١- بيان المجموع من أنواعه:
اعلم: "أن أئمة المصطلح، سردوا في مؤلفاتهم من أنواعه ما أمكن تقريبه، وجملة ما ذكره النووي، والسيوطي في التدريب خمسة وستون نوعًا وقال: "ليس ذلك بآخر الممكن في ذلك، فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى إذ لا تحصى أحوال رواه الحديث وصفاتهم ولا أحوال متون الحديث وصفاتها".
وقال الحازمي في كتاب العجالة: "علم الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تبلغ مائة؛ كل نزع منها علم مستقل.". ا. هـ.
ومع ذلك فأنواع الحديث لا تخرج عن ثلاثة: حسن صحيح، وحسن، وضعيف. لأنه إن اشتمل من أوصاف القبول على أعلاها فالصحيح أو على أدناها فالحسن أو لم يشتمل على شيء منها فالضعيف وسترى تفصيل ما ذكر مع مهمات أنواعه على نمط بديع.
[ ٧٩ ]
٢- بيان الصحيح:
قال أئمة الفن: "الصحيح ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، وسلم عن شذوذ وعلة، ونعني بالمتصل ما لم يكن مقطوعًا بأي وجه كان فخرج المنقطع والمعضل والمرسل على رأي من لا يقبله وبالعدل من لم يكن مستور العدالة ولا مجروحًا فخرج ما نقله مجهول عينًا أو حالًا أو معروف بالضعيف وبالضابط من يكون حافظًا متيقظًا فخرج ما نقله مغفل كثير الخطأ. وبالشذوذ ما يرويه الثقة مخالفًا لرواية الناس. وبالعلة ما فيه أسباب خفية قادحة فخرج الشاذ والمعلل وسيأتي بيان هذه المخرجات كلها إن شاء الله تعالى.
[ ٧٩ ]
بيان الصحيح لذاته والصحيح لغيره
٣- بيان الصحيح لذاته الصحيح لغيره:
اعلم: "أن ما عرفناه أولًا هو الصحيح لذاته لكونه اشتمل من صفات القبول على أعلاها؛ وأما الصحيح لغيره فهو ما صحح لأمر أجنبي عنه إذ لم يشتمل عن صفات القبول على أعلاها كالحسن: فإنه إذا روي من غير وجه. أرتقى بما عضده من درجة الحسن إلى منزلة الصحة وكذا ما أعتضد بتلقي العلماء له بالقبول فإنه يحكم له بالصحة وإن لم يكن له إسناد صحيح". وكذا ما وافق آية من كتاب تعالى أو بعض أصول الشريعة.
قال ابن الحصار: "قد يعلم الفقيه صحة الحديث إذا لم يكن في سنده كذاب بموافقة آية من كتاب الله أو بعض أصول الشريعة فيحمله ذلك على قبول والعمل".
[ ٨٠ ]
٤- تفاوت رتب الصحيح:
تتفاوت رتب الصحيح بسبب تفاوت الأوصاف المقتضية للتصحيح في القوة فإنها لما كانت مفيدة لغلبة الظن الذي علية مدار الصحة اقتضت أن يكون لها درجات بعضها فوق بعض بحسب الأمور المقوية، وإذا كان كذلك فما يكون رواته في الدرجة العليا من العدالة، والضبط وسائر الصفات التي توجب الترجيح كان أصح مما دونه فمن المرتبة العليا في ذلك ما أطلق علية بعض الأئمة أنه أصح الأسانيد كالزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وكمحمد بن سيرين عن عبيدة بن عمر، والسلماني عن علي وكإبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود وكمالك عن نافع عن ابن عمر وهذا قول البخاري.
قال الإمام أبو منصور التميمى: "فعلى هذا أجل الأسانيد الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر للإجماع على أن أجل الرواة عن مالك الشافعي وعليه فأجلها رواية
الإمام أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك للاتفاق على أن أجل من أخذ عن الشافعي أهل الحديث الإمام أحمد وتسمى هذه الترجمة: "سلسلة الذهب". والمعتمد عدم إطلاق أصح الأسانيد لترجمة معينة منها نعم يستفاد من مجموعة ما أطلق الأئمة عليه ذلك أرجحيته على ما لم يطلقوه ويلتحق بهذا التفاضل ما اتفق الشيخان على تخريجه بالنسبة إلى ما انفرد به أحدهما، وما انفرد به البخاري بالنسبة إلى ما انفرد به مسلم لاتفاق العلماء بعدهما على تلقي كتابهما بالقبول كذا في شرح النخبة والتدريب١.
_________________
(١) ١ ص٣٧ من التدريب.
[ ٨٠ ]
٥- أثبت البلاد في الحديث الصحيح في عهد السلف:
قال الإمام تقي الدين بن تيميه رحمه الله تعالى: "اتفق أهل العلم بالحديث على أن أصح الأحاديث ما رواه أهل المدينة ثم أهل البصرة ثم أهل الشام".
وقال الخطيب: "أصح طرق السنن، ما يرويه أهل الحرمين؛ مكة والمدينة، فإن التدليس عنهم قليل، والكذب ووضع الحديث عندهم عزيز. ولأهل اليمن روايات جيدة، وطرق صحيحة، إلا أنها قليلة، ومرجعها إلى أهل الحجاز أيضًا. ولأهل البصرة من السنن الثابتة بالأسانيد الواضحة، ما ليس لغيرهم من إكثارهم والكوفيون مثلهم في الكثرة غير أن رواياتهم كثيرة الدغل قليلة السلامة من العلل وحديث الشاميين أكثره مراسيل ومقاطيع وما اتصل منه مما أسنده الثقات فإنه صالح والغالب عليه ما يتعلق بالمواعظ".
وقال هشام بن عروة: "إذا حدثك العراقي بألف حديث فالق تسعمائة وتسعين وكن من الباقي في شك".
قال الحاكم: "أثبت أسانيد الشاميين الأوزاعي عن حسان بن عطية عن الصحابة".
وقال الحافظ ابن حجر: "رجح بعض أئمتهم رواية سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر". كذا في التدريب.
أقول: يتعرف حديث رواة هذه البلاد من مثل مسند أحمد فإنه يترجم فيه بمسند البصريين ومسند الشاميين وهكذا
[ ٨١ ]
٦- أقسام الصحيح:
قال النووي رحمه الله تعالى: "الصحيح أقسام: أعلاها ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم ما انفرد به البخاري ثم ما انفرد به مسلم ثم ما كان على شرطهما وإن لم يخرجاه، ثم على شرط البخاري ثم على شرط مسلم، ثم ما صححه غيرهما من الأئمة فهذه سبعة أقسام".
قال العلامة قاسم قطلوبوغا في حواشيه على شرح النخبة لشيخه ابن حجر: "الذي يقتضيه النظر، أن ما كان على شرطهما، وليس له علة يقدم على ما أخرجه مسلم وحده لأن قوة الحديث إنما هي بالنظر إلى رجاله لا بالنظر إلى كونه في كتاب كذا". ا. هـ.
[ ٨٢ ]
٧- معنى قولهم أصح شيء في الباب كذا:
قال النووي رحمه الله تعالى: "لا يلزم من هذه العبارة صحة الحديث فإنهم يقولون: "هذا أصح ما جاء في الباب" وإن كان ضعيفًا ومرادهم أرجحة أو أقله ضعفًا"
[ ٨٢ ]
٨- أول من دون الصحيح:
قال النووي في التقريب١ "أول مصنف في الصحيح المجرد صحيح البخاري".
واحترز: "بالمجرد" عن الموطأ للإمام مالك فإنه وإن كان أول مصنف في الصحيح، لكن لم يجرد فيه الصحيح، بل أدخل المرسل والمنقطع، والبلاغات وذلك حجة عنده. وأما البخاري فإنه وإن أدخل التعاليق ونحوها لكنه أوردها استئناسًا واستشهادًا فذكرها فيه لا يخرجه عن كونه جرح الصحيح كذا فرق ابن حجر وتعقبه السيوطي بأن ما في الموطأ من المراسيل مع كونها حجة عندنا إذا اعتضد وما من مرسل في الموطأ من المراسيل مع كونها حجة عنده بلا شرط وعند من وافقه من الأئمة هي حجة عندنا لأن المرسل حجة عندنا إذا اعتضد وما في مرسل في الموطأ إلا وله عاضد أو عواضد وقد صنف ابن عبد البر كتابًا في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنقطع والمعضل". ا. هـ.
وعليه فأول من صنف في الصحيح الإمام -﵁.
_________________
(١) ١ ص٢٤ من تدريب السيوطي شرح التقريب.
[ ٨٣ ]
٩- بيان أن الصحيح لم يستوعب في مصنف:
قال العلامة الأمير في شرح: "غرامي صحيح": "لم يستوعب الصحيح في مصنف أصلًا لقول البخاري: "أحفظ مائة ألف حديث من الصحيح ومائتي ألف من غيره" ولم يوجد في الصحيحين بل ولا في بقية الكتب الستة هذا القدر من الصحيح".
وقال النووي ﵀: "إن البخاري ومسلمًا -﵄، لم يلتزما استيعاب الصحيح بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوعياه وإنما قصدا جمع جمل من الصحيح كما يقصد المصنف في الفقه جمع جملة من مسائلة لا أنه يحضر جميع مسائلة لكنهما إذا كان الحديث الذي تركاه أو تركه أحدهما مع صحة إسناده في الظاهر أصلًا في بابه ولم يخرجا له نظيرًا ولا ما يقوم مقامه فالظاهر من حالهما أنهما اطلعا فيه على علة إن كانا رأياه ويحتمل أنهما تركاه نسيانًا أو إيثارًا لترك الإطالة أو رأيا أن غيره مما ذكراه يسد مسده أو لغير ذلك والله أعلم.
وقال السخاوي في الفتح: "إن الشيخين لم يستوعبا كل الصحيح في كتابيهما،
[ ٨٣ ]
بل لو قيل إنهما لم يستوعبا مشروطهما لكان موجهًا؛ وقد صرح كل منهما بعدم الاستيعاب، وحينئذ فإلزام الدارقطني لهما في جزء أفرده بالتصنيف بأحاديث من رجال الصحابة رويت عنهم من وجوه صحاح تركاها مع كونها على شرطهما".
وكذا قول ابن حبان: "ينبغي أن يناقش البخاري ومسلم في تركهما إخراج أحاديث هي من شرطهما" ليس بلازم؛ ولذلك قال الحاكم: "ولم يحكما ولا واحد منهما أنه لم يصح من الحديث غير ما خرجه هذا" وذكر السلفي في معجم السفر: "أن بعضهم رأى في المنام أبا داود صاحب السنن في آخرين مجتمعين وأن أحدهم قال: "كل حديث لم يروه البخاري فأفلت عنه رأس دابتك".
[ ٨٤ ]
١٠- بيان أن الأصول الخمسة لم يفتها من الصحيح إلا اليسير:
قال النووي: "الصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة من الصحيح إلا اليسير أعني الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي، والنسائي، ولا يقال إن أحاديثها دون المقدار الذي عده البخاري المتقدم بكثير لأنا نقول: "أراد البخاري بلوغ الصحيح مائة ألف بالمكرر والموقوف وآثار الصحابة والتابعين وفتاويهم مما كان السلف يطلقون على كل منها اسم الحديث وهو متعين".
[ ٨٤ ]
١١- ذكر من صنف في أصح الأحاديث:
جمع الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم العراقي فيما عد من أصح الأسانيد كتابًا في الأحكام رتبه على أبواب الفقه سماه: "تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد" وهو كل كتاب لطيف جمعه من تراجم ستة عشر قيل فيها إنها أصح الأسانيد إما مطلقًا أو مقيدًا ومع ذلك فقد فاته جملة من الأحاديث كما قاله ابن حجر.
[ ٨٤ ]
بيان الثمرات المجتناة من شجرة الحديث المباركة
١٢- بيان الثمرات المجتناة من شجرة الحديث الصحيح المباركة:
الثمرة الأولى:
صحة الحديث توجب القطع به، كما اختاره ابن الصلاح في الصحيحين، وجزم بأنه هو القول الصحيح.
قال السخاوي في فتح المغيث: "وسبقه إلى القول بذلك في الخبر المتلقى بالقبول الجمهور من المحدثين والأصوليين، وعامة السلف، بل وكذا غير واحد في الصحيحين".
قال أبو أسحق الإسفراييني: "أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها، ومتونها ولا يحصل الخلاف فيها بحال، وإن حصل فذاك اختلاف في طرقها ورواتها قال: "فمن خالف حكمه خبرًا منها وليس له تأويل سائغ للخبر نقضنا حكمه لأن هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول".
ونقل السيوطي في التدريب١، في آخر الكلام على الفائدة الرابعة من مسائل الصحيح عن الحافظ ابن نصر السجزي أنه قال: "أجمع الفقهاء، وغيرهم أن رجلًا لو حلف بالطلاق أن جميع ما في البخاري صحيح قال رسول الله -ﷺ- لا شك فيه لم يحنث". ا. هـ.
ونقل بد أيضًا١ أن إمام الحرمين قال: "لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في الصحيحين مما حكما بصحته من قول النبي ألزمته الطلاق لإجماع المسلمين على صحته". ا. هـ.
واستثنى ابن الصلاح من المقطوع بصحته فيهما ما تكلم فيه من أحاديثهما، وقد أجاب عنها الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح بتمامها قال النووي: "ما ضعف من أحاديثهما مبني على علل ليست بقادحة".
هذا وقيل إن صحة الحديث لا توجب القطع به في نفس الأمر لجواز الخطأ والنسيان على الثقة، وعزاه النووي١ للأكثرين والمحققين، وأنهم قالوا:"إنه يفيد الظن ما لم يتواتر" قال في شرح مسلم: "لأن ذلك شأن الآحاد، ولا فرق في ذلك بين الشيخين
_________________
(١) ١ ص٤١.
[ ٨٥ ]
وغيرهما، وتلقي الأمة بالقبول إنما أفاد وجوب العمل بما فيهما من غير توقف على النظر فيه، بخلاف غيرهما فلا يعمل به حتى ينظر فيه ويوجد فيه شروط الصحيح ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على القطع بأنه كلام النبي -ﷺ".
وناقش البلقيني النووي فيما اعتمده، وذكر أن ما قاله ابن الصلاح محكي عن كثير من فضلاء المذاهب الأربعة وأنه مذهب أهل الحديث قاطبة ومذهب السلف عامة بل بالغ ابن طاهر المقدسي فألحق به ما كان على شرطهما وإن لم يخرجاه.
وقال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة١: "الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم، خلافًا لمن أبى ذلك، قال: وهو أنواع، منها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ التواتر فإنه احتف به قرائن منها: جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر إلا أن هذا مختص بما لم ينقده أحد من الحفاظ وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته".
ثم قال: ومنها المشهور، إذا كانت له طرق متباينة سالمة من ضعف الرواة والعلل، ومنها المسلسل بالأئمة الحفاظ حيث لا يكون غريبًا كحديث يرويه أحمد مثلا، ويشاركه فيه غيره عن الشافعي ويشاركه فيه غيره عن مالك فإنه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته".
قال: "وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصل العلم فيها إلا للعالم المتبحر في الحديث، العارف بأحوال الرواة والعلل، وكون غيره لا يحصل له العلم لقصوره عن الأوصاف المذكورة لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور". انتهى قال ابن كثير: "وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه وأرشد إليه". قال السيوطي: "قلت وهو الذي أختاره ولا أعتقد سواه". ا. هـ.
_________________
(١) ١ ص٧ القاهرة، المطبعة الميمنية ١٠٣٨هـ.
[ ٨٦ ]
أقول:
تلخص في القول بأن صحة الحديث توجب القطع به ثلاثة مذاهب:
الأول: إيجابها ذلك مطلقًا ولو لم يخرجه الشيخان وهو ما قاله ابن طاهر المقدسي.
الثاني: إيجابها ذلك فيما روياه أو أحدهما وهو ما اعتمده ابن الصلاح وغيره.
الثالث: إيجابها ذلك في الصحيحين، وفي المشهور وفي المسلسل بالأئمة، وهو ما اعتمده ابن حجر كما بينا.
الثمرة الثانية:
قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: "اتفق العلماء على وجوب العمل بكل ما صح ولو لم يخرجه الشيخان".
وقال الإمام شمس الدين بن القيم في: "إعلام الموقعين: "ترى كثيرًا من الناس إذا جاء الحديث يوافق قول من قلدة وقد خالفه راويه يقول: "الحجة فيما روى لا في قوله" فإذا جاء قول الراوي موافقًا لقول من قلده، والحديث يخالفه قال: "لم يكن الراوي يخالف ما رواه إلا قد رأينا ذلك في الباب الواحد وهذا من أقبح التناقض.
"والذي ندين لله به، ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله -ﷺ- ولم يصح عنه حديث آخر بنسخه أن القرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك ما خلفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنًا من كان لا راوية، ولا غيره إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث ولا يحضره، وقت الفتيا أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة أو يتأول فيه تأويلًا مرجوحًا أو يكون في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا في نفس الأمر أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه، ولو قدر انتفاء ذلك كله -ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه- لم يكن الراوي معصومًا، ولم توجب مخالفته لما رواه سقوط عدالته حتى تغلب سيئاته حسناته، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك". ا. هـ.
[ ٨٧ ]
وفي كتاب: "قاموس الشريعة" للسعدي: "إذا رفع الصحابي خبرًا عن الرسول -ﷺ- بإيجاب فعل وجب العمل به على من بلغه من المكلفين إلى أن يلقى خبرًا غيره ينسخ ذلك الخبر وحينئذ فعلى من عمل بالخبر الأول الرجوع إلى الثاني وترك العمل بالأول".
وفيه أيضًا: "كل مسألة لم يخل الصواب فيها من أحد القولين ففسد أحدهما لقيام الدليل على فساده صح أن الحق في الآخر قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ١.
وقال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين٢: "كان الإمام أحمد إذا وجد النص أفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه، كائنًا من كان ولذا لم يلتفت إلى خلاف عمر -﵁- في المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس٣ ولا إلى خلافه في التيمم للجنب لحديث عمار بن ياسر٤، ولا خلافة في استدامة المحرم الطيب الذي يطيب به قبل إحرامه لصحة حديث عائشة في ذلك٥ ولا خلافه في منع المنفرد والقارن من الفسخ إلى التمتع
_________________
(١) ١ سورة يونس، آية: ٣٢. ٢ ص٣٢ ج١ القاهرة مطبعة النيل ١٣٢٥. ٣ تجد حديثها في الصحيحين والسنن، وخلاصته: أن زوجها قد طلقها ثلاثا ولم يجعل لها الرسول -ﷺ- سكنى ولا نفقة؛ وقد أنكر عليها عمر وعائشة هذا الحديث وقال عمر: "لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت"؛ فقالت فاطمة: "بيني وبينكم كتاب الله" قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ .. حتى قال ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ راجع: نيل الأوطار، ج٦، ص٢٢٨. ٤ يشير إلى ما أورده البخاري في صحيحه ومنه قول عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب -﵄: "أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت "أي تمرغت في التراب" فصليت فذكرت ذلك للنبي -ﷺ فقال النبي -ﷺ: "كان يكفيك هكذا" فضرب النبي -ﷺ- بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسخ بهما وجه وكفيه". -أي الرسغين- وهذا مذهب أحمد فلا يجب عنده المسح إلى المرفقين، ولا الضربة الثانية إلى الكفين، راجع شرح القسطلاني للبخاري، ج١، ص٧٢. ٥ يشير إلى ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عائشة، قالت: "كنت أطيب رسول الله -ﷺ- لإحرامه حين يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت". واستدل به على استحباب التطيب عنده إرادة الإحرام، وجواز استدامته بعد الإحرام. راجعه فتح الباري، ج٣، ص٣١٥-٣١٦.
[ ٨٨ ]
لصحة أحاديث الفسخ١ وكذا لم يلتفت إلى قول علي وعثمان وطلحة وأبي بن كعب -﵃- في ترك الغسل من الإكسال٢، لصحة حديث عائشة٣ أنها فعلته هي ورسول الله -ﷺ- فاغتسلا ولم يلتفت إلى قول ابن عباس وإحدى الروايتين عن علي أن عدة المتوفى عنها الحامل أقصى الأجلين لصحة حديث سبيعة الأسلمية٤؛ ولم يلتفت إلى قول معاذ ومعاوية في توريث المسلم من الكافر لصحة الحديث المانع من التوارث بينهما٥؛ ولم يلتفت إلى قول ابن عباس في الصرف لصحة الحديث بخلافه٦ ولا إلى قوله بإباحة لحوم الحمر كذلك٧ وهذا كثير جدًّا ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملًا، ولا رأيًا ولا قياسًا ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعًا ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد نص الشافعي في رسالته الجديدة على أن: "ما لا يعلم فيه الخلاف لا يقال له إجماع" ولفظه: "ما لا يعلم فيه الخلاف فليس إجماعًا" ثم قال ابن القيم: "ونصوص رسول الله -ﷺ- عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث أجل من أن يقدم عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم المخالف ولو ساغ لتعطلت
_________________
(١) ١ أحاديث الفسخ من الحج إلى العمرة في البخاري وغيره؛ وفيها أمر النبي -ﷺ- بجعل الحج عمرة لمن لم يسق الهدي معه، وراجع فتح الباري، ج٣، ص٣٣٤-٣٤٤. ٢ أكسل الرجل: إذا جامع ثم أدركه فتور، فلم ينزل؟ راجع النهاية لابن الأثيرج ٤، ص٢١. ٣ أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عائشة -﵂- أن رجلًا سأل النبي -ﷺ- عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل. وعائشة -﵂- جالسة، فقال رسول الله -ﷺ: "إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل". ٤ وضعت سبيعة بعد وفاة زوجها بليال. فجاءت النبي -ﷺ- فستأذنته أن تنكح، فأذن لها. فنكحت والحديث مروي بطرق، وتجده في الصحيحين وغيرهما. راجع فتح الباري ج٩، ص٤١٤. ٥ الحديث المشار إليه، وهو حديث أسامة بن زيد الذي أخرجه البخاري في صحيحه أن النبي -ﷺ- قال: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم". وقد رواه أصحاب السنن أيضًا. ٦ الحديث المشار إليه هو حديث أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر والملح بالملح؛ مثلًا بمثل يدا بيد فمن ازداد واستزاد فقد أربى. والآخذ والمعطي فيه سواء" رواه أحمد والبخاري، وفي الصحيحين والسنن أحاديث أخرى بمعناه. ٧ نهى النبى -ﷺ- عن لحموم الحمر. أخرجه البخاري في صحيحه من حديث البراء بن عازب في الصحيحين وغيرهما أيضًا بمعناه.
[ ٨٩ ]
النصوص، وساغ لكل من لم يعلم مخالفًا في حكم مسألة، أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص؛ فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده". ا. هـ.
وقال العارف الشعراني قدس الله سره في الميزان١: "فإن قلت: "فما أصنع بالأحاديث التي صحت بعد موت إمامي، ولم يأخذ بها" فالجواب: "ينبغي لك أن تعمل بها فإن إمامك لو ظفر بها، وصحت عنده لربما كان أمرك بها فإن الأئمة كلهم أسرى في يد الشربعة، ومن فعل ذلك فقد حاز الخير بكلتا يديه ومن قال: "لا أعمل بالحديث إلا إن أخذ به إمامي" فاته خير كثير كما عليه كثير من المقلدين لأئمة المذاهب وكان الأولى لهم العمل بكل حديث صح بعد إمامهم تنفيذًا لوصية الأئمة فإن اعتقادنا فيهم أنهم لو عاشوا، وظفروا بتلك الأحاديث التي صحت بعدهم لأخذوا بها، وعملوا بها وتركوا كل قياس كانوا قاسوه، وكل قول كانوا قالوه وقد بلغنا من طرق صحيحة أن الإمام الشافعي أرسل بقول للإمام أحمد بن حنبل: "إذا صح عندكم حديث فأعلموا به لنأخذ به، ونترك كل قول قلناه قبل ذلك أو قاله غيرنا فإنكم أحفظ للحديث ونحن أعلم به".
وقال الشعراني٢ قدس سره أيضًا في الرد على من يزعم أن الإمام أبا حنيفة -﵁- يقدم القياس على الحديث ما نصه: "ويحتمل أن الذي أضاف إلى الإمام أبي حنيفة، أنه يقدم القياس على النص ظفر بذلك في كلام مقلديه الذين يلزمون العمل بما وجدوه عن إمامهم من القياس، ويتركون الحديث الذي صح بعد موت الإمام فالإمام معذور وأتباعه غير معذورين، وقولهم: "إن إمامنا لم يأخذ بهذا الحديث" لا ينهض حجة لاحتمال أنه لم يظفر به أو ظفر به لكن لم يصح عنده وقد تقدم قول الأئمة كلهم: "إذا صح الحديث فهو مذهبنا" وليس لأحد معه قياس ولا حجة إلا طاعة الله وطاعة رسوله بالتسليم له". ا. هـ.
_________________
(١) ١ الميزان ص٢٠. ٢ ص٧١.
[ ٩٠ ]
وقال العمدة الشهير السيد محمد عابدين الدمشقي في شرح المنظومة المسماة بعقود رسم المفتي: "إن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى، من شدة احتياطه وورعه وعلمه بأن الاختلاف من آثار الرحمة قال لأصحابه إن توجه لكم دليل فقولوا به".
وقال بعد أسطر: "فقد صح عن أبي حنيفة أنه قال: "إذا صح الحديث فهو مذهبي". وقد حكى ذلك الإمام ابن عبد البر عن أبي حنيفة وغيره من الأئمة؛ ونقله أيضًا الإمام الشعراني عن الأئمة الأربعة؛ ونقل فيها عن البحر قال إنهم نقلوا عن أصحابنا أنه لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا حتى يعلم من أين قلنا حتى نقل في السراجية أن هذا سبب مخالفة عصام للإمام، وكان يفتي بخلاف قوله كثيرًا لأنه لم يعلم الدليل، وكان يظهر له دليل غيره فيفتي به.
وفيها أيضًا عن العلامة قاسم أنه قال في رسالته المسماة رفع الاشتباه عن مسألة المياه: "لما منع علماؤنا رضي الله تعالى عنهم من كان له أهلية النظر من محض تقليدهم على ما رواه الشيخ الإمام العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف، قال حدثنا أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال ليس لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعرف من أين قلنا تتبعت مآخذهم وحصلت منها بحمد الله تعالى على الكثير ولم أقنع بتقليد ما في صحف كثير من المصنفين إلخ".
وقال في رسالة أخرى: "وإني ولله الحمد لأقول كما قال الطحاوي لابن حربويه لا يقلد إلا عصبي أو غبي". ا. هـ.
الثمرة الثالثة:
في "حصول المأمول من علم الأصول" ما نصه١: "اعلم أنه لا يضر الخبر الصحيح عمل أكثر الأمة بخلافه؛ لأن قول الأكثر ليس بحجة؛ وكذا عمل أهل المدينة بخلافه، خلافًا لمالك وأتباعه؛ لأنهم بعض الأمة ولجواز أنهم لم يبلغهم الخبر. ولا يضره عمل
_________________
(١) ١ صديق حسن خان: ص٥٩ القسطنطينية، مطبعة الجوائب ١٢٩٦هـ.
[ ٩١ ]
الراوي له بخلافه خلافًا لجمهور الحنفية وبعض المالكية لأنا متعبدون بما بلغ إلينا من الخبر، ولم نتعبد بما فهمه الراوي، ولم يأت من قدم عمل الراوي على روايته بحجة تصالح للاستدال بها، ولا يضره كونه مما تعم به البلوى خلافًا للحنفية، وأبي عبد الله البصري لعمل الصحابة والتابعين بأخبار الآحاد في ذلك، ولا يضره كونه في الحدود، والكفارات خلافًا للكرخي من الخنفية، ولا وجه لهذا الخلاف فهو خبر عدل في حكم شرعي ولم يثبت في الحدود والكفارات دليل يخصها من عموم الأحكام الشرعية، ولا يضره أيضًا كونه زيادة على النص القرآني أو السنة القطعية خلافًا للحنفية فقالوا إذا ورد بالزيادة كان نسخًا لا يقبل، والحق القبول لأنها زيادة غير منافية للمزيد فكانت مقبولة، ودعوى أنها ناسخة ممنوعة وهكذا إذا ورد الخبر مخصصًا للعام من كتاب أو سنة فإنه مقبول ويبنى العام على الخاص خلافًا لبعض الخنفية، وهكذا إذا ورد مقيدًا لمطلق الكتاب أو السنة المتواترة، ولا يضره أيضًا كون راوية انفرد بزيادة فيه على ما رواه غيره إذا كان عدلًا فقد يحفظ الفرد ما لا تحفظه الجماعة، وبه قال الجمهور وهذا في صورة عدم المنافاة وإلا فروية الجماعة أرجح ومثل انفراد العدل بالزيادة انفراده برفع الحديث إلى رسول الله -ﷺ- الذي وقفه الجماعة وكذا انفراده بإسناد الحديث الذي أرسلوه وكذا انفراده بوصل الحديث الذي قطعوه فإن ذلك مقبول منه لأنه زيادة على ما ردوه وتصحيح لما أعلوه، ولا يضره أيضًا كونه خارجًا مخرج ضرب الأمثال".
الثمرة الرابعة:
قال الإمام شمس الدين ابن القيم الدمشقي في كتاب الروح: "ينبغي أن يُفهم عن الرسول -ﷺ- مراده من غير غلو ولا تقصير، فلا يُحمل كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصر عن مراده وما قصده من الهدي والبيان. وقد حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله بل سوء الفهم عن الله رسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع ولا سيما إن أضيف إليه
[ ٩٢ ]
سوء القصد فيتفق سوء الفهم في بعض الأشياء من المتبوع مع حسن قصده، وسوء القصد من التابع فيا محنة الدين، وأهله والله المستعان وهل أوقع القدر به والمرجئة، والخوارج والمعتزلة والجهمية والروافض، وسائر طوائف أهل البدع إلا سوء الفهم عن الله ورسوله -ﷺ- حتى صار الدين بأيدي أكثر الناس هو موجب هذه الأفهام والذي فهمه الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- ومن تبعهم عن الله ورسوله -ﷺ- فمهجور لا يلتفت إليه ولا يرفع هؤلاء به رأسًا ولكثرة أمثلة هذه القاعدة تركناها، فإنا لو ذكرناها لزادت على عشرات ألوف حتى إنك لتمر على الكتاب من أوله إلى آخره فلا تجد صاحبه فهم عن الله ورسوله -ﷺ- مراده كما ينبغي في موضع واحد وهذا إنما يعرفه من عرف ما عند الناس، وعرضه على ما جاء به الرسول وأما من عكس الأمر فعرض ما جاء به الرسول -ﷺ- على ما اعتقده وانتحله، وقلد فيه من أحسن به الظن فليس يجدي الكلام معه شيئًا فدعه وما اختاره لنفسه ووله ما تولى وأحمد الذي عافاك مما ابتلاه به". ا. هـ.
