أولًا:- وقع الخلاف في حكم الحديث الوارد بهذه الصيغة كما وقع الخلاف في التي قبلها.
ومحصّل الأقوال فيها قولان مشهوران لأهل العلم ١:
الأول:إنَّ الحديث الوارد بهذه الصيغة له حكم الرفع وبهذا قال جماهير العلماء من المحدّثين والفقهاء وغيرهم.
والثاني: إنَّ له حكم الوقف.
ثانيًا:- من أمثلة ذلك:
١ - ما رواه البخاريّ في كتاب الصلاة، باب وجوب الصلاة في الثياب، ومسلم في صلاة العيدين،
_________________
(١) ١ عن هذه المسألة راجع: الكفاية للخطيب البغداديّ (ص: ٥٩١ - ٥٩٢)، علوم الحديث لابن الصلاح (ص: ٤٥)، تدريب الراوي (١ / ٢٠٨)، فتح المغيث للسخاويّ (١ / ١٢٧) وغيرها.
[ ٢٩ ]
باب ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى الصَّلاة من حديث أمّ عطيّة:" أُمِرنا أن نخرج إلى العيدين العواتق وذوات الخدور ".
٢ - ما رواه البخاريّ في الجنائز، باب اتباع النساء الجنائز، ومسلم في الجنائز، باب نهي النساء عن اتباع الجنائز، من حديث أمّ عطيّة - أيضًا -:" نُهِينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا ".
٣ - ما رواه البخاريّ في الحجّ، باب الجمع بين الصّلاتين بعرفة من طريق الزهريّ عن سالم بن عبد الله بن عمر:" إنَّ الحجّاج بن يوسف سأل عبد الله بن عمر ﵁ كيف يصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إن كنت تريد السنّة فهجّر بالصلاة يوم عرفة، فقال عبد الله بن عمر صدق الحديث ".
ثالثًا:- فيما يأتي أقوال أهل العلم في حكم الحديث الوارد بهذه الصيغة:
١ - قال أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله بن البيّع
[ ٣٠ ]
الحاكم النيسابوريّ (ت ٤٠٥ هـ):" قول الصحابيّ المعروف بالصحبة:أُمِرنا أن نفعل كذا، أو نُهِينا عن كذا وكذا، وكنّا نؤمر بكذا، وكنّا ننهى عن كذا ، وقول الصحابيّ أيضًا: من السنّة كذا، وأشباه ما ذكرناه، إذا قاله الصحابيّ المعروف بالصحبة فهو حديث مسند - مرفوع -، وكلّ ذلك مخرّج في المسانيد " ١.
وقال في " المستدرك ":" أجمعوا على إنَّ قول الصحابيّ: من السنّة كذا حديث مسند - مرفوع -" ٢.
قال الخطيب البغداديّ (ت ٤٦٣ هـ):" باب في حكم قول الصحابيّ:أُمِرنا بكذا أو نُهِينا عن كذا، أو من السنّة كذا، هل يجب حمله على أمر الرسول ﷺ ونهيه أو يجوز كونه أمرًا ونهيًا له ولغيره؟ " ٣.
_________________
(١) ١ معرفة علوم الحديث (ص: ٢٢) . ٢ كتاب الجنائز (١ / ٣٥٨) . ٣ انظر الكفاية (ص: ٥٩١ - ٥٩٣) .
[ ٣١ ]
ثمّ ساق ﵀ بأسانيده الأمثلة الآتية:
١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال:" أمرنا - أو قال: نهينا - ألا نزيد أهل الكتاب على وعليكم " ١.
٢ - وعن أنس - أيضًا -:" نهينا أن يبيع حاضرٌ لبادٍ " ٢.
٣ - عن عبد الله بن مسعود قال:" من السنّة الغسل يوم الجمعة " ٣.
