المبحث الأول: تعريف الإسناد
المبحث الأول: تعريف الإسناد
الإسناد في اللغة: مصدر أَسْنَدَ. تقول: أَسْنَدَ في الجِبل: صَعِد فيه (١) .
والسَّنَدُ لغةً: ما قابلك من الجبل، وعلا عن السفح (٢) .
فالإسناد في اللغة: هو عملية الصعود في ذلك السند.
وفي الاصطلاح: حكاية طريق المتن (٣) . وقال بعض العلماء: "هو رفع الحديث إلى قائله" (٤) ومعناهما واحد.
وطريق المتن يسمى: السَّنَد (٥)، وهم الرواة الذين نقلوا ذلك المتن. وسُمِّي سندًا، لاعتماد الحفاظ عليه في الحكم على المتن بالصحة أو الضعف (٦)، مثال ذلك:
قول الإمام البخاري في صحيحه: "حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يُؤْمِنُ أَحدكُم حتى يُحبَّ لأَخيهِ ما يحبُّ لِنفْسِهِ" (٧) .
_________________
(١) انظر: القاموس المحيط: (ص٣٧٠)، ولسان العرب: (٣/٢٢١) .
(٢) المصدران السابقان.
(٣) نزهة النظر للحافظ ابن حجر: (ص٣٤)، وفتح المغيث للسخاوي: (١/١٤) .
(٤) المنهل الروي في علوم الحديث النبوي لبدر الدين بن جماعة: (١/٨١)، والخلاصة في أصول الحديث للطيبي: (ص٣٣) .
(٥) انظر: فتح المغيث للسخاوي: (١/١٤) .
(٦) انظر: المنهل الروي في علوم الحديث النبوي لبدر الدين بن جماعة: (١/٨١)، والخلاصة في أصول الحديث للطيبي: (ص٣٣) .
(٧) صحيح البخاري: (كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ١/١٢ رقم ١٣) .
[ ٥ ]
فالمتن قوله ﷺ: "لايؤمن أحدكم " الحديث.
والسند هم رواة المتن: مسدد، يحيى، شعبة، قتادة، أنس.
والإسناد هو قول البخاري: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ (١) .
والعلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي ظاهرة، حيث إن عملية الصعود من أسفل الجبل إلى أعلاه يتطلب التدرج في الصعود شيئا فشيئا إلى أن يصل إلى أعلاه، وكذلك إسناد الحديث إلى قائله يبدأ الراوي به من شيخه ثم شيخ شيخه وهكذا يرتقي من شيخ إلى آخر حتى يصل إلى منتهاه.
والإسناد بهذا المعنى هو المراد بقول بعض العلماء: "الإسناد من الدين" وقولهم: "الإسناد من خصائص هذه الأمة" كما سيأتي في المباحث الآتية.
ويأتي الإسناد -أيضًا- بمعنى السند يقال: هذا حديث له إسنادان.
يعني: له طريقان (٢)، والسياق يبين المراد.
_________________
(١) انظر: توجيه النظر لطاهر الجزائري: (ص٢٥)، والإسناد من الدين لأبي غدة: (ص١٤) .
(٢) انظر: المنهل الروي لابن جماعة (ص٨١)، وتوجيه النظر للجزائري: (ص٢٥) .
[ ٦ ]
المبحث الثاني: الإسناد من خصائص الأُمة الإسلامية
أكرم الله ﷿ الأُمَّة الإسلامية بخصائص كثيرة (١)، فضلها بها على غيرها من الأمم، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] .
وقال رسول الله ﷺ: "أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله". رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وإسناده حسن (٢) .
ومما خص الله ﷿ به هذه الأمة: الإسناد، نقل الثقة، عن الثقة حتى يبلغ به النبي ﷺ. هذه الخَصيْصة انفردت بها هذه الأمة، وامتازت بها عن غيرها من الأمم. روى الخطيب البغدادي، عن محمد بن حاتم بن المظفر أنه قال: "إن الله أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد، وإنما هي صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، وليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل مما جاءهم به أنبياؤهم وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات " (٣) .
_________________
(١) انظر: (كتاب كشف الغمة ببيان خصائص رسول الله ﷺ والأُمة) لأبي الحسن مصطفى بن إسماعيل: (ص٤٢١-٥٦٤) .
