المبحث الأول: الأحاديث الواردة في النهي عن الكتابة
وردت أحاديث عدة عن النبي ﷺ تضمنت النهي عن كتابة حديثه، استدل بها من لم ير كتابة الحديث ونهى عنها، ولا شك أن تخريجها من مصادرها والحكم على أسانيدها بعد دراستها معين في بيان قيمة هذا القول وأثره. وسأعرض هذه الأحاديث في هذا المبحث بالتفصيل:
أولًا: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال إن رسول الله ﷺ قال "لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي - قال همام: أحسبه قال: متعمدًا - فليتبوأ مقعده من النار".
أخرجه مسلم في الزهد باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم رقم (٧٥١٠) عن هداب بن خالد واللفظ له.
والنسائي في فضائل القرآن من الكبرى باب كتابة القرآن ٥/١٠ عن يزيد وعفان وفي لفظهما "عنى شيئًا غير القرآن - الحديث إلى قوله فليمحه" وأحمد ٣/١٢ عن إسماعيل بن علية نحوه، وعن شعيب بن حرب ولفظه "لا تكتبوا عني شيئًا فمن كتب عني شيئًا فليمحه".
و٣/٢١ عن يزيد، ٣٩ عن أبي عبيد وأتم الحديث نحو مسلم، ٥٥ عن عفان وتمامه "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وحدثوا عني ولا تكذبوا عليّ" وتمامه مثل مسلم.
وأبو يعلى ٢/٩٧ عن أبي الوليد الطيالسي مثل لفظ عفان عند النسائي وصححه الحاكم من هذا الوجه على شرطهما ١/١٢٦، وأخرجه ابن حبان ١/٢٦٥ عن كثير بن يحيى.
[ ٣١ ]
والخطيب في تقييد العلم /٣١ عن عمرو بن عاصم الكلابي نحو حديث عفان عند أحمد.
وابن عبد البر في جامع بيان العلم ١/٢٦٨ عن موسى بن إسماعيل نحو حديث يزيد عند النسائي.
عشرتهم عن همام بن يحيى، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ﵁ به.
ونقل ابن حجر في الفتح ١/٢٠٨ عن البخاري وغيره تصحيح وقفه.
وممن أعله بالوقف أبو داود كما في تحفة الأشراف ٣/٤٠٨ قال: وهو منكر، أخطأ فيه همام، هو من قول أبي سعيد، بعد أن عزاه المزي إلى أبي عوانة بقصة الكتابة.
وقال الخطيب في التقييد /٣٠: ويقال إن المحفوظ رواية هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري من قوله غير مرفوع.
قلت: قد ورد عن غير همام مثله ونحوه عن السفيانين عن زيد بن أسلم.
أولًا عن سفيان الثوري نحوه.
أخرجه ابن عدي في الكامل ٥/١٧٧١ عن محمد بن الحسين بن شهريار والخطيب في تقييد العلم /٣٠ عن محمد بن الحسين القطان كلاهما عن النضر ابن طاهر عن عمرو بن النعمان عن الثوري عن زيد.
وهذا سند تالف النضر بن طاهر هذا يسرق الحديث كما في لسان الميزان ٦/١٩٤.
ورواه يوسف بن أسباط عن الثوري عن خارجة بن مصعب عن زيد بن أسلم.
[ ٣٢ ]
أخرجه ابن عدي أيضًا ٣/٩٢٥ حدثنا إبراهيم بن إسحاق بن عمر حدثنا عبد الله بن حبيق عن يوسف به.
وهذا الإسناد أمثل من الإسناد السابق، يوسف صدوق وثقة أحمد وابن معين والعجلي، إلا أنه دفن كتبه ثم كان يحدث من حفظه فيخطئ، ولذا تكلم فيه من تكلم من العلماء، وانظر سؤالات أبي داود أحمد بن حنبل رقم (٣٣٠) والكامل ٧/٢٦١٤، ولسان الميزان ٦/٣٨٨.