_________________
(١) ١ رواه الإمام أحمد في المسند (٣ / ١١٣)، وهو في الصحيحين مصرّحًا برفعه. ٢ رواه البخاريّ في البيوع - باب لا يشتري حاضر لباد بالسمسرة، (الصحيح مع الفتح ٤ / ٣٧٢ ح ٢١٦١) . ورواه مسلم في البيوع - باب تحريم بيع الحاضر للباد (٣ / ١١٥٧ ح ٢١)، وقد جاء مصرّحًا فيه بالرفع في الكتابين في مواضع أخرى منهما. ٣ رواه أبو داود الطيالسيّ في المسند (١ / ٥١ ح ٣٩١)، وابن أبي شيبة في المصنّف (٢ / ٩٦) .
[ ٣٢ ]
ثمّ قال:" قال أكثر أهل العلم: يجب الوقف في ذلك لأنَّه لا يؤمن أن يعني بذلك أمر الأئمّة والعلماء، كما يعني بذلك أمر رسول الله ﷺ ١، والقول الأول أولى بالصواب.
والدليل على ذلك أنَّ الصحابيّ إذا قال: أمرنا بكذا فإنّما يقصد الاحتجاج لإثبات شرع، وتحليل وتحريم،
_________________
(١) ١ أجاب الحافظ ابن حجر عن هذا الاحتمال وغيره من الاحتمالات الأخرى التي ذكرها أصحاب هذا القول، فقال ﵀ في النكت (٢ / ٥٢٠): " وأجييب بأنَّ هذه الاحتمالات بعيدة، لأنَّ أمر الكتاب ظاهر للكلّ فلا يختصّ بمعرفته واحد دون غيره، وعلى تقدير التنزّل فهو مرفوع، أنَّ الصحابيّ وغيره إنّما تلقّوه عن النبيّ ﷺ، وأمر الأمَّة لا يمكن الحمل عليه لأنّهم لا يأمرون أنفسهم، وبعض الأئمّة إن أراد الصحابة فبعيد؛ لأنَّ قوله ليس بحجّة على غيره منهم، وإن أراد الخلفاء فكذلك، لأنَّ الصحابيّ في مقام تعريف الشرع بهذا الكلام، فيجب حمله على من صدر عنه الشرع. وأما حمله على القياس والاستنباط فبعيد؛ لأنَّ قوله: أمرنا بكذا يفهم منه حقيقة الأمر لا خصوص الأمر باتباع القياس.
[ ٣٣ ]
وحكم يجب كونه مشروعًا، وقد ثبت أنَّه لا يجب بأمر الأئمّة والعلماء تحليل ولا تحريم، إذا لم يكن ذلك أمرًا عن الله ورسوله " إلى أن قال:" وإذا كان كذلك لم يجز أن يقول الصحابيّ:أُمِرنا بكذا، أو نُهِينا عن كذا ليخبر بإثبات شرع ولزوم حكم في الدين، وهو يريد أمر غير الرسول ﷺ ".
ثمّ قال:" وهذه الدلالة بعينها توجب حمل قوله: من السنّة كذا على أنّها سنّة الرسول ﷺ ".
ثمّ قال:" فإن قيل: هل تفصلون بين قول الصحابيّ ذلك في زمن النبيّ ﷺ وبين قوله ذلك بعد وفاته؟ قيل: لا، لأنا لا نعرف أحدًا فصل بين ذلك " ١.
٣ - وقال أبو عمر ابن عبد البرّ عقب قول سالم بن عبد الله بن عمر للحجاج:" إن كنت تريد السنة فهجّر
_________________
(١) ١ الكفاية (ص: ٥٩١ - ٥٩٢) ملخصًا.
[ ٣٤ ]
بالصلاة يوم عرفة " الحديث ١:" وهذا الحديث يدخل عندهم في المسند لقوله فيه:" إن كنت تريد السنّة " لا يختلفون في ذلك، لأنَّه إذا أطلق الصاحب ذكر السنّة فالمراد سنّة رسول الله ﷺ، وكذلك إذا أطلقها غيره ما لم تضف إلى صاحبها كقولهم:" سنّة العمرين " وما أشبه ذلك " ٢.
