أولًا: هذه الألفاظ غالبًا ما ترد بإحدى الصياغتين التاليتين:
أ - كنا نقول كذا أو نفعل كذا، أو كانوا يقولون أو يفعلون، أو كنا نرى كذا أو لا نرى بأسًا بكذا ونحو ذلك، في حياة النبيّ ﷺ، أو في زمنه أو عصره أو وهو فينا أو بين أظهرنا ونحو ذلك.
ب - كنا نقول أو نفعل أو نرى ولا يضيف ذلك إلى زمن النبي ﷺ ١.
_________________
(١) ١ انظر معرفة علوم الحديث لحاكم: (ص: ٢٢)، الكفاية للخطيب: (ص: ٥٩٣)، مقدّمة جامع الأصول لابن الأثير: (١/٩٥)، علوم الحديث لابن الصلاح: (ص: ٤٣) .
[ ٨ ]
ثانيًا: من أمثلته:
١ - ما رواه الإمام أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاريّ (ت ٢٥٦ هـ)، في " صحيحه " عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال:" كنّا إذا صعدنا كبّرنا، وإذا نزلنا سبّحنا " ١.
٢ - ما رواه البخاريّ، ومسلم بن الحجّاج (ت ٢٦١ هـ) في " صحيحيهما " عن جابر بن عبد الله ﵄:" كنّا نعزل على عهد رسول الله ﷺ".
وفي رواية: " كنّا نعزل والقرآن ينزل " ٢.
٣ - ما رواه أبو داود سليمان بن الأشعث (ت ٢٧٥ هـ) في سننه عن سالم بن عبد الله بن عمر
_________________
(١) ١ كتاب الجهاد، باب التسبيح إذا هبط واديًا (الصحيح مع الفتح ٦ / ١٣٥ ح٢٩٩٣) . ٢ كتاب النكاح، باب العزل (الصحيح مع الفتح ٩ / ٣٠٥ ح ٥٢٠٧، ٥٢٠٨)، وفي صحيح مسلم: كتاب النكاح، باب حكم العزل (٢ / ١٠٦١-١٠٦٥ ح ١٣٦-١٣٨) .
[ ٩ ]
إنَّ ابن عمر قال:" كنّا نقول ورسول الله ﷺ حيٌّ: أفضل أمَّة النبيّ ﷺ بعده أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان ﵃ أجمعين " ١.
ولفظه في البخاريّ:" كنّا نخيّر بين النّاس في زمن النبيّ ﷺ فنخيّر أبا بكر، ثمّ عمر بن الخطاب، ثمّ عثمان بن عفان ﵃ " ٢.
ثالثًا: اختلف العلماء في الحديث الوارد بهذه الصّيغة هل له حكم الرّفع أم أنَّه موقوف؟ وذلك على أقوال ٣:
الأول:- أنَّه مرفوع مطلقًا، أضيف إلى زمن النبيّ ﷺ
_________________
(١) ١ كتاب السنّة، باب في التّفضيل، سنن أبي داود: (٥ / ٢٦ ح ٤٦٢٨) . ٢ فضائل الصحابة، باب فضل أبي بكر (الصحيح مع الفتح ٧ / ١٦ ح٣٦٥٥) . ٣ انظر هذه الأقوال في: علوم الحديث لابن الصّلاح (ص: ٤٣)، النكت لابن حجر (٢ / ٥١٥)، فتح المغيث للسخاويّ (١ / ١٣٥) .
[ ١٠ ]
أم لم يضف.
قال الحافظ ابن حجر:" هو الذي اعتمده الشيخان في صحيحهما، وأكثر منه البخاريّ " ١.
وقال أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥ هـ):" إذا قاله الصحابيّ المعروف بالصحبة فهو حديث مسند - مرفوع -، وكلّ ذلك مخرّج في المسانيد " ٢.
وقال أبو زكريا محي الدين بن شرف النوويّ (ت ٦٧٦ هـ):" وظاهر استعمال كثير من المحدّثين، وأصحابنا في كتب الفقه أنَّه مرفوع مطلقًا سواء أضافه أو لم يضفه، وهذا قويّ فإنَّ الظاهر من قوله: كنّا نفعل، أو كانوا يفعلون الاحتجاج به، وأنَّه فعل على وجه يحتجّ به،
_________________
(١) ١ النكت (٢ / ٥١٥) . ٢ معرفة علوم الحديث (ص: ٢٢) .
