[ ٢ / ٥٩٨ ]
الفصل الأول: ما يثبت به الاتصال
[ ٢ / ٦٠٠ ]
تمهيد
الاتصال في اللغة مصدر اتّصل الشيءُ بالشيء بمعنى لم ينقطع (^١) وأما في الاصطلاح فقال الخطيب: "واتصال الإسناد في الحديث أن يكون كل واحد من رواته سمعه ممن فوقه حتى ينتهي إلى آخره، وإن لم يبين السماع بل اقتصر على العنعنة" (^٢)، ويقال للحديث الموصوف به: متصلًا وكذا مؤتصلًا وموتصلًا كما عزاه السخاوي للشافعي (^٣)، وهذا الأخير لغة لقريش "حيث لا تدغم مثل هذه الواو وأشباهها في التاء، فتقول: موتصل، موتفق، وموتعد ونحو ذلك، وغيرهم يُدغم فيقول: متّصل، متّفق، متّعد" (^٤).
قال ابن عبد البر: وإنما سمي متصلًا لأن بعضهم صحت مجالسته ولقاؤه لمن بعده في الإسناد وصح سماعه منه (^٥).
والاتصال من أخص خصائص الإسناد الذي هو خاصية هذه الأمة، والأصل فيه قوله ﵊ في الحديث الذي رواه ابن عباس: "تسمعون ويُسمعُ منكم ويُسمع ممن يَسمع منكم" (^٦). فهذا الحديث وإن كان
_________________
(١) لسان العرب، مادة: "وصل" ١/ ٧٢٦.
(٢) الكفاية ص ٥٨.
(٣) فتح المغيث ١/ ١٢٢.
(٤) انظر: لسان العرب ١١/ ٧٢٧.
(٥) التمهيد ١/ ٢٤.
(٦) أخرجه أبو داود السنن ٤/ ٦٨ ح ٣٦٥٩، وأحمد المسند ٥/ ١٠٤ ح ٢٩٤٥، وابن حبان الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١/ ٢٦٣ ح ٦٢، وابن أبي حاتم الجرح والتعديل ٢/ ٨، والحاكم المستدرك ١/ ٩٥، والبيهقي السنن الكبرى ١٠/ ٢٥٠، والرامهرمزي في
[ ٢ / ٦٠١ ]
ظاهره خبرًا متضمنًا معنى الأمر بطلب العلم وتبليغه فقد تضمنّ أيضًا إخبارًا من النبي ﷺ ظاهره خبرًا معنى الأمر بطلب العلم وتبليغه فقد تضمن أيضًا إخبارًا من النبي ﷺ بما سيقع في أمته من اتباعهم لهذا الطريق في نقل العلم، وهو الرواية بالإسناد المتصل.
والعلة في الإعلال بعدم الاتصال هو الجهل بعدالة الراوي الساقط من الإسناد لجواز أن لا يكون عدلًا (^١).
_________________
(١) المحدث الفاصل ص ٢٠٧، وابن عبد البر جامع بيان العلم وفضله ح ٢٠٣، ح ١٩٣٢ وغيرهم من طرق عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. وعبد الله بن عبد الله وثقه يعقوب بن شيبة، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، العجلي، وقال ابن حبان: ثقة كوفي. وكذلك قال الذهبي: وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن حجر: صدوق تهذيب الكمال ١٥/ ١٨٤ - ١٨٥، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، الموضع السابق، الكاشف ٢٨٠٩، تقريب التهذيب ٣٤٤٠. ولم يصرح الأعمش بالخبر، ورواه ابن مهدي عن سفيان، عن الأعمش عن ابن عباس ولم يرفعه الجرح والتعديل ٢/ ٨، والذين رووه عن الأعمش أكثر عددًا. ويشهد للحديث المرفوع حديث ثابت بن قيس بن شماس عند البزار كشف الأستار ١٤٦، والطبراني في المعجم الكبير ٢/ ١٣٢١/٧١، وابن أبي حاتم الجرح والتعديل ٢/ ٨، والرامهرمزي المحدث الفاصل ص ٢٠٦، وابن عبد البر جامع بيان العلم وفضله ح ١٩٣١، والخطيب شرف أصحاب الحديث ص ٣٧ - ٣٨ من طرق عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ثابت بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ الحديث. ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى موصوف بسوء الحفظ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من ثابت من قيس - قاله البزار ـ. وقد صحح الحاكم حديث ابن عباس على شرط الشيخين وقال: ليس له علة، ووافقه الذهبي. وحسنه العلائي جامع التحصيل ص ٥٢، وهو أقرب.
(٢) جامع التحصيل في أحكام المراسيل ص ٣٦.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
المبحث الأول: اشتراط ثبوت السماع بين الرواة عند الإمام أحمد لثبوت الاتصال في الإسناد المعنعن.
لا خلاف أن ألفاظ الأداء الدالة على السماع في الأسانيد صريحًا أو ظاهرًا قويًا يقرب من الصريح تدل على الاتصال، لكونها صريحة في إفادة تحمل الراوي من المروي عنه بلا واسطة، ومن أمثلة هذه الألفاظ: سمعت، وحدثنا، وأخبرنا، وقال لنا، وذكر لنا، وحضرت فلانا يقول كذا، وسألت فلانا عن كذا وما أشبه ذلك. وأرفعها كما قال الخطيب: سمعت فلانًا يقول كذا، لأنها لا تقبل التدليس، ولا تكاد تستعمل فيما كان بالإجازة أو المكاتبة، بخلاف أخبرنا وحدثنا فإن بعض أهل العلم جوزوا إطلاقها فيما كان بالإجازة (^١).
