من المعلوم أن عبارات الأئمة - رحمهم الله تعالى - تختلف اختلافًا كثيرًا، من حيث التعديل المرتفع، والمتوسط، والأدنى، وكذا الجرح الشديد، والخفيف، وربما يطلق الإمام الناقد كلمةً في راوٍ، ويريد بها معنى، ويطلقها مرةً أخرى، ويريد بها معنى آخر، كما مَرَّ في مبحث مصطلحات الأئمة: إطلاقات المنكر، الحسن، الثقة.
فكيف إذن نحدد مراد الإمام، باللفظة التي نريد تنزيلها على الراوي؟ مع العلم أنه "لا يدرك مقصدهم في ألفاظهم، إلا من أدمن المطالعة، ووهب وقته للسُّنَّة، وخدمتها، مع الفحص والمقارنة، وتتبع أقوال كل محدث من المحدثين ومناسبتها، مع النظر بعين الإنصاف، والبعد عن الاعتساف" (١).
قال أبو الوليد الباجي: (فعلى هذا يَحمِل ألفاظ الجرح والتعديل، مَن فهم أقوالهم وأغراضهم، ولا يكون ذلك؛ إلا لمن كان من أهل الصناعة والعلم بهذا الشأن، وأما مَن لم يعلم ذلك، وليس عنده من أحوال المحدثين إلا ما يأخذه من ألفاظ أهل الجرح والتعديل، فإنه لا يمكنه تنزيل الألفاظ هذا
_________________
(١) المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل د. فاروق حمادة ص ٢٧٨ بتصرف.
[ ٥٠ ]
التنزيل، ولا اعتبارها بشيء مما ذكرنا، وإنما يتبع في ذلك ظاهر ألفاظهم فيما وقع الاتفاق عليه، ويقف عند اختلاف عباراتهم ..) (١).
فلابد من قرائن ترشد لمراد الإمام، "ولا يجوز الإخلال بها، مع كون الألفاظ تتغير بها أحكامها" (٢).
قال ابن كثير - ﵀ -: "والواقف على عبارات القوم يفهم مقاصدهم بما عرف من عباراتهم في غالب الأحوال وبقرائن ترشد إلى ذلك" (٣).
هذا، ولم أقف على بسط للقرائن، في رسالة، أو مبحث مستقل، إلا ما كان مِن عرض موجز لأبي الحسن مصطفى السليماني، في كتابه شفاء العليل ص ١٣٣ فقد ذكر:
١/ الاصطلاح، ٢/ اللغة، ٣/ العرف، ٤/ الاستقراء، ٥/ السياق، ٦/ فهم الأئمة.
- وأقل منه اختصارًا اللحياني في (الخبر الثابت) ص ٩٧ فقد ذكر:
١/ تفسير الناقد، ٢/ تفسير غيره من أهل الاستقراء، ٣/ مقارنته بأقواله الأخرى، ٤/ مقارنته بأقوال الأئمة، ٥/ سبر أحاديث الراوي.
- ومثله الجديع في تحرير علوم الحديث ١/ ٥٦٧ - ٥٦٨ فقد ذكر:
_________________
(١) التعديل والتجريح ١/ ٢٨٧
(٢) الواضح لابن عقيل ٣/ ٣٢٠، أفاده د. أحمد معبد في كتابه ألفاظ وعبارات الجرح والتعديل ص ٢٣.
(٣) اختصار علوم الحديث ١/ ٣٢١، الباعث الحثيث ط. العاصمة، وقد نقل العبارة السخاوي في فتح المغيث ٢/ ١١٠ ولم يعزها لابن كثير - رحم الله الجميع -، وانظر في أهمية القرائن "ألفاظ وعبارات الجرح والتعديل " لأحمد معبد ص ٢٢ - ٢٦
[ ٥١ ]
١/ نص الإمام، ٢/ دلالة قرينة في السياق، ٣/ التتبع لاستعمالات الناقد لتلك الكلمة.
وقد اجتهدت في جمع القرائن على النحو الآتي والله الموفق.
[ ٥٢ ]
القرينة الأولى: أن ينص الإمام الناقد على بيان مراده:
وهي من أقوى القرائن وأصرحها، ولا يجوز مجاوزتها إلى غيرها، فحقها التلقي التام، والقبول المطلق وترك كل فهم يخالفها (١).
ومن أمثلة تفسير الأئمة لمرادهم:
١) البخاري: قال: كل من قلت فيه: منكر الحديث، فلا تحل الرواية عنه.
ميزان الاعتدال ١/ ٦، لسان الميزان ١/ ٢٠
وقوله: إذا قلت: فلان في حديثه نظر، فهو متهم واهٍ.
سير أعلام النبلاء ١٢/ ٤٤١
وقوله: كل من لم أبين فيه جُرْحَةً، فهو على الاحتمال، وإذا قلت: فيه نظر: فلا يحتمل. قاله في التاريخ.
تهذيب الكمال ١٨/ ٢٦٥
٢) أبو حاتم: إذا قال: (صالح الحديث)، أي يكتب حديثه للاعتبار.
كما نص في الجرح والتعديل ١/ ٣٧
٣) قال أبو زرعة الدمشقي: قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم: ما تقول في علي بن حوشب؟ قال: لا بأس به، قلت: ولم لا تقول: ثقة، ولا نعلم إلا خيرًا؟ قال: قد قلت لك: إنه ثقة. ا. هـ
تهذيب التهذيب ٧/ ٣١٥
٤) قال حمزة بن يوسف السهمي تلميذ الدارقطني: سألت الدارقطني:
_________________
(١) انظر: المنهج المقترح للشريف ص ٢٥٦، شرح لغة المحدث ص ٤٣.
[ ٥٣ ]
إذا قلتَ: فلان ليِّن، إيش تريد به؟ قال: لا يكون ساقطًا متروك الحديث، ولكن يكون مجروحًا بشيء، لا يسقطه عن العدالة. ا. هـ
لسان الميزان ١/ ١٣
٥) كذلك الإمام الترمذي بين مراده بإطلاق الحسن، كما في كتاب العلل من آخر الجامع ٥/ ٧٥٨.
٦) ابن الملقن في خلاصة البدر المنير، ذكر في مقدمته بأن قوله: (غريب) أي لا أعلم مَن رواه.
٧) الذهبي في الميزان فقط: ذكر أنه إذا قال: مجهول، ولم يسنده إلى قائله، فإن ذلك هو قول أبي حاتم.