(٢) رواه الإمام أحمد في المسند: (٣٣/٢١٩ رقم ٢٠٠١٥)، والترمذي: (٥/٢٢٦ رقم ٣٠٠١)، وابن ماجه: (٢/١٤٣٣ رقم ٤٢٨٨)، وحسنه الترمذي والألباني في صحيح الترمذي (رقم ٢٣٩٩) وصحيح ابن ماجه: (رقم ٣٤٦١) .
(٣) شرف أصحاب الحديث: (ص٤٠)، وفتح المغيث للسخاوي: (٣/٣٣١) .
[ ٧ ]
وقد صرح بذلك أيضًا: أبو محمد أحمد بن علي بن حزم، وأبو بكر بن العربي وغيرهما (١) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "علم الإسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد ﷺ، وجعله سُلَّمًا إلى الدراية، فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات، وهكذا المبتدعون من هذه الأُمَّة أهل الضلالات، وإنما الإسناد لِمَنْ أعظم الله عليه المِنَّة، أهل الإسلام والسُّنَّة، يُفرقون به بين الصحيح والسقيم، والمُعْوَجِّ والقويم " (٢) .
ومما يوضح ذلك ما قام به العلاَّمة رحمت الله الهندي في كتابه الماتع: "إظهار الحق" حيث عقد فصلًا في بيان أن أهل الكتاب لا يوجد عندهم سند متصل لكتاب من كتب العهد العتيق والجديد.
وقد استعرض جملة من كتبهم بدءًا بالتوراة ومرورًا بالأناجيل المشهورة عندهم، في دراسة نقدية دقيقة تقع في (٥٩) صفحة، ختمها بقوله: "فظهر مما ذكرت للناظر اللبيب أنه لا يوجد سند متصل عندهم لا لكتب العهد العتيق، ولا لكتب العهد الجديد " (٣) .
وقد أدرك المسلمون ولله الحمد – منذ الصدر الأول أهمية الإسناد، وقَدَّروا هذه النعمة حق قدرها فعملوا على العناية بالأسانيد، والتزام الرواية بها، وذم من يتساهل بها أو يفرِّط فيها، فعظم النفع بها، وأثمرت تلك العناية ثمارًا يانعة، كما سيأتي في المباحث اللاحقة إن شاء الله.
_________________
(١) انظر: الفِصَل في الملل والأهواء والنِّحل لأبي محمد بن حزم: (٢/٨٢-٨٣)، وفهرس الفهارس والأثبات للكَتاني: (١/٨٠) .
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: (١/٩)، وانظر أيضًا: منهاج السنة النبوية له: (٧/٣٧) .
(٣) انظر: إظهار الحق: (١/١٠٩-١٦٧) .
[ ٨ ]
المبحث الثالث: أهمية الإسناد وعناية العلماء به
تقدم في المبحث السابق أن الإسناد خَصِيْصَة من خصائص هذه الأمة، وأن الأُمم السابقة لم يعتنوا بالأسانيد، ولم يعتمدوا في أخذ دينهم على نقل الثقة، عن الثقة، لذلك وقع التحريف في كتبهم، وأُدخل عليهم في دينهم ما ليس منه (١) .
وقد أرشدنا الله ﷿ في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله الأمين ﷺ إلى تحري الصدق والحذر من الكذب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] .
وقال رسول الله ﷺ: "من كذب عليَّ متعمدًا فَلْيتبوَّأْ مقعده من النار". رواه البخاري ومسلم (٢) .
وقال رسول الله ﷺ: "من حدث عنِّي بحديث يُرَى أنه كذبٌ فهو أحد الكاذِبِين" رواه مسلم في مقدمة صحيحه (٣) .
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لشيخ الإسلام ابن تيمية: (١/٣٥٦-٣٨١)، وإظهار الحق لرحمت الله الهندي: (٢/٤٢٥-٦٢٥) .
(٢) صحيح البخاري: كتاب العلم باب إثم من كذب على النبي ﷺ (١/٣٣ رقم ١٠٧-١١٠)، وصحيح مسلم: المقدمة: باب تغليظ الكذب على رسول الله ﷺ ١/٩-١٠، وفي كتاب الزهد: باب التثبت في الحديث ٤/٢٢٩٨ رقم ٣٠٠٤) .
(٣) صحيح مسلم: المقدمة باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين (١/٩) .
[ ٩ ]
ولا سبيل إلى تحري الصدق في نقل الأخبار والابتعاد عن الكذب إلا بالاعتماد على رواية الثقات، وطرح رواية غيرهم.
