اقرأ في كتابنا " مباحث في علوم القرآن " فصل (التفسير) ص ٢٨٩، واقرأ منه بإمعان ما يتعلق بالتفسير بالمأثور.
(٢) ولا يمكن أن ينضج ولا أن يحترق، لأنه - لتعلقه بكلام الله - سيظل محتملًا لألوان من التأويل لا تحصى عددًا، مع تصريح أصحابها في كل زمان ومكان بأنهم لم يصيبوا حقيقة المراد بكلام الله العليم الحكيم.
[ ٣١٧ ]
التعبير - أن مرادنا من «النحو» كلما ذكرناه في هذا الفصل أصوله الكبرى التي تشتمل على مسائل لغوية محضة اشتمالها على جزئيات نحوية صرفة: فأصول النحو هذه - على هذا الاصطلاح العام الشامل - هي التي تلقت تأثير الحديث، وأخذت من «منهجيته» الشيء الكثير.
على أن تأثير الحديث في أصول النحو - على اتساعه وعمقه وبعد مداه - كان على وجهين: أحدهما رافق نشأة علم الحديث قبل أن ينضج، والآخر شهد احتراق هذا العلم بعد أن نضج وآتى أكله اليانع الشهي!.
وليس لنا في الوجه الأول أن نغلو في هذا الثأثير ولا أن نطيل، فإنا لنتصور الآن نشأة التفكير بإسناد الحديث سَاذَجًا أَوَّلِيًّا في عصر الخلفاء الراشدين، ثم نتصور نشأة التفكير - سَاذَجًا أَوَّلِيًّا أيضًا - بوضع مسائل في النحو والعربية في عهد عَلِيٍّ آخر هؤلاء الراشدين، ونبصر القوم في هذا المضمار أو ذاك يُعْنَوْنَ بضبط روايتهم التي يستمدون منها مسألة نحوية عنايتهم بضبط التي يستنبطون منها حُكْمًا شَرْعيًّا: فأبو الأسود الدؤلي الذي اشتهر بأنه سبق إلى وضع مسائل في العربية (١) إنما عزا إلى عَلِيٍّ التفكير الأول في ذلك الأمر، وفي عزوه هذا ضرب من الإسناد يؤكد التبكير في إيضاح طريق التحمل والأداء ولو لم يتعلق المروي بموضوع ديني تشريعي. وأبو الأسود، كما نقل عن عَلِيٍّ هذه الرواية وأسندها، أخذ عنه الكثير من فتواه في الدين عَازِيًا إليه ما أخذ أوضح ما يكون العزو والإسناد. فما يُظَنُّ من صعوبة تحديد الوقت
_________________
(١) " البرهان في علوم القرآن " للزركشي: ١/ ٣٧٨.
[ ٣١٨ ]
الذى بدأ فيه الإسناد في رواية الحديث لم ينشأ إلا من قلة الرجوع إلى مصادر الحديث، لأن من العسير نفي تلك الآثار المستفيضة المتضافرة على أخذ بعض الصحابة من بعض، وإسناد أحدهم القول إلى أخيه، وتعضيد القول الواحد بما يثبته من أقوال الصحب الغر الميامين.
والقارئ الذي اطلع على فصلنا السابق عن «الاحتجاج بالحديث في التشريع»، وشهد معنا ما أشهدناه إياه من تناوب الصحابة مجلس النبي - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - لسماع العلم وتحمله وأدائه، ورأى الصور التي انتزعناها له من رواية بعض القوم عن بعض حتى في عصر النبي الكريم، ما نحسبه بحاجة إلى توكيد جديد لممارسة الرواية وما يتصل بها من الأسانيد، وما نحسبه يتردد في الحكم على الصحابة والتابعين بعزوهم الروايات لأصحابها عندما كانوا يحدثون.
تَبْكِيرُ القَوْمِ بِالرِّوَايَةِ المَصْحُوبَةِ بِالإِسْنَادِ:
وحين نقع على أخبار تومئ إلى أن بعض التابعين - كقتادة بن دعامة السدوسي- لم يكن يُسْنِدُ الحديث، تكون هذه الأخبار نفسها شاهدنا في أن معظم التابعين في مختلف الأمصار كانوا للحديث مسندين. ولولا ذلك لما حرص الراوي على استثناء قتادة - أو أي تابعي آخر سواه - من حكم عام لا يجهل أحد أنه - في ذلك العصر- كان يشمل الجميع.
ففي الطبقات الكبرى (١) على سبيل المثال قول حماد بن سلمة:
_________________
(١) " الطبقات الكبرى " لابن سعد: ٧ / ق ٢ - ص ٢.