وأما الأسانيد المعنعنة، وهي التي يقال فيها: "فلان عن فلان" من غير بيان للتحديث أو الإخبار أو السماع (^٢)، فجمهور أهل العلم على ثبوت الاتصال بها لكن بشروط وقع بينهم فيها خلاف.
أما الإمام أحمد فمقتضى كلامه كما قال ابن رجب يدل على اشتراط ثبوت السماع بين الراويين للحكم بالاتصال (^٣). وهناك شرط آخر يفهم من كلام الإمام أحمد، ألا وهو سلامة الراوي صاحب العنعنة من التدليس. يدل عليه ما رواه الأثرم قال: "سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ذَكر معاوية بن عبد الكريم فقال: ثقة، ما أثبتَ حديثَه، ما أصحَّ حديثَه، قيل له: بعض ما روى عن عطاء لم يسمعه،
_________________
(١) الكفاية في علم الرواية ص ٤١٣.
(٢) فتح المغيث ١/ ١٨٩.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٠، ٥٩٢.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
فأنكره وقال: هو يروي بعضَها عن قيس، وبعضها يقول: سمعتُ عطاء - أي فلا يُدلِّس - وهو أحب إليه من إسماعيل بن مسلم" (^١) لما ذكر الإمام أحمد صحة حديث معاوية اعترضوا عليه بعدم سماعه لبعض ما يروي عن عطاء، ومقتضى ذلك ألا يصحح ما رواه عن عطاء بدون ذكر الإخبار، فأجاب الإمام أحمد بما حاصله أنه ليس ممن يدلس، فلا يتوقف في قبول ما رواه بغير سماع - أي بالعنعنة. فمفهوم هذا أنه لو كان ممن يدلس لم تقبل عنعنته، فعدم تدليس الراوي إذًا شرط لقبول عنعنته، والعلم عند الله.
_________________
(١) الجرح والتعديل ٨/ ٣٨١ - ٣٨٢.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
المطلب الأول: الأدلة على أن الإمام أحمد يشترط ثبوت السماع للحكم باتصال الإسناد المعنعن.
من خلال تتبع النصوص المروية عن الإمام أحمد يظهر أنه يشترط ثبوت السماع في الحكم بالاتصال ولا يكتفي بإمكان اللقاء ولا حتى بحصوله، وفيما يلي أدلة ذلك:
١. نفيه للسماع بين الراويين مع وجود اللقاء بينهما:
مما يدل على أن ثبوت السماع عند الإمام أحمد شرط للحكم بالاتصال أنه لم يحكم بالسماع بين راويين ثبت بينهما اللقاء بمجرد حصول اللقاء، فدل على أن هناك أمرًا زائدًا يشترطه فوق ثبوت اللقاء للحكم بالسماع، وهذه النصوص عنه توضح ذلك:
أ- قوله في عبد الله بن عون وعدم سماعه من أنس:
قال المروذي: "قلت: سمع ابن عون من أنس شيئًا؟ فقال: قد رآه، وأما سماع فلا أعلم، ثم قال: أيوب قد رآه، ولم يسمع، قلت: ويونس؟ قال: لا أدري" (^١). فلم يحكم له بالسماع بمجرد الرؤية، وهي أبلغ من إمكان اللقاء، واستدل لذلك بأن أيوب السختياني قد رآى أنس بن مالك ولم يسمع منه، فكأنه يستدل بأن الرؤية لا تستلزم السماع.
ب- قوله في سماع يحي بن أبي كثير من أنس بن مالك ﵁:
قال الأثرم: "قلت لأبي عبد الله: يحيى بن أبي كثير سمع من أنس؟ قال: قد رآه، قال: رأيت أنسًا، ولا أدري سمع منه أم لا؟ " (^٢). ونفى أبو حاتم سماعه
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٤١ رقم ٧.
(٢) المراسيل ٨٩٤.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
من أنس، وقال: روى عنه مرسلًا، وقد رآه رؤية يصلي في المسجد الحرام (^١). وحديثه عنه في سنن النسائي (^٢).
ج- عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر:
قال حرب بن إسماعيل الكرماني: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: "عطاء - يعني ابن أبي رباح - قد رأى ابن عمر ولم يسمع منه" (^٣). وكذلك قال ابن معين: لم يسمع من ابن عمر رآه رؤية (^٤). وحديثه عنه في السنن الأربعة (^٥).
د- عطاء بن أبي مسلم الخراساني عن ابن عمر:
قال أبو طالب أحمد بن حميد: قال أحمد بن حنبل: "عطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس شيئًا، وقد رأى عطاء ابنَ عمر ولم يسمع منه شيئًا" (^٦). فأثبت له الرؤية لابن عمر ونفى سماعه منه.
هـ- ابن شهاب الزهري عن أبان بن عثمان بن عفان:
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: "الزهري سمع من أبان ابن عثمان؟ قال: ما أُراه سمع منه، وما أدري - أو نحو هذا - إلا أنه قد أدخل بينه وبينه: عبد الله بن أبي بكر" (^٧)، لم يجزم له بالسماع منه مع أنه قد أدركه، بل
_________________
(١) الجرح والتعديل ٩/ ١٤١.