وبان بهذه الرواية أن الثوري لا يرويه عن زيد بن أسلم، بل بينهما خارجة بن مصعب وهو متروك، كما في ترجمته في تهذيب الكمال ٨/٦.
ثانيًا: عن سفيان بن عيينة ولفظه "استأذنا النبي ﷺ في الكتابة فلم يأذن لنا".
أخرجه الترمذي في العلم باب في كراهية كتابة العلم رقم (٢٦٦٥) عن سفيان بن وكيع.
والدارمي في المقدمة باب من لم ير كتابة الحديث ١/١١٩ عن أبي معمر كلاهما عن ابن عيينة عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد به.
وخالفهما لوين واختلف عليه فيه.
فرواه محمد بن إبراهيم بن يحيى الحزوري في جزئه عن لوين رقم (٥٥) ومحمد بن هارون بن حميد عند ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ رقم (٦٠٣) كلاهما عن ابن عيينة عن زيد عن أبيه عن عطاء عن أبي سعيد بنحوه.
ورواه إسماعيل بن عبد الله وعلي بن إسحق الأنماطي وعبد الله بن صالح البخاري عند الخطيب في تقييد العلم كلهم عن لوين عن ابن عيينة عن ابن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء عن أبي سعيد وتابعهم عن لوين القاسم بن
[ ٣٣ ]
محمد بن عباد عند ابن عدي في الكامل ٤/١٥٨٣. وقال عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم عن أبيه والرواية الثانية أصح إذ لا مدخل لأسلم العمري وهو تابعي كبير قديم، وهذا ما رواه إبراهيم بن بشار عند الطحاوي في معاني الآثار ٤/٣١٨، وحسين بن حسن بن حرب المروزي عند الرامهرمزي في المحدث الفاصل /٣٧٩، ومحمد بن خلاد عند ابن عدي في الكامل ١/٣٥ كلهم عن سفيان عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء عن أبي سعيد.
فعاد الحديث إلى رواية سفيان عن عبد الرحمن بن زيد، وقد اضطرب فيه فجعله من مسند أبي هريرة أخرجه أحمد ٣/١٢ عن إسحاق بن عيسى ولفظه كنا قعودًا نكتب ما نسمع من النبي ﷺ فخرج علينا، فقال: ما هذا تكتبون، فقلنا: ما نسمع منك، فقال: "أكتاب مع كتاب الله" فقلنا ما نسمع؟ فقال "أكتاب غير كتاب الله؟ امحضوا كتاب الله وأخلصوه"، قال: فجمعنا ما كتبنا في صعيد واحد، ثم أحرقناه بالنار، قلنا: أي رسول الله نتحدث عنك؟ فذكر نحوا من حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم.
والبزار كما في زوائده رقم (٩٨) عن يعقوب بن حميد مختصرًا. والخطيب في تقييد العلم /٣٣ عن عبد الله بن عمرو، وسهل، ويعقوب بن محمد كلهم عن عبد الرحمن به.
قال البزار: رواه همام عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد، وعبد الرحمن بن زيد، فقد أجمع أهل العلم بالنقل على تضعيف أخباره، وليس هو بحجة فيما ينفرد به.
[ ٣٤ ]
فبهذا يصح إطلاق أن همام بن يحيى قد تفرد به عن زيد بن أسلم. وهمام: ثقة إلا أنه يحدث من حفظه، فيقع منه الغلط ولا يرجع إلى كتابه، ثم أصبح بآخره يرجع إليه ويعترف بخطئه فيما مضى، ومنه أخذ ابن حجر أن حديثه بآخره أصح ممن سمع منه قديمًا، كما في تهذيب التهذيب ١١/٦٠.
فلعل تضعيف من ضعف الحديث وأعله بالوقف من هذا الجانب. إضافة إلى أن المروي عن أبي سعيد ﵁ من غير هذا الطريق يؤيد الوقف عليه، ومنها:
عن أبي نضرة عنه وله طرق متعددة:
أ- رواه الجريري عن أبي نضرة ولفظه: قلت لأبي سعيد ألا تكتبنا فإنا لا نحفظ، فقال: "لا إنا لن نكتبكم ولم نجعله قرآنًا، ولكن احفظوا عنا كما حفظنا نحن عن رسول الله ﷺ".