وقد حرص سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم على التحري في نقل الأخبار، ومواقفهم وكلامهم في هذا المعنى كثير.
فمن ذلك: أن بُشَير بن كعب العدوي جاء إلى عبد الله بن عباس ﵄ فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله ﷺ. قال رسول الله ﷺ. فجعل ابن عباس ﵁ لا يأذَنُ لحديثه (١)، ولا ينظر إليه، فقال: يا بن عباس، مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ أُحدِّثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع؟! فقال ابن عباس ﵁: إنَّا كُنَّا مَرَّةً إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله ﷺ، ابتدَرَتْه أبصارُنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما رَكِبَ الناس الصعبَ والذلول (٢)، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف. رواه مسلم في مقدمة صحيحه (٣) .
ويوضح قول ابن عباس هذا ما قاله محمد بن سيرين ﵀: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سَمُّوا لنا رجالكم، فَيُنْظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" (٤) .
وهذا يبين أن الحديث لما كان يدور بين الصحابة ﵃، ويُحدِّث بعضهم بعضًا لم يكونوا يحتاجون أن يسألوا عن الإسناد؛ لأن الصحابة ﵃ كلهم عدول (٥) .
_________________
(١) "لا يأذن لحديثه": لا يستمع إليه. كما في النهاية لابن الأثير: (١/٣٣) .
(٢) يعني: سلكوا كل مسلك مما يُحمد ويُذم. قاله النووي في شرح صحيح مسلم: (١/٨٠) .
(٣) صحيح مسلم: (المقدمة، باب النهي عن الرواية عن الضعفاء ١/١٣) .
(٤) صحيح مسلم: (المقدمة، باب إن الإسناد من الدين ١/١٥) .
(٥) انظر: الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي: (ص٩٣)، وعلوم الحديث لابن الصلاح: (ص٤٢٧) .
[ ١٠ ]
فلما فتحت الفتوحات وانتشر الإسلام بعد وفاة الرسول ﷺ، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، منهم من دخل فيه رغبة، ومنهم من دخل فيه رهبة، ومنهم من أظهر الإسلام لكيد المسلمين وبث الفرقة والشقاق بينهم كعبد الله ابن سبأ اليهودي، الذي أظهر الإسلام في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁، وكان له دور كبير في إشعال الفتن في آخر خلافته، مما أدى إلى استشهاده ﵁، وما أعقب ذلك من فتن (١) .
لذلك احتاط الصحابة والتابعون في قبول الأخبار فلم يقبلوها إلاّ ممن عرفوا صدقه وعدالته، كما تقدم في قول ابن عباس ﵄، وقول ابن سيرين ﵀.
وقد سلك مسلكهم في الاحتياط في قبول الأخبار من جاء بعدهم من علماء أهل السنة من أتباع التابعين ومن بعدهم، واعتنوا بالأسانيد أيَّما عناية: فرحلوا في طلبها، وحفظوها، وحدثوا بها كما سمعوها، وحثوا تلاميذهم على العناية بها، وحذروهم من التساهل فيها، وتكلموا فيمن أخلَّ بها، وأقوالهم وتصرفاتهم ناطقة بذلك.
قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري ﵀: "فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له - يعني أهل الحديث - وكثرة مواظبتهم على حفظه؛ لدَرَسَ منارُ الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع منه بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تَعرَّت عن وجود الأسانيد فيها كانت بُتْرًا" (٢) .
_________________
(١) انظر: كتاب: ابن سبأ حقيقة لا خيال للدكتور سعدي الهاشمي، وكتاب: عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام للدكتور سليمان بن حمد العودة.
(٢) معرفة علوم الحديث: (ص٦) .
[ ١١ ]
ثم روى بإسناده: "عن عتبة بن أبي حكيم أنه كان عند إسحاق بن أبي فروة، وعنده الزهري (١)، قال: فجعل ابن أبي فروة يقول: قال رسول الله ﷺ. قال رسول الله ﷺ. فقال له الزهري: قاتلك الله يا بن أبي فروة، ما أجرأك على الله! لا تُسْندُ حديثك؟! تحدثنا بأحاديث ليس لها خُطُم ولا أَزِمَّة" (٢) .
شبَّه الأسانيد بالخُطُم والأزمة للدواب، فالدابة التي ليس لها خطام تُمْسَك به تتفلت من صاحبها، ولا تنقاد له.