(٢) السنن الكبرى ٤/ ٢٠٢ ح ٦٩٠١، ٦/ ٨١ ح ١٠١٢٨، ١٠١٢٩، حديث إذا أفطر عند أهل بيت قال: "أفطر عندكم الصائمون … " الحديث. وقال النسائي: يحيى بن أبي كثير لم يسمعه من أنس، ثم ساق بإسناده عنه قال: حُدّثته عن أنس ح ١٠١٣٠.
(٣) المراسيل لابن أبي حاتم ٥٦٥.
(٤) تاريخ ابن معين - برواية الدوري ٢/ ٤٠٣.
(٥) تهذيب الكمال ٢٠/ ٧١.
(٦) المراسيل ٥٧٥.
(٧) المراسيل ٦٩٥.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
الزهري قد أدرك من هو أكبر من أبان بن عثمان: قال أبو حاتم: "الزهري لم يسمع من أبان بن عثمان شيئًا، لا أنه لم يُدركه، قد أدركه، وأدرك من هو أكبر منه، ولكن لا يثبت له السماع منه" (^١).
و- حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير:
قال أحمد: "لم يسمع من عروة" (^٢) وحبيب قد أدرك من هو أكبر من عروة، أدرك ابن عمر، وابن عباس وسمع منهما (^٣). قال أبو حاتم: "حبيب ابن أبي ثابت لا يثبت له السماع من عروة بن الزبير، وهو قد سمع ممن هو أكبر منه، غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة" (^٤).
فكل هذه النصوص تدل على أن الإدراك لا يستلزم معه السماع بين المتداركيْن فإذا روى أحدهما عن الآخر فالظاهر أن تلك الرواية حصلت بواسطة آخرَ بينهما، وهذا هو واقع الإرسال. ونظير هذا من ثبتت له الصحبة بالرؤية للنبي ﷺ دون السماع منه، مثل عبد الرحمن بن غنم، قال عنه الإمام أحمد: قد أدرك النبي ﷺ ولم يسمع منه (^٥)، وكذلك طارق بن شهاب البجلي، فرواية مثلهم عن النبي ﷺ مرسلة، وإنما لم يضرَّ الإرسال في هذه الصورة لأن الواسطة في الغالب صحابي، والجهل به لا يضر لعدالة الصحابة، بخلافه في الصورة الأولى. فإذا ثبت هذا فلا بد للحكم بالاتصال من ثبوت السماع، ولا
_________________
(١) المصدر نفسه ٧٠٣.
(٢) المصدر نفسه ٨١.
(٣) انظر: العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٢٠ رقم ٤٩٥٧، ٤٩٥٨.
(٤) المراسيل ٧٠٣.
(٥) المصدر نفسه ٤٤٣.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
يُكتَفى بمجرد اللقاء فضلًا عن إمكانه.
ولهذا الاعتبار حكم الإمام أحمد بالإرسال على رواية سعيد بن السيب عن عمر، مع أنه أثبت أن سعيدًا قد رأى عمر وسمع منه لكنه ما سمع منه إلا شيئًا يسيرًا، فرواياته عنه زيادة على ذلك مرسلة (^١)؛ وكذلك جعل رواية مكحول عن واثلة بن الأسقع مرسلة مع أنه أثبت دخوله عليه ورؤيته له، لكن أنكر سماعه له (^٢)، وقال: لم يصح له منه سماع (^٣).
وقد يعترض على المثال الأول، وهو ابن المسيب عن عمر بما رواه أبو طالب أحمد بن حميد أنه قال لأحمد: "سعيد عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه، إذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟ " (^٤)، ويمكن أن يجاب عنه بأن اعتبار رواياته حجة لا يخرجها عن كونها مرسلة، لأن مراسيل ابن المسيب عند أحمد صحاح، وكان لا يرى أصح من مرسلاته (^٥)، وخاصة ما أرسله عن عمر، فإنه كان يسمى راويته لأنه كان أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته (^٦)، وهذا مما لا يخفى على الإمام أحمد.
وهناك وجه آخر لعدم الحكم بالسماع والاتصال بمجرد اللقاء، وهو أنه قد يحصل اللقاء بين راوييْن مع الرواية لكن تكون الرواية من كتاب بلا سماع
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٠.
(٢) وقد روى أبو داود عن أحمد أنه سمع مكحول من أصحاب النبي ﷺ من أنس، وواثلة، وأبي هند. ا. هـ. مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٥٣. وكذلك أثبته ابن معين والترمذي وصالح الجزرة انظر: تاريخ دمشق ٦٠/ ٢٠٨ - ٢١٠.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٠ - ٥٩١.
(٤) الجرح والتعديل ٤/ ٦١.
(٥) تهذيب الكمال ١١/ ٧٣ برواية الميموني وحنبل عنه. وانظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٢٢٢، وشرح علل الترمذي ١/ ٥٥٥.
