اختلاف الرواة
وفيه: مدخل، وفصول:
الفصل الأول: أنواع الاختلاف، ومنهج النقاد فيه، ومنهج المتأخرين.
الفصل الثاني: قرائن الترجيح والموازنة.
الفصل الثالث: مسائل متفرقة في النظر في الاختلاف.
الفصل الرابع: جهد الباحث وكلام النقاد.
الفصل الخامس: الاختلاف عن المدار والحكم النهائي.
[ ١ / ٣٧٥ ]
معنى الاختلاف
مدخل:
يتفاوت الرواة تفاوتا كبيرا في أشياء عديدة، منها الصدق، والحفظ والإتقان، وملازمة الشيخ، والجمع بين الحفظ في الصدر والكتاب، والتحديث منهما، والالتزام باللفظ، وإتقان اللغة العربية، وغير ذلك مما تقدم شرحه في القسم الأول «الجرح والتعديل»، وعلى هذا الأساس وضع النقاد مراتب للرواة.
ثم إن زمن تحديث الراوي بالحديث قد يمتد لفترة طويلة، فيحدث به مرات عديدة تصل في بعض الأحاديث إلى المئات، وتختلف مناسباتها، وأماكنها، فيرويه تاما، ويرويه أيضا مختصرا، أو ينشط فيسنده، ويفتر فيرسله، أو يرويه عن عدد من الشيوخ، فيكتفي أحيانا ببعضهم، وقد يكون ذلك كله على سبيل السهو والخطأ.
وترتب على هذا وغيره وجود اختلاف بين الرواة في رواية النصوص، وليس هذا بالقليل، بل هو كثير جدا، فقل حديث إلا وقد وقع فيه شيء من الاختلاف في إسناده أو متنه.
ومعنى الاختلاف: أن يروي اثنان -أو أكثر- حديثا عن شيخ لهم -فهو المدار إذن- فيختلفون في صفة روايتهم لهذا الحديث عنه، إسنادا، أو متنا، وقد يكون الاختلاف في الشيخ نفسه، كاسمه ونسبه، ونحو ذلك.
فإذا جمع الباحث طرق الحديث، عليه أن يتمعن في أماكن التقاء الطرق، فإذا التقت عند راو نظر فيه، وفي صفة الرواية بعده، هل هي متفقة، أو مختلفة؟
[ ١ / ٣٧٧ ]
وإذا كانت مختلفة فما صفة هذا الاختلاف؟ وهذا قد طلب منه أثناء جمعه للطرق، وكتابتها في رسم توضيحي، كما تقدم شرحه في الفصل الثالث من الباب الأول.
والآن يدخل الباحث في النظر في هذا الاختلاف، ما سببه، وما نتيجة النظر فيه؟
وفي باب (اختلافات الرواة في إسناد الحديث أو متنه) قضايا كثيرة جدا، إذ هو أحد أركان علم نقد المرويات، بل هو أعظم أركانه، وهو ما يعرف اصطلاحا بعلم العلل، وسأعرض لهذه القضايا في عدة فصول.
* * *
[ ١ / ٣٧٨ ]
الفصل الأول
أنواع الاختلاف، ومنهج النقاد فيه ومنهج المتأخرين
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: أنواع الاختلاف.
المبحث الثاني: منهج النقاد في الاختلاف ومنهج المتأخرين.
[ ١ / ٣٧٩ ]
المبحث الأول
أنواع الاختلاف
تنقسم الاختلافات الواقعة بين الرواة قسمين رئيسين، وتحت كل قسم أنواع متعددة.
القسم الأول: الاختلاف في إسناد الحديث:
ويندرج تحت هذا القسم أنواع:
النوع الأول: وصل الحديث وإرساله:
مثاله: ما رواه معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، عن جابر ﵁ قال: «أقام رسول الله - ﷺ - بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة» (^١).
ورواه علي بن المبارك وغيره، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان مرسلا، ليس فيه جابر بن عبدالله (^٢).