[ ١١ ]
ولا يكون ذلك إلا في زمن النبيّ ﷺ ويبلغه " ١.
قال الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقيّ (ت ٨٠٦ هـ):" وقد أطلق الحاكم في " علوم الحديث " ٢ الحكم برفعه ولم يقيّده بإضافته إلى زمنه ﷺ، وكذا أطلقه الإمام فخر الدين الرازيّ في " المحصول " ٣، والسيف الآمديّ في " الإحكام " ٤، وقال أبو نصر الصبَّاغ في كتاب " العدّة ":أنَّه ظاهر، ومثّله بقول عائشة ﵂: كانت اليد لا تقطع في الشيء التافه " ٥.
الثاني:- التفريق بين ما يضيفه راويه إلى زمن
_________________
(١) ١ المجموع شرح المهذّب (١ / ٦٠) . ٢ ص: ٢٢. ٣ المحصول (٤ / ٤٤٩) . ٤ الإحكام (٢ / ١٤٠) . ٥ التقييد والإيضاح للعراقيّ (ص: ٥٢) .
[ ١٢ ]
النبيّ ﷺ وما لم يضفه، فما أضيف إلى زمن النبيّ ﷺ فهو مرفوع، وما لم يضف فهو موقوف.
قال أبو بكر أحمد بن عليّ الخطيب البغداديّ (ت ٤٦٣ هـ):" قول الصحابيّ:كنّا نقول كذا، ونفعل كذا، من ألفاظ التّكثير ومما يفيد تكرار الفعل والقول واستمرارهم عليه، فمتى أضاف ذلك إلى زمن النبيّ ﷺ على وجه كان يعلم به رسول الله ﷺ فلا ينكره، وجب القضاء بكونه شرعًا، وقام إقراره له مقام نطقه بالأمر به، ويبعد فيما كان يتكرّر قول الصحابة له وفعلهم إياه على عهد رسول الله ﷺ أن يخفى عليه وقوعه ولا يعلم به، ولا يجوز في صفة الصحابيّ أن يعلم إنكارًا من النبيّ ﷺ في ذلك فلا يرويه، لأنَّ الشرع والحجّة في إنكاره لا في فعلهم لما ينكره، ولا يمكن في صفته رواية الفعل الذي ليس بشرع وتركه رواية إنكاره له الذي هو الشرع، فوجب أن يكون المتكرّر في زمن الرسول ﷺ مع إقراره شرعًا ثابتًا لما قلناه ".
[ ١٣ ]
ثمّ ساق بإسناده إلى عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنّا لا نرى بكراء الأرض بأسًا حتى حدّثنا رافع ابن خديج إنَّ النبيّ ﷺ نهى عن كراء الأرض، فكان ابن عمر يقول: لقد نهى ابن خديج عن أمرٍ نافعٍ لنا ١.
فجمع ابن عمر بين ما كانوا عليه من فعل الاستكراء وبين حديث رافع بن خديج، عن النبيّ ﷺ في النهي عنه " ٢.
ثمّ قال ﵀:" ومتى جاءت رواية عن الصَّحابة بأنّهم كانوا يقولون أو يفعلون شيئًا، ولم يكن في الرواية ما يقتضي إضافة وقوع ذلك إلى زمن النبيّ ﷺ، لم يكن
_________________
(١) ١ انظر: صحيح الإمام البخاريّ مع الفتح: (٥ / ٢٢ ح ٢٣٣٩ - ٢٣٤٤) كتاب الحرث والمزارعة، باب ما كان من أصحاب النّبيّ ﷺ يواسي بعضهم بعضًا في الزراعة والثمر. وصحيح مسلم كتاب البيوع، باب كراء الأرض، (٣ / ١١٧٦) ح ١٠٨، ١٠٩) . ٢ الكفاية للخطيب: (ص٥٩٤-٥٩٥) .
[ ١٤ ]
حجّة " ١.