وقال الإمام علم الدين الشيخ صالح الفلاني المالكي الأثري في كتابه: "إيقاظ الهمم"١: "ترى بعض الناس إذا وجد حديثًا يوافق مذهبة فرح به وانقاد له وسلم وإن وجد حديثًا صحيحًا سالمًا من النسخ، والمعارض مؤيدًا لمذهب غير إمامه فتح له باب الاحتمالات البعيدة، وضرب عنه الصفح والعارض، ويلتمس لمذهب إمامه أوجها من الترجيح مع مخالفته للصحابة، والتابعين والنص الصريح وإن شرح كتابا من كتب الحديث حرف كل حديث خالف رأيه الحديث، وإن عجز من ذلك كله ادعى النسخ بلا دليل أو الخصوصية أو عدم العمل به أو غير ذلك مما يحضر ذهنه العليل وإن عجز عن ذلك كله ادعى أن إمامه اطلع على كل مروي أو جله فما ترك هذا الحديث الشريف إلا وقد اطلع على طعن فيه برأيه المنيف فيتخذ علماء مذهبه أربابا ويفتح لمناقبهم، وكراماتهم أبوابًا ويعتقد أن كل من خالف ذلك لم يوافق صوابًا، وإن نصحه أحد من علماء السنة اتخذه عدوا ولو كانوا قبل ذلك أحبابًا وإن وجد كتابا من كتب مذهب
_________________
(١) ١ ص١٠٩ أمر تسر "الهند" مطبعة رياض الهند ١٢٩٨هـ.
[ ٩٣ ]
إمامه المشهورة قد تضمن نصحه وذم الرأي والتقليد، وحرض على اتباع الأحاديث المشهورة، نبذه وراء ظهره وأعرض عن نهيه وأمره واعتقده حجرًا محجورًا". ا. هـ.
أقول إن الشيخ الفلاني هو من كبار من أخذ عنه مسند الشام الشيخ عبد الرحمن الكزبري ومن طريقه ارتفع علو إسناده في البخاري هو ومن شاركه في الأخذ عنه رحمه الله تعالى.
الثمرة الخامسة:
لزوم قبول الصحيح وإن لم يعمل به أحد -قال الإمام الشافعي -﵁- في رسالته الشهيرة: "ليس لأحد دون رسول الله -ﷺ- أن يقول إلا لاستدلال ولا يقول بما استحسن فإن القول بما استحسن شيء يحدثه لا على مثال سبق".
وقال أيضًا: "إن عمر بن الخطاب -﵁- قضى في الإبهام بخمس عشرة، فلما وجد كتاب آل عمرو بن حزم وفيه أن رسول الله -ﷺ- قال١: "وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل" صاروا إليه قال ولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم -والله أعلم- حتى ثبت لهم أنه كتاب رسول الله -ﷺ- وفي هذا الحديث دلالتان إحداهما قبول الخبر، والأخرى أن يقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه، وإن لم يمض عمل من أحد من الأئمة يمثل الخبر الذي قبلوا، ودلالة على أنه لو مضى أيضًا عمل من أحد من الأئمة ثم وجد عن النبي -ﷺ- خبر يخالف عمله لترك عمله لخبر رسول الله -ﷺ- ودلالة على أن حديث رسول الله -ﷺ- يثبت بنفسه لا بعمل غيره بعده".
قال الشافعي: "ولم يقل المسلمون قد عمل فينا عمر بخلاف هذا من المهاجرين والأنصار، ولم تذكروا أنتم أن عندكم خلافه ولا غيركم بل صاروا إلى ما وجب عليهم من قبول الخبر عن رسول الله -ﷺ- وترك كل عمل خلفه ولو بلغ عمر هذا صار إليه إن شاء الله
_________________
(١) ١ أخرجه مالك والنسائي من حديث عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بلفظ: "وفي كل أصبع من أصابع اليد أو الرجل عشرة من الإبل".
[ ٩٤ ]
كما صار إلى ما بلغه عن رسول الله -ﷺ- بتقواه لله، وتأديته الواجب عليه في اتباع أمر رسول الله -ﷺ- وعلمه بأن ليس لأحد مع رسول الله -ﷺ- أمر وأن طاعة الله في اتباع أمر رسول الله -ﷺ".
وقال علم الدين الفلاني المتقدم ذكره في كتابه: "إيقاظ الهمم": "قال شيخ مشايخنا محمد حياة السندي، قال ابن الشحنة في: "نهاية النهاية": "وإن كان -أي ترك الإمام الحديث- لضعفه في طريقة فينظر إن كان له طريق غير الطريق الذي ضعفه به فينبغي أن تعتبر فإن صح عمل بالحديث، ويكون ذلك مذهبه ولا يخرج مقلدة عن كونه حنفيًّا بالعمل به، فقد صح أنه قال: "إذا صح الحديث فهو مذهبي" كذا قال بعض من صنف في هذا المقصود".
وقال في البحر: وإن لم يستفت ولكن بلغه الخبر وهو قوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام١: "أفطر الحاجم والمحجوم" وقوله٢: "الغيبة تفطر الصائم" ولم يعرف النسخ ولا تأويله فلا كفارة عليه عندهما لأن ظاهر الحديث واجب العمل خلافًا لأبي يوسف لأنه قال: "ليس للعامي العمل بالحديث لعدم علمه بالناسخ والمنسوخ".
ونقل ابن العز في حاشية الهداية ذلك أيضًا عن أبي يوسف وعلل بأن على العامي الاقتداء بالفقهاء لعدم الاهتداء في حقه إلى معرفة الأحاديث؛ قال: "في تعليله نظر فإن المسألة إذا كانت مسألة النزاع بين العلماء، وقد بلغ العامي الحديث الذي احتج به أحد الفريقين كيف يقال في هذا إنه غير معذور فإن قيل: "هو منسوخ" فقد تقدم أن المنسوخ ما يعارضه، ومن سمع الحديث فعمل به، وهو منسوخ فهو معذور إلى أن
_________________
(١) ١ رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وآخرون، من حديث شداد وثوبان مرفوعا. وقال أحمد والبخاري: إنه عن ثوبان أصح، ورواه الترمذي عن رافع بن خديج، ورواه غيرهم عن آخرين. وهذا الحديث معارض بما في صحيح البخاري من حديث ابن عباس أنه -ﷺ- احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرم. والأول متواتر وهو صحيح كما جاء في الجامع الصغير وغيره. والجامع بينهما أن يأمنا على نفسهما الأفطار. ٢ رواه الأزدي في الضعفاء والديلمي في مسند الفردوس عن أنس.
[ ٩٥ ]
يبلغه الناسخ، ولا يقال لمن سمع الحديث الصحيح: لا تعمل به حتى تعرضه على رأي فلان، أو فلان وإنما يقال له: انظر هل هو منسوخ أم لا؟ أما إذا كان الحديث قد اختلف في نسخة كما في هذه المسألة فالعامل به في غاية العذر فإن تطرق الاحتمال إلى خطأ المفتي أولى من تطرق الاحتمال إلى نسخ ما سمعه من الحديث، إلى أن قال: "فإذا كان العامي يسوغ له الأخذ بقول المفتي بل يجب عليه مع احتمال خطأ المفتي كيف لا يسوغ الأخذ بالحديث فلو كانت سنة رسول الله -ﷺ- لا يجوز العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان، لكان قولهم شرطًا في العمل بها وهذا من أبطل الباطل ولذا أقام الله الحجة برسوله -ﷺ- دون آحاد الأمة؛ ولا يفرض احتمال خطأ لمن عمل بالحديث وأفتى به بعد فهمه إلا وأضعاف أضعافه حاصل لمن أفتى بتقليد من لا يعلم خطأه من صوابه، ويجوز عليه التناقض، والاختلاف ويقول القول ويرجع عنه ويحكي عنه عدة أقوال وهذا كله فيمن له نوع أهلية وأما إذا لم يكن له أهلية ففرضه ما قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١ وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتب له من كلامه أو كلام شيخه وإن علا، فلأن يجوز اعتماد الرجل على ما كتبه الثقات من كلام رسول الله -ﷺ- أولي بالجواز، وإذا قدر أنه لم يفهم الحديث فكما إذا لم يفهم فتوى المفتي فيسأل من يعرف معناها فكذلك الحديث. انتهى بحروفه.
الثمرة السادسة:
قال علم الدين الفلاني في: "إيقاظ الهمم"٢ نقلًا عن الإمام السندي الحنفي قدس سره ما نصه: "تقرر أن الصحابة ما كانوا كلهم مجتهدين على اصطلاح العلماء، فإن فيهم القروي والبدوي ومن سمع منه حديثًا واحدًا أو صحبه مرة، ولا شك أن من سمع حديثًا عن رسول الله -ﷺ- أو عن واحد من الصحابة -﵃- كان يعمل به حسب فهمه مجتهدًا كان أو لا، ولم يعرف أن غير المجتهد منهم كلف بالرجوع إلى المجتهد
_________________
(١) ١ سورة النحل آية ٤٣، الأنبياء آية ٧. ٢ ص٩٠.
[ ٩٦ ]
فيما سمعه من الحديث لا في زمانه -ﷺ- ولا بعده في زمان الصحابة -﵃- وهذا تقرير منه -ﷺ- بجواز العمل بالحديث لغير المجتهد، وإجماع من الصحابة عليه، ولولا ذلك لأمر الخلفاء غير المجتهد منهم سيما أهل البوادي أن لا يعملوا بما بلغهم عن النبي -ﷺ- مشافهة أو بواسطة حتى يعرضوا على المجتهدين منهم، ولم يرد من هذا عين ولا أثر؛ وهذا هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١ ونحوه من الآيات حيث لم يقيَّد بأن ذلك على فهم الفقهاء، ومن هنا عرفت أنه لا يتوقف العمل بعد وصول الحديث الصحيح على معرفة عدم الناسخ، أو عدم الإجماع على خلافه، أو عدم المعارض، بل ينبغي العمل به إلى أن يظهر شيء من الموانع، فينظر ذلك، ويكفي في العمل كون الأصل عدم هذه العوارض المانعة عن العمل، وقد بنى الفقهاء على اعتبار الأصل في شيء أحكامًا كثيرة في الماء، ونحوه لا تحصى على المتتبع لكتبهم، ومعلوم أن من أهل البوادي والقرى البعيدة من كان يجيء إليه -ﷺ- مرة أو مرتين ويسمع شيئًا ثم يرجع إلى بلاده ويعمل به والوقت كان وقت نسخ، وتبديل ولم يعرف أنه -ﷺ- أمر أحدًا من هؤلاء بالمراجعة ليعرف الناسخ من المنسوخ بل إنه قرر من قال٢: "لا أزيد على هذا ولا أنقص" -على ما قال- ولم ينكر عليه بأنه يحتمل النسخ بل دخل الجنة إن صدق؛ وكذلك ما أمر الصحابة أهل البوادي وغيرهم بالعرض على مجتهد ليميز له الناسخ من المنسوخ؛ فظهر أن المعتبر في النسخ ونحوه بلوغ الناسخ لا وجوده، ويدل على أن المعتبر البلوغ لا الوجود أن المكلف مأمور بالعمل على وفق المنسوخ ما لم يظهر عنده الناسخ فإذا ظهر لا يعيد ما عمل على وفق المنسوخ بل صحح ذلك حديث نسخ القبلة
_________________
(١) ١ سورة الحشر، آية: ٧. ٢ هذا حديث الأعراب الذي سأل عن الإسلام من صلاة وصيام وغيرهما من الفرائض، ثم أدبر وهو يقول: لا أزيد على هذا ولا أنقص. فقال الرسول -ﷺ: "أفلح إن صدق"، أو "دخل الجنة إن صدق". أخرجه الشيخان وأصحاب السنن، إلا الترمذي.
[ ٩٧ ]
إلى الكعبة المشرفة، فإن خبره وصل إلى أطراف المدينة المنورة كأهل قباء، وغيرهم بعدما صلوا على وفق القبلة المنسوخة فمنهم من وصله الخبر في أثناء الصلاة ومنهم من وصله بعد أن صلى الصلاة والنبي -ﷺ- قررهم على ذلك ولم يأمر أحدًا منهم بالإعادة فلا عبرة لما قيل: "لا يجوز العمل قبل البحث عن المعارض والمخصص وإن ادُّعي عليه الإجماع" فإنه لو سلم فإجماع الصحابة وتقرير النبي -ﷺ- مقدم على إجماع من بعدهم على أن ما ادُّعي من الإجماع قد علم خلافه كما ذكر في بحر الزركشي في الأصول" انتهى ملخصًا.
الثمرة السابعة:
قال ابن السمعاني: "متى ثبت الخبر، صار أصلا من الأصول، ولا يحتاج إلى عرضه على أصل آخر لأنه إن وافقه فذاك وإن خالفه لم يجز رد أحدهما لأنه رد للخبر بالقياس وهو مردود بالاتفاق فإن السنة مقدمة على القياس". ا. هـ.
ومنه يعلم أن من رد حديث أبي هريرة في المصراة١، المتفق عليه؛ لأنه لم يكن كابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة فلا يؤخذ بما رواه مخالفًا للقياس فقد آذى قائله به نفسه وفي حكايته غنى عن تكلف الرد عليه، ولا قول لأحد مع قول رسول الله -ﷺ- كائنًا من كان، وأيا كان وممن كان و"إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل"٢، وأين القياس وإن كان جليًّا من السنة المطهرة إنما يصار إليه عند فقد الأصل من الكتاب والخبر لا مع وجود واحد منهما.
وقال ابن السمعاني في الاصطلاح: "التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله، بل هو بدعة وضلالة، وقد اختص أبو هريرة بمزيد الحفظ لدعاء رسول الله -ﷺ- له
_________________
(١) ١ التصرية: حبس اللبن في الضروع؛ والمصراة: الشاة أو الناقة تترك عن الحلب أياما حتى يعظم ضرعها، ويخيل للمشتري غزارة لبنها فيغتر. وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك. فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وأن سخطها ردها وصاعا من تمر" وأخرجه البخاري عن ابن مسعود أيضًا. ٢ هو من أمثال المولدين، ذكره الميداني في مجمع الأمثال ص٥٨.
[ ٩٨ ]
يعني قوله: "إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله -ﷺ- فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا " الحديث، وهو في كتاب العلم وأول البيوع أيضًا عند البخاري.
الثمرة الثامنة:
لا يضر صحة الحديث تفرد صحابي به -قال الإمام ابن القيم في: "إغاثة اللهفان"١ في مناقشة من طعن في حديث ابن عباس في المطلقة ثلاثًا بأنها كانت واحدة٢ على عهد رسول الله -ﷺ- ِ وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر ما نصه: وقد رده آخرون بمسلك أضعف من هذا كله فقالوا: هذا حديث لم يروه عن رسول الله -ﷺ- إلا ابن عباس وحده، ولا عن ابن عباس إلا طاوس وحده قالوا فأين أكابر الصحابة، وحفاظهم عن رواية مثل هذا الأمر العظيم الذي الحاجة إليه شديدة جدًّا فكيف خفي هذا على جميع الصحابة وعرفه ابن عباس وحده وخفي على أصحاب ابن عباس كلهم، وعلمه طاوس وحده؟ وهذا أفسد من جميع ما تقدم، ولا ترد أحاديث الصحابة وأحاديث الأئمة الثقات بمثل هذا فكم من حديث تفرد به واحد من الصحابة لم يروه غيره وقبله الأمة كلهم فلم يرده أحد منهم، وكم من حديث تفرد به من هو دون طاوس بكثير، ولم يرده أحد من الأئمة ولا نعلم أحدًا من أهل العلم قديمًا ولا حديثًا قال: "إن الحديث إذا لم يروه إلا صحابي واحد لم يقبل" وإنما يُحكى عن أهل البدع ومن تبعهم في ذلك أقوال لا يعرف لها قائل من الفقهاء، وقد تفرد الزهري بنحو ستين سنة لن يروها غيره وعملت بها الأمة، ولم يردوها بتفرده هذا مع أن عكرمة روى عن ابن عباس -﵁- حديث ركانه، وهو موافق لحديث طاوس عنه فإن قدح في عكرمة أبطل، وتناقض فإن الناس احتجوا بعكرمة وصحح أئمة الحفاظ حديثه، ولم يلتفتوا إلى قدح من قدح فيه.
_________________
(١) ١ ص١٦٠ القاهرة، المطبعة الميمنية. ٢ يشير إلى الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم من طريق ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: "كان الطلاق على عهد رسول الله -ﷺ- وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم".
[ ٩٩ ]
فإن قيل: "فهذا هو الحديث الشاذ، وأقل أحواله أن يتوقف فيه، ولا يجزم بصحته عن رسول الله -ﷺ﵇" قيل: "ليس هذا هو الشاذ، وإنما الشذوذ أن يخالف١ الثقات فيما رووه، فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة حديثًا منفردًا به لم يرو الثقات خلافه فإن ذلك لا يسمى شاذًّا. وإن اصطلح على تسميته شاذًّا بهذا المعنى لم يكن هذا الاصطلاح موجبًا لرده ولا مسوغًا له قال الشافعي ﵀: "وليس الشاذ أن ينفرد الثقة برواية الحديث بل الشاذ أن يروي خلاف ما رواه الثقات" قاله في مناظرته بعض من رد الحديث بتفرد الراوي فيه ثم إن هذا القول لا يمكن أحدًا من أهل العلم، ولا من الأئمة ولا من أتباعهم طرده ولو طردوه لبطل كثير من أقوالهم، وفتاويهم والعجب أن الرادين لهذا الحديث بمثل هذا الكلام قد بنوا كثيرًا من مذاهبهم على أحاديث ضعيفة انفرد بها رواتها لا تعرف عن سواهم وذلك أشهر وأكثر من أن يعد".
الثمرة التاسعة:
ما كل حديث صحيح تُحَدَّث به العامة -والدليل على ذلك ما رواه الشيخان عن معاذ -﵁- قال كنت ردف النبي -ﷺ- على حمار فقال: "يا معاذ! هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله"؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا" قلت: يا رسول الله -ﷺ- أفلا أبشر به الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا! " وفي رواية لهما عن أنس أن النبي -صلى الله علينه وسلم- قال لمعاذ وهو ردفه: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله -ﷺ- صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار" قال: يا رسول الله -ﷺ- أفلا أخبر به الناس فيستبشروا. قال: "إذًا يتكلوا" فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا وروى البخاري تعليقًا عن علي -﵁: "حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ " ومثله
_________________
(١) ١ في الأصل: الشذوذت تخالف.
[ ١٠٠ ]
قول ابن مسعود: "ما أنت محدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" رواه مسلم.
قال الحافظ ابن حجر: "وممن كره التحديث ببغض دون بعض، أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على الأمير؛ مالك في أحاديث الصفات؛ وأبو يوسف في الغرائب؛ ومن قبلهم أبو هريرة كما روي عنه في الجرابين١وأن المراد ما يقع من الفتن؛ ونحوه عن حذيفة، وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين٢، أنه أتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي؛ وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة وظاهره في الأصل غير مراد فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب". ا. هـ.
ولما كان النهى للمصلحة لا للتحريم أخبر به معاذ لعموم الآية بالتبليغ.
قال بعضهم: "النهى في قوله: -ﷺ- "لا تبشرهم" مخصوص ببعض الناس وبه احتج البخاري على أن للعالم أن يخص بالعلم قومًا دون قوم، كراهة أن لا يفهموا وقد يتخذ أمثال هذه الأحاديث البطلة٣ والمباحية٤ ذريعة إلى ترك التكاليف ورفع الأحكام وذلك يفضي إلى خراب الدنيا بعد خراب العقبى. وأين هؤلاء ممن إذا بشروا زادوا جدًّا في العبادة وقد قيل للنبي -ﷺ: أتقوم الليل وقد غفر الله لك؟ فقال -صلى الله عليه وسلم٥: "أفلا أكون عبدًا شكورًا".
_________________
(١) ١ في مسند أحمد أن أبا هريرة قال: "حفظت ثلاثة أجربة، بثتت منها جرابين". وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أنه قال: "حفظت عن رسول الله -ﷺ- وعاءين فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم". ٢ العرنيون نفر قدموا على النبي -ﷺ- فاجتووا المدينة، فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا، فصحوا، فارتدوا وقتلوا رعاتها، واستاقوا الإبل، فبعث في آثارهم فأُتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينمهم، ثم لم يحسمهم حتى ماتوا. والحديث في الصحيحين وغيرهما. "راجع فتح الباري: ج١٢، ص٩٨". ٣ يقال أبطل: إذا جاء بالباطل: والبطلة: السحرة والشياطين، وفي مسند أحمد من حديث أبي أمامة: "اقرءوا البقرة، فإن أخذها بركة. وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة" وأخرجه مسلم في الصلاة. ٤ كذا في الأصل ولعلها الإباحية. ٥ أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي من حديث المغيرة بن شعبة.
[ ١٠١ ]
١٣- بيان الحديث الحسن ذكر ماهيته:
قال العلامة الطيبي: "الحسن مسند من قرب من درجة الثقة، أو مرسل ثقة وروى كلاهما من غير وجه، وسلم من شذوذ وعلة" وهذا الحد أجمع الحدود التي نقلت في الحسن وأضبطها وإنما سمي حسنًا لحسن الظن براويه.
[ ١٠٢ ]
١٤- بيان الحسن لذاته ولغيره:
اعلم أن ما عرفناه أولًا هو الحسن لذاته قال ابن الصلاح: "الحسن لذاته أن تشتهر رواته بالصدق ولم يصلوا في الحفظ رتبة رجال الصحيح؛ والحسن لغيره أن يكون في الإسناد مستور لم تتحقق أهليته، غير مغفل، ولا كثير الخطأ في روايته، ولا متهم بتعمد الكذب فيهان ولا ينسب إلى مفسق آخر واعتضد بمتابع أو شاهد فأصله ضعيف وإنما طرأ عليه الحسن بالعاضد الذي عضده فاحتمل لوجود العاضد ولولاه لاستمرت صفة الضعف فيه ولاستمر على عدم الاحتجاج به" كذا في فتح المغيث١.
_________________
(١) ١ ص١١ "على هامش ألفية العراقي" الهند، دلهى طبع حجر.
[ ١٠٢ ]
١٥- ترقي الحسن لذاته إلى الصحيح بتعدد طرقه:
اعلم أن الحسن إذا رُوي من وجه آخر ترقى من الحسن إلى الصحيح لقوته من الجهتين، فيعتضد أحدهما بالآخر؛ وذلك لأن الراوي في الحسن متأخر عن درجة الحافظ الضابط مع كونه مشهورًا بالصدق، والستر فإذا رُوي حديثه من غير، وجه ولو وجهًا واحدًا قوي بالمتابعة، وزال ما كان يخشى عليه من جهة سوء حفظ راويه فارتفع حديثه من درجة الحسن إلى الصحيح قال السيد الشريف: "ونعني بالترقي أنه ما حق في القوة بالصحيح لا أنه عينه"
[ ١٠٣ ]
١٦- بيان أول من شهر الحسن:
قال الإمام النووي في التقريب وشارحه السيوطي١: "كتاب الترمذي أصل في معرفة الحسن وهو الذي شهره وأكثر من ذكره وإن وجد في متفرقات من كلام بعض مشايخه والطبقة التي قبله".
وقال الإمام تقي الدين بن تيمية قدس سره في بعض فتاويه: "أول من عرف أنه قسم الحديث إلى صحيح وحسن، وضعيف أبو عيسى الترمذي ولم تعرف هذه القسمة عن أحد قبله، وقد بين أبو عيسى مراده بذلك فذكر أن الحسن ما تعددت طرقة، ولم يكن فيهم متهم بالكذب، ولم يكن شاذا وهو دون الصحيح الذي عرف عدالة ناقليه، وضبطهم" وقال: "الضعيف الذي عرف أن ناقله متهم بالكذب رديء الحفظ فإنه إذا رواه المجهول خيف أن يكون كاذبًا أو سيئ الحفظ فإذا وافقه آخر لم يأخذ عنه عرف أنه لم يتعمد كذبه، واتفاق الاثنين على لفظ واحد طويل قد يكون ممتنعًا، وقد يكون بعيدًا ولما كان تجويز اتفاقهما في ذلك ممكنًا نزل من درجة الصحيح" ثم قال تقي الدين قدس سره: "وأما من قبل الترمذي من العلماء فما عرف عنهم هذا التقسيم الثلاثي لكن كانوا يقسمونه إلى صحيح، وضعيف، والضعيف كان عندهم نوعان ضعيف ضعفًا لا يمتنع العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي وضعيف ضعفًا يوجب تركه وهو الواهي".
_________________
(١) ١ ص٥٤.
[ ١٠٣ ]
١٧- معنى قول الترمذي: "حسن صحيح":
للعلماء في ملحظ الترمذي بهذه العبارة وجوه نقلها السيوطى في التدريب١. قالوا: "العبارة المذكورة مما استشكل؛ لأن الحسن قاصر عن الصحيح فكيف يجتمع إثبات القصور ونفيه في حديث، واحد وأجاب ابن دقيق العيد بأن الحسن لا يشترط فيه القصور عن الصحة إلا حيث انفرد الحسن أما إذا ارتفع إلى درجة الصحة فالحسن حاصل لا محالة تبعًا للصحة لأن وجود الدرجة العليا، وهي الحفظ والإتقان لا ينافي وجود الدنيا كالصدق فيصح أن يقال حسن باعتبار الصفة الدنيا صحيح باعتبار العليا، ويلزم على هذا أن كل صحيح حسن، وقد سبقه إلى نحو ذلك ابن المواق قال الحافظ ابن حجر: وشبه ذلك قولهم في الراوي صدوق فقط وصدوق ضابط فإن الأول قاصر عن درجة رجال الصحيح والثاني منهم فكما أن الجمع بينهما لا يضر ولا يشكل فكذلك الجمع بين الصحة والحسن". ا. هـ.
_________________
(١) ١ ص٥٢، ٥٣
[ ١٠٤ ]
١٨- الجواب عن جمع الترمذي بين الحسن والغرابة على اصطلاحه:
قد أنكر بعض الناس على الإمام الترمذي تحديده للحسن بما حد به من كونه يُروى من غيروجه لقوله في بعض الأحاديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه والغريب الذي انفرد به الواحد، وأجاب الحافظ ابن حجر في شرح النخبة١: "بأن الترمذي لم يعرف الحسن مطلقًا وإنما عرفه بنوع خاص منه وقع في كتابه، وهو ما يقول فيه حسن من غير صفة أخرى، وذلك أنه يقول في بعض الأحاديث حسن، وفي بعضها صحيح وفي بعضها غريب، وفي بعضها حسن صحيح، وفي بعضها حسن غريب وفي بعضها صحيح غريب، وفي بعضها حسن صحيح غريب، وتعريفه إنما وقع على الأول فقط وعبارته ترشد إلى ذلك حيث قال في آخر كتابه:
_________________
(١) ١ ص١٢.
[ ١٠٤ ]
"وما قلنا في كتابنا: حديث حسن، فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا؛ إذ كل حديث يروى، لا يكون راويه متهما بكذب ويروى من غير وجه نحو ذلك ولا يكون شاذا فهو عندنا حديث حسن" فعرف بهذا أنه إنما عرف الذي يقول فيه حسن فقط أما ما يقول فيه حسن صحيح أو حسن غريب أو حسن صحيح غريب فلم يعرج على تعريف ما يقول فيه صحيح فقط أو غريب فقط، وكأنه ترك ذلك استغناء لشهرته عند أهل الفن واقتصر على تعريف ما يقول فيه في كتابه حسن فقط إما لغموضه، وإما لأنه اصطلاح جديد ولذلك قيده بقوله: "عندنا" ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل الخطابي". ا. هـ.
وقال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية في فتوى له: "الذين طعنوا على الترمذي لم يفهموا مراده في كثير مما قاله. فإن أهل الحديث قد يقولون: "هذا الحديث غريب" أي من هذا الوجه؛ وقد يصرحون بذلك فيقولون غريب من هذا الوجه فيكون الحديث عندهم صحيحًا معروفًا من طريق واحد. فإذا رُوي من طريق آخر، كان غريبًا من ذلك الوجه وإن كان المتن صحيحًا معروفا. فالترمذي إذا قال: حسن غريب قد يعني به أنه غريب من ذلك الطريق لكن المتن له شواهد صار بها من جملة الحسن". ا. هـ.
[ ١٠٥ ]
١٩- مناقشة الترمذي في بعض ما يصححه أو يحسنه:
قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية: "بعض ما يصححه الترمذي ينازعه غيره فيه، كما قد ينازعونه في بعض ما يضعفه ويحسنه، فقد يضعف حديثًا ويصححه البخاري، كحديث ابن مسعود لما قال له النبي -ﷺ: "ابغني أحجارًا أستنفض بهن"؛ قال: فأتيته بحجرين وروثة قال فأخذ الحجرين وترك الروثة وقال: "إنها رجس" ١.
فإن هذا اختلف فيه على أبي إسحاق السبيعي، فجعل الترمذي هذا الاختلاف علة، ورجح روايته له عن أبي عبيدة عن أبيه وهو لم يسمع من أبيه، وأما البخاري فصححه من طريق أخرى لأن أبا إسحاق كان الحديث يكون عنده عن جماعة يرويه عن هذا تارة وعن هذا تارة، كما كان الزهري يروي الحديث تارة عن سعيد بن المسيب، وتارة عن أبي سلمة وتارة يجمعها فمن لا يعرفه فيحدث به تارة عن هذان، وتارة عن هذا يظن بعض الناس أن ذلك غلط وكلاهما صحيح وهذا باب يطول وصفه".
_________________
(١) ١ في البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: أتى النبي -ﷺ- الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث، فلم أجده، فأخذت روثة، فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: "هذا ركس". وأما رواية: "ابغني أحجارًا أستنقض بها" أو نحوه فهي في البخاري من حديث أبي هريرة وكلاهما في كتاب الوضوء.
[ ١٠٥ ]
٢٠- بيان أن الحسن على مراتب:
نبه الأئمة على أن الحديث الحسن على مراتب كالصحيح. قال الحافظ الذهبي: "فأعلى مراتبه: بهز بن حكيم عن أبيه عن جده؛ وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ وابن إسحاق عن التيمي؛ وأمثال ذلك مما قيل فيه إنه صحيح، إنه أدنى مراتب الصحيح ثم بعد ذلك ما اختلف في تحسينه وضعفه كحديث الحرث بن عبد الله وعاصم بن ضمرة وحجاج بن أرطاة ونحوهم".
[ ١٠٦ ]
٢١- بيان كون الحسن حجة في الأحكام:
قال الأئمة: "الحسن كالصحيح في الاحتجاح به، وإن كان دونه في القوة ولهذا أدرجه طائفة من نوع الصحيح، كالحاكم وابن حبان وابن خزيمة مع قولهم بأنه دون الصحيح المبين أولًا".