٤ - وقال أبو المظفّر منصور بن محمَّد السمعانيّ (ت ٤٨٩ هـ): فإن قال الصحابيّ: أُمِرنا بكذا، أو نُهِينا عن كذا، أو من السنّة كذا يكون مسندًا ويكون حجّة، وقال أبو بكر محمَّد بن عبد الله الصيرفي (ت ٣٣٠ هـ):لا يكون مسندًا ولا يكون حجّة، وهو قول أبي الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخيّ
_________________
(١) ١ رواه البخاريّ في الحجّ - باب الجمع بين الصّلاتين بعرفة (الصحيح مع الفتح ٣ / ٥١٣ ح ١٦٦٢) . ٢ تجريد التمهيد (ص: ١٤١) .
[ ٣٥ ]
(ت ٣٤٠ هـ) من أصحاب أبي حنيفة، فهم يقولون: قد تطلق السنّة ويراد بها سنة النبيّ ﷺ وقد تطلق ويراد بها سنّة غيره ١ ، وذكر لهم دليلين:
الأول: قول عليّ ﵁:" جلد رسول الله ﷺ في الخمر أربعين، وجلد أبو بكر ﵁ أربعين، وجلد عمر ﵁ أربعين، وكلّ سنّة " ٢.
والثاني: قوله ﷺ:" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " ٣.
ثمّ أجاب على أدلّتهم بما معناه: إنَّ عليًاّ ﵁ أراد بالسنة سنة النبيّ ﷺ، لأنَّ الزيادة عن الأربعين كانت تعزيرًا، والتعزير بالضرب ثابت بالسنّة، وأما قوله:
_________________
(١) ١ وانظر: شرح التبصرة والتذكرة للعراقيّ (١ / ١٢٦) . ٢ رواه مسلم في الحدود - باب حد الخمر (٣ / ١٣٣٠ ح ٣٨) ٣ رواه الإمام أحمد في المسند (٤ / ١٢٦)، وأبو داود في السنة -باب لزوم السنة (٥ / ١٠ ح ٤٦٠٧) .
[ ٣٦ ]
" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي "، فهي سنّة مقيّدة منسوبة إلى أبي بكر وعمر، وكلامنا في السنّة مطلقًا١، ولعلّ المراد ما أخبروكم من سنتي.
ثمّ قال:" وأما دليلنا فنقول: قول الصحابيّ في الأمر والنهي:أُمِرنا بكذا، أو نُهِينا عن كذا مطلقًا يرجع إلى النبيّ ﷺ، لأن الأصل أنَّه الآمر والناهي في الشرائع خصوصًا إذا كان الصحابيّ قال هذا في حياة النبيّ ﷺ، وعلى هذا قول أنس ﵁:" أُمِر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة " ٢، ولهذا لو قال الصحابيّ:" رُخِّص لنا أن نفعل كذا " ينصرف إلى النبيّ ﷺ بالاتفاق. ٣
_________________
(١) ١ انظر: قواطع الأدلّة (ص: ٥٩٦)، التبصرة في أصول الفقه للشيرازيّ (ص: ٣٣٢) . ٢ رواه البخاريّ في الأذان - باب الأذان مثنى مثنى (الصحيح مع الفتح ٢ / ٨٢ ح ٦٠٥، ٦٠٦) . ورواه مسلم في الصلاة - باب الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة (١ / ٢٨٦ ح ٢) . ٣ قال في المسودة (ص: ٢٦٤): " وقال أبو الوفاء علي بن عقيل (ت ٥١٣ هـ): لا خلاف أنَّه لو قال قائل: أرخص أو رخص في كذا لرجع إلى النبيّ ﷺ، كذلك إذا قيل: أمرنا ونهينا لكن هذا في المسألة بعد هذه ". وقال أبو إسحاق في التبصرة في أصول الفقه (ص: ٣٣١، طبعة دار الفكر): " إنَّ إطلاق الأمر والنهي والسنّة يرجع إلى رسول الله ﷺ، والدليل عليه إنَّ أنسًا كان يقول: "أمر بلال أن يشفع الأذان الحديث "، لم يقل له أحد: من الآمر بذلك؟ فدلّ على إنَّ إطلاق الأمر يقتضي ما ذكرناه، ولأنَّه لا خلاف أنَّه لو قال: أرخص لنا في كذا لرجع ذلك إلى رسول الله ﷺ، فكذلك إذا قال: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا، ولا فرق بينهما ".