[ ٣١٩ ]
«كُنَّا نَأْتِي قَتَادَةَ فَيَقُولُ: بَلَغَنَا عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَبَلَغَنَا عَنْ عُمَرَ وَبَلَغَنَا عَنْ عَلِيٍّ. وَلا يَكَاد يُسْنِدُ. فَلَمَّا قَدِمَ حَمَّادُ بْنُ أبي سُلَيْمَانَ البَصْرَةَ جَعَلَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ وَفُلانٌ وَفُلانٌ. فَبَلَغَ قَتَادَةَ ذَلِكَ فَجَعَلَ يَقُولُ: سَأَلْتُ مُطَرِّفًا وَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ. وَحَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَأَخْبَرَ بِالإِسْنَادِ».
وظاهر هذا الخبر: أن قتادة ما أخبر بالإسناد إلا بعد أن أصابته عدوى حماد بن أبي سليمان لدى مقدمه البصرة، وفحوى هذا الخبر: أن كثيرًا من التابعين غير حماد بن أبي سليمان كانوا في أمصارهم يسندون، وهذا هو الذي نهضت به الحجة وقام عليه الدليل.
والحق أنه لم يكن بد للقوم من مُحَرِّضٍ يغريهم بإسناد الروايات أو السؤال عن إسنادها، وما كان إلى هذا الإغراء من حاجة في زمن الرسول ولا الصحابة الأولين، لأن القوم كانوا يصدق بعضهم بعضًا، ولا يكاد واحد منهم يتهم أحدًا، وإنما «كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعِينَ مِنَ الهِجْرَةِ هِيَ الحَدُّ الفَاصِلُ بَيْنَ صَفَاءِ السُنّةِ وَخُلُوصِهَا مِنَ الكَذِبِ وَالوَضْعِ، وَبَيْنَ التَزَيُّدِ فَيهَا وَاتِّخَاذِهَا وَسِيلَةً لِخِدْمَةِ الأَغْرَاضِ السِّيَاسِيَّةِ وَالاِنْقِسَامَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ، بَعْدَ أَنْ اتَّخَذَ الخِلاَفُ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ شَكْلًا حَرْبِيًّا سَالَتْ بِهِ دِمَاءٌ وَأُزْهِقَتْ مِنْهُ أَرْوَاحٌ» (١). فبعد أن وقعت هذه الفتنة بدأ الناس يسألون عن الإسناد، «فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أُخِذُوا حَدِيثَهُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ البِدْعَةِ تُرِكُوا حَدِيثَهُ» (٢)، لأن ما تركته الفتنة من
_________________
(١) انظر " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للدكتور مصطفى السباعي: ص ٨٩.
(٢) انظر " لسان الميزان " (لابن حجر): ١/ ٧. وهذا الخبر منسوب إلى ابن سيرين، وفي أوله يقول: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، [فَلَمَّا] وَقَعَتِ الفِتْنَةُ قَالُوا: [سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ. فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُنّةِ] فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ » الخ.
[ ٣٢٠ ]
سَيِّئَ الآثار في النفوس كان مُحَرِّضًا طبيعيًا يغري كُلًاّ من الجانبين بوضع أحاديث في فضائل أحدهما دون الآخر، حتى قال الأديب الشيعي الكبير ابن أبي الحديد: «اعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ الكَذِبَ فِي أَحَادِيثِ الفَضَائِلِ جَاءَ مِنْ جِهَةِ الشِّيعَةِ » (١).
والمهم أن الرواية المصحوبة بالإسناد عرفت - أول ما عرفت - في نقل سُنَّةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، لما كان لها من أثر في توجيه المسائل الفقهية والتشريعية. ومن عُنِيَ إلى ذلك - في صدر الإسلام - بروايات تتعلق بغير الدين أسند ما نقل كما وسعه الإسناد بألفاظ أقرب ما تكون إلى عفوية الورعين، وأبعد ما تكون عن جفاء اللفظيين من أصحاب الاصطلاح.، وعلى هذا، لم يكن الذين سبقوا إلى وضع مسائل في العربية مِمَّنْ عُدُّوا مؤسسي النحو في نشأته الأولى - بِدْعًا من الصحابة والتابعين الآخرين الذين أسهموا في نقل ما تيسر لهم من أخبار وآثار في مختلف الميادين، لأن أحدًا من هؤلاء وأولئك لم يكن يجد فاصلًا حقيقيًا بين رواة الأخبار بوجه عام ورواة الأحاديث النبوية بوجه خاص.