وقال السخاوى في الفتح: "منهم من يدرج الحسن في الصحيح لاشتراكهما في الاحتجاج، بل نقل ابن تيمية إجماعهم إلا الترمذي خاصة عليه".
قال الخطابي: "على الحسن مدار أكثر الحديث لأن غالب الأحاديث لا تبلغ رتبة الصحيح وعمل به عامة الفقهاء، وقبله أكثر العلماء وشدد بعض أهل الحديث، فرد بكل علة قادحة كانت أم لا، كما رُوي عن ابن أبي حاتم أنه قال: سألت أبي عن حديث فقال: "إسناده حسن" فقلت: "يحتج به" فقال: "لا". ا. هـ.
والصواب مع الجمهور لما بينه الخطابي. هذا في الحسن لذاته وأما الحسن لغيره فيلحق بذلك في الاحتجاج لكن فيما تكثر طرقه عند قوم، كما سنبينه في بحث أنجبار الضعيف قريبًا.
[ ١٠٦ ]
٢٢- قبول زيادة راوي الصحيح والحسن:
قال الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها: "وزيادة راويهما -أي الصحيح والحسن- مقبولة ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة؛ لأن الزيادة إما أن تكون لا تنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها فهذه تقبل مطلقًا لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره، وإما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها رد الراوية الأخرى فهذه التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها فيقبل الراجح ويرد المرجوح، واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذا ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه، والعجب ممن أغفل ذلك منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح وكذا الحسن، والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها؛ ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة". ا. هـ.
[ ١٠٧ ]
بيان ألقاب للحديث تشمل الصحيح والحسن وهي الجيد والقوى والصالح والمعروف والمحفوظ والمجود والثابت والمقبول
٢٣- بيان ألقاب للحديث نشمل الصحيح والحسن وهي الجيد والقوي والصالح والمعروف والمحفوظ والمجود والثابت والمقبول:
"هذه الألفاظ مستعملة عند أهل الحديث في الخبر المقبول، والفرق بينها أن الجودة قد يعبر بها عن الصحة فيتساوى حينئذ الجيد والصحيح، إلا أن المحقق منهم، لا يعدل عن الصحيح إلى جيد إلا لنكتة كأن يرتقي الحديث عنده عن الحسن لذاته ويتردد في بلوغه الصحيح، فالوصف به حينئذ أنزل رتبة من الوصف بصحيح وكذا القوى، وأما الصالح فيشمل الصحيح والحسن لصلاحيتهما للاحتجاج، ويستعمل أيضًا في ضعيف يصلح للاعتبار، وسيأتي إن شاء الله معنى الاعتبار في تنبيه على حدة قبل بحث الأنواع التي تختص بالضعيف، وأما المعروف فهو مقابل المنكر والمحفوظ مقابل الشاذ وسيأتي بيان ذلك والمجود الثابت يشملان الصحيح والحسن" كذا في التدريب١ وقد عرف الحافظ ابن حجر المقبول في شرح النخبة بالذي يجب العمل به عند الجمهور، والمراد بالذي لم يرجح صدق المخبر به.
_________________
(١) ١ ص٥٨.
[ ١٠٨ ]
٢٤- بيان الضعيف ماهية الضعيف وأقسامه:
قال النووي١: "الضعيف ما لم يوجد فيه شروط الصحة، ولا شروط الحسن، وأنواعه كثيرة: منها الموضوع والمقلوب، والشاذ والمنكر، والمعلل، والمضطرب، وغير ذلك" مما سيفصل بعونه تعالى.
_________________
(١) ١ شرح صحيح مسلم: ج١، ص١٩.
[ ١٠٨ ]
٢٥- تفاوت الضعيف:
يتفاوت ضعفه بحسب شدة ضعف رواته وخفته، كصحة الصحيح؛ فمنه أوهى، كما أن من الصحيح أصح. قال السخاوي في الفتح: "واعلم أنهم كما تكلموا في أصح الأسانيد، مشوا في أوهى الأسانيد؛ وفائدته ترجيح بعض الأسانيد على بعض وتمييز ما يصلح للاعتبار مما لا يصلح". ا. هـ.
وللحاكم تفصيل لأوهى أسانيد الرجال والبلاد ساقه في التدريب؛ ولابن الجوزي كتاب في الأحاديث الواهية.
[ ١٠٩ ]
٢٦- بحث الضعيف إذا تعددت طرقه:
"اعلم أن الضعيف لكذب راويه أو لفسقه لا ينجبر بتعدد طرقة المثاثلة له لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر. نعم! يرتقي بمجموعه عن كونه منكرًا، أو لا أصل له، وربما كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجة المستور، والسيئ الحفظ بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن" نقله في التدريب١ عن الحافظ ابن حجر.
وقال السخاوي في فتح المغيث إن الحسن لغيره يلحق فيما يحتج به، لكن فيما تكثر طرقه؛ ولذلك قال النووي في بعض الأحاديث: "وهذه وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة فمجموعها يقوي بعضه بعضًا ويصير الحديث حسنًا ويحتج به". وسبقه البيهقي في تقوية الحديث بكثرة الطرق الضعيفة، وظاهر كلام أبي الحسن بن القطان يرشد إليه، فإنه قال: "هذا القسم لا يحتج به كله بل يعمل به في فضائل الأعمال ويتوقف عن العمل به في الأحكام، إلا إذا كثرت طرفه أو عضده اتصال عمل، أو موافقة شاهد صحيح أو ظاهر القرآن واستحسنه شيخنا -يعني ابن حجر- وصرح في موضع آخر بأن
_________________
(١) ١ ص٥٨.
[ ١٠٩ ]
الضعف الذي ضعفه ناشئ عن سوء حفظه إذا كثرت طرقه ارتقى إلى مرتبة الحسن.
وفي عون الباري نقلًا عن النووي أنه قال: "الحديث الضعيف عند تعدد الطرق يرتقي عن الضعف إلى الحسن، ويصير مقبولًا معمولًا به".
قال الحافظ السخاوي: "ولا يقتضي ذلك الاحتجاج بالضعيف، فإن الاحتجاج إنما هو بالهيئة المجموعة، كالمرسل حيث اعتضد بمرسل آخر، ولو ضعيفًا كما قاله الشافعي والجمهور". ا. هـ.
وقد خالف في ذلك الظاهرية قال ابن حزم في الملل١ في بحث صفة وجوه النقل الستة عند المسلمين ما صورته: "الخامس شيء نقل كما ذكرنا إما بنقل أهل المشرق والمغرب أو كافة عن كافة أو ثقة عن ثقة حتى يبلغ إلى النبي -ﷺ- إلا أن في الطريق رجلًا مجروحًا بكذب أو غفلة أو مجهول الحال فهذا أيضًا يقول به بعض المسلمين ولا يحل عندنا القول به ولا تصديقه ولا الأخذ بشيء منه وهو المتجه".
_________________
(١) ١ ص٨٣، ج٢ القاهرة، المطبعة الأدبية ١٣١٧هـ.
[ ١١٠ ]
ذكر قول مسلم ﵀ إن السراوى عن الضعفاء غاش آثم جاهل
٢٧- ذكر قول مسلم ﵀ إن الراوي عن الضعفاء غاسن آثم جاهل:
قال الإمام النووي١: "اعلم أن جرح الرواة جائز بل واجب بالاتفاق للضرورة الداعية إليه، لصيانة الشريعة المكرمة وليس هو من الغيبة المحرمة بل من النصيحة لله تعالى ورسوله والمسلمين ولم يزل فضلاء الأئمة وأخبارهم، وأهل الورع منهم يفعلون ذلك". ا. هـ.
وقد تكلم الإمام مسلم على جماعة منهم في مقدمة صحيحة ثم قال٢: "وأشباه ما ذكرنا من كلام أهل العلم في متهمي رواة الحديث وإخبارهم عن معايبهم كثير يطول الكتاب
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، ص٦٠. ٢ المصدر نفسه، ص٥٩.
[ ١١٠ ]
بذكره على استقصائه، وفيما ذكرنا كفاية لمن تفهم وعقل مذهب القوم فيما قالوا من ذلك وبينوا، وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار وأفتوا بذلك حين سئلوا لما فيه من عظيم الخطر، إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل أو تحريم، أو أمر أو نهى أو ترغيب أو ترهيب فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق، والأمانة ثم أقدم على الراوية عند من قد عرفه، ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته كان آثما بفعله ذلك غاشًّا لعوام المسلمين إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها أو يستعمل بعضها، ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها مع أن الأخبار الصحاح من رواة الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة، ولا مقنع ولا أحسب كثيرًا ممن يعرج من الناس على ما وصفنا من هذه الأحاديث الضعاف والأسانيد المجهولة، ويعتد بروايتها بعد معرفته بما فيها من التوهن والضعف إلا أن الذي يحمله على روايتها والاعتداد بها إرادة التكثر بذلك عند العوام، ولأن يقال ما أكثر ما جمع فلان من الحديث وألف من العدد، ومن ذهب في العلم هذا المذهب، وسلك هذا الطريق لا نصيب له فيه، وكان بأن يسمى جاهلا أولى من أن ينسب إلى علم" انتهى كلام الإمام مسلم رحمه الله تعالى ورضي عنه ولقد شفى وكفى.
[ ١١١ ]
مستنكر عن قوم غير مرضيين ممن ذم الرواية عنهم أئمة الحديث، لما سهل علينا الانتصاب لما سألت من التمييز والتحصيل؛ ولكن من أجل ما أعلمناك من نشر القوم الأخبار المنكرة، بالأسانيد الضعاف المجهولة، وقذفهم بها، إلى العوام الذين لا يعرفون عيوبها خف على قلوبنا إجابتك إلى ما سألت" ثم قال: "اعلم -وفقك الله تعالى- أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه، والستارة في ناقليه وأن يتقي منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع، والدليل على أن الذي قلنا من هذا هو اللازم دون ما خالفه قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ١ الآية وقال ﷿: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾ ٢ وقال سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُم﴾ ٣. فدل بما ذكرنا من هذا الآي، أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول وأن شهادة غير العدل مردوة والخبر إن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه، فقد يجتمعان في معظم معانيها إذ خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم كما أن شهادته مردودة عند جمعهم: ودلت السنة على نفي رواية المنكر من الأخبار، كنحو دلالة القرآن على نفي خبر الفاسق وهو الأثر المشهور عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم٤: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين". ثم ساق مسلم ﵀ ما ورد وعيد الكذب عليه -ﷺ- مما هو متواتر. ثم أسند عن أبي هريرة عن رسول الله -ﷺ- أنه قال٥: "سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم".
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، الآية، ٦. ٢ سورة البقرة، آية: ٢٨٢. ٣ سورة الطلاق، آية: ٢. ٤ رواه أحمد ومسلم وابن ماجه عن سمرة. ٥ أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة.
[ ١١٢ ]
٢٨- تشنيع الإمام مسلم على رواة الأحاديث الضعيفة والمنكرة وقذفهم بها إلى العوام، وإيجابه رواية ما عرفت صحة مخارجه:
قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى في خطبة صحيحه١: "فلولا الذي رأينا من سوء صنيع كثير ممن نصب نفسه محدثًا فيما يلزمهم من طرح الأحاديث الضعيفة، والروايات المنكرة وتركهم الاقتصار على الأخبار الصحيحة، مما نقله الثقات المعروفون بالصدق والأمانة، بعد معرفتهم وإقرارهم بألسنتهم أن كثيرًا مما يقذفون به إلى الأغبياء من الناس، هو
_________________
(١) ١ ص٣٣.
[ ٢٨ ]
٢٩- تحذير الإمام مسلم من روايات القصاص والصالحين:
روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن عاصم قال: "لا تجالسوا القصاص" وعن يحيى بن سعيد القطان قال: "لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث". وفي رواية: "لم نر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث" قال مسلم: "يعني أنه يجري الكذب على لسانهم ولا يتعمدون الكذب". قال النووي: "لكونهم لا يعانون صناعة أهل الحديث فيقع الخطأ في رواياتهم ولا يعرفونه ويروون الكذب ولا يعلمون أنه كذب".
[ ١١٣ ]
٣٠- ذكر المذاهب في الأخذ بالضعيف واعتماد العمل به في الفضائل:
ليعلم أن المذاهب في الضعيف ثلاثة:
الأول لا يعمل به مطلقًا؛ لا في الأحكام، ولا في الفضائل. حكاه ابن سيد الناس في عيون الأثر، عن يحيى بن معين، ونسبه في فتح المغيث لأبي بكر بن العربي، والظاهر أن مذهب البخاري ومسلم ذلك أيضًا يدل عليه شرط البخاري في صحيحة، وتشنيع الإمام مسلم على رواة الضعيف كما أسلفناه وعدم إخراجهما في صحيحهما شيئًا منه، وهذا مذهب ابن حزم ﵀ أيضًا حيث قال في الملل والنحل: "ما نقله أهل المشرق والمغرب أو كافة عن كافة أو ثقة عن ثقة حتى يبلغ إلى النبي -ﷺ- إلا أن في الطريق رجلًا مجروحًا بكذب أو غفلة، أو مجهول الحال فهذا يقول به بعض المسلمين ولا يحل عندنا القول به ولا تصديقه ولا الأخذ بشيء منه". ا. هـ.
الثاني: أنه يعمل به مطلقًا قال السيوطي: "وعزى ذلك إلى أبي داود وأحمد لأنهما يريان ذلك أقوى من رأي الرجال".
الثالث: يعمل به في الفضائل بشروطه الآتية وهذا هو المعتمد عند الأئمة. قال ابن عبد البر:
[ ١١٣ ]
"وأحاديث الفضائل لا يحتاج فيها إلى ما يحتج به". وقال الحاكم: "سمعت أبا زكريا العنبري يقول الخبر إذا ورد لم يحرم حلالًا، ولم يوجب حكما، وكان في ترغيب أو ترهيب أغمض عنه وتسوهل في رواته". ولفظ ابن مهدي فيما أخرجه البيهقي في المدخل: "إذا روينا عن النبي -ﷺ- في الحلال والحرام والأحكام، شددنا في الأسانيد، وانتقدنا في الرجال وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب سهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال". ولفظ أحمد في رواية الميموني عنه: "الأحاديث الرقائق يحتمل أن يتساهل فيها حتى يجيء شيء فيها حكم". وقال في رواية عباس الدوري عنه: "ابن إسحاق رجل تكتب عنه هذه الأحاديث" -يعني المغازي ونحوها- وإذا جاء الحلال والحرام أردنا قومًا هكذا -وقبض أصابع يده الأربع.
[ ١١٤ ]
٣١- الجواب عن رواية بعض كبار الأئمة عن الضعفاء:
قال الإمام النووي في شرح مسلم١: "قد يقال لم حدث هؤلاء الأئمة عن هؤلاء مع علمهم بأنهم؟ لا يحتج بهم ويجاب عنه بأجوبة:
أحدها: أنهم رووها ليعرفوها وليبنوا ضعفها لئلا يلتبس في وقت عليهم أو على غيرهم أو يتشككوا في صحتها.
الثاني: أن الضعيف يكتب حديثه ليعتبر أو يستشهد ولا يحتج به على انفراده.
الثالث: رواية الراوي الضعيف يكون فيها الصحيح والباطل، فيكتبونها ثم يميز أهل الحديث والإتقان بعض ذلك من بعض وذلك سهل عليهم معروف عندهم وبهذا احتج سفيان ﵀ حين نهى عن الراوية عن الكلبي فقيل له: أنت تروي عنه فقال: "أنا أعلم صدقة من كذبه".
الرابع أنهم قد يروون عنهم أحاديث الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال والقصص،
_________________
(١) ١ ص٦٠.
[ ١١٤ ]
وأحاديث الزهد، ومكارم الأخلاق ونحو ذلك مما لا يتعلق بالحلال، والحرام وسائر الأحكام، وهذا الضرب من الحديث يجوز عند أهل الحديث، وغيرهم التساهل فيه ورواية ما سوى الموضوع منه، والعمل به لأن أصول ذلك صحيحة مقررة في الشرع معروفة عند أهله، وعلى كل حال فإن الأئمة لا يروون عن الضعفاء شيئًا يحتجون به، على انفراده في الأحكام فإن هذا شيء لا يفعله إمام من أئمة المحدثين، ولا محقق من غيرهم من العلماء، وأما فعل كثيرين من الفقهاء أو أكثرهم ذلك، واعتمادهم عليه فليس بصواب بل قبيح جدًّا، وذلك لأنه إن كان يعرف ضعفه لم يحل له أن يحتج به فإنهم متفقون على أنه لا يحتج بالضعيف في الأحكام وإن كان لا يعرف ضعفه لم يحل له أن يهجم على الاحتجاج به من غير بحث عليه بالتفتيش عنه إن كان عارفا أو بسؤال أهل العلم به إن لم يكن عارفا". ا. هـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى: "قد يكون الرجل عندهم ضعيفًا لكثرة الغلط في حديثه ويكون حديثه الغالب عليه الصحة فيروون عنه لأجل الاعتبار به، والاعتضاد به فإن تعدد الطرق، وكثرتها يقوى بعضها بعضًا حتى قد يحصل العلم بها، ولو كان الناقلون فجارًا وفساقًا فكيف إذا كانوا علماء عدولًا ولكن كثر في حديثهم الغلط، وهذا مثل عبد الله بن لهيعة فإنه من أكابر علماء المسلمين، وكان قاضيًا بمصر كثير الحديث، ولكن احترقت كتبه فصار يحدث من حفظه فوقع في حديثه غلط كثير مع أن الغالب على حديثه الصحة قال أحمد قد أكتب حديث الرجل للاعتبار به مثل ابن لهيعة، وأما من عرف منه أنه يتعمد الكذب فمنهم من لا يروي عن هذا شيئًا، وهذه طريقة أحمد بن حنبل، وغيره لم يرو في مسنده عمن يعرف أنه يتعمد الكذب لكن يروي عمن عرف منه الغلط للاعتبار به والاعتضاد، ومن العلماء من كان يسمع حديث من يكذب، ويقول إنه يميز بين ما يكذبه وبين ما لا يكذبه، ويذكر عن الثوري أنه كان يأخذ عن الكلبي وينهى عن الأخذ عنه ويذكر أنه يعرف ومثل هذا قد يقع لمن كان خبيرًا بشخص إذا حدثه بأشياء يميز بين ما صدق فيه وما كذب فيه، بقرائن لا يمكن
[ ١١٥ ]
ضبطها. وخبر الواحد قد يقترن به قرائن تدل على أنه صدق، وقرائن تدل على أنه كذب". ا. هـ.
وروى الإمام ابن عبد البر في: "جامع بيان العلم وفضله" في باب الرخصة في كتابة العلم١ عن سفيان الثوري أنه قال: "إني أحب أن أكتب الحديث على ثلاثة أوجه، حديث أكتبه أريد أن أتخذه دينًا وحديث رجل أكتبه فأوفقه لا أطرحه، ولا أدين به وحديث رجل ضعيف أحب أن أعرفه ولا أعبأ به، وقال الأوزاعي تعلم ما لا يؤخذ به كما تتعلم ما يؤخذ به".
_________________
(١) ١ ص٣٨.
[ ١١٦ ]
٣٢- ما شرطه المحققون لقبول الضعيف:
قال السيوطي في التدريب: "لم يذكر ابن الصلاح والنووي لقبوله سوى هذا الشرط كونه في الفضائل ونحوها".
وذكر الحافظ ابن حجر له ثلاثة: شروط أحدها أن يكون الضعف غير شديد فيخرج من انفرد من الكذابين، والمتهمين بالكذب ومن فحش غلطه؛ نقل العلائي الاتفاق عليه؛ الثاني: أن يندرج تحت أصل معمول به؛ الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط.
وقال الزركشي: "الضعيف مردود ما لم يقتض ترغيبًا، أو ترهيبًا، أو تتعدد طرقه؛ ولم يكن المتابع منحطًّا عنه". ا. هـ.
قال السيوطي: "ويعمل بالضعيف أيضًا في الأحكام إذا كان فيه احتياط"١. ا. هـ.
_________________
(١) ١ السيوطي: تدريب الراوي، ص١٠٨.
[ ١١٦ ]
تزييف درع الموسوسين في المتفق على ضعفه
٣٣- تزييف ورع الموسوسين في المتفق على ضعفه:
ذكر شارحو صحيح البخاري عند قوله في كتاب البيوع "باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات" أن غرض البخاري بيان ورع الموسوسين، كمن يمتنع من أكل الصيد خشية أن يكون الصيد كان لإنسان ثم انفلت منه، وكمن يترك شراء ما يحتاج إليه من مجهول لا يجري أماله حرام أم حلال، وليست هناك علامة تدل على الحرمة، وكمن يترك تناول الشيء لخبر ورد فيه متفق على ضعفه وعدم الاحتجاج به ويكون دليل الإباحة قويًّا وتأويله ممتنع أو مستبعد.
قال الغزالي: "الورع أقسام: ورع الصديقين، وهو ترك ما لا يتناول بغير نية القوة على العبادة؛ وورع المتقين، وهو ترك ما لا شبهة فيه، ولكن يخشى أن يجر إلى الحرام؛ وورع الصالحين، وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال التحريم بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع فإن لم يكن فهو ورع الموسوسين. قال: ووراء ذلك ورع الشهود، وهو ترك ما يسقط الشهادة أعم من أن يكون ذلك المتروك حراما أم لا".
[ ١١٧ ]
٣٤- ترجيح الضعيف على رأي الرجال:
نقل السخاوي في فتح المغيث عن الحافظ ابن منده مما سمعه من محمد بن سعد الباوردي: "أن النسائي صاحب السنن لا يقتصر في التخريج عن المتفق على قبولهم، بل يخرج عن كل من يجمع الأئمة على تركه". قال العراقي: "وهو مذهب متسع". قال ابن منده: "وكذلك أبو داود يأخذ مأخذ النسائي، يعني في عدم التقيد بالثقة والتخريج لمن ضعف في الجملة وإن اختلف صنيعهما". وقال السخاوي: "أبو داود يخرج الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، وهو أقوى عنده من رأي الرجال، وهو تابع في ذلك شيخه الإمام أحمد فقد روينا من طريق عبد الله بن أحمد بالإسناد الصحيح إليه قال: سمعت أبي يقول: لا تكاد ترى أحدا ينظر في الرأي إلا وفي قلبه غل والحديث الضعيف أحب إلى من الرأي"
[ ١١٧ ]
قال: "فسألته عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيها إلا صاحب حديث لا يدري صحيحه من سقيمه وصاحب رأي فمن يسأل قال: يسأل صاحب الحديث ولا يسأل صاحب الرأي".
وذكر ابن الجوزي في الموضوعات أنه كان قدم الضعيف على القياس. بل حكى الطوفي عن التقى ابن تيميه أنه قال: اعتبرت مسند أحمد فوجدته موافقًا بشرط أبي داود وزعم ابن حزم أن جميع الحنفية على أن مذهب إمامهم أيضًا: أن ضعيف الحديث أولى عنده من الرأي والقياس. ا. هـ.
ثم رأيت في: "منهاج السنة" للإمام تقي الدين بن تيميه ما نصه: "وأما نحن فقولنا إن الحديث الضعيف خير من الرأي ليس المراد به الضعيف المتروك لكن المراد به الحسن؛ كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ وحديث إبراهيم الهجري وأمثالهما ممن يحسن الترمذي حديثه أو يصححه. وكأن الحديث في اصطلاح من قبل الترمذي إما صحيح، وإما ضعيف. والضعيف نوعان: ضعيف متروك، وضعيف ليس بمتروك؛ فتكلم أئمة الحديث بذلك الاصطلاح، فجاء من لا يعرف إلا اصطلاح الترمذي، فسمع قول بعض الأئمة: "الحديث الضعيف أحب إليَّ من القياس" فظن أنه يحتج بالحديث الذي يضعفه مثل الترمذي وأخذ يرجح طريقة من يرى أنه اتبع للحديث الصحيح، وهو في ذلك من المتناقضين الذي يرجحون الشيء على ما هو أولى بالرجحان منه إن لم يكن دونه". ا. هـ.
[ ١١٨ ]
٣٥- بحث الدواني في الضعيف:
قالت المحقق جلال الدين الدواني في رسالته أنموذج العلوم: "اتفقوا على أن الحديث الضعيف، لا تثبت به الأحكام الشرعية، ثم ذكروا أنه يجوز، بل يستحب العمل بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال. وممن صرح به النووي في كتبه لا سيما كتاب: "الأذكار" وفيه إشكال لأن جواز العمل، واستحبابه كلاهما من الأحكام الشرعية الخمسة فإذا استحب العمل بمقتضى الحديث الضعيف، كان ثبوته بالحديث الضعيف، وذلك ينافي ما تقرر من عدم ثبوت الأحكام بالأحاديث الضعيفة. وقد حاول بعضهم التفصي١ عن ذلك وقال: إن مراد النووي أنه إذا ثبت حديث صحيح أو حسن في فضيلة عمل من الأعمال، تجوز رواية الحديث الضعيف في هذا الباب؛ ولا يخفى أن هذا لا يرتبط بكلام النووي فضلًا عن أن يكون مراده ذلك! فكم من فرق بين جواز العمل واستحبابه، وبين مجرد نقل الحديث، على أنه لو لم يثبت الحديث الصحيح أو الحسن في فضيلة عمل من الأعمال، يجوز نقل الحديث الضعيف فيها لا سيما من التنبيه على ضعفه، ومثل ذلك في كتب الحديث، وغيره كثير شائع يشهد به من تتبع أدنى تتبع، والذي يصلح للتعويل أنه إذا وجد حديث ضعيف في فضيلة عمل من الأعمال، ولم يكن هذا العمل مما يحتمل الحرمة أو الكراهة فإنه يجوز العمل به، ويستحب لأنه مأمون الخطر، ومرجو النفع إذ هو دائر بين الإباحة والاستحباب فالاحتياط العمل به. رجاء الثواب وأما إذا دار بين الحرمة والاستحباب فلا وجه لاستحباب العمل به. وأما إذا دار بين الكراهة والاستحباب فمجال النظر فيه واسع إذ في العمل دغدغة٢ الوقوع في المكروه، وفي الترك مظنة ترك المستحب فلينظر إن كان خطر الكراهة أشد بأن تكون الكراهة المحتملة شديدة كان خطر الكراهة أضعف بأن تكون الكراهة على تقدير وقوعها ضعيفة دون مرتبة ترك العمل على تقدير استحبابه فالاحتياط العمل به وفي صورة المساواة يحتاج إلى نظر تام، والظاهر أنه يستحب أيضًا لأن المباحات تصير بالنية عبادة فكيف ما فيه شبهة الاستحباب لأجل الحديث الضعيف فجواز العمل واستحبابه مشروطان أما جواز العمل فبعدم احتمال الحرمة وأما الاستحباب فيما ذكر مفصلًا.
"بقي ها هنا شيء وهو أنه عدم احتمال الحرمة فجواز العمل ليس لأجل الحديث إذ لو لم يوجد يجوز العمل أيضًا لأن المفروض انتفاء الحرمة. لا يقال: الحديث الضعيف ينفي احتمال الحرمة لأنا نقول الحديث الضعيف لا يثبت به شيء من الأحكام الخمسة،
_________________
(١) ١ في أساس البلاغة: ليتني أتقصى من فلان، أي أتخلص منه. ٢ الدغدغة: هي، الحركة.
[ ١١٩ ]
وانتفاء الحرمة يستلزم ثبوت الإباحة والإباحة حكم شرعي فلا يثبت بالحديث الضعيف ولعل مراد النووي ما ذكرنا، وإنما ذكر جواز العمل توطئة للاستحباب.
"وحاصل الجواب: أن الجواز معلوم من خارج، والاستحباب أيضًا معلوم من القواعد الشرعية الدالة على استحباب الاحتياط في أمر الدين فلم يثبت شيء من الأحكام بالحديث الضعيف، بل أوقع الحديث شبهة الاستحباب فصار الاحتياط أن يعمل به، فاستحباب الاحتياط معلوم من قواعد الشرع". ا. هـ.
وقد ناقش الدواني ﵀ الشهاب الخفاجي في: "شرح الشفا" فقال بعد نقله ملخص كلامه المذكور ما صورته: "ما قاله الجلال، مخالف لكلامهم برمته، وما نقله من الاتفاق غير صحيح، مع ما سمعته من الأقوال -يعني في العمل بالضعيف- والاحتمالات التي أبداها لا تفيد سوى تسويد وجه القرطاس، والذي أوقعه في الحيرة توهمه، أن عدم ثبوت الأحكام به متفق عليه، وأنه يلزم من العمل به في الفضائل والترغيب أنه يثبت به حكم من الأحكام، وكلاهما غير صحيح أما الأول فلأن من الأئمة من جوز العمل به بشروطه، وقدمه على القياس، وأما الثاني فلأن ثبوت الفضائل والترغيب لا يلزمه الحكم ألا ترى أنه لو روى حديث ضعيف في ثواب بعض الأمور الثابت استحبابها والترغيب فيه أو في فضائل بعض الصحابة رضوان الله عليهم أو الأذكار المأثورة، لم يلزم مما ذكر ثبوت حكم أصلا، ولا حاجة لتخصيص الأحكام والأعمال كما توهم للفرق الظاهر بين الأعمال وفضائل الأعمال وإذا ظهر عدم الصواب؛ لأن القوس في يد غير باريها ظهر أنه إشكال ولا خلل ولا اختلال". ا. هـ.
وأقول إن للشهاب ولعًا في المناقشة غريبًا، وإن لم يحظ الواقف عليها بطائل! وتلك عادة استحكمت منه في مصنفاته، كما يعلمه من طالعها؛ ولعله هو الذي سود وجه القرطاس ها هنا؟ إذ لا غبار على كلام الجلال. وأما انتقاده عليه بنقله الاتفاق على أن الحديث الضعيف لا تثبت به الأحكام مع وجود الخلاف فيه فلأنه عنى اتفاق مدققي النقاد وأولى اشتراط
[ ١٢٠ ]
الصحة في قبول الإسناد، كالشيخين وأضرابهما ممن أسلفنا النقل عنهما في المذهب الأول في الضعيف، إن لم نقل إن الجلال لم ير مقابله مما يجدر سوقه مقابلًا، حتى يحكي الخلاف فيه؛ وكثيرًا ما يترفع المؤلفون عن الأقوال الواهية؛ ولو في نظارهم فيحكون الاتفاق، ومرادهم اتفاق ذوي التحقيق، كما هو معلوم في المؤلفات المتداولة. وأما مناقشته، بأن ثبوت الفضائل والترغيب لا يلزمه الحكم، فإلزام لما لم يلتزمه الجلال؛ لأنه لم يدعه، وكلامه في الأعمال خاصة؛ فمؤاخذته بمطلق الفضائل افتراء أو مشاغبة! وأما قوله: "ولا حاجة لتخصيص الأحكام إلى آخره". فشط من القلم إلى جداول الجدل الفاضح! وهل كلامه إلا في الأحكام والأعمال؟ وتعليله بظهور الفرق بين الأعمال وفضائلها غير ظاهر هنا، لاتحادها في هذا البحث؛ لأن الإضافة في فضائل الأعمال بيانه، أو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: الأعمال الفاضلة. فتأمل لعلك ترى القوس في يد الجلال، كما رآه الجمال.
[ ١٢١ ]
٣٦- مسائل تتعلق بالضعيف:
الأولى: من رأى حديثا بإسناد ضعيف، فله أن يقول: "هو ضعيف بهذا الإسناد" ولا يقول: "ضعيف المتن" بمجرد ذلك الإسناد، فقد يكون له إسناد آخر صحيح؛ إلا أن يقول إمام إنه لم يرد من وجه صحيح، أو إنه حديث ضعيف مبينًا ضعفه.
الثانية: من أراد رواية ضعيف بغير إسناد فلا يقل: "قال رسول الله -ﷺ- بل يقول: روي عنه كذا، أو بلغنا عنه كذا، أو ورد عنه، أو جاء عنه، أو نقل عنه" وما أشبه ذلك من صيغ التمريض كروى بعضهم، وكذا يقول في ما يشك في صحته وضعفه. أما الصحيح فيذكر بصيغة الجزم، ويقبح فيه صيغة التمريض، كما يقبح في الضعيف صيغة الجزم.
الثالثة: لا يتصدى للجواب عن الحديث المشكل إلا إذا كان صحيحًا. وأما إذا كان ضعيفًا فلا. قال العلامة السيد أحمد بن المبارك في "الإبريز" في خلال بحث في بعض الأحاديث الضعيفة: وإن كان الحديث في نفسه مردودًا، هان الأمر ولله در أبي الحسن القابسي
[ ١٢١ ]
﵀ حيث اعترض على الأستاذ أبي بكر بن فورك ﵀ حيث تصدى للجواب عن أحاديث مشكلة وهي باطلة، قال القابسي: "لا يتكلف الجواب عن الحديث حتى يكون صحيحًا والباطل يكفي في رده كونه باطلًا". ا. هـ.
وأما اعتذار ابن حجر الهيتمي في: "فتاواه الحديثية" عن ابن فورك بأنه: "إنما تكلف الجواب عنها مع ضعفها لأنه ربما تشبث بها بعض من لا علم له بصحيح الأحاديث من ضعيفها، فطلب الجواب عنها بفرض صحتها إذ الصحة والضعف ليسا من الأمور القطعية بل الظنية، والضعيف يمكن أن يكون صحيحًا، فبهذا الفرض يحتاج إلى الجواب عنه" فلا يخفي ما فيه إذ الكلام مع من يعلم، ومن لا يعلم فأحقر من أن يتمحل له والإمكان المذكور لا عبرة به لأنا نقف مع ما صححوه أو ضعفوه وقوف الجازم به ونطرح ذاك الفرض الذي لا عبرة له في نظر الأئمة إذ لا ثمرة لهم فافهم.
وفي الموعظة الحسنة: لا يستحق ما لا أصل أن يشتغل برده بل يكفي أن يقال: "هذا كلام ليس من الشريعة" وكل ما هو ليس منها فهو رد أي مردود على قائله، مضروب في وجهه. ا. هـ.
نعم، لو اختلف في صحة حديث لعلة فيه رآها بعضهم غير قادحة فصححه وخالفه آخر، فلا بأس أن يشتغل بتأويل هذا المعلل المختلف في صحته لاحتمال صحته فيتأول على هذا التقدير.
الرابعة: إذا قال الحافظ الناقد المطلع في حديث: "لا أعرفه" اعتمد ذلك في نفيه؛ لأنه بعد التدوين والرجوع إلى الكتب المصنفة يبعد عدم اطلاعه على ما يورده غيره، فالظاهر عدمه كذا في التدريب.
الخامسة: قولهم: هذا الحديث ليس له أصل أو: لا أصل له قال ابن تيميه: معناه ليس له إسناد.
السادسة: قال الحافظ ابن حجر: "لا يلزم من كون الحديث لم يصح أن يكون موضوعًا".
قال الزركشي: "بين قولنا موضوع، وقولنا لا يصح بون كثير، فإن في الأول إثبات الكذب والاختلاق، وفي الثاني إخبارًا عن عدم الثبوت، ولا يلزم منه إثبات العدم، وهذا يجيء في كل حديث قال فيه ابن الجوزي لا يصح ونحوه.
السابعة: قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح: "الضعيف لا يعل به الصحيح".
[ ١٢٢ ]
٣٧- ذكر أنواع تشترك في الصحيح والحسن والضعيف:
الأول المسند: هو على المعتمد ما اتصل سنده من راوية إلى متنهاه، مرفوعا إلى النبي -ﷺ.
الثاني المتصل: ويسمى الموصول وهو ما اتصل سنده سواء كان مرفوعًا إليه -ﷺ- أو موقوفًا.
الثالث المرفوع: وهو ما أضيف إلى النبي -ﷺ- خاصة من قول أو فعل أو تقرير، سواء كان متصلًا أو منقطعًا، بسقوط الصحابي منه أو غيره؛ فالمتصل قد يكون مرفوعًا وغير مرفوعا، والمرفوع قد يكون متصلًا وغير متصل والمسند متصل مرفوع.
الرابع المعنعن: وهو ما يقال في سنده: فلان عن فلان، قيل إنه مرسل حتى يتبين اتصاله، والجمهور على أنه متصل إذا أمكن لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضًا، مع براءة المعنعن من التدليس وإلا فليس بمتصل. وقد كثر المعنعن في الصحيحين؛ وكثير من طرقة صرح فيها بالتحديث والسماع في المستخرجات عليهما، وإن كان لا يرتاب في صحته فيهما وبراءة معنعنه من التدليس لدقة شرطهما وكثر أيضًا استعمال: "عن" في الإجازة فإذا قال أحدهم: "قرأت على فلان عن فلان" فمراده أنه رواه عنه فلا تخرج عن الاتصال.
الخامس المؤنن: وهو ما يقال في مسنده: "حدثنا فلان أن فلانا" وهو كالمعنعن. قيل إنه منقطع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى؛ والجمهور على أنه كالمعنعن في الاتصال بالشرط المتقدم.
[ ١٢٣ ]
السادس المعلق: وهو ما حذف من مبدأ إسناده واحد فأكثر على التوالي ويعزي الحديث إلى من فوق المحذوف من رواته؛ مأخوذ من تعليق الجدار والطلاق لاشتراكهما في قطع الاتصال وهو في البخاري كثير جدًّا. قال النووي: "فما كان منه بصيغة الجزم كقال، وفعل، وأمر وروى، وذكر معروفًا، فهو حكم بصحته عن المضاف إليه؛ وما ليس فيه جزم كيُروى، ويُذكر، ويُحكى، ويقال، وحُكي عن فلان، ورُوي، وذكر مجهولًا فليس فيه حكم بصحته عن المضاف إليه ومع ذلك فإيراده في كتاب الصحيح مشعر بصحة أصله إشعارًا يونس به ويركن إليه وعلى المدقق إذا رام الاستدلال به أن ينظر في رجاله وحال سنده ليرى صلاحيته للحجة وعدمها.
السابع المدرج: وهو أقسام: أخدها مدرج في حديث النبي -ﷺ- بأن يذكر الراوي عقيبه كلامًا لنفسه أو لغيره، فيرويه من بعده متصلًا بالحديث من غير فصل، فيتوهم أنه من الحديث؛ الثاني: أن يكون عنده متنان بإسنادين فيرويهما بأحدهما؛ الثالث: أن يسمع حديثًا من جماعة مختلفين في إسناده أو متنه فيرويه عنهم باتفاق ولا يبين ما اختلف فيه قالوا تعمد كل واحد من الثلاثة حرام، وصاحبه ممن يحرف الكلم عن مواضعه، وهو ملحن بالكذابين نعم ما أدرج لتفسير غريب لا يمنع ولذلك فعله الزهري وغير واحد من الأئمة.
الثامن المشهور: وهو ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين سُمي بذلك لوضوحه ويطلق على ما اشتهر على الألسنة، فيشمل ما له إسناد واحد فصاعدًا بل ما لا يوجد له إسناد أصلا. "كذا في النخبة"١. وما اشتهر على الألسنة، أعم عن اشتهاره عند المحدثين خاصة أو عندهم أو عند العامة مما لا أصل له.
التاسع المستفيض: هو المشهور، على رأي جماعة من أئمة الفقهاء، سُمي بذلك لانتشاره، من فاض الماء يفيض فيضا؛ ومنهم من غاير بين المستفيض والمشهور بأن المستفيض
_________________
(١) ١ ص٥.
[ ١٢٤ ]
يكون في ابتدائه وانتهائه سواء، والمشهور أعم من ذلك ومنهم من غاير على كيفية أخرى، وليس من مباحث هذا الفن "كذا في شرح النخبة"١.
العاشر الغريب: هو ما رواه راو منفردًا بروايته، فلم يروه غيره أو انفرد بزيادة في متنه، أو إسناده، سواء انفرد به مطلقًا، أو بقيد كونه عن إمام شأنه أن يجمع حديثه لجلالته وثقته وعدالته، كالزهري وقتادة وإنما سُمي غريبًا لانفراد راويه عن غيره كالغريب الذي شأنه الانفراد عن وطنه، والغالب أنه غير صحيح ومن ثم كره جمع من الأئمة تتبعها قال مالك: "شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس".
وقال الإمام أحمد: "لا تكتبوا هذه الغرائب، فإنها مناكير وغالبها عن الضعفاء". ا. هـ.
وينقسم الغريب إلى غريب متنا وإسنادا كما لو انفرد بمتنه واحد، وإلى غريب إسنادًا لا متنًا كحديث معروف روى متنه جماعة من الصحابة انفرد واحد بروايته عن صحابي آخر؛ فيه يقول الترمذي: غريب من هذا الوجه ولا يوجد ما هو غريب متنًا، وليس غريبًا إسنادًا إلا إذا اشتهر الحديث الفرد عمن انفرد به فرواه عنه عدد كثير فإنه يصير غريبًا مشهورًا، وغريبًا متنًا لا إسنادًا لكن بالنظر إلى أحد طرفي الإسناد فإن إسناده غريب في طرفه الأول مشهور في طرفه الآخر كحديث: "إنما الأعمال بالنيات" فإن الشهرة إنما طرأت له من عند يحيى بن سعيد الآخذ عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة ابن وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب رفعه، ولا يدخل في الغريب إفراد البلدان كقولهم: "تفرد به أهل مكة أو الشام أو البصرة" إلا أن يراد بتفرد أهل مكة انفراد واحد منهم تجوزًا فيكون حينئذ غريبًا.
الحادي عشر، العزيز: وهو ما انفرد عن راويه اثنان أو ثلاثة ولو رواه بعد ذلك عن هذين الاثنين أو الثلاثة مائة فقد يكون الحديث عزيزًا مشهورًا وينفرد عن الغريب
_________________
(١) ١ ص٥.
[ ١٢٥ ]
بكونه لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين، بخلاف الغريب سمي عزيزًا لقلة وجوده أو لكونه قوي بمجيئه من طريق أخرى.
الثاني عشر، المصحف: وهو الذي وقع فيه تصحيف، ويكون في الإسناد والمتن فمن الأول: العوام بن مراجم -بالراء والجيم- صحفه بعض الثقات فقال مزاحم -بالزاي والحاء- ومن الثاني حديث١: "احتجر النبي -ﷺ- في المسجد" أي اتخذ حجرة صحفه بعضهم: "احتجم"؛ وهذان القسمان من تصحيف اللفظ، وقد يكون في المعنى كقول محمد بن المثنى العنزي: "نحن قوم لنا شرف نحن من عنزة صلى إلينا رسول الله -ﷺ-" فتوهم أنه صلى إلى قبلتهم وإنما العنزة هنا: "الحرية" تنصب بين يديه -ﷺ.
فائدة: التصحيف لغة: الخطأ في الصحيفة، باشتباه الحروف، مولدة، وقد تصحف عليه لفظ كذا، والصحفي محركة من يخطئ في قراءة الصحيفة؛ وقول العامة: "الصُّحُفي" بضمتين، لحن:
الثالث عشر، المنقلب: وهو الذي ينقلب بعض لفظه على الراوي، فيتغير معناه، كحديث البخاري في باب: "إن ﵀ قريب من المحسنين" عن صالح بن كيسان عن الأعرج عن أبي هريرة رفعه اختصمت الجنة والنار إلى ربهما " الحديث، وفيه أنه: "ينشئ للنار خلقا". صوابه كما رواه في موضع آخر من طريق عبد الرزاق، عن همام عن أبي هريرة بلفظ: "فأما الجنة فينشئ الله لها خلقا.." فسبق لفظ الراوي من الجنة إلى النار وصار منقلبًا، ولذا جزم ابن القيم بأنه غلط ومال إليه البلقيني حيث أنكر هذه الرواية واحتج بقوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ٢.
الرابع عشر، المسلسل: وهو ما يتابع رجال إسناده على حالة واحدة إما في الراوي قولًا نحو: "سمعت فلانا يقول سمعت فلانا. إلى المنتهى" أو: "أخبرنا فلان والله،
_________________
(١) ١ لم أجده. ٢ سورة الكهف، الآية: ٥٠.
[ ١٢٦ ]
قال أخبرنا فلان والله " أو فعلًا كحديث التشبيك باليد١ أو قولًا وفعلًا كحديث٢: "لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره" وقبض رسول الله -ﷺ- على لحيته، وقال: "آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه ومره" وكذا كل راو من رواته قبض وقال وإما على صفة واحدة كاتفاق أسماء الرواة كالمحمديين أو صفاتهم كالفقهاء أو نسبتهم كالدمشقيين، وقد جمع الحفاظ في ذلك مؤلفات مشهورة، وأفضل المسلسلات ما دل على الاتصال في السماع، وعدم التدليس ومن فوائده استماله على زيادة الضبط من الرواة ولكن قلما يسلم عن خلل في التسلسل، وقد ينقطع تسلسله في وسطه أو أوله أو آخره كحديث الرحمة المسلسل بالأولية فإنه انتهى فيه التسلسل إلى عمرو بن دينار.
الخامس عشر، العالي: وهو ما قربت رجال سنده من رسول الله -ﷺ- بسبب قلة عددها بالنسبة إلى سند آخر يرد بذلك الحديث بعينه بعدد كثير أو بالنسبة لمطلق الأسانيد، وأجله ما كان بإسناد صحيح ولا التفات إلى العلو مع ضعفه وإن وقع في بعض المعاجم، ومن العلو القرب من إمام من أئمة الحديث كما لك، وإن كثر بعده العدد إلى رسول الله -ﷺ- ومنه القرب إلى الصحيحين وأصحاب السنن والمسانيد والأول العلو الحقيقي وما بعده العلو النسبي.
قال الحافظ في شرح النخبة٣: "وفي العلو النسبي الموافقة وهي الوصول إلى شيخ أحد المصنفين من غير طريقة كأن يروي البخاري عن قتيبة عن مالك حديثًا، فإذا رُوي من طريق البخاري كان العدد إلى قتيبة ثمانية، وإذا رُوي من غير طريقه كان العدد إليه سبعة، فالراوي من الثاني وافق البخاري في شيخه مع علو الإسناد على الإسناد إليه. وفي
_________________
(١) ١ التشبيك باليد: إدخال بعضها في بعض وقد مثلوا له بقول أبي هريرة: شبك بيدي أبو القاسم -ﷺ- وقال: "خلق الله التربة يوم السبت " الحديث؛ فإنه مسلسل بتشبيك كل منهم بيد من رواه عنه. أما الحديث فقد أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، وأوله: أخذ رسول الله -ﷺ- بيدي وقال. ٢ أحاديث القدر في الصحيحين وفي السنن وفي مسند الإمام أحمد وغيره. ٣ ص٣١.
[ ١٢٧ ]
العلو النسبي البدل، وهو الوصول إلى شيخ شيخه كذلك وفيه أيضًا المساواة، وهي استواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره مع إسناد أحد المصنفين وفيه المصافحة وهي الاستواء مع تلميذ ذلك المصنف".
السادس عشر، النازل: وهو ما قابل العالي بأقسامه السابقة، والإسناد النازل مفضول إلا إن تميز بفائدة كزيادة الثقة في رجاله على العالي أو كونهم أحفظ أو أفقه، ونحو ذلك قال ابن المبارك: "ليس جودة الحديث قرب الإسناد بل جودته صحة الرجال".
السابع عشر، الفرد: وهو نوعان: فرد مطلق، وفرد نسبي. ولكل أقسام. فإما الفرد المطلق فهو ما تفرد به راو واحد عن جميع الرواة، ثقات وغيرهم. وله أربعة أحوال: حال يكون مخالفًا لرواية من هو أحفظ منه فهذا ضعيف، ويسمى شاذا ومنكرًا كما سيأتي. وحال لا يكون مخالفًا ويكون هذا الراوي حافظًا ضابطًا متقنًا فيكون صحيحًا وحال يكون قاصرًا عن هذا، ولكنه قريب من درجته فيكون حديثه حسنًا، وحال يكون بعيدًا عن حاله فيكون شاذا منكرًا مردودًا فتحصل أن الفرد المذكور قسمان: مقبول، ومردود. والمقبول ضربان: فرد لا يخالف، وراويه كامل الأهلية، وفرد هو قريب منه، والمردود أيضًا ضربان: فرد مخالف للأحفظ، وفرد ليس في راويه من الحفظ والإتقان ما يجبر تفرده. القسم الثاني، الفرد النسبي: وهو ما كان بالنسبة إلى صفة خاصة. وهو أنواع: ما قيد بثقة كقولهم: لم يروه ثقة إلا فلان انفرد به عن فلان. أو قيد ببلد معين كمكة والبصرة ومصر، كقولهم: لم يرو هذا الحديث غير أهل البصرة، ونحو تفرد به أهل مصر لم يشركهم أحد، ولا يقتضي شيء من ذلك ضعفه إلا أن يراد تفرد واحد من أهل هذه البلاد فيكون من الفرد المطلق أو قيد براو مخصوص كقولهم لم يروه عن بكر إلا وائل ولم يروه عن وائل غير فلان فيكون غريبًا.
الثامن عشر المتابع "بكسر الباء": وهو ما وافق روايه راو آخر، ممن يصلح أن يخرج حديثه، فرواه عن شيخه أو من فوقه قال الحافظ في النخبة وشرحها١: "والفرد
_________________
(١) ١ ص١٤.
[ ١٢٨ ]
النسبي إن وافقه غيره، فهو المتابع. والمتابعة على مراتب، إن حصلت للراوي نفسه فهي تامة، أو لشيخه فمن فوقه فهي القاصرة، ويستفاد منها التقوية ولو جاءت بالمعنى كفى لكنها مختصة من كونها من رواية ذلك الصحابي".
التاسع عشر، الشاهد: وهو ما وافق راو راويه عن صحابي آخر. قال الحافظ في النخبة وشرحها١: "وإن وجد متن يروي من حديث صحابي آخر يشبه في اللفظ والمعنى، أو في المعنى فقط فهو الشاهد. وخص قوم المتابعة بما حصل باللفظ سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لا والشاهد بما حصل بالمعنى كذلك وقد تطلق المتابعة على الشاهد وبالعكس". ا. هـ.
تنبيه: في التقريب وشرحه٢: "أن الاعتبار والمتابعات والشواهد أمور يتداولها أهل الحديث، يتعرفون بها حال الحديث. ينظرون: هل تفرد راويه أو لا؟ وهل هو معروف أو لا فالاعتبار أن يأتي إلى حديث لبعض الرواة فيعتبره بروايات غيره من الرواة بسبر طرق الحديث ليعرف هل شارحه في ذلك الحديث، راو غيره فرواه عن شيخه أو لا فإن لم يكن فينظر هل تابع أحد شيخ شيخه فرواه عمن روى عنه، وهكذا إلى آخر الإسناد وذلك المتابعة فإن لم يكن فينظر هل أتى بمعناه حديث آخر وهو الشاهد فإن لم يكن فالحديث فرد فليس الاعتبار قسيمًا للمتابع والشاهد بل هو هيأة التوصل إليهما". ا. هـ.
وقال الحافظ في النخبة وشرحها٣: "واعلم أن تتبع الطرق من الجوامع والمسانيد والأجزاء لذلك الحديث الذي يظن أنه فرد، ليعلم هل له متابع أم لا، هو الاعتبار".
_________________
(١) ١ ص١٤. ٢ ص٨٥. ٣ ص١٥.
[ ١٢٩ ]
٣٨- ذكر أنواع تختص بالضعيف:
النوع الأول الموقوف: وهو المروي عن الصحابة قولًا لهم أو فعلًا أو تقريرًا، متصلًا إسناده إليهم أو منقطعًا؛ ويستعمل في غيرهم مقيدًا؛ فيقال: وقفه فلان على الزهري ونحوه، وسبق أول الكتاب أن فقهاء خراسان يسمون الموقوف أثرًا والمرفوع خبرًا.
قال النووي: "وعند المحدثين، كل هذا يسميى أثرًا؛ أي لأنه مأخوذ من أثرت الحديث أي رويته" والموقوف ليس بحجة على الأصح.
الثاني، المقطوع: وهو ما جاء عن التابعين، أو من دونهم من أقوالهم، وأفعالهم موقوفًا عليهم وليس بحجة أيضًا.
فائدتان:
الأولى: قال الزركشي في"النكت": "إدخال المقطوع في أنواع الحديث فيه تسامح كبير، فإن أقوال التابعين، ومذاهبهم لا دخل لها في الحديث فكيف تعد نوعا منة قال: نعم يجيء هنا ما في الموقوف من أنه إذا كان ذلك لا مجال للاجتهاد فيهن يكون في حكم المرفوع، وبه صرح ابن العربي وادعى أنه مذهب مالك".
الثانية: من مظان الموقوف والمقطوع، مصنف ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق وتفاسير، ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وغيرهم.
الثالث، المنقطع: وهو ما لم يتصل إسناده، سواء سقط منه صحابي أو غيره. وبعبارة أخرى سواء ترك ذكر الراوي من أول الإسناد أو وسطه أو آخره، إلا أن الغالب استعماله في رواية من دون التابعي عن الصحابة كمالك عن ابن عمر.
الرابع المعضل: "بفتح الضاد" وهو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر بشرط التوالي كقول مالك قال رسول الله -ﷺ- وقول الشافعي قال ابن عمر.
الخامس، الشاذ: قال الشافعي: "الشاذ ما رواه المقبول مخالفًا لرواية من هو أولى
[ ١٣٠ ]
منه، لا أن يروي ما لا يروي غيره، فمطلق التفرد لا يجعل المروي شاذا كما قيل، بل مع المخالفة المذكورة".
السادس، المنكر: وهو الحديث الفرد الذي لا يعرف متنه عن غير راويه وكان راويه، بعيدًا عن درجة الضابط.
تنبيه: اعلم أن الشاذ والمنكر يجتمعان في اشتراط المخالفة لما يرويه الناس ويفترقان في أن الشاذ رواية ثقة أو صدوق والمنكر رواية ضعيف وقد غفل من سوى بينهما.
السابع، المتروك: وهو ما يرويه متهم بالكذب، ولا يعرف إلا من جهته ويكون مخالفًا للقواعد المعلومة أو معروفًا بالكذب في غير الحديث النبوي أو كثير الغلط أو الفسق أو الغفلة.
الثامن، المعلل: ويقال المعلول، وهو ما ظاهره السلامة، اطلع فيه بعد التفتيش على قادح؛ وتدرك العلة بعد جمع الطرق والفحص عنها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، ممن هو أحفظ أو أضبط أو أكثر عددًا مع قرائن تضم إلى ذلك يهتدي الناقد إليها إلى اطلاعه على تصويب إرسال في الموصول، أو تصويب وقف في المرفوع أو دخل حديث في حديث أو وهم واهم بغير ذلك كإبدال راو ضعيف بثقة بحيث غلب على ظنه ما وقف عليه من ذلك فحكم به أو تردد في ذلك فوقف عن الحكم بصحة الحديث مع أن ظاهره السلامة من العلة، وأكثر ما تكون العلة في السند، وقد تكون في المتن، ثم التي في السند قد تقدح في صحة المتن وقد لا تقدح، وكما تكون خفية تكون ظاهرة فقد كثر إعلال الموصول بالإرسال، والمرفوع بالوقف إذا قوي الإرسال أو الوقف بكون راويهما أضبط أو أكثر عددًا على الاتصال أو الرفع وقد يعلون الحديث بأنواع الجرح من الكذب والغفلة وفسق الراوي وسوء الحفظ بل أطلق الخليل١ اسم العلة على غير القادح توسعًا، كالحديث الذي وصله الثقة وأرسله غيره.
_________________
(١) ١ ذكر في إحدى النسختين بلفظ "الخليل" وفي الثانية بلفظ "الخليلي" وكلاهما صحيح؛ لأنه هو الخليل بن عبد الله بن أحمد بن القزويني الخليلي أبو يعلى.
[ ١٣١ ]
التاسع المضطرب: "بكسر الراء". وهو الذي يروى على أوجه مختلفة متقاربة، والاختلاف إما من راو واحد، بأن رواه مرة على وجه، ومرة على وجه آخر مخالف له أو أزيد من واحد بأن رواه كل من جماعة على وجه مخالف للآخر. والاضطراب يوجب ضعف الحديث لإشعار بعدم الضبط من رواته الذي هو شرط في الصحة، والحسن. ويقع الاضطراب في الإسناد وفي المتن وفي كليهما معًا ثم إن رجحت إحدى الروايتين أو الروايات يحفط راويها أو كثرة صحبته المروي عنه، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات الآتية فالحكم للراجحة، ولا يكون الحديث مضطربًا.
تنبيه: قد يجامع الاضطراب الصحة، وذلك بأن يقع الاختلاف في اسم رجل واحد وأبيه ونسبته ونحو ذلك ويكون ثقة، فيحكم للحديث بالصحة ولا يضر الاختلاف فيما ذكر مع تسميته مضطربًا، وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة قال الزركشي: "قد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح والحسن".
العاشر: المقلوب: وهو ما بدل فيه راو بآخر في طبقته، أو أُخذ إسناد متنه فرُكب على متن آخر. ويقال له المركب. والقصد فيه إما الإعراب، فيكون كالوضع أو اختبار حفظ المحدث، كما قلب أهل بغداد على البخاري لما جاءهم مائة حديث امتحانًا فردها على وجوهها فأذعنوا بفضله وقد يقع القلب غلطًا لا قصدًا كما يقع الوضع كذلك.
الحادي عشر، المدلس: "بفتح اللام" وهو ما سقط من إسناده راو لم يسمه من حدث عنه، موهمًا سماعه للحديث ممن لم يحدثه بشرط معاصرته له فإن لم يكن عاصره فليست الرواية عنه تدليسًا على المشهور، ومن التدليس أن يسقط الراوي شيخ شيخه أو أعلى منه لكونه ضعيفًا، وشيخه ثقة أو صغيرًا تحسينًا للحديث، ومنه أن يسمى شيخه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف ثم إن كان الحامل للراوي على التدليس تغطية الضعيف فجرح لأن ذلك حرام وغش وإلا فلا، وما كان في الصحيحين وشبههما عن المدلسين: "بعن" فمحمول على ثبوت السماع من جهة أخرى وإيثار صاحب الصحيح طريق العنعنة لكونها على شرطه دون تلك والله أعلم.
[ ١٣٢ ]
الثاني عشر، المرسل: وهو ما سقط منه الصحابي؛ كقول نافع قال رسول الله -ﷺ- كذا أو فعل كذا. أو فُعِلَ بحضرته كذا ونحو ذلك هذا هو المشهور. وقد يطلق المرسل على المقطع والمعضل السالف ذكرهما، كما يقع ذلك في كثير من السنن والصحيح أيضًا "كما في فتح المغيث". وهو رأي الفقهاء والأصوليين. ومما يشهد للتعميم، قول ابن القطان: "إن الإرسال رواية الرجل عمن لم يسمع منه".
تنبيه: عدنا للمرسل في أنواع الضعيف، موافقة للأكثرين ولا بأس بالإشارة إلى المذاهب فيه، مع بسطٍ ما فإنه موقف مهم فنقول:
للأئمة مذاهب في المرسل، مرجعها إلى ثلاثة: الأول: أنه ضعيف مطلقًا الثاني: حجة مطلقًا الثالث التفصيل فيه.
فأما المذهب الأول: فهو المشهور. قال النووي ﵀ في التقريب١: "ثم المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدثين وكثير من الفقهاء، وأصحاب الأصول". وقال ﵀ في شرح المهذب بعد هذا: "وحكاه الحاكم أبو عبد الله عن سعيد بن المسيب وجماعة أهل الحديث" وقال مسلم في مقدمة صحيحه: "والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة ". ا. هـ.
قال النووي: "ودليلنا في رد العمل به، أنه إذا كانت رواية المجهول المسمى لا تقبل لجهالة حاله، فرواية المرسل أولى لأن المروي عنه محذوف مجهول العين والحال. قال الحافظ في شرح النخبة٢: "وإنما ذكر -يعني المرسل- في قسم المردود للجهل بحال المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون صحابيًّا، ويحتمل أن يكون تابعيًّا وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفًا، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني يحتمل أن يكون حمل عن صحابي ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر، وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق، ويتعدد أما بالتجويز العقلي فإلى ما لا نهاية له، وأما بالاستقراء فإلى ستة أو سبعة وهو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض". ا. هـ.
_________________
(١) ١ ص٦٦. ٢ ص١٧.
[ ١٣٣ ]
وأما المذهب الثاني وهو من قال: "المرسل حجة مطلقًا" فقد نقل عن مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية حكاها النووي، وابن القيم، وابن كثير وغيرهم وحكاه النووي أيضا في شرح المهذب عن كثيرين من الفقهاء أو أكثرهم. قال: "ونقله الغزالي عن الجماهير" قال القرافي في شرح التنقيح١: "حجة الجواز أن سكوته عنه مع عدالة الساكت، وعلمه أن روايته يترتب عليها شرع عام فيقتضي ذلك أنه ما سكت عنه إلا وقد جزم بعدالته فسكوته كإخباره بعدالته، وهو لو زكاه عندنا قبلنا تزكيته، وقبلنا روايته فكذلك سكوته عنه حتى قال بعضهم إن المرسل أقوى من المسند بهذا الطريق لأن المرسل قد تذمم الراوي وأخذه في ذمته عند الله تعالى، وذلك يقتضي وثوقه بعدالته، وأما إذا أسند فقد فوض أمره للسامع ينظر فيه، ولم يتذممه فهذه الحالة أضعف من الإرسال". ا. هـ. وفي التدريب٢ عن ابن جرير قال: "أجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل، ولم يأت عنهم إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين، قال ابن عبد البر: كأنه يعني أن الشافعي أول من رده". ا. هـ. وقال السخاوي في فتح المغيث: "قال أبو داود في رسالته: وأما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يحتجون بها فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي حتى جاء الشافعي ﵀ فتكلم في ذلك وتابعه عليه أحمد وغيره". ا. هـ. ثم اختلفوا هل هو أعلى منه المسند أو دونه أو مثله وتظهر فائدة الخلاف عند التعارض والذي ذهب إليه أحمد وأكثر المالكية والمحققون من الحنفية كالطحاوي وأبي بكر الرازي تقديم المسند قال ابن عبد البر: "وشبهوا ذلك بالشهود يكون بعضهم أفضل حالًا من بعض وأقعد وأتم معرفة وإن كان الكل عدولًا جائزي الشهادة". ا. هـ.