(٦) تهذيب الكمال ١١/ ٧٤.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
ولا عرض، بل ولا مناولة ولا إجازة، فإذا جاز أن يقع هذا فلا يصح أن يحكم بالاتصال بدون ثبوت السماع إذ يلزمه ذلك الحكم بالاتصال على الرواية بالوجادة، وهو خلاف الواقع. يوضح هذا ما رواه عبد الله قال: "سمعت أبي ذكر جميل بن زيد (^١)، قال: قال أبو بكر بن عياش قلتُ لجميل بن زيد: هذه الأحاديث أحاديث ابن عمر؟ قال: أَمَا ما سمعتُ من ابن عمر، إنما قالوا لي: إذا قدِمتَ المدينة فاكتُب أحاديث ابن عمر. قال: فقدمتُ فكتبتُها" (^٢)، فقال هذا مع أنه جاء ما يدل على رؤيته لابن عمر كما في سنن سعيد بن منصور (^٣).
ومثال آخر هو خِلاس بن عمرو وروايته عن علي بن أبي طالب، قال أبو داود: "قلت لأحمد: خِلاس سمع من علي؟ قال: قد سمع من عمارٍ وكان في الشرط مع علي، فلا يكون سمع من عمار إلا وقد أدرك عليًا" (^٤). فظاهر هذه الرواية أنه ليس هناك ما يمنع سماعه من علي لإدراكه له. لكن روى العقيلي عن الإمام أحمد أنه قال: "خِلاس عن علي كتاب" (^٥). وذكر عبد الله عن أحمد: "كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن قتادة عن خلاس عن علي شيئًا، وكان يحدث عن قتادة، عن خلاس، عن غير علي، كأنه يتوقى حديث خلاس عن علي وحده
_________________
(١) جميل بن زيد الطائي الكوفي، روى عن ابن عمر، وروى عنه الثوري وأبو بكر بن عياش وغيرهما. ضعيف. وروى سعيد بن منصور ما يدل على رؤيته لابن عمر تهذيب التهذيب ٢/ ١١٤.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤٨٤ رقم ١١١١، ٢/ ٦٨ رقم ١٥٧٦. وانظر: التاريخ الكبير ٢/ ٢١٥.
(٣) انظر: تغليق التعليق ٣/ ٧٥.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٢٦ رقم ١٩٧٢. وانظر: مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ١/ ٣٣٠ رقم ٢٧٩، والعلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤٣٠ رقم ٩٥٤.
(٥) ضعفاء العقيلي ٢/ ٣٧٧.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
ـ يعني يقول: ليس هي صحاح، أو لم يسمع منه" (^١). واعتمد الإمام أحمد نفسه مثل هذا الذي رواه عن شيخه يحيى القطان، فقال المروذي: سألته - أي أبا عبد الله - عن خلاس فقال: "ما روى عن غير علي فلم ير به بأسًا، وأما ما روى عن علي فليس هي عندي" (^٢). فضعفه عن علي لأنه لم يثبت له السماع منه مع إدراكه له وروايته عنه، لأنه أخذ الرواية من كتاب، وقد كان خلاس يوصف بأنه صحفي (^٣). وقال أبو حاتم: وقعت عنده صحف عن علي (^٤).
والجدير بالذكر أن معنى نفي السماع عدم وقوف الناقد على تصريح بالسماع يصح أن يحتج به لإثبات السماع، ومن أجل هذا ورد عن النقاد التفتيش والبحث عن السماع في الأسانيد، والعناية بمرويات الذين يعتنون بذكر الإخبار وغيره من ألفاظ الأداء في الأسانيد. قال أحمد في الموازنة بين شعبة وأبي معاوية في الأعمش: "أبو معاوية في الكثرة والعلم - يعني علمه بالأعمش - شعبة صاحب حديث يؤدي الألفاظ والأخبار، أبو معاوية: عن عن" (^٥). أي شعبة يعتني بذكر ألفاظ الأداء، بينما أبو معاوية يذكر الأسانيد بالعنعنة، وهذا ما سيأتي في الدليل الثاني من أدلة اشتراط ثبوت السماع للحكم بالاتصال.
٢. البحث عن التصريح بالسماع بين الرواة:
الدليل الثاني من أدلة اشتراط ثبوت السماع بين الرواة للحكم على عنعنتهم بالاتصال عند الإمام أحمد هو بحثه عما يُثبت سماع الرواة بعضهم من
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥٣١ رقم ١٢٤٩.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٥٩ رقم ٤٩.
(٣) وصفه بذلك أيوب السختياني العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٦٤ رقم ٦٩٥.
(٤) الجرح والتعديل ٣/ ٤٠٢.
(٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٧٧.
[ ٢ / ٦١٠ ]
بعض وعدم اكتفائه بالمعاصرة أو اللقاء بينهم، ولو لم يكن ذلك من أجل إثبات الاتصال لعدّ البحث عنه عبثًا أو عملًا لا طائل تحته. وفيما يلي أمثلة توضيحية:
أ- قال الأثرم: "قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل ـ: أبان بن عثمان سمع من أبيه؟ قال: لا، من أين سمع منه! " (^١). قال ابن رجب: مراده: من أين صحت الرواية بسماعه منه؟ وإلا فإن إمكان ذلك واحتماله غير مستبعد. ا. هـ (^٢). ومعنى هذا: أنه حيث لم تأت رواية صحيحة فيها التصريح بسماعه من أبيه فلا يثبت له السماع. وقد ورد تصريحه بالسماع من عثمان في مسند أحمد في حديث: "أيكحل عينيه وهو محرم؟ أو بأي شيء يكحلها وهو محرم؟ فقال أبان: يضمدها بالصبر، فإني سمعت عثمان بن عفان يحدث ذلك عن رسول الله ﷺ " (^٣)، وفي حديث: "لا يَنكِح المحرم ولا يُنكَحُ ولا يَخطب" عند مسلم (^٤)، وهو عند أحمد أيضًا بالتصريح بالسماع (^٥). ولذلك أثبت البخاري له السماع من أبيه (^٦). فنفيُ الإمام أحمد هنا يُحمل على ذهول منه ﵀.