وتابع الخطيب على ذلك أبو عمرو بن الصّلاح (ت ٦٤٣ هـ)، فقال:" قول الصحابيّ: كنّا نفعل كذا أو كنّا نقول كذا، إن لم يضفه إلى زمان رسول الله ﷺ فهو من قبيل الموقوف " ٢.
وقال أبو المظفّر منصور بن محمَّد السمعانيّ (ت ٤٨٩ هـ):" وإذا قال الصحابيّ:كنّا نفعل كذا على عهد رسول الله ﷺ فهو بمنزلة المسند إلى رسول الله ﷺ ". ثمّ قال في ردّه على الذين قالوا: أنَّه ليس بمنزلة المسند:" وأما نحن فنقول: إنَّ الظاهر من أمر الصَّحابة أنّهم ما كانوا يقدمون على شيء من أمور الدين والنبيّ ﷺ بين
_________________
(١) ١ المصدر نفسه في الموضع نفسه. ٢ علوم الحديث (ص: ٤٣) . وقد علّل ﵀ ترجيحه لهذا القول فقال: لأنَّ ظاهر ذلك مشعر بإنَّ رسول الله ﷺ اطّلع على ذلك وقرّرهم عليه، وتقريره أحد وجوه السنن المرفوعة.
[ ١٥ ]
أظهرهم إلا عن أمره وإذنه فصار قولهم: كنّا نفعل كذا في زمان النبيّ ﷺ بمنزلة المسند، لهذا الظاهر، والظاهر حجّة " ١.
وقد ذكر مثل ذلك بحروفه الحافظ أبو إسحاق إبراهيم ابن عليّ الشيرازيّ (ت ٤٧٦ هـ) في كتابه " التبصرة في أصول الفقه " ٢.
وقال الحافظ محي الدين يحيى بن شرف النوويّ (ت ٦٧٦ هـ):" وقال الجمهور من المحدّثين وأصحاب الفقه والأصول: إن لم يضفه إلى زمن رسول الله ﷺ فليس بمرفوع بل هو موقوف، وإن أضافه فقال: كنّا نفعل في حياة النبيّ ﷺ أو في زمنه أو وهو فينا أو بين أظهرنا أو نحو ذلك، فهو مرفوع، وهذا هو المذهب الصحيح الظاهر،
_________________
(١) ١ قواطع الأدلّة في أصول الفقه (ص: ٨٢٥ - ٨٢٦)، رسالة دكتوراه مطبوعة على الآلة. ٢ ص: ٣٣٣، طبعة دار الفكر بدمشق.
[ ١٦ ]
فإنَّه إذا فعل في زمنه ﷺ فالظاهر اطّلاعه عليه، وتقريره إياه ﷺ، وذلك مرفوع " ١.
وقال الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ):" ومثال المرفوع من القول حكمًا لا تصريحًا أن يقول الصحابيّ: كنّا نقول على عهد رسول الله ﷺ كذا، فله حكم ما لو قال: قال رسول الله ﷺ، فهو مرفوع سواء كان مما سمعه منه أو عنه بواسطة "، ثمّ قال:" ومثال المرفوع من التّقرير حكمًا: أن يخبر الصحابيّ أنّهم كانوا يفعلون في زمان النبيّ ﷺ كذا، فإنَّه يكون له حكم الرّفع من جهة أنَّ الظّاهر اطّلاعه ﷺ على ذلك، لتوفّر دواعيهم على سؤاله عن أمور دينهم، ولإنَّ ذلك زمان نزول الوحي فلا يقع من الصحابة فعل شيء ويستمرّون عليه إلا وهو غير ممنوع الفعل، وقد استدلّ جابر وأبو سعيد الخدريّ ﵄ على جواز العزل بأنّهم كانوا
_________________
(١) ١ شرح صحيح مسلم (١ / ٣٠) .
[ ١٧ ]
يفعلونه والقرآن ينزل، ولو كان مما ينهى عنه لنهى عنه القرآن " ١.
وذهب إلى كونه مرفوعًا يحتجّ به الحافظ محمَّد بن أحمد الفتوحي الحنبليّ (ت ٩٧٢ هـ) فقال:" إنَّ حكم ذلك حكم قول الصحابي: قال رسول الله ﷺ "٢.