وروى الفضل بن موسى السيناني، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبدالله بن السائب، قال: «شهدت مع رسول الله - ﷺ - العيد، فلما قضى الصلاة قال: إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب
_________________
(١) «سنن أبي داود» حديث (١٢٣٥)، و«مسند أحمد» ٣: ٢٩٥.
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢: ٢٠٨، و«سنن البيهقي» ٣: ١٥٢.
[ ١ / ٣٨١ ]
فليذهب» (^١).
ورواه عبدالرزاق، وهشام بن يوسف، وسفيان الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء مرسلا، ليس فيه عبدالله بن السائب (^٢).
وروى حماد بن سلمة، وعبدالوهاب الثقفي -في بعض الروايات عنه- عن أيوب السختياني، عن عبدالله بن زيد أبي قلابة، عن عبدالله بن يزيد، عن عائشة قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يقسم فيعدل، ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» (^٣).
ورواه معمر، وحماد بن زيد، وإسماعيل بن علية، وعبدالوهاب الثقفي -في بعض الروايات عنه-، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن النبي - ﷺ -، ليس فيه عبدالله بن يزيد، ولا عائشة (^٤).
_________________
(١) «سنن أبي داود» حديث (١١٥٥)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٢٩٠).
(٢) «مصنف عبدالرزاق» حديث (٥٦٧٠)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٨٠، و«سنن البيهقي» ٣: ٣٠١.
(٣) «سنن أبي داود» حديث (٢١٣٥)، و«سنن الترمذي» حديث (١١٤٠)، و«سنن النسائي» حديث (٣٩٥٣)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٩٧١)، و«مسند أحمد» ٦: ١٤٤، و«تفسير الطبري» ٥: ٣١٥.
(٤) «سنن الترمذي» بعد حديث (١١٤٠)، و«سنن النسائي» بعد حديث (٣٩٥٣)، و«تفسير عبدالرزاق» ٢: ١٢٠، و«طبقات ابن سعد» ٢: ٢٣١، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٤: ٣٨٦، و«تفسير الطبري» ٥: ٣١٥.
[ ١ / ٣٨٢ ]
النوع الثاني: رفع الحديث ووقفه:
إما وقفه على صحابيه، أو على راو ممن دونه.
مثاله: ما رواه أبو خالد الأحمر، عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس مرفوعا: «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في دبرها» (^١).
ورواه وكيع بن الجراح، عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس موقوفا عليه من قوله (^٢).
وروى مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبدالله بن الزبير، عن عائشة مرفوعا: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية …» الحديث (^٣).
ورواه سليمان التيمي، وأبو بشر جعفر بن إياس، عن طلق بن حبيب من قوله موقوفا عليه (^٤).
_________________
(١) «سنن الترمذي» حديث (١١٦٥)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٩٠٠١).
(٢) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٩٠٠٢).
(٣) «صحيح مسلم» حديث (٢٦١)، و«سنن أبي داود» حديث (٥٣)، و«سنن الترمذي» حديث (٢٧٥٧)، و«سنن النسائي» حديث (٥٠٥٥)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٢٩٣)، و«مسند أحمد» ٦: ١٣٧.
(٤) «سنن النسائي» حديث (٥٠٥٦ - ٥٠٥٧)، و«سنن الدارقطني» ١: ٩٥.
[ ١ / ٣٨٣ ]
النوع الثالث: ذكر راو في الإسناد وحذفه:
وهذا النوع تقدمت له أمثلة كثيرة في الفصل الثالث من «الاتصال والانقطاع» المتعلق بالتدليس (^١).
ومن أمثلته أيضا: ما رواه هشيم، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن فضالة بن عبدالله الليثي، قال: «أتيت رسول الله - ﷺ - فأسلمت، وعلمني الصلوات الخمس في مواقيتها …» الحديث (^٢).
ورواه زهير بن إسحاق السلولي، وعلي بن عاصم، وخالد الواسطي -في بعض الطرق إليه-، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن عبدالله بن فضالة، عن أبيه (^٣)، وقيل في الإسناد غير ذلك (^٤).