ب- قال أبو داود: "قلت لأحمد: أَسمِع أبو إسحاق السبيعي من
أبي موسى الأشعري؟ فقال: من أين سمع منه؟ - أو كلمة نحوها، فذكرت له حديث أُنيس، عن أبي إسحاق: بعثني أبي إلى أبي موسى الأشعري فسقاني نبيذًا، فأنكر الحديث جداًّ" (^٧).
_________________
(١) المراسيل ٤٨.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩١.
(٣) المسند ١/ ٤٨١ ح ٤٢٢.
(٤) صحيح مسلم ٢/ ١٠٣٠ ح ١٤٠٩.
(٥) المسند ١/ ٥٤٩ - ٥٥٠ ح ٥٣٥.
(٦) التاريخ الكبير ١/ ٤٥٠.
(٧) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠٠ رقم ١٨٩٢.
[ ٢ / ٦١١ ]
أبو إسحاق السبيعي ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ورأى علي بن أبي طالب يخطب (^١)، فسماعه من أبي موسى الأشعري ت (٤٢) هـ ممكن، لكن الإمام أحمد أنكره لأنه لم تأت رواية صحيحة مصرِّحة بذلك، ولما ذكر له حديث أنيس أنكره. وسؤاله: "من أين سمع منه؟ " يدل على بحثه عن التصريح بالسماع. ولم أقف على الأثر الذي ذكره أبو داود.
ج- قال عبد الله: "سئل عمّا روى سعيد بن جبير عن عائشة على السماع؟ قال: لا أُراه سمع منها، عن الثقة عن عائشة" (^٢). قوله: عن الثقة عن عائشة يشير إلى ما رواه مالك عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن جبير، عن رجل عنده رضى أخبره أن عائشة ﵂ أخبرته أن رسول الله ﷺ قال: "ما مِن امرئٍ تكونُ له صلاةٌ بليل فغلبه عليها نومٌ إلا كتب الله له أجرُ صلاتِه، وكان نومُه صدقةً عليه" (^٣)، مما يدل على أن روايته عنها بواسطة، فلم يحكم له بالسماع منه إذ لم تأت رواية مصرِّحة بذلك.
د- قال أبو طالب أحمد بن حميد: "سألت أحمد بن حنبل عن محمد بن علي، سمع من أم سلمة شيئًا؟ قال: لا يصح أنه سمع. قلت: فسمع من عائشة؟ فقال: لا! ماتت عائشة قبل أم سلمة" (^٤). فقوله: لا يصح أنه سمع، إشارة إلى عدم وجود رواية صحيحة فيها ثبوت سماعه منها.
هـ- قال حرب بن إسماعيل: "قال أحمد بن حنبل: ابن سيرين لم يجيء عنه
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٥/ ٣٩٣.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٨٤ رقم ٥٢٦١، وانظر: المراسيل ٢٦٢.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ١١٧، ومن طريقه أحمد ٤٢/ ٢٩٢ ح ٢٥٤٦٤، وأبو داود السنن ٢/ ٧٦ ح ١٣١٤، والنسائي السنن ٣/ ٢٥٧ ح ١٧٨٣.
(٤) المراسيل ٦٧٢.
[ ٢ / ٦١٢ ]
سماع من ابن عباس" (^١). فهذا نفي منه لوجود الرواية بالسماع بينهما.
و- قال الأثرم: "قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل: الزهري سمع من عبد الرحمن بن أزهر؟ قال: ما أُراه سمع من عبد الرحمن بن أزهر، ثم قال: إنما يقول الزهري: كان عبد الرحمن بن أزهر يحدث (^٢)، كذا يقول معمر وأسامة: سمعت عبد الرحمن بن أزهر، ولم يصنعا عندي شيئًا، ما أُراه حفظ، وقد أدخل بينه وبينه طلحة بن عبد الله بن عوف" (^٣). وأظن أن العبارة الصحيحة كالتالي: "إنما يقول الزهري كان عبد الرحمن بن أزهر يحدث، كذا يقول معمر، وأسامة: سمعت عبد الرحمن بن أزهر، ولم يصنع عندي شيئًا، ما أُراه حفظ" لأن معمرًا يروي عن الزهري: كان عبد الرحمن ابن أزهر يحدث، بينما الذي يقول عن الزهري: أخبرنا عبد الرحمن بن أزهر هو أسامة بن زيد وحده (^٤)، وهو الذي عناه الإمام أحمد بقوله: ما أُراه حفظ. والشاهد أنه نفى وجود رواية صحيحة تصرح بسماع الزهري من عبد الرحمن بن أزهر، وجاءت رواية تفيد أنه يحدث عنه
_________________
(١) المصدر نفسه ٦٨١.