والقائلون بأنه أعلى وأرجح من المسند، وجهوه بأن من أسند فقد أحالك على إسناده، والنظر في أحوال رواته والبحث عنهم، ومن أرسل مع علمه ودينه وإمامته وثقته،
_________________
(١) ١ ص١٦٤، القاهرة، المطبعة الخيرية، ١٣٠٦هـ. ٢ ص٦٧.
[ ١٣٤ ]
فقد قطع لك بصحته، وكفاك النظر فيه كما قدمنا عن القرافي. ومحل الخلاف فيما قيل، إذا لم ينضم إلى الإرسال ضعف في بعض رواته، وإلا فهو حينئذ أسوأ حالًا من مسند ضعيف جزمًا ولذا قيل: إنهم اتفقوا على اشتراط ثقة المرسل، وكونه لا يرسل إلا عن الثقات، قاله ابن عبد البر، وكذا أبو الوليد الباجي من المالكية وأبو بكر الرازي من الحنفية. "وأما الثاني"١ فلا خلاف أنه لا يجوز العمل بالمرسل إذا كان مرسله غير متحرز بل يرسل عن غير الثقات أيضًا وعبارة الأول: "فقال لم تزل الأئمة يحتجون بالمرسل إذا تقارب عصر المرسل، والمرسل عنه، ولم يعرف المرسل بالرواية عن الضعفاء، وممن اعتبر ذلك من مخالفيهم الشافعي فجعله شرطًا في المرسل المعتضد، ولكن توفق شيخنا في صحة نقل الاتفاق من الطرفين قبولًا وردًّا، قال لكن ذلك فيهما عن جمهور مشهور". ا. هـ. وفي كلام الطحاوي ما يومئ إلى احتياج المرسل، ونحوه إلى الاحتفاف بقرينة وذلك أنه قال -في حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنه سئل: "كان عبد الله مع النبي ليلة الجن قال: لا" ما نصه فإن قيل هذا منقطع لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئًا يقال: نحن لم نحتج به من هذه الجهة إنما احتججنا به. لأن مثل أبي عبيدة على تقدمه في العلم وموضعه من عبد الله، وخلطته بخاصته من بعده لا يخفى عليه مثل هذا من أموره، فجعلنا قوله حجة لهذا لا من الطريق التي وصفت ونحوه قول الشافعي ﵀ في حديث لطاوس عن معاذ: "طاوي لم يلق معاذًا لكنه علام بأمر معاذ، وإن لم يلقه لكثرة من لقيه ممن أخذ عن معاذ وهذا لا أعلم من أحد فيه خلافا". وتبعه البيهقي وغيره ومن الحجج لهذا القول أن احتمال الضعف في الواسطة حيث كان تابعيا لا سيما بالكذب بعيدا جدًّا فإنه أثنى على عصر التابعين، وشهد له بعد الصحابة بالخيرية ثم للقرنين كما تقدم بحيث استدل بذلك على تعديل أهل القرون الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم في الفضل فإرسال التابعي،
_________________
(١) ١ في هذا الموضع شيء من الغموض، ولعل سببه نقص أو تحريف. على أن السيوطي في التدريب ص٦٧ والشوكاني في إرشاد الفحول ص٦١ يعزون هذا القول "الثاني" إلى ابن عبد البر.
[ ١٣٥ ]
بل ومن اشتمل عليه باقي القرون الثلاثة الحديث بالجزم من غير وثوق بمن قاله، مناف لها؛ هذا مع كون المرسل عنه ممن اشترك معهم في هذا الفضل. وأوسع من هذا قول عمر -﵁: "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حد. أو مجربا عليه شهادة زور أو ظنينًا في ولاء أو قرابة" قالوا فاكتفى -﵁- بظاهر الإسلام في القبول إلا أن يعلم منه خلاف العدالة، ولو لم يكن الواسطة من هذا القبيل لما أرسل عنه التابعين، والأصل قبول خبره حتى يثبت عنه ما يقتضي الرد وكذا ألزم بعضهم المانعين بأن مقتضى الحكم لتعاليق البخاري المجزومة بالصحة إلى من علق عنه أن من يجزم من أئمة التابعين عن النبي بحديث يستلزم صحته من باب أولى لا سيما وقد قيل إن المرسل لو لم يحتج بالمحذوف لما حذفه فكأنه عدله. ويمكن إلزامهم لهم أيضًا بأن مقتضى تصحيحهم في قول التابعي، من السنة وقفه على الصحابي حمل قول التابعي: "قال رسول الله -ﷺ" على أن المحدث له بذلك صحابي، تحسينا للظن به في حجج يطول إيرادها لاستلزامه التعرض للرد مع كون جامع التحصيل في هذه المسألة للعلائي متكفلًا بذلك كله وكذا صنف فيها ابن عبد الهادي جزءًا.
[ ١٣٦ ]
٣٩- ذكر مناقشة الفريق الأول لما ذكره أهل المذهب الثاني:
قال السخاوي في فتح المغيث بعد حكايته عن الحاكم أنه روى عن سعيد بن المسيب عدم قبول المرسل ما نصه: "وبسعيد يرد على ابن جرير الطبري من المتقدمين، وابن الحاجب من المتأخرين، ادعاؤهما إجماع التابعين على قبوله؛ إذ هو من كبارهم، مع أنه لم يتفرد من بينهم بذلك بل قال به منهم ابن سيرين والزهري، وغايته أنهم غير متفقين على مذهب واحد، كاختلاف من بعدهم ثم إن ما أشعر به كلام أبي داود في كون الشافعي أول من ترك الاحتجاج به ليس على ظاهره، بل هو قول ابن مهدين ويحيى القطان وغير واحد ممن قبل الشافعي، ويمكن أن يكون اختصاص الشافعي لمزيد التحقيق فيه" ثم قال السخاوي: "وما أوردته من حجج الأولين مردود أما الحديث فمحمول على الغالب
[ ١٣٦ ]
والأكثرية، وإلا فقد وجد فيمن بعد الصحابة من القرنين، من وجدت فيه الصفات المذمومة، لكن بقلة، بخلاف من بعد القرون الثلاثة فإن ذلك كثر فيهم واشتهر.
وقد روى الشافعي عن عمه، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، قال: إني لأسمع الحديث استحسنه، فما يمنعنى من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي به. وذلك أني أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدث به عمن أثق به، أو اسمعه من الرجل أثق به، قد حدث عمن لا أثق به. وهذا كما قال ابن عبد البر، يدل على أن ذلك الزمان، أي زمان الصحابة والتابعين كان يحدث فيه الثقة وغيره ونحوه ما أخرجه العقيلي من حديث ابن عون قال ذكر أيوب السختياني لمحمد بن سيرين حديثا عن أبي قلابة فقال أبو قلابة رجل صالح، ولكن عمن ذكره أبو قلابة، ومن حديث عمران بن حدير أن رجلا حدثه عن سليمان التيمي عن محمد بن سيرين أن من زار قبرًا أو صلى إليه فقد برئ الله منه قال عمران: "فقلت لمحمد عن أبي مجلز إن رجلا ذكر عنك كذا فقال أبو مجلز كنت أحسبك يا أبا بكر أشد اتقاء فإذا لقيت صاحبك. فأقرئه السلام وأخبره أنه كذب، قال ثم رأيت سليمان عند أبي مجلز فذكرت ذلك له فقال سبحان الله إنما حدثنيه مؤذن لنا، ولم أظنه يكذب فإن هذا والذي قبله فيهما رد أيضًا على من يزعم أن المراسيل لم تزل مقبولة معمولا بها، ومثل هذه حديث عاصم عن ابن سيرين قال: كانوا لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة بعد وأعلى من ذلك ما رويناه في الحلية من طريق ابن مهدي عن ابن لهيعة أنه سمع شيخًا من الخوارج، يقول: بعد ما تاب: "إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم إنا كنا إذا هوينا أمرًا صيرناه حديثا". ا. هـ. ولذا قال شيخنا إن هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمرسل إذ بدعة الخوارج كانت في صدر الإسلام والصحابة متوافرون ثم في عصر التابعين، فمن بعدهم وهؤلاء كانوا إذا استحسنوا أمرًا جعلوه حديثًا، وأشاعوه فربما سمع الرجل الشيء فحدث به، ولم يذكر من حدثه به تحسينًا للظن فيحمله عنه غيره ويجيء الذي يحتج بالمقاطيع فيحتج به مع كون أصله
[ ١٣٧ ]
ما ذكرت، فلا حول ولا قوة إلا بالله١. وأما الإلزام بتعاليق البخاري، فهو قد علم شرطه في الرجال وتقيده بالصحة بخلاف التابعين. وأما ما بعده فالتعديل المحقق في المبهم لا يكفي على المعتمد فكيف بالاسترسال إلى هذا الحد نعم قد قال ابن كثير: المبهم الذي لم يسم أو سُمي ولم تعرف عينه لا يقبل روايته أحد علمناه، ولكن إذا كان في عصر التابعين، والقرون المشهود لها بالخير فإنه يستأنس بروايته ويستضاء بها في مواطن وقد وقع في مسند أحمد وغيره من هذا القبيل كثير، وكذا يمكن الانفصال عن الأخير بأن الموقوف لا انحصار له فيما اتصل بخلاف المحتج به وبهذا وغيره مما لا نطيل بإيراده قويت الحجة في المرسل، وإدراجه في جملة الضعيف.
_________________
(١) ١ الخوارج فرق متعددة، لا فرقة واحدة. فأما الذين كانوا منهم أعرابًا. وقد قرءوا القرآن، ولكنهم لم يتفقهوا في السنن الثابتة عن رسول الله -ﷺ- فلا يبعد أن يقع منهم مثل ذلك؛ وأما الذين تفقهوا في الدين، وكانوا من أئمة الرواية، وخرج لهم مثل الإمام البخاري في صحيحه -على سعة معرفته في الرجال: وانفراده بأدق الشروط، واشتراط العدالة والضبط في كل من يروي عنهم- فلا يعقل أن يكون في مثلهم هوى يجعلون ما يستحسنونه حديثًا. وكيف يعقل ذلك منهم، وقد عرف من مذهبهم أنهم يرون الكذب كفرًا؟ ولقد حبر شيخنا المصنف، ﵀ ورضي عنه، المقالات الضافية، وحرر الرسائل المنوعة، وفي تعديل رواة السنة والسنن والمسانيد، الذين خرجوا لهم في كتبهم، أتقى لله منا، وأعرف بحال الرواة والمحدثين، ونعى على الخلف هجرهم لمذهب السلف، ونبزهم لمخالفيهم بالألقاب. ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ ومن أراد الوقوف على كلامه فيهم، فلينظر في كتبه نقد النصائح الكافية وميزان الجرح والتعديل وتاريخ الجهمية والمعتزلة ليتحقق ذلك وقد عقدت فصلا في كتابي "نقد عين الميزان" جعلته معيارًا على الجرح والتعديل. وذكرت فيه ما للخوارج وما عليهم.
[ ١٣٨ ]
٤٠- ذكر المذهب الثالث في المرسل ممن اعتدل في شأنه وفصل فيه:
ذهب كثير من الأئمة إلى الاحتجاج بالمرسل بملاحظات دققوا فيها منهم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. قال النووي في مقدمة شرح المهذب: "قال الشافعي ﵀: وأحتج بمرسل كبار التابعين، إذا أُسند من جهة أخرى، أو أرسله من أخذ عن غير رجال الأول، أو وافق قول الصحابي، أو أفتى أكثر العلماء بمقتضاه". هذا نظر الشافعي في الرسالة وغيرها. وكذا نقل عنه الأئمة المحققون من أصحابنا الفقهاء والمحدثين كالبيهقي والخطيب البغدادي وآخرين؛ لا فرق في هذا عنده بين مرسل سعيد بن المسيب وغيره. هذا هو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون. وقد قال الشافعي في مختصر المزني في آخر باب الربا: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله -ﷺ- نهى عن بيع اللحم بالحيوان. وعن ابن عباس: أن جزورًا نحرت على عهد أبي بكر الصديق -﵁- فجاء رجل بعناق١، فقال أعطوني بهذه العناق! فقال أبو بكر -﵁: لا يصلح هذا. قال الشافعي ﵀: "وكان القاسم بن محمد وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، يحرمون بيع اللحم بالحيوان" قال الشافعي: "وبهذا نأخذ ولا نعلم أحدًا من أصحاب رسول الله -ﷺ- خالف أبا بكر الصديق -﵁" قال الشافعي: "وإرسال ابن المسيب عندنا حسن" هذا نص الشافعي في المختصر نقلته بحروفه لما يترتب عليه من الفوائد فإذا عرف هذا فقد اختلف أصحابنا المتقدمون في معنى قول الشافعي: "إرسال ابن المسيب عندنا حسن" على وجهين حكاهما الشيخ أبو إسحاق في كتابه اللمع، وحكاهما أيضًا الخطيب البغدادي في كتابه: "كتاب الفقيه، والمتفقه الكفاية" وحكاهما جماعات آخرون:
أحدهما: معناه أنه حجة عنده بخلاف غيرها من المراسيل. قالوا لأنها فتشت فوجدت مسندة.
والوجه الثاني: أنها ليست بحجة عنده بل هي كغيرها على ما ذكرناه.
قالوا: وإنما رجح الشافعي ﵀ بمرسله، والترجيح بالمرسل جائز. قال الخطيب البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه: "والصواب الوجه الثاني؛ وأما الأول فليس
_________________
(١) ١ العناق: الأنثى من ولد المعز قبل اسكمالها الحول "المصباح".
[ ١٣٩ ]
بشيء". وكذا قال في الكفاية: "الوجه الثاني هو الصحيح عندنا من الوجهين؛ لأن في مراسيل سعيد ما لم يوجد مسندًا، بحال من وجه يصح". قال: "وقد جعل الشافعي لمراسيل كبار التابعين مزية على غيرهم كما استحسن مرسل سعيد" هذا كلام الخطيب.
وذكر الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀ نص الشافعي كما قدمته. قال: "قال الشافعي: نقبل مراسيل كبار التابعين، إذا انضم إليها ما يؤكدها؛ فإن لم ينضم لم نقبلها، سواء كان مرسل ابن المسيب أو غيره". قال: "وقد ذكرنا مراسيل لابن المسيب لم يقبلها الشافعي حين لم ينضم إليها ما يؤكدها، ومراسيل لغيره قال بها حين انضم إليها ما يؤكدها". قال: "وزيادة ابن المسيب في هذا على غيره أنه أصح التابعين إرسالها فيما زعم الحفاظ".
فهذا كلام البيهقي والخطيب، وهما إمامان حافظان فقيهان شافعيان، متضلعان من الحديث والفقه والأصول والخبرة التامة بنصوص الشافعي، ومعاني كلامه؛ ومحلهما من التحقيق والإتقان، والنهاية في العرفان بالغاية القصوى، والدرجة العليا. وأما قول الإمام أبي بكر القفال المروزي ﵀ في أول كتابه: "شرح التلخيص": "قال الشافعي في رهن الصغير: مرسل ابن المسيب عندنا حجة". فهو محمول على التفصيل الذي قدمناه عن البيهقي والمحققين والله أعلم.
"قلت: ولا يصح تعلق من قال: إن مرسل سعيد حجة، بقوله: "إرساله حسن" لأن الشافعي ﵀ لم يعتمد عليه وحده، بل اعتمده لما انضم إليه من قول أبي بكر الصديق ومن حضره وانتهى إليه قوله من الصحابة -﵃، مع ما انضم إليه من قول أئمة التابعين الأربعة والذين ذكرهم وهم أربعة من فقهاء المدينة السبعة وهو مذهب مالك وغيره. فهذا عاضد ثان للمرسل فلا يلزم من هذا الاحتجاج بمرسل ابن المسيب إذا لم يعضده فإن قيل ذكرتم أن المرسل إذا أسند من جهة أخرى احتج به. وهذا القول فيه تساهل لأنه إذا أسند عملنا بالمسند فلا فائدة حينئذ في المرسل، ولا عمل به والجواب أن بالمسند يتبين صحة المرسل وأنه مما يحتج به فيكون في المسألة حديثان
[ ١٤٠ ]
صحيحان، حتى لو عارضهما حديث صحيح من طريق واحد، وتعذر الجمع قدمناهما عليه، والله أعلم". انتهى كلام النووي.
تتمة: أورد العلامة القرافي رحمه الله تعالى في التنقيح١ سؤالًا فقال: "الإرسال هو إسقاط صحابي من السند والصحابة كلهم عدول، فلا فرق بين ذكره والسكوت عنه؛ فكيف جرى الخلاف فيه؟ " وأجاب هو كما في نسخة من التنقيح: "بأنهم عدول إلا عند قيام المعارض وقد يكون المسكوت عنه منهم عرض في حقه ما يوجب القدح فيتوقف في قبول الحديث حتى تعلم سلامته عن القادح". ا. هـ.
وبهذا علل أيضًا من رد المرسل، كما في شرح جمع الجوامع للمحلي، واعترضه الشهاب٢: "بأن هذا يخالف ما مر من أنهم عدول لا يبحث عن حالهم" وأجاب ابن قاسم: "بأن هذا التوجيه مفرع على القول بأنهم كغيرهم يبحث عن عدالتهم". ا. هـ.
والتحقيق: أن جريان الخلاف فيه وقوة ضعفه لما أسلفناه أولًا عن شرح النخبة فتأمله.
_________________
(١) ١ ص١٦٤. ٢ حاشية البناني على شرح جمع الجوامع للمحلي، ص١٥٠، ج٢، القاهرة، المطبعة الأميرية، ١٢٩٧هـ.
[ ١٤١ ]
٤١- بيان أكثر من تُروى عنهم المراسيل والموازنة بينهم:
قال الحاكم في علوم الحديث: "أكثر ما تروى المراسيل من أهل المدينة، عن ابن المسيب؛ ومن أهل مكة عن عطاء بن أبي رباح؛ ومن أهل البصرة عن الحسن البصري ومن أهل الكوفة عن إبراهيم بن يزيد النخعي، ومن أهل مصر عن سعيد بن أبي هلال، ومن أهل الشام عن مكحول" قال: "وأصحها كما قال ابن معين مراسيل ابن المسيب لأنه من أولاد الصحابة، وأدرك العشرة وفقيه أهل الحجاز ومفتيهم وأول الفقهاء
السبعة الذين يعتد مالك بإجماعهم كإجماع كافة الناس. وقد تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله فوجدوها بأسانيد صحيحة، وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره". قال: "والدليل على عدم الاحتجاج بالمرسل غير المسموع من الكتاب قوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ ١. ومن السنة: "تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم" ٢.
قال السيوطي: "تكلم الحاكم على مراسيل سعيد فقط، دون سائر من ذكر معه؛ ونحن نذكر ذلك: فمراسيل عطاء: قال ابن المديني: كان عطاء يأخذ عن كل ضرب؛ مرسلات مجاهد أحب إليَّ من مرسلاته بكثير وقال أحمد بن حنبل. مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات؛ ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها؛ وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن، وعطاء بن أبي رباح، فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد. ومراسيل الحسن تقدم القول فيها عن أحمد. وقال ابن المديني: "مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح ما أقل ما يسقط منها! " وقال أبو زرعة: "كل شيء قال الحسن قال رسول الله -ﷺ- وجدت له أصلًا ثابتًا ما خلا أربعة أحاديث". وقال يحيى بن سعيد القطان: "ما قال الحسن في حديثه قال رسول الله -ﷺ- إلا وجدنا له أصلًا إلا حديثًا، أو حديثين" قال شيخ الإسلام ابن حجر: "ولعله أراد ما جزم به الحسن" وقال غيره: "قال رجل للحسن يا أبا سعيد! إنك تحدثنا فتقول قال رسول الله -ﷺ- فلو كنت تسنده لنا إلى من حدثك؟ " فقال الحسن: "أيها الرجل ما كَذَبْنَا ولا كُذِّبْنَا!! ولقد غزونا غزوة إلى خراسان ومعنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد". وقال يونس بن عبيد: "سألت الحسن قلت: يا أبا سعيد إنك تقول: قال رسول الله -ﷺ- وإنك لم تدركه" فقال: "يابن أخي لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك ولولا منزلتك مني
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: ٢٣. ٢ ذكره الحافظ ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" ص١٧٧، عن ثابت بن قيس الأنصاري. قال: "ومثله عن ابن عباس".
[ ١٤٢ ]
ما أخبرتك: إني في زمان كما ترى -وكان في زمن الحجاج- كل شيء سمعتني أقوله: قال رسول الله -ﷺ- فهو عن علي بن أبي طالب غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليا". وقال محمد بن سعيد: "كل ما أسند من حديثه، أو روي عمن سمع منه، فهو حسن حجة وما أرسل من الحديث فليس بحجة". مراسيل الحسن عندهم شبه الريح وأما مراسيل النخعي فقال ابن معين مراسيل إبراهيم أحب إليَّ من مراسيل الشعبي. وعنه أيضًا أعجب إليَّ من مرسلات سالم بن عبد الله، والقاسم وسعيد بن المسيب، وقال أحمد لا بأس بها. وقال الأعمش: "قلت لإبراهيم النخعي أسند لي عن ابن مسعود فقال إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهو الذي سمعت وإذا قلت قال عبد الله فهو عن غير واحد عن عبد الله". ا. هـ.
[ ١٤٣ ]
٤٢- ذكر مرسل الصحابة:
قال النووي: "ما تقدم من الخلاف في المرسل، كله في غير مرسل الصحابي؛ أما مرسل الصحابي كإخباره عن شيء فعله النبي -ﷺ- أو نحوه مما يعلم أنه لم يحضره، لصغر سنه، أو لتأخر إسلامه أو غير ذلك؛ فالمذهب الصحيح المشهور الذي قطع به جمهور أصحابنا وجماهير أهل العلم أنه حجة، وأطبق المحدثون المشترطون للصحيح القائلون بأن المرسل ليس بحجة على الاحتجاج به. وإدخاله في الصحيح وفي صحيحي البخاري، ومسلم من هذا ما لا يحصى، وقال أبو إسحاق الإسفراييني لا يحتج به بل حكمه حكم مرسل غيره إلا أن يتبين أنه لا يرسل إلا ما سمعه من النبي -ﷺ- أو صحابي. قال: لأنهم قد يروون عن غير صحابي. قال النووي: "والصواب الأول وأنه يحتج به مطلقًا لأن روايتهم عن غير الصحابي، نادرة وإذا رووها بينوها فإذا أطلقوا ذلك فالظاهر أنه عن الصحابة، والصحابة كلهم عدول". ا. هـ.
أي فلا تقدح فيهم الجهالة بأعيانهم، وأيضًا فما يروونه عن التابعين، غالبه بل عامته إنما هو من الإسرائيليات، وما أشبهها من الحكايات والموقوفات.
[ ١٤٣ ]
٤٣- مراتب المرسل:
قال السخاوي في فتح المغيث: "المرسل مراتب، أعلاها ما أرسله صحابي ثبت سماعه، ثم صحابي له رؤية فقط ولم يثبت سماعه ثم المخضرم، ثم المتقن كسعيد بن المسيب، ويليها من كل يتحرى في شيوخه، كالشعبي ومجاهد، ودونها مراسيل من كان يأخذ عن كل أحد، كالحسن. وأما مراسيل صفار التابعين كقتادة، والزهري وحميد الطويل فإن غالب رواية هؤلاء عن التابعين.
[ ١٤٤ ]
٤٤- بحث قول الصحابي من السنة كذا وقوله أمرنا بكذا ونهينا عن كذا:
اعلم أن قول الصحابي: "من السنة كذا، أو أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا" وما أشبهه، كله مرفوع على الصحيح الذي قاله الجمهور؛ لأن مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من له الأمر والنهي، ومن يجب اتباع سنته وهو رسول الله -ﷺ- واحتمال أن يكون الآمر غيره، وأن يريد سنة غيره بعيد، وإن كنا لا ننكر أن إطلاق ذلك يصدق مع الواسطة، ولكن العادة أن من له رئيس معظم فقال: أمرنا بكذا فإنما يريد أمر رئيسه ولا يفهم عنه إلا ذلك ورسول الله -ﷺ- هو عظيم الصحابة، ومرجعهم والمشار إليه في أقوالهم، وأفعالهم فتصرف إطلاقاتهم إليه وما قيل: "إن الفاعل إذا حذف احتمل النبي -ﷺ- وغيره فلا نثبت شرعًا بالشك" فجوابه أن ظاهر الحال صارف للنبي -ﷺ- كما تقدم تقريره.
وكذلك السنة، أصلها في اللغة: الطريقة، ومنه سنن الطريق الذي يمشى فيه، غير أنها في عُرف الاستعمال صارت موضوعة لطريقته ﵇ في الشريعة. كذا قاله القرافي في التنقيح، ومما يؤيد أن ذلك في حكم الرفع في السنة ما رواه البخاري في صحيحة في حديث ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصته مع الحجاج حين قال له: "إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة" قال ابن شهاب: "فقلت لسالم:
[ ١٤٤ ]
أفعله رسول الله -ﷺ؟ " فقال: وهل يعنون بذلك إلا سنته -ﷺ!. فنقل سالم -وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وأحد الحفاظ من التابعين عن الصحابة- أنهم إذا أطلقوا السنة لا يريدون بذلك إلا سنة النبي -ﷺ. ومما يؤيد الرفع في: "كنا نؤمر" ما رواه الشيخان عن أبي موسى في قصة استئذانه على عمر؛ ولفظ البخاري: "عن أبي موسى قال استأذنت على عمر؛ ثلاثا فلم يؤذن لي وكأنه كان مشغولا فرجعت ففرغ عمر فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ إيذنوا له! قيل: قد رجع فدعاني فقلت: "كنا نؤمر بذلك" فقال: "تأتيني على ذلك بالبينة؟ " فانطلقت إلى مجلس الأنصار، فسألتهم فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا أبو سعيد الخدري، فذهبت بأبي سعيد الخدري فذهبت بأبي سعيد الخدري فقال عمر: "أخفي عليَّ هذا من أمر رسول الله -ﷺ- ألهاني الصفق بالأسواق" -يعنى الخروج إلى التجارية- زاد مالك في الموطأ: "فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أتهمك، ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله -ﷺ" قال الشراح: "وحينئذ فلا دلالة في طلبه البينة على أنه لا يحتج بخبر الواحد بل أراد سد الباب خوفا من غير أبي موسى أن يختلق كذبا على رسول الله -ﷺ- عند الرغبة والرهبة" وقالوا في بالحديث: "إن قول الصحابي "كنا نؤمر بكذا" له حكم الرفع".
قال الحافظ في شرح النخبة: "وأما قول بعضهم: إن كان مرفوعًا، فلم لا يقولون فيه: قال رسول الله -ﷺ؟ فجوابه أنهم تركوا الجزم بذلك تورعًا واحتياطًا ومن هذا قول أبي قلابة عن أنس: "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا". أخرجاه قال أبو قلابة: "لو شئت لقلت إن أنسًا رفعه إلى النبي -ﷺ" أي لو قلت، لم أكذب لأن قوله: "من السنة" هذا معناه لكن إيراده بالصيغة التي ذكرها الصحابي أولى". ا. هـ.
أقول قوله: "تورعًا واحتياطًا" هذا يظهر في بعض الوجوه ومنه ما ذكره،
[ ١٤٥ ]
وأحسن منه أن يقال: إن قولهم من السنة، أو كنا نؤمر، ونحوهما، هو من التفنن في تبليغ الهدي النبوي، لا سيما وقد يكون الحكم الذي قيل فيه أمرنا، أو من السنة، من سنن الأفعال لا الأقوال، وقد يقولون ذلك إيجازًا، أو لضيق المقام؛ وكثيرًا ما يجيب العالم عن المسائل التي يعلم حديثها المرفوع ويحفظه بحروفه بقوله: "من السنة كذا" لما ذكرنا من الوجوه ولغيرنا وهو ظاهر.
تنبيه: ذكرنا أن السنة لغة: الطريقة؛ والمراد بها في اصطلاح الشارع وأهل عصره، ما دل عليه دليل من قوله -ﷺ- أو فعله، أو تقريره؛ ولهذا جعلت السنة مقابلة للقرآن، وبهذا الاعتبار تطلق على الواجب، كما تطلق على المندوب وأما ما اصطلح عليه الفقهاء وأهل الأصول من أنها خلاف الواجب فهو اصطلاح حادث، وعرف متجدد.
[ ١٤٦ ]
٤٥- الكلام على الخبر المتواتر وخبر الآحاد:
اعلم: أن المتواتر ما نقله من يحصل العلم بصدقهم ضرورة، بأن يكونوا جمعًا لا يمكن تواطؤهم على الكذب على مثلهم، من أوله إلى آخره؛ ولذا كان مقيدًا للعلم الضروري وهو الذي يضطر إليه الإنسان بحيث لا يمكنه دفعه، ويجب العمل به من غير بحث عن رجاله، ولا يعتبر فيه عدد معين في الأصح.
ثم المتواتر قسمان: لفظي وهو ما تواتر لفظه، ومعنوي وهو ما تواتر القدر المشترك فيه. وللأول أمثله كثيرة منها حديث: "من كذب عليَّ متعمدًا " رواه نحو المائتين وحديث الحوض، رواه خمسون ونيف وحديث المسح على الخفين رواه سبعون، وحديث رفع اليدين في الصلاة رواه نحو الخمسين وسوى ذلك مما ساقه في التدريب١.
وللثاني أمثلة أيضًا فمنه أحاديث رفع اليدين في الدعاء فقد رُوي عنه -ﷺ- نحو مائة حديث
_________________
(١) ١ ص١٩٠، ١٩١.
[ ١٤٦ ]
فيه رفع يديه في الدعاء، لكنها في قضايا مختلفة، فكل قضية منها لم تتواتر، والقدر المشترك فيها، وهو الرفع عند الدعاء تواتر باعتبار المجموع.
تنبيه: وقع في كلام النووي في شرح مسلم في المتواتر أنه لا يشترط في الخبرين به الإسلام، وكذا قال الأصوليون؛ ولا يخفى أن هذا اصطلاح للأصوليين؛ وإلا فاصطلاح المحدثين فيه، أن يرويه عدد من المسلمين؛ لأنهم اشترطوا فيمن يحتج برواية أن يكون عدلًا ضابطًا، بأن يكون مسلمًا بالغًا فلا تقبل رواية الكافر في باب الأخبار وإن بلغ في الكثرة ما بلغ، وعبارة جمع الجوامع مع شرحه: "ولا تقبل رواية كافر وإن عرف بالصدق لعلو منصب الرواية عن الكفار" نعم يقبل من الكافر ما تحمله في كفره إذا أسلم، كما سيأتي التطرق لها في الباب السادس في الإسناد في بحث توسع الحفاظ، في طبقات السماع وقد أفردت في مطولات المصطلح وأما خبر الواحد فهو ما لم يوجد فيه شروط المتواتر سواء كان الراوي له واحدًا أو أكثر.
