ش: هذا أَوَانُ شُروعِهِ فيما قَصَدَهُ.
وقوله:
١١ - وَأَهْلُ هَذَا الشَّأْنِ قَسَّمُوا السُّنَنْ إلى صَحِيْحٍ وَضَعِيْفٍ وَحَسَنْ
ش: يعني أنَّ أهلَ الحديث كما صرَّح به الخَطَّابيُّ في «المعالم» (١) قَسَّمُوا الحديثَ إلى صحيح وحَسَنٍ وسَقِيم.
وهو (٢) قوله:
١٢ - فَالأَوَّلُ الْمُتَّصِلُ الإسْنَادِ بِنَقْلِ عَدْلٍ ضَابِطِ الْفُؤَاد
ش: «المُتَّصِلُ الإسناد» أَخْرَج به المنقطع، والمرْسَل، والمعضل.
و«بنقل عَدْل» أَخْرَجَ [٤ - أ] به المجهول.
و«ضابط الفؤاد»: أخرج به المُغَفَّل وإن عُرِف صدقًا وعدالة.
قلت: والفؤاد بضم الفاء، وبعده واو مهموزة، وآخره دال مهلمة، قال في «الصحاح» (٣): القلب، والجمع الأَفْئِدَة انتهى.
_________________
(١) (١/ ١١).
(٢) كذا في الأصل، ولعل صوابه: وقوله ، أو أن يعود الضمير «هو» إلى «الصحيح».
(٣) (٢/ ٣١).
[ ٣٣ ]
وقوله:
١٣ - عَنْ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ مَا شُذُوْذِ وَعِلَّةٍ قَادِحَةٍ فَتُوْذِي
ش: فأخرج بهما الشاذ والمعلَّل بقادحة (١)، وأقحم «ما» بين «غير» وما أُضِيْف إليه.
وقوله:
١٤ - وَبالصَّحِيْحِ وَالضَّعِيفِ قَصَدُوا في ظَاهِرٍ لاَ الْقَطْعَ، وَالْمُعْتَمَدُ
ش: يَعني أن قولَ المحدِّثين «حديث صحيح» أو «ضعيف» فقصدهم بالأول عملًا بظاهر الإسناد لا القطع بصحته في نفس الأمور (٢) لجواز الخطأ والنسيان على الثقة، خلافًا لحسين الكرابيسي وجماعةٍ من المحدِّثين في حكاية ابن الصَّبَّاغ في «العُدَّة» أنه يوجب العلم (٣) الظاهر، ورَدَّهُ الباقلَّاني قائلًا: إنه قولُ من لا يُحَصِّلُ عِلمَ هذا الباب، وكذا لا يُقْطَع بما أخرجه الشيخان أو أحدُهما عند المحققين خلافًا لابن الصلاح (٤).
ومَقْصدُهم بالثاني كذلك باعتبار الظاهر لا أنه كذبٌ قطعًا لجواز صدق الكاذب وإصابة المخطئ (٥).
_________________
(١) أي: بعلَّة قادحة.
(٢) كذا، ولعل صوابها: الأمر.
(٣) في الأصل: العمل. خطأ، والتصحيح من شرح الناظم.
(٤) في «معرفة أنواع علم الحديث»: (ص٢٤).
(٥) في الأصل: الخطأ. وما أثبته من عندي.
[ ٣٤ ]
و(١) قوله: «لا القطعَ».
قلت: هو بالنصب عطفًا على محل «في ظاهرٍ» أي: قصدوا الظاهرَ لا القطعَ بقولهم: «صحيح» أو «ضعيف». انتهى.
وقوله:
١٥ - إمْسَاكُنَا عَنْ حُكْمِنَا عَلى سَنَدْ بِأَنهُ أَصَحُّ مُطْلَقًا، وَقَدْ
ش: قلت هو برفع «إمساكُنا» خبرًا عن قوله: والمعتمد، انتهى. أي: والمعتمد عند أهل الحديث إمساكُهم عن الحُكْمِ على إسنادٍ مُعَيَّن بأنه أصح الأسانيد مطلقًا لِعِزَّة وجود أعلى درجات القبول في كل فَرْدٍ فَرْد من ترجمةٍ واحدة بالنسبة إلى جميع الرواة [٤ - ب].
وقوله:
١٦ - خَاضَ بهِ قَوْمٌ فَقِيْلَ مَالِكُ عَنْ نَافِعٍ بِمَا رَوَاهُ النَّاسِكُ
ش: يعني أن جماعة من أئمة الحديث خاضوا غمرة ذلك فاضَّطَرَبت أقوالهم، فقائل: أصح الأسانيد ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر النَّاسك.
قلت: والناسك وصفٌ ثابتٌ لعبد الله بن عُمَر بعد وصفه بالصالح من النبي ﷺ لقول الدراوردي (٢) عن مالك ﵁: «أفتى ابن عمر ستين سنة، وحج سبعين حجة، وأعتق ألف رأس، وحبس ألف فرس» كذا
_________________
(١) في الأصل: فقوله. وما أثبته من عندي.
(٢) في الأصل: الداوردي. خطأ.
[ ٣٥ ]
حكاه ابن دحية (١) في «مرج البحرين» (٢).
ثم قال: وذكر ابن شعبان عن مالك أنه اعتمر ألف عمرةٍ فكان ﵁ من أعلم الناس بالمناسك.
ورَوَى ابن أبي الزناد عن أبيه قال (٣): اجتمع في الحجر مصعب وعروة وعبد الله بنوا الزبير وعبد الله بن عمر فقالوا: تمنوا فقال عبد الله بن الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عني العلم، وقال مصعب: أما أنا فأتمنى إمرة العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين، وقال ابن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة فنالوا كلهم ما تمنوا ﵃.
وقوله:
١٧ - مَوْلاَهُ وَاخْتَرْ حَيْثُ عَنْهُ يُسْنِدُ الشَّافِعِيُّ قُلْتُ: وعَنْهُ أَحْمَدُ
ش: فأراد بمولاه الناسك؛ فإنه مولاه يعني سَيِّده، وخُصَّ نافع دون غيره من الرواة عن ابن عمر لأنه أكثر الرواية عنه دون غيره، وإلى هذا القول جنح البخاري.
_________________
(١) في الأصل: ديحة. ويظهر أن الصواب ما أثبتناه فابن دحية هو صاحب كتاب «مرج البحرين».
(٢) اسمه بتمامه: «مرج البحرين في أخبار المشرقين والمغربين».
(٣) انظر: «البداية والنهاية»: (٨/ ٣٥١).
[ ٣٦ ]
وقائل: زاد واحد في الأصح الأول وهو الشافعي فأصح الأسانيد ما أسنده الشافعي عن مالك (خ) (١) وإليه ذهب عبد القاهر التميمي (٢) قائلًا: لإجماع المحدثين بأنه [٥ - أ] لم يكن في الرواة عن مالك أجل من الشافعي.
وقائل: أصح الأسانيد أحمد عن الشافعي عن مالك (خ) لاتفاقهم على أن أجل من أخذ عن الشافعي من المحدثين أحمد.
قال (ش) (٣): ووقع لنا بهذه الترجمة حديثٌ واحد وذكره بسنده إلى عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثني الشافعي قال: أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا يبع بعضكم على بيع بعض، ونهى عن النَّجَش، ونهى عن بيع حَبَل الحَبَلَة، ونهى عن المُزَابَنَة» الحديث في «البخاري» مُفرَّفًا (٤) من حديث مالك.
قلت: ووقع لي بهذه الترجمة أثر بالإجازة العامة إلى ابن الصلاح في كتاب «الفتوى» بسنده إلى عبد الله بن أحمد قال: سمعت أبي يقول: سمعت الشافعي يقول: سمعت مالكًا يقول: سمعت محمد بن عجلان يقول: «إذا أَغْفَلَ العالمُ لا أدري أصيبت مَقَاتله».
_________________
(١) اختصار «إلى آخره» أي: إلى آخر السند.
(٢) «معرفة أنواع علم الحديث»: (ص١٢).
(٣) أي الشارح صاحب النظم (١/ ١٠٧).
(٤) رقم (٢١٣٩) و(٢١٤٢) و(٢١٦٥) و(٢١٧١).
[ ٣٧ ]
وقال: هذا إسنادٌ جليلٌ عزيزٌ جدًا لاجتماع أئمة المذاهب الثلاثة فيه بعضهم عن بعض وروى مالك مثله عن ابن عباس، انتهى.
قوله:
١٨ - وَجَزَمَ ابْنُ حنبلٍ بالزُّهْرِي عَنْ سَالِمٍ أَيْ: عَنْ أبيهِ البَرّ
ش: يعني أن الإمام أحمد ذهب إلى أن أصَحَّ الأسانيد محمد بن شهاب الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، ووافقه جماعة منهم إسحاق بن راهويه، انتهى.
١٩ - وَقِيْلَ: زَيْنُ العَابِدِيْنَ عَنْ أَبِهْ عَنْ جَدِّهِ وَابْنُ شِهَابٍ عَنْهُ بِهْ
ش: وقيل: أصح الأسانيد الزهري عن زين العابدين علي بن الحسين عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب، وإليه ذهب عبد الرزاق وابن أبي شيبة.
فـ «ابن شهاب» [٥ - ب] مرفوعٌ بالابتداء، وما بعده الخبر، والجملة منصوبة حالًا؛ أي: وابن شهاب عن زين العبادين به، أي: بالحديث في حال كونه راويًا الحديث عنه.
وقوله: «عن أَبِه» قلت هو بحذف الياء من الأب في لغةِ النَّقْص، على حد قوله:
بأبه اقتَدَي عديٌّ في الكرم ومن يشابه أَبَهُ فَمَا ظَلَم
[ ٣٨ ]
وزين العابدين هو: ابن الخيرتين (١) أبو الحسن، وليس للحسين عقب إلا من له ولد (٢).
قال الزهري: ما رأيت قرشيًا أفضل منه.
وقلت: ابن الخيرتين (٣) لقوله ﷺ: «لله من عباده خيرتان فخيرته من العرب قريش، ومن العَجَم فارس» (٤). لا جرم أن أمه سلافة بنت يزدجرد آخر ملوك فارس، انتهى.
وقوله:
٢٠ - أَوْ فَابْنُ سِيْريْنَ عَنِ السَّلْمَاني عَنْهُ أوِ الأعْمَشُ عَنْ ذي الشَّان
ش: قلت: السَّلْمَاني بفتح السين، وسكون اللام، وفتح الميم، وبعد الألف نون، نسبة إلى سلمان حي من مراد.
قال ابن الأثير في «الأنساب» (٥): وأصحاب الحديث يفتحون اللام، والمراد به عبيدة: صحب عليًا وابن مسعود، وروى عنهما وعن غيرهما من الصحابة،
_________________
(١) في الأصل: ابن [أبي] الخيرتين. حشو، والتصحيح من المصادر.
(٢) كذا وقعت العبارة في الأصل، وفيها خطأ ظاهر، وعبارة ابن خلكان في «وفيات الأعيان»: (٣/ ٢٦٧): وليس للحسين عقب إلا من ولد زين العابدين هذا، ويظهر لي أن المصنف أراد نقل عبارة ابن خلكان بتصرف.
(٣) في الأصل: ابن [أبي] الخيرتين. تقدم ما فيه.
(٤) أورده السيوطي في «الجامع الكبير»: (رقم ٨٢٥٤)، وعزاه للديلمي.
(٥) «اللباب»: (٢/ ١٢٧).
[ ٣٩ ]
أسلم قبل وفاة رسول الله ﷺ بسنين، وروى عنه ابن سيرين وغيره.
ويعني أن أصح الأسانيد إما الزهري (خ) (١) من قوله، وإما ابن سيرين محمد، عن عَبيدة السَّلْماني، عن علي - في الضمير المجرور-، يعني: يعود إلى جده في البيت قبله، وهو علي بن أبي طالب.
وذهب إلى هذا القول عَمرو بن الفلاس، وعلي بن المديني، وسليمان بن حرب، إلا أن عبارة ابن المديني: «أجود الأسانيد: عبد الله بن عون عن ابن سيرين عنه».
وعبارة بن حرب: «أصحها: أيوب عن ابن سيرين به».
وقيل: أصح الأسانيد: الأعمش [٦ - أ] سليمان بن مِهْران -بكسر الميم-، عن النخعي إبراهيم بن يزيد، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله بن مسعود، وهو قول يحيى بن معين. وإلى هذا الإشارة بقوله:
٢١ - النَّخَعِيْ عَنِ ابْنِ قَيْسٍ عَلْقَمَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ وَلُمْ مَنْ عَمَّمَهْ
ش: أي من عَمَّمَ الحكمَ في أصَحِّ الأسانيد في ترجمةٍ لصحابيٍّ واحدٍ، بل ينبغي أن تقيد كل ترجمة منها لصحابِيِّهَا؛ لأن لكلِّ صحابي رواة من التابعين ولهم أتباع وأكثرهم ثقات، فلا يمكن أن يُقطع في أصح الأسانيد لصحابي واحد، بل ينبغي أن تقيد كل ترجمة منها لكن بحسب أسانيد كل واحد لكن (٢)
_________________
(١) اختصار «إلى آخره» أي إلى آخر ما تقدم.
(٢) كذا وقعت العبارة في الأصل.
[ ٤٠ ]
باعتبار الصفات في نظر الحاكم، فيقال: أصح الأسانيد لأهل البيت جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي، إذا كان الراوي عن جعفر ثقة.
[وأصح أسانيد الصديق: إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر] (١).
وأصح أسانيد (٢) عمر: الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن جده.
وأصح أسانيد أبي هريرة: الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة.
وأصح أسانيد ابن عمر: مالك به (٣).
وأصح أسانيد عائشة: عبيد الله عن القاسم عنها.
وأصح أسانيد ابن مسعود: الثوري [عن منصور] (٤) عن إبراهيم به (٥).
وأصح أسانيد أنس بن مالك: [مالك] (٦) عن الزهري عنه.
وأصح أسانيد المكيين: ابن عيينة، عن ابن دينار، عن جابر.
_________________
(١) زيادة من المصدر.
(٢) في الأصل: الأسانيد. خطأ.
(٣) أي: بالإسناد المذكور في البيت رقم (١٦): مالك عن نافع عن ابن عمر.
(٤) زيادة من المصدر.
(٥) أي بالإسناد المذكور في البيت رقم (٢١): إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود.
(٦) زيادة من المصدر.
[ ٤١ ]
واليمانيين: معمر، عن همام، عن أبي هريرة.
وأثبت أسانيد المصريين: الليث، عن يزيد عن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر. وهذه زيادة على ابن الصلاح نص عليها التبريزي في «مختصره» (١).
_________________
(١) المسمى بـ «الكافي في علوم الحديث»: (ص٤١١).
[ ٤٢ ]
أَصَحُّ كُتُبِ الْحَدِيْثِ
وقوله:
٢٢ - أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ في الصَّحِيْحِ مُحَمَّدٌ وَخُصَّ بِالتّرْجِيْحِ [٦ - ب]
ش: يعني أن أول من صَنَّفَ في جمع الحديث الصحيح البخاري محمد، وهو أرجح من مسلم عند الجمهور، وصَوَّبَه النووي وصحح.
قلت: ولبعضهم ووُجد على قبر البخاري مكتوب:
ألا أيها الحَبْر الإمام المفَضَّل وعالم قول المصطفى والمُحَصّل
بأخبار إذ قد جَمَعْتَ صِحَاحها لعلمك بالصِّدِّيق ممن يَحْمِل
عن المصطفى والتابعين وبعدهم كأنهم في نَصْب عينك مُثَّل
تأملت فيما قد جمعت فما أرى سوى مسند مما يَصِحُّ فَيُقْبَل
تركت روايات ضعاف رواتها ولم يأت فيها مرسل أو معلل
كتابك قد فاق الجوامع كلها فما هو إلا حاكم أو معدل
والمراد ما أسنده دون ما عَلَّقَهُ وتَرْجَمَهُ.
وقوله:
٢٣ - وَمُسْلِمٌ بَعْدُ، وَبَعْضُ الغَرْبِ مَعْ أَبِي عَلِيٍّ فَضَّلُوا ذَا لَوْ نَفَعْ
ش: يعني أن كتاب مسلم يتلو كتاب البخاري في الصِّحة، وذهب بعض
[ ٤٣ ]
أهل الغرب والحافظ أبو علي الحسين النيسابوري شيخ الحاكم إلى تفضيل كتاب مسلم عليه، وحكاه عياض عن شيخه أبي مروان الطُّبني -بضم الطاء المهلمة، وإسكان الموحدة، وبعده نون- وما قُبِلَ ذلك منهم فما نَفَعَ قولُ من فَضَّل مسلمًا.
وقوله:
٢٤ - وَلَمْ يَعُمَّاهُ ولكن قَلَّمَا عِنْدَ ابْنِ الاخْرَمِ مِنْهُ قَدْ فَاتَهُمَا
ش: يعني أن البخاري ومسلمًا لم يذكُرَا كلَّ الصحيح في كتابيهما ولم يلتزما ذلك، فإلزام الدارقطني وغيره إياهما بأحاديث لا تلزم.
وذهب الحافظ ابن الأَخْرم -بفتح الهمزة [٧ - أ]، وإسكان الخاء المعجمة، وبعده راء مهملة، فميم- أبو عبد الله محمد شيخ الحاكم إلى أنه قَلَّ ما يفوتهما ذلك.
وقوله:
٢٥ - وَرُدَّ لكن قَالَ يَحيَى البَرُّ لَمْ يَفُتِ الخَمسَةَ إلاَّ النَّزْرُ
ش: يعني رُدَّ كلام ابن الأخرم وقيل: بل فاتهما كثير، وإنما لم يَفُت الأصول الخمسة منه إلا قليل، وصوبه النووي في «التقريب»، وصححه ابن جماعة في «مختصره».
والمراد بالخمسة: الأصول الخمسة، التي هي: كتاب البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي.
قلت: والبَر بفتح الباء الموحدة: كُلُّ عَمَلٍ صالحٍ وقصد به هنا مَنْ دَأْبُهُ
[ ٤٤ ]
العمل الصالح، ويحيى النووي لم يزل طول عمره على طريق أهل السنة والجماعة، مواظبًا على الخير، لا يصرف ساعةً في غير طاعة، ولا دقيقة في شهوة معصيةٍ أطاعها فرحمه الله تعالى وأعاد علينا من بركته، انتهى.
وقوله:
٢٦ - وَفيهِ مَا فِيْهِ لِقَوْلِ الجُعْفِي أَحْفَظُ مِنْهُ عُشْرَ أَلفِ أَلْف
ش: يعني أن كلام النووي فيه نظر؛ لقول البخاري الجُعْفي: «أحفظ مائة ألف حديث صحيح»، وهي «عُشْر» ألف الألف بضم العين.
وقوله:
٢٧ - وَعَلَّهُ أَرَادَ بِالتَّكرَارِ لَهَا وَمَوْقُوْفٍ وفي البُخَارِي
ش: قلت: «وعلة» لغة في [لعله] (١) حكاها سيبويه وغيره، قال الكسائي: هي لغة بني تيم الله من ربيعة.
ومنه:
لا تُهِنِ الفقير عَلَّكَ أن تركع يومًا والدهر قد رفعه
انتهى.
ويعني: أن لَعَلَّ البخاري أراد بالأحاديث: المكررة الأسانيد والموقوفات.
وعليه فموقوف بالجر عطفًا على التكرار.
_________________
(١) العبارة في الأصل: وعله لعله في حكاها خطأ، وما زدتُه من عندي لتستقيم العبارة.
[ ٤٥ ]
وقوله:
٢٨ - أَرْبَعَةٌ آلافِ والمُكَرَّرُ فَوْقَ ثَلاثَةٍ أُلُوْفًا ذَكَرُوا [٧ - ب]
ش: يعني أن عدد أحاديث البخاري بإسقاط المكرر أربعة آلاف، وبالمكرر سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون، ومُسَلَّمٌ ذلك في رواية الفربري، وأما رواية حماد بن شاكر فدونها بمائتي حديث، ودون هذه بمائة رواية ابن مَعْقل إبراهيم.
واقتصر الناظم تبعًا لابن الصلاح على عِدَّة كتاب البخاري دون كتاب مسلم، وذكر النووي وابن جماعة أنه نحو من أربعة آلاف بلا مكرر.
[ ٤٦ ]
الصَّحِيْحُ الزَّائِدُ عَلَى الصَّحِيْحَيْنِ
قوله:
٢٩ - وَخُذْ زِيَادَةَ الصَّحِيْحِ إذْ تُنَصُّ صِحَّتُهُ أوْ مِنْ مُصَنِّفٍ يُخَصُّ
ش: يعني أن الشيخين لما لم يستوعبا الصحيح فيعرف الصحيح الزائد على ما فيهما حيث يَنُصُّ على صِحَّتِه إمام معتمد كالترمذي، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي، وأبي داود، والخطابي، وإن لم يكن في مُصَنَّفَاتهم عند الناظم خلافًا لابن الصلاح؛ فإنه قيد ذلك بمصنفاتهم، فلو صَحَّحَهُ من لم يشتهر له تصنيف، كيحيى بن سعيد القطان وابن معين ومثلهما فكذلك عند الناظم.
ويؤخذ الصحيح أيضًا من المصنفات المختصة بجمع الصحيح فقط كصحيح ابن خزيمة، وابن حبان، والمستدرك على الصحيحين للحاكم، والموجود في المستخرجات عليهما زيادة أو تتمة لمحذوف كذلك، وإليه الإشارة بقوله:
٣٠ - بِجَمْعِهِ نَحوَ (ابْنِ حِبَّانَ) الزَّكِيْ (وَابنِ خُزَيْمَةَ) وَكَالمُسْتَدْرَك
ش: ابن حِبَّان بكسر الحاء وبالباء الموحدة أبو حاتم محمد.
قلت: والزكي بالزاي وصفه بذلك لما زكاه الأمير في «الإكمال» مرتين والخطيب قائلًا: «وكان ثقة ثبتًا فاضلًا فهمًا». وابن نقطة وأبو سعيد الإدريسي
[ ٤٧ ]
قائلًا: «وكان من فقهاء الدين [٨ - أ]، وحُفَّاظ الآثار المشهورين في الأمصار والأقطار» إلى آخر كلامه والحاكم في «تاريخ نيسابور» قائلًا: «كان من أوعية العلم في اللغة والفقه والحديث والوعظ، ومن عقلاء الرجال»، إلى آخره، انتهى.
وابن خزيمة: أبو بكر.
وقوله:
٣١ - عَلى تَسَاهُلٍ-وَقَالَ: مَا انْفَرَدْ بِهِ فَذَاكَ حَسَنٌ مَا لَمْ يُرَدّْ
ش: يعني: نأخذ الصحة من «المستدرك» على تساهل في «المستدرك» لا فيها (١) لقوله: و«كالمستدرك» بإعادة الكاف (٢).
قال ابن الصلاح: ما انفرد الحاكم بتصحيحه لا بتخريجه فقط، إن لم يكن صحيحًا فهو حسن يُحتج به ويُعمل إلى أن يظهر فيه علة مُضَعِّفة.
وقوله:
٣٢ - بِعِلَّةٍ، وَالحقُّ أنْ يُحْكَمْ بِمَا يَليْقُ، والبُسْتِيْ يُدَانِي الحَاكِما
ش: يعني أن الحكم عليه بالحسن فقط تَحَكُّم، والحقُّ: ما انفرد بتصحيحه يُتتبع بالكشف عنه، ويحكم عليه بما يليق بحاله من الصحة أو الحسن أو
_________________
(١) أي وليس التساهل في جميع المصنفات المذكورة في البيت قبله.
(٢) أي أن الناظم «قيد تعلق الجار والمجرور بالمعطوف الأخير لتكرار أداة التشبيه فيه». «شرح الناظم»: (١/ ١٢٠).
[ ٤٨ ]
الضعف إلا أن [ابن] (١) الصلاح رأيه أن لا يُصحح أحدٌ من هذه الأعصار فقطع النظر عن الكشف عليه، وهذه من زيادات (٢) الناظم على ابن الصلاح، وتَمَيَّزَ بنفسه لكونه اعتراضًا على ابن الصلاح.
وابن حبان يقارب الحاكم في التساهل، والحاكم أشد تساهلًا. قال الحازمي: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم.
قلت: و«البُسْتِي» بضم الموحدة، وإسكان السين المهلمة، وبعده مثناة فوق، فمثناة تحت، نسبةً إلى مدينة من بلاد كَابُل، بين هَرَاة وغزنة، وهي مدينة حسنة كثيرة الخضرة والأنهار، خرج منها جماعة من الأئمة منهم أبو حاتم [٨ - ب] هذا، والخَطَّابي، وغيرهما.
وقوله:
_________________
(١) زيادة من المصادر.
(٢) في الأصل: زيادة.
[ ٤٩ ]
الْمُسْتَخْرَجَاتُ
الشرح: موضوعه أن يُخَرِّج مُوَثَّقٌ أحاديث البخاري أو مسلم بأسانيد لنفسه من غير طريقهما، فيجتمع إسناد المُخَرِّج مع إسنادهما في شيخه أو في من فوقه، كمُستخرج الإسماعيلي والبرقاني والأصبهاني أبي نعيم على «البخاري»، ومستخرج أبي عوانة وأبي نعيم أيضًا على «صحيح مسلم».
وقوله:
٣٣ - وَاسْتَخْرَجُوا عَلى الصَّحِيْحِ (كَأَبي عَوَانَةٍ) وَنَحْوِهِ، وَاجْتَنِب
ش: يعني أن المستخرج لما لم يلتزم لفظ الصحيح منهما بل رواه بلفظ وقع له عن شيخه مخالفًا للفظ الصحيح منهما، فيجتنب أن يعزو لفظ متن المستخرج لهما بقوله (١): «أخرجه البخاري أو مسلم بهذا اللفظ» إلا أن يكون علم أنه في المستخرج بلفظ الصحيح بمقابلته عليه.
وقوله:
٣٤ - عَزْوَكَ ألفَاظَ المُتُونِ لَهُمَا إذْ خَالَفتْ لَفْظًا وَمَعْنىً رُبَّمَا
ش: يعني أن مخالفة المستخرجات لألفاظ الصحيحين كثير، ومخالفتهما لهما في المعنى قليل، فيتعلق قوله «ربما» بقوله «ومعنى» لا بما قبله ومعه.
_________________
(١) في الأصل: فبقوله.
[ ٥٠ ]
وقوله:
٣٥ - وَمَا تَزِيْدُ فاحْكُمَنْ بِصِحَّتِه فَهْوَ مَعَ العُلُوِّ مِنْ فَائِدَتِهْ
ش: يعني أن المستخرج على الصحيح إذا زاد لفظًا عليه من تتمةٍ لمحذوف أو شرحٍ في حديث ونحو ذلك، فاحكم بصحة الزائد؛ لأنها من مخرج الصحيح، ثم إن المستخرج فائدته الزيادة المذكورة لدلالتها على حكم، وعلوِّ الإسناد لأن المستخرج إذا [٩ - أ] روى حديثًا من طريق مسلم [لوقع] (١) أنزل (٢) من الطريق الذي رواه به في المستخرج، كحديث في مسند [أبي داود الطيالسي فلو رواه أبو نعيم مثلًا من طريق مسلم، لكان بينه وبين] (٣) أبي داود رجال أربعة: شيخان بينه وبين مسلم، ومسلم وشيخه، وإذا رواه من غير طريق مسلم كان بينه وبين أبي داود رجلان فقط، فإن أبا (٤) نعيم سمع المسند على ابن فارس بسماعه من يونس بن حبيب بسماعه منه.
ومن فوائده: القوة بكثرة الطرق للترجيح عند المعارضة، وهي زيادة على ابن الصلاح، حيثُ لم يذكر إلا الزيادة أو العلو، أو هما عند الناظم تبعًا لابن جماعة.
وقوله:
٣٦ - وَالأَصْلَ يَعْني البَيْهَقي وَمَنْ عَزَا وَلَيْتَ إذْ زَادَ الحُمَيدِي مَيَّزَا
_________________
(١) زيادة من المصدر.
(٢) في الأصل: أول. خطأ، والتصحيح من المصدر.
(٣) زيادة من المصدر يظهر أنها سقطت من الأصل.