أخرجه الدارمي في الموضع السابق ١/١٢٢ عن يزيد بن هارون واللفظ له.
وأبو خيثمة في العلم /١٣١ نحوه عن ابن علية ولم يقل عن رسول الله ﷺ والرامهرمزي /٣٧٩ عن غسان بن مضر.
وابن عبد البر في جامع بيان العلم ١/٢٧٣ عن عبد الأعلى والخطيب في تقييد العلم /٣٧، ٣٨ عن شعبة ولفظه: اسمعوا كما كنا نستمع، وعن القاسم بن الفضل نحو لفظ إسماعيل بن علية ستتهم عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁ وهذا سند صحيح.
ب- كهمس بن الحسن عنه ولفظه: قال: قلنا لأبي سعيد لو اكتتبنا الحديث، قال "لا نكتبكم خذوا عنا كما أخذنا عن نبينا ﷺ" أخرجه
[ ٣٥ ]
ابن أبي شيبة في المصنف ٩/٥٢ عن أبي أسامة والخطيب في تقييد العلم عن روح بن عبادة كلاهما عن كهمس عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵃ به. وهذا سند صحيح.
ج- المستمر بن الريان عن أبي نضرة قال: قلنا لأبي سعيد ألا نكتب ما نسمع منك؟ قال: "تريدون أن تجعلوها مصاحف احفظوا كما حفظنا".
أخرجه ابن سعد في الطبقات ٥/٢٥٣ عن مسلم بن إبراهيم والخطيب في تقييد العلم /٣٦، ٣٧ عن عثمان بن عمر ويحيى بن السكن وزاد كما حفظنا عن نبيكم ﷺ ثلاثتهم عن المستمر عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵃ به. وهذا إسناد صحيح.
ورواه أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد قال: "ما كنا نكتب غير التشهد والقرآن".
أخرجه أبو داود في العلم باب كتاب العلم ٣/٣١٩ عن ابن شهاب وابن أبي شيبة ١/٢٩٣ عن ابن علية والطحاوي في معاني الآثار ١/٢٦٤.
ثلاثتهم عن أبي المتوكل عن أبي سعيد به.
ولا يقال إن قوله كما حفظنا نحن عن رسول الله ﷺ. ونحوه ما ورد في الطرق السابقة، له حكم المرفوع حيث عزا هذا الفعل إلى زمنه ﷺ فالجواب: إن هذا إخبار عن الكيفية التي تلقى بها أبو سعيد ﵁ الحديث من رسول الله ﷺ ولا ينفي هذا أن غيره تلقى الحديث مكتوبًا عن النبي ﷺ بدليل ما سيأتي من أحاديث في المبحث الثاني.
وفي الفصل الأخير مزيد كلام عن حديث أبي سعيد ﵁.
[ ٣٦ ]
ثانيًا: عن زيد بن ثابت ﵁
أنه دخل على معاوية ﵁، فسأله عن حديث فأمر إنسانًا يكتبه، فقال له زيد "إن رسول الله ﷺ أمرنا ألا نكتب شيئًا من حديثه" فمحاه.
أخرجه أبو داود في الموضع السابق رقم (٣٦٤٧) . عن أبي أحمد الزبيري.
والخطيب في تقييد العلم /٣٥ عن سليمان بن بلال نحوه كلاهما عن كثير عن المطلب عن زيد به.
وهذا إسناد ضعيف لأنه منقطع: المطلب بن عبد الله بن حنطب لم يسمع إلا من أنس وسهل بن سعد وسلمة بن الأكوع ﵃، ولم يسمع من زيد كما في جامع التحصيل /٢٨١.