ميزان الاعتدال ١/ ٦
٨) ابن حجر: ذكر في مقدمة تقريب التهذيب بأن قوله: (مقبول) أي حيث يتابع، وإلا فلين الحديث.
تقريب ص ٩٦ ط. عوامة
[ ٥٤ ]
القرينة الثانية: أن ينص تلاميذه أو مَنْ بعده مِنْ الأئمة على بيان المراد
من أمثلة ذلك:
١) قال قرة بن خالد السدوسي في ابن السائب الكلبي: كان يَزْرِف، قال ابن أبي حاتم: يعني يكذب.
الجرح والتعديل
٢) قال أبو حاتم (١): سألت ابن معين عن سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، فلم يعرفه.
قال ابن أبي حاتم: يعني لم يعرفه حق المعرفة.
الجرح ٤/ ٢٩
٣) قال ابن عدي (٢) في الكامل ٢/ ٥٨٤: وكان ابن معين إذا لم يكن له علم ومعرفة بأخباره ورواياته، يقول: لا أعرفه.
٤) قال الإمام أحمد عن حديث (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا) بأنه: منكر.
قال الأثرم: يعني خطأ.
تهذيب الكمال ٢٣/ ٢٢١، منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث ٢/ ٧٩٦
٥) قال الذهلي عن حجاج الصواف: (متين)، قال ابن خزيمة: يريد أنه ثقة حافظ.
تهذيب التهذيب ٢/ ٢٠٣
_________________
(١) أفاده في شفاء العليل ص ٥١٨.
[ ٥٥ ]
٦) قال البخاري: (مقارب الحديث)، قال عبد الحق الأشبيلي في كتاب التهجد: يريد أن حديثه يقرب من حديث الثقات، أي لا بأس به. ا. هـ
إرواء الغليل ٢/ ١٠، ١/ ٢٥٤
٧) ذكر ابن القطان الفاسي أن مراد ابن معين بقوله في بعض الرواة: ليس بشيء، يعني: أن أحاديثه قليلة جدًا.
هدي الساري ص ٤٢٠ - ٤٢١
٨) تفسير ابن القطان الفاسي كلمة (شيخ) في إطلاقات الأئمة، قال: "هذه اللفظة يطلقونها على الرجل إذا لم يكن معروفًا بالرواية ممن أخذ عنه، وإنما وقعت له رواية الحديث أو أحاديث، فهو يرويها.
هذا الذي يقولون فيه (شيخ)، وقد لا يكون مَن هذه صفته من أهل العلم، وقد يقولونها للرجل باعتبار قلة ما يرويه عن شخص مخصوص، وإن كان مكثرًا عن غيره. ا. هـ باختصار من كتاب بيان الوهم والإيهام ٣/ ٥٣٩ أفاده اللحياني في الخبر الثابت ص ٩٨.
٩) قال الإمام أحمد: ابن أبي الزناد كذا وكذا.
قال الذهبي: يعني يلينه.
سير أعلام النبلاء ٨/ ١٦٩
وفسرها العقيلي: يعني ضعيف.
الضعفاء ٢/ ٣٤٠، أفاده في ضوابط الجرح والتعديل، عند الذهبي لمحمد الثاني ٢/ ٨٥٣
١٠) قال البخاري: سكتوا عنه.
قال الذهبي: بمعنى تركوه.
الموقظة ص ٨٣
[ ٥٦ ]
١١) تفسير ابن حجر المنكر عند الإمام أحمد.
هدي الساري ص ٤٣٧ وص ٤٥٣
١٢) قال ابن عدي: أرجو أن لا بأس به.
قال المعلمي: هذه الكلمة رأيت ابن عدي يطلقها في مواضع تقتضي أن يكون مقصودة: أرجو أنه لا يتعمد الكذب. ا. هـ
في تحقيقه للفوائد المجموعة ص ٣٥
١٣) قال الخليلي في عباس بن محمد بن حاتم: متفق عليه.
قال ابن حجر: يعني على عدالته، وإلا فالشيخان لم يخرجا له.
تهذيب التهذيب ٥/ ١٣٠
١٤) قال البخاري: مشهور الحديث.
قال المعلمي: يريد - والله أعلم - مشهور عمن روى عنهم، فما كان فيه من إنكار فمن قِبَلِه. ا. هـ
التنكيل ١/ ٢٠٦
[ ٥٧ ]
القرينة الثالثة: أن يُعلم بالتتبع والاستقراء لعبارة الإمام
يصل الباحث إلى درجةٍ يطمئن إليها، في فهمه لعبارة الناقد، بعد أن يتتبعها في سائر كتبه، وكتب الرجال.
لذلك برزت دقة أحكام الحافظ الذهبي في الرجال، نتيجة لمنهجه الاستقرائي. وقد وصفه بهذا الحافظ ابن حجر (١) قال عنه: "وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال"، وهذا المنهج لا يقوم به إلا من كان من أهل الاختصاص، والعلم بهذا الفن (٢).
ولما ذكر الذهبي الحاجة إلى تحرير عبارات الجرح والتعديل قال: " ثم أهم من ذلك أن نعلم بالاستقراء التام، عُرف ذلك الإمام الجهبذ، واصطلاحه، ومقاصده بعباراته الكثيرة" (٣).
وانظر أمثلة لنتيجة استقرائية في:
سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٦٠، الموقظة ص ٨٣ ط. أبي غدة ميزان الاعتدال ٤/ ٤٨٣، هدي الساري ص ٤٥٣.
ولذهبي العصر عبد الرحمن المعلمي ت ١٣٨٦ هـ - ﵀ - أقوال محررة، وأحكام دقيقة، بعد تتبعه في كتب الرجال، وطول ممارسته لهذا العلم، فانظر مثلًا: التنكيل، ورسالة منصور السماري عن المعلمي وجهوده في السنة ورجالها ص ٢٣٢ - ٢٤٩، وكتاب بلوغ الأماني من كلام المعلمي اليماني
_________________
(١) نزهة النظر ص ٧٣.
(٢) انظر: المنهج المقترح للشريف ص ٢٤٥، شرح لغة المحدث لطارق عوض الله ص ٤٤.
(٣) الموقظة ص ٨٢ ط. أبي غدة، ص ٦٢ ط. عمرو عبد المنعم، ص ٣٢٠ كفاية الحفظة شرح الموقظة للهلالي.
[ ٥٨ ]
للنجار ص ١٢٣.