[ ٣٧ ]
فكذلك قول الصحابيّ:من السنّة كذا، فمطلق السنة منصرف إلى سنة النبي ﷺ، ولهذا يقال: كتاب الله تعالى وسنّة النبيّ ﷺ، وإذا قيل: الكتاب والسنّة فإنّما يفهم من السنة سنة النبيّ ﷺ، ولأنَّ السنّة هي الطريقة المتبعة لأهل الدين، والطريقة المتبعة لأهل الدين هي المشروعة في الدين، والمشروع في الدين إنما يكون من الله
[ ٣٨ ]
تعالى أو رسوله ﷺ فأما من غير الله ورسوله فلا ".
ثمّ قال:" وأيضًا فإن غرض الصحابيّ من هذا القول أن يعلّمنا الشرع أو يفيدنا الحكم، فيجب حمل ذلك على من يصدر الشرع منه دون الأئمّة والولاة، لإنَّ أمرهم غير مؤثر في الشرع، وهذا راجع إلى الدليل الذي قدمناه فيكون تقريرًا له ".١ اهـ ملخّصًا
وقال ﵀ في موضع آخر:" وأما مذهب الشافعيّ إنَّ مطلق السنة سنة رسول الله ﷺ، وإضافتها إلى غيره مجاز لاقتدائه فيها بسنة النبيّ ﷺ، فوجب أن يحمل الإطلاق على حقيقته دون مجازه " ٢.
وقال ابن الأثير:" وأما قوله: من السنة كذا، والسنة جارية بكذا، فالظاهر أنَّه لا يريد إلا سنة رسول الله ﷺ، ومن يجب اتباعه دون غيره ممن لا تجب طاعته، ولا فرق
_________________
(١) ١ انظر: قواطع الأدلّة في أصول الفقه (ص: ٨٢١ - ٨٢٤) . ٢ المصدر نفسه (ص: ٥٩٥-٥٩٦) .
[ ٣٩ ]
أن يقول الصحابيّ ذلك في حياة رسول الله ﷺ، أو بعد وفاته " ١.
٥ - قال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):" قول الصحابيّ: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا من نوع المسند المرفوع عند أصحاب الحديث وهو قول أكثر أهل العلم، وخالف في ذلك فريق منهم أبو بكر الإسماعيليّ ". ٢
ثمّ قال:" والأول هو الصحيح لأنَّ مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من له الأمر والنهي، وهو رسول الله ﷺ، وهكذا قول الصحابيّ:من السنة كذا فالأصحّ ٣
_________________
(١) ١ مقدّمة جامع الأصول (١ / ٩٤ - ٩٥) . ٢ قال الحافظ ابن حجر في النكت (٢ / ٥٢٠): " من الفريق المذكور أبو الحسن الكرخيّ من الحنفيّة ". ٣ قال الحافظ ابن حجر في النكت (٢ / ٥٢٣): " ومقابل الأصح خلاف الصيرفيّ من الشافعيّة والكرخيّ والرازيّ من الحنفيّة وابن حزم الظاهريّ "
[ ٤٠ ]
أنَّه مسند مرفوع لأنَّ الظاهر أنه لا يريد به إلا سُنَّة رسول الله ﷺ وما يجب اتباعه، وكذلك قول أنس ﵁:" أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة "، وسائر ما جانس ذلك ولا فرق بين أن يقول ذلك في زمن رسول الله ﷺ أو بعده " ١.
٦ - قال الحافظ أبو زكريا محي الدين يحيى بن شرف النوويّ (ت ٦٧٦ هـ):" إذا قال الصحابيّ:أُمِرنا بكذا، أو نُهِينا عن كذا، أو من السنّة كذا، أو مضت السنة بكذا ونحو ذلك فكلّه مرفوع إلى رسول الله ﷺ على المذهب الصحيح الذي قاله الجماهير من أصحاب الفنون "
ثمّ قال:" وقيل: موقوف " ٢.