(٤) في الأصل: أبي. خطأ.
[ ٥١ ]
ش: أي فإن قيل قد منعت فيما تقدم العزو إلى البخاري ومسلم لاختلاف الألفاظ والمعاني، ورأينا البيهقي في «سننه الكبرى» و«المعرفة» وغيرهما، والبغوي في «شرح السنة» يروون الحديث بأسانيدهم ثم يعزونه إلى أحدهما؟ أجاب بأنهم يريدون أصل الحديث لا ألفاظه.
فقوله: «والأصلَ» منصوبٌ بـ «عزا» مفعولًا مقدمًا.
ثم ذكر أن الحميدي في «جمعه بين الصحيحين» زاد الألفاظ (١) وتتمات ليست فيهما من غير تمييز، وذلك كثير، وهو مما أُنكر عليه؛ لأنه جمع بين كتابين فمن أين يأتي بالزيادة؟ بخلاف «الجمع بين الصحيحين» لعبد الحق ومختصرات الصحيحين فيجوز أن ينقل منها ويعزوه للصحيح ولو باللفظ لأنهم أتوا بألفاظ الصحيح، بخلاف النقل من زيادات «الجمع» للحميدي.
قلت: و«البيهقي» بفتح الباء الموحدة، وإسكان الياء المثناة تحت، وبعدها مفتوحة [٩ - ب]، وقاف، نسبةً إلى بيهق قُرى مجتمعة بنواحي نيسابور على عشرين فرسخًا منها، هو أبو بكر أحمد بن الحسين الفقيه الشافعي الحافظ المشهور، وانفرد زمانه (٢) في فنون من العلم، غلب عليه فن الحديث، واشتهر، وهو من كبار أصحاب أبي عبد الله الحاكم ابن البَيِّع، وهو أول من جمع نصوص الشافعي ﵁ في عشرين مجلدًا، ومصنفاته مشهورة، ومن أشهرها «دلائل النبوة» و«السنن والآثار» و«الشُّعَب» و«مناقب الشافعي»، و«الإمام أحمد»، وهو الذي قال إمام الحرمين في حقه: ما من شافعي إلا
_________________
(١) كذا.
(٢) كذا.
[ ٥٢ ]
وللشافعي عليه مِنَّة إلا البيهقي فإن له على الشافعي مِنَّة، رحمه الله تعالى.
و«الحُمَيْدي» بضم الحاء المهلمة، وبفتح الميم، وسكون الياء المثناة تحت، وبعده دال مهملة، نسبة إلى جَدِّه حُمَيْد، وهو أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الأندلسي صاحب «الجمع بين الصحيحين» وغيره، كان عالمًا خيرًا ورعًا ثقة، أثنى عليه الأمير ابن ماكولا فقال: أخبرني صديقنا أبو عبد الله الحميدي، وهو من أهل العلم والفضل والتيقظ، ولم أر مثله في عفته وزهادته وورعه [وأثنى] (١) عليه بالعلم.
وله:
لقاء الناس ليس يفيد شيئًا سوى الهذيان من قيلٍ وقال
فاقلل من لقاء الناس إلا لأخذ العلم أو لصلاح حال
_________________
(١) الكلمة في الأصل مشتبهة.
[ ٥٣ ]
مَرَاتِبُ الصَّحِيْحِ
وقوله:
٣٧ - وَأَرْفَعُ الصَّحِيْحِ مَرْويُّهُمَا ثُمَّ البُخَارِيُّ، فَمُسْلِمٌ، فَمَا
ش: يعني [١٠ - أ] إن درجات الصحيح تتفاوت بحسب تَمَكُّن الحديث من شروط الصحة وعدم [تمكنه.
وأصح كتب الحديث] مروي [البخاري] وكذا ما عطف عليه «فمسلم» بالفاء (١)، فالصحيح أقسام سبعة:
أحدها: وهو أصحها ما أخرجه الشيخان وهو المتفق عليه عندهم.
وثانيها: ما انفرد به البخاري.
وثالثها: ما انفرد به مسلم.
ورابعها: ما هو على شروطها ولم يخرجه واحد منهما.
وخامسها: ما هو على شرط البخاري وحده.
_________________
(١) العبارة وقع فيها سقط ظاهر في الأصل، فاجتهدت في تقويمها بما جعلته بين معقوفتين، وعبارة الناظم في شرحه (١/ ١٢٥): اعلم أن درجات الصحيح تتفاوت بحسب تمكن الحديث من شروط الصحة وعدم تمكنه، وإن أصح كتب الحديث: البخاري ثم مسلم كما تقدم أنه الصحيح، وعلى هذا فالصحيح ينقسم إلى سبعة أقسام
[ ٥٤ ]
وسادسها: ما هو على شرط مسلم وحده.
وسابعها: ما صح عند غيرهما من المعتمدين وليس على شرط واحد منهما.
وقوله:
٣٨ - شَرْطَهُمَا حَوَى، فَشَرْطُ الجُعْفِي فَمُسْلِمٌ، فَشَرْطُ غَيْرٍ يَكْفي
ش: «فشرطهما» مفعول «حوى» أي: فما حوى شرطَ للبخاري الذي هو الجعفي، فما حوى شرط مسلم، فشرط غير البخاري ومسلم من الأئمة، فهذه الأقسام السبعة.
وقوله في (ش) (١): «واستعمال «غير» غير مضافة قليل» ممنوعٌ بل هي مضافة وعوض عن المضاف إليه للتنوين (٢).
والمراد بعلى شرطهما أن يكون رجال إسناده من كتابيهما؛ لأنه ليس لهما شرط في كتابيهما ولا في غيرهما، كذا قاله النووي وأخذه ابن الصلاح، وعليه عمل القشيري والذهبي في «مختصر المستدرك» وتعقبه الناظم في (ش) (٣) بأن الحاكم صرح في خطبة «المستدرك» بخلاف ما فهموه فقال: «وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما» أي: بمثل رواتها لا بهم أنفسهم [١٠ - ب]، أو بمثل تلك الأحاديث، وذلك إذا
_________________
(١) أي قول الناظم في شرحه (١/ ١٢٦).
(٢) ولعل صوابها: بالتنوين.
(٣) (١/ ١٢٨).
[ ٥٥ ]
كانت بنفس رواتها، انتهى.
وقوله:
٣٩ - وَعِنْدَهُ التَّصْحِيْحُ لَيْسَ يُمْكِنُ فِي عَصْرِنَا، وَقَالَ يَحْيَى: مُمْكِنُ
ش: يعني عند ابن الصلاح أنه يتعذر في هذه الأعصار الاستقلال (١) بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد؛ لأنه ما من إسناد إلا وفيه من اعتمد على كتابه عريًّا عن الضبط والإتقان، فما صَحَّ سنده في كتاب أو جزء ولم يصححه فلا نتجاسر على الجزم بصحته لما ذُكر، واستظهر النووي جواز ذلك لمن تمكن وقويت معرفته. قال في (ش): «وعليه عمل أهل الحديث، فقد صحح غير واحد من المعاصرين لابن الصلاح وبعده أحاديث لم نجد لمن تقدمهم فيها تصحيحًا كأبي الحسن بن القطَّان والضياء المقدسي والمنذري ومن بعدهم، انتهى.
قلت: وفي المسألة قول ثالث اختاره ابن جماعة وهو التفصيل مع غلبة الظن أنه لو صح لما أهمله أئمة الأعصار المتقدمة لشدة فحصهم واجتهادهم، انتهى.
_________________
(١) في الأصل الاستقبال. خطأ، والتصحيح من المصدر.
[ ٥٦ ]
حُكْمُ الصَّحِيْحَيْنِ والتَّعْلِيْق
قوله:
٤٠ - وَاقْطَعْ بِصِحَّةٍ لِمَا قَدْ أَسْنَدَا كَذَا لَهُ، وَقِيْلَ ظَنًّا وَلَدَى
ش: قلت: «لَدَى» بفتح اللام والدال المهلمة لغة في لَدُن قال الله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف:٢٥].
يعني قال ابن الصلاح: ما رواه الشيخان بإسنادهما المتصل فَيُقْطَع بصحته تبعًا لابن طاهر (١) المقدسي، وأبي نصر عبد الرحيم. وقيل: لا بل يفيد الظن، وتلقيه بالقبول لإيجاب العمل عليهم [١١ - أ] بالظن (٢) [ابن] (٣) الصلاح فاشترط الجزم في التعليق (٤).
٤١ - مُحَقِّقِيْهِمْ قَدْ عَزَاهُ (النَّوَوِيْ) وَفي الصَّحِيْحِ بَعْضُ شَيءٍ قَدْ رُوِيْ
_________________
(١) في الأصل: لابن الطاهر.
(٢) وقع في هذا الموضع سقط ظاهر في الأصل حيث انتقل الكلام بعد ذلك على البيت رقم (٤٤)، وسقط شرح الأبيات (٤١، ٤٢، ٤٣)، فانظرها في شرح الناظم (١/ ١٣٤ - ١٤١).
(٣) زيادة من عندي.
(٤) هذا من شرح البيت رقم (٤٤) حيث يتكلم على اشتراط ابن الصلاح إطلاق لفظ التعليق على ما فيه جزم كـ «قال» و«ذكر». وانظر شرح الناظم (١/ ١٤٢).
[ ٥٧ ]
٤٢ - مُضَعَّفًا وَلَهُمَا بِلا سَنَدْ أَشْيَا فَإنْ يَجْزِمْ فَصَحِّحْ، أو وَرَدْ
٤٣ - مُمَرَّضًا فَلا، وَلكِنْ يُشْعِرُ بِصِحَّةِ الأصْلِ لَهُ كَـ (يُذْكَرُ)
٤٤ - وَإنْ يَكُنْ أوَّلُ الاسْنَادِ حُذِفْ مَعْ صِيغَةِ الجَزْم فَتَعليْقًا عُرِفْ
قال في (ش) (١): ووقع في غير الجزم في استعماله جماعةٌ من المتأخرين، ومنهم المزي، كقول البخاري في باب «مس الحرير من غير لُبس»: ويُروَى فيه عن الزبيدي عن الزهري عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ، ذكره في «الأطراف» وعَلَّمَ عليه علامة التعليق للبخاري.
٤٥ - وَلَوْ إلى آخِرِهِ، أمَّا الَّذِي لِشَيْخِهِ عَزَا بـ (قالَ) فَكَذِي
٤٦ - عَنْعَنَةٍ كخَبَرِ المْعَازِفِ لا تُصْغِ (لاِبْنِ حَزْمٍ) المُخَالِف
يعني أنه لو حذف الإسناد إلى آخره واقتصر على ذكر النبي ﷺ في المرفوع أو على الصحابي في الموقوف فإنه يُسَمَّى تعليقًا. كذا قال ابن الصلاح نقلًا عن بعضهم وما حَكَى غَيَره، ومثاله قول البخاري في العلم: «وقال عمر: تفقهوا قبل أن تسودوا».
وأما ما عزاه البخاري إلى بعض شيوخه بصيغة الجزم كقوله: قال فلان، وزاد، ونحوه، فليس [حكمه] (٢) حكم التعليق عن شيوخ شيوخه ومن فوقهم، بل حكمه حكم الإسناد المعنعن، وحكمه الاتصال بشرط ثبوت اللقاء والسلامة من التدليس وهما موجودان في البخاري، ومثاله قول البخاري: قال
_________________
(١) (١/ ١٤٢).
(٢) زيادة من المصدر.
[ ٥٨ ]
هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: حدثنا عطية بن قيس، قال: حدثني عبد الرحمن بن غنمٍ، قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والمعازف» فهذا حكمه الاتصال لأن ابن عمار (١) من شيوخ البخاري [١١ - ب] حدث عنه أحاديث، وخالف الظاهريُّ ابنُ حزم في ذلك فقال في «المحلى»: هذا حديث منقطع لم يتصل ما بين صدقة والبخاري، ولا يصح في هذا الباب شيءٌ أبدًا، وكلُّ ما فيه موضوع. وخَطَّأَهُ ابن الصلاح في ذلك بما يُوقَف عليه في كتابه.
قال في (ش) (٢): والحديث اتصل من طريق ابن عمار وغيره فقال الإسماعيلي في «المستخرج»: حدثنا الحسن بن سفيان النسوي الإمام، قال: حدثنا هشام بن عمار إلى آخره.
وقال الطبراني في «مسند الشاميين»: حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد حدثنا هشام بن عمار، انتهى.
_________________
(١) في الأصل: لابن عمار. خطأ.
(٢) (١/ ١٤٦).
[ ٥٩ ]
نَقْلُ الْحَدِيْثِ مِنَ الكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ
٤٧ - وَأخْذُ مَتْنٍ مِنْ كِتَابٍ لِعَمَلْ أوِ احْتِجَاجٍ حَيْثُ سَاغَ قَدْ جَعَلْ
ش: يعني إذا أخذ من يسوغ له العمل بالحديث أو الاحتجاج به حديثًا من كتابٍ معتمد لعمل به أو احتجاج، فَشَرَط ابنُ الصلاح أن يكون ذلك الكتاب بمقابلةِ ثقةٍ على أصولٍ صحيحةٍ متعددةٍ مرويةٍ برواياتٍ متنوعة.
وقال النووي: إنْ قابلَها بأصلٍ معتمدٍ مُحققٍ أجزأه، والإشارة بقوله:
٤٨ - عَرْضًَا لَهُ عَلى أُصُوْلٍ يُشْتَرَطْ وَقَالَ (يَحْيَى النَّوَوِي):أصْلٌ فَقَطْ
ش: فالضمير في «جَعَل» يعود على ابن الصلاح، وظاهر كلامه في قسم الحسن في قول الترمذي باختلاف النسخ بين حسن أو حسن صحيح (١) أن ذلك ليس بشرط بل يستحب، قال (ن) (٢): وهو كذلك.
وقوله:
_________________
(١) كذا وقعت العبارة في الأصل، وفيها خلل ظاهر، وعبارة الناظم في شرحه (١/ ١٤٧): «وقال ابن الصلاح في قسم الحسن حين ذكر أن نسخ الترمذي تختلف في قوله: حسن أو حسن صحيح ونحو ذلك: «فينبغي أن تصحح أصلك بجماعة أصول، وتعقد على ما اتفقت عليه» فقوله هنا: ينبغي قد يشير إلى عدم اشتراط ذلك وإنما هو مستحب.
(٢) أي الناظم. شرحه (١/ ١٤٧).
[ ٦٠ ]
٤٩ - قُلْتُ: (وَلابْنِ خَيْرٍ) امْتِنَاعُ جَزْمٍ سِوَى مَرْوِيِّهِ إجْمَاعُ [١٢ - أ]
هذا تنبيه على اشتراط ابن الصلاح في من أخذ حديثًا من معتمد أن يقابل في أن الحافظ ابن خيرٍ نص على اتفاق العلماء على أنه لا يصح لمسلم أن يقول: قال رسول الله ﷺ كذا حتى يكون عنده ذلك القول مرويًا ولو على أقل وجوه الروايات، لحديث «من كذب علي متعمدًا»، وفي بعضها «من كذب عَليَّ» مطلقًا، فـ «امتناعُ جزمٍ» مبتدأ، و«إجماع» خبره معموله.
قلت: و«ابن خَير» بفتح الخاء المعجمة، وإسكان الياء المثناة تحت، وبعده راء مهملة، هو: الحافظ أبو بكر محمد بن خير من أهل إشبيلية، وكان يقول في نسبه الأموي: بفتح الهمزة، سمع بالمغرب من جماعات كثيرين، ولقي عياضًا، وسمع منه، وأجاز له من الأعلام الأندلسيين بن عتاب وغيره، ومن أهل المشرق السِّلَفي، وكان من الإكثار في تقييد الآثار والعناية بتحصيل الرواية بحيث يأخذ عن أصحابه الذين شركهم في السماع من شيوخه، فكان عدد مَنْ سمع منه أو كتب إليه نيفًا ومائة رجل، قد احتوى على أسمائهم برنامج له ضخم في غاية الاحتفال والإفادة، ومن برنامجه هذا تَلَقَّفَ (ن) ما نص عنه هنا، تَصَدَّر بإشبيلية للإقراء والسماع، وأخذ عنه الناس، وكان مُقَرَّئًا، مجوِّدًا، ضابطًا، محدثًا، جليلًا، متقنًا، أديبًا، نحويًا، لغويًا، واسع المعرفة، رضيًا، مأمونًا، كريم العشرة، خيرًا، فاضلًا، ما صَحِبَ أحدًا ولا صحبه أحدٌ إلا وأثنى عليه، انتهى.
[ ٦١ ]
القِسْمُ الثَّانِي: الْحَسَنُ [١٢ - ب]
٥٠ - وَالحَسَنُ المَعْرُوْفُ مَخْرَجًا وَقَدْ اشْتَهَرَتْ رِجَالُهُ بِذَاكَ حَدْ
ش: اختُلِف في حد الحسن فقال الخطابي: «هو ما عُرِفَ مخرجُه واشتهر رجاله» قال: «وعليه مدار أكثر الحديث». فبالأول خرج المنقطع والمدلس قبل أن يتبين تدليسه.
٥١ - (حَمْدٌ) وَقَالَ (التّرمِذِيُّ):مَا سَلِمْ مِنَ الشُّذُوْذِ مَعَ رَاوٍ مَا اتُّهِمْ
ش: «حَمْد» بفتح الحاء المهملة، وإسكان الميم، وبعده دال مهملة، هو أبو سليمان الخَطَّابي، وهو فاعل «حَد» في البيت قبله.
وقوله: (خ) (١) وهذا قول آخر في حد الحسن وهو قول (ت) (٢) في «العلل» آخر جامعه: «وما ذكرنا في هذا الكتاب فإنما أردنا به ما حَسُن إسناده عندنا: كل حديث يُروضي لا يكون في إسناده من يُتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًا، ويُروَى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن».
وقوله:
٥٢ - بِكَذِبٍ وَلَمْ يَكُنْ فَرْدًا وَرَدْ قُلْتُ: وَقَدْ حَسَّنَ بَعْضَ مَا انفَرَدْ
_________________
(١) أي: قوله: «ما سلم » إلى آخر البيت.
(٢) رمز للترمذي.
[ ٦٢ ]
ش: فبكذب يتعلق بـ «اتُّهَم»، و«لم يكن» (ح) هو بمعنى (١): ولا يكون الحديث شاذًا (خ).
وأورد على الحد المذكور في قوله: «ولم يكن» (خ) بأن الترمذي حَسَّنَ أحاديث لا تروى إلا من حديث واحد، كحديث إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك» فإنه قال فيه: «حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة، ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة»، انتهى.
وقوله: [١٣ - أ]
٥٣ - وَقِيْلَ: مَا ضَعْفٌ قَرِيْبٌ مُحْتَمَلْ فِيْهِ، وَمَا بِكُلِّ ذَا حَدٌّ حَصَلْ
هذا قول آخر في الحديث (٢) الحسن نَصَّ عليه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» و«الموضوعات»: «الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل هو الحديث الحسن». وبه أراد ابن الصلاح: ببعض (٣) المتأخرين، واعترضه القشيري.
قال ابن الصلاح [بعد] (٤) ما ذكر هذه الحدود الثلاثة: «كل هذا مُستبهَم لا
_________________
(١) في الأصل: معنى.
(٢) في الأصل: حديث.
(٣) في الأصل: بعض.
(٤) في الأصل: أما .. وما أثبتناه من المصدر.
[ ٦٣ ]
يشفي الغليل، وليس في كلام الترمذي والخطابي ما يفصلُ الحسن من الصحيح».
وهذا معنى: «وما بكل ذا حَدٌّ حصل».
وقوله:
٥٤ - وَقَالَ: بَانَ لي بإمْعَانِ النَّظَرْ أنَّ لَهُ قِسْمَيْنِ كُلٌّ قَدْ ذَكَرْ
ش: أي: وقال ابن الصلاح: «وقد أمعنت النظرَ في ذلك والبحثَ، جامعًا بين أطراف كلامهم، ملاحظًا مواقع استعمالهم، فتنقح لي واتضح أن الحديث قسمان » إلى آخر كلامه.
ونَزَّل على القسم الأول كلام الترمذي، وعلى القسم الثاني كلام الخطابي، وإليه الإشارة بقوله «كُلٌّ»، أي: كل واحدٍ من الترمذي والخطابي.
وقوله:
٥٥ - قِسْمًا، وَزَادَ كَونَهُ مَا عُلِّلا وَلاَ بِنُكْرٍ أوْ شُذُوْذٍ شُمِلاَ
ش: يعني أنه في كل هذا مع سلامة الحديث من أن يكون شاذًا أو منكرًا سلامته من أن يكون معللًا. وهذه زيادة [من] (١) ابن الصلاح على ما ذُكِر.
وقوله:
٥٦ - وَالفُقَهَاءُ كلُّهُمْ يَستَعمِلُهْ وَالعُلَمَاءُ الْجُلُّ مِنْهُمْ يَقْبَلُهْ
(ش): يشير بذلك إلى قول الخطابي في حده الحسن: «وهو الذي يقبله
_________________
(١) زيادة من عندي ليستقيم السياق.
[ ٦٤ ]
أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء»، فَفَرَّقَ بين العلماء والفقهاء في ذلك.
قوله: [١٣ - ب]
٥٧ - وَهْوَ بأقْسَامِ الصَّحِيْحِ مُلْحَقُ حُجّيَّةً وإنْ يَكُنْ لا يُلْحَقُ
ش: يعني أن الحسن ملحق بالصحيح في الاحتجاج به، وإن كان دونه رتبةً، فـ «حُجية» منصوب على التمييز.
وقوله:
٥٨ - فَإنْ يُقَلْ: يُحْتَجُّ بِالضَّعِيْفِ فَقُلْ: إذا كَانَ مِنَ المَوْصُوْف
٥٩ - رُوَاتُهُ بِسُوْءِ حِفْظٍ يُجْبَرُ بِكَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ يُذْكَرُ
٦٠ - وَإنْ يَكُنْ لِكَذِبٍ أوْ شَذَّا أوْ قَوِيَ الضُّعْفُ فَلَمْ يُجْبَر ذَا
ش: هو بضم أول «يُقل» مبنيًا للمفعول.
لما قَرَّرَ أن الحسن يحتج به، قيل: كيف يحتج بالضعيف؟ فأجاب بأن الضعف يختلف، فضعيفٌ (١) يزول بمجيئه من وجوه بأن يكون ضعفه نشأ عن ضَعْفِ حفظِ راويه مع كونه صادقًا دينًا، فإذا رأينا حديثًا جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما حفظه، ولم يختل ضبطه له، وكذا إذا كان ضعفُه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كالمرسَل الذي أرسله إمام حافظ؛ إذ ضعفه قليل يزول بروايته من وجه آخر. ومنه ضَعْفٌ لا يزول بنحو ذلك لقوة ضعفه، وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، كالضعف الناشئ عن كون الراوي
_________________
(١) كذا في الأصل، والأولى: فَضَعْفٌ.
[ ٦٥ ]
متهمًا بالكذب، أو كون الحديث شاذًا (١)، وإلى ذلك الإشارة بقوله: [الموصوف رواته ] (٢).
ش: فـ «رواتُه» مرفوع مبنيًا على الفاعل فيه: «الموصوف» أي: الذي وُصِفَ رواته.
وقوله: [١٤ - أ]
٦١ - أَلاَ تَرَى الْمُرْسَلَ حَيْثُ أُسْنِدَا أوْ أرْسَلُوا كَمَا يَجِيءُ اعْتُضِدَا
هذا جوابٌ عمَّن قال: إن الحسن متقاصرٌ عن الصحيح، فكيف يُحتج به إذا انضم إليه من لا يحتج به منفردًا؟ فيقال: نَصَّ الشافعي ﵁ في مراسل التابعين أنه يقبل منها المرسَل الذي جاء نحوه مسندًا، وكذا لو وافقه مُرْسَلٌ آخَر أرسله من أخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول (خ) في كلام له ذكر فيه وجوهًا من الاستدلال على صحة مخرج المرسل لمجيئه من وجه آخر.
وقوله:
٦٢ - وَالحَسَنُ: الْمشهُوْرُ بِالعَدَالَهْ وَالصِّدْقِ رَاوِيهُ، إذَا أَتَى لَهْ
٦٣ - طُرُقٌ أُخْرَى نَحْوُهَا مِن الطُّرُقْ صَحَّحْتُهُ
_________________
(١) العبارة في الأصل: «كون الراوي متهمًا بالكذب، [أو كون الراوي متهمًا بالكذب]، أو كون الحديث شاذًا». وهو تكرار. خطأ.
(٢) زيادة من عندي لينضبط السياق.
[ ٦٦ ]
ش: يعني أن الحَسَن الذي رواه مشهور بالصدق والعدالة إذا أتت له طرقٌ أُخرى حُكِمَ بصحته، كحديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة».
فمحمد بن عمرو من المشهورين بالصدق والصيانة إلا أنه لم يكن من أهل الإتقان حتى ضُعِّفَ لسوء حفظه ووُثِّقَ لصدقه وجلالته فحديثه هذا من هذه الجهة حسن، فلما انضم إليه كونه رُويَ من جهة أخرى زال بذلك ما يُخشى عليه من سوء حفظه، وانجبر بذلك النقصُ اليسير، والتحق بدرجة الصحيح.
فـ «طرقٌ أخرى» فاعل أتى.
وقوله:
ُ كَمَتْنِ (لَوْلاَ أنْ أَشُقْ)
٦٤ - إذْ تَابَعُوْا (مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو) عَلَيْهِ فَارْتَقَى الصَّحِيْحَ يَجْرِي
ش: فَقَيَّدَ قولُه: «كمتن» بقوله: «إذ» (خ) إعلامًا بأن التمثيل ليس بمطلق [١٤ - ب] الحديث، بل بقيد كونه من رواية محمد بن عمرو.
[و] (١) أراد بالمتابعة متابعة شيخِ محمد بن عمرو أبي سلمة عليه عن أبي هريرة، فقد تابعَ أبا سلمة عن أبي هريرة عبدُ الرحمن بن هرمز الأعرج، وسعيد المقبري، وأبوه أبو سعيد، وعطاء مولى أم حبيبة (٢)، وحميد بن عبد
_________________
(١) زيادة من عندي.
(٢) كذا في الأصل، وراجع حاشية تحقيق شرح الناظم (١/ ١٦١ رقم ٥).
[ ٦٧ ]
الرحمن، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير، وهو متفق عليه من طريق الأعرج، والمتابعة قد يُراد بها متابعة الشيخ، ومتابعة شيخ الشيخ كما يأتي إن شاء الله.
٦٥ - قَالَ: وَمِنْ مَظِنَّةٍ لِلحَسَنِ جَمْعُ (أبي دَاوُدَ) أيْ في السُّنَن
ش: يعني أن من مظان الحَسَن «سُنن أبي داود السجستاني». كذا قال ابن الصلاح.
٦٦ - فإنَّهُ قَالَ: ذَكَرْتُ فِيْهِ ما صَحَّ أوْ قَارَبَ أوْ يَحْكِيْه
٦٧ - وَمَا بهِ وَهَنٌ شَدِيْدٌ قُلْتُهُ وَحَيْثُ لاَ فَصَالِحٌ خَرَّجْتُهُ
ش: يعني أن ابن الصلاح قال: روينا عنه أنه قال: «ذكرتُ فيه الصحيح، وما يشبهه، ويقاربه»، وروينا عنه أيضًا ما معناه أنه يذكر في كل باب ما عرفه في ذلك الباب، وقال: «ما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصلح من بعض».
قال ابن الصلاح: فعلى هذا ما وجدته في كتابه مذكورًا مطلقًا، وليس في واحد من الصحيحين، ولا نَصَّ على صحته أحدٌ يميز بين الصحيح والحسن عرفناه، فإنه من الحسن عند أبي داود.
وإلى هذا الإشارة بقوله:
٦٨ - فَمَا بِهِ وَلَمْ يُصَحَّحْ وَسَكَتْ عَلَيْهِ عِنْدَهُ لَهُ الحُسْنُ ثَبَتْ
ش: «ولم يُصَحَّح» بضم أوله مبنيًا على المفعول.