وكذا الإمام الألباني - ﵀ - في سائر كتبه. وانظر مثلًا: تمام المنة ص ٢٠٣.
وللمعاصرين عدة أبحاث، حصل فيها التتبع والاستقراء من أمثلة ذلك:
١) مصطلحات الجرح والتعديل المتعارضة د. جمال أسطيري ١/ ٤٦٦، ١/ ٤٢٩ - ٤٣٠.
٢) الحديث الحسن لذاته ولغيره دراسة استقرائية نقدية.
د. خالد الدريس ط. في ٥ مجلدات.
انظر خلاصة إطلاقات الحسن ٢/ ٩٧٩ - ١٠٠٢.
٣) ضوابط الجرح والتعديل عند الذهبي لمحمد الثاني، انظر مثلًا ٢/ ٨٥٨ ط. مجلدان.
٤) قول البخاري (سكتوا عنه) د. مسفر الدميني ط. الأولى ١٤١٢ هـ.
٥) إطلاقات المنكر عند الإمام أحمد، انظر: منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث د. بشير علي عمر ٢/ ٧٨٢.
٦) ابن عدي ومنهجه في الكامل د. زهير عثمان ط. في مجلدين.
٧) آراء ابن القطان في مصطلح الحديث من خلال كتابه بيان الوهم الإيهام لأبي سفيان مصطفى باحو.
٨) الإمام ابن خزيمة ومنهجه في كتابه الصحيح، د. الكبيسي ط. مجلدان.
٩) الإمام علي بن المديني ومنهجه في نقد الرجال، لإكرام الله إمداد الحق. مجلد.
[ ٥٩ ]
١٠) الحافظ السخاوي وجهوده في الحديث وعلومه، د. العماش ط. مجلدان.
١١) يحيى بن معين وكتابه التاريخ، د. أحمد محمد نور سيف، انظر ١/ ٢٠٤.
١٢) الإمام الترمذي ومنهجه في الجامع د. عداب الحمش ط. ٣ مجلدات.
١٣) الموسوعة العلمية الشاملة عن الإمام الحافظ يعقوب بن شيبة السدوسي. د. علي الصياح. ط. ٤ مجلدات.
١٤) الإمام البوصيري ومنهجه في الدراسات الحديثية د. مشعل الحدادي ط. مجلد.
١٥) الصناعة الحديثية في كتاب شرح الآثار للطحاوي للشرمان ط. مجلد.
[ ٦٠ ]
القرينة الرابعة: أن يعلم مراد الإمام، بمعرفة حاله وحال الراوي مع النظر في سياقه لعبارته.
قد يخرج الحكم من الإمام مخرج جرح الأقران، والمعروف أن يُطوى ولا يُروى (١).
وقد يكون سببه التحامل المذهبي، والخلاف في المعتقد، مثل جرح الجوزجاني لمتشيعه الكوفة، وابن خراش لأهل الشام (٢).
ومثل ما حكاه ابن أبي حاتم في الجرح ٧/ ١٩١ من ترك أبي حاتم وأبي زرعة حديث البخاري من أجل مسألة اللفظ (لفظي بالقرآن مخلوق) ولا تصح عنه - ﵀ - كما نفاها عن نفسه (٣).
قال ابن حجر: ابن سعد يقلد الواقدي، والواقدي على طريقة أهل المدينة، في الانحراف على أهل العراق، فاعلم ذلك ترشد (٤).
_________________
(١) انظر: لسان الميزان ١/ ١٦، وتعليق المعلمي في التنكيل ١/ ٥٧ - ٥٨، الموقظة ص ٦٣، جامع ابن عبد البر، اليواقيت والدرر للمناوي ٢/ ٣٦٨، الرفع والتكميل ص ٤١٠، توضيح الأفكار ٢/ ٢٧٧، نظرية نقد الرجال د. الرشيد ص ٢٢٦ - ٢٣٩، دراسات في الجرح والتعديل د. الأعظمي ص ١٠٥ - ١٠٦، ميزان الاعتدال ٣/ ٦٠٧، مصطلحات الجرح والتعديل المتعارضة د. أسطيري ١/ ١٢٣ - ١٢٨، ص ١٦٦، كلام الأقران بعضهم في بعض لأبي سفيان مصطفى باحو ط. دار الضياء، الكفاية للخطيب ص ١٣٦.
(٢) انظر: مصطلحات الجرح والتعديل المتعارضة د. أسطيري ١/ ١٦٨ - ٢٠٥، لسان الميزان ١/ ١٦، الرفع والتكميل ص ٣٠٨، قواعد في الجرح والتعديل للسعد (أشرطة مفرغة) القاعدة السادسة، علم أصول الجرح والتعديل د. أبو لاوي ص ٢٨٤.
(٣) انظر: سير أعلام النبلاء ١٢/ ٤٥٧، اليواقيت والدرر للمناوي ٢/ ٣٧٥ - ٣٧٦.
(٤) هدي الساري ص ٤٤٣.
[ ٦١ ]
• وقد يقول أحدهم: فلان الصدوق في سبيل التهكم (١).
• وقد يكون له لقب يوهم في الحكم عليه، مثل:
- عبد الكريم الضال، وهو رجل فاضل، لكنه لقب، لأنه ضل في طريق مكة.
- عبد الله بن محمد الضعيف: كان ضعيفًا في جسمه لا في حديثه، وقيل لقب من باب الأضداد؛ لشدة إتقانه وضبطه، قاله ابن حبان.
- أبو الحسن يونس بن يزيد القوي: وهو ضعيف، وقيل له: القوي، لعبادته (٢).
• وقد يخرج الحكم من الإمام مخرج المزاح والدعابة (٣).
• وقد يُسأل الإمام عن رجل فيحيد عن الجواب لسبب من الأسباب (٤)، مثاله:
سئل شعبة عن مجاعة بن الزبير، وكان جاره، وكان من العرب، فكان شعبة لا يعتمد عليه، وإذا سئل قال: كثير الصوم والصلاة.
قال ابن أبي حاتم: كان يحيد عن الجواب فيه، ودل حيدانه عن الجواب على توهينه.
مقدمة الجرح ١/ ١٥٤.
وانظر مثالًا آخر في ميزان الاعتدال ٢/ ٦٢٠، وتعقُّب الحافظ في اللسان.
_________________
(١) ميزان الاعتدال ٤/ ٤٨٥.
(٢) تدريب الراوي ص ٢٩٠ أفاده في شفاء العليل ص ٥٤١.
