الفصل الأول: ما كتب في عهد رسول الله ﷺ على وجه الإجمال
وسنتناول منها ما له أثر في الرواية فيما بعد عهده ﷺ من العصور:
١- صحيفة علي بن أبي طالب ﵁:
وهذه الصحيفة كانت عند رسول الله ﷺ، وخص بها عليًّا ﵁ كما قررنا في دراسة مستقلة لصحيفة علي (١) .
٢- الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄.
عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا،
_________________
(١) صحيفة علي بن أبي طالب ﵁، عن رسول الله ﷺ دراسة توثيقية دار السلام - بالقاهرة - ١٤٠٦؟/١٩٨٦م.
[ ١٢ ]
فأمسكت عن الكتابة. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق" (١) .
وعنه قال: "قلت يا رسول الله، أكتب ما أسمع منك؟ قال: نعم. قلت في الرضا والسخط؟ قال: نعم، فإنه ما ينبغي لي أن أقول في ذلك إلا حقًّا".
وفي رواية: "يا رسولَ الله إني أسمعُ منك أشياء، فأكتبها؟ قال: نعم" (٢) .
_________________
(١) إسناده صحيح. حم: (١١/٥٧ – ٥٨) رقم (٦٥١٠) من طريق يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن الأخنس، عن الوليد بن عبد الله، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله ابن عمرو به. وهذا الإسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير الوليد بن عبد الله، وهو ابن أبي مغيث العبدري، وهو ثقة. المستدرك (١/١٠٤ – ١٠٥) (٢) كتاب العلم. من طريقين عن الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن عبد الواحد ابن قيس، عن عبد الله بن عمرو، به. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد أصل في نسخ الحديث عن رسول الله ﷺ، ولم يخرجاه. وقد احتجا بجميع رواته إلا عبد الواحد بن قيس وهو شيخ من أهل الشام، وابنه عمر بن عبد الواحد الدمشقي أحد أئمة الحديث، وقد روى عبد الواحد بن قيس عن جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة وأبو أمامة الباهلي وواثلة بن الأسقع – ﵃، وروى عنه الأوزاعي أحاديث. ولهذا الحديث شاهد قد اتفقا على إخراجه على سبيل الاختصار: عن همام بن منبه، عن أبي هريرة أنه قال: ليس أحد من أصحاب النبي – ﷺ أكثر حديثًا مني إلا عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب وكنت لا أكتب. وعن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه همام، عن أبي هريرة نحوه، وقد وافقه الذهبي. أقول: حديث همام ووهب هو من أفراد البخاري، وليس في مسلم. كما ذكر الحاكم.
(٢) صحيح حم: (١١/٥٢٣ –٥٢٤) عن يزيد بن هارون ومحمد بن يزيد، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. ومحمد بن إسحاق وإن كان مدلسًا فقد توبع كما ترى. المستدرك: (١/١٠٥ - ١٠٦) (٢) كتاب العلم. من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن سلمان، عن عقيل ابن خالد، عن عمرو بن شعيب، أن شعيبًا حدثه ومجاهدًا، أن عبد الله بن عمرو حدثهم. ثم قال: فليعلم طالب هذا العلم أن أحدًا لم يتكلم قط في عمرو بن شعيب؛ وإنما تكلم مسلم في سماع شعيب من عبد الله بن عمرو؛ فإذا جاء الحديث عن عمرو بن شعيب عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو فإنه صحيح. كما قدم الحاكم لهذا الحديث بروايته عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قوله: إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب ثقة فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر. ومعروف أن هذا من أصح الأسانيد.
[ ١٣ ]
وعنه قال: استأذنت النبي ﷺ في كتاب ما سمعت منه. قال: فأذن لي فكتبته، فكان عبد الله يسمي صحيفته تلك الصادقة (١) .
وعن مجاهد قال: رأيت عند عبد الله بن عمرو صحيفة فسألت عنها فقال: هذه الصادقة، فيها ما سمعت من رسول الله ﷺ، ليس بيني وبينه فيها أحد (٢) .
وعن عبد الله بن عمرو قال: ما يرغبني في الحياة إلا خصلتان: الصادقة والوَهْطَة (٣)، فأما الصادقة فصحيفة كتبتها عن رسول الله ﷺ (٤) .
وسنتناول هذه الصحيفة فيما بعد من جوانب أخرى.
٣- صحيفة عمرو بن حزم
استعمله النبي ﷺ على أهل نجران.
وكتب - رسول الله ﷺ معه كتابًا في الفرائض والصدقات والديات.
_________________
(١) طبقات ابن سعد: (٢/٣٢١ – ٣٢٢) .
(٢) المصدر السابق: (٢/٣٢٢) .
(٣) أرض بالطائف تصدَّق بها عمرو بن العاص، السير (٥/١٧٦) .
(٤) سير أعلام النبلاء (٥/١٧٥-١٧٦) .
[ ١٤ ]
قال ابن سعد: وكتب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم حيث بعثه إلى اليمن عهدًا يعلمه فيه شرائع الإسلام وفرائضه وحدوده، وكتب أُبَي (١) .
وقال ابن عبد البر: "وكتب له كتابًا فيه الفرائض والسنن والصدقات والديات (٢) .
٤- كتاب رسول الله ﷺ في الصدقات.
عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض، فقرنه بسيفه، فعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى قبض (٣)
وهو نفسه - إن شاء الله - كتاب أبي بكر الذي رواه البخاري بسنده عن أنس، ورواه عنه حفيده ثمامة بن عبد الله: أن أبا بكر ﵁
_________________
(١) طبقات ابن سعد (١/٢٣٠) وقال في موضع آخر: "كان في كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران: ألا يمس القرآن إلا طاهر ولا يصلي الرجل وهو معتقص، ولا يحتبي الرجل، وليس بين فرجه وبين السماء شيء إلخ (الطبقات ٥/٣١٨) .
(٢) الاستيعاب ٢/٤٣٧.
(٣) المستدرك (١/٣٩٢ – ٣٩٤) قال الحاكم بعد روايته: هذا حديث كبير في هذا الباب يشهد بكثرة الأحكام التي في حديث ثمامة عن أنس (الذي رواه البخاري) إلا أن الشيخين لم يخرجا لسفيان بن حسين الواسطي في الكتابين، وسفيان بن حسين أحد أئمة الحديث وثقه يحيى بن معين ويصححه على شرط الشيخين حديث عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، وإن كان فيه أدنى إرسال، فإنه شاهد صحيح لحديث سفيان ابن حسين. ثم روى حديث الزهري، ثم روى كتاب النبي ﷺ إلى عمرو بن حزم شاهدًا صحيحًا لهذا الكتاب. ووافقه الذهبي.
[ ١٥ ]
كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين. وقال: بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين (١) .
والكتب كثيرة تلك التي كتبت في عهد رسول الله ﷺ، ولكننا لا ندري ألها أثر في نقل أحاديثها فيما بعد أم لا؟ ونظرة إلى كتاب الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، ومكاتيب رسول الله ﷺ تعطينا عددا كبيرًا من الكتب التي كتبت في عهده ﷺ (٢) .
وسنكتفي بهذه لندرس بعضها، ونرى كم هي أسهمت في نقل حديث رسول الله ﷺ موثقًا بالكتابة مع السماع في الكثير من الأحاديث.
وهناك أحاديث كتبها الصحابة رضوان الله عليهم، ولكننا لا ندري هل كتبوها في عهد رسول الله ﷺ أو بعده، وسنتناولها فيما بعد حين نعرض لما كتب في عهد الصحابة رضوان الله عليهم.
_________________
(١) خ: (١/٤٤٩ – ٤٥٠) (٢٤) (٣٨) باب زكاة الغنم. رقم (١٤٥٤) وأطرافه التي تجمع بين متفرقه في البخاري: (١٤٤٨، ١٤٥٠ – ١٤٥١، ١٤٥٣ – ١٤٥٥، ٢٤٨٧، ٣١٠٦، ٥٨٧٨، ٦٩٥٥) .
(٢) الكتب التي ألفت في كتب الرسول ﷺ:
(٣) إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين لابن طولون الدمشقي (٩٥٣) .
(٤) المصباح المضيّ في كُتَّاب النبيّ لمحمد بن علي بن أحمد بن حديدة الأنصاري (٧٨٣ هـ) .
(٥) مكاتيب الرسول ﷺ.
[ ١٦ ]
الفصل الثاني: دراسة مفصلة لنماذج كتبت في عهد رسول الله ﷺ
أولا: صحيفة علي ﵁.
هناك دلالة قوية من نصوص الصحيفة على أنها كتبت في عهد رسول الله ﷺ كما قررت في دراسة سابقة (١) .