وروى بعض أصحاب ابن المبارك، عنه، عن سفيان الثوري، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيدالله، عن أبي إدريس الخولاني، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد الغنوي، عن النبي - ﷺ - قال: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» (^٥).
ورواه جماعة منهم عبدالرحمن بن مهدي، وهناد بن السري، وحسن بن
_________________
(١) «الاتصال والانقطاع» ص ١٧٠ - ٣٧٥.
(٢) «مسند أحمد» ٤: ٣٤٤، و«صحيح ابن حبان» حديث (١٧٤١).
(٣) «سنن أبي داود» حديث (٤٢٨)، و«شرح مشكل الآثار» حديث (٩٩٦)، و«سنن البيهقي» ١: ٤٦٦.
(٤) «التاريخ الكبير» ٥: ١٧٠، و«الجرح والتعديل» ٥: ١٣٥، و«صحيح ابن حبان» حديث (١٧٤٢).
(٥) «مقدمة ابن الصلاح» ص ٤٨٠.
[ ١ / ٣٨٤ ]
الربيع، وعتاب بن زياد، وعلي بن إسحاق، عن ابن المبارك، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، ليس فيه سفيان الثوري (^١).
ورواه جماعة منهم الوليد بن مسلم، وعيسى بن يونس، وصدقة بن خالد -وروي أيضا عن ابن المبارك-، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيدالله، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد الغنوي، ليس فيه أبو إدريس الخولاني (^٢).
النوع الرابع: إبدال بعض رواة الإسناد بغيرهم:
وقد يكون المبدل واحدا، هو شيخ المختلف عليه، أو شيخ شيخه، أو صحابي الحديث، وقد يبدل أكثر من راو، بل قد يبدل الإسناد كله بعد الشيخ المختلف عليه.
ومن أمثلته: ما رواه جماعة منهم عفان، وروح بن عبادة، وعبدالرحمن بن مهدي، وحجاج بن منهال، وهدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة، أشعث بن عبدالرحمن، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن النعمان بن بشير مرفوعا: «إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض …» الحديث (^٣).
_________________
(١) «صحيح مسلم» حديث (٩٧٢)، و«سنن الترمذي» حديث (١٠٥٠)، و«مسند أحمد» ٤: ١٣٥.
(٢) «صحيح مسلم» حديث (٩٧٢)، و«سنن الترمذي» حديث (١٠٥١)، و«سنن النسائي» حديث (٧٥٩)، و«مسند أحمد» ٤: ١٣٥، و«المعجم الكبير» ١٦: ١٩٣ حديث (٤٣٣ - ٤٣٤).
(٣) «سنن الترمذي» حديث (٢٨٨٢)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (١٠٨٠٣)، و«مسند أحمد» ٤: ٢٧٤، و«صحيح ابن حبان» حديث (٧٨٢).
[ ١ / ٣٨٥ ]
ورواه عباد بن منصور، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أبي صالح الحارثي، عن النعمان بن بشير (^١)، وكذا رواه النضر بن معبد، عن أبي قلابة (^٢).
وقيل عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة، عن أشعث بن عبدالرحمن الجرمي، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس (^٣).
وروى جماعة منهم زهير بن معاوية، وعبدالوهاب الثقفي، وعبدالله بن نمير، وجرير بن حازم، ويزيد بن هارون، وسفيان بن عيينة -في بعض الروايات عنه- عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن عبدالرحمن الأنصاري، عن عمرة بنت عبدالرحمن، عن عائشة: «كان النبي - ﷺ - يصلي ركعتي الفجر فيخففهما …» الحديث (^٤).
ورواه مروان بن معاوية الفزاري، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمرة، جعل محمد بن يحيى مكان محمد بن عبدالرحمن (^٥).
_________________
(١) «سنن النسائي الكبرى» حديث (١٠٨٠٢)، و«المعجم الأوسط» حديث (١٣٨٢).
(٢) «الكامل» ٧: ٢٤٩٠.
(٣) «المعجم الكبير» حديث (٧١٤٦).