[ ١٤٧ ]
٤٦- بيان أن خبر الواحد الثقة حجة يلزم به العمل:
قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مقدمة مسلم١: "نبه مسلم رحمه الله تعالى على القاعدة العظيمة التي ينبني عليها معظم أحكام الشرع، وهو وجوب العمل بخبر الواحد فينبغي الاهتمام بها، والاعتناء بتحقيقها، وقد أطنب العلماء ﵏ في الاحتجاج لها وإيضاحها وأفردها جماعة من السلف بالتصنيف، واعتنى بها أئمة المحدثين، وأول من بلغنا تصنيفه فيها الإمام الشافعي ﵀، وقد تقررت أدلتها النقلية، والعقلية في كتب أصول الفقه، ونذكر هنا طرفًا فنقول اختلف العلماء في حكمه فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول، أن خبر الواحد الثقة حدة من حجج الشرع يلزم العمل بها، ويفيد الظن ولا يفيد العلم؛ وأن وجوب
_________________
(١) ١ ص٦٣.
[ ١٤٧ ]
العمل به عرفناه بالشرع لا بالعقل. وذهبت القدرية والرافضة وبعض أهل الظاهر. إلى أنه لا يجب العمل به؛ ثم منهم من يقول: منع من العمل به دليل العقل؛ ومنهم من يقول: منع دليل الشرع. وذهبت طائفة إلى أنه يجب العمل به من جهة دليل العقل. وقال الجبائي من المعتزلة: "لا يجب العمل إلا بما رواه اثنان عن اثنين" وقال غيره: "لا يجب العمل إلا بما رواه أربعة عن أربعة". وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنه يوجب العلم، وقال بعضهم: "يوجب العلم الظاهر دون الباطن". وذهب بعض المحدثين إلى أن الآحاد التي في صحيح البخاري وصحيح مسلم تفيد العلم دون غيرها من الآحاد. وهذه الأقاويل كلها، سوى قول الجمهور، باطلة؛ وإبطال من قال: "لا حجة فيه" ظاهر.
فلم تزل كتب النبي -ﷺ- وآحاد رسله، يعمل بها، ويلزمهم النبي -ﷺ- العمل بذلك، واستمر على ذلك الخلفاء الراشدون فمن بعدهم، ولم تزل الخلفاء الراشدون، وسائر الصحابة، فمن بعدهم من السلف والخلف، على امتثال خبر الواحد إذا أخبرهم بسنة، وقضائهم به، ورجوعهم إليه في القضاء والفتيا، ونقضهم به ما حكموا على خلافة، وطلبهم خبر الواحد عند عدم الحجة ممن هو عنده، واحتجاجهم بذلك على من خالفهم، وانقياد المخالف لذلك، وهذا كله معروف لا شك في شيء منه، والعقل لا يحيل العمل بخبر الواحد وقد جاء الشرع بوجوب العمل به فوجب المصير إليه وأما من قال: "يوجب العلم" فهو مكابر للحسن وكيف يحصل العلم واحتمال الغلط والوهم والكذب، وغير ذلك متطرف إليه". ا. هـ.
وفي حصول المأمول١: "قد دل على العمل بخبر الواحد، الكتاب والسنة والإجماع ولم يأت من خالف في العمل به بشيء يصلح للتمسك به. ومن تتبع عمل الصحابة من الخلفاء وغيرهم وعمل التابعين فتابعيهم بأخبار الآحاد، وجد ذلك في غاية الكثرة، بحيث لا يتسع له إلا مصنف بسيط٢؛ وإذا وقع من بعضهم التردد في العمل به في بعض الأحوال
_________________
(١) ١ ص٥٦. ٢ البسيط: الواسع كما في الأساس وغيره.
[ ١٤٨ ]
فذلك لأسباب خارجة عن كونه خبر واحد من ريبة في الصحة، أو تهمة للراوي، أو وجود معارض راجح أو نحو ذلك". ا. هـ.
وقد جود الكلام على قبول خبر الواحد الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: في رسالته الشهيرة في باب على حدة، ويجدر بذي الهمة الوقوف على لطائفة وأوسع فيه أيضًا الحافظ ابن حجر في الفتح عند قول البخاري: "باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان، والصلاة والصوم، والفرائض، والأحكام" فليرجع إليه ومما نقله فيه أن بعض العلماء احتج لقبول خبر الواحد أن كل صاحب أو تابع سئل عن نازلة في الدين فأخبر السائل بما عنده فيها من الحكم أنه لم يشترط عليه أحد منهم أن لا يعمل بما أخبره به. من ذلك حتى يسأل غيره فضلًا عن أن يسأل الكواف بل كان كل منهم يخبره بما عنده، فيعلم بمقتضاه ولا ينكر عليه ذلك فدل على اتفاقهم على وجوب العمل بخبر الواحد.
وفيه أيضًا: قال ابن القيم في الرد على من رد خبر الواحد إذا كان زائدًا على القرآن ما ملخصه: "السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه أحدها: أن توافقه من كل وجه فيكون من توارد الأدلة، ثانيها: أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن، ثالثها: أن تكون دالة على حكم سكت عنه القرآن. وهذا الثالث يكون حكما مبتدأ من النبي -ﷺ- فتجب طاعته فيه ولو كان النبي لا يطاع إلا فيما وافق القرآن لم تكن له طاعة خاصة؛ وقد قال تعالى١ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ وقد تناقض من قال إنه لا يقبل الحكم الزائد على القرآن، إلا إن كان متواترًا أو مشهورًا فقد قالوا بتحريم المرأة على عمتها وخالتها، وتحريم ما يحرم من النسب بالرضاعة، وخيار الشرط والشفعة، والرهن في الحضر وميراث الجدة وتخيير الأمة إذا أعتقت، ومنع الحائض من الصوم والصلاة، ووجوب الكفارة على من جامع وهو صائم في رمضان ووجوب إحداد المعتدة عن الوفاة، وتجويز الوضوء بنبيذ التمر وإيجاب الوتر وأن أقل الصداق عشرة دراهم وتوريث بنت الابن السدس مع البنت واستبراء المسبية بحيضة، وأن أعيان بني الأم يتوارثون، ولا يقاد الوالد بالولد، وأخذ الجزية من المجوس، وقطع رجل السارق في الثانية، وترك الاقتصاص من الجرح قبل الاندمال، والنهى عن بيع الكالئ وغيرها مما يطول شرحه، وهذه الأحاديث كلها آحاد، وبعضها ثابت وبعضها غير ثابت، ولكنهم قسموها إلى ثلاثة أقسام ولهم في ذلك تفاصيل يطول شرحها، ومحل بسطها أصول الفقه وبالله التوفيق". ا. هـ.
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ٧٩.
[ ١٤٩ ]
٤٨- الكلام على الحديث الموضوع وفيه مباحث:
١- ماهية الموضوع:
"هو الكذب المختلق المصنوع" أي كذب الراوي في الحديث النبوي بأن يروي عنه ما لم يقله، متعمدًا لذلك.
٢- حكم روايتة:
اتفقوا على أنه تحرم روايته مع العلم بوضعه، سواء كان في الأحكام أو القصص والترغيب ونحوها، إلا مبينا وضعه؛ لحديث مسلم عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله -ﷺ: $"من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين" ورواه الإمام أحمد وابن ماجه رُوي الكذابين على صيغة التثنية، والكاذبين بالجمع.
٣- معرفة الوضع والحامل عليه:
ذكر المحدثون أمورًا كليه، يعرف بها كون الحديث موضوعا؛ منها: اشتماله على مجازفات في الوعد والوعيد، ومنها: سماجة الحديث وكونه مما يسخر منه، مثل ما يروى في وفاة النبي -ﷺ- ومنها مناقضته لما جاءت به السنة الصريحة،
[ ١٥٠ ]
ومنها أن يكون باطلا في نفسه، فيدل بطلانه على وضعه، ومنها: أن لا يشبه كلام الأنبياء، بل لا يشبه كلام الصحابة، ومنها أن يشتمل على تواريخ الأيام المستقبلة، ومنها: أن يكون بكلام الأطباء أشبه، ومنها أن تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه، ومنها: مخالفته لصريح القرآن، ومنها: أحاديث صلوات الأيام والليالي، ومنها اقترانه بقرائن يعلم بها أنه باطل.
وقد استقصى المصنفون في الموضوعات إيراد الأمثلة المتوافرة لكل ما ذكر فليرجع إليها وسيأتي نوع تفصيل لها قريبًا.
قال الحافظ في شرح النخبة١: "الحكم بالوضع إنما هو بطريق الظن الغالب" لا بالقطع؛ إذ قد يصدق الكذوب، لكن لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك، وإنما يقوم بذلك منهم من يكون اطلاعه تاما، وذهنه ثاقبًا وفهمه قويا، ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة وقد يعرف الوضع بإقرار واضعه".
ثم قال: "ومن القرائن التي يدرك بها الوضع، ما يؤخذ من حال الراوي، كما وقع للمأمون بن أحمد، أنه ذكر بحضرته الخلاف في كون الحسن سمع من أبي هريرة أولا فساق في الحال إسناده إلى النبي -ﷺ- أنه قال: سمع الحسن من أبي هريرة وكما وقع لغياث بن إبراهيم حيث دخل على المهدي فوجده يلعب بالحمام فساق في الحال إسنادًا إلى النبي -ﷺ- أنه قال سمع الحسن من أبي هريرة، وكما وقع لغياث بن إبراهيم حيث دخل على المهدي فوجده يلعب بالحمام فساق في الحال إسنادًا إلى النبي أنه قال: "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر ٢ -أو جناح- " فزاد في الحديث: "أو جناح" فعرف المهدي أنه كذب لأجله فأمر بذبح الحمام. ومنها: ما يؤخذ من حال المروي، كأن مناقضًا لنص القرآن، أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعي أو صريح العقل حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل ثم المروي تارة يخترعه الواضع، وتارة يأخذ كلام غيره كبعض السلف الصالح أو قدماء الحكماء أو الإسرائيليات أو يأخذ حديثا ضعيف الإسناد فيركب له إسنادًا صحيحًا ليروج والحامل للواضع على الوضع إما عدم
_________________
(١) ١ ص١٩. ٢ أخرجه أصحاب السنن وأحمد في المسند من حديث أبي هريرة، ولم يذكر فيه ابن ماجه "أو نصل".
[ ١٥١ ]
الدين، كالزنادقة، أو غلبة الجهل كبعض المتعبدين، أو فرط العصبية، كبعض المقلدين، أو اتباع هوى بعض الرؤساء، أو الإعراب لقصد الاشتهار، وكل ذلك حرام بإجماع من يعتد به. إلا أن بعض الكرامية وبعض المتصوفة، نقل عنهم إباحة الوضع في الترغيب والترهيب، وهو خطأ من فاعله نشأ عن جهل لأن الترغيب والترهيب من جملة الأحكام الشرعية. واتفقوا على أن تعمد الكذب على النبي -ﷺ- من الكبائر وبالغ أبو محمد الجويني فكفر من تعمد الكذب على النبي -ﷺ". ا. هـ.
وقال حجة الإسلام الغزالي في الإحياء١: "وقد ظن ظانون، أنه يجوز وضع الأحاديث في فضائل الأعمال، وفي التشديد في المعاصي، وزعموا أن القصد منه صحيح، وهو خطأ محض؛ إذ قال -ﷺ: "من كذب عليَّ متعمدًا، فليتبوأ مقعدة من النار" وهذا لا يترك إلا لضرورة، ولا ضرورة إذ في الصدق مندوحة عن الكذب ففيما، ورد من الآيات، والأخبار كفاية عن غيرها، وقول القائل إن ذلك قد تكرر على الأسماع، وسقط وقعه، وما هو جديد فوقعه أعظم فهذا هوس إذ ليس هذا من الأعراض التي تقاوم محذور الكذب على رسول الله -ﷺ- وعلى الله تعالى ويؤدي فتح بابه إلى أمور تشوش الشريعة فلا يقاوم خير هذا شره أصلا، والكذب على رسول الله -ﷺ- ومن الكبائر التي لا يقاومها شيء نسأل الله العفو عنه وعن جميع المسلمين". ا. هـ.
ورأيت لبعض فضلاء العصر مقالة غراء في هذا الموضوع، لا بأس بإيرادها تعزيزًا للمقام، قال رعاه الله: "الحديث الموضوع، هو المختلق المصنوع المنسوب إلى رسول الله -ﷺ- زورًا وبهتانًا، وهو أشد خطرًا على الدين، وأنكى ضررًا بالمسلمين، من تعصب أهل المشرقين والمغربين؛ لأنه يطرف الملة الحنيفية عن صراطها المستقيم، ويقذف بها في غياهب الضلالات حتى ينكر الرجل أخاه والولد أباه وتطير الأمة شعاعًا وتتفرق بدادًا بدادًا لالتباس الفضيلة وأفول شمس الهداية وانشعاب الأهواء وتباين الآراء.
_________________
(١) ١ ص١٦٨، ج٣، القاهرة ١٢٧٩هـ.
[ ١٥٢ ]
وإن تفرق المسلمين إلى شيعة ورافضة وخوارج ونصيرية إلخ لهو أثر قبيح من آثار الوضع في الدين. ولقد قام الحفاظ الثقات، وكادوا يزهقون الروح بضبطهم الحديث حفظًا وكتابة تلقينا، ومازوا الخبيث من الطيب، وقشعوا سحب اللبس فتلألأ نور اليقين".
ثم قال: "ورب سائل يقول: إني ساغ للمسلمين أن يضعوا في دينهم ما ليس منه؟ فالجواب أن أسباب الوضع كثيرة؛ منها: غفلة المحدث؛ أو اختلاط عقله في آخر حياته؛ أو التكبر عن الرجوع إلى الصواب بعد استبانة الخطأ لسهو مثلًا. ومنهم قوم وضعوا الأحاديث لا يقصدون إلا الترغيب والترهيب، ابتغاء وجه الله فيما يزعمون؛ وآخرون وضعوها انتصارًا لمذهبهم؛ ومنهم طائفة أهمتهم أنفسهم، فاختلقوا ما شاءوا للتقرب من السلاطين والأمراء، أو لاستمالة الأغنياء إلى الإعطاء. ومن هذا الصنف القصاص الذين انتحلوا وظيفة الوعظ والتذكير في المساجد والمجامع وأخذوا يهدمون من أركان هذا الدين لفلس يقتنونه أو حطام خبيث يلتهمونه".
قال: ولقد شاهدت منهم في المسجد الحسيني رجلًا بيده رقاع صغيرة، فيها دعاء يقول: إنه دعاء موسى، وإن من قرأه أو حمله تسقط عنه الصلوات المفروضة، والزحام حوله شبيه بزحام الحشر، حتى لا تكاد ترى إلا عمائم وطرابيش وبرانس وخمرًا، وأيديا ممتدة بفلوس أو دراهم، وهو في بهرة حلقهم، كأنه أبو زيد السروجي يوزع الرقاع، ويجمع المتاع، ويخلب الأسماع، حتى كاد يبيح للمتصدقين والمتصدقات، كل ما دخل تحت الحرمة، وشمله اسم النهي، هذا، وقد بلغني أن بعضهم نبه شيخ الجامع الأزهر والسادات إلى إزالة هذا المنكر من مسجد سبط الرسول، فأجاب بأن: هذا تجسس، والله يقول: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ ١ ولا أدري هذا صح عنه، من الذي أخطأ؟ أهو أم عمر بن الخطاب الذي كان يطرد القصاصين أمثال هؤلاء من المساجد، مع أنهم لم يكونوا بهذه المثابة من التغرير والتضليل؟
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، آية: ١٢.
[ ١٥٣ ]
ولنرجع إلى الوضاع، فمنهم زنادقة قصدوا إفساد الشريعة والتلاعب بالدين، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ ١ فعملوا على لبس الحق بالباطل، وخلط السم بالترياق، وهيئت لهم الفرص في الأزمان الغابرة مجالًا فسيحًا لهذا البهتان، حتى شحنوا الأذهان وسودوا الدفاتر وأفعموا الكتب بمفتريات: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان﴾ ٢. وقد سرى هذا الداء في كتب التفسير والسير والتاريخ، وتلقتها العامة عن سلامة صدر، إما لشهرة المعزو إليه، أو لاستبعاد كذبه على الرسول -ﷺ- فخبطوا وحادوا عن الجادة: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ٣.
ثم قال: "ولست أعجب من العامة وصنعهم هذا، ولكن العجب العجاب، من أهل العلم الذين يرون هذا المنكر رأي العين صباحًا ومساء، ويتأولون له كأنما أعمال هؤلاء السوقة وحي سماوي متشابه، يجب تأويله في رأي العلماء المتأخرين اللهم ألهمنا السداد، ووفقنا إلى سبيل الرشاد!
"والداهية الدهياء، أن الناس الآن، أخذت تروي الأحاديث من غير إجازة ولا تلقين، وحول العلماء وجهتهم إلى فروع الفقه، وآلات التفسير والتوحيد وانصرفوا عن الحديث إلا ما كان منه قراءة على سيل التبرك! فراجت سوق الأراجيف المعزوة للدين، واختلط الباطل بالحق فمهدوا بهذا للطاغين على الدين سبلا كان عذراء، وخططا كانت وعثاء فلا تكاد ترى حمارًا أو حوذيًّا أو خادما أو طاهيا أو أكارًا أو قصارًا أو كناسًا أو رشاشا إلا وهو يستشهد في كل عمل من أعماله بالحديث، سواء صح معناه ولفظه أم لم يصح. فإذا جلست في مرتاض أو ناد أو سوق أو حانوت أو محفل عرس أو مأتم سمعت من خلطهم وخبطهم في الدين ما تخرج لأجله النفوس من العيون وتمشي له القلوب في الصدور وربما كان في مجلسهم عالم فيسأل عند اختلافهم فلا يجيب إلا: "بأظن كذا! "؛ "ويمكن أن يكون كذا" والورع يقول: "لا أدري! " أو: "حتى أراجع
_________________
(١) ١ سورة التوبة، آية: ٣٣. ٢ سورة يوسف، آية: ٤٠. ٣ سورة الكهف، آية، ١٥.
[ ١٥٤ ]
الصحاح! " وقد يكون الحديث مشهورًا بين كل الطبقات، وهو موضوع! فيظن أنه صحيح لشهرته، خصوصا على ألسنة بعض المشايخ فيفتي بأنه صحيح وهناك الطامة الكبرى!.
ثم قال: "الغرض إحياء السنة، وإماتة البدعة. ودرء المطاعن الأجنبية بشيء ليس من ديننا، وذلك بالوقوف على طائفة من الأحاديث الموضوعة التي يستدل بها الناس على عقيدة أو حكم أو فضيلة أو النهي عن رذيلة ليتميز الخبيث من الطيب، ويبتعد حملة القرآن وخطباء المنابر ووعاظ المساجد من رواة الأكاذيب المضادة للشرع والعقل باسم الدين وهم لا يشعرون، وفي مقدمة ذلك الأحاديث المشهورة على ألسنة العامة، والخاصة في احتجاجهم، وأمرهم ونهيهم فإن ضررها عظيم، وخطبها جسيم وذلك كحديث: "حب الوطن من الإيمان" الذي لا يفهم منه بعد التأويل والتحليل إلا الحث على تفرق الجامعة الإسلامية التي ننشد الإيمان" الذي لا يفهم منه بعد التأويل والتحليل إلا الحث على تفرق الجامعة الإسلامية التي ننشد ضالتها الآن فإنه يقضي بتفضيل مسلمي مصر مثلا على من سواهم وإن من في الشام يفضل إخوته هناك على غيرهم وهكذا وهو الانحلال بعينه والتفرق المنهي عنه والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ ١، ولم يقيد الأخوة بمكان ويقول: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة﴾ ٢، وأقل ما فيه تفويت فضيلة الإيثار ومن ذلك: "شاوروهن وخالفوهن" إلى غير ذلك.
ومما هو جدير بالعناية قصص المولد النبوي الذي اشتمل كثير من الخيال الشعري، والأحاديث التي وضعها المطرون الغلاة كحديث: "لولاك ما خلقت الأفلاك" وقولهم: "إن الميم من اسمه الشريف تدل على كذا والدال على كذا" إلى آخر تصرفات الخيال ووصفهم الرسول -صلى الله ععليه وسلم- بضروب من الغزل لا تليق إلا بمتخذات أخدان، مما يحل مقام النبوة عنه، وتنفر طبيعة الجلال منه؛ وكروايتهم من المعجزات ما ليس له أصل، كحديث الضب، وأن الورد من عرقه إلى آخر ما ينسبونه للمناوي، ولا أظنه إلا مصطنعا باسم الشيخ ﵀ ورضي عنه" انتهى ملخصا.
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، الآية: ١٠. ٢ سورة الحشر، الآية: ٩.
[ ١٥٥ ]
٤- مقالة في الأحاديث الموضوعة في فضيلة رجب:
نبه بعض الفضلاء ذلك في مقالة نشرها في مجلة نصحًا لخطباء المنابر المغفلين، وللوعاظ والقصاص البله فقال ما نصه: "كم اختلق الكذابون على النبي -ﷺ- وكم وضعوا الأباطيل والمناكير، وركبوا الأسانيد الملفقة، وأسهبوا وأطنبوا، وبالغوا في التحذير والترهيب، وشددوا، وسهلوا على حسب ما تسول لهم أنفسهم، ولم يخشوا خالقا يعلم سرهم وعلانيتهم، فيجازيهم بمقاعد في النار يتبوءونها جزاء افترائهم واختلاقهم وتجرئهم على وضع الأحاديث التي: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان﴾ وقد قال الحافظ سهل بن السري: "قد وضع أحمد بن عبد الله الجوربياري، ومحمد بن عكاشة الكرماني، ومحمد بن تميم الفريابي على رسول الله -ﷺ- أكثر من عشرة آلاف حديث. وقال حماد بن زيد: "وضعت الزنادقة على رسول الله -ﷺ- أربعة آلاف حديث". وقال بعضهم: "سمعت ابن مهدي يقول لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث، من قرأ كذا فله كذا ومن صام كذا فله كذا؟ قال: وضعتها أرغب الناس فيها!! " وقيل لأبي عصمة بن أبي مريم المروزي: "من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة، سورة وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيت الناس أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة!! " ومما يوجب الأسف أن يرى الإنسان تلك الموضوعات، والمناكير، والأباطيل قد انتشرت في الكتب انتشارًا زائدًا، ورواها الخلف عن السلف وشحنت بها كتب الوعظ، والإرشاد ودواوين الخطباء حتى إنك لا تطالع ديوانًا من الدواوين المتداولة بين خطبائنا إلا وترى فيه من فظائع الأكاذيب على نبينا ﵊ ما يستوجب العجب وما ذاك إلا لذهاب علماء الحديث ودخولهم في خبر كان وعدم اعتناء أهل عصرنا به.
ومن افظع هذه الأباطيل، الأحاديث التي تروى في فضيلة رجب وصيامه، فأغلب الدواوين نراها مشحونة بها. ونحن نأتي بتلك الأباطيل التي اختلقها الوضاعون، ليحذرها
[ ١٥٦ ]
العموم، ويعرفها خطباء المنابر والوعاظ والقصاص، فيجتنبوها ولا ينسبوها إليه ﵊؛ حذرًا من الوقوع في الإثم، وفرارًا من الكذب على النبي -ﷺ- فنقول:
حديث: "فضل رجب على الشهور، كفضل القرآن على سائر الكلام؛ وفضل شهر شعبان على الشهور، كفضلى على سائر الأنبياء؛ وفضل شهر رمضان، كفضل الله على سائر العباد" موضوع قاله الحافظ ابن حجر؛ ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة.
وقولهم: "أكثروا من الاستغفار في رجب، فإن لله في كل ساعة منه عتقاء من النار؛ وإن لله مدائن لا يدخلها إلا من صام رجب" موضوع وفي إسناده: "الإصبغ بن نباتة" ليس بشيء قاله السيوطي في اللآلئ المصنوعة.
وقولهم: "رجب شهر الله وشعبان شهري إلخ" أورده الصاغاني في الموضوعات.
ومنها: "فضيلة ليلة أول جمعة من رجب، والصلاة الموضوعة فيها المسماة بليلة الرغائب".
وقولهم: "في رجب يوم وليلة، من صام ذلك اليوم، وقام تلك الليلة، كان له من الأجر كمن صام مائة سنة، وقام سنة وهي لثلاث بقين من رجب في ذلك اليوم بعث الله محمدًا نبيًّا" موضوع قاله السيوطي في النكت البديعات.
وقولهم: "من صام يومًا من رجب، وقام ليلة من لياليه بعثه الله آمنا يوم القيامة ومر على الصراط، وهو يهلل أو يكبر" موضوع وفي إسناده: "إسماعيل بن يحيى" كذاب.
وقولهم: "من أحيى ليلة من رجب، وصام يومًا منه أطعمه الله من ثمار الجنة، وكساه من حلل الجنة، وسقاه من الرحيق المختوم" موضوع، وفي إسناده: "حصين بن مخارق" كان يضع الحديث قاله السيوطي في اللآلئ المصنوعة.
وقولهم رجب من الأشهر الحرم وأيامه مكتوبة على أبواب السماء السادسة؛ فإذا صام الرجل منه يومًا وجرد صومه بتقوى الله، نطق الباب، ونطق اليوم وقال: "يا رب! اغفر له! " وإذا لم يتم صومه بتقوى الله لم يستغفرا له، وقالا: "خدعتك نفسك" موضوع وفي إسناده: "إسماعيل بن يحيى" كذاب قاله السيوطي.
[ ١٥٧ ]
وقولهم: "رجب شهر الله الأصم المنبتر الذي أفرده تعالى لنفسه، فمن صام منه يومًا إيمانًا واحتسابًا، استوجب رضوان الله الأكبر.. إلخ" موضوع وفي إسناده "عصام بن طليق" قال ابن معين ليس بشيء، وأبو هارون العبدي متروك.
وقولهم خطبنا رسول الله -ﷺ- قبل رجب بجمعه فقال: "أيها الناس! إنه قد أظلكم شهر عظيم، شهر رجب، شهر الله الأصم تضاعف فيه الحسنات وتستجاب الدعوات، وتفرج فيه الكربات، لا ترد للمؤمن فيه دعوة؛ فمن اكتسب فيه خيرًا ضوعف له فيه أضعافًا مضاعفة فعليكم بقيام ليله وصيام نهاره إلخ" موضوع ذكره السيوطي.
وقولهم: "من صام من رجب يومًا تطوعًا، أطفأ صومه ذلك اليوم غضب الله، وأغلق عنه أبواب النار الخ" موضوع؛ ذكره السيوطي وقال: إسناده ظلمات بعضها فوق بعض". انتهت المقالة.
ثم اعترض بعض الناس على من نشرها في مجلته وقال: "إن كانت هذه الأحاديث موضوعة كما قال الكاتب، فما الغرض منها إلا الترغيب في العبادة التي يثاب فاعلها على كل حال! وحينئذ يكون بيان كيفية وضعها وتكذيب واضعيها تثبيطًا غير محمود عن عبادة الله".
فأجاب ناشرها بقوله: "إن نشر مثل هذه الرسالة كان واجبًا؛ ومن أفضل ضروب العبادة إعلام المسلمين بأن هذا الحديث موضوع، إن كان كذلك، وصحيح إن كان سنده صحيحًا سواء كان مغزى الحديث مما ندبت إليه الشريعة بوجه عام أو مما نهت عنه وكاتب الرسالة لم يحكم بوضع حديث من عندياته، وإنما ذكر أقوال أئمة الحديث والحفاظ حتى ذكر قول الحافظ السيوطي في سند حديث من تلك الأحاديث أنه ظلمات بعضها فوق بعض مبالغة في إنكار سند الحديث، وعدم الاعتداد به. وهناك غرض لأئمة الحديث، في بيان صحته وضعفه، أسمى من غرض الترغيب في العبادة والصيام والقيام: ألا وهو غرض تحرير الشريفة الغراء، وصونها عن الدخيل فيها، خيرًا كان أو شرًّا؛ لأنه إذا تطرق للحديث الكذب فيه بنية حسنة، تطرقه كذلك نبيه سيئة وانهار بناء الشريعة المحمدية
[ ١٥٨ ]
بكثرة ما يتخللها من الأجنبي عنها، وأي شر أعظم مما يطرأ على الشريعة الغراء لو أرخى العنان لوضاع الأحاديث، يضعون كيف شاءوا دون أن يميز الصدق من الكذب في رواياتهم، ثم من هو الذي يقبل من المعترضين أن يكتب باسمه الكتاب ما شاءوا من أفكار وأقوال ولو كانت حسنة مقبولة في حد ذاتها؟ بل من يصدق أن يقوم أحد من الناس ويفتري على وزير أو مدير قرارًا أو منشورا يصدره بإمضائه، ولا يعد عابثا بالنظام، متوجبًا التأديب أو على الأقل التكذيب؟ أو من يتصور أنه يلفق صورة أمر عال، مهما كان موضعه وينشره كأنه صادر من السلطان ولا يعاقب على فعله هذا فأي مسلم بعد هذا يسوغ أن يكذب على رسول الله -ﷺ- وهو يقول: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" لذلك نحن نشرنا رسالة الفاضل الذي أسند كل ما قال فيها للسلف الصالح من أئمة الحديث وحفاظه شاكرين همته، مثنين عليه بما هو أهله معتبرين عمله هذا من خير أعمال العبادة التي يتقرب بها إلى الله في مثل شهر رجب المبارك، مؤملين أن يحذو الفضلاء الباحثون حذوه، ولا خوف من ذلك على الناس أن تثبط هممهم عن عبادة الله، فإن الله ﷿، قد أتم شريعته قبل أن يأخذ رسوله إلى الرفيق الأعلى، فهي لا ينقصها شيء يحتاج وضاعو الحديث المفترون على الله وعلى رسوله أن يتموه وعلى القراء أن يفقهوا مقاصد الكتاب في هذا الباب والله الموفق والمعين.
ثم أجاب ناشرها أيضًا بقوله في محاورة ثانية: "لم يقصد كاتب الرسالة في بيان الأحاديث الموضوعة التي سردها تثبيط همم الناس عن العبادة، وإنما أراد بيان عدم صحة تلك الأحاديث التي اعتاد بعض الخطباء العناية بذكرها عند دخول مثل شهر رجب المبارك، ويحسبونها من أصول الدين، وليست منه في شيء تلك الأحاديث التي أسندت للنبي -ﷺ- وقال أئمة الحديث السالفون وحفاظه المحققون إنها موضوعة مفتراة عليه. فقد قال كاتب الرسالة: "ونحن نأتي بتلك الأباطيل التي اختلقها الوضاعون ليحذرها العموم، ويعرف خطباء المنابر والوعاظ، والقصاص فيجتنبوها، ولا ينسبوها إليه ﵊ حذرًا من الوقوع في الإثم وفرارًا من الكذب على النبي -ﷺ إلخ"
[ ١٥٩ ]
وهذا صريح في أنه إنما ينصح الخطباء والوعاظ، ليعدلوا عن ارتكاب الكذب في إرشاد العامة، إلى ما هو الصدق فيه، والخير كله مع الصادقين.