(٣) انظر: تاريخ بغداد ٢/ ٢١٢، تذكرة الحفاظ ١/ ٣٨٠، سير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٤٦، أفاده في ضوابط الجرح والتعديل عند الذهبي ٢/ ٧٨٠، وانظر علم أصول الجرح والتعديل د. أبو لاوي ص ٢٨٤.
(٤) شفاء العليل ص ٥٤٢.
[ ٦٢ ]
ويقولون في الحيدة عن الجواب: فلان رجل، من الناس، فلان هو كما شاء الله، كان رجلًا من العرب (١).
عُلِمَ من هذا أن معرفة حال الراوي، معين على فهم مراد الأئمة بعباراتهم،
قال شعبة: كان يزيد بن أبي زياد رفاعًا. الجرح ٩/ ٢٦٥.
قال الذهبي: يعني الآثار التي هي من أقوال الصحابة، يرفعها.
سير أعلام النبلاء ٦/ ١٣٠.
فقد صدر هذا التفسير من الذهبي؛ بناءً على معرفته بحال يزيد، ووقوفه على كلام الأئمة النقاد (٢).
وقول يحيى بن سعيد لعبيد الله: (تكتب كذبًا كثيرًا) لما قال له: أذهب إلى وهب بن جرير أكتب السيرة.
الضعفاء للعقيلي ٤/ ٢٥.
انظر تفسيره من الحافظ الذهبي في السير ٧/ ٥٢ (٣).
قال ابن معين: سويد بن سعيد مات منذ حين.
قال الذهبي: عنى أنه مات ذكره لِلِينه، وإلا فقد بقي سويد بعد يحيى سبع سنين.
السير ١١/ ٤١٢ (٤).
_________________
(١) شفاء العليل ص ٥٤٣.
(٢) ضوابط الجرح والتعديل عند الذهبي للثاني ٢/ ٨٦٦.
(٣) المرجع السابق ٢/ ٨٦٧.
(٤) المرجع السابق ٢/ ٨٦٨ وما بعدها فقد ذكر أمثلة أخرى.
[ ٦٣ ]
سئل الإمام أحمد عن الإمام الأوزاعي، فقال: (حديث ضعيف ورأي ضعيف).
علق الذهبي على هذا بقوله: يريد أن الأوزاعي حديثه ضعيف، من كونه يحتج بالمقاطيع وبمراسيل أهل الشام، وفي ذلك ضعف، لا أن الإمام في نفسه ضعيف.
السير ٧/ ١١٤ (١).
• ومن معرفة حال الراوي، أن الإمام الناقد قد يريد بعبارته حالًا دون حال، إما بعد اختلاط الراوي، أو ما حدث به في بلد دون بلد، أو رواية أهل بلد خاصة، أو شيوخ معينين.
قال الجرجاني: قد يخطر على قلب المسئول عن الرجل، من حاله في الحديث وقتًا، ما ينكره قلبه، فيخرج الجواب على حسب النكرة التي في قلبه، ويخطر له ما يخالفه في وقت آخر، فيجيب على ما يعرفه في الوقت منه، ويذكره، وليس ذلك تناقضًا، ولا إحالة، ولكنه قول صدر عن حالين مختلفين، يعرض أحدهما في وقت، والآخر في غيره (١).
وقد يحكم على سماع أحاديث قليلة للراوي، فيحكم عليه بالتوثيق، ثم ترد عليه من أحاديثه؛ ما يغير حكمه إلى الجرح (٢).
مثال اختلاف أحوال الراوي:
- حديث معمر في البصرة، فيه اضطراب. السير ٧/ ١٢
_________________
(١) جواب المنذري على أسئلة الجرح والتعديل ص ٨٩ وانظر التنكيل ١/ ٥٧.
(٢) سؤالات ابن الجنيد لابن معين رقم (٨٨٧)، تهذيب التهذيب ٩/ ٤١٨.
[ ٦٤ ]
- حديث العراقيين عن هشام، أوهام تحتمل. السير ٦/ ٤٦.
- إسماعيل بن عياش حديثه عن الحجازيين والعراقيين لا يحتج به، وحديثه عن الشاميين صالح من قبيل الحسن (١). السير ٨/ ٣٢١.
قال ابن القيم: " طريقة أئمة الحديث العالمين بعلله، يصححون حديث الرجل، ثم يضعفونه بعينه في حديث آخر، إذا انفرد أو خالف الثقات؛ ومن تأمل هذا وتتبعه رأى منه الكثير، فإنه يصححون حديثه لمتابعة غيره له، أو لأنه معروف الرواية صحيح الحديث عن شيخ بعينه، ضعيفها في غيره.
وفي مثل هذا يعرض الغلط لطائفتين من الناس:
١) طائفة تجد الرجل قد خرج حديثه في الصحيح وقد احتج به فيه، فحيث وجدوه في حديث قالوا: هذا على شرط الصحيح، وأصحاب الصحيح يكونون قد انتقوا حديثه، ورووا له ما تابعه فيه الثقات، ولم يكن معلولًا، ويتركون من حديثه المعلول، وما شذ فيه، وانفرد به عن الناس، وخالف فيه الثقات، أو رواه عن غير معروف بالرواية عنه، ولاسيما إذا لم يجدوا حديثه عند أصحابه المختصين به، فإن لهم في هذا نظرًا واعتبارًا، اختصوا به عمن لم يشاركهم فيه؛ فلا يلزم حيث وجد حديث مثل هذا، أن يكون صحيحًا، ولهذا كثيرًا ما يعلل البخاري ونظراؤه حديث الثقة؛ بأنه لا
_________________
(١) وانظر: شرح العلل لابن رجب ٢/ ٥٥٢، ضوابط الجرح والتعديل للعبد اللطيف ص ٨٤ - ٨٩ وص ٦٧ - ٦٨، الجرح والتعديل للاحم ص ٤٣٨، مصطلحات الجرح والتعديل المتعارضة ١/ ٤٦٩ - ٥٢١ و٢/ ٦٣٣، ٦٩١ - ٧٢٢، قواعد الجرح والتعديل للسعد (أشرطة مفرغة) القاعدة الحادية عشر.
[ ٦٥ ]
يتابع عليه.
٢) والطائفة الثانية، يرون الرجل قد تكلم فيه؛ بسبب حديث رواه، وضعف من أجله، فيجعلون هذا سببًا لتضعيف حديثه أين وجدوه، فيضعفون من حديثه، ما يجزم أهل المعرفة بالحديث بصحته، وهذا باب قد اشتبه كثيرًا على غير النقاد.