(٤) «صحيح البخاري» حديث (١١٧١)، و«صحيح مسلم» حديث (٧٢٤)، و«سنن أبي داود» حديث (١٢٥٥)، و«سنن النسائي» حديث (٩٤٥)، و«مسند أحمد» ٦: ١٦٤، ١٦٥، ١٨٦، ٢٣٥، و«مسند إسحاق بن راهويه» حديث (٩٩١)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (١١١٣)، و«مستخرج أبي عوانة» ٢: ٢٧٥.
(٥) «تحفة الأشراف» ١٢: ٤١٥، ورواية مروان في «مسند أبي يعلى» حديث (٤٦٠٣)، لكن وقع فيه: «عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه، عن عائشة»، والظاهر أنه تصحيف.
[ ١ / ٣٨٦ ]
تعدد الشيوخ في الزمن المتأخر كثير، بخلاف الزمن المتقدم
ورواه هشيم بن بشير، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، جعل أبا بكر بن محمد مكان محمد بن عبدالرحمن (^١).
وروى جماعة منهم عاصم بن علي، وأبو داود الطيالسي، وحجاج بن محمد، ويزيد بن هارون، وأسد بن موسى، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي، عن النبي - ﷺ - قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه» (^٢).
ورواه جماعة منهم حميد بن الأسود، وعثمان بن عمر، وأبو بكر بن عياش، وشعيب بن إسحاق، وإسماعيل بن عمر، وروح بن عبادة، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة (^٣).
ومسألة إبدال بعض رواة الإسناد فوق المدار بغيرهم يلاحظ الباحث فيها زمن الرواية، فقد غدت في عصر الرواية المتأخر -أي في نهاية القرن الثاني وما بعده- من تعدد الشيوخ للراوي الواحد، بسبب اتساع الرواية، وتحولها إلى هدف ومقصد للرواة، وعلى هذا فما يوجد مما ظاهره اختلاف على راو في تسمية شيخه ومن فوقه لا ينبغي للباحث أن يعامله على أنه اختلاف يجب أن ينظر فيه،
_________________
(١) «تحفة الأشراف» ١٢: ٤١٥.
(٢) «صحيح البخاري» حديث (٦٠١٦)، و«مسند أحمد» ٤: ٣١، ٦: ٣٨٥، و«مسند الطيالسي» حديث (١٣٤٠)، و«المعجم الكبير» ٢٢: ١٨٧، حديث (٧٨٧)، و«شعب الإيمان» (٩٠٨٧).
(٣) «صحيح البخاري» بعد حديث (٦٠١٦)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٨٨، ٣٣٦، ٤: ٣١، و«المستدرك» ١: ١٠، ٤: ١٦٥.
[ ١ / ٣٨٧ ]
ما لم يتبين عكس ذلك، كأن ينص ناقد على خطأ وجه فيه تغيير لاسم الشيخ، أو تكثر الطرق عند الباحث على صفة، وينفرد طريق بتسمية الشيخ، فيرتاب الباحث في ذلك، ويعده اختلافا، يطبق عليه قواعد الاختلاف.
وقد توقف كثير من الباحثين عند هذه القضية، فالباحث يقال له إن إبدال الإسناد بغيره كليا أو جزئيا فوق المدار موجب للتوقف والنظر، وعد ذلك اختلافا على الراوي، ثم يمر بالباحث كثير من الأحاديث يكون فيها لبعض الرواة عدد من الشيوخ في الحديث الواحد، ولا يعد النقاد ذلك اختلافا، بل يمرون عليه دون التفات لهذا التنوع، فأوجب هذا تساؤلا لدى الباحثين.
والمخرج منه هو ما ذكرته، في الزمن المتأخر من عصر الرواية لا إشكال في تعدد الشيوخ للراوي الواحد، فمحمد بن بشار -مثلا- يروي الحديث الواحد عن محمد بن جعفر، عن شعبة، ويرويه عن وكيع، عن شعبة، ويرويه عن يحيى القطان، عن شعبة، وربما رواه عن وكيع، عن سفيان الثوري، وعن القطان، عن الثوري، وهكذا، وكلما ارتفع الإسناد ضعف احتمال تعدد الشيوخ، وإذا نزل عن هذه الطبقة زاد احتمال تعددهم.