فعلي ﵁ قال: "ما عندنا شيء من الوحي، أو قال: كتاب من رسول الله ﷺ إلا ما في كتاب الله وهذه الصحيفة.
وفي رواية ما ترك رسول الله ﷺ غير كتاب الله الذي أنزل إلا وقد بَلَّغْتُهُ غير هذا:
"بسم الله الرحمن الرحيم، محمد رسول الله قال: لكل نبي حرم، وحرمي المدينة".
فالصحيفة كانت عند رسول الله ﷺ، وأعطاها لعلي، وهذا هو الذي يمكن أن يفهم من الخصوصية لعلي ﵁، إذ الذي في الصحيفة ليس خاصًا به، ولا بآل البيت، فقد نقله كثير من الصحابة رضوان الله عليهم - كما سنذكر - إن شاء الله تعالى - بل هناك ما يثبت أن شيئًا ما في الصحيفة كان مكتوبًا عند بعض الصحابة رضوان الله عليهم.
_________________
(١) صحيفة علي بن أبي طالب – ﵁: (ص ٣٩) .
[ ١٧ ]
فقد روى مسلم بسنده عن نافع بن جبير أن مروان بن الحكم خطب الناس، فذكر مكة وأهلها وحرمتها، ولم يذكر المدينة وأهلها وحرمتها، فناداه رافع بن خديج فقال: ما لي أسمعك ذكرت مكة وأهلها وحرمتها، ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها؟ وقد حرَّم رسول الله ﷺ ما بين لابتيها، وذلك عندنا في أديم خَوْلاني، إن شئت أَقْرَأتكه (١) .
وفي بعض الروايات تصريح بأنه أخذها من رسول الله ﷺ (٢) .
محتويات هذه الصحيفة:
عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: قال علي ﵁ ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله غير هذه الصحيفة. قال: فأخرجها، فإذا فيها أشياء من الجراحات وأسنان الإبل.
قال: وفيها: المدينة حرَمٌ ما بين عَيْرٍ إلى ثَوْر، فمن أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل، وذمة المسلمين واحدة يفي بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه يوم القيامة صَرْفٌ ولا عدْل.
_________________
(١) المصدر السابق (ص٤٠) .
(٢) حم (١/١١٩) عن يحيى بن آدم، عن شريك، عن مخارق عن طارق بن شهاب، عن علي: "وهذه الصحيفة أعطانيها رسول الله ﷺ فيها فرائض الصدقة". وفي رواية أخذتها من رسول الله ﷺ، رواها المحاملي في أماليه بالسند المذكور (ص١٥٥) رقم: (١٢٤) .
[ ١٨ ]
وفي حديث آخر: إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم المدينة؛ حَرَمٌ ما بين حرتيها، وحماها كله، لا يُخْتَلىَ خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشار بها، ولا تقطع شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره، ولا يحمل فيها السلاح لقتالٍ.
وفي هذه الرواية: ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده.
وفي حديث منها: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر.
وفي حديث آخر: ومن ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا.
وفي حديث: "وفيها فرائض الصدقات".
وفي حديث: "لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى مُحْدِثا".
وهكذا حفلت الصحيفة بموضوعات شتى.
١- حرم المدينة.
٢- ذمة المسلمين وأمانتهم.
٣- تكافؤ دماء المسلمين.
٤- قتل المسلم بالكافر.
٥- فكاك الأسير.
٦- بعض الكبائر وعقابها.
[ ١٩ ]
٧- المعاقل (الديات والجراحات) .
٨- فرائض الصدقة.
وجدير بالذكر أن في هذه الصحيفة إشارات إلى موضوعات كبيرة، ولم يرد في الصحيفة منها إلا هذه الإشارات.
وذلك كالديات، وتفصيلها يطول في الروايات والأحاديث، بل ويطول في صحف أخرى كما سنرى، وكما في صحيفة عمرو بن حزم.
وكذلك فرائض الصدقة كما سنرى تفصيلها في كتاب رسول الله ﷺ الذي كان عند أبي بكر، ثم عند عمر.
ويحتمل أن هناك أمورًا أخرى في هذه الصحيفة.
وقد رُوي أنها كانت في قائم سيف رسول الله ﷺ، وقد روت السيدة عائشة أجزاء من هذه الصحيفة وقالت: إنها كانت في قائم سيف رسول الله ﷺ:
عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: وجدت في قائم سيف رسول الله ﷺ كتابًا:
إن أشدَّ الناس عتوًّا مَنْ ضرب غير ضاربه، ورجل قَتَلَ غيرَ قاتله، ورجل تولىَّ غيرَ أهلِ نعمته.
فمن فعل ذلك فقد كفر بالله ورسوله، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا.
وفي الآخر: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده، ولا يتوارث أهل ملتين، ولا
[ ٢٠ ]
تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا صلاة بعد العصر حتى تَغرب الشمس، ولا تسافر المرأة ثلاث ليالٍ مع غير ذي محرم (١) .
وكما ترى، في هذه الصحيفة ما يلتقي مع صحيفة علي، وما هو زائد عليها مما يجعلنا نرجح أن عليًّا ﵁ لم يذكر كل ما في الصحيفة، وكذلك السيدة عائشة ﵂.
أما متابعات الصحيفة وشواهدها فسنعرض لها في فصل قادم.
ثانيًا: الصحيفة الصادقة.
وهي صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص الذي كتبها في عهد رسول الله ﷺ كما سبق أن ذكرنا.
والإجماع على أنها نقلت كتابة عن عبد الله بن عمرو، والخلاف إنما هو في اتصالها أو عدم اتصالها.
ولا نريد أن نخوض في تفصيلات ذلك، فهو مفصل في مصادر عدة، ولا تحتمله عجالتنا هذه.
ولكننا نجتزئ بشهادة إمامين جليلين، أحدهما متقدم والآخر متأخر، وهما الإمام الترمذي والإمام ابن تيمية، وقد لخصا في كلمات معدودات ما قيل في هذه الصحيفة والحكم الأرجح عليها.
_________________
(١) مسند أبي يعلى ٨/١٩٧ رقم ٤٠١/٤٧٥٧ وقال في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح غير مالك بن أبي الرجال، وقد وثقه ابن حبان، ولم يضعفه أحد (٦/٢٩٢ – ٢٩٣) وانظر السنن الكبرى للبيهقي (٨/٣٠) وفيها: وُجد في قائم سيف رسول الله ﷺ كتابان. وسياق حديث أبي يعلى يقتضي ذلك.
[ ٢١ ]
قال الإمام الترمذي: وعمرو بن شعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص وشعيب قد سمع من جده عبد الله بن عمرو.
وقد تكلم يحيى بن سعيد في حديث عمرو بن شعيب، وقال: هو عندنا واهٍ.
ومن ضعفه فإنما ضعفه من قبل أنه يحدث عن جده عبد الله بن عمرو، وأما أكثر أهل الحديث فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب ويثبتونه، منهم أحمد وإسحاق وغيرهما (١) .
وقال ابن تيمية:
"وكان عند آل عبد الله بن عمرو بن العاص نسخة كتبها عن النبي ﷺ وبهذا طعن بعض الناس في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه شعيب، عن جده، وقالوا: هي نسخة، وشعيب هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقالوا: عن جدِّه الأدنى محمد، فهو مرسل، فإنه لم يدرك النبي ﷺ، وإن عنى جده الأعلى فهو منقطع، فإن شعيبًا لم يدركه.
وأما أئمة الإسلام وجمهور العلماء فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا صح النقل إليه، مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة ونحوهما، ومثل الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم قالوا: الجد هو عبد الله، فإنه يجيء مسمى، ومحمد أدركه.
_________________
(١) جامع الترمذي (٢/٢٦) .
[ ٢٢ ]
قالوا: وإذا كانت نسخة مكتوبة من عهد النبي ﷺ كان هذا أوكد لها وأدلَّ على صحتها.
ولهذا كان في نسخة عمرو بن شعيب من الأحاديث الفقهية التي فيها مقدرات ما احتاج إليه عامة علماء الإسلام" (١) .
ونوافق الإمام ابن تيمية في كون صحيفة عمرو بن شعيب يحتج بها أئمة الإسلام وجمهور العلماء، وأنها متصلة في الرواية مع كونها مكتوبة.
ولكن العلماء فسروا الإسناد على نحو آخر، وهو أن شعيبًا روى عن جده عبد الله بن عمرو، فالضمير في "جده" يرجع إلى شعيب لا إلى عمرو.
قال الذهبي: "الرجل لا يعني بجده إلا جده الأعلى عبد الله ﵁، وقد جاء كذلك مصرحًا به في غير حديث، يقول: "عن جده عبد الله"، فهذا ليس بمرسل، وقد ثبت سماع شعيب والده من جده عبد الله بن عمرو (٢)
_________________
(١) الفتاوى الكبرى: (١٨/٨-٩) .