ونقول مع ذلك: إن التأثير العفوى الطبيعي الذي خَلَّفَهُ الحديث في أصول النحو، يوم فكر القوم في وضع أوائلها، إنما رافق نشأة علم الحديث قبل أن ينضج، فليس لنا أن نبالي فيه، ولا أن نغلو في أبعاده ومراميه، ولكنا - بعد نضج هذا العلم في القرن الثاني، ثم بعد احتراقه في القرن الثالث - مهما نَغْلُ في وصف ما كان للحديث من أثر في النحو وأصوله، وفي مختلف العلوم ومناهجها،
_________________
(١) " شرح نهج البلاغة ": ٢/ ١٣٤.
[ ٣٢١ ]
نَظَلُّ دون إيفاء علم الحديث حقة، فما من تيار فكري إسلامي إلا وله من عدوى الحديث حظ معلوم، إن لم يكن فيما حمله تراث النبوة من وصايا وَحِكَمٍ وتعاليم ففي طرق التحمل والأداء، وشروط الرواية والرواة، ومقاييس النقد والتجريح، وأساليب التصنيف والتخريج، ومعايير الموازنة والترجيح، فهذه كلها دخلت شواهد النحو، وسادت أبحاث اللغة، وارتفعت إلى أخبار الأدب، وتركت في الجميع أصداءها الشداد، عن طريق الرواية والإسناد!
عُلُومُ الأَدَبِ وَتَأَثُّرِهَا بِأَسَانِيدِ المُحَدِّثِينَ:
وتفصيل ذلك أن النحو والصرف ومسائل اللغة كلها شعب من علوم الأدب، فلا يستشهد عليها - كما قال الرعيني (١) - إلا بكلام العرب الأصيل، وهل من سبيل غير الرواية الصحيحة والإسناد الثابت المتصل للوقوف على كلام العرب القدامى الفصحاء؟
وأجمع العلماء - ولعلهم في إجماعهم قد أصابوا - «على أنه لا يحتج بكلام المولدين واالمحدثين في اللغة العربية، (٢)، وحملوا - عن طريق هذا الإجماع - إلى علوم العربية روايات لا ينالها الإحصاء
_________________
(١) هو الرعيني الأندلسي، من علماء المائة الثامنة، ومما قاله في " شرح بديعية زميله ابن جابر ": «علوم الأدب ستة: اللغة والنحو والصرف والمعااني والبيان والبديع، والثلاثة الأولى لا يستشهد عليها إلا بكلام العرب دون الثلاثة الأخيرة فإنه يستشهد عليها بكلام المولدين لأنها راجعة إلى المعاني». انظر " خزانة الأدب " للبغدادي: ١/ ٢٠ (المطبعة السلفية بالقاهرة، ١٣٤٨ هـ).
(٢) " الاقتراح " للسيوطي: ص ٣١.
[ ٣٢٢ ]
فيها كثير من شعر الجاهليين الذين لم يدركوا الإسلام، والمخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، وفيها أحيانًا طائفة من الشعر الإسلامي الذي لم يدرك أصحابه من الجاهلية شيئًا (١). فهل تيسر لأحد منهم أن ينقل تلك الشواهد كلها من غير أن يتأثر، قليلًا أو كثيرًا، بطريقة المحدثين في إسناد الروايات؟.
ربما رفع ههنا بعض الباحثين المعاصرين عقيرتهم لينادوا بنا: بل تأثرت رواية الحديث برواية الشعر وأخبار الشعراء الجاهليين، فإن من الصحابة من أشار إلى أخذ الشعر وتلقيه عن بعض الشعراء قبل الاسلام، حتى قال عمر بن الخطاب لفرات بن زيد الليثي، وقد تمثل بشعر لأخيه: «هَذَا شِعْرُ أَخِيكَ قَسَامَةُ بْنَ زَيْدٍ، هُوَ أَنْشَدَنِيهُ وَعَنْهُ أَخَذْتُهُ» (٢). ولست أدري لماذا يأبى الباحثون - إزاء مثل هذا الخبر إن صح - إلا أن يعدوه دليلًا على إسناد الجاهليين أخبار الشعراء لمجرد كون الشعر المُتَمَثِّلِ به جاهليًا (٣)، لا يرون فيه قط أثرًا مما صنعه الإسلام في مثل عمر من الحرص على عَزْوِ كل قول إلى صاحبه ما دام معروفًا، إيثارًا للصدق والورع والأمانة ومكارم الأخلاق!.