وقوله: [١٥ - أ]
[ ٦٨ ]
٦٩ - و(ابْنُ رُشَيْدٍ) قَالَ -وَهْوَ مُتَّجِهْ- : قَدْ يَبْلُغُ الصِّحَّةَ عِنْدَ مُخْرِجِهْ
ش: هذا اعتراض من أبي عبد الله محمد بن عمر الفِهْري الأندلسي، عُرِف بابن رُشيد بضم الراء المهلمة، وفتح الشين المعجمة، وإسكان المثناة تحت، وبعده دال مهملة، على ابن الصلاح؛ فإنه لا يَلْزَم من كون الحديث لم يَنُصُّ عليه أبو داود بضعف، ولا صححه غيره أن الحديث عند أبي داود حَسَن، إذ قد يكون [عنده] (١) صحيحًا وإن لم يكن عند غيره كذلك، واستحسنه أبو الفتح اليَعْمُري، و[هذا] (٢) معنى قوله: «وهو متجه».
٧٠ - وَللإمَامِ (اليَعْمُرِيِّ) إنَّما قَوْلُ (أبي دَاوُدَ) يَحْكي (مُسْلِما)
ش: يعني أن اليَعْمُري محمد بن سيد الناس تعقب كلام ابن الصلاح في شرح الترمذي قائلًا: «لم يرسم أبو داود شيئًا بالحُسن، وعمله في ذلك شبيه بعمل مسلم الذي لا ينبغي أن يحمل كلامه على غيره، أنه اجتنب الواهي الضعيف، وأتى بالقسمين الأول والثاني، وحديث مَنْ مَثَّل به من الرواة من القسمين المذكورين موجود في كتابه دون القسم الثالث، فكان ينبغي أن يُلْزِمَ أبو عمرو مسلمًا ما ألزمه أبا داود، فإن معنى كلامهما واحد.
قلت: واليَعْمَري بفتح المثناة تحت، وإسكان العين المهملة، وبعده ميم مفتوحة (٣)، فراء مهملة، انتهى.
_________________
(١) زيادة من المصدر.
(٢) زيادة من المصدر.
(٣) هذا وجه، والوجه الآخر: اليعمُري، بضم الميم.
[ ٦٩ ]
٧١ - حَيثُ يَقُوْلُ: جُمْلَةُ الصَّحِيْحِ لا تُوجَدُ عِنْدَ (مَالِكٍ) وَالنُّبَلا
ش: يعني أن قول أبي داود يشبه قول مسلم في الصِّحة والمقاربة حيث يقول إنه ليس كل الصحيح نجده عند مالك وشعبة وسفيان.
وقوله: [١٥ - ب]
٧٢ - فَاحْتَاجَ أنْ يُنْزَلَ في الإسْنَادِ إلى (يَزيْدَ بنِ أبي زيَادِ)
ش: يعني فاحتاج أن ينزل -يعني مسلمًا- إلى (١) مثل حديث ليث بن أبي سُليم، وعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، لما يشمل الكل من اسم العدالة والصدق وإن تفاوتوا حفظًا وإتقانًا.
وقوله:
٧٣ - وَنَحْوِهِ، وإنْ يَكُنْ ذُو السَّبْقِ قَدْ فَاتَهُ، أدْرَكَ بِاسْمِ الصِّدْق
ش: يعني أنه لا فرق بين الطريقين، غير أن مسلمًا شرط الصحيح فتحرَّج (٢) من حديث الطبقة الثالثة، وأبا داوود ما اشترطه فذكر ما يشتد وهنُه والتزم عنده البيان عنه.
وقوله:
٧٤ - هَلاَّ قَضى عَلى كِتَابِ (مُسْلِمِ) بِمَا قَضَى عَلَيْهِ بِالتَّحَكُّم
_________________
(١) في الأصل: [قال] إلى مثل. وهو حشو.
(٢) في الأصل: فيخرج. خطأ، وانظر حاشية تحقيق شرح الناظم (١/ ١٦٥رقم٨).
[ ٧٠ ]
ش: هذا جواب عن اعتراض اليعمري (١)، وهو أن مسلمًا التزم الصحة في كتابه فليس لنا أن نحكم على حديث خرجه فيه بأنه حسن عنده لقصور الحسن عن الصحيح، وأبو داود قال: إن ما سكت عنه فصالح. والصالح قد يكون صحيحًا، وقد يكون حسنًا عند من يرى الحَسَن دون الصحيح رتبةً، وما نقل عن أبي داود هل يقول بذلك، أو يرى ما ليس بضعيف صحيحًا؟ فكان الأحوط ألا يُرتفع بما سكت عنه إلى الصحة حتى يُعلم أن رأيه هو الثاني، ويحتاج إلى نقل. والضمير المجرور بـ «على» يعود إلى كتاب أبي داود.
وقوله:
٧٥ - وَ(البَغَوِيْ) إذْ قَسَّمَ المَصْابحَا إلى الصِّحَاحِ والحِسَانِ جَانِحا
ش: قلت البغوي نسبةً إلى بلد من بلاد خُراسان يقال لها «بغ» و«بغشور» وقيل [١٦ - أ] لأبي القاسم هذا البغوي؛ لأجل جده أحمد بن منيع البغوي، ووُلِدَ هو ببغداد ونشأ بها، وكان محدِّث العراق في عصره، وإليه الرحلة من البلاد، انتهى.
يعني أن البغوي رُدَّ عليه تسميته في كتاب «المصابيح» ما رواه أصحاب السُّنن: الحسان؛ إذ في السنن غير الحسن من الضعيف والصحيح إذا قلنا الحسن ليس أعم من الصحيح.
_________________
(١) كذا قال المصنف وهو خطأ فهذا البيت تتمة لكلام اليعمري، وما ذكره هو جواب الناظم عن كلام اليعمري كله، كما تجد تفصيله في شروح «الألفية».
[ ٧١ ]
وقوله:
٧٦ - أنَّ الحِسَانَ مَا رَوُوْهُ في السُّنَنْ رَدَّ عَلَيهِ إذْ بِهَا غَيْرُ الحَسَنْ
ش: فـ «أَنَّ» بفتح الهمزة بإسقاط «إلى» أي: جانحا «إلى» أن.
وقوله:
٧٧ - كَانَ (أبُوْ دَاوُدَ) أقْوَى مَا وَجَدْ يَرْوِيهِ، والضَّعِيْفَ حَيْثُ لاَ يَجِدْ
ش: هذا بيان لكون السنن فيها غير الحسن، لقول أبي داوود، يعني أنه يذكر في كل باب أصحَّ ما عرفه في ذلك الباب قال ابن منده عنه إنه يخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده من رأي الرجال.
وقوله:
٧٨ - في البَابِ غَيْرَهُ فَذَاكَ عِنْدَهْ مِنْ رَأيٍ اقوَى قَالهُ (ابْنُ مَنْدَهْ)
ش: معناه ما تقدم.
وقوله:
٧٩ - وَالنَّسَئي يُخْرِجُ مَنْ لَمْ يُجْمِعُوا عَليْهِ تَرْكًَا، مَذْهَبٌ مُتَّسِعُ
ش: قال ابن منده: إنه سمع محمد بن سعد الباوردي -بالباء الموحدة- بمصر يقول: كان مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يُجْمَع على تركه.
و«مذهبٌ متسعٌ» خبر مبتدأ محذوف أي: «وهو ».
وقوله: [١٦ - ب]
[ ٧٢ ]
٨٠ - وَمَنْ عَليها أطْلَقَ الصَّحِيْحَا فَقَدْ أَتَى تَسَاهُلًا صَرِيْحَا
ش: يعني أن من أطلق الصحيح على كتب السنن فقد تساهل كالسِّلَفي، حيث يقول في الكتب الخمسة: اتفق على صحتها المشرق والمغرب.
وكالحاكم حيث يطلق على الترمذي «الجامع الصحيح» وكذا الخطيب أطلق على النسائي: «الصحيح».
٨١ - وَدُوْنَهَا في رُتْبَةٍ مَا جُعِلاَ عَلى المَسَانِيْدِ، فَيُدْعَى الجَفَلَى
ش: يعني أن دون السنن في رتبةِ الصَّحيح المصنَّف على المسانيد مما أُفرد فيه حديث كلِّ صحابي على حِدة من غير نظر للأبواب كأبي داوود الطيالسي، ويقال إنه أول مسنَد صُنِّفَ، وكمسند الإمام أحمد، والبزار، والبغوي، والدارمي عند ابن الصلاح، ووَهِم لأنه مُرَتَّبٌ على الأبواب.
و«يُدعَى الجَفَلا» بضم أول الفعل مبنيًا للمفعول.
و«الجَفَلا» بضم الجيم (١) والفاء مقصور: الدعوة العامة للطعام، والدعوة الخاصة عندهم تسمى النقرى.
قلت: والنقرى بفتح النون، والقاف، والراء المهملة، وبعده ألف. قال الأخفش: يقال: دُعي فلان في النقرى لا في الجفلا قال طَرَفة الشاعر:
نحن في المَشْتَاة ندعو الجَفَلا لا ترى الآدب فينا ينتقر
_________________
(١) كذا، وصوابها: بفتح الجيم. كما في شرح الناظم: (١/ ١٧٠).
[ ٧٣ ]
وكنى بذلك عن [كون] (١) المسانيد [دون السنن في مرتبة الصحة، لأن من جمع مسند الصحابي يجمع] (٢) فيه ما يقع له من حديث الصحابي صَلُح للاحتجاج أم لا.
وقوله:
٨٢ - كَمُسْنَدِ (الطَّيَالَسِيْ) و(أحْمَدَا) وَعَدُّهُ (لِلدَّارِميِّ) انْتُقِدَا
ش: [١٧ - أ] فالضمير في «عَدُّه» لابن الصلاح.
قلت: «الطَّيالسي» بفتح الطاء، والياء المثناة تحت، وبعده ألف، فلام مكسورة، فسين مهملة، نسبةً إلى الطَّيَالِسَة التي تجعل على العمائم، وشُهِرَ بهذه النسبة إلى الطَّيالسة أبو داود سليمان، وأصله من فارس وسكن البصرة، يروي عن الدستوائي وغيره، وعن الإمام أحمد، وابن المديني وغيرهما، ومسنده هذا من حَسَنِ الحديث، ولي به رواية، والله أعلم، انتهى.
وقوله:
٨٣ - والحُكْمُ لِلإسْنَادِ بِالصِّحَّةِ أوْ بِالْحُسْنِ دُوْنَ الحُكْمِ لِلمَتْنِ رَأَوْا
ش: يعني أنهم يرون الحكم (٣) بالصحة للإسناد دون المتن، فيقولون: هذا حديث إسناده صحيح، دون قولهم هذا حديث صحيح، وكذلك يقولون في حكمهم على الإسناد بالحسن: هذا إسناده حسن، دون: حديث حسن؛ لأنه
_________________
(١) في الأصل: إجماع. خطأ، والتصحيح من المصدر.
(٢) زيادة من المصدر سقطت من الأصل.
(٣) في الأصل: الحاكم. خطأ.
[ ٧٤ ]
قد يَصِحُّ الإسناد لثقة رجاله، ولا يَصِحُّ الحديث لشذوذٍ أو علةٍ.
وقوله:
٨٤ - وَاقْبَلْهُ إنْ أَطْلَقَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ وَلَمْ يُعَقِّبْهُ بضَعْفٍ يُنْتَقَدْ
ش: يعني أن المعتَمد من المُصَنِّفين إذا اقتصر على: «صحيح الإسناد»، ولم يذكر له علة، ولم يقدح فيه، فالظاهر الحُكْم بالصحة في نفس الحديث، لعدم العلة والقادح في الظاهر والأصل، كذا قال ابن الصلاح، وزاد (ن): وكذلك لو اقتصر على قوله: «حسن الإسناد»، ولم يعقبه بضعف فَيُحْكَم له بالحُسْن.
وقوله:
٨٥ - وَاسْتُشْكِلَ الحسْنُ مَعَ الصِّحَّةِ في مَتْنٍ، فَإنْ لَفْظًا يَرِدْ فَقُلْ: صِفِ [١٧ - ب]
ش: يعني أن الجماعة استشكلوا قول الترمذي مثلًا أو غيره: «هذا حديث حسن صحيح»، كيف يجمع بينهما مع كون الحسن قاصرًا عن الصحيح، فيكون جَمَعَ إثبات القصور ونفيه في حديث واحد؟ وأجاب ابن الصلاح عنه بجوابين ضَعَّفَهُما القُشيري؛ أحدهما: أن ذلك يرجع إلى الإسناد بأن يكون له إسنادان صحيح وحسن. فأورد (١) عليه القشيري أحاديث قيل فيها ذاك، وليس لها إلا مخرج واحد، كقول الترمذي في مواضع: «هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه»، كقوله في حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁: «إذا بقى نصف شعبان فلا
_________________
(١) في الأصل: «ش» فأورد
[ ٧٥ ]
تصوموا» فقال فيه: «حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ».
والثاني: أنه أراد بالحسن معناه اللغوي دون العرفي.
قال القشيري: فيلزم عليه أن يُطْلَق على الموضوع إذا كان حَسَن اللفظ حَسَن.
وقد مزج (ن) هذين الجوابين بردهما في هذا البيت وما بعدها بقوله:
٨٦ - بِهِ الضَّعِيْفَ، أوْ يَرِدْ مَا يَخْتَلِفْ سَنَدُهُ، فَكَيْفَ إنْ فَرْدٌ وصِفْ؟
٨٧ - وَ(لأبي الفَتْحِ) في الاقْتِرَاحِ أنَّ انفِرَادَ الحُسْنِ ذُوْ اصْطِلاَح
ش: أجاب القشيري أبو الفتح عن ما استشكله في كتابه «الاقتراح» لما رَدَّ الجوابين كما رأيت بأن الحَسَن لا يُشترط فيه أن يكون قاصرًا عن الصحة إلا إن انفرد فيراد به حينئذ الحَسَن لا العُرفي (١)، وأما إن ارتفع إلى درجة الصحة [١٨ - أ] فالحسن حاصل تبعًا للصحة لا محالة؛ لأن وجود الدرجة العليا وهي الحفظ والإتقان، وذلك لا ينافي وجود الدنيا كالصدق، فيقال حسن باعتبار الدنيا، صحيح باعتبار العليا، وعلى ذلك فالصحة أخَصّ، فكل صحيح حسن، وأيده قولهم: «حسن» في الأحاديث الصحيحة كما هو في كلام المتقدمين.
وقد قال ابن المواق: كل صحيح عند الترمذي حسن، ولا ينعكس. وإلى هذا أشار بقوله:
_________________
(١) أي: فيراد به الحسن الاصطلاحي. كما هو تعبير الناظم في شرحه (١/ ١٧٣).
[ ٧٦ ]
٨٨ - وَإنْ يَكُنْ صَحَّ فَليْسَ يَلْتَبِسْ كُلُّ صَحِيْحٍ حَسَنٌ لاَ يَنْعَكِسْ
٨٩ - وَأوْرَدوا مَا صَحَّ مِنْ أفْرَادِ حَيْثُ اشْتَرَطْنَا غَيْرَ مَا إسْنَاد
ش: هذا إيراد أورده ابن سيد الناس على ابن المواق، فقال: قد بقي عليه أنه اشترط في الحَسن أن يُرْوَي نحوه من وجه آخر، ولم يشترط ذلك في الصحيح، فانتفى ما قاله، وعلى هذا فالأفراد الصحيحة ليست بحسنة عند الترمذي؛ إذ يشترط في الحسن أن يروى من غير وجه، كحديث الأعمال، والسَّفَر قطعة من العذاب، ونهى عن بيع الولاء وهبته.
وأجاب (ن) (١) عن هذا بأن الترمذي إنما يشترط مجيئه من وجه آخر إذا لم يبلغ رتبة الصحيح، فإن بلغها لم يشترط ذلك، كقوله في مواضع: «هذا الحديث حديث حسن صحيح غريب» لما ارتفع إلى درجة الصحة أثبت له الغرابة باعتبار فرديته، انتهى.
_________________
(١) (١/ ١٧٥).
[ ٧٧ ]
القِسْمُ الثَّالِثُ: الضَّعِيْفُ
قوله:
٩٠ - أمَّا الضَّعِيْفُ فَهْوَ مَا لَمْ يَبْلُغِ مَرْتَبَةَ الحُسْنِ، وإنْ بَسْطٌ بُغِي:
ش: يعني أن ما قَصُر عن رتبة الحسن فهو ضعيف.
وقوله: «وإن بسطٌ بُغي» معناه: إذا أردت [١٨ - ب] أقسام الضعيف باعتبار الانفراد والاجتماع فتنتهي الأقسام إلى اثنين وأربعين قسمًا أشار إليها (ن) ﵀ بقوله:
٩١ - فَفَاقِدٌ شَرْطَ قَبُوْلٍ قِسْمُ وَاثْنَيْنِ قِسْمٌ غَيْرُهُ، وَضَمُّوْا
٩٢ - سِوَاهُما فَثَالِثٌ، وَهَكَذَا وَعُدْ لِشَرْطٍ غَيْرَ مَبْدُوٍّ فَذَا
٩٣ - قِسْمٌ سِوَاهَا ثُمَّ زِدْ غَيْرَ الَّذِي قَدَّمْتُهُ ثُمَّ عَلى ذَا فَاحْتَذِي
ش: قوله: «ففاقد» مبتدأ يسوغ الابتداء به، وهو نكرة اسم فاعل منون عمله النصب في «شرطَ قبولٍ». وقوله: «قسم» خبره، والجملة في محل الجزم على الجواب.
ش: ومعنى ذلك أن ما فُقِدَ فيه شرطٌ من شروط القبول فهو قسم، وشروط القبول هي شروط الصحيح والحسن وهي ستة:
[ ٧٨ ]
أولها: اتصال السند حيث لم ينجبر [المرسل] (١) بما يؤكده كما سيأتي.
وثانيها: عدالة الرجال.
وثالثها: السلامة من كثرة الخطأ والغفلة.
ورابعها: مجيء الحديث من وجه آخر حيث كان في الإسناد مستور، لم تعرف أهليته، وليس متهمًا كثير الغلط.
وخامسها: السلامة من الشذوذ.
وسادسها: السلامة من العلة القادحة.
ففاقد الأول قسم تحته قسمان: منقطع، ومرسل لم ينجبر.
وقوله: «واثنين» هو بالنصب عطفًا على «شرط قبول» أي: وفاقد شرطًا مضافًا إلى الشرط الأول الذي هو الاتصال قسم غير القسم الأول وتحته اثنا عشر قسمًا إذ فقد العدالة [يدخل] (٢) تحته الضعيف والمجهول [وهذه أقسامه] (٣).
مرسل في إسناده ضعيف.
منقطع فيه ضعف.
مرسل فيه [١٩ - أ] مجهول.
_________________
(١) في الأصل: المسند. خطأ، والتصحيح من المصدر.
(٢) زيادة من المصدر.
(٣) زيادة من المصدر.
[ ٧٩ ]
منقطع فيه مجهول.
مرسل فيه مغفل كثير الخطأ، وإن كان عدلًا.
منقطع فيه مغفل كذلك.
مرسل فيه مستور، لم ينجبر بمجيئه من وجه آخر.
منقطع فيه مستور، لم يجيء من وجه آخر.
مرسل شاذ.
منقطع شاذ.
مرسل معلل.
منقطع معلل.
وقوله: «وضموا سواهما» أي: وإن ضموا إلى فقد الشرطين المتقدمين فقد شرط ثالث فهو قسم ثالث من أصول الأقسام، وتحته عشرة أقسام:
مرسل شاذ فيه عدل مغفل كثير الخطأ.
منقطع شاذ فيه مغفل كذلك.
مرسل معلل فيه مغفل (١).
[منقطع معلل] (٢) فيه ضعف.
_________________
(١) في المصدر: ضعيف.
(٢) زيادة من المصدر.
[ ٨٠ ]
مرسل معلل فيه مجهول.
منقطع معلل فيه مجهول.
مرسل معلل فيه مغفل كذلك.
منقطع معلل فيه مغفل كذلك.
مرسل معلل فيه مستور، لم ينجبر.
منقطع معلل فيه مستور كذلك.
وقوله: «هكذا» يعني أنك تعد هكذا إلى آخر الشروط الستة، فتأخذ ما فقد فيه الاتصال مع فقد السلامة من الشذوذ (١) والسلامة من العلة [ثم أخذ ما فقد فيه شرط آخر مضمومًا إلى فقد هذه الشروط الثلاثة] (٢) وصورتها (٣).
مرسل شاذ معلل.
منقطع شاذ معلل.
[مرسل] (٤) شاذ معلل فيه مغفل كثير الخطأ.
منقطع شاذ معلل فيه مغفل كذلك فهذه ثمانية وعشرون قسمًا.
وقوله: «وعُد لشرط» (خ)، معناه: أنك تعود فتبدأ بما فُقد منه شرط واحد
_________________
(١) في الأصل: السلامة من الشذوذ [والسلامة من الشذوذ]. تكرار.
(٢) زيادة من المصدر.
(٣) كذا.
(٤) زيادة من المصدر.
[ ٨١ ]
غير الشرط الأول الذي هو الاتصال، وهو عدالة الرجال، وتحته قسمان [ما] (١) في إسناده ضعيف. ما فيه مجهول.
وهذه ثلاثون قسمًا.
وقوله: «فذا قسم سواها» أي: فهذا القسم [١٩ - ب] الذي فقد فيه ثقة الرواة قسم آخر من أصول الأقسام سوى الأقسام الأصول المذكورة.
وقوله: «ثم زد» (خ)، معناه: أنك تزيد على فَقْدِ عدالة الراوي فَقْدَ شرط آخر غير الشرط المبدوء به الذي هو الاتصال، وتحته قسمان: ما فيه ضعف وعلة، ما فيه مجهول وعلة. وهذه اثنان وثلاثون.
وقوله: «على ذا فاحتذي» قلت: احتذي بالحاء المهملة، والتاء المثناة فوق، والذال المعجمة، إذا اقتدى به. قال (ن) في (ش) (٢): «وأدخلت الياء في آخره لضرورة القافية». قلت: وهو حذف فصيح لقصد تناسب بعض القوافي مع بعض صَرَّح به ابن الحاجب في «الشافية» (٣) التصريفية قائلًا: وإثبات الواو والياء في الفواصل والقوافي فصيح، انتهى.
والمعنى كَمِّل العمل الباقي الذي بدأت فيه بفقد الشرط المثنى به كما كَمَّلت العمل الأول، وهو أن تضم إلى فقد هذين الشرطين فقد شرط ثالث، ثم تعود فتبدأ بما فقد فيه غير المبدوء به، والمثنى به، وهو سلامة الراوي من
_________________
(١) زيادة من المصدر.
(٢) (١/ ١٧٩).
(٣) (ص٦٥).
[ ٨٢ ]
الغفلة. ثم تزيد عليه وجود الشذوذ أو العلة أو هما معًا. ثم تعوذ فتبدأ بما فقد فيه شرط رابع وهو عدم مجيئه من وجه آخر حيث كان في إسناده مستور. ثم تزيد عليه وجود العلة. ثم تعود فتبدأ بما فقد فيه الخامس وهو السلامة من الشذوذ. ثم تزيد عليه وجود العلة معه، ثم نختم بفقد السادس.
ويدخل تحت ذلك باقي الأقسام وهي عشرة: شاذ معلل فيه عدل مغفل كثير الخطأ.
ما فيه مغفل [٢٠ - أ] كثير الخطأ.
شاذ فيه مغفل كذلك.
معلل فيه مغفل كذلك.
[شاذ معلل فيه مغفل كذلك] (١).
ما في إسناده مستور لم تعرف أهليته، ولم يرو من وجه آخر.
معلل فيه مستور كذلك.
شاذ.
شاذ معلل.
معلل.
فهذه اثنان وأربعون قسمًا للضعيف، وله أقسام تختص به لقبًا كمقلوب (٢)
_________________
(١) زيادة من المصدر.
(٢) كذا، وعبارة الناظم في شرحه: ومن أقسام الضعيف ما له لقبٌ خاص كالمضطرب
[ ٨٣ ]
وموضوع ومنكر ومضطرب، [سيأتي] (١).
وقوله:
٩٤ - وَعَدَّهُ (البُسْتِيُّ) فِيما أوْعَى لِتِسْعَةٍ وَأرْبَعِيْنَ نَوْعَا
ش: «البُستي» قلت بضم الباء الموحدة، وإسكان السين المهملة، وبعده مثناة فوق، هو أبو حاتم محمد بن حِبَّان بكسر الحاء المهملة، وبعده موحدة.
ومعناه: أن البُستي فَصَّل أنواع الضعيف إلى تسعة وأربعين نوعًا.
و«أوعي» بالعين المهملة رباعيًا، أي: جمع وحفظ.
_________________
(١) في الأصل: باقي. خطأ، والتصحيح من المصدر.
[ ٨٤ ]
الْمَرْفُوْعُ
قوله:
٩٥ - وَسَمِّ مَرْفُوْعًا مُضَافًا لِلنَّبي وَاشتَرَطَ (الخَطِيْبُ) رَفْعَ الصَّاحِب
ش: الحديث المرفوع المشهور فيه أنه: ما أُضيف إلى النبي ﷺ قولًا له أو فعلًا صحابيًا، كان المضيف أو تابعيًا أو غيرهما، اتصل إسناده أم لا، فتناول: المتصل، والمرسل، والمنقطع، والمعضل.
وقوله: «واشترط الخطيب» (خ)، يعني أن الخطيب حَدَّهُ بأنه ما أخبر به الصاحب عن قول الرسول أو فعله، فيخرج مرسل التابعي وغيره.
وقوله:
٩٦ - وَمَنْ يُقَابِلهُ بِذي الإرْسَالِ فَقَدْ عَنَى بِذَاكَ ذَا اتِّصَال
ش: يعني أن [من] (١) قابل الحديث المرفوع بالمرسل فإنه يعني بالمرفوع: المتصل المسند.
_________________
(١) زيادة من عندي يقتضيها السياق.
[ ٨٥ ]
الْمُسْنَدُ
قوله: [٢٠ - ب]
٩٧ - وَالمُسْنَدُ المَرْفُوْعُ أوْ مَا قَدْ وُصِلْ لَوْ مَعَ وَقفٍ وَهوَ في هَذَا يَقِلْ
ش: يعني أن الحديث المسنَد في حَدِّه ثلاثة أقوال:
الأول: أنه المرفوع إلى النبي ﷺ، ونص أبو عمر في «التمهيد» قائلًا: وقد يكون منقطعًا. فالمتصل: كمالك عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ، والمنقطع كمالك عن الزهري عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ. قال: فهذا مسند لأنه أُسند إلى رسول الله ﷺ، ومنقطع لأن الزهري لم يسمع من ابن عباس.
وقوله: «أو ما قد وُصِل» (خ)، هذا هو القول الثاني دل عليه «أو» المنوعة للخلاف مع ما بعده، وهو أن المسند ما اتصل إسناده نص عليه ابن الصَّبَّاغ في «العُدة» فيدخل تحته المرفوع والموقوف.
وقوله: «لو مع وقف» (خ)، يعني أن المسند ما اتصل إسناده وإن رُفع إلى صحابي (١) لكن ذلك قليل بخلافه فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) كذا، ولعل صوابها: وإن وقف على صحابي.
[ ٨٦ ]
وسلم كثيرًا، كذا نص ابن الصلاح.
وقوله:
٩٨ - وَالثالِثُ الرَّفْعُ مَعَ الوَصْلِ مَعَا شَرْطٌ بِهِ (الحَاكِمُ) فِيهِ قَطَعَا
ش: هذا القول الثالث وهو أن المسند مخصوص بما رفع إلى النبي ﷺ بإسنادٍ متصلٍ، وبه جزم أبو عبد الله الحاكم، وحكاه أبو عمر قولًا لهم.
[ ٨٧ ]
الْمُتَّصِلُ وَالْمَوْصُوْلُ
وقوله:
٩٩ - وَإنْ تَصِلْ بِسَنَدٍ مَنْقُوْلاَ فَسَمِّهِ مُتَّصِلًا مَوْصُوْلا
ش: يعني أن المتصل [٢١ - أ] والموصول: ما اتصل إسناده إلى النبي ﷺ أو إلى صحابي موقوف عليه.
