مع أني لا أذكر إن شاء الله تعالى في هذه المشيخة طريقًا إلا بعد علمي أنه أعلى الطرق في زماني هذا، لا يدعي أحدٌ في زمننا أعلى منه إلا استدل بدعواه على كذبه أو جهله بالطرق، فإنه علمٌ لا يكاد يعرفه إلا ماهرٌ في كل حين، وهو علمٌ برأسه كالفرائض من الفقه، لا يجوز أن يقبل فيه كل أحدٍ من أهل الحديث، وليس في عصرنا من يفهمه إلا واحدٌ بالعراق كله ولم يمعن فيه، وبعض المشهورين بالشام.
وإن روى أحدٌ كتابًا أعلى مني عددًا -سماعًا أو إجازةً- علمت إمكان ذلك في زماني هذا، ولم أتمكن من مساواته بالإجازة العامة المعمول بها عند الأكثر قياسًا على الوقف، بينت أنه قد يرويه بعض الموجودين في هذه الأيام أعلى مني عددًا، وهذا إنما يكون في الكتب المصنفة في هذه الأعصار المتأخرة، كـ (مشارق الأنوار)، و(جامع الأصول)، و(مفاتيح الغيب) ونحوها، وأما في كتب الأئمة المتقدمين على هؤلاء، وفي كتب الحديث المسندة، فليس لأحدٍ أن يدعي أعلى من ذلك، سوى واحدٍ بدمشق قد عبر المائة، سمع البخاري، وفي صحة السماع عليه أنظارٌ وبحوثٌ وفوق كل ذي علمٍ عليمٍ.
[ ١ / ٨٤ ]
ولا تظنن أن قولي ذلك كله هو مجرد دعوى، فإن هذا أيضًا مما يفهمه أهل هذا الشأن، وأنه واجب القبول، مصرحٌ بعلمٍ شريفٍ من علوم الإسناد، والله أعلم.
وهذا ذكر بعض ما أرويه من الكتب على سبيل الاختصار طالبًا مشاهيرها، المتداولة بين أهل الزمان دون ما لم يعرفوه في أكثر البلدان.
وإن طول الله في العمر وسهل في الأمر كتبت مشيخةً تحتوي على مجلدات، أذكر فيها جميع شيوخي وشيوخ أولادي، إذ شاركوني في أكثر مروياتي إجازةً وسماعًا، وأذكر جميع أسانيدنا بأعلى الطرق إلى المصنفين من جميع المذاهب الأربعة، ولا أبقي كتابًا مصنفًا مشهورًا متداولًا إلا وذكرت إسنادي فيه إلى مؤلفه من جميع أصناف العلوم الشرعية والأدبية وكتب الصوفية، بحيث لا يبقى لمعرضٍ عن فضيلة طلب الإسناد عذرٌ في إعراضه، ولا لطالب رواية جميع العلوم بالإسناد مانعٌ من أغراضه إن شاء الله تعالى.
وأقدم على ذكر الكتب الآن طرفًا نزرًا من شروط رواية الحديث وآدابه وعلومه المذكورة في تلك الإجازة المشار إليها، مع إضافاتٍ قد لا آمن القلم أن يجري بها في إثباتها.
فمن الشروط التي اشترط على من يروم رواية الحديث: