مِثَالُهُ: مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِدْرِيسَ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا
[ ٢٨٦ ]
مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا ".
فَذِكْرُ سُفْيَانَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ زِيَادَةٌ وَوَهْمٌ، وَهَكَذَا ذِكْرُ أَبِي إِدْرِيسَ.
أَمَّا الْوَهْمُ فِي ذِكْرِ سُفْيَانَ فَمِمَّنْ دُونَ ابْنِ الْمُبَارَكِ، لِأَنَّ جَمَاعَةً ثِقَاتٍ رَوَوْهُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنِ ابْنِ جَابِرٍ نَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ فِيهِ بِلَفْظِ الْإِخْبَارِ بَيْنَهُمَا.
وَأَمَّا ذِكْرُ أَبِي إِدْرِيسَ فِيهِ: فَابْنُ الْمُبَارَكِ مَنْسُوبٌ فِيهِ إِلَى الْوَهْمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الثِّقَاتِ رَوَوْهُ عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، فَلَمْ يَذْكُرُوا أَبَا إِدْرِيسَ بَيْنَ بُسْرٍ وَوَاثِلَةَ، وَفِيهِمْ مَنْ صَرَّحَ فِيهِ بِسَمَاعِ بُسْرٍ مِنْ وَاثِلَةَ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: " يَرَوْنَ أَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ وَهِمَ فِي هَذَا، قَالَ: وَكَثِيرًا مَا يُحَدِّثُ بُسْرٌ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، فَغَلِطَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَظَنَّ أَنَّ هَذَا مِمَّا رَوَى عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ وَاثِلَةَ، وَقَدْ سَمِعَ هَذَا بُسْرٌ مِنْ وَاثِلَةَ نَفْسِهِ.
قُلْتُ: قَدْ أَلَّفَ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ فِي هَذَا النَّوْعِ كِتَابًا سَمَّاهُ " كِتَابُ تَمْيِيزِ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ "، وَفِي كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرَهُ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْإِسْنَادَ الْخَالِيَ عَنِ الرَّاوِي الزَّائِدِ إِنْ كَانَ بِلَفْظَةِ " عَنْ " فِي ذَلِكَ
[ ٢٨٧ ]
فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِإِرْسَالِهِ، وَيُجْعَلَ مُعَلَّلًا بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ الزَّائِدُ، لِمَا عُرِفَ فِي نَوْعِ الْمُعَلَّلِ، وَكَمَا يَأْتِي ذِكْرُهُ إِنْ - شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي النَّوْعِ الَّذِي يَلِيهِ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالسَّمَاعِ أَوْ بِالْإِخْبَارِ، كَمَا فِي الْمِثَالِ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ عَنْهُ، ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهُ نَفْسُهُ، فَيَكُونُ بُسْرٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ وَاثِلَةَ، ثُمَّ لَقِيَ وَاثِلَةَ فَسَمِعَهُ مِنْهُ، كَمَا جَاءَ مِثْلُهُ مُصَرَّحًا بِهِ فِي غَيْرِ هَذَا.
اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ وَهْمًا، كَنَحْوِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ.
وَأَيْضًا فَالظَّاهِرُ مِمَّنْ وَقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ أَنْ يَذْكُرَ السَّمَاعَيْنِ، فَإِذَا لَمْ يَجِئْ عَنْهُ ذِكْرُ ذَلِكَ حَمَلْنَاهُ عَلَى الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.