ثالثًا: عن معاذ ﵁
قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نكتب شيئًا من الحديث، فقال: "ما هذا يا معاذ؟ " قلنا: سمعناه منك يا رسول الله، قال: "يكفيكم هذا القرآن مما سواه"، فما كتبنا شيئًا بعد. أخرجه إسحاق كما في المطالب العالية ١٢/٦١٠ أخبرنا عطاء بن مسلم الحلبي عن عمرو بن قيس الملائي عن إبراهيم النخعي عن معاذ بن جبل ﵁. قال ابن حجر: منقطع.
يعني بين إبراهيم النخعي ومعاذ.
وفيه سبب آخر: عطاء بن مسلم هو الخفاف ضعيف من قبل حفظه كما في ترجمته في تهذيب الكمال ٢٠/١٠٤.
[ ٣٧ ]
رابعًا: عن ابن عباس وابن عمر ﵃
﵃ قالا: خرج رسول الله ﷺ معصوبًا رأسه، فرقى درجات المنبر، فقال " ما هذه الكتب التي بلغني أنكم تكتبونها، أكتاب مع كتاب الله؟ يوشك أن يغضب الله لكتابه، فيسرى عليه ليلًا، فلا يترك في ورقه ولا قلب منه حرفًا إلا ذهب إليه".
أخرجه الطبراني في الأوسط ٧/٢٨٧ حدثنا محمد بن عبد الله بن رستة حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا عيسى بن ميمون عن محمد بن كعب عن ابن عباس وعن زيد بن أسلم عن ابن عمر ﵄ به.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/١٥٥ وفيه عيسى بن ميمون الواسطي وهو متروك.
[ ٣٨ ]
المبحث الثاني: الأحاديث المتضمنة إباحة الكتابة:
أولًا: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄
قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كلَّ شيء تسمعه ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا؟! فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق".
أخرجه أبو داود في الموضع السابق رقم (٣٦٤٦) عن مسدد وابن أبي شيبة، واللفظ لهما.
وأحمد ٢/١٦٢، ١٩٢.
والحاكم ١/١٥٠ عن عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثي ومسدد أربعتهم عن يحيى القطان عن عبيد الله بن الأخنس عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو ﵃ به.
وهذا إسناد صحيح، لا يعكر عليه أن ابن حبان قال في عبيد الله بن الأخنس: يخطئ كثيرًا، فقد أطلق القول بتوثيقه أحمد ويحيى بن معين وأبو داود والنسائي، كما في ترجمته في تهذيب الكمال ١٩/٥، وابن حبان شديد في الجرح يتوقف في جرحه ولاسيما إذا تفرد، والوليد هو ابن عبد الله بن أبي مغيث كما جاء منسوبًا في رواية أبي داود، خلافًا للحاكم الذي قال إنه هو ابن أبي الوليد الشامي، فلا يعرف راو بهذا الاسم.
[ ٣٩ ]
وله بهذا اللفظ طرق عديدة استوفاها الخطيب البغدادي في تقييد العلم /٧٤ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. رواه عنه جماعة والإسناد حسن.
وقد شهد أبو هريرة ﵁ بأن عبد الله بن عمرو كان يكتب عن النبي ﷺ وأنه كتب عنه الكثير.
كما قال: "ما من أصحاب النبي ﷺ أحدٌ أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب".
أخرجه البخاري في العلم باب كتابة العلم رقم (١١٣) .
حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا عمرو أخبرني وهب بن منبه عن أخيه عن أبي هريرة.
وأخرجه أحمد ٢/٤٠٣ عن محمد بن سلمة.
والطحاوي في معاني الآثار ٤/٣١٨ عن أحمد بن خالد الوهبي والرامهرمزي في المحدث الفاصل / ٣٦٩ عن عبد الأعلى السامي والخطيب في تقييد العلم / ٨٣ عن إبراهيم بن سعد أربعتهم عن ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن مجاهد، والمغيرة بن حكيم عن أبي هريرة ﵁ نحوه، وزاد "فإنه كان يكتب بيده ويعيه بقلبه، وكنت أعيه بقلبي ولا أكتب بيدي، واستأذن رسول الله ﷺ في الكتابة عنه فأذن له".