والصواب: ما اعتمده أئمة الحديث ونقاده، من تنقية حديث الرجل، وتصحيحه، والاحتجاج به في موضع، وتضعيفه وترك حديثه في موضع آخر، وهذا فيما إذا تعددت شيوخ الرجل ظاهر، كإسماعيل بن عياش في غير الشاميين؛ وسفيان بن حسين في غير الزهري، ونظائرهما متعددة، وإنما النقد الخفي إذا كان شيخه واحدًا، كحديث العلاء بن عبد الرحمن مثلًا عن أبيه عن أبي هريرة - ﵁ - فإن مسلمًا يصحح هذا الإسناد، ويحتج بالعلاء، وأعرض عن حديثه في الصيام بعد انتصاف شعبان، وهو من روايته، وعلى شرطه في الظاهر، ولم ير إخراجه لكلام الناس في هذا الحديث، وتفرد وحده به، =
= وهذا أيضًا كثير، يعرفه من له عناية بعلم النقد، ومعرفة العلل، وهذا إمام الحديث البخاري، يعلل حديث الرجل؛ بأنه لا يتابع عليه، ويحتج به في صحيحه، ولا تناقض منه في ذلك. ا. هـ (١).
ومن التضعيف النسبي ما قال ابن حجر في هدي الساري ص ٣٩ - ٤٠ في ترجمة (عبد ربه بن نافع الكناني): " احتج الجماعة به سوى الترمذي والظاهر أن تضعيف من ضعفه إنما هو بالنسبة إلى غيره من أقرانه كأبي عوانة وأنظاره".
_________________
(١) تهذيب السنن ٥/ ٣٢٦، وانظر الفروسية ص ٢٣٨ - ٢٤٢ ط. مشهور، وفي هذا الموضوع رسالة د. صالح الرفاعي (الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم) في مجلد، رسالة ماجستير ١٤٠٧ هـ، وانظرشرح العلل لابن رجب ٢/ ٥٥٢.
[ ٦٦ ]
وقد يقول الناقد في راوٍ: له غلط كثير. ولا يريد به الكثرة المعروفة، وإنما يقصد كثرة بالنسبة لراوٍ آخر (١).
وأما أهمية معرفة السياق الذي ورد فيه كلام الإمام الناقد (٢)؛ لتحديد مراده:
" فينبغي أن تعلم أن كلام المحدث في الراوي يكون على وجهين:
١) أن يُسأل عنه، فيجيل فكره في حاله، في نفسه وروايته، ثم يستخلص من مجموع ذلك معنى يحكم به.
٢) أن يستقر في نفسه هذا المعنى، ثم يتكلم في ذاك الراوي، في صدد النظر في حديث خاص من روايته.
فالأول: هو الحكم المطلق، الذي لا يخالفه حكم آخر مثله، إلا لتغير الاجتهاد.
وأما الثاني: فإن كثيرًا ما ينحى به، نحو حال الراوي في ذاك الحديث ثم ذكر أمثلة" (٣).
_________________
(١) انظر مثالًا في المعرفة والتاريخ للبسوي ٢/ ١٦٣، وعنه الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم للرفاعي ص ٢٩، وانظر شفاء العليل ص ٥٣٣، تحرير علوم الحديث ١/ ٤٦٥ - ٤٦٩.
(٢) انظر: ضوابط الجرح والتعديل للعبد اللطيف ص ٨٩ - ٩٠، الإمام ابن المديني ومنهجه في الرجال ص ٥٣١، الجرح والتعديل لللاحم ص ٤٣٦ - ٤٣٨، ظفر الأماني للكنوي ص ٨٤ - ٨٥. فائدة: / ذكر الماوردي في (أدب الدنيا والدين) ص ٨٤ أسباب خفاء المعاني، وذكر أن الكلام إما أن يكون مستقلًا بنفسه أو مقدمة لغيره أو نتيجة لغيره الخ. وهذا يدل على أهمية معرفة السياق لبيان خفاء المعنى أو تحديد المراد.
(٣) التنكيل للمعلمي ١/ ٣٦٣.
[ ٦٧ ]
"وقد يذكر لأحد الأئمة، قول إمام آخر في أحد الرواة، فيجيب بما ظاهره تضعيف الراوي، وفي الحقيقة، إنما يقصد تضعيف قول ذاك الإمام، انظر مثالًا على ذلك في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٤/ ٤٠ (١).
قال ابن الوزير اليماني - ﵀ -: " أهل مراتب الاستشهاد في مراتب التعديل ومراتب التجريح، هُم هم، ولكن إذا سئل أحد الأئمة عن أحد هؤلاء مقرونًا بغيره من الضعفاء، رفعه عن الضعيف بعبارة تعديل، وإن لم يكن قد ثبته، فهؤلاء أهل مراتب التعديل.
وإذا سئل عن أحد هؤلاء، مقرونًا بأحد الثقات، ضعف هذا الراوي، وإن لم يكن قد أسقطه، فهؤلاء أهل مراتب التجريح " (٢) ا. هـ بمعناه.
قال أبو الوليد الباجي - ﵀ -: " واعلم أنه قد يقول المعدِّل: فلان ثقة، ولا يريد به أنه ممن يحتج بحديثه، ويقول: فلان لا بأس به، ويريد أنه يحتج بحديثه؛ وإنما ذلك على حسب ما هو فيه، ووجه السؤال له، فقد يُسأل عن الرجل الفاضل في دينه، المتوسط في حديثه، فيقرن بالضعفاء، فيقال: ما تقول في فلان وفلان؟ فيقول: فلان ثقة، يريد أنه ليس من نمط من قرن به، وأنه ثقة بالإضافة إلى غيره .. " (٣).
نقل هذا الكلام ابن حجر في اللسان ١/ ١٧ ثم السخاوي في فتح المغيث ٢/ ١٢٧، ثم المعلمي في التنكيل ١/ ٦٥ مع إضافات عليه (٤).
_________________
(١) أفاده في شفاء العليل ص ٥٢٢.
(٢) توضيح الأفكار للصنعاني، أفاده في شفاء العليل ص ٢٨٢.
(٣) التعديل والتجريح ١/ ٢٨٣، وانظر المثال على ذلك تاريخ الدارمي عن ابن معين ص ٦٢٣، وتهذيب التهذيب ٨/ ١٦١.