النوع الخامس: الاختلاف في تسمية راو، إما المختلف عليه، أو واحد من الرواة فوقه:
فيسميه بعضهم باسم، ويسميه بعضهم باسم آخر، أو يقلب اسمه، أو يكنيه بعضهم بكنية، وبعضهم بكنية أخرى، أو يقول بعضهم: ابن فلان، ويقول بعضهم: ابن أبي فلان، وربما سماه بعضهم، وأبهمه البعض الآخر، فيقول: عن رجل، أو عن عم فلان، أو ابن أخي فلان، ونحو ذلك.
[ ١ / ٣٨٨ ]
الأنواع السابقة يتركب منها أنواع أخرى، كالإرسال مع الإبدال، أو الوقف مع الإبدال، في صور من الاختلافات لا تنتهي
مثاله ما رواه أبو عوانة، وزائدة بن قدامة، وشريك، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي في صفة وضوئه - ﷺ - (^١).
ورواه شعبة، فسمى خالد بن علقمة: مالك بن عرفطة (^٢).
النوع السادس: الاختلاف في صيغ الأداء:
فيرويه بعضهم بالتصريح بالتحديث، وبعضهم بالصيغ المحتملة، كعن، وقال، وذكر، أو يرويه بعضهم بصيغة صريحة في الانقطاع، كأخبرت عن فلان، أو بلغني عنه، ويرويه بعضهم بصيغة محتملة، أو بصيغة صريحة في الاتصال، ونحو ذلك.
وهذا النوع تقدمت له أمثلة كثيرة في «الاتصال والانقطاع» (^٣).
هذه أهم أنواع الاختلافات في الإسناد، ويتركب منها أنواع أخرى، كالإرسال مع الإبدال، أو الوقف مع الإبدال، أو مع زيادة راو وحذفه، في صور من الاختلافات لا تنتهي.
فالنوع الأول -وصل الحديث وإرساله- يلتقي مع النوع الرابع -إبدال راو بآخر-، فقد يكون الإرسال مع الإبدال.
_________________
(١) «سنن أبي داود» حديث (١١١ - ١١٢)، و«سنن النسائي» حديث (٩١ - ٩٢)، و«مسند أحمد» ١: ١٢٣، ١٢٥، ١٣٥، ١٥٤.
(٢) «سنن أبي داود» حديث (١١٣)، و«سنن النسائي» حديث (٩٣ - ٩٤)، و«مسند أحمد» ١: ١٢٢، ١٣٩.
(٣) انظر مثلا: «الاتصال والانقطاع» ص ٢٦٧ - ٣٠٧.
[ ١ / ٣٨٩ ]
مثاله: ما رواه حماد بن يحيى الأبح، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك مرفوعا: «مثل أمتي مثل المطر، لا يدرى أوله خير أو آخره» (^١).
ورواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن البصري مرسلا عن النبي - ﷺ - (^٢).
والنوع الثاني -رفع الحديث ووقفه- يلتقي أيضا مع النوع الرابع -إبدال راو بآخر-، فقد يكون الوقف مع الإبدال.
مثاله: ما رواه عبدالوارث بن سعيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لو تركنا هذا الباب للنساء»، قال نافع: «فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات».
ورواه إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن نافع، قال: قال عمر بن الخطاب … فذكره بمعناه (^٣).
والنوع الأول -وصل الحديث وإرساله- يلتقي كثيرا مع النوع السادس
-صيغ الأداء- كما يظهر ذلك جليا من أمثلة الأخير.