ولفظ عبد الأعلى وإبراهيم عن المغيرة ولم يذكر مجاهدًا وهذا إسناد حسن، ابن إسحاق وإن كان مدلسًا، فقد صرح بالسماع في رواية إبراهيم، وإبراهيم من رؤوس أصحاب ابن إسحاق وأوثقهم كما في ترجمته في سير أعلام النبلاء ٨/٣٠٤.
[ ٤٠ ]
وقد تابع ابن إسحاق على هذا عقيل. أخرجه الطحاوي في المعاني ٢/٣١٩ عن يونس بن عبد الأعلى، والعقيلي في الضعفاء ٢/٣٣٤ عن أحمد ابن صالح.
والخطيب في تقييد العلم /٨٣ عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ثلاثتهم عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن سلمان عن عقيل عن عمرو بن شعيب عن المغيرة عن أبي هريرة ﵁.
وعبد الرحمن لين الحديث، لينه البخاري وأبو زرعة والنسائي، قال أبو حاتم: ما رأيت في حديثه منكرًا وهو صالح الحديث، كما في ترجمته في تهذيب الكمال ١٧/١٤٨، فمثله يصلح حديثه في المتابعات.
وتقدم حكاية عبد الله بن عمرو ﵄ أن الصحابة كانوا يكتبون الحديث بين يدي النبي ﷺ كما تقدم ص ١٢.
وقد أخبر أن النبي ﷺ كان يملي عليه الحديث، قال أبو راشد الحبراني: أتيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت له حدثنا مما سمعت من رسول الله ﷺ فألقى إليّ صحيفة، فقال: هذا ما كتب لي رسول الله ﷺ فنظرت فيها فإذا فيها فذكر حديثًا.
أخرجه الترمذي في الدعوات باب رقم ١٠١ عن الحسن بن عرفة ٥/٢٠٢.
والبخاري في الأدب المفرد رقم (١٢٠٩) عن خطاب بن عثمان. وأحمد ٢/١٩٦ عن خلف بن الوليد.
والطبراني في الشاميين ٢/٢٢ عن عمرو بن خالد الحراني وسليمان بن عبد الرحمن.
[ ٤١ ]
والمعمري في اليوم والليلة كما في نتائج الأفكار ٢/٣٤٦ عن داود بن رشيد وداود بن عمرو الضبي، وأبي معمر القطيعي. ثمانيتهم عن إسماعيل بن عياش حدثنا محمد بن زياد الألهاني عن أبي راشد الحبراني به.
قال الترمذي: حسن غريب.
قال ابن حجر عقبه: رجاله رجال الصحيح إلا إسماعيل بن عياش ففيه مقال، لكن روايته عن الشاميين قوية وهذا منها، وإلا أبا راشد الحبراني، وقد وثقه العجلى، وقال: لم يكن بالشام أفضل منه، وذكره أبو زرعة الدمشقي في الطبقة العليا التي تلي الصحابة.
وورد معنى الكتابة من وجه آخر عنه ﵁ قال: كان عند رسول الله ﷺ ناس من أصحابه، وأنا معهم وأنا أصغر القوم فقال "من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" فلما خرج القوم قلت: كيف تحدثون عن رسول الله ﷺ، وقد سمعتم ما قال؟! وأنتم تنهمكون في الحديث عنه!! فضحكوا، وقالوا: يا بن أخينا إن كل ما سمعنا منه فهو عندنا في كتاب.
أخرجه الرامهرمزي /٣٧٨ عن عاصم بن علي.
والخطيب في تقييد العلم /٩٨ عن سعيد بن سليمان كلاهما عن إسحاق ابن يحيى بن طلحة، عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو ﵄ به.
قال الهيثمي في المجمع ١/١٥٧ رواه الطبراني في الكبير، وفيه إسحاق بن يحيى بن طلحة وهو متروك.