وهذا معنى قوله:
١٠٠ - سَوَاءٌ المَوْقُوْفُ وَالمَرْفُوْعُ
وقوله:
وَلَمْ يَرَوْا أنْ يَدْخُلَ المَقْطُوْعُ
ش: يعني أن قول التابعي إذا اتصل الإسناد إليه لا يسمى متصلًا، وقيد (ن) (١) المنع بحالة الإطلاق بخلاف القيد كقولهم هذا متصل إلى ابن المسيب أو إلى مالك نحوه.
_________________
(١) شرحه (١/ ١٨٤).
[ ٨٨ ]
الْمَوْقُوْفُ
قوله:
١٠١ - وَسَمِّ بالمَوْقُوْفِ مَا قَصَرْتَهُ بِصَاحِبٍ وَصَلْتَ أوْ قَطَعْتَهُ
ش: يعني أن الموقوف هو ما قصرته بصحابي قولًا أو فعلًا من غير أن يتجاوز به النبي ﷺ، اتصل إسناده إليه أم لا.
وقوله:
١٠٢ - وَبَعضُ أهْلِ الفِقْهِ سَمَّاهُ الأثَر وَإنْ تَقِفْ بِغَيرِهِ قَيِّدْ تَبرْ
ش: يعني أن بعض الفقهاء خص الأثر بالموقوف، والمرفوع بالخبر، نَصَّ عليه الفُوراني أبو القاسم فيما نقله ابن الصلاح.
قلت: وتأمل قول النووي رحمه الله تعالى في «التقريب»: «وعند فقهاء خراسان» (خ) (١) ففيه نظر.
وقوله: «وإن تَقِف» (خ)، يعني: أنك إذا استعملت الموقوف عن غير الصحابي تابعيًا أو غيره فقيده به كموقوف على عطاء، أو على مالك، أو على الشافعي، ونحو ذلك، وعلى هذا فالصواب أن تقرأ قول (ن) «وإن تقف بغيره» لا بتابع (٢)، وكلام ابن الصلاح فيما أشار إليه (ن) يدل على ذلك.
_________________
(١) عبارة النووي: وعند فقهاء خراسان تسمية الموقوف بالأثر والمرفوع بالخبر. «التقريب»: (١/ ١٨٤) مع «التدريب».
(٢) أي فلا تقيد الغير بالتابعي، بل هو أعم من ذلك.
[ ٨٩ ]
الْمَقْطُوْعُ
قوله:
١٠٣ - وَسَمِّ بِالمَقْطُوْعِ قَوْلَ التَّابِعي وَفِعْلَهُ، وَقَدْ رَأى (للشَّافِعِي) [٢١ - ب]
١٠٤ - تَعْبِيرَهُ بِهِ عَنِ المُنقطِعِ قُلْتُ: وَعَكسُهُ اصطِلاحُ (البَردَعِي)
ش: يعني أن المقطوع هو ما جاء عن التابعين من أقوالهم وأفعالهم موقوفًا عليهم.
وقوله: «وقد رأى» (خ)، يعني: أن ابن الصلاح رأى أن التعبير بالمقطوع عن المنقطع وقع في كلام الشافعي وأبي قاسم الطبراني وغيرهما.
قال (ن) (١): ووجدتُه في كلام أبي بكر الحميدي والدارقطني انتهى.
وقوله: «قلت» (خ)، يعني: أن اصطلاح البَرْدَعي عَكْس ذلك وهو التعبير بالمنقطع عن المقطوع، وهو أنه جعل المنقطع هو قول التابعي وهذا وإن حكاه ابن الصلاح غير معين (٢) فزاد (ن) هنا عزوه.
و«البَرْدَعي» قلت: بفتح الباء الموحدة، وإسكان الراء، وفتح الدال المهملتين، وبعده عين مهملة، نسبةً إلى بَرْدَعه بلدة بأقصى بلاد أذربيجان
_________________
(١) (١/ ١٨٦).
(٢) أي لم يعين القائل به.
[ ٩٠ ]
نسب إليها جماعة، ومنهم الحافظ هذا أبو بكر أحمد بن هارون، انتهى.
وقوله:
فُرُوْعٌ
١٠٥ - قَوْلُ الصَّحَابيِّ (مِنَ السُّنَّةِ) أوْ نَحْوَ (أُمِرْنَا) حُكْمُهُ الرَّفْعُ، وَلَوْ
١٠٦ - بَعدَ النَّبِيِّ قالَهُ بِأَعْصُرِ عَلى الصَّحِيْحِ، وهوَ قَوْلُ الأكْثَر
ش: هذا تفريع على الموقوف، فالفرع الأول: أن يقول الصحابي: «من السنة كذا»، كما قال علي ﵁: «من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت» السرة في رواية أبي داود، ومن رواية ابن داسة وابن الأعرابي (١).
وأن يقول: «أُمرنا بكذا، ونهينا عن كذا»، كما قالت أم عطية: «أمرنا أن نخرج [٢٢ - أ] في العيدين العواتق » الحديث، وقالت: «نهينا عن اتباع الجنائز» الحديث.
وقوله: «حكمه الرفع» يعني: أنه مرفوع عندهم وعند أكثر العلماء لظهور أن النبي ﷺ هو الآمر الناهي، وأنها سنته، وخالف فريق منهم الإسماعيلي أبو بكر فقالوا: ليس بمرفوع.
قال (ن) (٢): وجزم به أبو بكر الصيرفي في «الدلائل»، انتهى.
_________________
(١) أي من روايتهما لسنن أبي داود.
(٢) (١/ ١٨٩).
[ ٩١ ]
وقوله: «ولو بعد النبي» (خ) يعني: أن حكمه الرفع مطلقًا قاله في زمن الرسول أو بعده بمُضي أعصر، أما إذا صرح الصحابي به ﷺ كأن يقول: «أَمَرَنا رسول الله ﷺ» فقال (ن) (١): لا أعلم فيه خلافًا إلا ما حكاه ابن الصباغ في «العدة» عن داود وبعض المتكلمين أنه لا يكون حجة حتى ينقل لنا لفظه، وضَعَّفَهُ (٢)، انتهى.
وقوله:
١٠٧ - وَقَوْلُهُ (كُنَّا نَرَى) إنْ كانَ مَعْ عَصْرِ النَّبِيِّ مِنْ قَبِيْلِ مَا رَفَعْ
ش: هذا فرع ثان وهو أن يقول الصحابي: «كنا نرى كذا، أو نفعل، أو نقول كذا»، أو نحوه، فإن كان مضافًا إلى زمن النبي ﷺ [كقول جابر: «كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ»] (٣).
وقوله: «كنا نأكل لحوم الخيل على عهد النبي ﷺ» في رواية النسائي وابن ماجه، فقطع الحاكم وغيره من أهل الحديث وغيرهم أنه مرفوع، وصححه الأصوليون: الرازي، والآمدي، وأتباعهما.
وذهب الإسماعيلي لما سأله البرقاني عن ذلك إلى أنه موقوف، وأنكر كونه من المرفوع [٢٢ - ب]، وهو بعيد؛ لأن الظاهر أنه ﷺ اطَّلَع عليه وقَرَّرهم.
_________________
(١) (١/ ١٨٩).
(٢) في الأصل: «أو ضعفه» خطأ. والمراد أن الناظم ضَعَّف هذا القول.
(٣) زيادة من المصدر سقطت من الأصل.
[ ٩٢ ]
قال (ن): أما إذا كان في القصة اطِّلَاعه فمرفوع إجماعًا، كقول ابن عمر: «كنا نقول ورسول الله ﷺ حي أفضل هذه الأمة بعد نبيهم: أبو بكر وعمر وعثمان، ويسمع ذلك رسول الله ﷺ فلا ينكره» فيما رواه (ط) (١) في أكبر «معاجمه».
قال (ن): والحديث في الصحيح [لكن] (٢) ليس فيه اطلاع النبي ﷺ على ذلك صريحًا، انتهى.
وقوله:
١٠٨ - وَقِيْلَ: لا، أوْ لا فَلا، كَذاكَ لَه و(لِلخَطِيْبِ) قُلْتُ: لكِنْ جَعَلَهْ
١٠٩ - مَرفُوعًا (الحَاكِمُ) و(الرَّازِيُّ ابنُ الخَطِيْبِ)،وَهُوَ القَوِيُّ
ش: يعني أنه قيل بأنه موقوف لا مرفوع كما حكيناه عن الإسماعيلي.
وقوله: «أو لا فلا» يعني: وإن كان قول الصحابي (٣) «كنا نرى» غير مضاف إلى زمن النبي ﷺ فليس بمرفوع.
وقوله: «كذاك له» يعني أن هذا لابن الصلاح تبعًا للخطيب.
وقوله «قلت» (خ)، زاد المؤلف على ابن الصلاح أن الحاكم والرازي وهو الإمام فخر الدين جعلاه مرفوعًا وإن [لم] (٤) يضفه إلى زمن النبي صلى الله
_________________
(١) أي: الطبراني. «المعجم الكبير»: (رقم ١٣١٣٢).
(٢) في الأصل: فليس. وما أثبتناه من المصدر.
(٣) في الأصل: البخاري. خطأ.
(٤) زيادة من عندي، فعبارة الناظم: ولو لم يقيده بعهد النبي
[ ٩٣ ]
عليه وسلم كقول عائشة ﵂: «كانت اليد لا تُقطع في الشيء التافه».
وقوله: «وهو القوي»: يعني أن هذا القول قوي كما قال النووي في «شرح المهذب» أنه قوي من حيث المعنى، وهو ظاهر نص الإمام والآمدي.
قال (ن) (١): وقال به أيضًا كثير من الفقهاء، انتهى [٢٣ - أ].
١١٠ - لكنْ حَدِيْثُ (كانَ بَابُ المُصْطَفَى يُقْرَعُ بالأظفَارِ) مِمَّا وُقِفَا
١١١ - حُكْمًا لَدَى (الحَاكِمِ) و(الخَطِيْبِ) وَالرَّفْعُ عِنْدَ الشَّيخِ ذُوْ تَصْوِيْب
الشرح: يعني أن الحاكم والخطيب قالا في حديث رواه المغيرة بن شعبة ﵁ قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ يقرعون بابه بالأظافير» أنه موقوف.
وقوله: «والرفع» (خ)، يعني: أن الشيخ ابن الصلاح صوب كونه مرفوعًا، وأَوَّل مرادهما بأنه ليس مرفوعًا لفظًا بل مرفوعًا معنى.
وقوله:
١١٢ - وَعَدُّ مَا فَسَّرَهُ الصَّحَابي رَفْعًَا فَمَحْمُوْلٌ عَلَى الأسْبَاب
الشرح: هذا فرع ثالثٌ وهو تفسير الصحابي فإنه موقوف ومن عَدَّهُ في المرفوع وهو الحاكم وعزاه للشيخين فَحُمِل على تفسير يتعلق بسبب نزول آيةٍ يخبر به الصحابي أو نحوه، كقول جابر ﵁: كانت اليهود
_________________
(١) (١/ ١٩٣).
[ ٩٤ ]
تقول: من أتى امرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]، الآية. بخلاف سائر تفاسير الصحابة غير مضافٍ شيء منها إلى رسول الله ﷺ فموقوف.
فقوله: «رفعًا» بالنصب بمعنى مرفوع، والعامل فيه «عَدُّ» المبتدأ.
قلت: وخبره «فمحمول» انتهى.
وقوله:
١١٣ - وَقَوْلُهُمْ (يَرْفَعُهُ) (يَبْلُغُ بِهْ) روَايَةً يَنْمِيْهِ رَفْعٌ فَانْتَبِهْ [٢٣ - ب]
الشرح: هذا فرع رابعٌ وهو إذا قيل عن الصحابي: «يرفعه» أو «يَبْلُغ به» أو «ينميه» أو «رواية» فمرفوعٌ، فَعَبِّرْ برفعٍ عنه، ومثاله حديث الأعرج عن أبي هريرة روايةً: «تقاتلون قومًا صغار الأعين» الحديث في الصحيحين، وروى مالك في «الموطأ» عن أبي حازم، عن سهل بن سعدٍ، قال: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليُسرى في الصلاة» قال أبو حازم: لا أعلم إلا أنه ينمي ذلك.
ورواه البخاري من طريق القعنبي عن مالك فقال: ينمي ذلك إلى النبي ﷺ فَصَرَّح برفعه.
وقوله:
١١٤ - وَإنْ يَقُلْ (عَنْ تَابعٍ) فَمُرْسَلٌ قُلْتُ: مِنَ السُّنَّةِ عَنْهُ نَقَلُوْا
١١٥ - تَصْحِيْحَ وَقْفِهِ وَذُو احْتِمَالِ نَحْوُ (أُمِرْنَا) مِنْهُ (للغَزَالي)
[ ٩٥ ]
الشرح: يعني أن هذه الألفاظ إن قيلت عن تابعي يعني فمرسل.
وقوله «قلت» (خ)، يعني أن من الزوائد على ابن الصلاح أن قول التابعي: «من السنة» إلى آخر الباب فهل هو موقوف متصل أو مرفوع مرسل كالذي قبله؟ فهو وجهان للشافعي. ومثاله رواية للبيهقي من قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: السنة: تكبير الإمام يوم الفطر ويوم الأضحى حين يجلس على المنبر قبل الخطبة تسع تكبيراتٍ.
وقوله: «عنه» أي: عن التابعي.
وقوله: «نقلوا» (خ) [٢٤ - أ]، يعني أن الأصح في مسألة التابعي أنه موقوف، نَصَّ على ذلك النووي في «شرح المهذب»، وحكى الداوودي في «شرح مختصر المزني» أن الشافعي كان يرى في القديم أنه مرفوع، ثم رجع عنه قائلًا: لأنهم يطلقونه ويريدون سنة البلد.
وقوله: «وذو احتمال» (خ) يعني: أن التابعي إذا قال: «أُمرنا بكذا» ونحوه، فهل يكون موقوفًا أو مرفوعًا مرسلًا؟ فيه احتمالان للغزالي في «المستصفى»، ولم يُرَجِّح شيئًا.
قال (ن) (١): وجزم ابن الصباغ في «العدة» بإرساله، انتهى.
وقوله:
١١٦ - وَمَا أَتَى عَنْ صَاحِبٍ بحَيْثُ لا يُقَالُ رَأيًا حُكْمُهُ الرَّفْعُ عَلَى
_________________
(١) (١/ ١٩٨).
[ ٩٦ ]
١١٧ - مَا قَالَ في المَحْصُوْلِ نَحْوُ مَنْ أتَى (فَالحَاكِمُ) الرَّفْعَ لِهَذَا أثْبَتَا
الشرح: يعني أن ما جاء عن صحابي موقوفًا عليه، ومثله لا يُقال من قِبَل الرأي فمرفوع على ما نص عليه الإمام في «المحصول».
وقوله: «نحو: مَنْ أتى» (خ)، يعني: كقول ابن مسعودٍ: «من أتى ساحرًا أو عَرَّافًا فقد كفر بما أُنْزِل الله على محمد ﷺ». ترجم عليه الحاكم في «العلوم» (١) له: «معرفة المسانيد التي لا يُذكَر سَنَدُها عن رسول الله ﷺ»، وذكر فيه ثلاثة أحاديث هذا أحدها.
قال (ن) (٢): ولا يَخُصُّ ذلك [٢٤ - ب] المحصول بل نَصَّ عليه غَيرُ واحدٍ من الأئمة كأبي عُمر وغيره، وأدخل ابن عبد البر أبو عمر في «التقصي» أحاديث ذكرها مالك في «الموطأ» موقوفة مع أن موضوع الكتاب لما في «الموطأ» من الأحاديث المرفوعة، منها حديث سهل بن ابي حَثَمة في صلاة الخوف (خ)، انتهى.
وقوله:
١١٨ - وَمَا رَوَاهُ عَنْ (أبِي هُرَيْرَةِ) (مُحَمَّدٌ) وَعَنْهُ أهْلُ البَصْرَة
١١٩ - كَرَّرَ (قَالَ) بَعْدُ، (فَالخَطِيْبُ) رَوَى بِهِ الرَّفْعَ وَذَا عَجِيْبُ
الشرح: يعني أن ما رواه أهلُ البصرة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة: «قال: قال» فذكر حديثًا، ولم يَذْكر فيه النبي ﷺ، وإنما كَرَّر
_________________
(١) أي في كتابه: «معرفة علوم الحديث».
(٢) (١/ ١٩٩).
[ ٩٧ ]
لفظ «قال» بعد أبي هريرة، كما ذكر في «الكفاية» للخطيب من طريق موسى بن هارون الحمال، بسنده إلى حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة قال: قال: «الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مُصَلَّاه»، فقال الخطيب: إنه مرفوع (١). قال (٢): قلت للبرقاني: أحسب أن موسى عنى بهذا القول أحاديث ابن سيرين خاصَّة، فقال: كذا يجب. قال: ويحقق قول موسى ما قال ابنُ سيرين محمدٌ: كل شيء حدثته عن أبي هريرة فهو مرفوع، انتهى.
قال (ن) (٣): ووقع من ذلك روايةُ البخاري في المناقب [٢٥ - أ]: حدثنا سليمان بن حربٍ: حدثنا حماد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة قال: قال: «أسلم وغفار وشيء من مزينة». الحديث، وهو عند مسلم من رواية ابن عُلَيَّة عن أيوب مُصَرَّحٌ فيه بالرفع، انتهى.
_________________
(١) كذا وصواب العبارة من خلال شرح الناظم (١/ ٢٠١): قال موسى بن هارون: إذا قال حماد بن زيد والبصريون: قال: قال، فهو مرفوع.
(٢) أي: الخطيب.
(٣) (١/ ٢٠١ - ٢٠٢).
[ ٩٨ ]
الْمُرْسَلُ
قوله:
١٢٠ - مَرْفُوعُ تَابعٍ عَلى المَشهُوْرِ مُرْسَلٌ أو قَيِّدْهُ بِالكَبِيْر
١٢١ - أوْ سَقْطُ رَاوٍ مِنْهُ ذُوْ أقْوَالِ وَالأوَّلُ الأكْثَرُ في استِعْمَال
الشرح: المرسل في حَدِّه أقوال:
أحدها: أنه ما رفعه التابعي إلى النبي ﷺ كبيرًا كان التابعي كعبيد الله بن عدي بن الخيار، وابن المسيب، ومثلهما، أو صغيرًا كالزهري، وأبي حازمٍ، ومثلهما، وهذا هو المشهور.
وقوله: «أو قيده» (خ) هذا هو القول الثاني، وهو ما رفعه التابعي الكبير إلى النبي ﷺ، فهو مرسل باتفاقٍ، بخلاف مراسيل صغار التابعين فمنقطعة لا مرسلة على هذا القول.
تنبيه: وجعل ابن الصلاح من الصغار الزهري، وقوله (١): «إنه لم يَلْقَ من الصحابة إلا واحدًا أو اثنين، رَدَّهُ (ن) فإنه لقي اثني عشر صحابيًا فأكثر: ابن عمر، وأنس، وسهل، وربيعة بن عِبَاد -بكسر العين، وتخفيف الموحدة-، [٢٥ - ب] وعبد الله بن جعفر، والسائب بن يزيد، وسُنَين أبو جَميلة، وعبد
_________________
(١) أي: ابن الصلاح.
[ ٩٩ ]
الله بن عامرٍ، وأبو الطفيل، ومحمود بن الربيع، والمسور، وعبد الرحمن بن أزهر، انتهى.
وقوله: «أو سقط راوٍ» (خ) هذا هو القول الثالث، وهو: ما سقط راوٍ من إسناده فأكثر، من أي موضع كان، وعليه فاتحد المرسل والمنقطع.
قلت: فقوله: «ذو أقوال» خبر عن قوله «مرسل» انتهى.
وقوله: «والأول» (خ)، يعني أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال القول الأول، وقطع الحاكم وغيره من المحدثين بخصوصه بالتابعين.
وقوله:
١٢٢ - وَاحتَجَّ (مَاِلِكٌ) كَذا (النُّعْمَانُ) وَتَابِعُوْهُمَا بِهِ وَدَانُوْا
الشرح: يعني أن مالكًا وأبا حنيفة وأتباعهما ذهبوا إلى الاحتجاج بالمرسل والتدين به، وهو معنى قوله: «ودانوا».
قلت: والنعمان هو أبو حنيفة بن ثابت الإمام العالم العامل الخواف من الله تعالى.
قال الشافعي ﵁: قيل لمالك ﵁: هل رأيت أبا حنيفة؟ فقال: نعم رأيت رجلًا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته.
ونبهت على ذلك خشية أن يلتبس بأبي حنيفة النعمان صاحب المعز وقاضيه، وكان مالكي المذهب ثم انتقل إلى مذهب الإمامية، وصنف
[ ١٠٠ ]
[٢٦ - أ] كتاب «ابتداء الدعوة» للعبيديين، وكتاب «اختلاف الفقهاء» ينتصر فيه لأهل البيت ﵃.
وقوله:
١٢٣ - وَرَدَّهُ جَمَاهِرُ النُّقَّادِ؛ لِلجَهْلِ بِالسَّاقِطِ في الإسْنَاد
١٢٤ - وَصَاحِبُ التَّمهيدِ عَنهُمْ نَقَلَهْ وَ(مُسْلِمٌ) صَدْرَ الكِتَابِ أصَّلَهْ
الشرح: يعني أن صاحب «التمهيد» ابن عبد البر حَكَى في مقدمته عن جماعة من أصحاب الحديث عدم الاحتجاج به، وكذا نص مسلمٌ في أول «صحيحه»، قائلًا: «المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحُجَّة»، انتهى.
وقوله: «أَصَّله» قَصَد به الرد على ابن الصلاح، حيث أطلق نقله عن مسلم، ومسلمٌ إنما ذكره في أثناء كلام خصمه الذي رد عليه اشتراط ثبوت اللقاء فقال: «فإن قال: قُلْتُه ..» إلى آخر كلامه.
وقوله: «للجهل» (خ) اللام تتعلق بقوله «وَرَدَّهُ» يعني أن الجماهير رَدُّوا المرسل لما كان في شرط الحديث الصحيح ثقة رجاله، والمرسل سقط منه رجل جُهِلَ حالُه، فَعُدِم معرفةُ بعض رواته.
وقوله:
١٢٥ - لَكِنْ إذا صَحَّ لَنَا مَخْرَجُهُ بمُسْنَدٍ أو مُرْسَلٍ يُخْرِجُهُ
١٢٦ - مَنْ لَيْسَ يَرْوِي عَنْ رِجَالِ الأوَّلِ نَقْبَلْهُ، قُلْتُ: الشَّيْخُ لَمْ يُفَصِّل
[ ١٠١ ]
الشرح: يعني أن المرسل يُحتج به إذا أُسند من وجه آخر، أو [٢٦ - ب] أرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسِل الأول.
وقوله: «نقبْله» قال (ن) (١): مجزوم جوابًا للشرط على مذهب الأخفش والكوفيين كقول الشاعر:
إذا تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ فاصْبِر لَهَا وإذا تُصِبْك خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّل
قلت: لا أعرف هذا النحوي (٢) ونصوص مشاهير النحويين أن ذلك لا يكون إلا في الشعر، وظاهر كلام ابن مالكِ بأَخَرةٍ في نص «التسهيل» أنه يجوز الجزم بها في قليل من الكلام، ولا يختص بالشعر، وهو ظاهر كلام ابنه في الشرح لهذا الموطن انتهى.
وقوله: «قلت» (خ)، يعني أن من الزوائد على الشيخ ابن الصلاح الاعتراض عليه لما حكى كلام الشافعي رضي الله تعالى عنه فأطلق القول عن الشافعي أنه يقبل مطلق المرسل إذا تأكد بما ذَكَره، والشافعي إنما يقبل مراسيل كبار التابعين إذا تأكدت مع وجود الشرطين المذكورين في النظم كما نص عليه الشافعي في «الرسالة»، وروى كلام الشافعي كذلك الخطيب في «الكفاية»، والبيهقي في «المدخل» بإسناديْهِما الصَّحِيْحَيْن إليه، تَحَصَّل منه أن الشافعي يقبل مراسيل كبار التابعين إذا انضم إليها ما يؤكدها سواءً كان مرسل ابن المسيب أو غيره.
_________________
(١) (١/ ٢٠٨).
(٢) كذا، ولعل مقصوده أنه لا يعرف نسبة هذا الكلام للأخفش، وإلا فالأخفش إمامٌ لغوي شهير.
[ ١٠٢ ]
قال البيهقي: وقد ذكرنا مراسيل لابن المسيب لم يقل بها الشافعي حين لم ينضم إليها ما يؤكدها [٢٧ - أ]، ومراسيل لغيره قال بها حين انضم إليها ما يؤكدها.
وأما قول القفال المروزي في «شرح التلخيص» قال الشافعي في «الرهن الصغير»: «مرسل ابن المسيب عندنا حجة» فمحمول على ما قاله البيهقي.
وقوله:
١٢٧ - و(الشَّافِعِيُّ) بِالكِبَارِ قَيَّدَا وَمَنْ رَوَى عَنِ الثِّقاتِ أبَدَا
١٢٨ - وَمَنْ إذا شَارَكَ أهْلَ الحِفْظِ وَافَقَهُمْ إلاّ بِنَقْصِ لَفْظ
الشرح: يعني كما قررنا أن الشافعي ما أطلق كما أطلق الشيخ بل قصد ما قررناه.
وقوله: «ومن روى» (ح) يعني: ومن روى ما أرسله عن الثقات، أو من روى مطلقًا عن الثقات المراسيل وغيرها، وعبارة الشافعي تحتمل ذلك، ويبقى النظر في أيهما أرجح حملًا لكلام (ن) على أرجح محملي كلام الشافعي.
وقوله: «ومن إذا» (خ) يعني: أن الشافعي قَيَّدَ في لفظه قبول المرسل بأن يكون إذا سَمَّى من روى عنه لم يُسم مجهولًا ولا مرغوبًا عن الرواية عنه، ويكون إذا شرك أحدًا من الحفاظ في حديثه لم يخالفه، فإن خالفه بأن وجد حديثه أنقص كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه، قال: ومتى خالف ما وصفت أضَرَّ بحديثه حتى لا يسع أحدًا قبول مرسله، إلى آخر كلام الشافعي ﵁.
[ ١٠٣ ]
وقوله:
١٢٩ - فَإنْ يُقَلْ: فَالمُسْنَدُ المُعْتَمَدُ فَقُلْ: دَلِيْلانِ بِهِ يُعْتَضَدُ [٢٧ - ب]
الشرح: يعني إن قيل: المرسل إذا أسند من وجه آخر قُبِل والاعتماد على كونه مسندًا ولا حاجة للإرسال.
فيُجَاب بأن المسند وسيلةٌ للإرسال، ومُصَحِّحٌ له، فصارا دليلين يُرَجَّح بهما عند معارضة (١) دليلٍ واحد، والضمير المجرور بالياء يعود إلى «المُسْنَد».
وقوله:
١٣٠ - وَرَسَمُوا مُنْقَطِعًا عَنْ رَجُلِ وَفي الأصُوْلِ نَعْتُهُ: بِالمُرْسَل
الشرح: يعني أنه إذا جاء إسنادٌ عن رجلٍ، أو عن شيخ، ونحوه، فهل هو منقطع أو مرسل؟ فقال الحاكم: منقطع لا مرسل. وكذا قال ابن القطان في كتاب «البيان».
وقال إمام الحرمين في «البرهان»: مرسل، قال وكذلك كتب رسول الله ﷺ التي لم يُسَم حاملها. وكذا نص صاحب «المحصول» أنه مرسل. فهذا معنى قوله «وفي الأصول»، أي أصول الفقه.
وحكى (ن) (٢) عن غير واحد من أهل الحديث أنه متصل في إسناده مجهول، قال: وحكاه الرشيدُ العَطَّار في «الغُرَر المجموعة» عن الأكثرين،
_________________
(١) في الأصل: المعارضة. خطأ.
(٢) (١/ ٢١٣).
[ ١٠٤ ]
واختاره شيخنا الحافظ أبو سعيد العلائي في كتاب «جامع التحصيل». انتهى.
وقوله:
١٣١ - أمَّا الَّذِي أرْسَلَهُ الصَّحَابِيْ فَحُكمُهُ الوَصْلُ عَلى الصَّوَابِ [٢٨ - أ]
الشرح: يعني أن مراسيل الصحابة حكمها حكم الموصول، ولم يذكر ابن الصلاح خلافًا في مرسل الصحابي.