(٤) وانظر: التسهيل في علم الجرح والتعديل لإبراهيم السعيد خليل ص ٢١٧، شفاء العليل ص ١٣٣، الرفع والتكميل ص ٢٦٣، الجرح والتعديل لللاحم ص ٤٤٣ - ٤٤٤.
[ ٦٨ ]
قال المعلمي - ﵀ -: " قول المحدث: رواه جماعة ثقات حفاظ، ثم يعدهم لا يقتضي أن يكون كل من ذكره، بحيث لو سئل عنه ذاك المحدث وحده، لقال: ثقة حافظ.
هذا ابن حبان قصد أن يجمع الثقات في كتابه، ثم قد يذكر فيهم من يلينه، هو نفسه في الكتاب نفسه (١).
وهذا الدارقطني نفسه ذكر في السنن ص ٣٥، حديثًا فيه "مسح الرأس ثلاثًا" وهو موافق لقول أصحابه الشافعية، ثم قال: خالفه جماعة من الحفاظ الأثبات فعدهم، وذكر فيهم: شريكًا القاضي، وأبا الأشهب جعفر بن الحارث، والحجاج بن أرطاة، وجعفرًا الأحمر، مع أنه قال ص ١٣٢: (شريك ليس بالقوي فيما يتفرد به)، وجعفر بن الحارث لم أر له كلامًا فيه، ولكن تكلم فيه غيره من الأئمة، كابن معين والنسائي.
وحجاج بن أرطاة قال الدارقطني نفسه، في مواضع من السنن: لا يحتج به، وفي بعض المواضع: ضعيف.
وجعفر الأحمر: اختلفوا فيه، وقال الدارقطني كما في التهذيب: يعتبر به، وهذا تليين كما لا يخفى.
ونحو هذا قول المحدث: شيوخي كلهم ثقات، أو شيوخ فلان كلهم ثقات، فلا يلزم من هذا، أن كل واحد منهم بحيث يستحق أن يقال له بمفرده، على الإطلاق: هو ثقة، وإنما ذكروا الرجل في جملة مَن أطلقوا عليهم ثقات، فاللازم أنه ثقة في الجملة، أي له حظ من الثقة، وقد تقدم في القواعد، أنهم
_________________
(١) علق الألباني - ﵀ - بذكر أمثلة مثل: عبيد الله بن الأخنس غيره.
[ ٦٩ ]
ربما يتجوزون في كلمة ثقة، فيطلقونها على من هو صالح في دينه، وإن كان ضعيف الحديث، أو نحو ذلك (١)، وهكذا قد يذكرون الرجل في جملة من أطلقوا أنهم ضعفاء، وإنما اللازم أن له حظًا ما، من الضعف، كما تجدهم يذكرون في كتب الضعفاء، كثيرًا من الثقات الذين تُكُلِّم فيهم أيسر كلام (٢). ا. هـ
وقد يُسأل الإمام عن الراوي، فيوثق غيره، فهذا تضعيف للمسئول (٣).
_________________
(١) انظر فيما سبق ص (٢٧).
(٢) التنكيل ١/ ٣٦٢ - ٣٦٣.
(٣) المعلمي في تعليقه على الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣/ ٥٥٥.
[ ٧٠ ]
القرينة الخامسة: أن يعلم مراد الإمام الناقد بطريق الرجوع إلى كتب اللغة والأمثال
إن أئمة الجرح والتعديل - ﵏ - عرب أقحاح، يسيرون في ألفاظهم ومخاطباتهم على سَنَنِ العَربِ، ولهجاتهم، خاصةً فيما يكون له مساس بالعلم والمدارسة.
ففي ألفاظهم مراعاة اللغة من جانب (١)، والمواضعة والاصطلاح المعروف في زمانهم، من جانب آخر، مع إدراكهم فهم المخاطب (٢)، واستيعابه موجز الخطاب، ولطيف الإشارة.
ومن فصاحة ألفاظهم " أن يكون بينها وبين معانيها مناسبة ومطابقة.
والمطابقة: أن تكون الألفاظ كالقوالب لمعانيها.
والمناسبة: أن يكون المعنى يليق ببعض الألفاظ، إما لعرف مستعمل، أو لاتفاق مستحسن.
قال بعض البلغاء: لا يكون البليغ بليغًا، حتى يكون معنى كلامه، أسبق إلى فهمك، من لفظه إلى سمعك" (٣).
وإن وجد في بعض عباراتهم خفاء، فذلك لأسباب ثلاثة:
١) أن يكون سببه، تقصير اللفظ عن المعنى، فيذكر اختصارًا، معتمدًا على فهم المخاطب.
_________________
(١) (١) يُنظر: تاريخ آداب العرب للرافعي ١/ ٢٢٩
(٢) قال الجاحظ: للعرب إقدام على الكلام ثقة بفهم المخاطب من أصحابهم. (الحيوان ٥/ ٣٢)
(٣) أدب الدنيا والدين للماوردي ت ٤٥٠ هـ ص ٤٤٤ بتصرف يسير.
[ ٧١ ]
٢) أو زيادته على المعنى، معتمدًا على فهم المخاطب أيضًا.
٣) أو لمواضعه يقصدها المتكلم بكلامه.
والمواضعة إما أن تكون:
١) عامة: كمواضعة العلماء فيما جعلوه ألقابًا لمعانٍ.
٢) أو خاصة: كمواضعة واحدٍ من العلماء" (١) ا. هـ بمعناه.
فمن مجاري كلام العرب وسَنَنِها في التخاطب:
- نفي الشيء جملة من أجل عدم كمال صفته (٢).
- الإضمار، إيثارًا وثقة بفهم المخاطب (٣).
- التكرير والإعادة لإظهار العناية بالأمر (٤).
* ومن أمثلة الإفادة من اللغة والأمثال ما يلي:
- وصف بعض الرواة بأنه (كنز) كما في تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٢٢، ٢/ ٤٩٣، ٤/ ١٣٣٥ (٥).
ثم تجد المعنى عند العرب ما ذكره ابن منظور: نقلًا عن العلاء بن عمرو الباهلي: وتسمي العرب كل كثير مجموع يتنافس فيه، كنزًا (٦).
- وقول الأئمة: فلان ثقة بخ بخ (٣).
_________________
(١) أدب الدنيا والدين للماوردي ص ٧٨ وما بعدها بتصرف واختصار.