[ ٤٢ ]
ثانيًا: عن رافع بن خديج ﵁
قال: قلت يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء فنكتبها؟ فقال "اكتبوا ولا حرج" أخرجه الطبراني في الكبير ٤/٢٧٦ عن حيوة بن شريح، وعطية بن بقية، ومحمد بن عمرو الحمصي.
والرامهرمزي في المحدث الفاصل /٣٦٩ عن ابن مصفى.
وابن عدي في الكامل ١/٣٦ عن محمد بن عمير بن حبان.
خمستهم عن بقية حدثنا ابن ثوبان حدثنا أبو مدرك حدثني عباية بن رفاعة عن رافع بن خديج به.
وهذا إسناد رجاله ثقات، بقية بن الوليد وإن كان يدلس ويسوي، فقد صرح بالسماع إلى عباية بن رافع، لكن أبا مدرك لم أعرفه إلا أن يكون الذي ذكره الذهبي في الميزان ٤/٥٧١ ونقل عن الدارقطني قوله: متروك.
وقد ورد عنه أنه كتب صحيفة عن النبي ﷺ فيها أحاديث عنه كما قال نافع بن جبير قال: ثم إن مروان بن الحكم خطب الناس فذكر مكة وأهلها وحرمتها، ولم يذكر المدينة وأهلها وحرمتها، فناداه رافع بن خديج فقال: مالي أسمعك ذكرت مكة وأهلها وحرمتها ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها وقد حرم رسول الله ﷺ ما بين لابتيها وذلك عندنا في أديم خولاني، إن شئت أقرأتكه. أخرجه مسلم في الحج باب فضل المدينة رقم (٣٣١٦) . حدثنا القعنبي حدثنا سليمان بن بلال عن عتبة بن مسلم عن نافع بن جبير به.
ثالثًا: عن أبي هريرة ﵁
قال: كان رجل من الأنصار يجلس إلى رسول الله ﷺ فيسمع من النبي ﷺ الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكى ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول
[ ٤٣ ]
الله إني لأسمع منك الحديث فيعجبني ولا أحفظه فقال: "استعن بيمينك" وأومأ بيده الخط.
أخرجه الترمذي في العلم باب في الرخصة فيه - يعني الكتابة ٤/١٤٥ وابن الأعرابي في معجمه ١/٣١٤ عن محمد بن موسى.
كلاهما عن الخليل بن مرة عن يحيى بن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ به.
قال الترمذي: ليس إسناده بذاك القائم، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: الخليل بن مرة. منكر الحديث أ. هـ، ومما يدل على سوء حفظه اضطرابه فيه على وجوه متعددة كما بين ابن عدي في الكامل ٣/٩٢٨، والبيهقي في المدخل/٤١٨ وقد ذكر هذه الطرق الخطيب في تقييد العلم/٦٦.
ورواه الخصيب بن جحدر عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ به. أخرجه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ /٢٧٤ عن الربيع بن مسلم، وابن عدي في الكامل ٣/٩٣٩ عن عبد الصمد بن سليمان، كلاهما عن الخصيب ابن جحدر عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ به.
قال أبو حاتم في العلل ٢/٣٣٩ هذا حديث منكر، وخصيب ضعيف الحديث.
وقد اضطرب فيه على وجوه انظرها في تقييد العلم /٦٥ وانظر المقاصد الحسنة /٥٤.
وفي الباب أيضًا عن أبي هريرة ﵁ في خطبة خطبها رسول الله ﷺ عام الفتح فذكرها، وفي آخره قال: فجاء رجل من أهل اليمن
[ ٤٤ ]
يقال له أبو شاه فقال: اكتب لي يا رسول الله، فقال: "اكتبوا لأبي شاه" - يعني الخطبة.
أخرجه البخاري في العلم باب كتابة العلم رقم (١١٢) .
وفي الديات باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين رقم (٢٤٣٤) من طريق شيبان.
وفي اللقطة باب كيف تعرف لقطة أهل مكة رقم (٦٨٨٠) عن الأوزاعي.