قال (ن) (١): ولم يذكر ابن الصلاح خلافًا في مرسل الصحابي، وفي بعض كتب الأصول للحنفية أنه لا خلاف في الاحتجاج به، وتعقبه قائلًا عن الإسفراييني أبي إسحاق: «إنه لا يحتج به».
_________________
(١) (١/ ٢١٣).
[ ١٠٥ ]
الْمُنْقَطِعُ وَالْمُعْضَلُ
قوله:
١٣٢ - وَسَمِّ بِالمُنْقَطِعِ: الَّذِي سَقَطْ قَبْلَ الصَّحَابيِّ بِهِ رَاوٍ فَقَطْ
الشرح: يعني أنه اختُلِفَ في الحديث المنقطع ما هو؟ والمشهور أنه ما سقط من رواته راوٍ واحدٌ غير الصحابي.
وقوله:
١٣٣ - وَقِيْلَ: مَا لَمْ يَتَّصِلْ، وَقَالا: بِأنَّهُ الأقْرَبُ لا استِعمَالا
الشرح: هذا قول في صورة المنقطع، وهو ما لم يتصل إسناده، ذكره أبو عمر.
وقوله: «وقالا» (خ) يعني أن ابن الصلاح قال: إن هذا المذهب أقرب، صار إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم.
وقوله: «لا استعمالًا» يعني أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال: «ما رواه التابعي عن النبي ﷺ»، وأكثر ما يوصف بالانقطاع: «ما رواه من دون التابعين عن الصحابة» مثل مالك عن ابن عمر ونحوه.
وقوله: [٢٨ - ب]
[ ١٠٦ ]
١٣٤ - وَالمُعْضَلُ: السَّاقِطُ مِنْهُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَمِنْهُ قِسْمٌ ثَان
١٣٥ - حَذْفُ النَّبِيِّ وَالصَّحَابِيِّ مَعَا وَوَقْفُ مَتْنِهِ عَلَى مَنْ تَبِعَا
الشرح: المعضل بفتح الضاد من أعْضَلَه رُباعيًا.
وقول (ن): بحثتُ فوجدت لهم: «أمر عضيلٌ» أي: مستغلق شديد.
قلت: إنكاره معضَل بفتح الضاد لا وجه له؛ إذ هو القياس لاسم المفعول من أفعل الرباعي، وقد ينوب عن «مُفْعَل» بفتح العين «فَعيلٌ» سماعًا لا قياسًا، ومنه قولهم أعقدي العسل فهو عقيدٌ بمعنى مُعْقَدٍ، وأَعَلَّه المرض فهو عليلٌ بمعنى مُعَل، وليس من ذلك عضيل كما ذكر، انتهى.
وحَدُّ المعضَل ما سقط من إسناده اثنان فصاعدًا من أي موضعٍ كان [سواءً] (١) سقط الصحابي والتابعي، أو التابعي وتابعه، أو اثنان قبلهما.
ومَثَّلَه أبو نصر السِّجْزي بقول مالك: بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «للمملوك طعامه وكسوته» الحديث.
قال ابن الصلاح ومنه قول المصنفين: قال رسول الله ﷺ كذا.
وقوله: «ومنه» (خ) يعني: ومن المعضل قسم ثان، وهو أن يروي تابع التابعي عن التابعي حديثًا موقوفًا عليه، وهو حديث متصل مسند إلى رسول الله صلى الله عليه [٢٩ - أ] وسلم، كرواية الأعمش عن الشعبي قال: «يقال
_________________
(١) زيادة من المصدر.
[ ١٠٧ ]
للرجل في القيامة: عملت كذا وكذا. فيقول: ما عملته. فيختم على فيه ..» الحديث، فجعله الحاكم نوعًا من المعضل، أعضله الأعمش لأن التابع أسقط اثنين: الصحابي والرسول ﷺ، ووصله فضيل بن عمرو عن الشعبي عن أنس قال: كنا عند النبي ﷺ فضحك فقال: هل تدرون مما أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فقال: «من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تُجِرْني من الظلم؟ فيقول بلى » وذكر الحديث، رواه مسلم.
[ ١٠٨ ]
الْعَنْعَنَةُ
قوله:
١٣٦ - وَصَحَّحُوا وَصْلَ مُعَنْعَنٍ سَلِمْ مِنْ دُلْسَةٍ رَاويْهِ، والِلِّقَا عُلِمْ
الشرح: العنعنة فَعْلَلَة من عَنْعَنَ الحديث إذا رواه بلفظ «عن» مِنْ غير بيان للتحديث والإخبار والسماع.
واختُلِف في حكمه، والصحيح المعمول به وهو مذهب الجماهير من الأئمة المحدثين وغيرهم، أنه متصل بشرط سلامته (١) من التدليس وإمكان لقائهما.
قلت: والدُّلسة بضم الدال فُعْلَة من دَلِس -وهو قياس مصدر فعِل بكسر العين- (٢) في العيوب. انتهى.
وقوله:
١٣٧ - وَبَعْضُهُمْ حَكَى بِذَا إجمَاعَا و(مُسْلِمٌ) لَمْ يَشْرِطِ اجتِمَاعَا [٢٩ - ب]
١٣٨ - لكِنْ تَعَاصُرًا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطْ طُوْلُ صَحَابَةٍ، وَبَعْضُهُمْ شَرَطْ
١٣٩ - مَعْرِفَةَ الرَّاوِي بِالاخْذِ عَنْهُ، وَقيْلَ: كُلُّ مَا أَتَانَا مِنْهُ
_________________
(١) في الأصل: سلامتهما.
(٢) كلمة لم تظهر لي، ومراد العبارة واضح أن التدليس هو إخفاء العيوب.
[ ١٠٩ ]
١٤٠ - مُنْقَطِعٌ، حَتَّى يَبِينَ الوَصْلُ،
الشرح: يعني أن بعضهم وهو أبو عمر (١) وأبو عمرو الداني ادَّعيا الإجماع على أن المعنعن مُتصل بشرطه، وزاد الداني أن يكون معروفًا بالرواية عنه.
وقوله: «ومسلم» (خ) يعني أن مسلمًا أنكر في خطبة «صحيحه» اشتراط ثبوت اللقاء، وادعى أنه قول مخترع لم يسبق قائله إليه، وأن القول الشائع المتفق عليه إمكان لقائهما في كونهما في عصرٍ واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا.
وقوله: «وقيل يشترط» (خ) يعني أن السمعاني أبا المظفر شَرَط طُول الصُّحبة بينهما.
وقوله: «وبعضهم» (خ) يعني أن الداني شرط ما ذكرناه.
وقوله: «وقيل» (خ) يعني أن بعضهم ذهب إلى أن المعنعن مرسل ومنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره.
وقوله:
وَحُكْمُ (أَنَّ) حُكمُ (عَنْ) فَالجُلُّ
١٤١ - سَوَّوْا، وَللقَطْعِ نَحَا (البَرْدِيْجِيْ) حَتَّى يَبِينَ الوَصْلُ في التَّخْرِيج
الشرح: هذا تفريعٌ على العنعنة، وهو ما إذا قال الراوي: «أن فلانًا قال كذا»،
_________________
(١) يعني ابن عبد البر.
[ ١١٠ ]
كقول الزهري: أن سعيد بن المسيب قال [٣٠ - أ] كذا.
فالجمهور سووا بين الرواية بالعنعنة والرواية بلفظ «أن»، وبه قال الإمام مالك ﵁ والجمهور، فيما حكاه أبو عُمر في «التمهيد»، وأنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ بل باللقاء والمجالسة والسَّماع والمشاهدة.
قلت: و«الجُل» بضم الجيم وتشديد اللام انتهى.
وقوله: «وللقطع» (خ) يعني أن البرديجي نحا أي ذهب إلى أن مُطْلَقه محمول على الانقطاع ولا يلحق بـ «عن» حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى.
قلت: والبَرْدِيجي بفتح الباء الموحدة، وإسكان الراء، وكسر الدال المهملتين، وبعدهما مثناة تحت ساكنةٌ، فجيم، نسبةً إلى بَرْدِيج بليدة بأقصى أذربيجان، بينها وبين بردعة أربعة عشر فرسخًا، وهو أبو بكر البردعي المقدم ذكره، حافظ ثقة إمام انتهى.
وقوله:
١٤٢ - قَالَ: وَمِثْلَهُ رَأى (ابْنُ شَيْبَهْ) كَذا لَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْ صَوْبَهْ
الشرح: يعني أن ابن الصلاح قال: «وجدت ما حكاه ابن عبد البر عن البرديجي للحافظ الفحل يعقوب بن شيبة في «مسنده» الفحل».
وقوله: «كذا له» يعني أن ابن الصلاح أقام من قول ابن شيبة في مسنده لما ذَكَر رواية قيس بن سعد [٣٠ - ب]، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن الحنفية: أن عمارًا مَرَّ بالنبي ﷺ وهو يُصَلِّي، وجعله مرسلًا لقوله
[ ١١١ ]
«أن عمارًا» فعل، ولم يقل: «عن عمارٍ» أنه وافق البرديجي فيما قاله. وقوله: «ولم يُصَوِّب» (خ) يعني أن ابن الصلاح في هذه الإقامة لم يُعَرِّج صوب مقصد بن شيبة، وبيانه أن الذي فعله ابن شيبة هو صوابٌ من العمل، وهو الذي عليه عمل الناس، وما جعله مرسلًا من لفظ «أن» إنما جعله مرسلًا من جهة كونه لم يسند حكاية القصة إلى عمارٍ، فلو قال: «إن عمارًا قال مررت بالنبي ﷺ» لما جعله مرسلًاَ، فلما قال: «أن عمارًا فعل» كان ابن الحنفية هو الحاكي لقصة لم يدركها إذ لم يدرك مرور عمارٍ بالنبي ﷺ، فكان نقله لذلك مرسلًا.
وقوله:
١٤٣ - قُلتُ: الصَّوَابُ أنَّ مَنْ أدْرَكَ مَا رَوَاهُ بالشَّرْطِ الَّذي تَقَدَّمَا
١٤٤ - يُحْكَمْ لَهُ بالوَصْلِ كَيفَمَا رَوَى بـ (قَالَ) أو (عَنْ) أو بـ (أنَّ) فَسَوَا
الشرح: بَيَّنَ بذلك قاعدةً يُعْرَف بها المتصل من المرسل فقال من الزيادة على ابن الصلاح: أن الراوي إذا روى حديثًا فيه قصةٌ أو واقعةٌ فإن كان أدرك ما رواه [٣١ - أ] بأن حكى قصة وقعت بين النبي ﷺ وبين صحابي والراوي لذلك صحابيٌّ أدرك الواقعة فهي متصلةٌ، وإن لم يُعلم أنه شاهدها.
وإن لم يدرك الواقعة فمرسل صحابي.
وإن كان الراوي تابعيًا فمنقطع.
وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها كان متصلًا، وإن لم
[ ١١٢ ]
يدركها وأسندها الصحابي كانت متصلة، وإن لم يدركها ولا أسند حكايتها إلى الصحابي فمنقطعة، كرواية ابن الحنفية عن عمارٍ.
وقوله: «بالشرط» (خ) يعني لابد من اعتبار السلامة من التدليس في التابعين ومن بعدهم.
وقوله:
١٤٥ - وَمَا حُكِي عَنْ (أحمَدَ بنِ حَنْبَلِ) وَقَولِ (يَعْقُوبٍ) عَلَى ذا نَزِّل
الشرح: يعني أن ما حكاه ابن الصلاح عن الإمام أحمد وعن قول ابن شيبة المتقدم في «مسنده» فنزله على هذه القاعدة التي زادها (ن) على ابن الصلاح، والذي قاله أحمد ما رواه الخطيب في «الكفاية» بإسناده إلى أبي داود، قال: سمعت أحمد قيل له إن رجلًا قال: «عروة أن عائشة قالت: يا رسول الله». «وعن عروة عن عائشة» سواء؟ قال كيف هذا سواء، ليس هذا بسواء. فَفَرَّق الإمام بين اللفظين لكون عروة في اللفظ الأول لم [٣١ - ب] يُسند ذلك إلى عائشة ولا أدرك القصة فكانت مرسلة، بخلاف اللفظ الثاني فإنه أسند ذلك إليها يعني فكانت متصلة.
وقوله:
١٤٦ - وَكَثُرَ استِعْمَالُ (عَنْ) في ذَا الزَّمَنْ إجَازَةً وَهْوَ بِوَصْلٍ مَا قَمَنْ
الشرح: يعني إن حمل «عن» على السماع مقيد بالزمن المتقدم بخلاف هذه الأزمان فإنها محمولة على الإجازة، فإذا قال أحدٌ قرأت على فلان عن فلان ونحوه فَظُنَّ به الرواية إجازةً.
[ ١١٣ ]
قلت: «وإجازةً» منصوب على البيان انتهى.
وقوله: «وهو بوصل» (خ) يعني أن هذا الظن لا يخرجه عن الاتصال؛ لأن الإجازة في حكم الاتصال لا القطع. و«قَمَن» بفتح القاف والميم، قلت: وبعده نون انتهى، ويجوز كسر الميم إلا أن الفتح هنا يتعين لمناسبة «زَّمَن» (١)، ومعناه حقيق وجدير بذلك.
_________________
(١) أي لمناسبة قوله: «ذا الزَّمَن» في آخر الشطر الأول.
[ ١١٤ ]
تَعَارُضُ الْوَصْلِ وَالإِرْسَالِ، أَو الرَّفْعِ وَالوَقْفِ
قوله:
١٤٧ - وَاحْكُمْ لِوَصْلِ ثِقَةٍ في الأظْهَرِ وَقِيْلَ: بَلْ إرْسَالِهِ لِلأكْثَر
الشرح: يعني أن الثقات إذا اختلفوا في حديث فرواه بعضهم متصلًا، ورواه بعضهم مرسلًا، فهل الحكم لمن أوصل، أو لمن أرسل، أو للأكثر، أو للأحفظ؟ أقوال أربعة:
أحدها: -وهو الأظهر- الأول الذي صححه الخطيب.
وقوله: «وقيل» (خ) هذا القول الثاني، وهو الحكم لمن أرسل، وهو قول الأكثر.
قلت: «وإرسالِهِ» [٣٢ - أ] بالجر عطفًا بـ «بل» على «لوصلِ ثقةٍ» انتهى.
و«للأكثر» خبر مبتدأ محذوف أي: وهذا للأكثر.
وقوله:
١٤٨ - وَنَسبَ الأوَّلَ لِلْنُّظَّارِ أنْ صَحَّحُوْهُ، وَقَضَى (البُخَارِيْ)
١٤٩ - بِوَصْلِ «لاَ نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيْ» مَعْ كَوْنِ مَنْ أَرْسَلَهُ كَالْجَبَل
١٥٠ - وَقِيْلَ الاكْثَرُ، وَقِيْلَ: الاحْفَظُ ثُمَّ فَمَا إرْسَالُ عَدْلٍ يَحْفَظُ
١٥١ - يَقْدَحُ فِي أَهْليَّةِ الوَاصِلِ، أوْ مُسْنَدِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَرَأَوْا
[ ١١٥ ]
١٥٢ - أَنَّ الأصَحَّ: الْحُكْمُ لِلرَّفْعِ وَلَوْ مِنْ وَاحِدٍ في ذَا وَذَا، كَما حَكَوْا
الشرح: يعني أن ابن الصلاح نسب القول الأول من الأربعة للنظار.
قلت: والنُّظَّار بضم النون، وتشديد الظاء المشددة، وآخره راء مهملة، وزن فُعَّالٍ، وهو جمع كثرةٍ لما كان على فاعل وفاعلةٍ قياسًا، ومنه ناظر ونظار انتهى، وهم أهل الفقه والأصول.
وقوله: «أن صححوه».
قلت: هو بفتح الهمزة، وتخفيف النون، موصولٌ حرفي مسبوك بتصحيحه منصوبًا على البدل من الأول، أي: ونسب ابن الصلاح تصحيح القول الأول للنظار، انتهى.
وقوله: «وقضى» (خ) يعني أن البخاري لما سُئل عن حديث: «لا نكاح إلا بولي» رواه إسرائيل وجماعة، عن أبي إسحاق، عن أبي بُردة، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ.
ورواه [٣٢ - ب] الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ﷺ.
فحكم البخاري لمن وصله وقال: الزيادة من الثقة مقبولةً. هذا مع أن المرسل سفيان وشعبة ودرجتهما في الحفظ والإتقان معلومةٌ.
وقوله: «مع كون من أرسله» (خ) يعني أنهما جبلان حفظًا وإتقانًا.
وقوله: «الأكثر» هذا القول الثالث من الأربعة: أن الحكم للأكثر من أرسله أو وصله فالحكم له.
[ ١١٦ ]
وقوله: «وقيل الأحفظ» هذا قول رابع، وهو الحكم للأحفظ من أرسله أو وصله، فالحكم له.
وقوله: «ثم» (خ) يعني هذا تفريعٌ على القول الرابع، وهو أنه ينبني عليه فيما إذا كان الحكم للأحفظ ما إذا أرسل هل يقدح ذلك في عدالة من وصله وفي أهليته أو لا؟ قولان: أصحهما وبه صدر ابن الصلاح كلامه: لا يقدح، ثم قال: ومنهم من قال: يقدح في مسنده وفي عدالته وفي أهليته.
وقوله: «أو مسنده» أي: وما أسنده من الحديث غير الذي أرسله من هو أحفظ لأن هذا بناءً على أن الحكم للأحفظ، وقد أرسل، فلا يشك على القول الثاني في قدحه في هذا المسند.
قلت: فقوله: «فما» (خ) ما نافية حجازية، و«إرسال عدلٍ يحفظ» اسمها وخبرها [٣٣ - أ] جملة «يقدح» إلى آخرها، أي قادحًا انتهى.
وقوله: «ورَأوا» (خ) إشارة إلى مسألة تعارُض الرفع والوقف كما إذا رفع بعض الثقات حديثًا ووقفه بعضهم، فقال ابن الصلاح: الحكم على الأصح للرفع؛ لأنه مثبتٌ وغيره ساكِتٌ.
وقوله: «ولو» (خ) إشارة إلى ما إذا وقع الاختلاف من راوٍ واحدٍ ثقةٍ في المسألتين معًا فوصله في وقت، وأرسله في وقت أو رفعه في وقت، ووقفه في وقت فالحكم على الأصح به لوصله ورفعه.
[ ١١٧ ]
التَّدْلِيْسُ
قوله:
١٥٣ - تَدلِيْسُ الاسْنَادِ كَمَنْ يُسْقِطُ مَنْ حَدَّثَهُ، وَيَرْتَقِي بـ (عَنْ) وَ(أَنْ)
الشرح: التدليس ثلاثة أقسام، ذكر ابن الصلاح قسمين: تدليس الإسناد، وهو أن يروي عن مَنْ عاصره أو لقيه ما لم يسمعه منه، موهمًا أنه سمعه منه وما سمعه إلا من شيخه بسماع شيخه من شيخه أو ممن فوقه (١) بقوله «عن فلانٍ» أو «أنَّ فلانًا» أو «قال فلانٌ»، ولا يقول «أخبرنا» ولا ما في معناه ونحوه.
وقوله:
١٥٤ - وَقَالَ: يُوْهِمُ اتِّصَالًا، وَاخْتُلِفْ فِي أَهْلِهِ، فَالرَّدُّ مُطْلَقًا ثُقِفْ
الشرح: فقوله «وقال» معطوف على قوله بـ «عن» و«أن» أي وبـ «قال».
وقوله: «يوهم» (خ) يُفهم الشرط في تدليس الإسناد أن يكون المدلِّس عاصر المروي عنه أو لقيه؛ لأن الإيهام إنما [٣٣ - ب] يقع مع المعاصرة.
_________________
(١) كذا وقعت العبارة في الأصل، وفيها خلل ظاهر، وعبارة الناظم (١/ ٢٣٤): هو أن يسقط اسم شيخه الذي سمع منه، ويرتقي إلى شيخ شيخه أو من فوقه فيسند ذلك إليه بلفظٍ لا يقتضي الاتصال
[ ١١٨ ]
وقوله: «واختُلف» (خ) يعني أنه اختُلف في أهل هذا القسم من التدليس وهم المعروفون به، فقيل: يُرد حديثهم مطلقًا بينوا السماع أم لم يبينوا، ومن عُرف به مجروحٌ. وحكاه ابن الصلاح عن جماعة من المحدثين والفقهاء.
وقوله: «فالرد» (خ) قلت: «ثُقِف» بضم المثلثة، وبعده قاف، ففاء، مبني للمفعول أي: وُجد عن بعضهم، انتهى.
وقوله:
١٥٥ - وَالأكْثَرُوْنَ قَبِلُوْا مَا صَرَّحَا ثِقَاتُهُمْ بِوَصْلِهِ وَصُحِّحَا
الشرح: يعني أن الصحيح التفصيل، فما بُيِّن فيه الاتصال بـ «سمعت» و«حدثنا» ونحوه مقبول محتج به، وإن أتى بلفظ محتملٍ فمُرسل حكمه.
وقوله: «والأكثرون» من الزيادات على ابن الصلاح التي أهمل (ن) فيها لفظ «قلت»، والذي حكاه عن الأكثرين العلائيُّ في كتاب «المراسيل». قال (ن) (١): وهو قول الشافعي وابن المديني وابن معين وغيرهم.
قلت: «وصُحِّحَا» بضم أوله مبني للمفعول، انتهى.
وقوله:
١٥٦ - وَفي الصَّحِيْحِ عِدَّةٌ كـ (الاعْمَشِ) وَكـ (هُشَيْمٍ) بَعْدَهُ وَفَتِّش
الشرح: يعني أن في الصحيحين وغيرهما من الكتب الصحيحة عِدَّة رواةٍ من المدلسين كمن ذكره.
_________________
(١) (١/ ٢٣٨).
[ ١١٩ ]
قلت: [٣٤ - أ] وهُشَيمٌ بضم الهاء، وفتح الشين المعجمة، وبعده ياء مثناة تحت ساكنة فميم، هو ابن بشيرٍ انتهى.
وقوله: «وفتش» يعني فتش في الصحيح تجدْ جماعةً منهم كقتادة والسفيانين وعبد الرزاق وغيرهم.
ونقل (ن) (١) عن الحلبي عبد الكريم في كتابه «القِدْح» أن المعنعنات التي في الصحيحين مُنَزَّلة بمنزلة السماع.
وقوله:
١٥٧ - وَذَمَّهُ (شُعْبَةُ) ذُو الرُّسُوْخِ وَدُوْنَهُ التَّدْليْسُ لِلشِّيُوْخ
الشرح: يعني أن تدليس الإسناد مكروه جدًا، وفاعله مذموم، وممن ذمه شعبة، فبالغ في ذمه. وروى الشافعي ﵁ عن شعبة قال: «التدليس أخو الكذب». وقال: «لأن أزني أَحَبُّ إلي من أن أدلس».
قلت: وَصف شعبة بالرسوخ، وهو أبو بسطامٍ شعبة ابن الحجاج، كان إمامًا من أئمة المسلمين، وركنًا من أركان الدين، به حفظ الله أكثر الحديث.
قال الشافعي: «لولا شعبة ما عُرِفَ الحديثُ بالعراق».
وروى عنه الخلق، ومنهم سفيان الثوري، وابن المبارك، والطيالسي أبو داود ﵁. انتهى.
وقوله: «ودونه» (خ) هذا القسم الثاني: تدليس الشيوخ، وهو أخَف من
_________________
(١) (١/ ٢٣٩)
[ ١٢٠ ]
الأول.
وقوله:
١٥٨ - أنْ يَصِفَ الشَّيْخَ بِمَا لا يُعْرَفُ بِهِ، وَذَا بِمقْصِدٍ يَخْتَلِفُ [٣٤ - ب]
الشرح: هو بفتح «أَنْ» مخففةً مصدريةً والجملة في موضع رفع على البيان لقوله: «التدليس» أو خبر مبتدأ محذوفٍ أي: وهو أن يصف المدلس شيخه الذي سمع منه ذلك الحديث بوصفٍ لا يُعْرَف به من اسمٍ، أو كنيةٍ، أو نِسبةٍ إلى قبيلة، أو بلد، أو صنعة، ونحو ذلك؛ ليوعر الطريق إلى معرفة السامع له. كقول أبي بكر بن مجاهدٍ أحد أئمة القرآن: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله، يريد عبد الله بن أبي داود السجستاني.
وقوله: «وذا» (خ) يعني أن الحال يختلف في كراهة هذا القسم بحسب اختلاف المقصد الحامل على ذلك.
وقوله:
١٥٩ - فَشَرُّهُ للضَّعْفِ وَاسْتِصْغَارا وَكـ (الخَطِيْبِ) يُوْهِمُ اسْتِكْثَارَا
١٦٠ - و(الشَّافِعيْ) أثْبَتَهُ بِمَرَّةِ قُلْتُ: وَشَرُّهَا أخُو التَّسْوِيَة
الشرح: يعني أن شر ذلك إذا كان الحامل عليه كون المروي عنه ضعيفًا فيدلِّسُهُ حتى لا يُظهر روايته عن الضعفاء، أو كونه صغيرًا في السن، أو تأخرت وفاته وشاركه فيه من هو دونه، أو إيهام كثرة الشيوخ بأن يروي عن الواحد في مواضع يُعَرِّفُهُ في موضعٍ بصفةٍ وفي آخر بأخرى موهمًا إنه غيره، كما يصنعه كثيرًا الخطيب، فإنه أكثر من ذلك في تصانيفه.
[ ١٢١ ]
وقوله: [٣٥ - أ] «والشافعي» (خ) يعني: أن الشافعي أثبت أصل التدليس لا هذا القسم الثاني، فلا يُقبل (١) من المدلس حتى يُبين، قد أجراه الشافعي ﵁ فيمن عرفناه دَلَّسَ مرةً، وممن حكاه عن الشافعي البيهقي في «المدخل».
وقوله: «قلت» (خ) هذا هو القسم الثالث الذي زاده (ن) على ابن الصلاح وهو تدليس التسوية، وصورته أن يروي حديثًا عن شيخٍ ثقةٍ، وذلك الثقة يرويه عن ضعيف عن ثقةٍ، فيأتي المدلِّس الذي سمع الحديث من الثقة الأول فيُسقط الضعيف الذي في السند ويجعل الحديث عن شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظٍ محتمل فيستوي الإسناد كله ثقاتٌ.
وهذا شر أقسام التدليس لما فيه من الغرور الشديد، وقد كان يفعل ذلك بقية بن الوليد، والوليد بن مسلم.
أما بقية فقال ابن أبي حاتم في كتاب «العلل»: سمعت أبي وذكر الحديث الذي رواه ابن راهويه، عن بقية: حدثني أبو وهب الأسدي، عن نافع، عن ابن عمر حديث: «لا تحمدوا إسلام المرء حتى تعرفوا عقدة رأيه». فقال أبي: هذا الحديث له أمرٌ قَلَّ من يفهمه، روى هذا الحديث عبيد الله بن عمروٍ، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ. وعبيد الله بن عمرو يكنى أبا وهبٍ [٣٥ - ب] وهو أسدي، فكناه بقية ونسبه إلى بني أسد لكي لا يُفْطَنَ له، حتى إذا تُرِك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يُهتدى إليه.
_________________
(١) هذا كلام لابن الصلاح.
[ ١٢٢ ]
وأما الوليد، فقال أبو مسهر: كان الوليد يحدث بأحاديث الأوزاعي عن الكذابين ثم يدلسها عنهم.
وقال جزرة صالحٌ: سمعت الهيثم بن خارجة يقول [قلت] (١) للوليد: قد أفسدت أحاديث الأوزاعي. قال: كيف؟ قلت: تروي عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن الزهري، وعن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد، وغيرك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله بن عامر الأسلمي، وبينه وبين الزهري إبراهيم بن مرة، وقُرَّة. قال: أُنَبِّل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء. قلت: فإذا روى عن هؤلاء وهم ضعفاء أحاديث مناكير فأسقطتهم أنت وصيَّرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضُعِّفَ الأوزاعي. فلم يلتفت إلى قولي.
_________________
(١) زيادة من المصدر.