ثم قال: "وقد بلغ حد التهافت على بيان أسرار الشريعة الغراء، عند بعض خطباء الجمع على المنابر، أن جعلوا للفظه "ر ج ب" حروفا مقطعة، مدلولات أخرى. فالراء لمعنى والجيم لآخر، والباء لغيرهما مع أن هذه الحروف ذاتها موجودة في كل كلمة ثلاثية تركبت منها كجرب، وبرج ورجب أسماء مسميات أخرى، وهلم جرا. بل لا ينكر عاقل أن الدخيل في الأحاديث، قد كان منه ما أضر بالجامعة الإسلامية وجوهر الدين الحنيفي، ضررًا بليغًا، لو قيس بما نتجته الأحاديث الموضوعة لمثل الترغيب في العبادة من الحسنات، لرجح عليها رجحانا مبينًا فكيف لا يكون سد هذا الباب مهمًا، وكيف لا يكون في الأمة، وعاظ ومرشدون يبيتون الصدق من الكذب، والغث من السمين في كل وقت وليس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقت مخصوص، وأشد ما يطلب ذلك في الظروف التي يكون فيها الأمر والنهي أبلغ تأثيرًا في النفوس ولهذا اختار صاحب رسالة الأحاديث الموضوعة أن يبين ما يختص منها بشهر رجب في الوقت الذي يصدع الخطباء فيه بمواعظهم له، والله يوفق الجميع لما فيه الخير، والصواب وهو الهادي إلى سبيل الرشاد".
وأقول: رأيت لشيخ الإسلام ابن تيميه قدس سره في كتابه: "اقتضاء الصراط المستقيم" تطرقًا لهذا المبحث الجليل، قال قدس سره: "شهر رجب، أحد الأشهر الحرم". وقد روي عن النبي -ﷺ- أنه كان إذا دخل شهر رجب قال١: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان" ولم يثبت عن النبي في فضل رجب حديث آخر، بل عامة الأحاديث المأثورة فيه عن النبي -ﷺ- كذب والحديث إذا لم يعلم أنه كذب فروايته في الفضائل أمر قريب أما إذا علم كذبه فلا يجوز روايته إلا مع بيان حاله لقوله -صلى الله عليه وسلم٢: "من روى عني حديثًا
_________________
(١) ١ رواه ابن أحمد والبيهقي عن أنس. ورواه ابن ماجه عنه أيضًا. ٢ رواه مسلم وأحمد وابن ماجه عن سمرة.
[ ١٦٠ ]
وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين". نعم، رُوي عن بعض السلف في تفضيل العشر الأول من رجب بعض الأثر ورُوي غير ذلك فاتخاذه موسما بحيث يفرد بالصوم مكروه عند الإمام أحمد وغيره، كما روي عن عمر بن الخطاب وأبي بكرة وغيرهما من الصحابة -﵃- وروى ابن ماجه أن النبي -ﷺ- نهى عن صوم رجب، وهل الإفراد المكروه أن يصومه كله، أو أن يقرن به شهر آخر؟ فيه للأصحاب وجهان والله أعلم". ا. هـ.
٥- فتوى الإمام ابن حجر الهيتمي ﵀ في خطيب لا يبين مخرجي الأحاديث:
في فتاواه الحديثية١ ما نصه: "وسئل -﵁- في خطيب يرقى المنبر في كل جمعة، ويروي أحاديث كثيرة، ولم يبين مخرجيها، ولا رواتها فما الذي يجب عليه؟ فأجاب بقوله: ما ذكره من الأحاديث في خطبه من غير أن يبين رواتها، أو من ذكرها، فجائز بشرط أن يكون من أهل المعرفة في الحديث أو بنقلها من مؤلفه كذلك؛ وأما الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها في كتاب ليس مؤلفه من أهل الحديث، أو في خطب ليس مؤلفها كذلك فلا يحل ذلك! ومن فعله عزر عليه التعزير الشديد. وهذا حال أكثر الخطباء فإنهم بمجرد رؤيتهم خطبة فيها أحاديث حفظوها، وخطبوا بها من غير أن يعرفوا أن لتلك الأحاديث أصلًا أم لا فيجب على حكام كل بلد أن يزجروا خطباءها عن ذلك، ويجب على حكام بلد هذا الخطيب منعه من ذلك إن ارتكبه". ثم قال: "فعلى هذا الخطيب أن يبين مستنده في روايته فإن كان مستندًا صحيحًا فلا اعتراض عليه والإساغ الاعتراض عليه بل وجاز لولي الأمر -أيد الله به الدين وقمع بعدله المعاندين- أن يعزله من وظيفة الخطابة زجرًا له عن أن يتجرأ على هذه المرتبة السنية بغير حق" انتهى ملخصا.
_________________
(١) ١ ص٣٢، القاهرة، المطبعة الميمينة ١٣٠٧هـ.
[ ١٦١ ]
٦- ما جاء في نهج البلاغة من وجوه اختلاف الخبر وأحاديث البدع:
سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عما في أيدي الناس من أحاديث البدع واختلاف الخبر فقال١: "إن في أيدي الناس حقًّا وباطلًا وصدقًا وكذبًا، وناسخًا، وممسوخًا وعامًّا، وخاصًّا ومحكمًا، ومتشابها وحفظًا ووهمًا، ولقد كذب على رسول الله -ﷺ- على عهده حتى قام خطيبًا فقال: "من كذب عليَّ متعمدًا، فليتبوا مقعده من النار" وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس:
رجل منافق مظهر للإيمان، متصنع بالإسلام، لا يتأثم ولا يتحرج، يكذب على رسول الله -ﷺ- متعمدا فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه، ولم يصدقوا قوله ولكنهم قالوا صاحب رسول الله -ﷺ- رأى وسمع منه، ولقف عنه فيأخذون بقوله وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك ووصفهم بما وصفهم به لك ثم بقوا بعده عليه وعلى آله السلام فتقربوا إلى الأئمة فولوهم الأعمال، وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا وإلا من عصم الله فهو أحد الأربعة.
ورجل سمع من رسول الله -ﷺ- شيئا لم يحفظه على وجهه، فوهم فيه ولم يعرف كذبا، فهو في يديه، ويرويه ويعمل به ويقول: "أنا سمعته من رسول الله -ﷺ" فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوا منه ولو علم أنه كذلك لرفضه.
ورجل ثالث سمع من رسول الله -ﷺ- شيئًا يأمر به، ثم نهى عنه وهو لا يعلم؛ أو سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به وهو لا يعلم فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ فلو علم أنه منسوخ لرفضه ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه
وآخر رابع لم يكذب على الله ولا على رسوله مبغض للكذب خوفًا من الله وتعظيمًا لرسول الله -ﷺ- ولم يهم بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به على سمعه لم يزد فيه ولم ينقص منه فحفظ الناسخ فعمل به وحفظ المنسوخ فجنب عنه وعرف الخاص والعام،
_________________
(١) ١ نهج البلاغة: ص٢٣٣، بيروت، المطبعة الأديبة، ١٣٠٧هـ.
[ ١٦٢ ]
فوضع كل شيء موضعه، وعرف المتشابه ومحكمه وقد كان يكون من رسول الله -ﷺ- الكلام له وجهان فكلام خاص وكلام عام فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله به، ولا عنى به رسول الله -ﷺ- فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به، وما خرج من أجله وليس كل أصحاب رسول الله -ﷺ- من كان يسأله ويستفهمه حتى إن كانوا ليحبون أن يجيء الأعرابي الطارئ فيسأله ﵇ حتى يسمعوا وكان لا يمر بي من ذلك شيء إلا سألت عنه. وحفظته فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم وعللهم في رواياتهم". ا. هـ.
٧- بيان ضرر الموضوعات على غير المحدثين وأن الدواء لمعرفتها الرسوخ في الحديث:
قال الإمام أبو عبد الله محمد بن المرتضى اليماني في كتابه: "إيثار الحق"١ في خلال البحث عن كون معظم ابتداع المبتدعين من أهل الإسلام راجعًا إلى هذين الأمرين الواضح بطلانهما وهما: الزيادة في الدين والنقص منه، ما نصه: "من أنواع الزيادة في الدين، الكذب فيه عمدًا، وهذا الفن يضر من لم يكن من أئمة الحديث والسير والتواريخ، ولا يتوقف على نقدهم فيه بحيث لا يفرق بين ما يتواتر عند أهل التحقيق، وبين ما يزوره غيرهم وليس له دواء إلا إتقان هذا الفن، والرسوخ فيه وعدم المعارضة لأهله بمجرد الدعاوي الفارغة، وهو علم صعب يحتاج إلى طول المدة، ومعرفة علوم الحديث، وعدم العجلة بالدعوى، وإن كان جليًّا في معناه فإن الرسوخ فيه بعيد عن حصول العلم الضروري بأحوال رسول الله -ﷺ- وأحوال السلف بحيث يعلم دينهم بالضروة. مثل ما يعلم مذهب المعتزلة والأشعرية كذلك يطول البحث في علم الكلام ويعلم ما يختلفون فيه وما لا يختلفون فيه، وما يمكن القدح فيه من المنقولات المشهورة، وما لا يمكن من غير تقليد ولا أقل من معرفة مثل علوم الحديث للحاكم في ذلك وهذا عندي هو الفائدة
_________________
(١) ١ ص١٢٨.
[ ١٦٣ ]
العظمي في الرسوخ في علم الحديث، وليس الفائدة العظمي فيه معرفة أحاديث الأحكام، في فروع الحلال والحرام، كما يظن ذلك من يقتصر على قراءة بعض المختصرات في ذلك، ويكتفي به في هذا العلم الجليل. ولأمر ما كان أئمة الحديث الراسخون أركان الإيمان في الثبوت عند الفتن والامتحان". ا. هـ.
وقال العارف الشعراني قدس سره في العهود الكبرى: "أخذ علينا العهد العام من رسول الله -ﷺ- أن لا نتهور في رواية الحديث بل نتثبت في كل حديث نرويه عن رسول الله -ﷺ- ولا نرويه عنه إلا إن كان لنا به رواية صحيحة" ثم قال قدس سره: "واعلم يا أخي أن أكثر من يقع في خيانة هذا العهد المتصوفة الذين لا قدم لهم في الطريق فربما رووا عن رسول الله -ﷺ- ما ليس من كلامه لعدم ذوقهم، وعدم فرقانهم بين كلام النبوة، وكلام غيرها، وسمعت شيخنا شيخ الإسلام زكريا ﵀ يقول إنما قال بعض المحدثين: أكذب الناس الصالحون لغلبة سلامة بواطنهم فيظنون بالناس الخير، وأنهم لا يكذبون على رسول الله -ﷺ- فمرادهم بالصالحين المتعبدون الذي لا غوص لهم في علم البلاغة، فلا يفرقون بين كلام النبوة، وغيره بخلاف العارفين فإنهم لا يخفى عليهم ذلك". ا. هـ.
٨- هل يمكن معرفة الموضوع بضابط من غير نظر في سنده؟
سئل الإمام شمس الدين ابن قيم الجوزية: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن يُنظر في سنده؟ فقال: "هذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعرف ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، وخلطت بلحمه، ودمه وصار له فيها ملكة، واختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله ﵊، وهديه فيما يأمير به وينهى عنه، ويخبر عنه، ويدعو إليه ويحبه ويكرهه ويشرعه للأمة بحيث كأنه مخالط له ﵊ بين أصحابه الكرام فمثل هذا يعرف من أحواله وهديه وكلامه وأقواله وأفعاله وما يجوز أن يخبر به وما لا يجوز ما لا يعرفه غيره، وهذا شأن كل متبوع
[ ١٦٤ ]
مع تابعه، فإن للأخص به، الحريص على تتبع أقواله وأفعاله، من العلم بها، والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه وما لا يصح، ليس كمن لا يكون كذلك. وهذا شأن المقلدين مع أئمتهم، يعرفون من أقوالهم ونصوصهم ومذاهبهم وأساليبهم ومشاربهم ما لا يعرفه غيرهم". ثم أورد جملة مما روي في ذلك "انظر الموضوعات لملا علي القاري".
وقال ابن دقيق العيد: "كثيرًا ما يحكمون بالوضع باعتبار أمور ترجع إلى المروي، وألفاظ الحديث. وحاصلة يرجع إلى أنه حصلت لهم لكثرة محاولة ألفاظ النبي -ﷺ- هيئة نفسانية وملكة قوية عرفوا بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبوة وما لا يجوز".
وقد روى الخطيب عن الربيع بن خيثم التابعي الجليل قال: "إن للحديث ضوءًا كضوء النهار يعرف وظلمة كظلمة الليل تنكر".
ونحوه قول ابن الجوزي: "الحديث المنكر يقشعر منه جلد طالب العلم، وينفر منه قلبه" يعني الممارس لألفاظ الشارع الخبير بها وبرونقها وبهجتها.
٩- بيان أن للقلب السليم إشرافا على معرفة الموضوع:
قال أبو الحسن علي بن عروة الحنبلي في "الكواكب":
فصل: القلب إذا كان نقيًّا نظيفًا زاكيًا، كان له تمييز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والهدي والضلال، ولا سيما إذا كان قد حصل له إضاءة وذوق من النور النبوي، فإنه حينئذ تظهر له خبايا الأمور، ودسائس الأشياء والصحيح من السقيم ولو ركب على متن ألفاظ موضوعة على الرسول إسناد صحيح، أو على متن صحيح إسناد ضعيف لميز ذلك وعرفه، وذاق طعمه وميز بين غثه وسمينه وصحيحة وسقيمه فإن ألفاظ الرسول لا تحفى على عاقل ذاقها، ولهذا قال النبي -ﷺ: "اتقوا فراسه المؤمن فإنه ينظر بنور الله". رواه الترمذي من حديث أبي سعيد وقال جماعة من السلف في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِين﴾ ١ أي للمتفرسين، وقال معاذ بن جبل
_________________
(١) ١ سورة الحجر، الآية: ٧٥.
[ ١٦٥ ]
"إن للحق منارًا كمنار الطريق". وإذا كان الكفار لما سمعوا القرآن في حال كفرهم قالوا: "إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوه، وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمورق وإن له لثمرة، وإن له في القلوب لصولة ليست بصوله مبطل! " فما الظن بالمؤمن التقي النقي، الذي له عقل تام عند ورود الشبهات، وبصر نافذ عند ورود الشهوات؟ قال بعض السلف: "إن العبد ليهم بالكذب فأعرف مراده قبل أن يتمم" وقد قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ ١ وقد كان عمر بن الخطاب له حظ من ذلك كقصته٢ مع سواد بن قارب وغيره. فإن القلب الصافي له شعور بالزيغ والانحراف في الأفعال والأعمال. فإذا سمع الحديث عرف مخرجه من أين، وإن لم يتكلم فيه الحفاظ وأهل النقد. فمن كانت أعماله خالصة لله موافقة للسنة ميز بين الأشياء، كذبها وصدقها، بشواهد تظهر له على صفحات الوجوه وفلتات الألسنة. قال شاه الكرماني: "من عمر باطنة بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة، وغض بصره عن المحارم، وعود نفسه أكل الحلال لم تخطئ له فراسة فالله سبحانه هو الذي يخلق الرعب والظلمة في قلوب الكافرين، والنور والرهان في قلوب المتقين، ولهذا ذكر الله آية النور عقيب غض النظر، وكف النفس عن المحارم. وكذلك إذا كان العبد صدوق اللسان، كان أقوى له وأتم على معرفة الأكاذيب والموضوعات فإن الجزاء من جنس العمل، فيثيب الله الصدوق ويجد للكذب مضاضة ومرارة ينبو عنها سمعه ولا يقبلها عقله". ولما قدم وفد هوازن على النبي -ﷺ- مسلمين وسألوه أن يرد عليهم سبيهم ومالهم قال لهم: "أحب الحديث إلى أصدقه" ٣ ولهذا كان كعب بن مالك، بعد أن عمي، إذا تلكم الرجل بين يديه بالكذب يقول له: "اسكت، إني لأجد من فيك رائحة الكذب! " إذا سمع حديثا مكذوبا، عرف كذبه وذلك أنه أجمع الصدق لرسول الله -ﷺ- لما قدم من غزوة تبوك وأنزل الله ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ٤ فإن الله سبحانه يلهم الصادق الذكي معرفة الصدق
_________________
(١) ١ سورة محمد، الآية: ٣٠. ٢ راجع القصة في الإصابة ج٢ ص٩٦. ٣ أخرجه البخاري من حديث مروان والمسور بن مخرمة. ٤ سورة التوبة، الآية: ١٢٠.
[ ١٦٦ ]
من الكذب كما في الحديث: "الصدق طمأنينة، والكذب ريبة" وقال لوابصة: "استفت قلبك" ١ وقد ترك النبي أمته على البيضاء ليلها كنهارها، وهذا من أدل الأشياء على ما قلنا. وإنما يُؤتى الإنسان ويدخل الزيف عليه والباطل من نقص متابعته للرسول، بخلاف المؤمن المحسن المتبع له في أقواله وأفعاله فإن أقوال الرسول عليها جلالة ولها ناموس، ولقد رأيت رجلا إذا سمع حديثا مرويا عن النبي -ﷺ- وكان ليس مما قاله يرده ويقول: "هذا موضوع أو ضعيف أو غريب" من غير أن يسمع في ذلك بشيء فيكشف عنه، فإذا هو كما قال وكان قل أن يخطئ في هذا الباب فإذا قيل له من أين لك هذا؟ يقول كلام الرسول عليه جلالة وفيه فحولة ليست لغيره من الناس وكذلك كلام أصحابه وكنت أكشف عما يقول فأجده غالبًا كما قال، وكان من أتبع الناس للسنة وأقلاهم للبدع والأهواء وكذلك كان يقع هذا كثيرًا، فإن الدين هو فعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه، فمن تلبس في باطنه بالإخلاص والصدق، وفي ظاهره بالشرع لانت له الأشياء ووضحت على ما هي عليه عكس حال أهل الضلال والبدع الذين يتكلمون بالكذب والتحريف، فيدخلون في دين الله ما ليس منه وانظر ألفاظ القرآن لما كانت محفوظة منقولة بالتواتر لم يطمع مبطل ولا غيره في إبطال شيء منه ولا في زيادة شيء بخلاف الحديث فإن المحرفين والوضاعين تصرفوا فيه بالزيادة والنقصان والكذب والوضع في متونه وأسانيده، ولكن أقام الله به من ينفي عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ويحميه من وضع الوضاعين فبينوا ما أدخل أهل الكذب والوضع فيه وأهل التحريف في معانيه كمن صنف في الصحيح كالبخاري ومسلم وابن خزيمة وكذلك أهل المساند كمسند أحمد ونحوه وكمالك وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وغيرهم من تكلم على الحديث، وكذلك الذين تكلموا على الرجال وأسانيدها:
_________________
(١) ١ هذه جملة من حديث أخرجه الإمامان أحمد والدارمي في مسنديهما. قال الحافظ ابن رجب: "وقد رُوي هذا الحديث عن النبي -ﷺ- من وجوه متعددة، وبعض طرقه جيدة".
[ ١٦٧ ]
كيحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى القطان وشعبة وسفيان وابن معين وابن المدايني وابن مهدي وغيرهم فهؤلاء وأمثالهم أهل الذب عن أحاديث رسول الله -ﷺ- عكس حال من صنف كتبًا فيها من الموضوعات شيء كثير، وهو لا يميز ولا يعرف الموضوع والمكذوب من غيره فيجيء الغر الجاهل فيرى حديثًا في كتاب مصنف فيغتر به وينقله وهؤلاء كثير أيضًا مثل مصنف كتاب: "وسيلة المتعبدين" الذي صنفه الشيخ عمر الموصلي ومثل: "تنقلات الأنوار" للبكري الذي وضع فيه من الكذب ما لا يخفى على من له أدنى مسكة عقل، بل قد أنكر العلماء على أهل التصوف كثيرًا مما ذكروه في كتبهم من الأحاديث التي يعلمون أنها من الموضوعات، ومن تفاسير آيات يعلمون أنها مخالفة مع أنهم قوم أحبوا الأعمال، وكذلك أهل التفسير يضعون في تفاسيرهم أحاديث مكذوبة، وكذلك كثير من الفقهاء يستدلون في كتبهم على المسائل بأحاديث ضعيفة أو مكذوبة، ومن لم يميز يقع في غلط عظيم فالله المستعان، وقد فرق الله بين الحق والباطل بأهل النور والإيمان والنقد العارفين بالنقل والذائقين كلام الرسول بالعقل، وقد صنفوا في ذلك كتبًا في الجرح والتعديل فهذا العلم مسلم لهم ولهم فيه معارف وطرق يختصون بها. وقد قال الإمام أحمد: "ثلاثة علوم ليس لها أصل: المغازي والملاحم والتفسير" ومعنى ذلك أن الغالب عليها أنها مرسلة وكذلك: "قصص الأنبياء" للثعلبي فيها ما فيها. والمقصود أن الصادق تمر به أحاديث يقطع قلبه بأنها موضوعة أو ضعيفة.
قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية: "القلب المعمور بالتقوى إذا رجح بمجرد رأيه فهو ترجيح شرعي" قال: "فمتي ما وقع عنده وحصل في قلبه ما يظن معه أن هذا الأمر أو هذا الكلام أرضى الله ورسوله كان ترجيحًا بدليل شرعي، والذين أنكروا كون الإلهام ليس طريقا إلى الحقائق مطلقا أخطئوا؛ فإذا اجتهد العبد في طاعة الله وتقواه، كان ترجيحه لما رجح أقوى من أدلة كثيرة ضعيفة فإلهام هذا دليل في حقه، وهو أقوى من كثير من الأقيسة الضعيفة والموهومة والظواهر والاستصحابات الكثيرة التي يحتج بها
[ ١٦٨ ]
كثير من الخائضين في المذاهب والخلاف وأصول الفقه. وقد قال عمر بن الخطاب: "اقربوا من أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون فإنهم تتجلى لهم أمور صادقة" وحديث مكحول المرفوع: "ما أخلص عبد العبادة لله تعالى أربعين يومًا إلا أجرى الله الحكمة على قلبه، وأنطق بها لسانه"١ وقال أبو سليمان الداراني: "إن القلوب إذا أجمعت على التقوى جالت في الملكوت، ورجعت إلى صاحبها بطرف الفوائد من غير أن يؤدي إليها عالم علما" وقد قال النبي: "الصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء" ٢ ومن معه نور وبرهان وضياء كيف لا يعرف حقائق الأشياء من فحوى كلام أصحابها، ولا سيما الأحاديث النبوية فإنه يعرف ذلك معرفة تامة لأنه قاصد العمل فتتساعد في حقه هذه الأشياء مع الاقتداء ومحبة الله ورسوله حتى إن المحب يعرف من فحوى كلام محبوبه مراده تلويحًا لا تصريحًا:
والعين تعرف من عيني محدثها إن كان من حزبها أو من أعاديها
وقد قيل:
إنارة العقل مكسوف بطوع هوى وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا
وفي الحديث الصحيح: "لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها" ٣ ومن كان توفيق الله له كذلك، فكيف لا يكون ذا بصيرة نافذة ونفس فعالة، وإذا كان الإثم والبر في صدور الخلق له تردد وجولان فكيف حال من الله سمعه وبصره، وهو في قلبه. وقد قال ابن مسعود: "الإثم حزاز القلوب" وقد قدمنا أن: "الكذب ريبة والصدق طمأنينة" فالحديث الصدق تطمئن إليه النفس ويطمئن إليه القلب وأيضًا فإن الله فطر عبادة على الحق فإذا لم تستحل
_________________
(١) ١ روى في الجامع الصغير من حديث أبي أيوب بلفظ: "من أخلص لله أربعين يومًا، ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"، وعزاه لأبي نعيم في الحلية وقال شارحه العزيزي: "إسناده ضعيف". ٢ أخرجه مسلم من حديث أبي مالك الأشعري. ٣ قال الحافظ إن رجب: "هذا الحديث تفرد بإخراجه البخاري دون بقية أصحاب الكتب".
[ ١٦٩ ]
الفطرة، شاهدت الأشياء على ما هي عليه فأنكرت منكرها، وعرفت معروفها. قال عمر: "الحق أبلج لا يخفى على فطن" فإذا كانت الفطرة مستقيمة على الحقيقة منورة بنور القرآن تجلت لها الأشياء على ما هي عليه في تلك المرايا، وانقشعت عنها ظلمات الجهالات فرأت الأمور عيانًا مع غيبها عن غيرها، وفي السنن والمسند، وغيره عن النواس بن سمعان عن النبي قال: "ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداع يدعو على رأس الصراط، وداع يدعو من فوق فالصراط المستقيم هو الإسلام، والستور المرخاة حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله فإذا أراد العبد أن يفتح بابًا من تلك الأبواب ناداه المنادى يا عبد الله لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه؛ والداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي فوق الصراط، واعظ الله في قلب كل مؤمن" فقد بين هذا الحديث العظيم الذي من عرفه انتفع به انتفاعًا بالغًا إن ساعده التوفيق، واستغنى به عن علوم كثيرة أن في قلب كل مؤمن واعظًا والوعظ هو الأمر والنهى والترغيب والترهيب، وإذا كان القلب معمورًا بالتقوى انجلت له الأمور وانكشفت بخلاف القلب الخراب المظلم قال حذيفة بن اليمان: "إن في قلب المؤمن سراجًا يزهر" وفي الحديث الصحيح: "إن الدجال مكتوب بين عينيه: "كافر" يقرؤه كل مؤمن قارئ وغير قارئ" ١ فدل على أن المؤمن يتبين له ما لا يتبين، ولا سيما في الفتن وينكشف له حال الكذاب الوضاع على الله ورسوله. فإن الدجال أكذب خلق الله مع أن الله يجري على يديه أمورًا هائلة، ومخاريق مزلزلة؛ حتى إن من رآه افتتن به؛ فيكشفها الله للمؤمن حتى يعتقد كذبها وبطلانها. وكلما قوي الإيمان في القلب قوي انكشاف الأمور له، وعرف حقائقها من بواطلها، وكلما ضعف الإيمان ضعف الكشف. وذلك مثل السراج القوي والسراج الضعيف في البيت المظلم ولهذا قال بعض السلف في
_________________
(١) ١ أحاديث الدجال كثيرة، ثابتة في الصحيحين وغيرهما بألفاظ مختلفة.
[ ١٧٠ ]
قوله١: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ قال: "هو المؤمن ينطق بالحكمة المطابقة للحق، وإن لم يسمع فيها بالأثر، فإذا سمع فيها بالأثر، كان نورًا على نور" فالإيمان الذي في قلب المؤمن يطابق نور القرآن فالإلهام القلبي تارة يكون من جنس القول والعلم، والظن أن هذا القول كذب وأن هذا العمل باطل وهذا أرجح من هذا وأصوب، وفي الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه قال: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي فيهم أحد فعمر" ٢. والمحدث هو الملهم المخاطب في سره، وما قال عمر لشيء إني لأظنه كذا وكذا إلا كان كما ظنه وكانوا يرون أن السكينة تنطق على قلبه ولسانه أيضًا، فإذا كانت الأمور الكونية تنكشف للعبد المؤمن لقوة إيمانه يقينًا وظنًّا فالأمور الدينية كشفها له أيسر بطريق الأولى فإنه إلى كشفها أحوج فالمؤمن تقع في قلبه أدلة على الأشياء لا يمكنه التعبير عنها في الغالب فإن كل أحد لا يمكنه إبانه المعاني القائمة بقلبه فإذا تكلم الكاذب بين يدي الصادق عرف كذبه من فحوى كلامه فتدخل عليه نخوة الحياء الإيماني فتمنعه البيان، ولكن هو في نفسه قد أخذ حذره منه، وربما لوح أو صرح به خوفًا من الله وشفقة على خلق الله فيحذرون من روايته أو العمل به، وكثير من أهل الإيمان والكشف يلقي الله في قلبه أن هذا الطعام حرام، وأن هذا الرجل كافر، أو فاسق، أو ديوث، أو لوطي، أو خمار، أو مغن، أو كاذب من غير دليل ظاهر بل بما يلقي الله في قلبه، وكذلك بالعكس يلقي في قلبه حجة لشخص، وأنه من أولياء الله تعالى وأن هذا الرجل صالح وهذا الطعام حلال، وهذا القول صدق فهذا وأمثاله لا يجوز أن يستبعد في حق أولياء الله المؤمنين المتقين، وقصة الخضر مع موسى هي من هذا الباب، وأن الخضر علم هذه الأحوال المغيبة بما أطلعه الله عليه، وهذا باب واسع يطول بسطه وقد نبهنا فيه على نكت شريفة تطلعك على ما وراءها. والمقصود: أن الحديث الموضوع يعرف كونه موضوعًا إما بإقرار واضعه أو بركاكة لفظه أو غير ذلك. وقد أشرنا فيما
_________________
(١) ١ سورة النور الآية: ٣٥. ٢ أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة.
[ ١٧١ ]
كتبنا فيما تقدم أن أهل الإيمان والتقوى والصدق والإخلاص لهم اطلاعات وكشف وفراسات وإلهامات يلقيها الله في قلوبهم يعرفون بها صدق الصادق وكذب الكاذب ووضع الوضاعين وصحيح الأخبار وكاذبها، وقد كان أبو سليمان الداراني يُسمي أحمد بن عاصم الأنطاكي: "جاسوس القلب" لحدة فراسته فعليك يا أخي بالصدق وإياك والكذب فإنه يجانب الإيمان، والله سبحانه أعلم بالصواب وإليه المنقلب والمآب والحمد لله رب العالمين" انتهى كلام الإمام ابن عروة الحنبلي الدمشقي، رحمه الله تعالى.