ومسلم في الحج باب تحريم مكة رقم (٣٣٠٥) عن شيبان والأوزاعي، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة ﵁.
رابعًا: عن علي ﵁
قال: ثم ما كتبنا عن النبي ﷺ إلا القرآن وما في هذه الصحيفة، قال النبي ﷺ "المدينة حرام الحديث".
أخرجه البخاري في الجزية والموادعة باب إثم من عاهد ثم غدر رقم (٣١٧٩) .
حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي ﵁ به.
وللحديث طرق عدة عنه ﵁.
[ ٤٥ ]
خامسًا: عن أنس بن مالك ﵁
أنه كان إذا حدث يكثر الناس عليه فجاء بمجال (١) له، فألقاها عليهم، ثم قال: "هذه أحاديث سمعتها وكتبتها عن رسول الله ﷺ ثم عرضتها عليه" أخرجه يعقوب بن سفيان في المعرفة ٢/٨٣٢ عن محمد بن شعيب والطبراني في الشاميين ١/٤٢٧ عن هشام بن عمار، كلاهما عن عتبة بن أبي حكيم، حدثني هبيرة بن عبد الرحمن عن أنس به وهذا إسناد ضعيف، عتبة ابن أبي حكيم ضعيف من قِبَل حفظه كما يظهر في ترجمته في تهذيب الكمال ١٩/٣٠٠ وقد اضطرب فيه على وجوه انظر بيانها في تحقيق المطالب العالية ١٢/٦٢٤، مما يدل على سوء حفظه.
وفي الباب عنه قال: قال رسول الله ﷺ "قيدوا العلم بالكتاب".
أخرجه لوين في جزئه رقم (٥٤) حدثنا عبد الحميد بن سليمان، عن عبد الله بن المثنى عن عمه ثمامة بن أنس عن أنس به.
وخولف عبد الحميد فيه فوقفه غيره عن عبد الله.
أخرجه الدارمي ١/١٢٦ عن مسلم بن إبراهيم
وأخرجه ابن سعد ٥/٣٣٧ عن محمد بن عبد الله الأنصاري، والطبراني في الكبير ١/٢٤٦ عن خالد بن خداش، والرامهرمزي /٣٦٨ عن عبد الواحد بن غياث، والخطيب في تقييد العلم /٩٧ عن مسلم بن قتيبة.
خمستهم عن عبد الله عن عمه عن أنس موقوفًا.
_________________
(١) هي مجودة هكذا في حاشية المدخل، كما ذكر المحقق، وعليها قول ابن الصلاح الذي قرئت عليه النسخة فقال: هي جمع مجلة وهي الصحيفة ص ٤١٥.
[ ٤٦ ]
قال لوين عقب حديثه المرفوع: هكذا لم يكن يرفعه أحد غير هذا الرجل.
وقال العسكري كما في المقاصد الحسنة /٥٥: ما أحسبه من كلام النبي ﷺ، وأحسب عبد الحميد وهم فيه، وإنه من قول أنس فقد روى عبد الله بن المثنى عن ثمامة قال: كان أنس يقول لبنيه يا بني قيدوا العلم بالكتاب فهذا علة الحديث.
وقال الدارقطني في العلل ٥/٤٤/ب ووهم في رفعه - والصواب عن ثمامة أن أنسًا كان يقول ذلك ولا يرفعه.
قال موسى بن هارون كما في تقييد العلم: والذي عندنا والله أعلم أن عبد الحميد بن سليمان وهم في رفعه، وأرى أن عبد الحميد كان يحدث به موقوفًا لأن قتيبة بن سعيد قال: حدثنا عبد الحميد بن سليمان عن عبد الله بن المثنى عن ثمامة عن أنس وذكره موقوفًا عليه.
فبان أن رواية الرفع خطأ منكرة والمعروف هو الوقف.
وأخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان ٢/٢٢٨ عن عبد الله بن سعد والشهاب في مسنده ١/٣٧٠ عن عبد الله بن حسين بن جابر كلاهما عن إسماعيل بن أبي أويس عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة عن ابن شهاب عن أنس به مرفوعًا.
وهذا إسناد تالف: إسماعيل بن أبي أويس وإن أخرج له البخاري فإن النسائي وغيره جرحوه بجرح مفسر يقتضي رد حديثه وعدم صلاحيته في الشواهد والمتابعات، والبخاري أخذ أصول إسماعيل بإذنه وانتقى منها وعلّمَ له على ما يحدث به ليحدث به، ويعرض عما سواه. قال ابن حجر في هدي
[ ٤٧ ]
الساري (٤١٠): "وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح حديثه، لأنه كتب من أصوله، وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح؛ من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره، إلا أن يشاركه فيه غيره فيعتبر به".
فبان أن إسماعيل تفرد به فلا يفرح بهذه الرواية.
وله شاهدان عن:
أـ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: "قلت يا رسول الله أقيد العلم؟ قال: "نعم" قلت: وما تقييده؟ قال: "الكتاب" أخرجه الطبراني في الأوسط ١/ (٨٤٨) عن أحمد بن يحيى الحلواني.
والحاكم ١/١٠٦ عن أحمد بن سهل ومحمد بن صالح بن حبيب، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ١/٣١٧ عن محمد بن سنجر وعن أحمد بن زهير، والخطيب في تقييد العلم /٦٩ عن الباغندي، وابن الجوزي في الواهيات رقم (٩٦) عن محمد بن بشر سبعتهم عن سعيد بن سليمان الواسطي عن عبد الله ابن المؤمل عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عمرو ﵄ به.
ورواه ابن المؤمل عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
أخرجه الخطيب في تقييد العلم /٦٩ من طريق ابن صاعد عن محمد بن يزيد الآدمي حدثنا معن بن عيسى حدثنا عبد الله بن المؤمل به.
ورواه عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو، أخرجه الخطيب في تقييد العلم /٦٨ من طريق محمد بن يعقوب الأصم وأبي سعيد الصيرفي حدثنا العباس بن محمد الدوري حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكة عن عبد الله به.
[ ٤٨ ]
وهذا إسناد ضعيف لأمرين:
١- عبد الله بن المؤمل ضعيف كما في ترجمته في تهذيب الكمال ١٦/١٨٧.
٢- اضطراب عبد الله بن المؤمل فيه كما تقدم.
وله متابعة لا تغني شيئًا أخرجها الخطيب /٦٩ من طريق الدارقطني: حدثنا أحمد بن محمد بن عمار حدثنا عبد الله بن أيوب، حدثنا إسماعيل بن يحيى، حدثنا ابن أبي ذئب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وهذا إسناد تالف: إسماعيل بن يحيى هو ابن عبيد الله بن طلحة التيمي كذاب كما قال الدارقطني، وقال صالح جزرة: يضع الحديث، وقال الحاكم روى عن مالك ومسعر وابن أبي ذئب أحاديث موضوعة كما في لسان الميزان ١/٤٩٣.
ب- عن عبد الله بن العباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "قيدوا العلم بالكتاب".
أخرجه ابن عدي ٢/٧٩٢ حدثنا أبو ثابت محمد بن عبيد الله الأنصاري حدثنا حفص بن عمر بن أبي عمر العطاف عن أبي الزناد عن الأعرج عن ابن عباس ﵄ به.
وحفص هذا منكر الحديث كما قال البخاري وأبو حاتم والساجي وانظر ترجمته في تهذيب الكمال ٧/٣٨.
[ ٤٩ ]
وعليه فالحديث ضعيف (١) أمثل طرقه رواية ابن المؤمل وقد تقدم ما فيها من ضعف وأما باقي طرقه وشواهده فلا تنتهض أبدًا للشواهد والمتابعات.
وسيأتي في الباب أحاديث أخر في الفصل الآتي إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) لكن صححه الشيخ الألباني – ﵀ – بمجموع طرقه (السلسلة الصحيحة رقم ٢٠٢٦) . (اللجنة العلمية) .
[ ٥٠ ]