(٢) نقل الذهبي روايات فيها تصريح بأن الجد عبد الله بن عمرو، قال: الدارقطني في "سننه" حدثنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني عمي، حدثنا مخرمة ابن بكير، سمعت عمرو بن شعيب، يقول: سمعت شعيبًا، يقول: سمعت عبد الله بن عمرو، يقول: سمعت رسول الله ﷺ: "في البَيِّعين بالْخِيَار" (الدارقطني ٣/٥٠) (د: ٣٤٥٦ س: ٧/٢٥١ – ٢٥٢ ت ١٢٤٧) أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا ابن جريج، قال: قال عمرو بن شعيب: عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: " أيما امرأة نكحت على صداق أو عدة أو حباء قبل عصمة النكاح، فهو لها ". (حم ٢/١٨٢: جه ١٩٥٥ س ٦/١٢٠) حرملة: حدثنا ابن وهب، أخبرني أسامة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله: "مثل الذي يسترد ما وهب، كمثل الكلب يقيء". (د. ٣٥٤ ت ٢١٣٣ وقال: حسن صحيح) . ثم قال: وعندي عدة أحاديث سوى ما مرَّ يقول: عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، فالمطلق محمول على المقيَّد المفسر بعبد الله، والله أعلم. سير أعلام النبلاء: (٥/١٧٢-١٧٣) .
[ ٢٣ ]
ومن معاوية وابن عباس وابن عمر، وغيرهم، وما علمنا بشعيب بأسًا، رُبِّي يتيمًا في حجر جده عبد الله، وسمع منه، وسافر معه، ولعله ولد في خلافة علي أو قبل ذلك، ثم لم نجد صريحًا لعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده محمد بن عبد الله، عن النبي ﷺ ولكن ورد نحو من عشرة أحاديث هيئتها عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، وبعضها: "عن عمرو عن أبيه، عن جده عبد الله، ولا أدري هل حفظ شعيب شيئًا من أبيه أم لا؟ وأنا عارف بأنه لازم جده، وسمع منه" (١) .
وأما تعليل بعضهم بأنها صحيفة وروايتها وجادة بلا سماع، فمن جهة أن الصحف يدخل في روايتها التصحيف، لا سيما في ذلك العصر، إذ لا شكل بَعْدُ في الصحف ولا نقط، بخلاف الأخذ من أفواه الرجال (٢) .
وقد أثبت الحاكم سماع شعيب من جده عبد الله، قال في المستدرك: وقد أكثرت في هذا الكتاب الحجج في تصحيح روايات عمرو بن
_________________
(١) المصدر السابق (٥/١٧٣)
(٢) المصدر السابق: (٥/١٧٤) .
[ ٢٤ ]
شعيب إذا كان الراوي عنه ثقة، وكنت أطلب الحجة الظاهرة في سماع شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، فلم أصل إليها إلا في هذا الوقت.
ثم روى من الحديث ما يثبت ذلك، ثم قال بعده: هذا حديث ثقات رواته حفاظ، وهو كالآخذ باليد في صحة سماع شعيب بن محمد عن جده عبد الله بن عمرو (١) .
وعدَّ الحاكم صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده من القسم الخامس من الصحيح المتفق على هذه الأقسام (٢) .
وجعل الذهبي في "الموقظة" حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده من أعلى مراتب الحسن (٣) .
يقول: وهو قسم متجاذب بين الصحة والحسن، فإنَّ عدة من الحفاظ يصححون هذه الطرق وينعتونها بأنها أدنى من مراتب الصحيح (٤) .
ومهما يكن من أمر فقد كان لهذه الصحيفة الأثر الكبير في حفظ السنة مدونة منذ عهد رسول الله ﷺ على نطاق واسع.
كما سيتبين لنا ذلك في فصل تالٍ.
محتويات الصحيفة
في هذه النسخة ما عرفناه منها أكثر من مائتي حديث:
_________________
(١) المستدرك: (٢/٦٥) كتاب البيوع.
(٢) المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل (ص ٦٤) .
(٣) الموقظة في علم مصطلح الحديث للذهبي: (ص:٣٢) .
(٤) المصدر السابق: (ص: ٣٣) .
[ ٢٥ ]
في الأدب، والأدعية، وأشراط الساعة، والأشربة والأطعمة والأضحية والعقيقة، والأقضية، والإيمان بالقدر، والأيمان والنذور، والبيعة والبيوع، والترجل، والجزية، والجنائز، والجهاد، والحج والعمرة، والحجر، والحدود، والحضانة، والحلف، وخصائص رسول الله ﷺ، والديات، والردة، والزكاة، والسفر، والشهادات، والصلاة، والصيد، والطب، والطلاق، والطهارة، والغنائم، والفتن، وفضائل عبد الله بن عمرو، والقتل في الحرم، والقذف، والقضاء، والكفارات، وفي كتابة الحديث، وفي اللباس، واللقطة، والمراء، والمكاتبة، والنسب، والمواريث، والنكاح، والنهي عن المثلة، والهبات والصدقات، والوديعة، والوصايا، ويوم القيامة.
وهذه - كما ترى - موضوعات متعددة وكثيرة، ولهذا احتاج إليها كثير من الفقهاء، وأودعها كثير من المحدثين في مصنفاتهم.
والسنن الأربع فيها الكثير منها؛ في أبي داود (٧٣) حديثًا، والترمذي (٣٢) والنسائي (٥٩) وابن ماجه (٦٩) . ومنها في مسند أحمد (١٩٩) حديثًا وفي المحلى لابن حزم (١١٥) والمستدرك للحاكم (٩٠) وسنن البيهقي (١٢١) وسنن الدارقطني (١٢٧) ومصنف ابن أبي شيبة (١٢٢) ومصنف عبد الرزاق (٦٩) . (١)
_________________
(١) صحيفة عمرو بن شعيب لمحمد بن على بن الصديق (ص ١٣٣) .
[ ٢٦ ]
وإذا كانت أحاديث أبي هريرة كثيرة فصحيفة عبد الله بن عمرو فيها أكثر، فقد قال أبو هريرة: ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثًا عنه، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب. (١)
ثالثا: صحيفة عمرو بن حزم.
كتبها رسول الله ﷺ له - كما سبق أن ذكرنا - وهذا الكتاب رواه جمع من الأئمة، وإن كان بعضهم صححه وبعضهم ضعفه، وهذا من ناحية إسناده، ولكنه اشتهر بين العلماء وتناولوه بالقبول، وهذا كافٍ عندهم في صحته. بل قد صححه من حيث إسناده ابن حبان والحاكم.
فإذا كان الذين ضعفوه قالوا: إن في إسناده سليمان بن داود اليمامي، وهو ضعيف. فقد قال ابن حبان بعد أن رواه: "سليمان بن داود هذا هو سليمان بن داود الخَولاني من أهل دمشق، ثقة مأمون، وسليمان بن داود اليمامي لا شيء، وجميعًا يرويان عن الزهري. (٢)
وقال الحاكم بعد روايته: هذا حديث كبير مفسر في هذا الباب يشهد له أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، وإمام العلماء في عصره محمد ابن مسلم الزهري بالصحة، وسليمان بن داود الدمشقي الخولاني معروف بالزهري، وإن كان يحيى بن معين غمزه فقد عَدَّله غيرُه عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سمعت أبي، وسئل عن حديث عمرو بن
_________________
(١) خ: (١/٥٧ رقم ١١٣) .
(٢) صحيح ابن حبان (الإحسان ١٤/٥١٥) .
[ ٢٧ ]
حزم في كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه له في الصدقات فقال: سليمان بن داود الخولاني عندنا لا بأس به. قال ابن أبي حاتم: وسمعت أبا زرعة يقول ذلك.
ووافقه الذهبي (١) .
وإذا كان بعض العلماء لم يسلم للحاكم وابن حبان قبله بهذا فقد وثقت الصحيفة من حيث شهرتها وقبول العلماء لها:
قال ابن حجر: "وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الأئمة، لا من حيث الإسناد بل من حيث الشهرة، فقال الشافعي في رسالته: "لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله ﷺ. وقال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عن أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغني بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه بالتواتر في مجيئه؛ لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة. قال: ويدل على شهرته ما روى ابن وهب عن مالك، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: وجد كتاب عند آل حزم يذكرون أنه كتاب رسول الله ﷺ.
وقال العقيلي: هذا حديث ثابت محفوظ إلا أنَّا نرى أنه كتاب غير مسموع عمن فوق الزهري.
وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابًا أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا؛ فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين يرجعون إليه، ويَدَعون رأيهم". (٢)
_________________
(١) المستدرك (١/٣٩٥ – ٣٩٧) .