_________________
(١) طبقة الشعراء الإسلاميين لم يمل إلى الاحتجاج بها في علوم اللغة والأدب إلا ثلة من العلماء المحققين، كالبغدادي في " خزانة الأدب ": ١/ ٢٠.
(٢) " الإصابة " (لابن حجر): ٥/ ٢١٦.
(٣) من ذلك أن صديقنا المحقق المفضال الدكتور ناصر الدين الأسد - حين يعرض لهذه الرواية - يعلق عليها بقوله: «والرواية سبيل طبيعية في كل عصر وعند كل أمة، حتى حين تنتشر الكتابة وتذيع. بينما كانت رواية الحديث أمرًا طرأ على العرب بعد الإسلام». (" مصادر الشعر الجاهلي ": ص ٢٥٦).
[ ٣٢٣ ]
وحتى لو عُدَّتْ الشواهد القليلة المروية من هذا القبيل - بأجمعها -حجة على سراية روح الإسناد بين الجاهليين، ولو فرض فوق ذلك كثرتها التي لا تحصى (وليس فقط هذا النزر القليل الذي لم يبلغنا منها سواه)، فمن ذا الذي قال: إن طريقة رواية تلك الشواهد - حتى بعد نضج علم الحديث واحتراقه - ظلت ساذجة أولية على النحو الذي حكيت به قبيل الإسلام أو في عهد الراشدين المهديين؟.
منذ أن اتسع القول في علوم الحديث، ووضعت الأصول الكبرى لمصطلحات الحديث، وشاعت بين الناس تلك القواعد والمصطلحات، بدأ الرواة يحرصون على رواية ما اتصل من الأسانيد، في كل ما أرادوا تعلمه أو تعليمه من الأخبار والسير والأشعار، وإن كانوا في ذلك كله أحرص على الورع والاحتياط في نقل أحاديث الرسول العربي الكريم.
فقد نستنتج إذن أن الناس - في عصر تصنيف العلوم - التزموا الإسناد المتصل في رواية الحديث، أو كانوا أشد التزامًا لاتصال الحلقات في هذا الضرب من الرواية الدينية (١)، ثم من حقنا - بل يجب علينا أيضًا- أن نستنتج أن أولئك الناس أنفسهم كانوا رواة لشواهد اللغة والنحو من الشعر وما كان من قبيله، فكانوا فيها ربما يَتَخَفَّفُونَ شَيْئًا ما من حَرَجِ الرواية الدينية، ولكنهم ما كانوا يتساهلون في شيء من ذلك تساهلهم في الجاهلية، لأن نقاد الحديث تركوا فيهم من الأثر العميق ما لا يزول حتى بالجهد والمعاناة!.
_________________
(١) راجع بوجه خاص ما ذكرناه ص ١٣٤ - ١٣٦.
[ ٣٢٤ ]
الفَصْلُ الرَّابِعُ: الاِحْتِجَاجُ بِالحَدِيثِ فِي اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ:
تَحَرُّجُ الأَئِمَّةِ مِنْ رِوَايَةِ الحَدِيثِ:
إذا كان إمام كالأصمعي يتجنب رواية الحديث حتى «لَمْ يَرْفَعْ مِنْهُ إِلاَّ أَحَادِيثَ يَسِيرَةً» (١)، فذلك يعني أن الخوف من الكذب على رسول - ﷺ - أدركه كما أدرك الرعيل الأول من الرواة العلماء، فاختاروا لأنفسهم السلامة في دينهم ورعًا واحتياطًا، ولا ريب أنهم في رواية الشعر كانوا أسلم منهم في رواية الحديث، مع أن الورع لم يكن يزايلهم قط في رواية غير الحديث: فشعبة بن الحجاج مثلًا من أكبر أئمة الحديث، ويكاد يكون شغله الوحيد رواية السُنَّةِ للناس، ولكنه يميل أحيانًا إلى تزجية الوقت برواية شيء من الشعر، فيتناشد منه الكثير ذات يوم مع أبي زيد سعيد بن أوس، ويعجب لهذا بعض أصحاب الحديث فلا يملكون إلا أن يقولوا لشعبة: «" يَا أَبَا بَسْطَامٍ، نَقْطَعُ إِلَيْكَ ظَهْرَ الإِبِلِ
_________________
(١) انظر " مراتب النحويين " (لأبي الطيب اللغوي): الورقة ٧٤ (عن " مصادر الشعر الجاهلي ": ص ٢٦٠).
