بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ أبو حفص سراج الدين عمر ابن السيد علي بن عمر القزويني، المحدث الشافعي، الإمام بجامع الخليفة ببغداد، بلغه الله من فضل كرمه مآله، وختم بسعادتي الدنيا والآخرة أعماله:
أحمد الله على نعمه العظام، وأشكره على مننه الجسام، وأصلي وأسلم على نبيه محمدٍ سيد الرسل الكرام، المبعوث إلى كافة الخاص والعام، وعلى آله دعائم الإسلام، وأصحابه مبيني الشرائع والأحكام.
أما بعد:
فقد علم الأئمة الفضلاء، والمشايخ العلماء، والقادة الفقهاء -أعلى الله قدرهم ورفع في الدنيا والآخرة ذكرهم٠ أن السنة بين أئمة الحديث في القديم والحديث أن لا يسوغ لأحدٍ رواية الحديث إلا بالإسناد إلى النقلة، أهل السداد والرشاد، لزيادة شرفه بالنسبة إلى سائر العلوم، وجلالة قدره، بأنه مغير العادات والرسوم، وكيف لا وعليه مدار الأحكام الدينية، وبه يتوسل إلى الدرجات العلية، من سلكه فقد نجا، ومن تركه فقد غوى، كما بينه غير واحدٍ من علماء السلف في كتبهم المصنفة في شرف أهل الحديث المتبعين سنن الرواية والتحديث.
فلهذا تفضل جماعةٌ منهم واستجازوا مني ما لي فيه حق الرواية: قراءةً وسماعًا، أو مناولةً وإجازةً، أو كتابةً أو تأليفًا، بعد معرفة كل واحدٍ منهم بقلة بضاعتي، وصرف عمري فيما لا يعنيني وإضاعتي، فتقبلت بالمنة قولهم
[ ١ / ٨٠ ]
وأجبت بالسمع والطاعة مسؤولهم، وأجزت لكل واحدٍ منهم على حدته، ولمن أضافه في الاستجازة إلى نفسه من أهله وعشيرته، أن يروي عني ما يصل إليه ويصح لديه أنه من مقروءاتي ومسموعاتي على مشايخي، ومناولاتي ومستجازاتي منهم، وما كتبوا إلي من بلاد الإسلام بخطوطهم بعد التماسي ذلك منهم حجازًا وشامًا وعراقًا، عربًا وعجمًا، من جميع أصناف العلوم من التفاسير والأحاديث وكتب القراءات السبعة والعشرة والشواذ والأخبار والسنن والآثار.
ومن كل ما يتعلق بالعلوم الدينية، والمعارف الربانية السنية من كتب التصوف وأحوال الصوفية المتمسكين بأحوط المذاهب وأشرف المطالب، وغير ذلك من كتب الأدب نحوًا ولغةً وشعرًا، وكتب الأصول والفروع.
ومن سائر ما للرواية فيه عرفًا، ويدخل للدراية فيه شرعًا مجالٌ، وجميع ما ألفته وجمعته من علم القرآن والحديث والفقه والتاريخ والتصوف، وما سؤألفه وأرويه، معتمدًا في ذلك كله على شرائط صحة التحديث عند أرباب النقل والحديث.
وكتبت لكل منهم إجازةً، وذكرت فيها شروطًا وآدابًا، وخرجت لكتب عينتها طرقًا على قدر ملتمسه وحسب حاله، فسارت بها الركبان، واختلفت بأصحابها البلدان.
وأكثرها إملاءً من حفظي من غير تقييد نسخةٍ عندي أتلو منها، فاختلفت لذلك طرق الكتب في كل إجازةٍ، إذ قد يكون في حفظي للكتاب الواحد طرقٌ كثيرةٌ إلى مؤلفه، فيخطر ببالي في وقت كتابة بعض الإجازات طريقٌ، وفي بعضها آخر، فيقف عليهما معًا من لا خبرة له بهذا الشأن، وهو الكل إلا شرذمةٌ يسيرةٌ، وهي أقل من القليل، فلا يكاد يشك في الغلط والتناقض.
[ ١ / ٨١ ]
وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا وآفته من الفهم السقيم
وأيضًا فإني صرت محتاجًا إلى كتابة إجازةٍ في كل وقتٍ لبعض العلماء بخطي تأليفًا أتكلف فيها على قدر حاله، حيث أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، فتفرق بذلك أكثر وقتي، وشغلني عما يعنيني.