(٢) التلخيص الحبير (٤/٣٥-٣٦) .
[ ٢٨ ]
ويصح هذا الحديث أيضا بشواهده ومتابعاته، كما سنبين بعض ذلك في فصل قادم إن شاء الله ﷿ (١) .
ما في الصحيفة:
رواها الحاكم (٢) وابن حبان (٣) كاملة، ونورد نصها كما رواها الحاكم:
عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ: أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض، والسنن، والديات، وبعث مع عمرو بن حزم، فقرأت على أهل اليمن وهذه نسختها:
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي إلى شُرَحْبيل بن عبد كلال، والحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال قِيل ذي رُعَيْن، ومعافر، وهمدان أما بعد.. فقد رجع رسولكم وأعطيتم من المغانم خمس الله، وما كتب الله على المؤمنين من العُشْرِ في العقار، ما سقت السماء، أو كان سيحًا أو كان بعلًا ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وما سُقِيَ بالرشاء والدَّاِلية ففيه نصف العشر، إذا بلغ خمسة أوسق.
وفي كل خمس من الإبل السائمة شاة، إلى أن تبلغ أربعًا وعشرين، فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها ابنة مخاض، فإن لم توجد
_________________
(١) وانظر شواهد الحديث في تحقيق صحيح ابن حبان (الإحسان ١٤/٥٠٢ - ٥١٠) وقد اجتهد المحقق اجتهادًا محمودًا، ومأجورًا عليه إن شاء الله ﷿ أن يبين شواهد كل جزء من أجزاء هذا الكتاب في هذه الصفحات.
(٢) المستدرك (١/٣٩٥ - ٣٩٧) (١٤) كتاب الزكاة.
(٣) الإحسان (١٤/٥٠٢ - ٥١١) (٦٠) كتاب التاريخ (٧) باب كتب النبي ﷺ ذكر كِتْبَة المصطفى إلى أهل اليمن.
[ ٢٩ ]
فابن لبون ذكر، إلى أن تبلغ خمسة وثلاثين، فإذا زادت على خمسة وثلاثين واحدة ففيها ابنة لبون، إلى أن تبلغ خمسة وأربعين. فإن زادت واحدة على خمسة وأربعين ففيها حِقةٌ طروقةُ الفَحْل، إلى أن تبلغ ستين، فإن زادت على ستين واحدة ففيها جَذَعة، إلى أن تبلغ خمسة وسبعين، فإن زادت واحدة على خمسة وسبعين ففيها ابنتا لبون، إلى أن تبلغ تسعين، فإن زادت واحدة على تسعين ففيها حِقَّتَان طَرُوقَتا الجَمَل، إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فما زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لَبون، وفي كل خمسين حِقَّة طَرُوقة الجمل.
وفي كل ثلاثين بَاقُورَة تبيع جَذَع وفي كل أربعين باقورة بقرة، وفي كل أربعين شاة سائمة شاة، إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإن زادت على عشرين ومائة واحدة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مائتين، فإن زادت واحدة ففيها ثلاث شياه، إلى أن تبلغ ثلاثمائة، فإن زادت فما زاد ففي كل مائة شاة شاة.
ولا يؤخذ في الصدقة هَرِمَة، ولا عَجْفَاء، ولا ذات عُوَار ولا تيس الغنم إلا أن يشاء المُصَدَّق، ولا يُجْمَع بين مُتَفَرَّق ولا يُفَرَّق بين مُجْتَمِع خِيفَة الصدقة، وما أخذ من الخليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسَّوِيَّة.
وفي كل خمس أواقٍ من الوَرِق خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهمًا درهم وليس فيما دون خمس أواق شيء، وفي كل أربعين دينارًا دينار.
إن الصدقة لا تَحِلُّ لمحمد، ولا لأهل بيت محمد، إنما هي الزكاة تُزَكَّى بها أنفسهم، ولفقراء المؤمنين، وفي سبيل الله، وابن السبيل.
[ ٣٠ ]
وليس في رقيق، ولا في مزرعة، ولا عمالها شيء إذا كانت تؤدى صدقتها من العشر.
وأنه ليس في عبد مسلم ولا في فرسه شيء.
قال: وكان في الكتاب: إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة: الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وأن العمرة الحج الأصغر، ولا يمس القرآن إلا طاهر، ولا طلاق قبل إملاك ولا عتق حتى يبتاع، ولا يصلينَّ أحد منكم في ثوب واحد وشقه بادٍ، ولا يصلين أحد منكم عاقصًا شعره، ولا يصلين أحد منكم في ثوب واحد ليس على منكبه شيء.
وكان في الكتاب: أن من اعتبط مؤمنًا قتلًا عن بَيِّنَةٍ فله قَوَد، إلا أن يرضى أولياء المقتول.
وإن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف الذي أوعب جَدْعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذَّكَر الدية، وفي الصُّلْب الدَّيَة، وفي العينين الدَّيَة، وفي الرَّجْل الواحدة نصف الدَّيَة، وفي المأمومةِ ثلث الدَّيَة، وفي المُنَقِّلَة خمس عشرة من الإبل، وفي كل إصبع من الأصابع من اليد والرَّجْل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي المُوضِحَة خمس من الإبل، وأن الرَّجلَ يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار (١) .
_________________
(١) انظر تخريج هذه الصحيفة في تحقيقي للعمدة الكبرى لعبد الغني المقدسي (ص ٥٧٢ – ٥٩٧) . كما فيه أيضًا تفسير غريبه ومفرداته.
[ ٣١ ]
والحق أن هذا ليس كل ما في الصحيفة، فكما في صحيفة
علي ﵁ هنا وهناك إشارات إلى موضوعات، والروايات يكمل بعضها بعضًا.
وها هي رواية البيهقي في دلائل النبوة مما ليس في رواية الحاكم، أو فيها ولكن بتوضيح هنا:
هذا كتابُ رسول الله ﷺ عندنا الذي كتبه لعَمْرِو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يُفّقِهُ أهلها ويعلمهم السُّنَّةَ، ويأخذ صدقاتهم، فكتب له كتابًا وعَهْدًا، وأمره فيه أمْرَه فَكَتبَ:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ من الله ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾، عهدٌ من رَسول الله ﷺ لعمرو بن حزْم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره، فإنَّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ الحق كما أَمَرَهُ، وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم، ويُعلِّم الناسَ القرآن ويفقههم فيه، وينهى الناس، ولا يمسَّ أحدٌ القرآن إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم، ويلين لهم في الحق، ويشدُّ عليهم في الظلم؛ فإنَّ الله ﷿ كَرِهَ الظلم ونهى عنه، وقال: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ويبشِّرُ الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعمَلَها، ويستألِف الناس حتى يفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج، وسننه وفرائضه، وما أمر الله به والحج الأكبر والحج الأصغر، فالحج الأصغر العمرةُ.
[ ٣٢ ]
وينهى الناس أن يصلي الرجل في ثوب واحد صغيرٍ، إلا أن يكون واسعًا فيخالف بين طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحدٍ ويفضي إلى السماء بفرجه، ولا يعقد شعر رأسه إذا عفا في قفاه، وينهى الناس إذا كان بينهم هَيْجٌ أن يدعوا إلى القبائِل والعشائِر، وليكن دعاؤهم الى الله ﷿ وحده لا شريك له، فمن لم يَدْعُ إلى الله ﷿، ودعا إلى العشائِر والقبائل، فليعطفوا فيه بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله ﷿ وحده لا شريك له.
ويأمُرُ الناس بإِسباغ الوضوءِ وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم إلى الكعبين، وأن يمسحوا رؤوسهم كما أمر الله.
وأُمِروا بالصلاة لوقتها وإتمام الركوع والخشوع، وأن يغلّس بالصبح، ويهجر بالهاجرة حتى تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس في الأرض، والمغرب حين يُقبل الليل، ولا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماءِ، والعشاءُ أول الليل، وأمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودي بها، والغسل عند الرواح إليها.
وأمَرَهُ أن يأخذ من المغانم خُمس الله ﷿.
وما كُتبَ على المؤمنين في الصدقة من العقار فيما سقى العين، وفيما سقت السماء العُشْرُ، وما سقت القِرَبُ فنصف العشر.
وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي عشرين أربعٌ، وفي كل ثلاثين من البقر تبيعٌ أو تبيعة، جَذَعٌ أو جَذَعَة، وفي كل أربعين من الغنم سائِمة وحدها شاة؛ فإنها فريضة الله ﷿ التي افترض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد فهو خيرٌ له.