وكذلك النوع الرابع -إبدال راو بآخر-، يجتمع مع النوع الخامس
-الاختلاف في تسمية الراوي-، فمنهم من لا يسميه أصلا، كما في حديث عائشة الماضي في النوع الرابع، فمن الرواة عن يحيى بن سعيد من رواه عنه، عمن
_________________
(١) «سنن الترمذي» حديث (٢٨٦٩)، و«مسند أحمد» ٣: ١٣٠، ١٤٣.
(٢) «مسند أحمد» ٣: ١٤٣.
(٣) «سنن أبي داود» حديث (٤٦٢ - ٤٦٣)، (٥٧١).
[ ١ / ٣٩٠ ]
الاختلاف الجزئي
من أهم أسباب الاختلاف في المتن: الرواية بالمعنى
حدثه، عن عمرة، عن عائشة (^١).
وفي هذا المثال أيضا اختلاف في زيادة راو وحذفه، فمن الرواة عن يحيى من لم يذكر واسطة بينه وبين عمرة (^٢)، ومنهم من لم يذكر عمرة أيضا (^٣).
ومن جهة ثانية بعض الأحاديث يشتد فيها الاختلاف، ويتنوع، فيروى الحديث موصولا، ومرسلا، وموقوفا، وبإبدال بعض رواته، إلى غير ذلك، كما أن الاختلاف في بعض الأحاديث يقع على أكثر من راو، إما في طبقة واحدة، أو في طبقات متعددة، فتعددت المدارات.
وهناك ما يمكن تسميته بالاختلاف الجزئي، أي أن الاختلاف في الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف، أو ذكر راو وحذفه، أو غير ذلك، وقع في جزء من الحديث، فبعض الحديث يتفق على وصله -مثلا- وبعضه يقع فيه اختلاف.
وسيأتي في ثنايا الكتاب أمثلة لهذا كله.
القسم الثاني: الاختلافات في المتن:
الاختلاف بين الرواة له أسباب كثيرة، من أهمها فيما يتعلق بمتن الحديث: الرواية بالمعنى، إذ الأكثر على تجويزه، وهو الواقع في رواية السنة، فقل حديث
_________________
(١) «مصنف عبدالرزاق» حديث (٤٧٩٢).
(٢) «مصنف عبدالرزاق» حديث (٤٧٩٣)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٤٦٢٤)، و«شرح معاني الآثار» ١: ٢٩٧، و«فوائد تمام» حديث (٣٧٧).
(٣) «موطأ مالك» ١: ١٢٧.
[ ١ / ٣٩١ ]
اهتمام النقاد ببيان ألفاظ الرواة
مسألة الإحالة على حديث لفظ حديث سابق ومعارضة شعبة بن الحجاج لها
صعوبة تحديد أنواع للاختلاف في المتون
-وإن كان لفظه قصيرا- إلا وقد روي في بعض رواياته بالمعنى، ويدخل في الرواية بالمعنى: اختصار الحديث والاكتفاء بمضمونه وما يفيده، وكذلك الاجتزاء ببعضه، وترك بعضه، خاصة إذا كان يتكون من عدة جمل، أو فيه عدد من القضايا، أو فيه قصة حذفها بعض الرواة، ونحو ذلك.
ولهذا السبب اهتم الأئمة النقاد ببيان ألفاظ الرواة، وموضع الاختلاف بينهم، كما نراه في «صحيح مسلم»، وغيره، وإن كانوا قد اضطروا إلى عدم سوق لفظ كل راو، فاعتاضوا عن ذلك بالإحالة على لفظ يذكرونه، ثم يقولون بعده في الأسانيد الأخرى: بنحوه، أو بمثله، أو بمعناه، فعلوا ذلك للاختصار، توفيرا للورق، حيث حاجتهم إليه ماسة، وتخفيفا على طلبة الحديث، حين سفرهم وتنقلهم، كما تقدم مثله في اختصار ألفاظ الأداء (^١).
وقد كان بعض الأئمة -مثل شعبة بن الحجاج- يرى أن الإحالة على لفظ سابق غير كاف، ويقول: إن ذلك ليس بحديث (^٢)، ولا شك أن قوله هذا غاية في الدقة والإحكام، لكن التزامه صعب جدا، فكان العمل بخلافه.