الثالث:- أنَّه من قبيل الموقوف مطلقًا أضيف أو لم يضف إلى زمنه ﷺ وقد جزم بهذا القول الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيليّ (ت ٣٧١ هـ) فيما رواه عنه تلميذه الحافظ أبو بكر أحمد بن محمَّد بن غالب الخوارزميّ البرقانيّ (ت ٤٢٥ هـ) ٣.
قال السيوطيّ (ت ٩١١ هـ):" وهو بعيد
_________________
(١) ١ نزهة النّظر (ص: ٥٣ - ٥٤)، وحديثا جابر وأبي سعيد سبق تخريجهما. ٢ انظر: شرح الكوكب المنير (٢ / ٤٨٤) . ٣ انظر: علوم الحديث لابن الصّلاح (ص: ٤٣)، مقدّمة النوويّ لشرح صحيح مسلم (١ / ٣٠) .
[ ١٨ ]
جدًاّ " ١.
الرابع:- التفصيل فيما جاء بهذه الصيغة وأضيف إلى زمن النبيّ ﷺ، بين أن يكون ذلك الفعل مما لا يخفى غالبًا فيكون مرفوعًا أو يخفى فيكون موقوفًا ٢.
قال أبو المظفّر منصور بن محمَّد السمعانيّ التّيميّ (ت ٤٨٩ هـ):" وإذا قال الصحابيّ:كانوا يفعلون كذا ، فإن أضافه إلى عصر الرسول ﷺ وكان مما لا يخفى مثله: حُمِل على إقرار الرسول ﷺ وصار شرعًا، وإن كان مثله يخفى؛ فإن تكرّر منهم وكثر حمل على إقراره؛ لأنَّ الأغلب فيما كثر منهم أنَّه لا يخفى عليه، كما روي عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ أنَّه قال:" كنّا نخرج صدقة الفطر في زمان رسول الله ﷺ صاعًا من برّ
_________________
(١) ١ تدريب الراوي (١ / ٢٠٥)، طبعة مكتبة الكوثر. ٢ انظر النكت لابن حجر (٢ / ٥١٦)، طبعة المجلس العلميّ بالجامعة الإسلاميّة.
[ ١٩ ]
أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر " ١ الحديث. ثمّ قال:" وعلى هذا إذا أخرج الراوي الرواية مخرج التكثير بأن قال:كانوا يفعلون كذا، حملت الرواية على علمه وإقراره، فصار المنقول شرعًا، وإن تجرّد عن لفظ التّكثير كقوله: فعلوا كذا، فهو محتمل، ولا يثبت شرع باحتمال"٢.
قال الحافظ النوويّ عند ذكر الخلاف في هذه الصيغة: " قال أبو إسحاق الشيرازيّ في " اللمع ":إن كان ذلك مما لا يخفى في العادة كان كما لو رآه النبيّ ﷺ ولم ينكره، فيكون مرفوعًا؛ وإن جاز خفاؤه عليه ﷺ لم يكن مرفوعًا
_________________
(١) ١ رواه البخاريّ في كتاب الزكاة - باب زكاة الفطر صاعًا من طعام (الصحيح مع الفتح ٣ / ٣٧١ ح ١٥٠٦)، ورواه مسلم في كتاب الزكاة - باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير (٢ / ٦٧٧ ح ١٧) . ٢ قواطع الأدلّة في أصول الفقه (ص: ٥٩٣)، رسالة دكتوراه مصوّرة بتحقيق د. عبد الله بان حافظ الحكميّ.
[ ٢٠ ]
كقول بعض الأنصار:كنّا نجامع فنكسل ولا نغتسل، فهذا لا يدلّ على عدم وجوب الغسل من الإكسال لأنَّه يفعل سرًاّ فيخفى " ١.
الخامس:- إن أورده الصحابيّ في معرض الحجّة حمل على الرفع، وإلا فموقوف؛ قال الحافظ ابن حجر:" حكاه القرطبيّ " ٢.