(٢) فقه اللغة للثعالبي ٢/ ٥٨٥، الصاحبي لابن فارس ص ٤٣٥.
(٣) فقه اللغة ٢/ ٥٩٠، الصاحبي ص ٣٨٨.
(٤) فقه اللغة ٢/ ٦٤٩، الصاحبي ص ٣٤١، المزهر للسيوطي ١/ ٣٣٢
(٥) أفاده في شفاء العليل ص ٥١، ص ٥٨.
(٦) لسان العرب ٥/ ٤٠١.
[ ٧٢ ]
قال ابن منظور: كلمة تقال عند تعظيم الإنسان، وعند التعجب من الشيء، وعند المدح والرضا بالشيء، وتكرر للمبالغة.
- قال ابن إدريس في شعبة: "قبان الحديث"
القبان: أي القسطاس والأمين كما في القاموس وفي اللسان ٣/ ٣٢٩ الذي يوزن به (١).
- الفرق بين "ليس به بأس" و"لا بأس به"
قال الصنعاني: فإنه قيل: إنه ينبغي أن يكون"لا بأس به"أبلغ من ليس به بأس؛ لعراقة (لا) في النفي.
أجيب: بأن في العبارة الأخرى قوة، من حيث وقوع النكرة في سياق النفي، فساوت الأولى في الجملة. (٢) ا. هـ
* وفي باب التشبيه:
قال مكي بن إبراهيم: سئل شعبة عن ابن عون فقال: سمن وعسل. قيل: فما تقول في هشام بن حسان؟ فقال: خَلّ وزيت. قيل: فما تقول في أبي بكر الهذلي؟ قال: دعني لا أقيء به (٣).
- ومنه قولهم: فلان مُوْدٍ: أي هالك، وتأتي مشددة مهموزة، مُؤدٍّ: فتعني أنه يؤدي ما سمع (٤).
- ومنه قول يحيى بن سعيد القطان: (ما رأيت الصالحين في شيء،
_________________
(١) شفاء العليل ص ٣٤ وص ١٣٤، شرح ألفاظ التوثيق النادرة ص ٨١.
(٢) توضيح الأفكار ٢/ ٢٦٥.
(٣) سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٢٠ أفاده في شفاء العليل ص ٢٣٥.
(٤) فتح المغيث للسخاوي ٢/ ١٢٨ وتعليق المحقق عليه. ط. علي حسن علي.
[ ٧٣ ]
أكذب منهم في الحديث) أي: لكثرة وهمهم، وفحش أخطائهم، وذلك لاشتغالهم بالعبادة، وعدم تعاهدهم للحديث، مما يؤدي إلى كثرة اضطرابهم (١).
قال ابن حبان: وأهل الحجاز يسمون الخطأ كذبًا (٢).
وقد استخدم المحدثون في النقد، عدة أمثالٍ مشهورةٍ في لغة العرب، من ذلك:
١) أحد الأحدين.
مجمع الأمثال للميداني ١/ ٢٨٢، الجرح لابن أبي حاتم ١/ ٢٣.
٢) أجرأ من خاصي الأسد.
الميداني ١/ ١٨٢، تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٩٤، السير ١٦/ ٤٥٣.
٣) أخسر من حمالة الحطب.
الميداني ١/ ٢٥٦، تهذيب التهذيب ١٠/ ٤٤٥، الجرح ٨/ ٤٧٩.
٤) حاطب ليل.
الميداني ٢/ ٢٦١، لسان الميزان ٥/ ٣٧٦.
٥) حديث خرافة.
الميداني ١/ ١٩٥، ميزان الاعتدال ١/ ٦٠، ٣٣٢.
_________________
(١) شفاء العليل ص ١١٩، شرح العلل لابن رجب / .
(٢) الثقات ٦/ ١١٤، وانظر: الروض الباسم لابن الوزير ص ٨٢، وعنه حاشية الرفع والتكميل ص ١٦٨، ضوابط الجرح والتعديل للعبد اللطيف ص ١٩٢، وانظر ما سبق ص (١٢).
[ ٧٤ ]
٦) حية الوادي
ثمار القلوب للثعالبي ص ٤٢٢، تاريخ بغداد ١١/ ٤٦٣.
٧) عصا موسى تلقف ما يأفكون.
ثمار القلوب، سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٢" (١).
٨) قولهم: (على يدي عدل) ظاهرها التعديل، لكن بالرجوع إلى المثل المعروف عندهم، يُعلم أنها من عبارات التجريح.
قال أبو بكر الأنباري: قال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: العدْل هو: العدْل بن سعد العشيرة، وكان على شُرَط تُبَّع، وكان تُبَّع إذا أراد قتل رجل، دفعه إليه، فجرى المثل به في ذلك الدهر، فصار الناس يقولون لكل شيء ييأسون منه: هو على يَدَي عدل ا. هـ (٢)
٩) (فلان باقعة) أي حذر محتال حاذق.
الزاهر للأنباري ٢/ ٩٤.
_________________
(١) أفدته من كتاب (دراسات في منهج النقد عند المحدثين) د. محمد العمري، انظر: ص ٢٩٣ إلى ص ٣٠٤، وانظر: شرح ألفاظ التعديل النادرة وشرح ألفاظ التجريح النادرة كلاهما للدكتور: سعدي الهاشمي.
(٢) الزاهر في معاني كلمات الناس للأنباري ت ٣٢٨ هـ ٢/ ٤٧، وأحال محققه د. حاتم الضامن إلى: إصلاح المنطق ص ٣١٥، وشرح أدب الكاتب ص ١٥٩، الفاخر ص ١٠٥، وانظر: فتح المغيث ٢/ ١٢٩، ضوابط الجرح والتعديل للعبد اللطيف ص ٢٠١، دراسات في منهج النقد د. العمري ص ٢٦٤ وص ٣٠٢، نظرية نقد الرجال د. الرشيد ص ٣١٥، ومجمع الأمثال للميداني ٢/ ٨، لسان العرب ١١/ ٤٣٦
[ ٧٥ ]
القرينة السادسة: أن يعلم مراد الإمام الناقد بطريق معرفة عادة الأئمة وعرفهم.
- قال ابن حجر: "من عادته - أي ابن عدي - أنه يخرج الأحاديث التي أنكرت على الثقة أو على غير الثقة" (١).