[ ١٢٣ ]
الشَّاذُّ
قوله:
١٦١ - وَذُو الشُّذُوذِ: مَا يُخَالِفُ الثِّقَهْ فِيهِ المَلاَ فَالشَّافِعيُّ حقَّقَهْ
الشرح: اختُلف في الشاذ، فقال الشافعي ﵁: هو ما رواه الثقة مخالفًا لما رواه الناس.
وحكى الخليلي أبو يعلى عن جماعةٍ من الحجازيين نحو هذا.
وقوله:
١٦٢ - والحَاكِمُ الخِلاَفَ فِيهِ ما اشْتَرَطْ وَلِلْخَلِيليْ مُفْرَدُ الرَّاوي فَقَطْ [٣٦ - أ]
الشرح: يعني أن الحاكم حَدَّ الشاذ فقال: ما انفرد به الثقة، وليس له أصل بمتابعٍ لذلك الثقة. فلم يشترط الحاكم فيه مخالفة الناس.
وقوله: «وللخليلي» (خ) يعني أن الخليلي حَدَّهُ فقال: الذي عليه حُفَّاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسنادٌ واحدٌ يَشِذُّ بذلك شيخٌ ثقة أو غيرُ ثقة، فما كان غير ثقة فمتروك، وما كان عن ثقة يتوقف فيه، ولا يُحتج به. فلم يشترط تفرد الثقة بل مطلق التفرد.
قلت: و«الخليلي» بفتح الخاء المعجمة، وكسر اللام، بينهما ياء مثناة تحت ساكنة، نسبةً إلى جده الخليل؛ لأنه أبو يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد بن
[ ١٢٤ ]
إبراهيم بن الخليل القزويني الحافظ، وابنه واقدٌ حدث عنه يحيى بن منده. انتهى.
وقوله:
١٦٣ - وَرَدَّ مَا قَالاَ بِفَرْدِ الثِّقَةِ كالنَّهْي عَنْ بَيْعِ الوَلاَ وَالهِبَة
١٦٤ - وَقَوْلٍ مُسْلِمٍ: رَوَى الزُّهْرِيُّ تِسْعِينَ فَرْدًا كُلُّهَا قَوِيُّ
الشرح: يعني أن ما قاله الحاكم والخليلي رده ابن الصلاح بأفراد الثقات الصحيحة كحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، تفرد به يحيى عن التيمي، والتيمي عن علقمة، وعلقمة عن عمر، وعمر عن النبي ﷺ.
وكحديث «النهي عن بيع الولاء» تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
وهذان وغيرهما أيضًا [٣٦ - ب] مخرجة في الصحيحين، وليس لها إلا إسنادٌ واحد، فليس كما أطلقه الحاكم والخليلي.
وقوله: «وقول مسلم» (خ) هو بِجَرِّ «وقول» عطفًا على بـ «فرد» أي: ورَدَّ ما قالاه بقولِ مسلمٍ: «للزهري نحو تسعين حرفًا يرويه عن النبي ﷺ لا يشاركه فيه أحدٌ بأسانيد جياد».
وقوله:
١٦٥ - واخْتَارَ فِيْمَا لَمْ يُخَالِفْ أنَّ مَنْ يَقْرُبُ مِنْ ضَبْطٍ فَفَرْدُهُ حَسَنْ
١٦٦ - أوْ بَلَغَ الضَّبْطَ فًصَحِّحْ أَوْ بَعُدْ عَنْهُ فَمِمَّا شَذَّ فَاطْرَحْهُ وَرُدْ
[ ١٢٥ ]
الشرح: يعني أن ابن الصلاح اختار التفصيل فما خالف مُفْرِدُهُ أحفظَ منه وأضبط فشاذ مردودٌ، وإن لم يخالف وهو عدلٌ ضابطٌ فصحيح، أو غير ضابطٍ ولا يبعد عن درجة الضابط فحسنٌ، وإن بَعُدَ فشاذ منكر.
وقوله: «ورُدْ» فعل أمر، و«رد» معطوف على قوله: «فاطرحْه».
قال ابن الصلاح: فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان: الحديث الفرد المخالف، والفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف.
[ ١٢٦ ]
الْمُنْكَرُ
قوله:
١٦٧ - وَالْمُنكَرُ: الفَرْدُ كَذَا البَرْدِيجِيْ أَطْلَقَ، وَالصَّوَابُ فِي التَّخْرِيْج
١٦٨ - إِجْرَاءُ تَفْصِيْلٍ لَدَى الشُّذُوْذِ مَرْ فَهْوَ بِمَعْناهُ كَذَا الشَّيْخُ ذَكَرْ [٣٧ - أ]
١٦٩ - نَحْوَ «كُلُوا البَلَحَ بالتَّمْرِ» الخَبَرْ وَمَالِكٍ سَمَّى ابْنَ عُثْمَانَ: عُمَرْ
١٧٠ - قُلْتُ: فَمَاذَا؟ بَلْ حَدِيْثُ «نَزْعِهْ خَاتَمَهُ عِنْدَ الخَلاَ وَوَضْعِهْ»
الشرح: يعني أن البرديجي حَدَّ المنكر بأنه الحديث الذي تفرد به الرجل، ولا يُعرف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه، ولا من آخر.
قال ابن الصلاح: فأطلق البرديجي ذلك ولم يفصِّل.
«وكذا» بمعنى: عند.
والصواب فيه التفصيل الذي بيناه آنفًا في شرح الشاذ.
وقوله: «نحو كلوا» (خ) هذا مثالٌ للفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده، وهو رواية النسائي وابن ماجه من رواية أبي زُكيرٍ -بضم الزاي، وفتح الكاف، وبعده مثناة تحت ساكنة، فراء مهملة- يحيى بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: «كلوا البلح بالتمر فإن ابن آدم إذا أكله غضب الشيطان»
[ ١٢٧ ]
الحديث. قال النسائي: حديث منكر. قال ابن الصلاح: تفرد به أبو زكير وهو شيخ صالحٌ أخرج عنه مسلمٌ في كتابه غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرده انتهى.
قال (ن) (١): وإنما أخرج مسلم في المتابعات.
وقوله: «ومالك» (خ) هذا مثال ثانٍ للفرد المخالف لما رواه الثقات، وهو ما رواه عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمر بن عثمان، عن أسامة [٣٧ - ب] بن زيد، عن رسول الله ﷺ قال: «لا يرث المسلم الكافر» (ح) (٢) فخالف مالك غيره من الثقات في قوله عمر بن عثمان بضم العين، وإنما هو عمروٌ بفتحها، فيما نص عليه مسلمٌ في «التمييز» إذ كل من روى هذا الحديث من أصحاب الزهري إنما يقوله «عمرو»، وذكر أن مالكًا كان يشير بيده إلى دار عُمر بن عثمان لما علم أنهم يخالفونه، وعمرو وعمر ولدا عثمان، إلا أن الحديث عن عمرو.
وقوله: «فماذا» (خ) يعني أن قول مالكٍ عُمر بضم العين ماذا يترتب عليه؟ وغايته أن الإنكار أو الشذوذ في السند لمخالفة الثقات مالكًا في ذلك، ولا يلزم من شذوذ السند ونكارته اتصاف المتن بذلك، وقد ذكر ابن الصلاح أن العلة في السند قد تقدح في المتن، وقد لا، ومَثَّل لنفي القدح برواية يعلى بن عبيد، عن الثوري، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «البيعان بالخيار» (ح) فهذا إسناد معلل غير صحيح والمتن
_________________
(١) (١/ ٢٥٣).
(٢) مهملة. أي: الحديث.
[ ١٢٨ ]
صحيح. قال: والعلة في قوله: «عمرو بن دينار» وإنما هو «عبيد الله بن دينار»، فقد صح المتن مع الحكم بوهم يعلى بن عبيد فيه.
وقوله: «بل» (خ) إشارةً منه إلى مثال صحيح لأحد قسمي المنكر، وهو ما في السنن الأربعة عن همام بن يحيى عن ابن جريج، عن الزهري [٣٨ - أ]، عن أنس قال: «كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه». فقال أبو داود بعد تخريجه: هذا حديث منكر، وإنما يُعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من ورقٍ، ثم ألقاه. قال: والوهم فيه من همامٍ، ولم يروه إلا همامٌ.
وقال النسائي بعد تخريجه: هذا حديث غير محفوظ.
قال (ن) (١): وهمام ثقةٌ إلا أنه خالف الناس في روايته عن ابن جريج هذا المتن بهذا السند، والذي رواه الناس عن ابن جريج الحديث الذي أشار إليه (د) (٢) انتهى.
_________________
(١) (١/ ٢٥٦).
(٢) أي: أبو داود.
[ ١٢٩ ]
الاعْتِبَارُ وَالْمُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ
قوله:
١٧١ - الاعْتِبَارُ سَبْرُكَ الحَدِيْثَ هَلْ شَارَكَ رَاوٍ غَيْرَهُ فيْمَا حَمَلْ
١٧٢ - عَنْ شَيْخِهِ، فَإنْ يَكُنْ شُوْرِكَ مِنْ مُعْتَبَرٍ بِهِ، فَتَابِعٌ، وَإنْ
١٧٣ - شُورِكَ شَيْخُهُ فَفَوْقُ فَكَذَا وَقَدْ يُسَمَّى شَاهِدًا، ثُمَّ إذَا
١٧٤ - مَتْنٌ بِمَعْنَاهُ أتَى فَالشَّاهِدُ وَمَا خَلاَ عَنْ كُلِّ ذَا مَفَارِدُ
١٧٥ - مِثَالُهُ «لَوْ أَخَذُوا إهَابَهَا» فَلَفْظَةُ «الدِّبَاغِ» مَا أتَى بِهَا
١٧٦ - عَنْ عَمْرٍو الاَّ ابنُ عُيَيْنَةٍ وَقَدْ تُوبِعَ عَمْروٌ في الدِّبَاغِ فَاعْتُضِدْ
١٧٧ - ثُمَّ وَجَدْنَا «أَيُّمَا إِهَابِ» فَكَانَ فيهِ شَاهِدٌ في الباب
الشرح: قلت: هذه أمور يتعرفون بها حال الحديث، فالاعتبار [٣٨ - ب] أنه تأتي إلى حديث لبعض الرواة فتعتبره بروايات غيره منهم، فتسبر طرق الحديث لتعرف هل شاركه في الحديث راو غيره فرواه عن شيخه أم لا، فإن شاركه ممن حديثُه معتبرٌ فتسمي حديثه تابعًا، وإن لم تجد أحدًا تابعه عليه عن شيخه، فانظر هل تابع أحدٌ شيخَ شيخه فرواه متابعًا له أم لا، فإن وُجد فسمه أيضًا تابعًا وشاهدًا، وإن لم تجد فافعل ذلك فيمن فوقه إلى آخر الإسناد حتى في الصحابي، فكل من وُجد له متابع فسمه تابعًا وشاهدًا، فإن لم تجد لأحدٍ
[ ١٣٠ ]
ممن فوقه متابعًا عليه، نظرت هل جاء بمعناه حديثٌ آخر في الباب أم لا، فإن (١)، فَسَمِّ ذلك الحديث شاهدًا، وإن لم تجد حديثًا آخر يؤدي معناه فلا متابعة، ولا شاهدًا، والحديث إذٍ فردٌ. وعلى هذا نَزِّل النظم.
وقوله: «سبرك». قلت: هو بفتح السين المهملة، وإسكان الموحدة، وبعده راء مهملة، من سَبَرْتُ الجُرْح أسبُرُه إذا نظرت ما غَورُه، وكل أمر رُزْتَه (٢) فقد سبرته وأسبرته.
وقوله: «ففوق». قلت: هو بضم القاف غير منون مبنيًا لَمَّا حذفَ المضاف إليه «فوق» ونُوي، ومنه: «ابدأ بهذا أَوَّلُ» (٣)، وخذ هذا حسب: قال: «أقَبُّ من تحت عريضٌ من عَلِ». انتهى.
ومثال طريق الاعتبار في الأخبار: حديث رواه حماد [٣٩ - أ] بن سلمة مثلًا ولم يتابع عليه، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، فينظر هل رواه ثقة غير أيوب كذلك، فإن لم يوجد فثقة غير ابن سيرين كذلك، فإن لم يوجد فصحابي غير أبي هريرة، فأي ذلك وجدنا عُلِمَ أن له أصلًا يُرْجَع إليه، وإلا فلا.
ومثاله أعني ما عُدمت فيه المتابعات رواية الترمذي برواية حماد بن سلمة بسنده المذكور إلى أبي هريرة أراه رفعه: «أحبِبِ حبيبك هونًا ما » الحديث،
_________________
(١) أي فإن أتى بمعناه حديث
(٢) أي جربته واختبرته. تاج العروس (١٥/ ١٦٦).
(٣) العبارة فيها خطأ في الأصل، وما أثبتناه هو ما مَثَّلَ به أهل اللغة في هذا الباب.
[ ١٣١ ]
قال (ت) (١): حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه.
قال (ن) (٢): أي من وجه يثبت، وقد رواه الحسن بن دينار وهو متروك الحديث، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال (٣): في «الكامل»: ولا أعلم أحدًا قال عن ابن سيرين عن أبي هريرة إلا الحسن بن دينار. ومن حديث أيوب بسنده رواه حماد، ويرويه الحسن بن أبي جعفر عن أيوب عن ابن سيرين عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن علي مرفوعًا.
والحسن بن أبي جعفر منكر الحديث فيما نص عليه البخاري انتهى.
وقوله: «مثاله» (خ) هذا مثال لما وجد له تابع وشاهد، وهو رواية مسلم والنسائي من رواية ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ [٣٩ - ب] مر بشاةٍ مطروحة أُعْطِيَتْهَا مولاةٌ لميمونة من الصَّدَقة، فقال النبي ﷺ: «ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به» رواه ابن جريج عن عمروٍ ولم يذكر الدباغ إلا ابن عيينة (٤).
قلت: و«الإهاب» بكسر الهمزة، وبعده هاء، فألف، فباء موحدة، قيل: هو الجلد مطلقًا. وقيل: هو الجلد قبل الدباغ، فأما بعده فلا يسمى إهابًا، انتهى.
وقوله: «وقد توبع» (خ) يعني: أنا نظرنا هل نجد أحدًا تابع شيخه عمرو بن
_________________
(١) أي الترمذي.
(٢) (١/ ٢٥٩).
(٣) أي: ابن عدي.
(٤) راجع شرح الناظم (١/ ٢٦٠).
[ ١٣٢ ]
دينار على ذكر الدباغ أم لا فوجدنا أسامة بن زيد الليثي تابع عمرًا عن عطاء عن ابن عباس: «ألا نزعتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به» فيما رواه الدارقطني من طريق ابن وهب عن أسامة.
قال البيهقي: وهكذا رواه الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاءٍ. وكذا رواه يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء. فهذه متابعات لرواية ابن عيينة.
وقوله: «ثم وجدنا» (خ) يعني: ثم نظرنا أيضًا فوجدنا له شاهدًا، وهو رواية مسلم والسنن الأربعة عن عبد الرحمن بن وَعْلَة المصري، عن ابن عباسٍ، عن النبي ﷺ: «أيما إهاب دُبِغَ فقد طهر».
[ ١٣٣ ]
زِيَادَةُ الثِّقَاتِ
قوله:
١٧٨ - وَاقْبَلْ زِيَادَاتِ الثِّقَاتِ مِنْهُمُ وَمَنْ سِوَاهُمْ فَعَلَيْهِ المُعْظَمُ [٤٠ - أ]
١٧٩ - وَقِيْلَ: لاَ، وَقِيْلَ: لاَ مِنْهُمْ، وَقَدْ قَسَّمَهُ الشَّيْخُ، فَقَالَ: مَا انْفَرَدْ
١٨٠ - دُوْنَ الثِّقَاتِ ثِقَةٌ خَالَفَهُمْ فِيْهِ صَرِيْحًَا فَهُوَ رَدٌّ عِنْدَهُمْ
١٨١ - أَوْ لَمْ يُخَالِفْ، فَاقْبَلَنْهُ، وَادَّعَى فِيْهِ الخَطِيْبُ الاتِّفَاقَ مُجْمَعَا
١٨٢ - أَوْ خَالَفَ الاطْلاَقَ نَحْوُ «جُعِلَتْ تُرْبَةُ الارْضِ» فَهْيَ فَرْدٌ نُقِلَتْ
١٨٣ - فَالْشَّافِعِيْ وَأَحْمَدُ احْتَجَّا بِذَا
الشرح: هو فن العناية به مستحسنة، واشتُهر بمعرفته الفقيه أبو بكر عبد الله النيسابوري فكان يعرف زيادات الألفاظ في المتون فيما نص عليه الحاكم عنه، واشتهر به أيضًا أبو الوليد حسان بن محمد القرشي النيسابوري تلميذ ابن سُرَيج (١) وغير واحد من الأئمة، واختُلِف في زيادة الثقة على أقوال:
أحدُها: القبول، وهو مذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين فيما حكاه الخطيب عنهم، سواءً تعلق بها حكم شرعي أم لا، وسواءً غيرت الحكم الثابت أم لا، وسواءً أوجبت نقصًا من أحكام ثبتت بخبر ليس فيه تلك
_________________
(١) في الأصل: شريح. خطأ، وراجع حاشية التحقيق على شرح الناظم (١/ ٢٦٢رقم٦).
[ ١٣٤ ]
الزيادة أم لا، وسواءً كان ذلك من شخص واحد بأن رواه مرةً ناقصًا ومرةً بزيادة، أو كانت الزيادة من غير من [٤٠ - ب] رواه ناقصًا. وهذا معنى قوله «ومن سواهم» أي: ومَن سوى من زادها بشرط كونه ثقة؛ لأن الفصل معقود لذلك، لا أن المراد ومَن سوى الثقات.
وقوله: «وقيل لا» هذا قول ثان: لا تقبل مطلقًا ممن رواه ناقصًا ولا من غيره، حكاه الخطيب في «الكفاية»، وابن الصباغ في «العدة».
وقوله: «وقيل لا» (خ) هذا قول ثالث لا تُقبل ممن رواه ناقصًا، وتُقبل من غيره من الثقات، حكاه الخطيب عن بعض الشافعية.
وزاد (ن) (١) في (ش) حكاية قولٍ رابع، وهو إن كانت الزيادة مغيرةً للإعراب كانا متعارضين، وإن لم تُغَير قُبِلت، حكاه في «العدة» عن بعض المتكلمين، وقول خامس: أنها لا تقبل إلا إذا أفادت [حكمًا] (٢).
وقول سادس: أنها تقبل في اللفظ دون المعنى حكاهما الخطيب.
وقوله: «وقد قسمه» (خ) يعني ابن الصلاح قسم هذا النوع الذي هو زيادة الثقة إلى أقسام ثلاثة:
أحدها: زيادة تخالف ما رواه الثقات، وحكم هذا الرد كما سبق في الشاذ.
والثاني: زيادة حديث لا يخالف فيه غيره بشيء أصلًا، كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقة، ولا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفةٍ أصلًا، فهذا مقبول،
_________________
(١) (١/ ٢٦٤).
(٢) زيادة من المصدر.
[ ١٣٥ ]
ونَقَل الخطيب اتفاق العلماء عليه، وسبق مثاله في نوع الشاذ.
والثالث: زيادة لفظ في حديث لم يذكرها سائر من رواه، كرواية مالك عن [٤١ - أ] نافع عن ابن عمر في حديث الفِطْر (١) لَفْظَ «من المسلمين»، فذكر (ت) (٢) أن مالكًا تفرد بزيادة هذه اللفظة، وأخذ بها غير واحد من الأئمة ومنهم الشافعي وأحمد ﵃. وإلى هذا أشار (ن) بقوله: فالشافعي وأحمد احتجا بذا.
وترك (ن) المثال بهذا مخالفًا لابن الصلاح قائلًا: إن مالكًا لم يتفرد بالزيادة كما زعم (ت) بل تابعه عليها عمر بن نافع، والضحاك بن عثمان، ويونس بن يزيد، وابن عمر، وعبد الله (٣) والمعلى بن إسماعيل، وكثير بن فَرْقَد، واقتَصَرَ على مثال حديث: «جُعلت لنا الأرض مسجدًا وجعلت تربتها لنا طهورًا» فهذه الزيادة تفرد بها أبومالك سعد بن طارق الأشجعي وسائر الروايات لفظها: «جعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا» فلذلك قال: «فهي فرد نُقلت» وهو صحيح، تفرد بالزيادة (٤) سعد بن طارق الأشجعي المذكور والحديث في صحيح مسلم والنسائي من رواية الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة.
_________________
(١) هو ما روي عن ابن عمر أنه قال: فرض زكاة الفطر من رمضان على كلِّ حر، أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين».
(٢) أي الترمذي.
(٣) كذا ويظهر أن صوابه: «وعبد الله بن عمر».
(٤) الزيادة هي لفظة: وجعلت [تربتها لنا] طهورًا.
[ ١٣٦ ]
وقوله:
وَالوَصْلُ والارْسَالُ مِنْ ذَا أُخِذَا
١٨٤ - لَكِنَّ في الإرْسَالِ جَرْحًا فَاقْتَضَى تَقْدِيْمَهُ وَرُدَّ أنَّ مُقْتَضَى
١٨٥ - هَذَا قَبُولُ الوَصْلِ إذْ فِيْهِ وَفِيْ الجَرْحِ عِلْمٌ زَائِدٌ لِلْمُقْتَفِيْ
الشرح: يعني أن زيادة الوصل مع الإرسال من راوي الزيادة كما بين الوصل والإرسال من المخالفة، إلا أن الإرسال نوعُ قَدْحٍ في الحديث فترجيحه وتقديمه من قبيل تقديم الجرح على التعديل، وأُجيب عنه بأن الجرح قُدِّم لما فيه من زيادة العلم، والزيادة هنا مع من وصل، فَقُدِّمَ على الإرسال. هذا معنى قوله: «لكن» (خ).
[ ١٣٧ ]
الأَفْرَادُ
قوله:
١٨٦ - الفَرْدُ قِسْمَانِ، فَفَرْدٌ مُطْلَقَاْ وَحُكْمُهُ عِنْدَ الشُّذُوْذِ سَبَقَا
١٨٧ - وَالفَرْدُ بِالنِّسْبَةِ: مَا قَيَّدْتَهُ بِثِقَةٍ، أوْ بَلَدٍ ذَكَرْتَهُ
١٨٨ - أوْ عَنْ فُلانٍ نَحْوُ قَوْلِ القَائِلِ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ بَكْرٍ الاَّ وَائِل
١٨٩ - لَمْ يَرْوِهِ ثِقَةٌ الاّ (ضَمْرَهْ) لَمْ يَرْوِ هَذَا غيرُ أهْلِ البَصْرَهْ
١٩٠ - فَإنْ يُرِيْدُوا وَاحِدًَا مِنْ أهْلِهَا تَجَوُّزًَا، فاجْعَلْهُ مِنْ أوَّلهِا [٤١ - أ]
١٩١ - وَلَيْسَ في أفْرَادِهِ النِّسْبِيَّهْ ضَعْفٌ لَهَا مِنْ هَذِهِ الحَيْثِيَّهْ
١٩٢ - لَكِنْ إذَا قَيَّدَ ذَاكَ بِالثِّقَهْ فَحُكْمُهُ يَقْرُبُ مِمَّا أطْلَقَهْ
الشرح: يعني أن الفرد قسمان: أحدهما: فرد عن جميع الرواة وهذا معنى كونه مطلقًا.
وقوله: «وحكمه» (خ) يعني أن حكم هذا القسم ومثاله سبق في قسم الشاذ.
وقوله: «والفرد» (خ) هذا هو القسم الثاني، وهو أن يكون مفردًا بالنسبة إلى
[ ١٣٨ ]
جهةٍ خاصة، كتقييد التفرد به بثقة أو بلد معين كمكة والبصرة [فإذا] (١) ذكرته فتقول: تفرد به أهل مكة ونحوه.
وقوله: «أو عن فلانٍ» (خ) يعني أو تقول: تفرد به فلان عن فلان، أو أهل البصرة عن أهل الكوفة.
وقوله: «نحو قول القائل» (خ) ومثاله حديث السنن الأربعة عن سفيان بن عيينة، عن وائل بن داود، عن ابنه بكر بن وائل، عن الزهري، عن أنس: «أن النبي ﷺ أَوْلَمَ على صفية بسَويقٍ وتمرٍ». قال ابن طاهر في «أطراف الغرائب»: غريبٌ من حديث بكر بن وائل عنه، تفرد به وائل بن داود، ولم يروه عنه غير سفيان.
وقوله: «لم يروه ثقة» (خ) مثاله حديث: «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الأضحى والفطر بقاف واقتربت الساعة». رواه مسلم والسنن الأربعة من رواية ضمرة بن سعيد المازني، عن عبيد الله بن عبد الله [٤٢ - أ] المازني، عن أبي واقد الليثي، عن النبي ﷺ. وهذا الحديث لم يروه إلا ضمرة فيما نص عليه علاء الدين التركماني شيخ (ن) في «الدُّر النقي».
قلت: وضمرة بفتح الضاد المعجمة وإسكان الميم انتهى.
وقوله: «لم يرو هذا» (خ) مثاله رواية أبي داود، عن أبي الوليد الطيالسي، عن همام، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر».
_________________
(١) زيادة من عندي يقتضيها السياق.
[ ١٣٩ ]
قال الحاكم تفرد بذكر الأمر فيه أهل البصرة من أول الإسناد إلى آخره، ولم يشركهم في هذا اللفظ سواهم.
وحديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء رسول الله ﷺ ومسح رأسه بماءٍ غير فضل يده، رواه مسلم وأبو داوود والترمذي، قال الحاكم: وهذه سنة غريبة تفرد بها أهل مصر ولم يشركهم فيها أحد.
فقوله: «لم يروه عن بكر» يرجع إلى «أو عن فلانٍ».
وقوله: «لم يروه إلا ضمرة» يرجع إلى قوله: «بثقةٍ».
وقوله: «لم يرو هذا» يرجع إلى قوله: «أو بلد» فهو لف بياني غير مرتب.
وقوله: «فإن يريدوا» (خ) يعني أنهم إن أرادوا بقولهم: «انفرد به أهل البصرة» ونحو ذلك واحدًا منها انفرد به متجوزين بذلك فإنه من القسم الأول الفرد والمطلق.
مثاله: حديث: «كلوا البلح» المتقدم. قال الحاكم: «هو من أفراد البصريين عن المدنيين، تفرد به أبو زُكير عن هشام بن عروة» [٤٢ - ب]. فجعله من أفراد البصريين وأراد واحدًا منهم. فالضمير في «أولها» يعود إلى الأفراد.
وقوله: «وليس» (خ) يعني أنه ليس في أفراد القسم الثاني ما يقتضي الحكم بضعفها من حيث كونها أفرادًا.
وقوله: «لكن» (خ) يعني اللهم إلا أن يكون القيد بالنسبة لرواية الثقة مثل: «لم يروه ثقة إلا فلان» فحكمه قريب من القسم الأول المطلق؛ لأن رواية غير الثقة كلا رواية.
[ ١٤٠ ]
الْمُعَلَّلُ
قوله:
١٩٣ - وَسَمِّ مَا بِعِلّةٍ مَشْمُوْلُ مُعَلَّلًا، وَلاَ تَقُلْ: مَعْلُوْلُ
الشرح: يعني أن الحديث إذا شملته علةٌ من علل الحديث يسمى مُعَلَّلًا لا معلولًا كما هو في عبارة الكثير من المحدثين، والترمذي، وابن عدي، والدارقطني، وأبي يعلى الخليلي، والحاكم، وغيره من الفقهاء في باب القياس حيث قالوا: «العلة والمعلول» قال ابن الصلاح: وهو مرذولٌ عند أهل العربية واللغة، وقال النووي: لحن. واختار (ن) المُعَلَّ.