ولما كانت أغراض الناظرين في الحديث غير متفقة، فالفقيه، والأصولي، والمفسر، واللغوي، والنحوي، وغيرهم، كل واحد منهم له غرض غير الذي للآخر، ورب حرف ذي أهمية كبرى عند أحدهم، لا يأبه له الآخر - لما كان
_________________
(١) انظر: «الاتصال والانقطاع» ص ١٩.
(٢) انظر: ما تقدم في «الجرح والتعديل» ص ٤٠٤.
[ ١ / ٣٩٢ ]
ذلك كذلك، أصبح من العسير جدا تحديد أنواع للاختلاف في المتون يقال للباحث إن عليه أن يهتم بها، فكل ناظر في الحديث يريد أن يستدل بلفظ منه عليه أن يسبر ألفاظ الرواة في الموضع الذي يريد أن يستدل به (^١).
مثال ذلك حديث أبي هريرة مرفوعا: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار …» الحديث (^٢).
فالواو في قوله: «يتعاقبون» شغلت النحاة وشراح الحديث، فالقاعدة هنا حذف واو الجماعة، والفاعل «ملائكة»، وعند جمع طرق الحديث، والنظر في أسانيده ومداراته، ينصب نظر المخرج على هذه الجملة «يتعاقبون»، وكيف رواها رواة الحديث، وهل اتفقوا أو اختلفوا؟
ومع هذا فهناك أنواع من اختلافات المتون ظاهرة لكل أحد، يحسن ذكرها ليقاس عليها غيرها.
النوع الأول: القول والفعل:
ومن أمثلته: ما رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - قال: «مضمضوا من
_________________
(١) انظر: «إحكام الأحكام» لابن دقيق العيد ٢: ١٩٨، و«نظم الفرائد» ص ٢٥٨، و«توجيه النظر» ص ٣١٢.
(٢) «صحيح البخاري» حديث (٥٨٦٨)، و«صحيح مسلم» حديث (٢٠٩٣)، و«سنن أبي داود» حديث (٤٢٢١)، و«سنن النسائي» حديث (٥٣٠٦)، و«مسند أحمد» ٣: ٢٢٣، ٢٢٥.
[ ١ / ٣٩٣ ]
اللبن فإن له دسما»، وكذا جاء في بعض الطرق عن عقيل بن خالد، عن الزهري (^١).
ورواه جماعة، منهم يحيى بن سعيد القطان، وأبو عاصم، ومحمد بن مصعب، وأيوب بن خالد، وهقل بن زياد، عن الأوزاعي بلفظ: «أن النبي - ﷺ - شرب لبنا ثم تمضمض، وقال: إن له دسما» (^٢).
وكذا رواه عن الزهري جماعة منهم يونس بن يزيد، وعمرو بن الحارث، وصالح بن كيسان، ومعمر، وعقيل بن خالد -في بعض الطرق إليه- (^٣).
النوع الثاني: قلب المتن:
ومن أمثلته: ما رواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبدالله بن مسعود، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة»، وقلت أنا: «من مات يشرك بالله شيئا دخل النار» (^٤)، وكذا جاء في
_________________
(١) «سنن ابن ماجه» حديث (٤٩٨)، و«النكت الظراف» ٥: ٥٨.
(٢) «صحيح البخاري» حديث (٥٦٠٩)، و«صحيح مسلم» حديث (٣٥٨)، و«مسند أحمد» ١: ٢٢٣، ٢٢٧، ٣٢٩، و«مسند أبي يعلى» حديث (٢٤١٨)، و«مسند أبي عوانة» ١: ٢٧١.
(٣) «صحيح البخاري» حديث (٢١١)، و«صحيح مسلم» حديث (٣٥٨)، و«سنن أبي داود» حديث (١٩٦)، و«سنن الترمذي» حديث (٨٩)، و«سنن النسائي» حديث (١٨٧)، و«مسند أحمد» ١: ٣٣٧، ٣٧٣، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٤٧).