وهذا إشارة إلى ما ذهب إليه أبو بكر إسماعيل بن
_________________
(١) ١ انظر: علوم الحديث لابن الصلاح (ص: ٤٥) . ٢ مقدمة شرح صحيح مسلم للنوويّ (١ / ٣٠)، مقدّمة المجموع شرح المهذّب (١ / ٥٩) .
[ ٤١ ]
إبراهيم الإسماعيليّ (ت ٣٧١ هـ) ١، وأبو بكر الصيرفيّ (ت ٣٣٠ هـ)، وأبو الحسن الكرخيّ (ت ٣٤٠ هـ) ٢.
٧ - قال أبو حفص عمر بن رسلان البلقينيّ (ت ٨٠٥ هـ) ٣:" وأما مثل قوله: لا تلبسوا علينا سنّة نبينا كما روي عن عمرو بن العاص في عدّة أمّ الولد ٤، وقوله: أصبت السنّة كما جاء بإسناد صحّحه الدارقطنيّ في " سننه " ٥ عن عقبة بن عامر في المسح على
_________________
(١) ١ انظر: شرح التبصرة والتذكرة للعراقيّ (١ / ١٢٦ - ١٢٧) . ٢ انظر: قواطع الأدلّة في أصول الفقه (ص ٥٩٤، ٨٢٢) . ٣ محاسن الاصطلاح المطبوع بحاشية علوم الحديث لابن الصلاح (ص: ١٩٩) . ٤ رواه أبو داود في سننه - كتاب الطّلاق - باب في عدّة أمّ الولد (٢ / ٧٣٠ ح ٢٣٠٨) . ٥ كتاب الطهارة - باب الرخصة في المسح على الخفّين (١ / ١٩٦ ح ١
[ ٤٢ ]
الخفين - وإن كان فيه علّة نبَّه عليها الدارقطنيّ في " علله " ١ -، وقوله:سنة أبي القاسم، كما في حديث ابن عباس في متعة الحجّ ٢، فهذه الألفاظ في حكم قوله: من السنّة ، وبعضها أقرب من بعض، وأقربها للرفع: سنَّة أبي القاسم، ويليها: لا تلبِّسوا علينا سنَّة نبيِّنا، ويلي ذلك: أصبت السنّة ".
ثم قال:" ونظير حديث: أُمِر بلال حديث عائشة ﵂:فكنّا نؤمر بقضاء الصوم " ٣.
_________________
(١) ١ انظر: العلل (٢ / ١١٠ س ١٤٨ مسند عمر بن الخطاب ﵁. ٢ رواه البخاريّ في الحجّ - باب ﴿فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ﴾ (الصحيح مع الفتح ٣ / ٥٣٣ ح ١٦٨٨) . ورواه مسلم في الحجّ - باب جواز العمرة في أشهر الحجّ (٢ / ٩٠٩ ح٢٠٤) وفي البخاريّ في الحجّ - باب التمتّع والقران والإفراد عن عليّ ﵁ قال: " ما كنت لأدع سنة النبيّ ﷺ لأحد ". (الصحيح مع الفتح ٣ / ٤٢١ ح ١٥٦٣)، ونحوه عن ابن عباس ح ١٥٦٧. ٣ رواه مسلم في الحيض - باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة (١ / ٢٦٥ ح ٦٩) .
[ ٤٣ ]
تنبيهات:
وأختم هذا المبحث بتنبيهات ذكرها الحافظ ابن حجر وغيره، وهي كالتتمة والتكميل لهذا البحث:
١ - قال الحافظ ابن حجر:" لا اختصاص لذلك بقوله:" أمرنا أو نهينا "، بل يلحق به ما إذا قال:أُمِر فلان بكذا أو نُهِي فلان عن كذا، أو أُمِر أو نُهِي بلا إضافة وكذا مثل قول عائشة ﵂: كنّا نؤمر بقضاء الصّوم الحديث " ١، وأما إذا قال الصحابيّ:أوجب علينا كذا أو حُرِّم علينا كذا أو أبيح لنا كذا، فهو مرفوع، ويبعد تطرّق الاحتمالات المتقدّمة إليه بعدًا قويًاّ جدًاّ ٢.