وقال عبد الله بن المبارك ﵀: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". رواه مسلم في مقدمة صحيحه (٣)، وروى عنه أيضًا أنه قال: "بيننا وبين القوم القوائم" يعني الإسناد (٤) .
قال النووي ﵀: "ومعنى هذا الكلام: إن جاء بإسناد صحيح قبلنا حديثه، وإلا تركناه، فجعل الحديث كالحيوان، لا يقوم بغير إسناد، كما لا يقوم الحيوان بغير قوائم" (٥) يعني: بغير أرجل.
وكلامهم في هذا المعنى كثير (٦)، وهو يدل على أهمية الإسناد، ويدل أيضًا
_________________
(١) محمد بن مسلم بن عبيد الله أبو بكر القرشي الزهري الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه، مات سنة خمس وعشرين ومائة. (تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر رقم ٦٢٩٦) .
(٢) معرفة علوم الحديث للحاكم: (ص٦) .
(٣) صحيح مسلم: (المقدمة ص١٥) .
(٤) المصدر السابق.
(٥) شرح صحيح مسلم: (١/٨٨) .
(٦) انظر: الإسناد من الدين ومن خصائص أمة سيد المرسلين ﷺ للدكتور عاصم القريوتي، والإسناد من الدين لأبي غدة.
[ ١٢ ]
على عنايتهم به، لأن عليه مدار معرفة صحة الحديث وضعفه، قال أبو سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني (ت ٥٦٢هـ): "وألفاظ رسول الله ﷺ لا بد لها من النقل، ولا تعرف صحتها إلا بالإسناد الصحيح، والصحة في الإسناد لا تعرف إلا برواية الثقة، عن الثقة، والعدل، عن العدل" (١) .
_________________
(١) أدب الإملاء والاستملاء: (١/١٠٤) .
[ ١٣ ]
المبحث الرابع: أثر عناية العلماء بالإسناد في حفظ السنة النبوية
ألمحت في المباحث السابقة إلى أهمية الإسناد وعناية العلماء به، ولا شك أن هذه العناية أثمرت ثمارًا طيبة، وكان لها أكبر الأثر في حفظ السنة النبوية، ولا يمكن تعداد هذه الثمار واستيعابها في هذه العجالة، ولكن أذكر نماذج لتلك العناية وأثرها في حفظ السنة النبوية. فمن ذلك:
أولًا: الرحلة في طلب الحديث، وهي ثمرة من ثمار العناية بالإسناد حيث نشط المحدثون في الأسفار، وقطعوا الفيافي والقفار في طلب الحديث وجمعه من أفواه الرجال، فربما رحل الرجل الأيام والليالي في طلب حديث واحد (١)، ولهم قصص مشهورة في ذلك تدل على حرصهم واجتهادهم في طلب الحديث وتدوينه (٢)، وكم من رجل لو لم يقيض الله ﷿ المحدثين للرحلة إليه والأخذ عنه، لمات حديثه معه، ولم يستفد منه أحد.
ومن فوائد الرحلة في طلب الحديث أيضًا: تحصيل الأسانيد العالية بمشافهة كبار الشيوخ، وتقليل الوسائط في نقل الحديث، فيكون أقرب إلى السلامة من الخلل، وفي ذلك حفظ للسنة (٣) .
_________________
(١) انظر: المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي: (ص٢٢٣)، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر: (١/٣٩٥-٣٩٦) .
(٢) انظر: الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر: (١/٣٨٨-٤٠٠) .
(٣) انظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي: (١/١١٦، ٢/٢٢٣) .
[ ١٤ ]
ومنها: تكثير طرق الحديث الواحد بسماعه من عدد من الشيوخ في أماكن مختلفة، فقد يوجد في بعض الطرق ما لا يوجد في الطرق الأخرى، والحديث يتقوى بكثرة الطرق. قال الإمام أحمد بن حنبل: "الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضُه بعضًا" (١) .