وقوله:
١٩٤ - وَهْيَ عِبَارَةٌ عَنْ اسْبَابٍ طَرَتْ فِيْهَا غُمُوْضٌ وَخَفَاءٌ أثَّرَتْ
١٩٥ - تُدْرَكُ بِالخِلاَفِ وَالتَّفَرُّدِ مَعَ قَرَائِنٍ تُضَمُّ، يَهْتَدِيْ
١٩٦ - جِهْبَذُهَا إلى اطِّلاَعِهِ عَلَى تَصْويْبِ إرْسَالٍ لِمَا قَدْ وُصِلاَ
١٩٧ - أوْ وَقْفِ مَا يُرْفَعُ، أوْ مَتْنٌ دَخَلْ في غَيْرِهِ، أوْ وَهْمِ وَاهِمٍ حَصَلْ [٤٣ - أ]
١٩٨ - ظَنَّ فَأمْضَى، أوْ وَقَفْ فأحْجَمَا مَعْ كَوْنِهِ ظَاهِرَهُ أنْ سَلِمَا
الشرح: يعني أن المعلل هو ما فيه سببٌ قادحٌ غامضٌ مع أن ظاهره السلامة منه، ويتمكن منه أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب. ويتطرق ذلك إلى
[ ١٤١ ]
الإسناد الجامع لشروط الصحة ظاهرًا ويُدرَك ذلك بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له مع قرائن منضمة إلى ذلك، يهتدي الناقد بذلك إلى اطلاعه على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث أو وهم واهمٍ بغير ذلك بحيث يغلب على ظنه ذلك فأمضاه وحكم به، أو تردد في ذلك فوقف وأحجم عن الحكم بصحة الحديث، وإن لم يغلب على ظنه صحة التعليل بذلك، مع كون الحديث المعلل ظاهره السلامة من العلة.
فقوله: «جهبذها». قلت: هو بكسر الجيم، وإسكان الهاء، وبعده باء موحدة مكسورة، فذال معجمة.
وقوله: «أن سَلما»، هو بفتح الهمزة، مخفف النون مصدريةٌ في موضع رفع على الخبر، لقوله: «ظاهره» والجملة من مبتدأ وخبر في موضع نصبٍ خبر لكونِهِ.
وقوله: «فأحجما».
قلت: هو بالحاء المهملة، وبعده جيم، فميم، أي: كَفَّ. انتهى.
ومثال العِلَّة في الحديث: حديث رواه الترمذي وحسنه أو صححه، وابن حبان، والحاكم وصححه [٤٣ - ب]، من رواية ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: «من جلس في مجلسٍ فَكَثُرَ فيه لَغَطُه» الحديث.
قال الحاكم: في «العلوم» له: هذا حديثٌ من تأمله لم يشك أنه من شرط الصحيح، وله علةٌ فاجتنبه، ثم روى أن مسلمًا جاء إلى البخاري فسأله عن
[ ١٤٢ ]
علته فقال: هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث الواحد، إلا أنه معلول؛ حدثنا به موسى بن إسماعيل: حدثنا وهيب: حدثنا سهيل، عن عون بن عبد الله (١).
وقوله:
١٩٩ - وَهْيَ تَجِيءُ غَالِبًا في السَّنَدِ تَقْدَحُ في المتْنِ بِقَطْعِ مُسْنَد
٢٠٠ - أوْ وَقْفِ مَرْفُوْعٍ، وَقَدْ لاَ يَقْدَحُ (كَالبَيِّعَانِ بالخِيَار) صَرَّحُوا
٢٠١ - بِوَهْمِ (يَعْلَى بْنِ عُبَيدٍ): أبْدَلا (عَمْرًا) بـ (عَبْدِ اللهِ) حِيْنَ نَقَلا
٢٠٢ - وَعِلَّةُ المتْنِ كَنَفْي البَسْمَلَهْ إذْ ظَنَّ رَاوٍ نَفْيَها فَنَقَلَهْ
٢٠٣ - وَصَحَّ أنَّ أَنَسًا يَقُوْلُ: (لا أحْفَظُ شَيْئًا فِيهِ) حِيْنَ سُئِلاَ
الشرح: يعني أن العلة تكون غالبًا في السَّنَد، أي الإسناد، وهو الأكثر، وتكون في المتن.
والتي تكون في الإسناد قد تقدح في صحة المتن، وقد لا تقدح. فالتي تقدح في المتن كالتعليل بالإرسال والوقف، والتي لا تقدح كحديث يعلى بن عبيد، عن الثوري، عن عمرو بن دينارٍ، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ [٤٤ - أ]: «البيعان بالخيار» (خ) فوهم فيه يعلى بن عبيدٍ الطنافسي أحد رجال الصحيح على سفيان في قوله: عمرو بن دينار، وإنما
_________________
(١) قال البخاري: هذا أولى فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل. وقد رد الناظم هذه الحكاية عن البخاري في شرحه (١/ ٢٧٦).
[ ١٤٣ ]
المعروف من حديث سفيان عن عبد الله بن دينارٍ عن ابن عمر، هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان كالفضل بن دكين وعبيد الله بن موسى العبسي، ومحمد بن يوسف الفِرْيَابي، وغيرهم.
فقوله: «بقطع مسند». قلت: لك أن تقرأه بكسر النون اسم فاعلٍ من أَسْنَدَ رباعيًا، وبفتحها اسم مفعول منه، بمعنى: الحديث، أي: الإسناد والمرسلُ صالح لهما (١). انتهى.
وقوله: «أَبْدَلا» (خ) يعني أن السبب في توهم يعلى كونه ترك عبد الله بن دينار وأتى بعمرو بن دينار، فأدخل الباء على المتروك وهو جائز.
وقوله: «وعلة المتن» (خ) يعني أن مثال علة المتن انفراد مسلم في «الصحيح» من رواية الوليد بن مسلمٍ: حدثنا الأوزاعي، عن قتادة: أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه قال: «صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها».
ثم رواه من رواية الوليد، عن الأوزاعي: أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أنه سمع أنس بن مالكٍ يذكر ذلك [٤٤ - ب].
وروى مالك في «الموطأ»، عن حُميد، عن أنسٍ قال: «صليت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم»، وزاد فيه الوليد: عن مالك: «صَلَّيت خلف رسول الله ﷺ».
_________________
(١) كذا وقعت العبارة في الأصل، وفيها خلل ظاهر.
[ ١٤٤ ]
قال أبو عمر: «هو عندهم خطأ»، وحديث أنسٍ أَعَلَّه الشافعي ﵁ فيما نص عليه البيهقي في «المعرفة» عنه أنه قاله في «سنن حرملة» جوابًا لسؤال أورده (١).
وقوله: «إذ ظن» (خ) يعني أن بعض الرواة ظن فهمًا منه أن معنى قول أنس «يستفتحون بالحمد لله» أنهم لا يبسملون، فرواه على ما فهمه بالمعنى، وأخطأ في فهمه.
وقوله: «وصح» (خ) هذا دليلٌ على قوله: «إذ ظن» (خ)، أي: والدليل على أن أنسًا لم يُرِد بما قاله نفي البسملة: ما صح عنه من رواية أبي مسلمة سعيد بن يزيد قال: سألت أنس بن مالك: أكان رسول الله ﷺ يستفتح بالحمد لله رب العالمين أو ببسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، وما سألني عنه أحدٌ قبلك. كذا رواه أحمدُ في «مسنده»، وابن خزيمة في «صحيحه»، والدارقطني قائلًا: هذا إسناد صحيح.
قال البيهقي في «المعرفة»: وفي هذا دليل على أن مقصود أنسٍ ما ذكره الشافعي.
وقوله: [٤٥ - أ]
٢٠٤ - وَكَثُرَ التَّعْلِيْلُ بِالإرْسَالِ لِلوَصْلِ إنْ يَقْوَ عَلَى اتِّصَال
٢٠٥ - وَقَدْ يُعِلُّوْنَ بِكُلِّ قَدْحِ فِسْقٍ، وَغَفْلَةٍ، وَنَوْعِ جَرْح
_________________
(١) راجع كلام الشافعي في شرح الناظم (١/ ٢٨١).
[ ١٤٥ ]
٢٠٦ - وَمِنْهُمُ مَنْ يُطْلِقُ اسْمَ العِلَّةِ لِغَيْرِ قادحٍ كَوَصْلِ ثِقَة
٢٠٧ - يَقُوْلُ: مَعْلُوْلٌ صَحِيْحٌ كَالذّيْ يَقُوْلُ: صَحَّ مَعْ شُذُوْذٍ احْتَذِيْ
الشرح: يعني أنهم قد يُعِلُّون بأمور ليست خفية كالتعليل بالإرسال، وفِسْق الراوي وضعفه، ومالا يقدح أيضًا.
قال ابن الصلاح: وكثيرًا ما يُعَلِّلون الموصول بالمرسل مثل أن يجيء الحديث بإسنادٍ موصولٍ وبإسناد منقطع أقوى من إسناد الموصول.
وقوله: «إن يَقْوَ» (خ) أي: إن يقوي الإرسال على الاتصال.
وقوله: «ومنهم» (خ) يعني أن بعضهم يُطلق اسم العلة على ما ليس بقادح مِن وجوه الخلاف كالحديث الذي وصله الثقة الضابط وأرسله غيره.
وقوله: «يقول» (خ) يعني حتى يقول: مِنْ أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول. والقائل ذلك هو أبو يعلى الخليلي في «الإرشاد» لما قال: «إن أقسام الحديث كثيرةٌ: صحيح متفق عليه، وصحيحٌ معلول، وصحيح مختلف فيه». ثم مَثَّل الصحيحَ المعلول بحديث رواه إبراهيم بن طهمان، والنعمان بن عبد السلام، عن مالكٍ، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «للمملوك [٤٥ - ب] طعامه وشرابه». رواه أصحاب مالك كلهم في «الموطأ» عن مالكٍ، قال: بلغنا عن أبي هريرة.
قال: الخليلي فقد صار الحديث بتبيين الإسناد صحيحًا يُعتمد عليه، ثم قال: وكان مالكٌ يرسل الأحاديث لا يبين إسنادها، وإذا استقصى عليه من
[ ١٤٦ ]
يتجاسَر سؤاله ربما أجابه بالإسناد.
وقوله: «كالذي» (خ) يعني كما قال بعضهم في الصحيح ما هو صحيحٌ شاذٌ.
وقوله:
٢٠٨ - وَالنَّسْخَ سَمَّى (التِّرْمِذِيُّ) عِلَّهْ فَإنْ يُرِدْ في عَمَلٍ فَاجْنَحْ لَهْ
الشرح: يعني أن الترمذي سمىَّ النسخ علةً من علل الحديث.
وقوله: «فإن يُرد»، هو من الزوائد على ابن الصلاح، ويعني: إن أراد (ت) أنه علةٌ في العمل بالحديث فهو كلام صحيح فَمِلْ له إلى كلامه، وإن يراد أنه علةٌ في صحة نقله فلا؛ لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة.
فقوله: «فاجنح» بالجيم، والنون، والحاء المهملة، أَمْرٌ من جَنَحَ إلى كذا: إذا مال إليه. انتهى.
[ ١٤٧ ]
الْمُضْطَرِبُ
قلت: بكسر الراء اسم فاعل من اضطرب نوعٌ من أنواع الحديث.
وقوله:
٢٠٩ - مُضْطَرِبُ الحَدِيثِ: مَا قَدْ وَرَدَا مُخْتَلِفًا مِنْ وَاحِدٍ فَأزْيَدَا
٢١٠ - في مَتْنٍ اوْ في سَنَدٍ إنِ اتَّضَحْ فِيْهِ تَسَاوِي الخُلْفِ، أَمَّا إِنْ رَجَحْ [٤٦ - أ]
٢١١ - بَعْضُ الوُجُوْهِ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرِبَا وَالحُكْمُ للرَّاجِحِ مِنْهَا وَجَبَا
٢١٢ - كَالخَطِّ للسُّتْرَةِ جَمُّ الخُلْفِ والاضْطِرَابُ مُوْجِبٌ للضَّعْف
الشرح: يعني أن المضطرب من الحديث هو ما اختلف راويه فيه فرواه مرةً على وجه ومرةً على آخر مخالف له، وكذا إن اضطرب راويان فأكثر فرواه كل واحدٍ على وجه مخالف للآخر. فقوله: «من واحدٍ» صفة لموصوف أي: راوٍ واحدٍ.
وقوله: «في متن» (خ) يعني أن الاضطراب يكون في المتن وفي السند.
وقوله: «إن اتضح» (خ) يعني أنه لا يُسَمَّى مضطربًا إلا إذا تساوت الروايتان المختلفتان في الصحة، بحيث لم تُرَجَّح إحدى الروايتين على الأخرى، أما إذا ترجَّحت إحداهما بكون راويها أحفظ أو أكثر صحبةً للمروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيح، فإنه لا يُطلق على الوجه الراجح وصف الاضطراب، ولا
[ ١٤٨ ]
حكمه، والحكم للراجح.
وقوله: «كالخط» (خ) مثال الاضطراب في السند رواية أبي داود وابن ماجه من رواية إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن حُريث، عن جده حُريث، عن أبي هريرة، عن رسول الله -﵌- قال: «إذا صلى أحدكم فليجعل شيئًا تلقاء وجهه» الحديث، وفيه: «فإذا لم يجد عصًا [٤٦ - ب] ينصبها بين يديه فليخط خطًا».
وقوله: «جَمّ الخُلْف» يعني أنه اختُلف فيه على إسماعيل اختلافًا كثيرًا:
فرواه بشر بن المفضل، وروح بن القاسم عنه هكذا.
ورواه سفيان الثوري عنه، عن أبي عمروٍ بن حريث، عن أبيه، عن أبي هريرة.
ورواه حميد بن الأسود عنه، عن أبي عمرو بن محمد بن عمرو بن حريث، عن جده حُريث بن سليم، عن أبي هريرة.
ورواه وهيب بن خالد وعبد الوارث عنه، عن أبي عمرو بن حريث، عن جده حُريث.
ورواه ابن جريج عنه، عن حُريث بن عمار، عن أبي هريرة.
ورواه ذَوَّاد بن عُلْبَة الحارثي عنه، عن أبي عمرو بن محمد، عن جده حريث بن سليمان.
قال أبو زرعة الدمشقي: لا نعلم أحدًا بَيَّنَهُ ونَسَبَهُ غير ذَوَّاد.
[ ١٤٩ ]
وفيه من الاضطراب غير ما ذكرت.
قلت: وذَوَّاد بفتح الذال المعجمة، وتشديد الواو، وبعده ألف، فدال مهملة.
وقوله: «كالخط» أي: كحديث الخط. «جم الخلف» أي: كثيره.
قلت: و«جَمّ» بفتح الجيم وتشديد الميم. انتهى.
ومثال الاضطراب في المتن حديث فاطمة بنت قيس قالت: سألت رسول الله -﵌- عن الزكاة فقال: «إن في المال لحقًا سوى الزكاة».
اضطرب لفظه ومعناه، فرواه (ت) هكذا من رواية شريكٍ، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة. ورواه ابن ماجه من هذا [٤٧ - أ] الوجه بلفظ: «ليس في المال حقٌ سوى الزكاة».
قلت: الذي في ابن ماجه بلفظ (ت): «إن في المال لحقًا سوى الزكاة» (١) فأين الاضطراب في المتن. انتهى.
وقوله: «والاضطراب» (خ)، يعني أن المضطرب ضعيف لإشعاره بأنه لم يضبط راويه ورواته.
_________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ في سنن ابن ماجه، بل باللفظ الأول: «ليس في المال حق سوى الزكاة».
[ ١٥٠ ]
الْمُدْرَجُ
قوله:
٢١٣ - المُدْرَجُ: المُلْحَقُ آخِرَ الخَبَرْ مِنْ قَوْلِ راوٍ مَا، بلا فَصْلٍ ظَهَرْ
٢١٤ - نَحْوُ إذَا قُلْتَ: (التَّشَهُّدَ) وَصَلْ ذَاكَ (زُهَيْرٌ) وَ(ابنُ ثَوْبَانَ) فَصَلْ
الشرح: المدرجُ بضم الميم، وإسكان الدال، وفتح الراء المهملتين، وآخره جيمٌ، نوع من أنواع الحديث. وهو أقسامٌ:
أحدها: ما أُدرج في آخر الحديث من قول بعض رواته -الصحابي أو مَنْ بعده- موصولًا بالحديث من غير فصلٍ بين الحديث وبين ذلك الكلام بذكر قائله فيلتبس على من لا يعلم حقيقة الحال فيتوهم أنه من الحديث.
وقوله: «نحو» (خ) يعني أن أمثاله رواية أبي داود بسنده عن القاسم بن مخيمرة قال: أخذ علقمة بيدي فحدثني أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وأن رسول الله -﵌- أخذ بيد عبد الله فعلمنا التشهد في الصلاة. فذكر مثل حديث الأعمش: «إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد [٤٧ - ب] قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد».
فقوله: «إذا قلت» (خ) وصله زهير بن معاوية بالحديث المرفوع في رواية (د) هذه.
قال الحاكم قوله: «إذا قلت» هذا مُدْرَج في الحديث من كلام ابن مسعود.
[ ١٥١ ]
وكذا قال البيهقي في «المعرفة»: قد ذهب الحفاظ إلى أن هذا وهمٌ، وأن قوله «إذا فعلت هذا، أو قضيت هذا، فقد قضيت صلاتك» من قول ابن مسعود فأُدرج في الحديث.
وكذا قال الخطيب في كتابه «المدرج». وقال النووي في «الخلاصة»: اتفق الحفاظ على أنها مدرجة.
وقوله: «وابن ثوبان» فصل (خ) يعني أن ابن زُهير اختلف النقل عنه في الحديث فرواه النُّفَيْلي وجماعة عديدة عنه مدرجًا.
ورواه شبابة بن سوار عنه فَفَصَلَهُ، وبَيَّنَ أنه من قول عبد الله، فقال: قال عبد الله: «فإذا قلت ذلك فقد قضيت ما عليك من الصلاة، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد». كذا رواه الدارقطني قائلًا: شبابة ثقة.
وقد فَصَلَ آخر الحديث وجعله من قول ابن مسعود وهو أصح ممن أدرج [آخره] (١) والدليل عليه أن ابن ثوبان رواه عن الحسن بن الحُر كذلك، وجعل آخره من قول ابن مسعود، ولم يرفعه إلى النبي ﷺ.
فقوله [٤٨ - أ]: «التشهد» هو بالنصب على البيان، أي أعني التشهد.
و«ابن ثوبان» بفتح المثلثة، وإسكان الواو، وبعده باء موحدة، فألف، فنون، هو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان.
_________________
(١) زيادة من المصدر.
[ ١٥٢ ]
وقوله:
٢١٥ - قُلْتُ: وَمِنْهُ مُدْرَجٌ قَبْلُ قُلِبْ كـ (أسْبِغُوا الوُضُوْءَ وَيْلٌ لِلعَقِبْ)
الشرح: هذا من الزيادة على ابن الصلاح؛ لأن ابن الصلاح قَيَّدَ هذا القسم من المدرج بكونه أُدرج عقيب الحديث، والخطيب ذكر في كتابه «المدرج» ما أُدخل أول الحديث أو وسطه، فأشار إلى ذلك بقوله: «ومنه» (خ) يعني أتى به قبل الحديث المرفوع، أو قبل آخره في وسطه.
وقوله: «قُلِب»، يعني: جعل آخره أَوَّلَه؛ لأن الغالب في المدرجات ذكرها عقيب الحديث.
ومثاله: رواية الخطيب من رواية أبي قَطَن وشَبابة، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار».
فقوله: «أسبغوا الوضوء». قلت: هو بفتح الهمزة أمرٌ من أَسْبَغَ رباعيًا، وهو من قول أبي هريرة وُصِلَ بالحديث أَوَّلَه. كذا رواه البخاري في «صحيحه» عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: أسبغوا الوضوء فإن أبا القاسم ﷺ [٤٨ - ب] قال: «ويل للأعقاب من النار».
وكذلك الخطيب بَيَّنَهُ وأنَّ «أسبغوا الوضوء» كلام أبي هريرة، و«ويل للأعقاب» كلام النبي ﷺ.
وكذا رواه أبو داود الطيالسي وغيره عن شعبة، وجعلوا «أسبغوا الوضوء»
[ ١٥٣ ]
من قول أبي هريرة و«ويل » من كلام النبي ﷺ.
وقوله: «للعَقِب» واحد الأعقاب للوزن في «قُلِب». وكذا هو في رواية الطيالسي عن شعبة: «ويل للعَقِب من النار».
ومثال المدرج وسط الحديث رواية الدارقطني في «السُّنن» من رواية عبد الحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بُسرة بنت صفوان قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مَسَّ ذكره أو أنثييه أو رُفْغَه فليتوضأ».
قال الدارقطني: كذا رواه عبد الحميد عن هشامٍ، ووهم في ذكر الأنثيين والرفع وإدراجه ذلك في حديث بسرة، والمحفوظ أن ذلك من قول عروة، كما رواه الثقات عن هشامٍ ومنهم أيوب السختياني بلفظ: «من مس ذكره فليتوضأ»، قال وكان عروة يقول: «إذا مس رُفغيه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ».
وكذا نص الخطيب قائلًا إنه من قول عروة بن الزبير فأدرجه الراوي في متن الحديث وفيه بحث للقشيري (١) ذكره (ن) في (ش) (٢).
وقوله: [٤٩ - أ]
٢١٦ - وَمِنْهُ جَمْعُ مَا أتَى كُلُّ طَرَفْ مِنْهُ بِإسْنَادٍ بِوَاحِدٍ سَلَفْ
٢١٧ - كـ (وَائِلٍ) في صِفَةِ الصَّلاَةِ قَدْ اُدْرِجَ (ثُمَّ جِئْتُهُمْ) وَمَا اتَّحَدْ
_________________
(١) أي: ابن دقيق العيد، وكلامه في «الاقتراح».
(٢) (١/ ٣٠٠).
[ ١٥٤ ]
الشرح: يعني أن من القسم الثاني من أقسام المدرج أن يكون الحديث عند من رواه بإسناد إلا طرفًا منه فإنه عنده بإسناد آخر فيجمع الراوي عنه طَرَفي الحديث بإسناد الطرف الأول، ولا يذكر إسنادَ طَرَفِهِ الثاني.
وقوله: «كوائل» (خ) مثال ذلك وهو حديث رواه أبو داود من رواية زائدة وشريك، والنسائي من رواية ابن عيينة، كلهم عن عاصم بن كُليب، عن أبيه، عن وائل بن حُجرٍ في صفة صلاة رسول الله ﷺ وقال فيه: «ثم جئتهم بعد ذلك في زمانٍ فيه بردٌ شديدٌ، فرأيت الناس عليهم جُل الثياب، تَحَرَّك أيديهم تحت الثياب».
قال الحمال موسى بن هارون: وهذا عندنا وهمٌ.
فقوله: «ثم جئتهم» ليس هو بهذا الإسناد، وإنما أُدرج عليه، وهو من رواية عاصمٍ، عن عبد الجبار بن وائلٍ، عن بعض أهله، عن وائلٍ.
وقوله: «أُدرج» بضم أوله مبنيًا للمفعول.
وقوله: «وما اتحد» يعني أن إسناد الطرف الأخير ما اتحد مع أول الحديث، بل إسنادهما مختلف.
وقوله:
٢١٨ - وَمِنْهُ أنْ يُدْرَجَ بَعْضُ مُسْنَدِ في غَيْرِهِ مَعَ اخْتِلاَفِ السَّنَدِ [٤٩ - ب]
٢١٩ - نَحْوُ (وَلاَ تَنَافَسُوْا) في مَتْنِ (لاَ تَبَاغَضُوا) فَمُدْرَجٌ قَدْ نُقِلاَ
٢٢٠ - مِنْ مَتْنِ (لاَ تَجَسَّسوا) أدْرَجَهُ (ابْنُ أبي مَرْيَمَ) إذْ أخْرَجَهُ
[ ١٥٥ ]
الشرح: القسم الثالث من المدرج أن يُدرج بعض حديثٍ في حديث آخر يخالفه في السند، كالحديث الذي رواه سعيد بن أبي مريم، عن مالك، عن الزهري، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تنافسوا» (خ).
فقوله: «ولا تنافسوا» أدرجها ابن أبي مريم فيه من حديث آخر لمالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تنافسوا ..» وهكذا الحديثان (١) عند رواة «الموطأ» القعنبي ويحيى بن يحيى وغيرهما.
قلت: وابن أبي مريم اسمه سعيد بن محمد بن الحكم (٢) بن أبي مريم، أبو محمد، حافظ مصر، مولى لبني الضبيع (٣)، روى عنه البخاري في العلم وغير موضع، وروى عن محمد بن عبد الله عنه في سورة الكهف، وروى عن مالك ونافع ابن عمر، وَثَّقَه أبو حاتم انتهى.
وقوله:
٢٢١ - وَمِنْهُ مَتْنٌ عَنْ جَمَاعَةٍ وَرَدْ وَبَعْضُهُمْ خَالَفَ بَعْضًا في السَّنَدْ
_________________
(١) عبارة الناظم في شرحه (١/ ٣٠٢): وكلا الحديثين متفق عليه من طريق مالك، وليس في الأول: «ولا تنافسوا»، وهي في الحديث الثاني، وهكذا الحديثان ..
(٢) كذا، وهو قلب، صوابه: سعيد بن الحكم بن محمد.
(٣) في مصادر ترجمته: مولى أبي الضبيع مولى لبني جمح.
[ ١٥٦ ]
٢٢٢ - فَيَجْمَعُ الكُلَّ بإسْنَادٍ ذَكَرْ كَمَتْنِ (أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ) الخَبَرْ
٢٢٣ - فَإنَّ (عَمْرًا) عِنْدَ (وَاصِلٍ) فَقَطْ بَيْنَ (شَقيْقٍ) وَ(ابْنِ مَسْعُوْدٍ) سَقَطْ [٥٠ - أ]
الشرح: القسم الرابع من المدرج أن يروي بعض الرواة حديثًا عن جماعة وبينهم في إسناده اختلاف، فيجمع الكل على إسنادٍ واحدٍ مما اختلفوا فيه، ويُدرج رواية من خالفهم معهم على الاتفاق. كحديث رواه (ت) عن بُندار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن الثوري، عن واصلٍ ومنصور والأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شُرَحبيل، عن عبد الله قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ (خ) وكذا رواه محمد بن كثير العبدي، عن سفيان.
فرواية واصل هذه مدرجة على رواية منصور والأعمش؛ لأن واصلًا لا يذكر فيه عمرًا بل يجعله عن أبي وائل عن عبد الله.
وقوله: «بين شقيق».
قلت: هو بفتح الشين المعجمة، وكسر القاف، وإسكان المثناة تحت، وبعده قاف، وهو أبو وائل الراوي عن عبد الله بن مسعود.
وقوله: «فإن عَمْرًا». قلت: هو بفتح العين بن شُرَحبيل بضم الشين المعجمة، وفتح الراء، وإسكان الحاء المهملتين، وبعده موحدة مكسورة، فمثناة تحت ساكنة، فلام، غير منصرف للعَلَمية والعُجْمَة.
وقوله:
٢٢٤ - وَزَادَ (الاعْمَشُ) كَذَا (مَنْصُوْرُ) وَعَمْدُ الادْرَاجِ لَهَا مَحْظُوْرُ
الشرح: يعني أن الأعمش ومنصورًا زادا ذكر عمرو بن شرحبيل بين شقيق
[ ١٥٧ ]
وابن مسعود.
وقوله: «وعَمْدُ» (خ) يعني أن الإدراج لا يجوز تَعَمُّدَه في شيء من هذه الأقسام الأربعة.
وقد صَنَّف في هذا النوع الخطيب [٥٠ - ب] كتابًا سماه «الفصل للوصل المدرج في النقل» وقفتُ عليه وهو عندي، شَفَى فيه وكَفَى.
[ ١٥٨ ]
الْمَوْضُوْعُ
قوله:
٢٢٥ - شَرُّ الضَّعِيْفِ: الخَبَرُ الموضُوْعُ الكَذِبُ، المُختَلَقُ، المَصْنُوْعُ
٢٢٦ - وَكَيْفَ كَانَ لَمْ يُجِيْزُوا ذِكْرَه لِمَنْ عَلِمْ، مَا لَمْ يُبَيِّنْ أمْرَهْ
٢٢٧ - وَأكْثَرَ الجَامِعُ فِيْهِ إذْ خَرَجْ لِمُطْلَقِ الضُّعْفِ، عَنَ: أبَا الفَرَجْ
الشرح: هذا نوع من أنواع الحديث وهو شر الأحاديث الضعيفة ويقال له المختلق، بفتح اللام والمصنوع.