قال التهانوي: فلا يُغتر بقول ابن عدي عن الحديث: إنه من مناكير فلان، فيُضعف هذا الرجل، بمجرد هذا القول، لأن القصد كون الرجل قد تفرد بهذا الحديث فحسب ا. هـ (٢) بمعناه.
- قال يحيى بن معين: "إذا حدثت في بلد فيها أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني، فحق لحيتي أن تحلق" (٣).
فهذا يدل على علو شأن أبي مسهر، لأن عادة الأئمة، أن أحدهم لا يحدث في مجلس مَن هو أعلى منه قدرًا، وأجل شأنًا، وهذا من تكريم العلم والعلماء (٤).
* ومن الألفاظ ما يفهم دلالتها من عرفهم:
قولهم: (فلان كخبز الشعير) تهذيب التهذيب ٩/ ٤٤٣.
_________________
(١) هدي الساري ص ٤٢٩.
(٢) قواعد في علوم الحديث ص ٢٧٤، وانظر: الرفع والتكميل ص ٢١١، فتح المغيث ١/ ٣٤٧.
(٣) الثقات لابن حبان ٨/ ٤٠٨، شفاء العليل ص ٦٧.
(٤) شفاء العليل ص ٦٧، وانظر: كفاية الحفظة شرح الموقظة للهلالي ص ٢٨٦، الجامع للخطيب / .
[ ٧٦ ]
فهذا يدل على أن الراوي ليس من الدرجة العالية، وليس بالمتروك (١).
ومن ذلك قولهم: (هو الديباج الخسرواني) تاريخ بغداد ٩/ ١٠، ٦/ ٣٤٢.
فهذا مدح رفيع (٢).
" ومن عادة المحدثين، أنهم يذكرون في أوائل كل جزء، اسم الشيخ الذي سمع هذا الجزء، أو عرض عليه، ويذكر النسب والكنية
ثم يذكر السند إلى رسول الله ﷺ، أو لكتاب مؤلف
فكان الإمام أحمد - ﵀ - لا يكتب شيئًا من هذا؛ لأنه كان يحفظ هذه المعلومات، كما قاله أبو زرعة، وقال: أنا لا أقدر على هذا.
فهذه عادة المؤلفين، فلا يمكن أن نفهم مراد أبي زرعة على الوجه الذي أراد، إلا بمعرفة هذه الطريقة التي سلكوها.
انظر سير أعلام النبلاء ١١/ ١١٨ (٣).
_________________
(١) المصدر السابق ص ٥٤٣ - ٥٤٤.
(٢) انظر: شرح ألفاظ التوثيق النادرة ص ٤٤، وشفاء العليل ص ٣٤٥.
(٣) أفاده في شفاء العليل ص ١٧.
[ ٧٧ ]
القرينة السابعة: أن يعلم مراد الإمام بجمع كلام الأئمة في الراوي
ذكر المعلمي - ﵀ - من الأمور التي ينبغي مراعاتها عند البحث عن أحوال الرواة:
البحث عن رأي كل إمام من أئمة الجرح والتعديل، واصطلاحه، مستعينًا على ذلك بتتبع كلامه في الرواة، واختلاف الرواية عنه في بعضهم، مع مقارنة كلامه بكلام غيره (١).
"لأن هناك ألفاظًا تحتمل الحديث والفقه والعبادة وغير ذلك، فجمع كلام الأئمة في ترجمة الراوي؛ يظهر غالبًا مراد المتكلم بتلك اللفظة، المحتملة تزكية الراوي في دينه فقط، أو في زهده، أو فقهه، أو في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ومن أمثلة تلك الألفاظ: ركن الإسلام، ما قدم علينا مثله، أتعب الإبل، إمام منظور إليه، بعيد الشبيه، معدوم النظير، شيخ وقته، فلان الرضى، كان عجبًا، ساد الأقران، صدر من الصدور الخ" (٢).
ومثله ألفاظ تدل على الحفظ والضبط، دون تعرض للعدالة: كان أحد أبويه جني (كناية عن الحفظ)، حافظ كبير، كان متقنًا عجبًا، باقعة في الحفظ الخ (٣).
_________________
(١) التنكيل ١/ ٦٨، وانظر في أهمية جمع كلام الأئمة: شفاء العليل ص ٥١٦، النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة للحويني ٢/ ١٤٢ - ١٤٣، الجرح والتعديل لللاحم ص ٤٣٥، تهذيب التهذيب ١/ ٥، الرفع والتكميل ص ٣٥١، قواعد الجرح والتعديل للسعد (أشرطة مفرغة) القاعدة الخامسة.
(٢) شفاء العليل ص ٨٨ - ٩٦.
(٣) شفاء العليل ص ٩٧ - ١٠٧.
[ ٧٨ ]
وكذا ألفاظ تدل على الاجتهاد في الطلب أو سعة العلم أو الفقه أو الأدب (١).
- ولأن الأئمة - ﵏ - يعتبرون نقدهم بنقد الأئمة الآخرين، فإذا ما جمعنا كلام الأئمة، ظهر دلالة الكلمة المراد تحديد معناها، فقوى بعضها بعضًا، وفسر بعضه بعضًا" (٢).
انظر: استعمال الموازنة عند ابن أبي حاتم في الجرح ٨/ ٣٣٩ (٣).
وكذلك الإمام ابن المديني، كان يعتبر بنقد بعض النقاد من شيوخه، فيوافقهم في نقدهم للرجال، إما بذكر أقوالهم فيه، من تعديل أو تجريح، وإما بموافقتهم في حكمهم، من غير أن يصرح بأقوالهم، وإما أن لا يذكر أقوالهم، وإنما يستقرئها، ثم يستخلص من هذه الأقوال حكمًا مختصرًا
الإمام ابن المديني ومنهجه في نقد الرجال ص ٥٠٦
_________________
(١) المرجع السابق ص ١٠٨.
(٢) المرجع السابق ص ١٧، ١٣٣ - ١٣٤.
(٣) أفاده د. الدريس في (الحديث الحسن) ٤/ ١٩٤٣ - ١٩٤٤ (مهم).
[ ٧٩ ]
القرينة الثامنة: أن يعلم مراد الإمام بسبر أحاديث الراوي
فإذا ما جُمعت مرويات ذلك الراوي - خاصة الرواة المقلين من الرواية - ثم دُرس كل حديث على حِدَة، ظهر للباحث مراد الإمام - ﵀ - بعبارته النقدية، وربما تكون هذه القرينة في الوقت المعاصر من أضعف القرائن.
* * *
[ ٨٠ ]