فيها طرفُ الفوائد:
الأولى: تقدم في ترجمة حديثان من رواية شمهروش، أن لشمهروش المذكور تصنيفا فيما سمعه من النبي ﷺ في نحو عشر كراريس، فهو من مسند الجن للجن أنفسهم، ولعله أول من صنف في الحديث على الإطلاق إن كان صنف ذلك وقت سماعه من النبي ﷺ، إِن صح الخبر.
الثانية: قال البجمعوي (^٢) في «ثبته»: أخبرني من رأى رسائله - يعني شمهروش - للسيد حسين الشرحبيلي - أحد تلامذة ابن ناصر .. اهـ.
_________________
(١) هو دعاء طويل منسوب إلى سيدنا علي بن أبي طالب ﵁، ومشهور عند كثير من الطرق الصوفية، وله عندهم أسانيد فيه كثيرة وإجازات متعددة.
(٢) هو العلامة علي بن سليمان الدمناتي البجمعوي له ثبت سماه «أجلى مساند على الرحمن» و«لسان المحدث» في لغة الحديث، و«منظومة في اصطلاح الحديث»، توفي عام ١٣٠٦ هـ، ترجمته في «معجم الشيوخ» لعبد الحفيظ بن محمد الطاهر بن عبد الكبير الفاسي ١/ ٦٥.
[ ١٢٢ ]
وقال الحجوي في «ثبته» (^١): ذكر صاحب «الابتسام في دولة ابن هشام» أن عمر بن المكي الشرقاوي لما مات وُجد في تركته خط شمهروش هذا. قال: ولا أدري من العدلُ الذي وقع على هذا الخط العجيب ومارسه حتى عرفه. اهـ
قلتُ: لم يعلم الحجوي أن ابن تيمية ادعى أنه يعرف خط الجن، فإنه ذكر (^٢) عن بعض أصحابه ممن يعتقد ويجزم بثقته وصدقه، وهو من أصحاب القطب الدسوقي ﵁، أن شيخه المذكور كتب إليه جوابا من القبر بعد وفاته، قال ابن تيمية: وأطلعني على الكتاب المذكور، فإذا هو بخط الجن، وأنا أعرف خط الجن.
وكذب ابن تيمية فيما قال، فلا الكتاب بخط الجن، ولا هو يعرف خط الجن، وإنما ذلك كرامة لأولياء الله تعالى. وابن تيمية ممن يستحل الكذب في نصرة هواه وتدعيم رأيه ومزاعمه، كما جربناه عليه.
وقد سبق في آية ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ أن الراوي قال: فرجع الكسكاس، فإذا جوابه بخط طري لم ييبس: وعليكم السلام ورحمة الله … إلخ ما سبق.
والمقصود تأييد كتابة الجن وتصنيف شمهروش، فنرويه بأسانيدنا إليه، وإن كنا لا نعلم مما فيه إلا القليل.
الثالثة: قال البجمعوي أيضا بعدما سبق عنه ما نصه: فلا محالة إذا أن شيخ الشيخ التاودي لا يغفل الإسناد عنه، فتكون الوسائط بيني وبين رسول الله ﷺ أربعةً، إذ عهدتي الفهامة أبو العباس الشيخ أحمد الدكالي الفرجي أخذ عن السيد أحمد ابن التاودي المذكور، عن والده، عن شمهروش عنه ﷺ سماعا -، بكل مروياته سندا عاليا فلا نشك، بل تُمكن الرواية به سائر كتب الإسلام، إذ
_________________
(١) «فهرسة محمد بن الحسن الحجوي» ص ٧٣.
(٢) كما في «مجموع فتاوى ابن تيمية» ١٣/ ٩٤.
[ ١٢٣ ]
شمهروش المذكور لا يعجز أن يروي عن أئمة الإسلام وهو مسلم كما هو دأب الجن بقراءتهم على الإنس، فإنهم يقرءون على الإنس وقَلّ من يراهم منهم. فلعله لذلك لم يكن مشهورا. انتهى
قلتُ: هكذا يكون التهور والتلاعب بالرواية وإلا فلا يكن، فقد ركب من ظنه ووهمه رواية الشيخ التاودي عن شمهروش وجزم بها، ثم روى بها جازما أن بينه وبين النبي ﷺ أربع وسائط، وادعى أنه يمكن رواية جميع كتب الإسلام من طريق شمهروش، فاعجب للتهور وعدم الأمانة.
الرابعة: وقد وقع وحصل ما ظنه البجمعوي ولكن بالنسبة لبعض الكتب لا لجميعها، فأجاز لنا أبو عبد الله محمد بن إدريس القادري رواية الكتب الستة، عن شيخه شعيب الجليلي - قاضي تلمسان -، وقد أدركته ولم أحسب أن عنده رواية عن مصطفى بن أحمد الحرار الجزائري، عن محمد صالح الرضوي، عن عمر بن عبد الرسول، عن القاضي شمهروش، عن أصحاب الكتب الستة: البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
وأجازها لنا أيضا جميعها خضرُ بن الحسين، عن خاله محمد المكي بن عزوز، عن علي ابن الحفاف، عن محمد صالح الرضوي المذكور.
ورويناها أيضا بأسانيدها السابقة وغيرها إلى أبي سالم العياشي، عن عبد الجواد بن إبراهيم الطريني، عن يس المحلى، عن شمهروش؛ لكنه قال جميع ما أسند في الكتب الستة عن النبي ﷺ لا عن أصحابها.
وروينا صحيح البخاري فقط عن المكي البطاوري، عن إبراهيم بن محمد التادلي، عن محمد بن دح الزموري، عن عمر بن المكي الشرقاوي، عن شمهروش، عن البخاري.
[ ١٢٤ ]
ورأيت قديما في بعض ما أُجزت به رواية ألفية ابن مالك، من طريق شمهروش، عن ابن مالك، وضل ذلك عني، ولعله على طريقة البجمعوي من إمكان رواية جميع كتب أهل الإسلام عن أصحابها من طريق شمهروش، وقد يكون ذلك مرويا من طريق البجمعوي، إلا أني لا أستحضره الآن، والله أعلم. آخره، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، وكان الفراغ منه صبيحة الجمعة ٤ شعبان سنة سبعين وثلاثمائة وألف (^١).
_________________
(١) قال أبو عمر عدنان زُهار: وكان الفراغ من قراءته والتعليق عليه صبيحة يوم الأربعاء ١٣ شعبان ١٤٣٨ هـ، والحمد لله أولا وأخيرا.
[ ١٢٥ ]