١٠- الكلام على حديث من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار:
أعلم أن حديث: "من كذب عليَّ " في غاية الصحة ونهاية القوى حتى أطلق عليه جماعة أنه متواتر ونوزع بأن شرط التواتر استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة وليست موجودة في كل طريق بمفردها أجبيب بأن المراد من إطلاق كونه متواترًا رواية المجموع من المجموع من ابتدائة إلى انتهائه في كل عصر، وهذا كاف في إفادة العلم، وقد رواه عن أنس العدد الكثير وتواترت عنهم الطرق، ورواه عن علي -﵁- ستة من مشاهير التابعين، وثقاتهم والعدد المعين لا يشترط في التواتر بل ما أفاده العلم كاف، والصفات العليَّة في الرواة تقوم مقام العدد أو تزيد عليه، ولا سيما قد رُوي هذا الحديث عن جماعة كثيرين من الصحابة فحكى الإمام أبو بكر الصيرفي في شرحه لرسالة الشافعي أنه قد رُوي عن أكثر من ستين صحابيا مرفوعا، وقال بعض الحفاظ إنه قد رُوي عن اثنين وستين صحابيا، وفيهم العشرة المبشرة وقال: "ولا يعرف حديث اجتمع على روايته العشرة المبشرة إلا هذا، ولا حديث يُروى عن أكثر من ستين صحابيا إلا هذا" وقال بعضهم إنه رواه مائتان من الصحابة، وقد اعتنى جماعة من الحفاظ بجمع طرقه فقال إبراهيم الحربي إنه ورد من حديث أربعين من الصحابة، وكذا قال أبو بكر البزار وجمع طرقه أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد فزاد قليلا وجمعها الطبراني فزاد قليلًا، وقال أبو القاسم
[ ١٧٢ ]
بن منده. رواه أكثر من ثمانين نفسًا، وجمع طرقه ابن الجوزي في مقدمة كتاب الموضوعات فجاوز التسعين، وبذلك جزم ابن دحية ثم جمعها الحافظان يوسف بن خليل الدمشقي، وأبو علي البكري، وهما متعاصران فوقع لك منهما ما ليس عند الآخر، وتحصل من مجموع ذلك كله رواية مائة من الصحابة -﵃- وقال ابن الصلاح: "ثم لم يزل عدده في ازدياد، وهلم جرا على التوالي والاستمرار، وليس في الأحاديث ما في مرتبته من التواتر" وقيل لم يوجد في الحديث مثال للمتواتر إلا هذا، وقال ابن دحية قد أخرج من نحو أربعمائة طريق "كذا في عمدة القاري للعيني" وهو خلاصة ما قرره الحافظ ابن حجر في الفتح قال الحافظ في هذا الحديث: "أخرجه البخاري من حديث المغيرة، وعبد الله بن عمرو وواثلة، واتفق مسلم معه على تخريجه عن علي وأنس وأبي هريرة والمغيرة وأخرجه مسلم من حديث أبي سعيد أيضًا وصح في غير الصحيحين من حديث ثلاثين من الصحابة، وورد أيضًا عن نحو خمسين من غيرهم بأسانيد ضعيفة، وعن نحو من عشرين بأسانيد ساقطة ثم بين ﵀ من اعتنى بجمعه كما تقدم.
وقوله -ﷺ: "فليتبوأ مقعده من النار" أي فليتخذ لنفسه منزلا.
يقال تبوأ الدار إذا اتخذها مسكنا وهو أمر معناه الخبر يعني فإن الله يبوئه، وتعبيره بصيغة الأمر للإهانة، ولذا قيل الأمر فيه للتهكم أو التهديد إذ هو أبلغ في التغليظ والتشديد من أن يقال كان مقعدة في النار، ومن ثم كان ذلك كبيرة بل قال الشيخ أبو محمد الجويني إنه كفر يعني لأنه يترتب عليه الاستخفاف بالشريعة، ويؤخذ من الحديث أن من قرأ حديثه وهو يعلم أنه يلحن فيه سواء كان في أدائه أو إعرابه يدخل في هذا الوعيد الشديد لأنه بلحنه كاذب عليه، وفيه إشارة إلى أن من نقل حديثا وعلم كذبه يكون مستحقا للنار إلا أن يتوب لا من نقل عن راو عنه ﵊ أو رأى في كتاب، ولم يعلم كذبه قال الطيبي: "فيه إيجاب التحرز عن الكذب على رسول الله -ﷺ- بأنه لا يحدث عنه إلا بما يصح بنقل الإسناد" قال ابن حجر: "وما أوهمه كلام شارح من حرمة التحديث بالضعيف مطلقا مردود". ا. هـ. والظاهر أن
[ ١٧٣ ]
مراد الطيبي بقوله: "إلا بما يصح" الصحة اللغوية التي بمعنى الثبوت لا الاصطلاحية، وإلا لأوهم حرمة التحديث بالحسن أيضا، ولا يحسن ذلك ولا يظن به هذا إذ من المعلوم أن أكثر الأحاديث الدالة على الفروع حسان، ومن المقرر أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال فيتعين حمل كلامه على ما ذكرناه، وكلامه أيضًا مشعر بذلك إذ لم يقل: "بنقل الإسناد الصحيح" ولكنه موهم أنه لا بد من ذكر الإسناد وليس كذلك لأن المراد أنه لا يحدث عنه إلا بما ثبت عنه، وذلك الثبوت إنما يكون بنقل الإسناد وفائدته أنه لو روى عنه ما يكون معناه صحيحا، لكن ليس له إسناد فلا يجوز أن يحدث به عنه واللام في الإسناد للعهد أي الإسناد المعتبر عند المحدثين، وإلا فقد يكون للحديث الموضوع إسناد أيضًا قال عبد الله بن المبارك: "الإسناد من الدين ولو الإسناد لقال من شاء ما شاء" قال ابن حجر: "ولكون الإسناد يعلم به بالموضوع من غيره كانت معرفته من فروض الكفاية قيل: "بلغوا عني" يحتمل وجهين: أحدهما اتصال السند بنقل الثقة عن مثله إلى منتهاه لأن التبليغ من البلوغ وهو إنهاء الشيء إلى غايته، والثاني: أداء اللفظ كما سمع من غير تغيير، والمطلوب في الحديث كلا الوجهين". "كذا في مرقاة المفاتيح".
تنبيه: قال الحافظ ابن حجر ﵀، في الفتح في شرح حديث البخاري عن علي -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "لا تكذبوا عليَّ فإنه من كذب عليَّ فليلج النار" معناه: لا تنسبوا الكذب إلي، ولا مفهوم لقوله: "عليَّ" لأنه لا يتصور أن يكذب له لنهيه عن مطلق الكذب. وقد اعتز قوم من الجهلة فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب وقالوا: "نحن لم نكذب عليه، بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته" وما دروا أن تقويله -ﷺ- ما لم يقل يقتضي الكذب على الله تعالى؛ لأنه إثبات حكم من الأحكام الشرعية، سواء كان في الإيجاب أو الندب، وكذا مقابلهما وهو الحرام والمكروه. ولا يعتد بمن خالف ذلك من الكرامية، حيث جوزوا وضع الكذب في الترغيب والترهيب، في تثبيت ما ورد في القرآن والسنة واحتج بأنه كذب له لا عليه، وهو جهل باللغة العربية.
[ ١٧٤ ]
وتمسك بعضهم بما ورد في بعض طرق الحديث من زيادة لم تثبت، وهي ما أخرجه البزار من حديث ابن مسعود بلفظ: "من كذب عليَّ ليضل به الناس " الحديث وقد اختلف في وصله وإرساله، ورجح الدارقطني والحاكم إرساله، وأخرجه الدارمي من حديث يعلي بن مرة بسند ضعيف وعلى تقرير ثبوته فليست اللام فيه للعلة بل للصيرورة كما فسر قوله تعالى١: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ . والمعنى أن مآل أمره إلى الإضلال، أو هو من تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، فلا مفهوم له كقوله تعالى٢: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَة، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ فإن قتل الأولاد ومضاعفة الربا والإضلال في هذه الآيات إنما هو لتأكيد الأمر فيها لا اختصاص الحكم". ا. هـ.
١١- بيان أنه ليس كل حديث في باب الترغيب تحدث به العامة:
ترجم لهذا المقصد المهم الإمام البخاري في صحيحه بقوله: "باب من خص بالعلم أقواما دون قوم، كراهية أن لا يفهموا" ثم قال: قال علي -﵁- حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ثم أسند عن أنس بن مالك أن رسول الله -ﷺ- ومعاذ رديفه على الرحل قال: "يا معاذ بن جبل" قال: لبيك يا رسول الله -ﷺ- وسعديك! " قال: "يا معاذ" قال: "لبيك يا رسول الله وسعديك! ثلاثًا؛ "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله -ﷺ- إلا حرمه الله على النار" وقال: "يا رسول الله -ﷺ- أفلا أخبر به الناس فيستبشروا" قال: "إذًا يتكلوا" وأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا وروى مسلم أن النبي -ﷺ- أمر أبا هريرة أن يبشر بذلك الناس، فلقيه عمر فدفعه وقال: ارجع يا أبا هريرة ودخل على أثره فقال: "يا رسول الله -ﷺ- لا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس فخلهم يعملون" فقال: "فخلهم".
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية: ١٤٤. ٢ سورة الأنعام، الآية: ١٥١.
[ ١٧٥ ]
وسبق في الثمرة التاسعة١ في بحث الصحيح شذرة من هذا البحث الجليل فتذكر.
وقد توسع فيه وأجاد صديقنا مؤلف كتاب أشهر مشاهير الإسلام٢ بقوله تحت عنوان ما كل حديث تحدث به العامة، وندم أبي عبيدة على نقله الحديث لعامة الناس ما صورته: "كل مسلم أكتنه كنه الدين الإسلامي، ووقف على حكمه وأسراره، يرى من آياته العظمى في الترغيب، والترهيب، ما لو أحسن استعماله ووضع في موضعه، لكفى لإزعاج النفوس الشريرة عن مواطن الرذيلة مهما التصقت بها وأمعنت فيها، ولجعل النفوس البارة نورًا على نور، وألبسها من الفضيلة لباسًا لا يصيبه بلى، وقد جاء الكتاب الكريم بالترغيب ليكون باعثا للنفوس على العمل الصالح رجاء الثواب الأخروي الذي أعده الله لعباده الصالحين لا ليكون لاستدراج النفوس في مدارج الاستباحة طمعًا في عفو الله لهذا جاء بإزاء الترغيب بالترهيب لترسم على صفحات النفوس صورة العقاب، كما ارتسمت صورة الثواب فيكون لها منها داع إلى الخير يذكرها بالثواب، ويمكن منها الرغبة فيه لا إلى حد الطمع، والغرور ثم الاستدراج في الشرور وزاجر عن الشر يذكرها بالعقاب، ويمكن منها الرهبة منه لا إلى حد الانقطاع إلى تقويم أود النفس وتعطيل وظائف الحياة ولا إلى حد اليأس والقنوط ثم الاسترسال في الشهوات واقتراف المنكرات على ذلك الأساس بني الترغيب والترهيب في الإسلام وكل ما جاء منه في الحديث النبوي فالمراد منه عين ما أراده القرآن، ولكن ما الحيلة وقد أولع كثير من علماء المسلمين بالإفراط في الوعظ ترغيبًا وترهيبًا وحملوا عامة الناس على طريقتهم في فهم الدين فأكثروا من حمل الحديث وروايته دون التفهم له والعلم بمقاصده ووضع كل شيء منه في محله، والتفريق بين صحيحه وموضوعه حتى أغروا العامة بعقيدة الإباحة لكثرة ما يروون لهم من أحاديث الترغيب ولو موضوعه كفضائل الصيام والصلاة وفضائل الشهور والأيام وفضائل التلاوات وجلها -إن لم نقل كلها- من
_________________
(١) ١ ص١٠٠ من هذ الكتاب. ٢ رفيق العظم، أشهر مشاهير الإسلام ج٢، ص٢٦٧، القاهرة مطبعة الموسوعات، ١٢١٩هـ.
[ ١٧٦ ]
الموضوع الذي تستدرج به العامة للاستباحة لاعتقادهم بأن من صام كذا غفر له من السيئات كذا وكذا ومن تنفل بيوم كذا محيت سيئاته إلى كذا. ولقد بلغ ببعضهم سوء الفهم للدين أن جعلوا لبعض القصائد النبوية من الفضائل ما لم يجعلوه للقرآن فقالوا إن البيت الفلاني منها لشفاء الأسقام، والآخر لمحو الذنوب والآثام والثالث للنجاة من ظلم الحكام فليت شعري إذا اعتقد العامي أن تلاوة بيت من قصيد يكفي لمحو كل ما يقترفه في يومه من الآثام فإلى أية درجة ينتهى فساد أخلاقه وشرور نفسه، وماذا ينفعه القرآن بأوامره ونواهيه ووعده ووعيده وحكمه وأحكامه اللهم إن هذا لغاية الاستهانة بالدين والجهل بمقاصد الإسلام، ومنشؤه اضطراب الأفهام، وتلبس الحقائق بالأوهام منذ أخذ الوضاعون بالكذب على رسول الله -ﷺ- وأدخلوا في الدين ما ليس منه يضاف إليه الإكثار من حمل الحديث على غير تفقه فيه، ووضع له في مواضعه التي أرادها الشارع وقصدها الإسلام، ولو تتبع العلماء سيرة الصحابة الكرام سيما خاصهم الذين لازموا النبي وفهموا هذا الدين حق الفهم لرأوا كيف أنهم كانوا يقلون من رواية الحديث إلا للخاصة، أو ما تعلق منه بالأحكام حتى بلغ بعمر -﵁- أنه كان ينهى عن رواية الحديث ويقول: "عليكم بالقرآن" وما ذلك إلا خوف الكذب على رسول الله -ﷺ- إذا كثرت الرواية، والنقل وخوف افتنان العامة بما ليس لهم به علم، وبما لم يتفقهوا فيه من الحديث.
"أبو عبيدة بن الجراح"، كان من خيرة الصحابة وعلى جانب من التفقه في الدين والورع والتقوى دعا النبي -ﷺ- لأن يسميه أمين هذه الأمة وقد سمع من رسول الله -ﷺ- حديثًا ربما لم يسمعه منه أحد من الصحابة، أو سمعه بعض الخاصة فرأى هذا الأمين أن يطوى هذا الحديث بين الجوانح ويضن به، على العامة كما ضن به عليهم رسول الله -ﷺ- لأن عقول العامة يلامسها الاغترار، ونفوسهم يلامسها الضعف وحب الشهوات فهم بالوعيد أولى وبإلزامهم ظواهر الشرع أخرى، ولكن لما ألجأته الضرورة القصوى وهو
[ ١٧٧ ]
محصور مع المسلمين في حمص، ورأى منهم فتورا عن الحرب لا لوهن في نفوسهم، أو جبن أصابهم كلا! وإنما هو لرهبة الخالق التي تمكنت من أفئدتهم وقلوبهم وإخافتهم من الموت، لا لذاته، بل لما بعده، فقام فخطب فيهم وتلا عليهم ذلك الحديث وهو١: $"من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة" استحثاثا لهممهم، وتخفيفا لروعهم مما بعد الموت، رجاء ﵀ وعفوه عن ذنوب اقترفوها مما دون الشرك إذا تابوا، وأنابوا قال لهم هذا وهو يظن أن هذا الحديث لا يتعدى أسماعهم لاعتقاده أنهم إذا خرجوا لمكافحة الروم لا يبقى منهم أحد يحدث به، أو يلابس نفسه أثر منه لكثرة من كان على حصارهم من جند الروم، ولما تم الظفر للمسلمين ونجوا من براثن العدو ندم على أن حدثهم بذلك الحديث وخشي من أن يعلق في نفوسهم شيء منه مع أنه علقه على التوبة، فقام وخطب فيهم فقال: لا تتكلوا ولا تزهدوا في الدرجات فلو علمت أنه يبقى منا أحد لم أحدثكم بهذا الحديث. وتالله إن قومًا بلغ بهم الإيمان الصادق، واليقين الثابت ذلك المقام مقام الرهبة من الله ومن الوقوف بين يدي قدرته بعد الموت لقوم عامتهم أعلم بالدين وأخلص في اليقين من خاصتنا ذلك العصر وماذا يشترط في المحدثين وحملة علوم الدين؟ ألا يشترط الوقوف على مقاصد الإسلام، والتفقه في الحديث والعلم بحالة الخاطبين واجتناب الغلو معهم في الترغيب والترهيب، ومراعاة ما يلابس عقولهم من القوة والضعف وأنى يتيسر هذا وقد نتج عن كثرة الرواية وحمل الحديث بلا تفقه فيه زيغ العقول عن مقاصد الشرع واجتراء الكذابين على وضع الحديث، وشحن الكتب الإسلامية بما لا يرضاه الله والرسول وهو ما كان يحذره عمر بن الخطاب -﵁- ولهذا نهى في عصره الذي هو خير العصور عن الإكثار من رواية الحديث فما بالك بما يلي عصره من العصور؟
"ذكر الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي الأندلسي في كتابه: "جامع بيان
_________________
(١) ١ رواه مسلم، وأخرجه الشيخان وأحمد، عن ابن مسعود.
[ ١٧٨ ]
العلم وفضله"١ في باب ذكر من ذم الإكثار من الحديث دون التفهم له والتفقه فيه ما نصه: "عن ابن وهب قال سمعت سفيان بن عيينه يحدث عن بيان عن عامر الشعبي عن قرظة بن كعب قال: خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر إلى حرار فتوضأ، فغسل اثنتين ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله -ﷺ- مشيت معنا فقال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جودوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله -ﷺ- امضوا وأن شريككم فلما قدم قرظة قالوا: حدثنا قال: نهانا عمر بن الخطاب".
ثم قال ابن عبد البر بعد هذا بقليل ما نصه: "قول عمر، إنما كان لقوم لم يكونوا أحصوا القرآن فخشي عليهم الاشتغال بغيره عنه؛ إذ هو الأصل لكل علم. هذا معنى قول أبي عبيدة في ذلك ثم قال أيضًا إن نهيه عن الإكثار، وأمره بالإقلال من الرواية عن رسول الله -ﷺ- إنما كان خوف الكذب على رسول الله -ﷺ- وخوفًا من أن يكونوا مع الإكثار يحدثون بما لم يتيقنوا حفظه ولم يعوه؛ لأن ضبط من قلت روايته أكثر من ضبط المستكثر، وهو أبعد من السهو والغلط الذي لا يؤمن مع الإكثار، فلهذا أمرهم عمر من الإقلال من الرواية". ا. هـ.
١٢- وجوب نعرف الحديث الصحيح من الموضوع:
لمن يطالع المؤلفات التي لم تميز بين صحيح الأحاديث وسقيمها:
قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى في مكتوبة لجماعة العارف الجليل الشيخ عدي بن مسافر رحمه الله تعالى في بعض فصوله٢: وأنتم -أصلحكم الله- قد من الله عليكم بالانتساب إلى الإسلام الذي هو دين الله وعافاكم مما ابتلي به من خرج عن الإسلام من المشركين وأهل الكتاب وعافاكم بانتسابكم إلى السنة من أكثر البدع المضلة
_________________
(١) ١ ص١٧٤، ١٧٥. ٢ الوصية الكبرى، ص٢٧٢ ج١، من مجموعة الرسائل الكبرى.
[ ١٧٩ ]
مثل كثير من بدع الروافض والجهمية والخوارج والقدرية، بحيث جعل عندكم من البغض لمن يكذب بأسماء الله وصفاته وقضائه، وقدره أو يسب أصحاب رسول الله -ﷺ- ما هو من طريقة أهل السنة والجماعة. وهذا من أكبر نعم الله على من أنعم عليه بذلك، فإن هذا تام الإيمان وكمال الدين؛ ولهذا أكثر فيكم من أهل الصلاح والدين ما لا يوجد مثله في طرائف المبتدعين وفيكم من أولياء الله المتقين من له لسان صدق في العالمين فإن قدماء المشايخ الذين كانوا فيكم مثل الملقب بشيخ الإسلام أبي الحسن علي بن أحمد بن يوسف القرشي الهكاري، وبعده الشيخ العارف القدرة عدي بن مسافر الأموي، ومن سلك سيبلهما فيهم من الفضل والدين والصلاح والاتباع للسنة ما عظم الله به أقدارهم ورفع به منارهم.
ثم قال: "والشيخ عدي قدس الله روحه، عقيدته المحفوظة عنه، لم يخرج فيها عن عقيدة من تقدم من المشايخ الذين سلك سبيلهم، كالشيخ عبد الواحد الشيرازي، وكشيخ الإسلام الهكاري ونحوهما. وهؤلاء المشايخ لم يخرجوا في الأصول الكبار عن أصول أهل السنة، والجماعة بل كان لهم من الترغيب في أصول أهل السنة، والدعاء إليها والحرص على نشرها، ومنابذة من خالفها مع الدين والفضل والصلاح ما رفع الله به أقدارهم، وأعلى منارهم وغالب ما يقولونه في أصولها الكبار جيد مع أنه لا بد وأن يوجد في كلامهم وكلام نظرائهم من المسائل المرجوحة والدلائل الضعيفة كأحاديث لا تثبت ومقاييس لا تطرد ما يعرفه أهل البصيرة وذلك أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله -ﷺ- لا سيما المتأخرون من الأمة الذين لم يحكموا معرفة الكتاب والسنة والفقه فيهما ويميزوا بين صحيح الأحاديث وسقيمها وناتج المقاييس وعقيمها مع ما ينضم إلى ذلك من غلبة الأهواء وكثرة الآراء وتغلظ الاختلاف والافتراق وحصول العداوة والشقاق، فإن هذه الأسباب ونحوها مما يوجب قوة الجهل والظلم اللذين نعت الله بهما الإنسان في قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ ١ فإذا مَنَّ الله على الإنسان بالعلم
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآية: ٧٣.
[ ١٨٠ ]
والعدل، أنقذه من هذا الضلال. وقد قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإنسانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر﴾ . وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ١. وأنتم تعلمون -أصلحكم الله- أن السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها ويذم من خالفها هي سنة رسول الله -ﷺ- في أمور الاعتقادات وأمور العبادات وسائر أمور الديانات. وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي -ﷺ- الثابتة عنه في أقواله وأفعاله، وما تركه من قول وعمل ثم ما كان عليه السابقون والتابعون لهم بإحسان، وذلك في دواوين الإسلام المعروفة مثل صحيحي البخاري ومسلم وكتب السنن مثل سنن أبي داود والنسائي وجامع الترمذي وموطأ الإمام مالك، ومثل المسانيد المعروفة كمثل مسند الإمام أحمد وغيره ويوجد في كتب التفاسير والمغازي وسائر كتب الحديث جملها وأجزائها من الآثار ما يستدل ببعضها على بعض، وهذا أمر قد أقام الله له من أهل المعرفة من اعتنى به حتى حفظ الله الدين على أهله، وقد جمع طوائف من العلماء الأحاديث والآثار المروية في أبواب عقائد أهل السنة مثل حماد بن سلمة وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم في طبقهم ومنها ما بوب عليه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم في كتبهم، ومثل مصنفات أبي بكر الأثرم وعبد الله بن أحمد وأبي بكر الخلال وأبي القاسم الطبراني وأبي الشيخ الأصبهاني وأبي بكر الآجري وأبي الحسن الدارقطني وأبي عبد الله بن منده وأبي القاسم اللالكائي وأبي عبد الله بن بطة وأبي عمر الطلمنكي وأبي نعيم الأصبهاني وأبي بكر البيهقي وأبي ذر الهروي، وإن كان يقع في بعض هذه المصنفات من الأحاديث الضعيفة ما يعرفه أهل المعرفة.
"وقد يروي كثير من الناس في الصفات وسائر أبواب الاعتقادات وعامة أبواب الدين أحاديث كثيرة تكون مكذوبة موضوعة على رسول الله -ﷺ- وهي قسمان:
_________________
(١) ١ سورة السجدة، الآية ٢٤.
[ ١٨١ ]
منها ما يكون كلامًا باطلًا لا يجوز أن يقال فضلًا عن أن يضاف إلى النبي -ﷺ.
والقسم الثاني: من الكلام، ما يكون قد قاله بعض السلف، أو بعض العلماء، أو بعض الناس ويكون حقًّا أو مما يسوغ فيه الاجتهاد أو مذهبًا لقائله فيعزى إلى النبي -ﷺ- وهذا كثير عند من لا يعرف الحديث مثل المسائل التي وصفها الشيخ أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري وجعلها محنة يفرق فيها بين السني والبدعي وهي مسائل معروفة عملها بعض الكذابين، وجعل لها إسنادًا إلى رسول الله -ﷺ- وجعلها من كلامه؛ وهذا يعلمه من له أدنى معرفة أنه مكذوب مفترى، وهذه المسائل وإن كان غالبها موافقًا لأصول السنة ففيها ما إذا خالفه الإنسان، لم يحكم بأنه مبتدع مثل أول نعمة أنعم بها على عبده فإن هذه المسألة فيها نزاع بين أهل السنة والنزاع فيها لفظي؛ لأن مبناها على أن اللذة يعتقبها ألم، هل تسمى نعمة أم لا؟ وفيها أيضًا أشياء مرجوحة.
والواجب: أن يفرق بين الحديث الصحيح والحديث الكذب، فإن السنة هي الحق دون الباطل، وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة. فهذا أصل عظيم لأهل الإسلام عمومًا ولمن يدعي السنة خصوصًا. ا. هـ.
١٣- بيان أنه لا عبرة بالأحاديث المنقولة في كتب الفقه والتصوف؛ ما لم يظهر سندها وإن كان مصنفها جليلا:
قال العلامة ملا علي القاري في رسالة الموضوعات١: "حديث: من قضى صلاته من الفرائض في آخر جمعة من رمضان، كان ذلك جابرًا لكل صلاة فاتته في عمره إلى سبعين سنة" باطل قطعا، ولا عبرة بنقل صاحب النهاية وغيره من بقية شراح الهداية، فإنهم
_________________
(١) ١ ص٨٥، طبع القسطنطينية.
[ ١٨٢ ]
ليسوا من المحدثين ولا أسندوا الحديث إلى أحد من المخرجين. ا. هـ.
وقال السيوطي في مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود، على حديث: "نهى أن يمتشط أحدنا كل يوم " فإن قلت: "إنه -ﷺ- كان يسرح لحيته كل يوم مرتين، قلت: لم أقف على هذا بإسناد، ولم أر من ذكره إلا الغزالي في الإحياء؛ ولا يخفى ما فيه من الأحاديث التي لا أصل لها". ا. هـ.
وظاهر أنهم لم يوردوا ما أوردوا مع العلم بكونه موضوعًا، بل ظنوه مرويا. ونقد الآثار من وظيفة حملة الأخبار؛ إذ لكل مقام مقال ولكل فن رجال.
١٤- الرد على من يزعم تصحيح بعض الأحاديث بالكشف بأن مدار الصحة على السند:
في فتاوى العلامة الشيخ عليش ﵀ ما مثاله: "وسئل عن حديث يس لما قرئت له" هل هو صحيح وما يترتب على من شنع على من أنكر صحته أفيدوا الجواب؛ فأجاب بما نصه: "الحمد لله؛ نص الحافظ السخاوي في كتابه: "المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة" على أن هذا الحديث لا أصل له، وكذلك سيدي محمد الزرقاني في مختصره، ويترتب على هذا المشنع المذكور الأدب الشديد لتجرئه على التكلم بغير علم، والظاهر من حال هذا الرجل أنه جاهل جاف غليظ الطبع لم يخالط أحدًا من أهل العلم، ومثل هذا يخشى عليه مقت الله تعالى لخوضه في الأحاديث بغير معرفة إذ من له معرفة لا ينكر المنصوص، وشدة الجهل وضعف العقل وعدم الديانة توجب أكثر من ذلك والله أعلم.
وكتب على هذا السؤال أيضًا الشيخ إبراهيم السقاء خطيب الأزهر ما نصه: "الحمد لله؛ قرر الشعراني في كتابه البدر المنير، نقلًا عن الحافظ السخاوي، أن الحديث بهذا اللفظ لا أصل له ثم قال، وهو عند جماعة الشيخ إسماعيل اليمني قطعي". ا. هـ.
فهذا مما اختلف فيه الناس فلا يليق أن يُرد على من أنكر صحته، فإن السخاوي أنكرها، ولا يليق أن يرد على من قرره، فإن بعض الناس قد قرره كما سمعته عن
[ ١٨٣ ]
الشعراني وفضل: "يس" وكونها لقضاء الأغراض الدنيوية والأخروية، لا يتوقف على هذا الحديث فإنه قد وردت به أحاديث أخر. هذا ما فتح الله به".
الفقير:
إبراهيم السقاء الشافعي عفى عنه.
قال جامع فتاوى الشيخ عليش ﵀ ولما اطلع على هذا الجواب شيخنا أبو يحيى "يعني الشيخ عليشا" كتب عليه ما نصه: "الحمد لله؛ من المعلوم لكل أحد أن الأحاديث لا تثبت إلا بالأسانيد لا بنحو الكشف، وأنوار القلوب فما نقله الشعراني عن جماعة سيدي إسماعيل اليمني إن كان المراد صحة اللفظ كما فهم المفتي توقف الأمر على السند، وإلا رد القول على قائله كائنا من كان ودين الله لا محاباة فيه، والولاية والكرامات لا دخل لها هنا إنما المرجع للحفاظ العارفين بهذا الشأن، والحديث عندهم متفق على أنه لا أصل له فقد ذكره ملا علي قاري وقال: قال السخاوي: لا أصل له، وقال في خطبة كتابه إنه لا يذكر الحديث الثابت، ولا المختلف في، وضعه وإن كان المراد صحة معناه كما هو اللائق بتحسين الظن بالسادة فهذا أمر قريب لأن من صح توكله وصدق إخلاصه إذا دعا إلاله أجابه خصوصًا إذ توسل بالقرآن ويقع مثل هذا في كلام الحفاظ فقد قال أبو بكر بن العربي لما تكلم على حديث: "سورة المائدة نعمت الفائدة" أنا أقول سورة المائدة نعمت الفائدة لكن اللفظ لم يرد". ا. هـ.
إلا أن هذا غير ما نحن فيه فتعقب هذا المفتي على السخاوي بآخر عبارة الشعراني في غير محله؛ لأنه مبني على ما فهم من إراده صحة اللفظ وقد علمت أنه لا يصح لتوقفه على السند ولم يوجد؛ إذ لو وجد لعرفه الحفاظ، وذكروا الحديث في كتبهم، وقوله: "فهذا مما اختلف فيه" فيه ما فيه ويرده كلام ملا علي. وقوله: "ولا يليق الرد على من قرره" كأن مراده المفتي الأول، وهو لم يرد على من قرر، إنما رد على من تكلم بلا علم وخاض بغير معرفة، والرد على هذا متعين وكأنه لم يفهم ألفاظ من رد عليه، كما أنه لم يفهم مراد
[ ١٨٤ ]
من ردبه، وكما أنه لم يفهم السؤال حيث قال وفضل: "يس" إلخ فإن فضل جميع القرآن لا نزاع فيه بين المسلمين وقوله: "هذا ما فتح الله به لم أفهم معناه فإنه إذا لم يحقق مراد من يتعقب بكلامه، ولا يتدبر السؤال ولم يفهم ألفاظ من رد عليه مع كون الرد فضولًا؛ لأنه إنما سئل عما في السؤال وأما في جواب المجيب فلا فبأى شيء وقع الفتح، وإن كان هذا غاية ملكة هذا الرجل، فإنا لله قد كنت أظن أن تحت القبة شيخا والله أعلم". ا. هـ. كلام الشيخ عليش.
[ ١٨٥ ]