[ ٣٣ ]
وإنَّه من أسلم مِنْ يهودي أو نصراني إسلامًا خالصًا من نفسه فَدَان دين الإسلام فإنه من المؤمنين، له مالهم وعليه ما عليهم، ومن كان على نصرانيةٍ أو يهوديَّةٍ فإنَّهُ لا يغيَّر عنها.
وعلى كل حالمٍ، ذكرٍ أو أنثى حُرٍ أو عبدٍ دينار وافٍ أو عِوَضه من الثياب، فَمَنْ أدى ذلك فإن له ذمَّة الله ﷿، وذمة رسوله ﷺ، ومن منع ذلك فإنَّه عدُوُّ الله ورسوله والمؤمنين جميعًا.
صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.
ثم قال البيهقي: وقد روى سليمان بن داود عن الزهري، عن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حَزمٍ، عن أبيه، عن جده هذا الحديث موصولًا بزياداتٍ كثيرة وفي الزكاة والدياتِ وغير ذلك ونقصان عن بعض ما ذكرناه، وقد ذكرناه في كتاب السنن (١) .
وهكذا نرى في الصحيفة موضوعات شتى: في الطهارة، والصلاة، والزكاة، والحج والعمرة، والديات، وبيان الكبائر، والجزية، والعتق.
هذا ونكتفي بهذه الصحف الثلاث، وصحيفة رسول الله ﷺ التي كانت عند أبي بكر، وصحيفة أبي بكر التي أرسلها إلى أنس ليعمل بها داخلتان ضمنًا في صحيفة عمرو بن حزم، وإن كانا أصحَّ منها من حيث الإسناد. وسنتعرض لهما في الفصل التالي كشواهد لصحيفة عمرو بن حزم.
_________________
(١) دلائل النبوة للبيهقي (٥/٤١٣ – ٤١٥) .
[ ٣٤ ]
الفصل الثالث: نماذج لشواهد الصحف التي كتبت في عهد رسول الله ﷺ
إذا كانت هذه الصحف قد ثبت كتابتها في عهد رسول الله ﷺ وليست أحاديثها كثيرة في محيط السنة وبحورها - فإن نظرة أعمق ترينا كثرة للأحاديث التي كتبت في عهد رسول الله ﷺ انطلاقًا من هذه الصحف.
فالأحاديث الصحيحة والحسان التي أمامنا الآن في كتب السنة ومصنفاتها كثيرة، ولكن جذورها ليست بهذه الكثرة، وما هي إلا شواهد ومتابعات بعضها لبعض.
فرسول الله ﷺ قال الحديث فتلقفه عدد من الصحابة، وأصبح الحديث الواحد عدة أحاديث؛ حديث أبي هريرة، وحديث عائشة، وحديث أنس، وحديث ابن عباس وهكذا.
وكل صحابي تلقف عنه الحديث تلاميذه، فأبو هريرة قد يروي عنه الحديث الواحد همام والأعرج وابن سيرين وابن المسيب وغيرهم، ويصبح حديث أبي هريرة أحاديث، ويتعدد في بطون الكتب وعلى صفحاتها. ويخيل للمرء أنه أمام أحاديث، وهو كذلك في نظر المحدثين الذين يتعاملون مع الأسانيد واختلافاتها، وإذا اختلفت الأسانيد اختلف معها الأحاديث وإن كان متنها واحدًا.
[ ٣٥ ]
وهكذا نريد أن نثبت أن ما كتب في عهد رسول الله ﷺ من خلال هذه الصحف كثير.
هذا مع التنبيه على أن الذي بأيدينا ليس كل ما كتب في عهد رسول الله ﷺ، فلا يستبعد أن يكون كتب في عهده ﷺ مالم نعرفه، وذاب في مصنفات السنة بعد ذلك فاستغني عنه بها.
شواهد لصحيفة علي ﵁:
فحرم المدينة الذي هو في صحيفة علي عنه رواه:
١- أنس:
روى البخاري بسنده عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "المدينة حَرَمٌ من كذا إلى كذا، لا يُقْطع شجرها، ولا يُحْدَث فيها حَدَثٌ، من أحدث حدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". (١)
ورواية مسلم: عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "اللهم إني أحرم ما بين جبليها، مِثْل ما حرم به إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مُدِّهم وصاعهم". (٢)
٢- أبو هريرة ﵁:
روى البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "حُرَّم ما بين لابتي المدينة على لساني". (٣)
_________________
(١) خ: (٢/٢١) (٢٩) كتاب فضائل المدينة (١) باب حرم المدينة. رقم (١٨٦٧) وطرفه في (٧٣٠٦) .
(٢) م: (٢/٩٩٣) (١٥) كتاب الحج (٨٥) باب فضل المدينة، ودعاء النبي ﷺ فيها بالبركة، وبيان تحريمها رقم ٤٦٢/١٣٦٥.
(٣) خ: (٢/٢١) في الكتاب والباب السابقين. رقم: (١٨٦٩) وطرفه في: (١٨٧٣) .
[ ٣٦ ]
وعن أبي هريرة أنه كان يقول: لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع ما ذعرتها قال رسول الله ﷺ: "ما بين لابتيها حرام". (١)
وعنه عن النبي ﷺ: قال: "المدينة حرم، فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى مُحْدِثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف". (٢)
وفي رواية عنه مثله، وزاد: "وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف".
٣- جابر بن عبد الله ﵁:
روى مسلم بسنده عن جابر قال: قال النبي ﷺ: "إن إبراهيم حرم مكة، وإني حَرَّمْتُ المدينة ما بين لابتيها، لا يقطع عِضَاهها، ولا يصاد صيدها". (٣)
٤- سعد بن أبي وقاص ﵁:
روى مسلم بسنده عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عِضَاهها، أو يقتل صيدها". (٤)
_________________
(١) خ: (٢/٢٢ – ٢٣) الكتاب السابق (٤) باب لابتي المدينة رقم: (١٨٧٣) واللابتان: أي الحرتان، واحدتهما لابة، وهي أرض بركان، حجارتها سود، والحرات تكثر حول المدينة، وفي بلاد العرب مثل حرة واقم، وحرة قباء، وحرة النار، وحرة الحوض. م: (٢/١٠٠) (١٥) كتاب الحج (٨٥) باب فضل المدينة رقم (٤٧٢/١٣٧٢) وفيه "وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى" وهذا من قول أبي هريرة ﵁.
(٢) م: (٢/٩٩٩) في الكتاب والباب السابقين، رقم (٤٦٩/١٣٧١) .
(٣) م: (الموضع السابق) رقم: (٤٧٠/١٣٧١) .
(٤) م: (٢/٩٩٢) (١٥) كتاب الحج – (٨٥) باب فضل المدينة رقم (٤٥٩/١٣٦٣) .
[ ٣٧ ]
٥- رافع بن خديج ﵁:
روى مسلم بسنده أن مروان بن الحكم خطب الناس فذكر مكة وأهلها وحرمتها، ولم يذكر المدينة وأهلها وحرمتها، فناداه رافع بن خَدِيج فقال: ما لي أسمعك ذكرت مكة وحرمتها، ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها، وقد حَرَّم رسول الله ﷺ ما بين لابتيها.
وذلك عندنا في أديم خولاني - إن شئت أقرأتكه.
قال: فسكت مروان. ثم قال: قد سمعت بعض ذلك. (١)
وفي رواية عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إن إبراهيم حَرَّم مكة، وإني أحرِّم ما بين لابتيها" - يريد المدينة. (٢)
ولم يذكر كتابة، وهذا يبين ما قلناه من أن مكتوبات كتبت في عهد رسول الله ﷺ لم ينص على كتابتها، لعدم الحاجة إلى هذا البيان، وأن العبرة عندهم بالسماع وليس بالكتاب كما ذكرنا قبلُ.
٦- عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ﵁:
روى مسلم بسنده عن عبد الله بن زيد بن عاصم أن رسول الله ﷺ قال: "إن إبراهيم حَرَّم مكة ودعا لأهلها، وإني حَرَّمْتُ المدينة، كما حرم إبراهيم مكة". (٣)
_________________
(١) م (٢/٩٩١ – ٩٩٢) في الكتاب والباب السابقين. من طريق سليمان بن بلال، عن عتبة بن مسلم، عن نافع بن جبير أن مروان إلخ. رقم: (٤٥٧/١٣٦١) .
(٢) م: (٢/٩٩١) في الكتاب والباب السابقين. رقم: (٤٥٦/١٣٦١) .
(٣) م: (٢/٩٩١) في الكتاب والباب السابقين. رقم (٤٥٤/١٣٦٠) .
[ ٣٨ ]
تحريم تولي العتيق غير مواليه:
هذا جاء في صحيفة علي كما سبق.
وجاء ذلك أيضًا في حديث جابر وأبي هريرة.