(٢) يشير إلى رواية صالح بن كيسان، عن الزهري أن عبد الرحمن بن أزهر كان يحدث أنه حضر رسول الله ﷺ حين كان يحثي في وجهوههم التراب المسند ٣١/ ٤٣٢ ح ١٩٠٨٢، والسنن الكبرى للنسائي ٣/ ٢٥١ ح ٥٢٨٢. وكذلك رواية معمر عن الزهري كما رواها أحمد في المسند ٢٧/ ٣٦٦ ح ١٦٨١١، وهي عند عبد الرزاق في المصنف ٥/ ٣٨٠، ومن طريقه ابن حبان الإحسان ١٥/ ٥٦٤ ح ٧٠٩٠، ورواها أيضًا البخاري في التاريخ الكبير ٥/ ٢٤٠.
(٣) المصدر نفسه ٧٠٠.
(٤) حديث أسامة بن زيد رواه أحمد المسند ٢٧/ ٣٦٤ ح ١٦٨٠٩، والبزار مسند البزار ٨/ ٣٧٥ ح ٣٤٥٤ عن الزهري قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أزهر ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين يتخلل الناس يسأل خالد بن الوليد فأتى بسكران فأمر رسول الله من كان عنده أن يضربوه بما كان في أيديهم وحثا عليه رسول الله التراب … الحديث. وقد رواه عقيل عن الزهري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر عن أبيه عبد الرحمن بن أزهر به. وأخرجه أبو داود ح ٤٤٨٨، والنسائي السنن الكبرى ٥٢٨٣.
[ ٢ / ٦١٣ ]
بواسطة فدل على عدم سماعه منه.
فكل هذه النصوص تدل على اهتمام الإمام أحمد بالوقوف على ما يثبت سماع الرواة بعضهم من بعض، والغرض من ذلك التوصل إلى الحكم على مروياتهم بالاتصال، مما يدل على أن ثبوت السماع هو المعتبر عنده للحكم بالاتصال في الأسانيد المعنعنة.
٣. الاحتجاج بثبوت السماع لإثبات صحة الإسناد وعدم الاكتفاء بإمكان اللقاء:
من الأدلة على اشتراط الإمام أحمد ثبوت السماع للحكم بالاتصال أن من يُعلّ الأسانيد بعدم السماع لا يحتج عليه بإمكان اللقاء أو حتى بإمكان السماع، بل يُحاجّه بما فيه التصريح بثبوت السماع، فمن ذلك:
قال الخلال: أخبرنا المروذي قال: "قرئ على أبي عبد الله: عفان: ثنا عبد الصمد ابن كيسان، ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيتُ ربيِّ". قلت: إنهم يقولون إن قتادة لم يسمع من عكرمة. قال: هذا لا يدري الذي قال! وغضِب، وأخرج إليّ كتابَه فيه أحاديث مما سمع قتادةُ من عكرمةَ، فإذا هي ستة أحاديث: "سمعت عكرمة"، وقال
أبو عبد الله: قد ذهب من يُحسن هذا، وعجِب من قوم يتكلمون بغير علمٍ، وعجِب من قول من قال: لم يسمع! وقال: سبحان الله! فهو قدِم إلى البصرة فاجتَمع عليه الخلقُ. وقال يزيد بن حازم: هذا رواه حماد بن زيد: إن عكرمة سأل عن شيء من التفسير فأجابه قتادة" (^١).
_________________
(١) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٨٣ رقم ١٨٢. وحديث ابن عباس أخرجه أحمد بالإسناد المذكور هنا المسند ٤/ ٣٨٦ ح ٢٦٣٤ ومن طريق الأسود بن عامر عن حماد بن سلمة به المسند ٤/ ٣٥٠ ح ٢٥٨٠. وأخرجه ابن عاصم في =
[ ٢ / ٦١٤ ]
فردّ الإمامُ أحمد على من أعلّ حديث قتادة هذا بعلة عدم سماعه من عكرمة، رد عليه بتصريح قتادة بالسماع في عدة أحاديث غير هذا، وما ذكره من قدوم عكرمة البصرة واجتماع الخلق عليه، وكذا سؤاله قتادة عن شيء من التفسير إنما هي قرائن تؤيّد ما ذكره من ثبوت السماع، ولم يحتج أحمد بإمكان اللقاء، ولو كان يرى إمكان اللقاء كافيًا لإثبات الاتصال لاحتج به عليه.
٤. إعلاله الأحاديث بعدم سماع بعض رواتها ممن رووا عنهم:
ومن الأدلة على أن الإمام أحمد يشترط ثبوت السماع للحكم على الأسانيد المعنعنة بالاتصال أنه يعتبر عدم سماع الرواة ممن رووا عنهم علة تُعَلّ بها أحاديث أولئك الرواة، فهذا يدل على أن نقيضه - وهو وجود السماع بين الرواة - شرط من شروط صحة الأسانيد عنده، ولما كان هذا الشرط ليس له علاقة بثقة الرواة أو تجريحهم تعين أن يعود إلى اتصال الإسناد. ولم يأت عنه الإعلال بعدم المعاصرة، وحتى ولو أعل بعدم الإدراك فمراده الاستدلال بعدم الإدراك على
_________________
(١) السنة ١/ ١٨٨ ح ٤٣٣ من طريق عفان، ومن طريق الأسود بن عامر ١/ ١٩١ ح ٤٤٠ وكذلك ابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٧٧. ورواه الخطيب من طريق آخر عن عفان تاريخ بغداد ١١/ ٢١٤ بزيادة: [في صورة شاب أمرد]. وفيه: قال عفان: فسمعت حماد بن سلمة سئل عن هذا الحديث فقال: دعوه حدثني به قتادة وما في البيت غيري وغير آخر. ا. هـ. والراوي عن عفان في هذا الإسناد هو عمر بن موسى بن فيروز التوري، ولم أقف له على توثيق، وقد تفرد بهذه الزيادة عن عفان، وخالف عددًا من الحفاظ. وسئل الإمام أحمد: هل أحدث بهذا الحديث: قال حدّث به فقد حدّث به العلماء المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد ٢/ ١٩٥. وصححه الألباني في تخريج كتاب السنة لابن أبي عاصم وقال: هو مختصر من حديث الرؤيا، وأنها رؤيا منامية السنة ١/ ١٨٨ - ١٨٩. ومال شعيب الأرنؤوط إلى تصحيح وقف الحديث للاختلاف الواقع في رفع الحديث ووقفه، وما اشتهر به عن ابن عباس أنه كان يقول: رأى محمد ربه انظر: تحقيقه لمسند الإمام أحمد ٤/ ٣٥١ - ٣٥٣.