ثانيًا: عُني المحدثون بسلاسل الأسانيد وأصبحت معروفة لديهم، فميزوا بين مراتبها، وحفظوا أحاديثها، فمن رام إدخال حديث فيها ليس منها كشفوا أمره، ووجهوا سهام النقد إليه، ولم تقتصر عنايتهم على سلاسل الأحاديث الصحيحة، بل عُنوا أيضًا بسلاسل الأحاديث الضعيفة والموضوعة فحفظوها؛ خشية أن تختلط بالأحاديث الصحيحة، فاستطاعوا بذلك التمييز بين الصحيح والسقيم، وحفظ الله ﷿ السنة النبوية بتلك الجهود المباركة، فمن ذلك على سبيل التمثيل:
١ - أصح الأسانيد (٢) مثل:
مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄. ومحمد بن سيرين، عن عَبيدة السلماني، عن علي بن أبي طالب ﵁.
٢ - الأسانيد التي لا يثبت منها إلا شيء يسير، مع أنه قد روي بها أكثر من ذلك (٣) مثل:
_________________
(١) انظر: المصدر السابق: (٢/٢١٢)
(٢) انظر: معرفة علوم الحديث للحاكم: (ص٥٣-٥٦)، وعلوم الحديث لابن الصلاح: (ص٨٤-٨٦)، وكتاب تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد لأبي الفضل عبد الرحيم العراقي: (ص٤-٦)، والجدير بالذكر أن أسانيد الأحاديث المجموعة في هذا الكتاب كلها معدودة في أصح الأسانيد.
(٣) انظر: شرح علل الترمذي لابن رجب: (٢/٧٣٢-٧٥١) .
[ ١٥ ]
الزبير بن عدي، عن أنس، عن النبي ﷺ. له عنه أربعة أحاديث أو خمسة، وروى محمد بن زياد بن زَبَّار، عن بشر بن الحسين، عن الزبير بن عدي، عن أنس نحو عشرين حديثًا مسندة.
قال أبو حاتم الرازي: "هي أحاديث موضوعة، ليس يُعرف للزبير، عن أنس، عن النبي ﷺ إلا أربعة أحاديث أو خمسة أحاديث " (١) .
وقال ابن حبان في ترجمة بشر بن الحسين: "يروي عن الزبير بن عدي نسخة موضوعة، ما لكثير حديث منها أصل يرويها عن الزبير، عن أنس، شبيها بمائة وخمسين حديثًا مسانيد كلها روى عنه حجاج بن يوسف بن قتيبة تلك النسخة" (٢) .
٣ - الأسانيد التي لا يثبت منها شيء - مع ثقة رجالها – مثل:
قتادة، عن الحسن البصري، عن أنس بن مالك ﵁.
هذه السلسلة قال البرديجي: "لا يثبت منها حديث أصلًا من رواية الثقات" (٣) .
٤ - أوهى الأسانيد، مثل:
أوهى أسانيد أهل البيت: عمرو بن شَمِر، عن جابر الجعفي، عن الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب ﵁ (٤) .
_________________
(١) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: (٢/٣٥٥)، وشرح علل الترمذي لابن رجب: (٢/٧٣٦) .
(٢) المجروحين لابن حبان: (١/١٩٠) .
(٣) شرح علل الترمذي لابن رجب: (٢/٧٣٢) .
(٤) انظر: معرفة علوم الحديث للحاكم: (ص٥٦-٥٨) .
[ ١٦ ]
وهذه الأقوال المتقدمة وغيرها كثير، يدل على عناية المحدثين بالأسانيد، وحفظهم لها، ويدل أيضًا على استقراء تام، وتتبع دقيق، حصل لهم بعد طول ممارسة وعناء شديد في الجمع والتحصيل. "وكيف لا يكونون كذلك؟! وقد نبذوا الدنيا بأسرها وراءهم، وجعلوا غذاءهم الكتابة، وسَمَرهم المعارضة، واسترواحَهم المذاكرة، وخَلوقَهم المِدَاد، ونومَهم السُّهَاد (١)، واصطلاءهم الضياء، وتوسدَهم الحصى، فالشدائد مع وجود الأسانيد العالية عندهم رخاء، ووجود الرخاء مع فقد ما طلبوه عندهم بُؤس، فعقولهم بلذاذة السنة غامرة، وقلوبهم بالرضاء في الأحوال عامرة، تَعلُّم السنن سرورهم، ومجالس العلم حبورهم، وأهل السُّنة قاطبة إخوانهم، وأهل الإلحاد والبدع بأسرها أعداؤهم" (٢) .