١- جابر بن عبد الله:
روى مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله يقول: كتب النبي ﷺ على كل بطن عقوله، ثم كتب "أنه لا يحل لمسلم أن يتولى مولى رجل مسلم بغير إذنه".
قال جابر: ثم أخبرت أنه لعن في الصحيفة مَنْ فعل ذلك. (١)
وهكذا نرى أن جابرًا روى هذا عن صحيفة لرسول الله ﷺ تضاف إلى الصحف الأخرى.
٢- عن أبي هريرة:
وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من تولى قومًا بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". (٢)
وهكذا يمكن أن تتبع شواهد الصحيفة في موضوعاتها؛ لتضاف إلى أحاديث الصحيفة في كونها مكتوبة.
وننتقل إلى صحيفة أخرى، وهي صحيفة عبد الله بن عمرو:
فحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في مواقيت الحج، قال: وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل
_________________
(١) م: (٢/١١٤٦) (٢٠) كتاب العتق (٤) باب تحريم تولي العتيق غير مواليه رقم: (١٧/١٥٠٧) .
(٢) المصدر السابق (الموضع نفسه) رقم (١٨/١٥٠٨) .
[ ٣٩ ]
اليمن وأهل تهامة يلملم، ولأهل الطائف وهي نجد قرن، ولأهل العراق ذات عِرْق (١) .
فهذا الحديث رواه بعض الصحابة الآخرون مما يثبت أن أحاديثهم مكتوبة من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده:
١- ابن عمر:
روى الإمام أحمد عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن صدقة بن يسار، عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ "أنه وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجُحْفَة، ولأهل نجد قَرْنًا، ولأهل العراق ذات عِرْق، ولأهل اليمن يلملم" (٢) .
وهذا الإسناد رجاله رجال الصحيحين غير صدقة بن يسار فإنه من رجال مسلم.
وروى أبو نعيم (٣) من طريقين عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر قال: وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل اليمن يلملم، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل الطائف قرن.
_________________
(١) حم: (١١/٢٩٧ – ٢٩٨) رقم (٦٦٩٧) عن يزيد بن هارون، عن حجاج بن أرطاة، عن عطاء، عن جابر، وعن أبي الزبير، عن جابر، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإسناده ضعيف؛ لتدليس الحجاج بن أرطاة. ولكن الشواهد الآتية تقويه.
(٢) حم: (٩/٣٥١) رقم (٥٤٩٢) عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن صدقة بن يسار، عن ابن عمر به. ومادام هذا الإسناد صحيحًا فزيادة الثقة مقبولة، وخاصة أن الحديث ورد عن ابن عمرو وعن جابر وإن كان ضعيفًا – كما سبق وانظر التعليق التالي.
(٣) (الحلية ٤/٩٣-٩٤) .
[ ٤٠ ]
قال ابن عمر: وحدثني أصحابنا أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق.
قال أبو نعيم: هذا حديث صحيح ثابت من حديث ميمون، لم نكتبه إلا من حديث جعفر عنه. (١)
٢- ابن عباس ﵄:
روى البخاري ومسلم بسنديهما إلى ابن عباس - ﵄ - قال: "وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة،
_________________
(١) وفي ظني أن الرواة عن ابن عمر لم يذكروا "ذات عرق" لأن العراق لم تكن قد فتحت حينئذ فاقتصروا في الرواية على ما هو معروف، ولم يذكروا ما يؤدي إلى إشكال في نظرهم. قال الحافظ ابن حجر بعد أن أورد بعض شواهد الحديث بإيجاز في الفتح (٣/٣٩٠) دون ذكر عللها قال: وهذا يدل على أن للحديث أصلًا، فلعل من قال: إنه غير منصوص لم يبلغه أو رأى ضعف الحديث باعتبار أن كل طريق لا يخلو من مقال لكن الحديث بمجموع الطرق يقوى كما ذكرنا، وذكر أنه صححه الحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية والرافعي في "الشرح الصغير" وذكر النووي في شرح المهذب أنه منصوص. ثم قال الحافظ: "وأما إعلال من أعله بأن العراق لم تكن فتحت يومئذ فقال ابن عبد البر: هي غفلة؛ لأن النبي ﷺ وقت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح؛ لكنه علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق" وبهذا أجاب الماوردي وآخرون. (وانظر تفصيلًا أكبر في تحقيق مسند أحمد (٩/٣٥٤ – ٣٥٥) . وقال الطحاوي: "وإن كان ما وقت لأهل الشام إنما هو لما علم بالوحي أن الشام ستكون دار سلام فكذلك ما وقت لأهل العراق إنما هو لما علم بالوحي أن العراق ستكون دار سلام، فإنه قد كان ﷺ ذكر مايفعله أهل العراق في زكواتهم مع ذكره ماسيفعله أهل الشام في زكواتهم (شرح معاني الآثار ٢/١١٩ - ١٢٠) . هذا وقد أخرج أبو نعيم في الحلية بسند صحيح عن ابن عمر قال: وحدثني أصحابنا أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق (١/٣٦٠) . قال الطحاوي: فهذا ابن عمر يخبر أن الناس قد قالوا ذلك، ولا يريد ابن عمر من الناس إلا أهل الحجة والعلم بالسنة، ومحال أن يكونوا قالوا ذلك بآرائهم؛ لأن هذا ليس مما يقال من جهة الرأي، ولكنهم قالوا بما أوقفهم عليه رسول الله ﷺ. (شرح معاني الآثار ٢/١١٩) .
[ ٤١ ]
ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، فهن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة. (١)
٣- جابر بن عبد الله ﵄:
روى الإمام الشافعي في الأم بسنده عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المُهَلّ فقال: سمعت - ثم انتهى أُرَاه يريد النبي ﷺ يقول: "يهل أهل المدينة مِنْ ذي الحليفة والطريق الآخر من الجحفة وأهل المغرب، ويُهِلُّ أهل العراق من ذات عِرْق، ويُهِلُّ أهل نجد من قَرْن، ويهل أهل اليمن من يَلَمْلَم".
قال: ولم يُسَمِّ جابر بن عبد الله النبي ﷺ، وقد يجوز أن يكون سمع عمر بن الخطاب ويجوز أن يكون سمع غير عمر بن الخطاب من أصحاب النبي ﷺ.
ثم روى الشافعي بسنده عن عطاء أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل المغرب الجحفة، ولأهل المشرق ذات عِرْق، ولأهل نجد قرنًا، ومن سلك نجدًا من أهل اليمن وغيرهم قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم.
وهذا مرسل كما روى الشافعي بسنده عن ابن جريج قال: فراجعت عطاء فقلت: إن النبي ﷺ زعموا لم يوقت ذات عرق، ولم يكن أهل المشرق حينئذ؟
_________________
(١) خ (١/٤٧٢) (٥) كتاب الحج (٩) باب مهل أهل الشام رقم (١٥٢٦) . من طريق عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس به. م: (٢/٨٣٩) (١٥) كتاب الحج (٢) باب مواقيت الحج والعمرة. من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر به.
[ ٤٢ ]
قال: كذلك سمعنا أنه وقت ذات عرق أو العقيق لأهل المشرق.
قال: ولم يكن عراق، ولكن لأهل المشرق.
ولم يَعْزُه إلى أحد دون النبي ﷺ، ولكنه يأبى إلا أن النبي ﷺ وقفه. (١)
وروى الإمام أحمد بسنده عن عطاء، عن جابر نحوه.
ألا يجعلنا نقول: إن هذا مكتوب من حديث رسول الله ﷺ، إذا لم يكن مكتوبًا عند هؤلاء الصحابة غير عبد الله بن عمرو فمكتوب عنده؟
وهذه كلها يشدُّ بعضها أزر بعض، ليقوي منها الصحيح الضعيف، وليسلم لنا أولًا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الذي في إسناده ضعف على قول بعض المحدِّثين.
ونأخذ مثالًا ثانيًا وهو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (٢)
_________________
(١) الأم (٣/٣٤١ – ٣٤٢ أرقام ١٠٠٤، ١٠٠٦ – ١٠٠٧ بتحقيقنا) .