٢ - إذا قال الصحابيّ:أمرنا رسول الله ﷺ بكذا، أو سمعته يأمر بكذا، فهو مرفوع بلا خلاف لانتفاء
_________________
(١) ١ النكت (٢ / ٥٢٢) . ٢ المصدر نفسه.
[ ٤٤ ]
الاحتمال المتقدم. ١
قال الحافظ زين الدين العراقيّ (ت ٨٠٦ هـ):" لا أعلم فيه خلافًا إلا ما حكاه ابن الصباغ - أبو نصر عبد السيّد بن محمَّد ت ٤٧٧ هـ - في " العدّة " عن داود الظاهريّ وبعض المتكلّمين، أن لا يكون ذلك حجّة حتى ينقل لنا لفظه، وهذا ضعيف مردود ".٢
قال ابن حجر:" وأجيب بإنَّ الظاهر من حال الصحابيّ مع عدالته ومعرفته بأوضاع اللغة: أنه لا يطلق ذلك إلا فيما تحقّق أنَّه أمر أو نهي من غير شكّ نفيًا للتلبيس عنه بنقل ما يوجب سامعه اعتقاد الأمر والنهي فيما ليس هو بأمر ولا نهي " ٣.
٣ - إذا أضاف الصحابيّ السُّنَّة إلى النبيّ ﷺ فمقتضى
_________________
(١) ١ المصدر نفسه. ٢ شرح التبصرة والتذكرة (١ / ١٢٧) . ٣ النكت (٢ / ٥٢٧) .
[ ٤٥ ]
كلام الجمهور أنَّه يكون مرفوعًا قطعًا ١.
٤ - قال في الكوكب المنير:" وقول الصحابيّ: أمر النبيّ ﷺ، أو أمرنا رسول الله بكذا، أو نهى النبيّ ﷺ عن كذا، أو رخّص لنا في كذا، وقوله: جرت السنة أو مضت السنّة بكذا، أو كنّا نفعل كذا، أو نقول كذا أو نرى كذا على عهد رسول الله ﷺ ونحو ذلك حُجَّة "
قال الشارح:" يعني إنَّ حكم ذلك حكم قول الصحابيّ: قال النبيّ ﷺ لكنّه في الدلالة دون ذلك لاحتمال الواسطة، أو اعتقاد ما ليس بأمر ولا نهي أمرًا أو نهيًا، لكن الظاهر أنَّه لم يصرّح بنقل الأمر إلا بعد جزمه بوجود حقيقته، ومعرفة الأمر مستفادة من اللغة وهم أهلها فلا تخفى عليهم، فعلى هذا يكون حجّة وهو الصحيح وعليه جماهير العلماء، وخالف في ذلك بعض المتكلّمين كالصيرفيّ، والباقلانيّ، وأبي بكر الرازي،
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٢ / ٥٢٧) .
[ ٤٦ ]
والكرخيّ، وإمام الحرمين " ١.
٥ - قال ابن الأثير:" أما إذا قال:أُبِيح، وأُوجب، أو حُظِر فيقوى في جانبه ألا يكون مضافًا إلا إلى النبيّ ﷺ، لأنَّ الإيجاب والإباحة والحظر إلى النبيّ ﷺ دون غيره بخلاف الأمر ". ٢
٦ - قال الحافظ العراقيّ:" فإذا قال التابعيّ:أُمِرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، فجزم ابن الصباغ في " العدّة في أصول الفقه " أنَّه مرسل، وذكر الغزاليّ في " المستصفى " فيه احتمالين من غير ترجيح هل يكون موقوفًا أو مرفوعًا مرسلًا؟ ". ٣
_________________
(١) ١ انظر: شرح الكوكب المنير (٢ / ٤٨٣ - ٤٨٥)، والمسودة (ص: ٢٦٤) . ٢ مقدّمة جامع الأصول (١ / ٩٤) . ٣ التقييد والإيضاح (ص: ٥٤) .
[ ٤٧ ]