[ ٢ / ٦١٥ ]
عدم السماع (^١).
فمن أمثلة ما أعلّه بعدم السماع:
أ- قال عبد الله: سمعت أبي يقول حدثنا هشيم قال: أخبرنا منصور - يعني ابن زاذان (^٢) - عن نافع أن امرأةً صحِبتْ قومًا في سفرٍ. سمعت أبي يقول: لم يسمع منصور من نافع شيئا (^٣).
لم أقف على هذا الأثر، والشاهد فيه أن الإمام أحمد أعله بعدم سماع منصور بن زاذان من نافع مولى ابن عمر.
ب- قال عبد الله: قلت لأبي: إن سفيان بن عيينة حدث عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر"، فأنكره وقال: من حدّث به؟ قلت: يحيى بن معين حدثنا عن سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. قال يحيى: فقال رجل لسفيان: من ذكره؟ قال وائل. قال أبي: نرى وائل لم يسمع من الزهري، إنما روى وائل عن ابنه. وأنكره أبي أشدَّ الإنكار وقال: هذا خطأ، ثم قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ، فذكر الحديث (^٤).
_________________
(١) انظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٩.
(٢) منصور بن زاذان الواسطي، ثقة ثبت عابد كبير الشأن ت ١٢٨ هـ وقيل غير ذلك. تهذيب الكمال ٢٨/ ٥٢٣، الكاشف ٥٦٣٩، تقريب التهذيب ٦٩٤٦.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٤٧ رقم ٢١٣٨.
(٤) المصدر نفسه ٢/ ٣٤٥ رقم ٢٥٣٢. وحديث عائشة أخرجه عبد الله في زوائده على فضائل الصحابة ٦٧ ح ٢٨، وابن عساكر تاريخ دمشق ٣٠/ ٥٨ من طريق يحيى بن معين، وفي آخره: قال رجل: يا أبا محمد سمعته من الزهري؟ فقال: حدثني وائل. ا. هـ. وأخرجه الحميدي مسند الحميدي ١/ ١٢١ ح ٢٥٠، وأبو يعلى مسند أبي يعلى ٤/ ٤٣٧ ح ٤٨٨٤، وابن أبي عاصم السنة ٢/ ٥٦٣ ح ١٢٣٠ كلهم من طريق ابن عيينة به.
[ ٢ / ٦١٦ ]
حديث عائشة هذا ظاهره الصحة، لكن تبينت علته لما كشف ابن عيينة عن تدليسه عن الزهري، وأنه ما رواه إلا عن وائل (^١)، عن الزهري. فأعلّ الإمام أحمد رواية وائل عن الزهري بعدم سماع وائل من الزهري، وأن روايته عنه بواسطة ابنه بكر بن وائل، فلعدم السماع وقعت النكارة في هذه الرواية وجاءت مخالفة للمحفوظ عن الزهري، والمحفوظ هي الرواية التي ذكرها أحمد: معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب مرسلًا. وقد تابع معمرًا إسحاقُ ابن راشد (^٢) كما سبقت الإشارة إليه.
_________________
(١) = وخالف سفيانَ معمرُ وإسحاقُ بن راشد، فروياه عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ فذكراه مرسلًا. وذكر الإمام أحمد طريق معمر هذه، وأخرجها ابن عساكر تاريخ دمشق ٣٠/ ٥٩ من طريق أحمد بن منصور عن عبد الرزاق عن معمر. وأما طريق إسحاق بن راشد فأخرجها عبد الله في زوائده على فضائل الصحابة ٧٢ ح ٣٦. وأنكر الإمام أحمد حديث ابن عيينة لمخالفته لرواية معمر المرسلة، وحكم على رواية ابن عيننة بالخطأ. قال الخطيب: وحديث معمر هذا أصح من حديث ابن عيننة، وقد تابع معمرًا على روايته إسحاق بن راشد، وهو المحفوظ عن الزهري وإن كان مرسلًا تاريخ دمشق ٣٠/ ٥٩. وقد روى ابن عساكر رواية بكر بن وائل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به تاريخ دمشق ٣٠/ ٥٩. وبكر بن وائل قال عنه أبو حاتم صالح، وقال النسائي: ليس به بأس تهذيب الكمال ٤/ ٢٣١. فعادت الموازنة بين معمر وإسحاق بن راشد من جهة، وبكر بن وائل من جهة أخرى، ولا شك في ترجيح رواية معمر على رواية بكر بن وائل وإن انفرد، كيف وقد توبع! وقد قيل لسفيان في مخالفة معمر له فقال: ما سمعنا من الزهري إلا عن عروة عن عائشة. ا. هـ مسند الحميدي ١/ ١٢١، فلم يقبل أنه أخطأ ولم يرجع عن روايته. ومتن الحديث مروي بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة، وهو عند أحمد المسند ١٢/ ٤١٤ ح ٧٤٤٦ وغيره.