(٢) صحيح. د: (٤/٦٤٦) رقم (٤٥٠٦) (٣٣) كتاب الديات (٤) باب ولي العمد يرضى بالدية. من طريق محمد بن راشد الخزاعي، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، به ت (٣/٨١) أبواب الديات (١٧) باب ماجاء في دية الكفار. من طريق ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن عمرو، به رقم (١٤١٣) . جه (٤/٢٤٢) (٢١) كتاب الديات (٢١) باب لايقتل مؤمن بكافر – رقم (٢٦٥٩) . من طريق عبد الرحمن بن عياش، عن عمرو، به. وأخرجه أحمد ٢/١٨٠، ٢٠٥، ٢١٥، ٢١٦ وتابع هؤلاء يحيى بن سعيد، وحسين المعلم، ومحمد بن إسحاق فالحديث صحيح. صحيح ابن خزيمة (٤/٢٦) كتاب الزكاة – (٢٩٩) باب النهي عن الحلي. من طريق محمد بن إسحاق عن عمرو به. وقال مايفيد موضوعنا: فبهذا الإسناد سواء: قلت: يارسول الله أكتب عنك ماسمعت؟ قال: نعم، قلت: في الغضب والرضا؟ قال: نعم، فإنه لاينبغي لي أن أقول في ذلك إلا حقًّا. رقم (٢٢٨٠) . وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عن أحمد (٢/١٨٠، ٢١٥، ٢١٦) . حم: (١١/٢٤٢) رقم (٦٦٦٢) . عن سليمان بن موسى، به.
[ ٤٣ ]
أن النبي ﷺ قضى ألا يقتل مسلم بكافر.
وهذا الحديث جزء من حديث طويل هو خطبة النبي ﷺ عام الفتح ذكره الإمام أحمد في روايات عدة.
وهذا الحديث إذا وجدناه عند غير عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأن عبد الله بن عمرو كتبه فهذه الكتابة تنسحب على أحاديث غيره من الصحابة الذين كتبوه:
١- علي بن أبي طالب ﵁:
ولا نحتاج إلى أن نقول: إن حديث علي ﵁ مكتوب بطريق غير مباشر ومن خلال صحيفة عبد الله بن عمرو ﵁.
ذلك لأنه مكتوب في صحيفة علي ﵁ كذلك، كما سبق أن ذكرنا ففيها: "ألا يقتل مسلم بكافر". (١)
٢- عائشة ﵂:
وقد سبق حديث عائشة - ﵂ - عند كلامنا على صحيفة علي ﵁، وفيه "لا يقتل مسلم بكافر". (٢)
_________________
(١) انظر ص (٢٦) من هذا البحث.
(٢) انظر ص (٢٨) من هذا البحث.
[ ٤٤ ]
وفيه أنها ترويه من صحيفة وجدتها في قائم سيف رسول الله ﷺ.
بل وفيه شواهد أخرى لبعض ما في صحيفة عبد الله بن عمرو ففي الصحيفتين: "ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس". (١)
والمسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم. (٢)
ولا تسافر المرأة مع غير ذي مَحْرَم مسيرة ثلاث ليال. (٣)
_________________
(١) مسند أبي يعلى (٨/١٩٧) في حديث عائشة. حم: (١١/٢٦٤) رقم (٦٦٨١) عن يحيى بن سعيد، عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب به في حديث عبد الله بن عمرو. والنهي عن الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها. ورد عن علي (حم ٥٧٧) وابن عباس (حم ٣٥٣٠) وأبي هريرة عند مسلم (١٤٠٨) وجابر عند البخاري (٥١٠٨) وأبي سعيد الخدري عند ابن ماجه (١٩٣٠) وابن مسعود عند ابن أبي شيبة (٤/٢٤٦) وابن ماجه (٩٨٠١) وابن عمر عند ابن أبي شيبة (٤/٢٤٧) وابن حبان (٥٩٩٦) وأبي موسى الأشعري عند ابن ماجه (١٩٣١) وعائشة عند أبي يعلى (٤٧٥٧) والدارقطني (٣/١٣١) والبيهقي في السنن (٨/٢٩-٣٠) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وعتاب بن أسيد عند الطبراني (١٧/٤٢٦) وذكره الهيثمي في المجمع (٤/٢٦٣ – ٢٦٤) وقال: فيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف، وعن عكرمة مرسلًا عند عبد الرزاق (٦/١٠٧٦) وعن عيسى بن طلحة مرسلًا عند أبي داود في مراسيله (٢٠٨) وعن أبي سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف مرسلًا عند عبد الرزاق (١٠٧٥٤) . والنهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر ورد: عن علي (حم ١٠٧٣) وعن سعد بن أبي وقاص (حم ١٤٦٩) وأبي هريرة عند البخاري (٥٨٨) ومسلم (٨٢٥) وعن عقبة بن عامر (حم ٤/١٥٢) بإسناد صحيح. وصفوان بن المعطل (حم: ٥/٣١٢) وعن أبي سعيد عند البخاري (٥٨٦) ومسلم (٨٢٧) وعن ابن عباس عند مسلم (٨٢٦) وعن عائشة عند أبي يعلى (٤٧٥٧) وصححه الحاكم (٤/٣٤٩) ووافقه الذهبي.
(٢) مسند أبي يعلى (الموضع السابق) في حديث عائشة. حم: (١١/٢٨٨ رقم ٦٦٩٢) في حديث عمرو بن شعيب. وإسناده حسن، وفي الباب عن ابن عباس عند ابن ماجه: (٢٦٨٣) وعن معقل بن يسار عند ابن ماجه (٢٦٨٤) وعن على كما سبق في صحيفته.
(٣) مسند أبي يعلى (الموضع السابق) في حديث عائشة. وحم (١١/٣١٩ – ٣٢٠) . من طريق عبد الكريم الجزري عن عمرو به. وهو صحيح. وله شاهد من حديث ابن عباس (حم ١٩٤٣، ٣٢٣١) ومن حديث ابن عمر (حم ٤٦١٥) وأبي سعيد (حم ١١٠٤٠، ١١٤٠٩، ١١٥٠٥) ومن حديث أبي هريرة عند مسلم: (١٣٣٩) وابن حبان (٢٧٢١- ٢٧٢٧) .
[ ٤٥ ]
وإن أشد الناس عتوًّا من ضرب غير ضاربه، ورجل قتل غير قاتله". (١)
٣- ابن عباس ﵄:
روى ابن ماجه بسنده عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حنش الصنعاني، عن عكرمة، عن ابن عباس عن النبي ﷺ: "لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده". (٢)
وحنش متروك.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس: قضى رسول الله ﷺ ألا يقتل مسلم بكافر. (٣)
ونقل البيهقي عن عبد الرزاق أنه قال: الرجل عمرو بن برق (٤) .
_________________
(١) مسند أبي يعلى (الموضع السابق) في حديث عائشة. حم: (١١/٣٧٠ رقم ٦٧٥٧) . من طريق حماد بن سلمة، عن حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، به. وهو صحيح. ولفظه: "إن أعتى الناس على الله ﷿ من قتل في حرم الله أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول الجاهلية (ذحول الجاهلية: جناياتها) . وله شاهد بمعناه عند البخاري (٦٨٨٢) وفيه "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه" وله شاهد مرسل من حديث عطاء بن يزيد. ذكره الحافظ في الفتح (١٢/٢١١) .
(٢) جه: (٤/٢٤٢ – ٢٤٣ رقم ٢٦٦٠) .
(٣) مصنف عبد الرزاق (٩/٤٠٤) رقم (١٧٧٨٧) .
(٤) سنن البيهقي (٦/٢٢٠) .
[ ٤٦ ]
وهذا وإن كان ضعيفًا إلا أنه ثبت من طرق وروايات أخرى كما سبق، وبذلك تثبت كتابته من طريق صحيفة عبد الله بن عمرو.
٤- عبد الله بن عمر ﵄:
روى ابن حبان بسنده عن سنان بن الحارث بن مصرف، عن طلحة ابن مصرف، عن مجاهد، عن ابن عمر في حديث طويل نجتزئ منه ما نصبو إليه من شواهد لصحيفة عبد الله بن عمرو، وصحيفة علي ﵁:
"والمؤمنون يد على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، يجبر عليهم أولهم، ويرد عليهم أقصاهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، ولا يتوارث أهل ملتين، ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا تسافر ثلاثًا مع غير مَحْرَم، ولا تصلوا بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا تصلوا بعد العصر حتى تغرب الشمس". (١)
وهكذا نجد في هذا الحديث ما يلتقي مع صحيفة عبد الله بن عمرو وصحيفة علي، وهذا يجعلنا نقول: إن هذا مكتوب في عهد رسول الله ﷺ.
٥- عمران بن حصين ﵁:
روى البزار بسنده عن عمران بن حصين قال: "قتل رجل من هذيل رجلًا من خزاعة في الجاهلية، وكان الهذلي متواريًا، فلما كان يوم الفتح ظهر الهذلي، فلقيه رجل من خزاعة فذبحه كما تذبح الشاة"
فقال ﷺ: "أقتله قبل النداء أو بعد النداء؟ "
فقال: "بعد النداء".
_________________
(١) صحيح ابن حبان (الإحسان ١٣/٣٤٠ – ٣٤١ رقم ٥٩٩٦) .
[ ٤٧ ]
فقال رسول الله ﷺ: "لوكنت قاتلًا مؤمنًا بكافر لقتلته. فأخرجوا عقله". وكان أول عقل كان في الإسلام.