[ ٣٢٥ ]
لَنَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَتَدَعُنَا وَتُقْبِلُ عَلَى الأَشْعَارِ! " لَكِنَّ شُعْبَةَ يُجِيبُهُمْ فِي غَضَبٍ شَدِيدٍ: " يَا هَؤُلاَءِ، أَنَا أَعْلَمُ الأَصْلَحَ لِي، أَنَا، وَالذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، فِي هَذَا أَسْلَمُ مِنِّي فِي ذَاكَ "» (١).
وإنما كان الرواة في إقبالهم على الأشعار أسلم منهم في انكبابهم علي الأحاديث، لأنهم - عند رواية السُنَّةِ - تغلب عليهم صفة «التحديث» التي تستدعي التحقيق والتدقيق، فيعنون بألفاظ المتون (٢) عنايتهم بسلسلة الأسانيد، وهم في رواية الأشعار أيضًا يفضلون الدقة البالغة والحذر الشديد، ويتأثرون من غير أن يشعروا بصفة «التحديث» إلا أنهم لا يستسلمون أمامها استسلامًا مطلقًا، فإن لهم في الأعاريض لمندوحة عن الكذب، كما قال الصحابي عمران بن حصين عندما قدم البصرة وأكثر فيها من رواية الأشعار بدلًا من الأحاديث، مع أنه كان يقسم: إنه لو شاء لحدث عن رسول الله - ﷺ - يومين متتابعين (٣)!.
الاِحْتِجَاجُ بِالحَدِيثِ فِي اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ:
أفلا تعجب - بعد هذا كله - كيف احتج معظم النحاة المتقدمين برواية الأشعار، ورفضوا الاحتجاج بالحديث؟ ألا تأخذك الدهشة وأنت تراهم يقبلون على الروافد الصغيرة ويتركون النبع مهجورًا؟.
لا نقول: إن رواة الأخبار الأولين كانوا كذابين أو وضاعين، بل لا نقول: إنهم جميعًا في رواية الأشعار كانوا متساهلين، وما نظن
_________________
(١) قارن " الطبقات الكبرى ": ٧ / ق ٢ - ٣٨ بـ " نزهة الألباء ": ص ٨٩، ٩٠.
(٢) راجع ما أوضحناه عن رواية الحديث باللفظ ص ٨٠ وما بعدها.
(٣) " الطبقات الكبرى ": ٤ / ق ٢ - ٢٦.
[ ٣٢٦ ]
إلا أنهم حاولوا ما وسعهم الأمر أن يكونوا في كل ما يَرْوُونَ صادقين حذرين محتاطين، ولكن حزم أهل الحديث لم يكن يدركهم إِذَا أَرْسَلُوا مُسْنَدًا، أَوْ أَسْنَدُوا مُرْسَلًا، أو قطعوا موصولًا، أو وصلوا مقطوعًا، أو أدخلوا رواية في رواية، فإن لهم عذرهم على كل حال، وإنما يتمثل هذا العذر في أخذ معظمهم أخبار الأدب وشواهد النحو واللغة من رجال لم يشهدوا العصر الجاهلي، فلا عليهم إذا سقطت بعض حلقات الإسناد، ولا ضير - حين تسقط هذه الحلقات - في سد الفجوات، وملء الفراغات، وتدليس التسوية (١) تعويضًا لشخص بآخر يعاصره، وترميمًا لسلسلة الإسناد حتى تخلو من الانقطاع!.
ولا نقول مع ذلك: كان رواة الأشعار وضاعين، ولا متساهلين، ولا متعمدين للتمويه والتدليس، فقد أَخَذَهُمْ من عدوى أهل الحديث ما أَخَذَهُمْ، وقد كان في تهربهم نفسه من رواية الحديث أوضح دليل على تأثرهم بمصطلحات المحدثين، وخوفهم من عصا المؤدب الذي لا يرحم، ومن شبحه الغالي في الرصانة، المبالي في الحذر، الذى يريد ليكون تلامذته كلهم في كل ما يَرْوُونَ من شؤون الدنيا أو أصول الدين أصدق الناس لهجة، وأصرحهم وجهًا، وأخلصهم حديثًا.
لكنا نعجب مرة أخرى للنحاة الأولين: كيف طَوَّعَتْ لهم أنفسهم أن يهجروا حديث الرسول وهم يحتجون، ويلتمسون الشواهد لما يُبَوِّبُونَ وَيُفَصِّلُونَ، مع أنهم كانوا يعلمون علم اليقين أن شروط المحدثين في المشافهة والإسناد تضمن لهم أصدق الأخبار وأقومها قِيلًا!
_________________
(١) ارجع إلى بحث المدلس، واقرأ منه بوجه خاص ما يتعلق بتدليس التسوية: ص ١٧٢.