_________________
(١) ١ مقدّمة المجموع شرح المهذّب (١ / ٦٠)، وينظر: اللمع (ص: ٢٠١ - ٢٠٢) . وحديث: كنّا نجامع فنكسل الخ، رواه الإمام أحمد في المسند (٥ / ١١٥)، والطبرانيّ في الكبير (٥ / ٣٥ ح ٤٥٣٧)، وذكره الهيثميّ في المجمع (١ / ٢٦٦) بسياق فيه قصّة بين عمر وزيد بن ثابت ﵄، ثمّ قال: " رواه أحمد والطّبرانيّ في " الكبير "، ورجال أحمد ثقات إلا إنَّ ابن إسحاق مدلّس وهو ثقة ". قلت: إطلاق التوثيق لابن إسحاق في غير السير والمغازي فيه نظر، والله تعالى أعلم. ٢ النكت (٢ / ٥١٦) .
[ ٢١ ]
تنبيهات:
هذه التنبيهات ذكرها الحافظ ابن حجر في كتاب " النكت على كتاب ابن الصّلاح " ١.
وجعلها الحافظ السخاويّ (ت ٩٠٢ هـ) في " فتح المغيث " ٢ أقوالًا في حكم الحديث الوارد بهذه الصّيغة، وأتبعتها بما يشاكلها من التنبيهات:
الأول:
قول الصحابي:" كنّا نرى كذا "، ينقدح فيها من الاحتمال أكثر مما ينقدح في قوله:" كنّا نقول أو نفعل "، لأنّها من الرأي، ومستنده قد يكون تنصيصًا أو استنباطًا.
الثاني:
قوله:" كان يقال كذا ".
قال الحافظ المنذريّ:" اختلفوا هل يلتحق بالمرفوع أو الموقوف؟ " قال:" والجمهور على أنَّه إذا أضافه إلى
_________________
(١) ١ انظر (٢ / ٥١٧ - ٥١٨) . ٢ انظر (١ / ١٣٨) .
[ ٢٢ ]
زمن النبيّ ﷺ يكون مرفوعًا ".
قال الحافظ ابن حجر:
" ومما يؤيّد إنَّ حكمها الرفع مطلقًا ما رواه النسائيّ من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال:" كان يقال: صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر " ١، فإنَّ ابن ماجه رواه ٢ من الوجه الذي أخرجه منه النسائيّ بلفظ:" قال رسول الله ﷺ "، فدلّ على أنّها عندهم من صيغ الرفع، والله أعلم ".
الثالث:
لا يختصّ جميع ما تقدّم بلإثبات، بل يلتحق به النّفي كقولهم:" كانوا لا يفعلون كذا "، ومنه قول عائشة رضي
_________________
(١) ١ في كتاب الصيام، باب قوله: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر (٤ / ١٨٣ ح ٢٢٨٤) . ٢ كتاب الصيام، باب ما جاء في الإفطار في السفر (١ / ٥٣٢ ح ١٦٦٦)، وهو في النسائيّ أيضًا في الموضع السابق برقم (٢٢٨٥، ٢٢٨٦) .
[ ٢٣ ]
الله عنها:" كانوا لا يقطعون اليد في الشيء التافه " ١.
الرابع ٢:
قال الحافظ السخاويّ:" وكلّ ما أوردناه من الخلاف حيث لم يكن في القصّة اطّلاعه ﷺ، أما إذا كان فيها اطلاعه كقول ابن عمر:" كنّا نقول ورسول الله ﷺ حيّ: أفضل هذه الأمَّة بعد نبيِّها أبو بكر، وعمر، وعثمان، ويسمع ذلك رسول الله ﷺ فلا ينكره " ٣ فحكمه الرّفع
_________________
(١) ١ رواه ابن أبي شيبة في المصنّف (٩ / ٤٧٦ ح ٨١٦٣) كتاب الحدود - باب من قال: لا تقطع في أقلّ من عشرة دراهم. وهو في الصحيحين بلفظ: " لم تكن تقطع يد السارق في أدنى من حَجَفَةٍ أو تُرْس، كلاهما ذو ثمن. انظر الصحيح مع الفتح (١٢ / ٩٦ ح ٦٧٩٣) كتاب الحدود - باب قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴾ وصحيح مسلم في الحدود - باب حدّ السرقة ونصابها (٣ / ١٣١٢ ح ٥) . ٢ هذا وما بعده لم يذكره ابن حجر في التنبيهات السابقة فليتنبّه. ٣ رواه الطبرانيّ في الكبير (١٣ / ٢٨٥ ح ١٣١٣) وهو في الصحيح بدون قوله: ويسمع ذلك رسول الله ﷺ
[ ٢٤ ]
إجماعًا " ١.