ومن آثار العناية بالأسانيد:
ثالثًا:- القدر الهائل من الكتب الحديثية المسندة، من صحاح، وسنن، ومسانيد، وموطآت، ومصنفات، وجوامع، ومستخرجات ومستدركات، ومعاجم، وفوائد، وأمالٍ، وأجزاء وغيرها كثير (٣)، عُني مؤلفوها برواية الأحاديث والآثار الواردة فيها بالأسانيد، وتشغل تلك الأسانيد حيزًا كبيرا من الكتب المذكورة، بحيث لو جردت من أسانيدها لصارت في ربع حجمها
_________________
(١) السُّهَاد: الأَرَق. انظر مختار الصحاح: (ص٣١٨) .
(٢) معرفة علوم الحديث للحاكم: (ص٣) .
(٣) انظر: المعجم المفهرس للحافظ ابن حجر العسقلاني، والرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة لمحمد بن جعفر الكتاني، والفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط (الحديث النبوي الشريف وعلومه ورجاله) إصدار مؤسسة آل البيت بالأردن.
[ ١٧ ]
الأصلي، وثلاثة أرباعها أسانيد (١)، وهذا فيه دلالة واضحة على أهمية الأسانيد ودورها في حفظ السنة النبوية.
رابعًا:- لما طالت الأسانيد على المتأخرين تعذر عليهم رواية كل حديث بإسناده إلى النبي ﷺ، لذلك لجؤوا إلى رواية الكتب بأسانيدهم إلى مؤلفيها، فإذا اتصل إسناد أحدهم إلى مؤلف الكتاب حُقَّ له أن يروي أي حديث في ذلك الكتاب بإسناده إلى منتهاه.
لذلك طرق العلماء أبوابًا أخرى في التأليف، وصنفوا كتبًا عُنيت بسلاسل أسانيد الكتب إلى مؤلفيها - وهي ثمرة أخرى من ثمار الاهتمام بالأسانيد - وهذه الكتب هي كتب معاجم الشيوخ، والمشيخات، والفهارس، والبرامج، والأثبات، وهي كثيرة جدًا تزيد على ألفي كتاب (٢)، وهي من مفاخر الأمة الإسلامية وخَصِيصة من خصائصها تبعًا لاختصاص هذه الأمة بالإسناد، كما تقدم في المبحث الثاني. قال الحافظ ابن حجر: "سمعت بعض الفضلاء يقول: الأسانيد أنساب الكتب" (٣) .
وبعد
فقد تقدم في المباحث السابقة نبذة عن أهمية الإسناد وعناية العلماء به، وأثر هذه العناية في حفظ السنة النبوية، وهنا أسئلة تطرح نفسها لها تعلق وثيق بما تقدم، منها:
_________________
(١) انظر: الإسناد من الدين لأبي غدة: (ص٣١) .
(٢) انظر: فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات لعبد الحي الكتاني، ومعجم المعاجم والمشيخات والفهارس والبرامج والأثبات للدكتور يوسف المرعشلي.
(٣) فتح الباري: (١/٥) .
[ ١٨ ]
إن هؤلاء الرواة الذين يرد ذكرهم في الأسانيد منهم الصادق ومنهم الكاذب، فكيف نميز بين الصادق والكاذب؟ وأيضًا فإن الصادقين منهم يتفاوتون في ضبطهم وإتقانهم لما يروونه، فكيف نعرف الضابط من غيره؟
وكذلك فإن الضابط منهم قد يطرأ عليه ما يغير ضبطه في فترة من حياته، فكيف يتميز حديثه في حال ضبطه وحال تغيره؟، ومن الرواة من يروي عمن فوقه ولم يسمع منهم، فكيف نميز بين من سمع منهم ومن لم يسمع منهم؟.
ثم إن رواة الحديث كثيرون جدًا، ويحصل الاتفاق بين بعض الأسماء وتتشابه أسماء آخرين، ولم يكن في كتابة كثير من المتقدمين ضبط بالنقط والشكل، فربما يحصل اشتباه بين هذه الأسماء فكيف نميز بينها؟ وكيف نتأكد من سلامتها من التصحيف والتحريف؟
إلى غير ذلك من الأسئلة، التي تدور حول هؤلاء الرواة، وحُق للسائل أن يسأل هذه الأسئلة ويعرف الجواب عليها.
وقد تنبَّه المحدثون ﵏ لهذا، وأنشؤوا علما آخر هو ثمرة من ثمار اهتمامهم بالإسناد، ألا وهو علم الجرح والتعديل. وهو موضوع الفصل الآتي.
[ ١٩ ]