[ ٣٢٧ ]
يفسر بعض الباحثين المعاصرين هذا الموقف العجيب أدق تفسير وأوفاه حين يقول: «ولكن ذلك - أي الاحتجاج بالحديث - لم يقع كما ينبغي، لانصراف اللغويين والنحويين المتقدمين الى ثقافة ما يزودهم به رواة الأشعار خاصة، انصرافًا استغرق جهودهم، فلم يبق فيهم لرواية الحديث ودرايته بقية، فتعقلوا لعدم احتجاجهم بالحديث بعلل، كلها وارد بصورة أقوى على ما احتجوا به هم أنفسهم من شعر ونثر» (١).
لِمَاذَا مَنَعُوا الاِحْتِجَاجَ بِالحَدِيثِ؟:
وأقوى ما تَعَلَّلَ به مانعو الاحتجاج بالحديث أنهم لم يثقوا بأن تلك المرويات المتعددة المتكاثرة كلها من لفظ النبي - ﷺ - أفصح العرب قاطبة، و«إنما ترك العلماء ذلك - كما يقول أبو حيان الأندلسي - لعدم وثوقهم أن ذلك لفظ الرسول - ﷺ -، إذ لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن في إثبات القواعد الكلية» (٢). ويفسر أبو حيان موقف المانعين بأمرين: أحدهما تجويز الرواة نقل القصة الواحدة بألفاظ مختلفة مع أن النبي - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - لم ينطق بتلك الألفاظ جميعًا، وإنما أتى أولئك الرواة بالمرادف ولم يأتوا باللفظ النبوى الفصيح (٣)، والآخر وقوع كثير من اللحن فيما روي من الحديث «لأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الرُّوَاةِ كَانُوا غَيْر عَرَبٍ
_________________
(١) " أصول النحو " للأستاذ سعيد الأفغاني: ص ٤١.
(٢) ذكره السيوطي في " الاقتراح ": ص ١٦. وقارن بـ " كشف الظنون ": ص ٤٠٥ - ٤٠٧.
(٣) مثل لذلك أبو حيان بحديث «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ»، وفي الرابعة: «أَمْلَكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ».
[ ٣٢٨ ]
بِالطَّبْعِ، وَلاَ يَعْلَمُونَ لِسَانَ العَرَبِ بِصِنَاعَةِ النَّحْوِ، فَوَقَعَ اللَّحْنُ فِي كَلاَمِهِمْ وَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ» (١).
الرد كل المانعين:
-----------------
والحق أن تجويز الرواية بالمعنى قد أحيط - عِنْدَ المُجَوِّزِينَ - بشروط لم تتوافر إلا في الصحابة والتابعين وكبار أئمة الفقهاء والرواة ممن كانت لغتهم سليقة، وَجِبِلَّتِهِمْ عربية، فلو غَيَّرَ أَحَدُهُمْ - وهو العربي المطبوع - لفظًا بلفظ آخر مرادف له، لكان على النحاة تفضيله على غيره من كلام العرب، لأن تقلب صاحبه في البيئات العربية الفصحى لا يسمح قط بالتردد في قبوله والأخذ به، لذلك قال الإمام أحمد بن حنبل في الشافعي: «إِنَّ كَلاَمَهُ فِي اللُّغَةِ حُجَّةٌ» (٢).
هذا على فرض رواية أولئك الأسلاف الصالحين على المعنى، وعلى فرض تساهلهم جميعًا في الحديث المرفوع كتساهلهم في غيره، ثم على فرض الإجماع على إباحة الرواية بالمعنى إطلاقًا للجميع في عصر الرواية والتدوين، ولكن الواقع خلاف هذا من كل وجه: فالرعيل الأول من الرواة كانوا يتشددون في الرواية باللفظ والنص، ولا يتساهلون حتى بالواو والفاء، وَكَانَ أَحَبُّ إِلَى أَحَدِهِمْ - كَمَا قَالَ الأَعْمَشُ -: «أَنْ يَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ أَنْ يَزِيدَ فِي الحَدِيثِ وَاوًا، أَوْ أَلِفًا، أَوْ دَالًا» (٣)، وما أكثر الأمثلة التي تشير إلى تردد الراوي بين لفظين حرص الراوي
_________________
(١) قارن بـ " الاقتراح ": ص ٢١.
(٢) " الاقتراح " أيضًا: ص ٢٤.
(٣) " الكفاية ": ص ١٧٨، وقارن بما أوضحناه ص ٨٠ - ٨٢.