(٤) «مسند أحمد» ١: ٣٨٢، ٤٢٥، و«مسند أبي عوانة» ١: ١٧ و«مسند أبي يعلى» حديث (٥١٩٨)، و«التوحيد» لابن خزيمة ٢: ٨٤٨، حديث (٥٦٢)، (٥٦٤)، و«الإيمان» لابن منده حديث (٧٢).
[ ١ / ٣٩٤ ]
بعض الطرق إلى سيار أبي الحكم، ومغيرة بن مقسم، عن أبي وائل (^١).
ورواه جماعة منهم شعبة، وابن نمير، ووكيع، وحفص بن غياث، وأبو حمزة السكري، عن الأعمش، بلفظ: قال رسول الله - ﷺ -: «من مات يشرك بالله شيئا دخل النار»، وقلت أنا: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة» (^٢)، وكذا رواه عاصم بن أبي النجود، وسيار أبو الحكم، والمغيرة بن مقسم -في بعض الطرق إليهما- عن أبي وائل (^٣).
وروى القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ مرفوعا: «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» (^٤).
وروى عبدالعزيز الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة هذا الحديث، فجعل الذي يؤذن بليل هو ابن أم مكتوم (^٥)، وكذا جاء من رواية
_________________
(١) «الإيمان» لابن منده حديث (٧٣).
(٢) «صحيح البخاري» حديث (١٢٨٣)، (٤٤٩٧)، (٦٦٨٣)، و«صحيح مسلم» حديث (٩٢)، و«مسند أحمد» ١: ٣٨٢، ٤٢٥، ٤٤٣، ٤٦٢، ٤٦٤.
(٣) «مسند أحمد» ١: ٣٧٤، ٤٠٢، ٤٠٧، و«مسند أبي يعلى» حديث (٥٠٩٠)، و«التوحيد» لابن خزيمة حديث (٥٦٣)، (٥٦٥)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٢٥١٩).
(٤) «صحيح البخاري» حديث (٦٢٣)، (١٩١٩)، و«صحيح مسلم» حديث (٣٨٠)، (١٠٩٢)، و«سنن النسائي» حديث (٦٣٨).
(٥) «مسند أبي يعلى» حديث (٤٣٨٥)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٤٠٦)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٣٤٧٣)، و«سنن البيهقي» ١: ٣٨٢.
[ ١ / ٣٩٥ ]
أبي إسحاق السبيعي، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة (^١).
وقد يقع القلب في جزء من متن الحديث، وأمثلته كثيرة.
النوع الثالث: تغيير معنى الحديث:
وهذا سببه أن الراوي يريد أن يختصر الحديث، أو لم يكن يحفظه جيدا، فيرويه بمعناه، وربما افترق المعنيان، بحيث يقوم احتمال آخر أن يكونا حديثين.
ومن أمثلته: ما تقدم في الفصل الثالث من الباب الأول في الاختلاف بين رواية سفيان بن عيينة، ورواية محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعباد بن تميم، عن عبدالله بن زيد، في الوضوء من الصوت والريح.
وروى ابن جريج، وسفيان بن عيينة، وأسامة بن زيد، وعلي بن زيد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: «قربت للنبي - ﷺ - خبزا ولحما فأكل، ثم دعا بوضوء فتوضأ به، ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ»، هذا لفظ ابن جريج (^٢)، وكذا رواه عبدالله بن محمد بن عقيل، عن جابر (^٣).
ورواه شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: «كان آخر
_________________
(١) «مسند أحمد» ٦: ١٨٥، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٤٠٧ - ٤٠٨)، و«سنن البيهقي» ١: ٤٢٩.
(٢) «سنن أبي داود» حديث (١٩١)، و«سنن الترمذي» حديث (٨٠)، و«مسند أحمد» ٣: ٣٠٤، ٣٠٧، و«سنن البيهقي» ١: ١٥٦.
(٣) «سنن الترمذي» حديث (٨٠)، و«مسند أحمد» ٣: ٣٧٥، ٣٨٧.
[ ١ / ٣٩٦ ]