الخامس:
ذكر أبو عبد الله الحاكم في " معرفة علوم الحديث " عن محمَّد بن سيرين، عن المغيرة بن شعبة قال:" كان أصحاب رسول الله ﷺ يقرعون بابه بالأظافير ". ٢
ثمّ عقّب عليه بقوله:" هذا حديث يتوهّمه من ليس من أهل الصنعة مسندًا لذكر رسول الله ﷺ فيه، وليس بمسند، فإنَّه موقوف على صحابيّ حكى عن أقرانه من
_________________
(١) ١ فتح المغيث (١ / ١٣٩)، وقد سبق إلى القول بهذا الإجماع الحافظ زين الدّين العراقيّ في شرح التّبصرة (١ / ١٢٨) . ٢ ورواه - من حديث المغيرة بن شعبة - الحافظ البيهقيّ في المدخل (ص: ٣٨١ ح ٦٥٩) . وأخرجه البخاريّ في " الأدب المفرد " من حديث أس بن مالك: (ص: ٢٧٨ ح١٠٨٠) طبعة المكتبة الأثريّة بباكستان تصوير من طبعة محمَّد فؤاد عبد الباقي.
[ ٢٥ ]
الصحابة فعلًا وليس يسنده واحد منهم " ١.
نقل كلام الحاكم هذا الحافظ ابن الصّلاح في " علوم الحديث " ثمّ عقّب عليه فقال:" بل هو مرفوع، وهو بأن يكون مرفوعًا أحرى، لكونه أحرى باطّلاعه ﷺ، والحاكم معترف بكون ذلك من قبيل المرفوع، ولعلّه أراد أنَّه ليس بمسند لفظًا، بل هو موقوف لفظًا، وكذلك سائر ما سبق موقوف لفظًا، وإنّما جعلناه مرفوعًا من حيث المعنى، والله أعلم ". ٢
وقد فسّر الحافظ ابن حجر كلام ابن الصّلاح - الأخير - فقال:" وقد حقّق المصنّف - ابن الصّلاح - المناط فيه بما حاصله: إنَّ له جهتين: جهة الفعل وهو صادر من الصحابة فيكون موقوفًا، وجهة التّقرير وهي مضافة إلى النبيّ ﷺ من حيث إنَّ فائدة قرع بابه أنَّه يعلم
_________________
(١) ١ انظر: معرفة علوم الحديث (ص ١٩) . ٢ ملخّص بتصرّف يسير من علوم الحديث (ص: ٤٤) .
[ ٢٦ ]
أنَّه قرع، ومن لازم علمه بكونه قرع مع عدم إنكاره ذلك على فاعله، التقرير على ذلك الفعل، فيكون مرفوعًا " ١.
السادس:
قال الحافظ السيوطيّ (ت ٩١١ هـ) بعد كلامه على حديث المغيرة في القرع بالأظافر الآنف الذكر:" ومن المرفوع أيضًا اتفاقًا الأحاديث التي فيها ذكر صفة النبيّ ﷺ ونحو ذلك " ٢.
السابع:
قال الحافظ العراقيّ:" إذا قال التابعيّ:كنّا نفعل كذا فليس بمرفوع قطعًا، وهل هو موقوف؟ لا يخلو إما أن يضيفه إلى زمن الصحابة أم لا، فإن لم يضفه إلى زمنهم فليس بموقوف أيضًا بل هو مقطوع، وإن أضافه إلى
_________________
(١) ١ انظر: النكت لابن حجر (٢ / ٥١٩) . ٢ تدريب الراوي (١ / ٢٠٧)، طبعة مكتبة الكوثر.
[ ٢٧ ]
زمنهم فيحتمل أن يقال: أنَّه موقوف، لأنَّ ظاهره اطّلاعهم على ذلك وتقريرهم، ويحتمل أن يقال: ليس بموقوف أيضًا لأنَّ تقرير الصحابيّ قد لا ينسب إليه بخلاف تقرير النبيّ ﷺ فإنَّه أحد وجوه السنن " ١.
_________________
(١) ١ التقييد والإيضاح (ص: ٥٤) .
[ ٢٨ ]