قال البزار: "لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه، ولا نعلم له طريقًا أشد اتصالًا من هذا الطريق". (١)
وقال الهيثمي في المجمع: "رواه البزار، ورجاله وثقهم ابن حبان".
وقد روى الطبراني هذا الحديث كما عند البزار، (٢) كما رواه مختصرًا. (٣)
وهذا يتقوى بما سبق وتثبت له الكتابة فيما نحن بصدد الاستشهاد به، وهو عدم قتل المسلم بالكافر.
٦- معقل بن يسار ﵁:
روى الطبراني في الكبير من طريق أبي ضمرة، عن عبد السلام بن أبي الجنوب، عن الحسن، عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ "المسلمون يد على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده". (٤)
وفيه عبد السلام بن أبي الجنوب، وهو ضعيف.
_________________
(١) كشف الأستار (٢/٢١٤) باب لايقتل مؤمن بكافر.
(٢) الطبراني في الكبير (١٨/١١٠) رقم (٢٠٩) . من طريق يعقوب بن محمد، عن نجيد بن عمران، عن أبيه عمران.
(٣) المصدر السابق. رقم (٢٠٨) الموضع نفسه.
(٤) الطبراني في الكبير: (٢٠/٣٠٦) .
[ ٤٨ ]
قال الهيثمي (١): وفيه عبد السلام بن أبي الجنوب وهو ضعيف، وكذلك قال البوصيري (٢) .
ونكتفي بهذا، وننتقل إلى صحيفة عمرو بن حزم لنرى شواهد من أجزائها تثبت ما تهدف إليه من أن إثبات الكتابة لها يتعدى إلى غيرها من الأحاديث.
في صحيفة عمرو بن حزم في زكاة الخارج من الأرض ونصابه:
"وما سقت السماء أو كان سيحًا أو بَعْلًا (٣) ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق. وما سقي بالرشاء والدلو ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق" (٤) .
١- ابن عمر ﵄:
روى البخاري بسنده عن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثريًّا (٥) العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر" (٦) .
_________________
(١) المجمع (٦/٢٩٢) .
(٢) الزوائد (ص٣٦٢ رقم ٩٠٠) .
(٣) البَعْل: ما شرب من النخيل بعروقه من الأرض من غير سقي سماء ولا غيرها.
(٤) انظر (ص٣٠) من هذا البحث.
(٥) العَثَرِي: هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي أو من الأنهار بغير مؤونة.
(٦) خ: (١/٤٦٠ رقم ١٤٨٣) .
[ ٤٩ ]
٢- أبو سعيد الخدري ﵁:
روى البخاري ومسلم بسنديهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ليس فيما أقل من خمسة أوسق صدقة، ولا في أقل من خمسة من الإبل الذَّودِ صدقة، ولا في أقل من خمس أواقٍ من الورق صدقة" (١) .
وفي هذا الجزء شاهد لما نحن بصدده، ولما في الكتاب في أجزاء متفرقة منه.
٣- أبو هريرة ﵁:
روى الترمذي وغيره بسنده عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله ﷺ فيما سقت السماء والعيون العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر" (٢) .
وفي زكاة الورق والذهب:
في صحيفة عمرو بن حزم:
وفي كل خمس أواقٍ من الورق خمسة دراهم، فما زاد ففي كل أربعين درهما درهم.
وفي كل أربعين دينارًا دينار (٣) .
_________________
(١) خ: (١/٤٦٠ رقم ١٤٨٤) .
(٢) سنن الترمذي (٢/٤٢ رقم ٦٣٩) أبواب الزكاة – (١٤) باب ماجاء في الصدقة فيما يسقى بالأنهار وغيرها. وإسناده ضعيف، فيه عاصم بن عبد العزيز، وهو ضعيف. قال الترمذي: وفي الباب عن أنس بن مالك، وابن عمر، وجابر وبهذه الشواهد يصح هذا الحديث.
(٣) انظر ص (٣٠) من هذا البحث.
[ ٥٠ ]
١- علي ﵁:
عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "قد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقَّة من كل أربعين درهمًا درهمًا، وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم".
قال الترمذي: "وفي الباب عن أبي بكر الصديق وعمرو بن حزم" (١) .
٢- ابن عمر وعائشة ﵄:
عن ابن عمر وعائشة - ﵄ أن النبي ﷺ "كان يأخذ من كل عشرين دينارًا فصاعدًا نصف دينار، ومن الأربعين دينارًا دينارًا" (٢) .
٣- معاذ بن جبل ﵁:
عن محمد بن عبد الله بن جحش عن رسول الله ﷺ "أنه أمر معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ من كل أربعين دينارًا دينارًا، ومن كل مائتي درهم خمسة دراهم" (٣) .
_________________
(١) ت: (٢/٨-٩) أبواب الزكاة (٣) باب ماجاء في زكاة الذهب والورق. من طريق أبي عوانة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، به. قال الترمذي: "روى هذا الحديث الأعمش، وأبو عوانة وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي. وروى سفيان الثوري وابن عيينة وغير واحد عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي. وسألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: "كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق، يحتمل أن يكون روى عنهما جميعًا" (رقم ٦٢٠) . وقد روى هذا الحديث أبو داود (١٥٧٤) والنسائي (٥/٣٧) وابن خزيمة (٢٢٨٤) .
(٢) جه: (٣/٢٥٧) (٨) كتاب الزكاة (٤) باب زكاة الورق والذهب. من طريق إبراهيم بن إسماعيل، عن عبد الله بن واقد، عن ابن عمر وعائشة به، رقم (١٧٩١) وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وهو ضعيف، وهو يتقوى بشواهده، ومنها حديث عمرو بن حزم.
(٣) قط: (٢/٩٥ – ٩٦) كتاب الزكاة – باب ليس في الخضروات صدقة. من طريق عبد الله بن شبيب، عن عبد الجبار بن سعيد، عن حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن يحيى، عن أبي كثير مولى بني جحش، عن محمد بن عبد الله بن جحش عن رسول الله ﷺ، وفيه عبد الله بن شبيب، وهو ضعيف.
[ ٥١ ]
٤- وفي صحيفة عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، عن النبي ﷺ قال: "ليس في أقل من عشرين مثقالًا من الذهب شيء، ولا في أقل من مائتي درهم شيء" (١) .
وهذا يقوي أن هذا كتب بطريق مباشر أو غير مباشر.
وفي صحيفة عمرو بن حزم: "وليس في عبد المسلم ولا فرسه شيء".
١- علي ﵁:
الحديث الذي سبق فيه: قد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق (٢) .
٢- أبو هريرة ﵁:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة" (٣) .
وفي صحيفة عمرو بن حزم: "لا يمس القرآن إلا طاهر" (٤):
١- حكيم بن حزام ﵁:
أن النبي ﷺ لما بعثه واليًا على اليمن قال: "لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر" (٥) .
_________________
(١) قط (٢/٩٣) كتاب الزكاة – باب وجوب زكاة الذهب والورق من طريق ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن عمرو بن شعيب به.
(٢) انظر ص (٥٠) من هذا البحث.
(٣) خ: (١/٤٥٣ رقم ١٤٦٣ – ١٤٦٤) . م: (٢/٦٧٥-٦٧٦)
(٤) انظر ص (٢٧) من هذا البحث.
(٥) المستدرك (٣/٤٨٥) كتاب معرفة الصحابة. من طريق مطر الوراق، عن حسان بن بلال، عن حكيم بن حزام به، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
[ ٥٢ ]
٢- عبد الله بن عمر ﵄:
عنه قال: قال النبي ﷺ: "ولا يمس القرآن إلا طاهر" (١) وهكذا نجد كل أجزاء الصحيفة مبثوث في الكتب عن الصحابة الآخرين (٢) مما يُقَوِّي ضعفها، ويثبت لها الكتابة ولو بطريق غير مباشر.
_________________
(١) الطبراني في الكبير (١٢/٢٤٢ رقم ١٣٢١٧) . من طريق ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، به. وقال ابن الملقن في البدر المنير: قال الجوزقاني في كتابه: هذا حديث حسن مشهور.. قال عبد الحق: قد صح عن النبي ﷺ هذا الحديث، ثم ساقه وقال إثره: هذا حديث صحيح رجاله ثقات (البدر المنير ٢/٢١٥/٢) . ورواه الدارقطني (١/١٢١) والبيهقي (١/٨٨) والمصنف في الصغير (٢/١٣٩) وقال في المجمع (١/٢٧٦): رجاله موثقون. وقال الحافظ في التلخيص (١/١٣١): إسناده لا بأس به.
(٢) صحائف الصحابة (ص: ١١٥ – ١١٦) .
[ ٥٣ ]