[ ٣٢٩ ]
نفسه على التصريح بكل منهما مخافة أن يلفظ بغير لفظ النبي - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -! (١).
ومن الأئمة من تشدد في منع الرواية بالمعنى في الحديث المرفوع إلى النبي، وإنما كانوا يتساهلون في الموقوف على الصحابي، والمقطوع عند التابعي، لأنهم كانوا يعتقدون أن التحفظ الكامل ينبغي أن يكون في حديث رسول الله نفسه، لما له من مكانة في التشريع (٢).
وقد رأينا كيف منع بعض المحققين من العلماء غير الصحابة من رواية الحديث بالمعنى، وإن استوفوا مراد الرسول - ﷺ - لدى تبديل لفظه بمرادفه، وعقلوا هذا بأن الإباحة لو أطلقت لما كان أحد على ثقة من الأخذ بالحديث (٣)، ولا ريب أن فرص الرواية على المعنى - بعد هذا التشدد كله، وهذا التضييق من كل جانب - أمست قليلة بل نادرة الوقوع، وأن هذا الضرب من الرواية - على فرض وقوعه - كان مقصورًا بعد عصر التدوين على العالم بالنحو والصرف العارف بمدلولات الألفاظ ومقاصدها، القادر على أداء الحديث خاليًا من اللحن فإن النبي - ﷺ - لم يكن يلحن، فمن روى عنه شيئًا ولحن فيه كذب عليه، وتبوأ مقعده من النار (٤).
_________________
(١) كما في حديث سعد بن أبي وقاص: وقال - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» - أَوْ كَبِيرٌ -، فالراوي لشكه يثبت اللفظ بالثاء المثلثة والراء الموحدة. (انظر " دليل الفالحين ": ١/ ٤٦). ومثله حديث أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري الذي أوله قوله - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «الطَّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ». فإن فيه بعد ذلك «وَسُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنِ - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ». فقد شك الراوي هل العبارتان كلتاهما تملآن - بالتثنية - أم تعدان عبارة واحدة (تَمْلأُ) بالإفراد، فأثبت الراوي اللفظين ورعًا واحتياطًا (" دليل الفالحين ": ١/ ١٣٠).
(٢) كما نقل البيهقي في " مدخله " عن الإمام مالك. وانظر " الباعث الحثيث ": ص ١٥٨.
(٣) راجع ص ٨٤.
(٤) قارن بـ " اختصار علوم الحديث " (لابن كثير): ص ١٩٢.
[ ٣٣٠ ]
وإن طائفة غير يسيرة من الأحاديث التي فيها ما يشبه اللحن لتفسر - في نظرنا أحيانًا كثيرة - بتحرج الرواة واحتياطهم في التحمل والأداء، فكان بعضهم - لشدة أمانته - يلحن كما يلحن الراوي ما دام اللفظ الذي يرويه لا يحيل المعنى ولا يفسده (١)، ومن هاهنا نادى أهل التحقيق بوجوب رد الحديث إلى الصواب، إذا كان راويه قد خالف موجب الإعراب! (٢) فمن ذلك أَنَّ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ الحُلْوَانِيِّ قَالَ: «مَا وَجَدْتُمْ فِي كِتَابِي، عَنْ عَفَّانَ لَحْنًا فَأَعْرِبُوهُ، فَإِنَّ عَفَّانَ كَانَ لاَ يَلْحَنُ» وَقَالَ عَفَّانُ: «مَا وَجَدْتُمْ فِي كِتَابِي، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ لَحْنًا فَأَعْرِبُوهُ، فَإِنَّ حَمَّادًا كَانَ لاَ يَلْحَنُ» وَقَالَ حَمَّادٌ: «مَا وَجَدْتُمْ فِي كِتَابِي عَنْ قَتَادَةَ لَحْنًا فَأَعْرِبُوهُ، فَإِنَّ قَتَادَةَ كَانَ لاَ يَلْحَنُ» (٣).
خلاصة البحث:
---------------
وإن هذه المقاييس التى أخذ بها المحدثون أنفسهم لدى رواية المتون - إلى جانب ما التزموه من دقة بالغة لدى رواية الأسانيد - لتؤكد تأكيدًا قاطعًا أن مانعي الاحتجاج بالحديث من اللغويين والنحويين المتقدمين ارتكبوا خطأ جسيمًا حين تَعَلَّلُوا بأن مرويات الحديث لا تؤنس الثقة بأنها من لفظ النبي العربي الكريم: فإن هؤلاء المانعين أنفسهم عرفوا - كما عرف المجيزون - «أَنَّ مَا فِي رِوَايَاتِ الحَدِيثِ مِنْ ضَبْطِ
_________________
(١) " الكفاية ": ص ١٨٦. وقد روي هذا عن الإمام محمد بن سيرين.