وقوله: «وكيف» (خ) يعني أن الموضوع كيف كان في الأحكام، أو القصص، أو الترغيب والترهيب، وغير ذلك، لم يجيزوا لمن عَلِمَ أنه موضوع أن يذكره بروايةٍ أو احتجاج إلا مع بيان أنه موضوع، بخلاف غيره من الضعيف المحتمل للصدق فإنهم جوزوا روايته في الترغيب والترهيب.
وقوله: «وأكثر» (خ) يعني أن ابن الصلاح قال: ولقد أكثر الذي جمع في هذا العصر الموضوعات في نحو مجلدين فأودع فيها كثيرًا منها (١)، لا دليل على وضعه وحقه أن يذكر في مطلق الأحاديث الضعيفة.
وعني ابن الصلاح بالجامع المذكور أبا الفرج ابن الجوزي.
_________________
(١) في الأصل: مبهمًا. خطأ.
[ ١٥٩ ]
وقوله:
٢٢٨ - وَالوَاضِعُوْنَ لِلحَدِيْثِ أضْرُبُ أَضَرُّهُمْ قَوْمٌ لِزُهْدٍ نُسِبُوا
٢٢٩ - قَدْ وَضَعُوْهَا حِسْبَةً، فَقُبِلَتْ مِنْهُمْ، رُكُوْنًَا لَهُمُ ونُقِلَتْ [٥١ - أ]
٢٣٠ - فَقَيَّضَ اللهُ لَهَا نُقَّادَهَا فَبَيَّنُوا بِنَقْدِهِمْ فَسَادَهَا
٢٣١ - نَحْوَ أبي عِصْمَةَ إذْ رَأَى الوَرَى زَعْمًَا نَأوْا عَنِ القُرَانِ، فافْتَرَى
٢٣٢ - لَهُمْ حَدِيْثًَا في فَضَائِلِ السُّوَرْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فبئسَمَا ابْتَكَرْ
٢٣٣ - كَذَا الحَدِيْثُ عَنْ أُبَيٍّ اعْتَرَفْ رَاوِيْهِ بِالوَضْعِ، وَبِئسَمَا اقتَرَفْ
٢٣٤ - وَكُلُّ مَنْ أوْدَعَهُ كِتَابَهْ - كَالوَاحِدِيِّ - مُخْطِيءٌ صَوَابَهْ
الشرح: يعني أن الواضعين للحديث أصنافٌ بحسب الحامل على الوضع. [فضربٌ من] (١) الزنادقة فضلوا وأضلوا، كابن أبي العوجاء أمر بضرب عنقه محمد بن سليمان، وبيانٍ قتله خالد القسري وحرقه بالنار.
وروى العقيلي بسنده إلى حماد بن زيد قال: وَضَعَتِ الزنادقة على رسول الله ﷺ أربعة عشر ألف حديث.
وضربٌ قصد التقرب للسلطان والأمير بما يوافق فعلهم ورأيهم، كغياث بن إبراهيم لما وضع للمهدي في حديث: «لا سبق إلا في نصلٍ، أو خُف، أو حافرٍ» فزاد فيه «أو جناح»، وكان المهدي يلعب بها ثم تركها بعدُ وأمر بذبحها، وقال: أنا حملته على ذلك.
_________________
(١) زيادة من المصدر.
[ ١٦٠ ]
وضربٌ للتكسب والارتزاق في القصص، نقله المدائني أبو سعيد (١) وعَمَّت به البلوى في ديار مصر وريفها.
وضَرْبٌ قصدَ إقامة الدليل على ما تفردوا برأيهم في الإفتاء، ونُقِل عن ابن دحية والله أعلم [٥١ - أ] بذاك.
وأعظم هؤلاء ضررًا قومٌ ينسبون إلى الزهد والديانة فوضعوه حسبةً بزعمهم الباطل، وجهلهم، فَقُبلت موضوعاتُهم ثقةً بهم، ولهذا قال يحيى بن سعيد القطان: «ما رأيت الصالحين أكذب منهم في الحديث»، وأراد -والله تعالى أعلم- مَنْ يُنسب إلى الصلاح بلا عِلْم، والله تعالى تبرأ من صلاحٍ بجهل، ومن يُنسب إلى الصلاح بلا علمٍ يُحسن الظن فَيَحْمِلُ كلَّ ما سمعه على الصِّدق، ولا وازع من العلم عنده يُمَيِّز به بين الخطأ فيجتنبه، والصواب فيرتكبه.
قلت: ومن ثم منع أصحابنا شهادة من لديه تغفل (٢)، فقال ابن عبد الحكم: قد يكون الخَيِّر الفاضل ضعيفًا لغفلته فلا تقبل شهادته، وأدركت بأخَرةٍ من ولي قضاء المالكية بديار مصر ممن أخذنا عنه المعقول وبضاعته مزجاة في الفقه فلم يقبل شهادة شخصٍ بمصر يشار إليه بالديانة والفضل لما نصه ابن عبد الحكم انتهى.
وقوله: «فقيض الله» (خ) يعني أنه وإن خفى على الكثير من الناس وضع من
_________________
(١) كذا، وهو خطأ صوابه أبو سعد.
(٢) كذا.
[ ١٦١ ]
يُنسب إلى الصلاح، فلا يخفى على الجهابذة النُّقَّاد في الحديث، فإنهم قاموا بأعباء ما حُمِّلوه فتحمَّلوه وكشفوا عُوَارَها ومحوا عَارَها، حتى روي عن سفيان أنه قال: «ما ستر الله أحدًا يكذب في الحديث». ورضي الله عن ابن المبارك فقيل له: هذه الأحاديث [٥٢ - أ] المصنوعة؟ فقال: يعيش لها الجهابذة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
وقوله: «نحو أبي عصمة» (خ) يعني أن مثال مَنْ كان يضع الحديث حسبةً ما روي عن أبي عصمة في رواية الحاكم بسنده إلى أبي عمار المروزي، أنه قيل لأبي عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورةً سورةً، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبةً.
قلت: «وأبو عِصْمَة» بكسر العين، وإسكان الصاد المهملتين، وبعده ميم مفتوحة، فهاء تأنيث، هو نوح بن أبي مريم المروزي قاضي مرو، وكان يقال له: «نوح الجامع»، فقال ابن حبان: جَمَعَ كل شيء إلا الصدق. وهو الواضع حديث فضائل القرآن فيما نص عليه الحاكم.
قال الذهبي في «الميزان»: لأنه أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى، والحديث عن حجاج بن أرطأة، والتفسير عن الكلبي ومقاتل، والمغازي عن محمد بن إسحاق قال ابن حبان: وهو الذي روى عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب عن أبي هريرة: «نهى رسول الله ﷺ أن يُقطع الخبز بالسكين، وقال: أكرموا الخبز فإن الله تعالى أكرمه». وروى عن
[ ١٦٢ ]
زيد العمي، عن سعيد [٥٢ - ب] بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا: «من ترك الصف الأول مخافة أن يؤذي مسلمًا ضَعَّف الله له أجر الصف الأول» مات أبو عصمة سنة ثلاث وسبعين ومائة. انتهى.
وقوله: «زَعْمًا» بفتح الزاي، وإسكان العين المهملة، وبعده ميم، وهو القول المقرون بالاعتقاد صحيحًا كان أو باطلًا.
وقوله: «نأوا» بالنون، أي: أعرضوا.
وقوله: «كذا الحديث» (خ) يعني وهكذا حديث أُبَي الطويل في فضائل قراءة سُوَر القرآن سورةً سورةً، كما روي عن المؤمل بن إسماعيل قال: حدثني شيخ به فقلت للشيخ: من حدثك؟ فقال: حدثني رجل بالمدائن وهو حي. فصرت إليه فقلت: من حدثك؟ فقال: شيخ بواسط وهو حي. فصرتُ إليه فقال: حدثني شيخ بالبصرة. فصرت إليه فقال: حدثني شيخ بعبَّادان. فصرتُ إليه فأخذ بيدي فأدخلني بيتًا فإذا فيه قوم من المتصوِّفَة ومعهم شيخ فقال: هذا الشيخ حدثني. فقلت: يا شيخ من حَدَّثَك. فقال: لم يحدثني أحد، ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن.
وقوله: «وبئسما اقترف» أي: بئسما اكتسب.
قلت: ويشبه هذا الواضع حسبةً مَنْ يتصدى الشهادة على هلال رمضان [٥٣ - أ] بالزُّور زاعمًا أنه يشغل الناس بالتعبد بالصوم عن مفاسد تقع منهم ذلك اليوم فبئس ما اقترف، والله تعالى أعلم.
[ ١٦٣ ]
وقوله: «وكل» (خ) يعني أن كُلَّ من أودع حديث أُبَي المذكور تفسيره كالواحدي، والثعلبي، والزمخشري، يخطئ ذاك طريق الصواب.
والزمخشري أفحش في ذاك حيث أورده بصيغة الجزم غير مُبْرِزٍ لسنده بخلاف الثعلبي والواحدي.
وقوله:
٢٣٥ - وَجَوَّزَالوَضْعَ عَلَى التَّرْغِيْبِ قَوْمُ ابنِ كَرَّامٍ، وَفي التَّرْهِيْب
الشرح: يعني أن الكَرَّامية المبتدعة جَوَّزُوا الوَضْع في الترغيب والترهيب وهو خلاف إجماع المسلمين الذين يُعْتَدُّ بهم.
واستدلوا على ذلك بما روي في بعض طرق الحديث: «من كذب علي متعمدًا ليُضِلَّ به الناس فليتبوأ مقعده من النار». وحمله بعضهم على أي قال: «أنه ساحر أو مجنون» (١).
وأغرب وأفحش بعض من خذله الله تعالى فقال: «من كذب» أي عليَّ، وهم يكذبون له ويُقَوُّون شرعه، قَبَّحَهُم الله تعالى في ذلك.
قلت: «وابن كَرَّام» بفتح الكاف، وتشديد الراء، وبعده ألف، فميم، كذا ضبطه الأمير، وابن السمعاني، وغير واحدٍ، وهو الجاري على الألسنة، وأنكره محمد بن الهيصم وغيره من الكَرَّامية، وحكى ابن الهيصم فيه وجهين: التخفيف وذكر أنه المعروف في ألسنة [٥٣ - ب] مشايخهم،
_________________
(١) كذا وقعت العبارة في الأصل، وعبارة الناظم في شرحه (١/ ٣١٤): وحمل بعضهم حديث «من كذب عليَّ» أي: قال: إنه ساحر أو مجنون.
[ ١٦٤ ]
والتشديد وحكاه عن أهل سجستان.
قال ابن الصلاح: ولا يُعْدَل عن التشديد. وهذا الذي أورده ابن السمعاني في «الأنساب» وقال: كان والده يحفظ الكرم فقيل له الكرام. انتهى.
وتَعَقَّبَ الذهبيُّ في «الميزان» كلامَ السمعاني هذا قائلًا: إنه بلا إسنادٍ وفيه نظر، فإن كلمة كرام علمٌ على والد محمدٍ سواءً عمل في الكرم أو لم يعمل، والله تعالى أعلم. انتهى.
وابن كَرَّامٍ هو السجستاني العابد المُتَكَلِّم شيخ الكَرَّامية، ساقط الحديث لأجل بدعته. قال ابن السراج: شهدت البخاري ودُفِعَ إليه كتاب من ابن كرام يسأله عن أحاديث منها الزهري عن سالمٍ عن أبيه مرفوعًا: «الإيمان لا يزيد ولا ينقص»، فكتب أبو عبد الله على ظهر كتابه: مَن حَدَّث بهذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل. انتهى.
وسُجِن بنيسابور لأجل بدعته ثمانية أعوام، ثم أُخرج، وسار إلى بيت المقدس ومات بالشام، وعكف أصحابه على قبره مدةً.
ومِنْ بدعته قوله في المعبود: إنه جسمٌ لا كالأجسام. وله أتباعٌ على ذلك ومريدون يُقال لهم الكَرَّامية كما أشار شيخنا (ن) (١)، انتهى.
وقوله:
٢٣٦ - وَالوَاضِعُوْنَ بَعْضُهُمْ قَدْ صَنَعَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَبَعْضٌ وَضَعَا
_________________
(١) (١/ ٣١٣).
[ ١٦٥ ]
٢٣٧ - كَلامَ بَعْضِ الحُكَمَا في المُسْنَدِ وَمِنْهُ نَوْعٌ وَضْعُهُ لَمْ يُقْصَدِ [٥٤ - أ]
٢٣٨ - نَحْوُ حَدِيْثِ ثَابِتٍ (مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ) الحَدِيْثَ، وَهْلَةٌ سَرَتْ
الشرح: يعني أن الواضعين للحديث منهم من يَضَع كلامًا من قِبَلِهِ ويرويه إلى النبي ﷺ.
ومنهم من يأخذ كلام بعض الحُكَماء أو بعض الزُّهَّاد أو الإسرائيليات فيجعله حديثًا نحو حديث: «حُبُّ الدنيا رأس كل خطيئة» فإنه من كلام مالك بن دينار. كما رواه ابن أبي الدنيا في «مكايد الشيطان» بإسناده إليه. أو من كلام عيسى بن مريم ﷺ، كما رواه البيهقي في «الزهد»، ولا أصل له من حديث النبي ﷺ إلا من مراسيل الحسن البصري، كما رواه البيهقي في «الشُّعَب» في الباب الحادي والسبعين منه، ومراسيل الحسن عندهم شبه الريح.
ومثال ذلك: «المعدة بيتُ الداء، والحِمْيَةُ رأس الدواء» فهذا من كلام بعض الأطباء لا أصل له عن النبي ﷺ.
وقوله: «ومنه» (خ) يعني من أقسام الموضوع ما لم يُقْصَد وضعُه، وإنما وَهِمَ فيه بعضُ الرواة، كالحديث الذي رواه ابن ماجه عن إسماعيل بن محمد الطَّلْحي، عن ثابت بن موسى الزَّاهد، عن شَرِيك، عن الأعمش، عن أبي سُفيان، عن جابر مرفوعًا: «من كَثُرَت صلاتُهُ بالليل، حَسُنَ وجهه بالنهار». فقيل: الحديث منكرٌ. وقيل: موضوع.
قال ابن عدي: إنه حديثٌ منكر لا يُعْرَف إلا لثابت [٥٤ - ب]، وسرقه منه من
[ ١٦٦ ]
الضعفاء عبد الحميد بن بحر، وعبد الله بن شبرمة الشَّريكي، وجماعة منهم.
وروى عن محمد بن عبد الله بن نُمير أنه ذُكر له هذا الحديث عن ثابت فقال: باطل، شُبِّه على ثابت، وذلك أن شريكًا كان مَزَّاحًا، وكان ثابت رجلًا صالحًا، فيشبه أن يكون ثابت دخل على شريك، وكان شريك يقول: حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ، فالتفتَ فرأى ثابتًا فقال يمازحه: «من كثرت صلاته» (خ) فظن ثابتٌ لغفلته أن هذا الكلام هو متن الإسناد الذي قرأه (فحمله على ذلك. وإنما ذلك قول شريك. انتهى. وشريك غير ثقة، وثابت كذاب. كذا قيل) (١).
وقوله: «وَهْلَة» بفتح الواو، وإسكان الهاء، وبعده لام مفتوحة، فهاء تأنيث: غفلة.
وقوله:
٢٣٩ - وَيُعْرَفُ الوَضْعُ بِالاقْرَارِ، وَمَا نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ، وَرُبَّمَا
٢٤٠ - يُعْرَفُ بِالرِّكَةِ قُلْتُ: اسْتَشْكَلاَ (الثَّبَجِيُّ) القَطْعَ بِالوَضْعِ عَلَى
٢٤١ - مَااعْتَرَفَ الوَاضِعُ إذْ قَدْ يَكْذِبُ بَلَى نَرُدُّهُ، وَعَنْهُ نُضْرِبُ
الشرح: يعني أن الوَضْع يُعْرَف بإقرار واضعه، أو معنى إقراره.
وقوله: «وربما» (خ) يعني أنه قد يُفهم الوضع من قَرينة حال الراوي أو المروي، فقد وُضِعَت أحاديث تشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها.
_________________
(١) ما بين القوسين ملحق بالحاشية اليمنى.
[ ١٦٧ ]
وعن الربيع بن خثيم: «إن للحديث ضَوْءًا كضوء النهار، تَعْرِفُهُ، وظُلمة كظلمة الليل تنكره».
ورحم الله ابن الجوزي قائلًا: الحديث [٥٥ - أ] المنكر يقشعر له جلد الطالب للعلم، وينفر منه قلبه غالبًا.
و«الرِّكَّة» بكسر الراء المهملة، وتشديد الكاف، وبعده هاء تأنيث، مِنْ رَكَّ الشيء إذا رَقَّ وضعف. ومنه قولهم: «اقطعْهُ من حيث رَكَّ». قال في «الصحاح»: والعامة تقول من حيث رَقَّ. يعني بالقاف. انتهى.
وقوله: «قلت» (خ) يعني أن ابن دقيق العيد استشكل الاعتماد على إقرار الراوي بالوضع فقال: هذا كافٍ في رده لكن ليس بقاطع بوضعه؛ لاحتمال أن يكذب في هذا الإقرار.
و«الثبجي» بفتح المثلثة، والباء الموحدة، وبعده جيم، نسبة ابن دقيق العيد، وبخطه وُجِدَت؛ لأنه ولد بثبَج البحر، بساحل ينبع من الحجاز.
وثبج البحر: ظهره أو وسطه.
[ ١٦٨ ]
الْمَقْلُوْبُ
قوله:
٢٤٢ - وَقَسَّمُوا المَقْلُوْبَ قِسْمَيْنِ إلى: مَا كَانَ مَشْهُورًَا بِراوٍ أُبْدِلا
٢٤٣ - بِواحدٍ نَظِيْرُهُ، كَيْ يَرْغَبَا فِيهِ، لِلاغْرَابِ إذا مَا اسْتُغْرِبَا
الشرح: من أنواع الحديث الضعيف المقلوب، وهو قسمان:
أحدهما: أن يكون مشهورًا براوٍ فيجعل مكانه راوٍ آخر في طبقته ليصير بذلك غريبًا مرغوبًا فيه كحديثٍ مشهور عن سالمٍ فيجعل مكانه نافعٌ، فيصير غريبًا مرغوبًا فيه.
وفَعَل ذلك حماد بن عمرو النَّصِيبي الوَضَّاع فيما روى عمرو بن خالد الحَرَّاني، عن حماد بن عمرو النَّصِيبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا لقيتم المشركين في طريقٍ فلا تبدأوهم [٥٥ - ب] بالسلام» الحديث.
فهذا مقلوبٌ قَلَبَه حماد المتروك فجعله عن الأعمش، وإنما هو معروف بسهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، هكذا رواه مسلمٌ في «صحيحه» من رواية شُعبة، والثوري، وجَرير بن عبد الحميد، وعبد العزيز بن محمد الدَّرَاوردي، كلهم عن سُهَيْل.
[ ١٦٩ ]
وقوله:
٢٤٤ - وَمِنْهُ قَلْبُ سَنَدٍ لِمَتْنِ نَحْوُ: امْتِحَانِهِمْ إمَامَ الفَنّ
٢٤٥ - في مائَةٍ لَمَّا أتَى بَغْدَادَا فَرَدَّهَا، وَجَوَّدَ الإسْنَادَا
الشرح: هذا القسم الثاني من المقلوب، وهو أن يُؤخذ إسنادُ متنٍ فَيُجْعل على متنٍ آخر، ومتن هذا فيجعل بإسنادٍ آخر، وهذا يكون لقصد الإغراب، فيكون كالوضع، ويكون اختبارًا لحفظ المحدث كما يرتكبه المحدثون كثيرًا، وفي جوازه نظر. وممن فعله شعبة وحماد بن سلمة.
وقوله: «نحو امتحانهم» (خ) يعني بذلك ما رواه (ن) (١) بسنده إلى الرازي أبي أحمد الحسن (٢)، قال: سمعت أبا أحمد بن عدي يقول: سمعت عدة مشايخ يحكون أنَّ البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديثٍ فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسنادٍ آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوا إلى عشرة أنفس، إلى كلِّ رجلٍ عشرة أحاديث، وأمرُوهم إذا حضروا المجلس يُلْقُون ذلك على البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس [٥٦ - أ]، فحضر المجلس جماعةُ أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم ومن البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه. فسأله عن آخر
_________________
(١) (١/ ٣٢١).
(٢) كذا، وصوابه: أحمد بن الحسن الرازي. كما في «شرح الناظم».
[ ١٧٠ ]
فقال: لا أعرفه. فما زال يُلقى عليه واحدًا بعد واحد حتى فرغ من عشرته، و(خ) (١) يقول: لا أعرفه فكان الفهماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: الرجل فَهِم، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على (خ) بالعجز والتقصير وقلة الفهم، ثم انتدب آخر من العشرة فسأله عن حديثٍ من تلك الأحاديث المقلوبة فقال (خ): لا أعرفه. فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه. فلم يزل يلقي عليه واحدًا بعد واحد حتى فرغ من عشرته، و(خ) يقول: لا أعرفه. ثم انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، و(خ) لا يزيدهم على: لا أعرفه. فلما علم (خ) أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، على الولاء، حتى أتى على العشرة فَرَدَّ كلَّ متن على إسناده وكُلَّ إسنادٍ إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، ورَدَّ متونَ الأحاديث كلها إلى أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها، فأَقَرَّ له الناسُ بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل.
وقوله: «بغدادا» بدالين مهملتين، أحد لغاتٍ جمة فيه [٥٦ - ب]، نبهتُ عليها في «الكافي» شرحي لمغني ابن هشام، نفع الله تعالى به.
وقوله:
٢٤٦ - وَقَلْبُ مَا لَمْ يَقْصِدِ الرُّوَاةُ نَحْوُ: (إذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاَةُ )
٢٤٧ - حَدَّثَهُ - في مَجْلِسِ البُنَاني - حَجَّاجٌ، اعْنِي: ابْنَ أبي عُثمَان
_________________
(١) أي: البخاري.
[ ١٧١ ]
٢٤٨ - فَظَنَّهُ - عَنْ ثَابِتٍ - جَرِيْرُ، بَيَّنَهُ حَمَّادٌ الضَّرِيْرُ
الشرح: من أقسام المقلوب ما انقلب على راويه ولم يقصد قلبه، كالحديث الذي رواه جرير بن حازم، عن ثابت البناني، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني».
فهذا حديث انقلب إسناده على جرير، والحديث مشهور ليحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي ﷺ.
هكذا رواه الأئمة الخمسة من طُرُق تدور على يحيى، وهو عند مسلم والنسائي من رواية حجاج بن أبي عثمان الصَّوَّاف، عن يحيى. وأما جرير فما سمعه إلا من حَجَّاج فانقلب عليه.
وقوله: «حدثه» (خ) يعني أن حماد الضرير بن زيد قال: كنت وجرير بن حازم عند ثابت البناني، فحدث حجاج بن أبي عثمان عن يحيى بن أبي كثير بسنده المذكور عن النبي ﷺ فذكره، فظن جرير أنه إنما حدث به ثابت عن أنس قال الطَّبَّاع إسحاق بن عيسى: حدثنا جرير بن حازم بهذا، فأتيت حماد بن زيد فسألته عن الحديث، فقال: وَهِم أبو النَّضْر-يعني جريرًا- إنما كنا جميعًا في مجلس البناني، وذكر [٥٧ - أ] نحوه.
قلت: «والبُنَاني» بضم الباء الموحدة، وبعده نون، فألف، فنون، نسبةً إلى بُنَانة بن سعد بن لؤي بن غالب، وهو أبو محمد ثابت بن أسلم، من تابعي البصرة، صحب أنس بن مالك أربعين سنة.
[ ١٧٢ ]
تنبيهات
قوله:
٢٤٩ - وَإنْ تَجِدْ مَتْنًَا ضَعِيْفَ السَّنَدِ فَقُلْ: ضَعِيْفٌ، أيْ: بِهَذَا فَاقْصِد
٢٥٠ - وَلاَ تُضَعِّفْ مُطْلَقًا بِنَاءَ عَلَى الطَّرِيْقِ، إذْ لَعَلَّ جَاءَ
٢٥١ - بِسَنَدٍ مُجَوَّدٍ، بَلْ يَقِفُ ذَاكَ عَلَى حُكْمِ إمَامٍ يَصِفُ
٢٥٢ - بَيَانَ ضَعْفِهِ، فَإنْ أطْلَقَهْ فَالشَّيْخُ فِيما بَعْدَهُ حَقَّقَهْ
الشرح: ذَكَر تنبيهات، باعتبار أنه ذكر ثلاثة:
التنبيه الأول: أشار إليه بقوله: «وإن تجد» (خ) ومعناه: إذا وجدت حديثًا بإسنادٍ ضعيفٍ، فلك أن تقول: «ضعيف» عانيًا بذلك الإسناد، ولا تعني بذلك ضعيف مطلقًا بناءً على ضعف ذلك السند؛ إذ لَعَلَّ له إسنادًا آخر صحيحًا يَثْبُت بمثله الحديث، بل سبيلك أن تقف (١) جواز إطلاق ضعفه على حكم إمام من أئمة الحديث بأن ليس له إسنادٌ يثبت به، مع وَصْف ذلك الإمام بيان وجه ضعفه مفسرًا، فإن أَطْلَقَ ذلك الإمام ضَعْفَهُ وما فَسَّرَهُ، فلابن الصلاح فيه كلام حَقَّقَهُ في النوع الثالث والعشرين من كتابه.
_________________
(١) كذا، وعبارة الناظم (١/ ٣٢٤): «بل يقف جواز ».
[ ١٧٣ ]
وقوله:
٢٥٣ - وَإنْ تُرِدْ نَقْلًا لِوَاهٍ، أوْ لِمَا يُشَكُّ فِيهِ لاَ بِإسْنَادِهِمَا
٢٥٤ - فَأتِ بِتَمْرِيضٍ كـ (يُرْوَى) وَاجْزِمِ بِنَقْلِ مَا صَحَّ كـ (قَالَ) فَاعْلَمِ [٥٧ - ب]
الشرح: هذا التنبيه الثاني من التنبيهات، وهو: إذا أردت نقل حديث ضعيفٍ أو ما في صحته وضعفه شكٌ بغير إسنادٍ فلا تذكره جازمًا بصيغته كـ «قال» و«فَعَلَ» ونحوه، وقُلّ فيه ممرضًا: «يُرْوَى» و«رُوِيَ» و«وَرَدَ» و«جاء» و«بلغنا» ونحو ذلك.
وقوله: «واجزم» (خ) يعني إذا نقلت حديثًا صحيحًا بغير إسناد فاذكره جازمًا كـ: «قال»، ونحوه.
وقوله:
٢٥٥ - وَسَهَّلُوا في غَيْرِ مَوْضُوْعٍ رَوَوْا مِنْ غَيْرِ تَبْيِينٍ لِضَعْفٍ، وَرَأوْا
٢٥٦ - بَيَانَهُ في الحُكْمِ وَالعَقَائِدِ عَنِ (ابنِ مَهْدِيٍّ) وَغَيْرِ وَاحِد
الشرح: وهذا التنبيه الثالث من التنبيهات وهو أن الحديث غير الموضوع يجوز التساهل في إسناده وروايته من غير بيانٍ لضعفه إذا كان في غير الأحكام والعقائد: كالترغيب والترهيب من المواعظ والقصص وفضائل الأعمال ونحوها.
وقوله: «عن ابن مهدي» (خ) يعني أن ممن نَصَّ على ذلك من الأئمة: ابن مَهْدي، بفتح الميم، وإسكان الهاء، وكسر الدال المهملة، وتشديد الياء، عبد
[ ١٧٤ ]
الرحمن، والإمام أحمد (١).
«قلت» (٢): و«عن» متعلق بـ «رأوا» وبتضمينه نقلوا (٣)، وهو أولى من ادعاء حذف مبتدأ محذوف مقدرٍ بـ «هذا» كما زعم (ن) في (ش) (٤)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) أي: ممن نص على ذلك كذلك الإمام أحمد.
(٢) وقعت العبارة في الأصل: [فقال]: قلت يظهر أنه حشو.
(٣) أي فيكون المعنى: نقلوا عن ابن مهدي ..
(٤) (١/ ٣٢٥).
[ ١٧٥ ]