بَلَغَنَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ الْبَرْدِيجِيِّ الْحَافِظِ: أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يَنْفَرِدُ بِهِ الرَّجُلُ، وَلَا يُعْرَفُ مَتْنُهُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَتِهِ لَا مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي رَوَاهُ مِنْهُ وَلَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَأَطْلَقَ الْبَرْدِيجِيُّ ذَلِكَ وَلَمْ يُفَصِّلْ.
وَإِطْلَاقُ الْحُكْمِ عَلَى التَّفَرُّدِ بِالرَّدِّ أَوِ النَّكَارَةِ أَوِ الشُّذُوذِ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالصَّوَابُ فِيهِ التَّفْصِيلُ الَّذِي بَيَّنَّاهُ آنِفًا فِي شَرْحِ الشَّاذِّ.
وَعِنْدَ هَذَا نَقُولُ: الْمُنْكَرُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الشَّاذِّ، فَإِنَّهُ بِمَعْنَاهُ.
[ ٨٠ ]
مِثَالُ الْأَوَّلِ - وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ الْمُخَالِفُ لِمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ -: رِوَايَةُ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ".
فَخَالَفَ مَالِكٌ غَيْرَهُ مِنَ الثِّقَاتِ فِي قَوْلِهِ: عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ، بِضَمِّ الْعَيْنِ.
وَذَكَرَ مُسْلِمٌ صَاحِبُ الصَّحِيحِ فِي كِتَابِ " التَّمْيِيزِ " أَنَّ كُلَّ مَنْ رَوَاهُ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ قَالَ فِيهِ: عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، يَعْنِي، بِفَتْحِ الْعَيْنِ.
وَذَكَرَ أَنَّ مَالِكًا كَانَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى دَارِ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ، كَأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ يُخَالِفُونَهُ، وَعَمْرٌو وَعُمَرُ جَمِيعًا وَلَدُ عُثْمَانَ، غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ
[ ٨١ ]
إِنَّمَا هُوَ عَنْ عَمْرٍو - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - وَحَكَمَ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَلَى مَالِكٍ بِالْوَهْمِ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِثَالُ الثَّانِي: وَهُوَ الْفَرْدُ الَّذِي لَيْسَ فِي رَاوِيهِ مِنَ الثِّقَةِ وَالْإِتْقَانِ مَا يُحْتَمَلُ مَعَهُ تَفَرُّدُهُ: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زُكَيْرٍ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " كُلُوا الْبَلَحَ بِالتَّمْرِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا رَأَى ذَلِكَ غَاظَهُ، وَيَقُولُ: عَاشَ ابْنُ آدَمَ حَتَّى أَكَلَ الْجَدِيدَ بِالْخَلِقِ ". تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو زُكَيْرٍ، وَهُوَ شَيْخٌ صَالِحٌ، أَخْرَجَ عَنْهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ مَنْ يُحْتَمَلُ تَفَرُّدُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.