(٢) " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع " للخطيب: ٦/ ١٠٣ وجه ١.
(٣) انظر كتاب " ألف باء " للبلوي: ١/ ٤٤.
[ ٣٣١ ]
وَدِقَّةٍ وَتَحَرٍّ لاَ يَتَحَلَّى بِبَعْضِهِ كُلُّ مَا يَحْتَجُّ بِهِ النُحَّاةُ وَاللُّغَوِيُّونَ مِنْ كَلاَمِ العَرَبِ» (١).
على أنا نلتمس بعض العذر للمتقدمين من أولئك اللغويين والنحويين - إن لم نعلل بما تعللوا به من الريبة في الحديث - فنرى «شُحَّ المَوْرِدِ» (٢) وندرة الرواية، وقلة التصنيف، من أقوى الأسباب التي حملت القوم على «انْتِجَاعِ الجَدْبِ فِي غَيْرِ الحَدِيثِ وَالخَصْبُ مُحِيطٌ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ» (٣). فيما صحت يومئذٍ روايته عن رسول الله - ﷺ -.
وفي ضوء هذا التفسر، يمكننا أن نفهم سر الامتناع عن الاحتجاج بالحديث، الذي عَزَوْهُ إلى واضعي النحو الأولين أبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر والخليل وسيبويه من الأئمة البصريين، والكسائي والفراء وعلي بن مبارك الأحمر وهشام الضرير من أئمة الكوفيين (٤). كما أنا، في ضوء هذا التفسير نفسه، يمكننا أن نفهم سِرَّ احتجاج المتأخربن من اللغويين بأحاديث الرسول في معجماتهم التي اشتملت على أنقى الألفاظ وأفصحها مصحوبة بشروحها وشواهدها، كما في " تهذيب " الأزهري، و" صحاح " الجوهري، و" مقاييس " ابن فارس، و" فائق " الزمخشري، وكما في مسائل كبار النحويين كابن خروف وابن جني وابن بري والسهيلي، حتى قال ابن الطيب من أصحاب هذا المذهب (٥):
_________________
(١) " أصول النحو ": ص ٤٧.
(٢) هذه عبارة الأستاذ سعيد الأفغاني في " أصول النحو ": ص ٤٥ وهي عبارة دقيقة تصور الواقع النفسي للرعيل الأول من الرواة.
(٣) المصدر السابق: ص ٤٥.
(٤) " الاقتراح ": ص ٢١.
(٥) بحث (الاستشهاد بالحديث) للسيد محمد الخضر حسين في " مجلة مجمع اللغة العربية ": ٣/ ١٩٩.
[ ٣٣٢ ]
«لا نعلم أحدًا من علماء العربية خالف في هذه المسألة ما أبداه الشيخ أبو حيان (- ٧٤٥ هـ) في " شرح التسهيل "، وأبو الحسن [ابن] الضائع (- ٦٨٠ هـ) في " شرح الجمل "، وتابعهما على ذلك الجلال السيوطي (- ٩١١ هـ)».
«وأغلب الظن - كما يقول الأستاذ سعيد الأفغاني -: أن من لم يستشهد بالحديث من المتقدمين لو تأخر به الزمن إلى العهد الذي راجت فيه بين الناس ثمرات علماء الحديث من رواية ودراية لقصروا احتجاجهم عليه بعد القرآن الكريم، ولما التفتوا قط إلى الأشعار والأخبار التي لا تلبث أن يطوقها الشك إذا وزنت بموازين فن الحديث العلمية الدقيقة» (١).
وبهذا المذهب المنطقي السليم لا نملك إلا أن نرد قضية الاحتجاج إلى معيار لا يخطئ أبدًا: وهو معيار الفصاحة والصفاء والسلامة من الفساد، فلا يحتج في الحديث ولا في غيره بمن لابس الضعف لغته، وخالطت العجمة كلامه، وتسربت الركة إلى لفظه مهما يَسْمُ مقامه. وكان هذا المعيار الدقيق كفيلًا - لو عرفه اللغويون المتقدمون في وقت مبكر - بإرساء قواعد اللغة وأصول النحو على دعائم ثابتة قوية، وبقطف ثمار تلك الأصول في نتاج نحوي غني بالشواهد كنتاج ابن مالك وابن هشام، من رجال النحو المتأخرين وأئمته الأعلام.
_________________
(١) " أصول النحو ": ص ٤٩.
[ ٣٣٣ ]