(٢) هو وائل بن داود التيمي أبو بكر الكوفي. قال أحمد: وائل ثقة، سمع من إبراهيم وهو يحدث عن ابنه عن الزهري وقال أيضًا: وائل ثقة، ثقة. ثم نقل عن سفيان بن عيينة أنه قال: لم يجالس وائل الزهري، وجالس ابنُه الزهريَّ العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ١٥٠ رقم ٥١.
(٣) هو ثقة، لكن في حديثه عن الزهري بعض الوهم تقريب التهذيب ٣٥٣، وقد أخرج له البخاري من حديثه عن الزهري تهذيب الكمال ٢/ ٤١٩، هدي الساري ص ٣٨٩.
[ ٢ / ٦١٧ ]
فاتضح من هذا المثال أن عدم ثبوت السماع علة في الإسناد، فثبوته إذًا شرط من شروط صحته.
ج- قال عبد الله: قال أبي: كنا عند سليمان بن حَرب فذكرْنا المسحَ على الخفّيْن، فذكرْنا أحاديثَ، فجعل سليمان بن حرب يقول: ذا لا يُحتمل، وذا ما أدري، قلنا: أيشٍ عندك؟ قال: خالد، عن أبي عثمان، عن عمر قال: يمسح حتى يأوي إلى فراشه (^١). قلنا: خالد لم يسمع من أبي عثمان شيئًا، يقول ذلك بعض الناس، ويروى عن النبي ﷺ أنه كان يُوقِّت (^٢)، ويقول: خالد عن أبي عثمان! كأنه لم يرض منه بذلك (^٣).
في هذه المسئلة طعَن الإمامُ أحمد ومَن معه على الأثر الذي احتجّ به شيخُهم سليمانُ بن حرب في عدم التوقيت في المسح على الخفين، طعنوا فيه بعدم سماع خالد - وهو ابن مهران الحذاء - من أبي عثمان النهدي، فدل على أن عدم السماع
_________________
(١) أثر عمر رواه ابن المنذر من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي عوانة، عن خالد الحذاء، عن أبي عثمان النهدي، عن عمر أنه قال في المسح على الخفين: "يمسح إلى الساعة التي توضأ فيها". الأوسط ١/ ٤٤٣ ث ٤٦٩. وتابعه عاصم بن سليمان الأحول عن أبي عثمان: أخرجه عبد الرزاق المصنف ١/ ٢٠٩ ح ٨٠٨، والبيهقي السنن الكبرى ١/ ٢٧٦ بلفظ: "يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يومه وليلته". وهذان اللفظان يختلفان عن اللفظ الذي ذكره سليمان بن حرب في روايته، ولعل ذلك راجع إلى تصرف سليمان في اللفظ، فإنه كان كثير الرواية بالمعنى. قال الخطيب: كان سليمان يروي الحديث على المعنى فتتغير ألفاظه في روايته تاريخ بغداد ٩/ ٣٦، وانظر: تهذيب الكمال ١١/ ٣٩١.
(٢) من هذه الأحاديث حديث عوف بن مالك الأشجعي أن النبي ﷺ أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم. أخرجه أحمد المسند ٣٩/ ٤٢٢ ح ٢٣٩٩٥. قال الإمام أحمد: هذا أجود حديث في المسح على الخفين لأنه في غزوة تبوك آخر غزوة غزاها تنقيح التحقيق بحاشية التحقيق ١/ ١٨٧.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥٤١ رقم ٣٥٦٥.
[ ٢ / ٦١٨ ]
علة تجعل الأثر غيرَ صالح للاحتجاج به، وهو الشاهد في إيراد المسئلة.
وقد روى الشيخان لخالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي (^١). ولم أقف على تصريحه بالسماع من أبي عثمان إلا في حديث واحد عند الحاكم وحده (^٢).
ولخالد الحذاء رواية عن أبي عثمان بواسطة عاصم الأحول (^٣). وقال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: خالد ما أُرى سمع من أبي عثمان كبير شيء، إنما هي أحاديث عاصم" (^٤) فكأنه يشير في هذه الرواية إلى أنه مدلس (^٥)، سمع من أبي عثمان شيئًا يسيرًا، ثم روى الأحاديث التي سمعها من عاصم عنه بإسقاط عاصم، وهذا هو التدليس.
والشاهد أن الإمام أحمد أعلّ الحديث بعدم سماع خالد الحذاء له من أبي عثمان، فدل على أن عدم السماع علة، فثبوت السماع إذًا شرط في الصحة.
_________________
(١) تهذيب الكمال ٨/ ١٧٩. انظر على سبيل المثال صحيح البخاري ٦/ ١٨٩ ح ٣٠٧٨، ٧/ ١٨ ح ٣٦٦٢ - مع فتح الباري، صحيح مسلم ٤/ ٢٠٧٧ ح ٢٧٠٤.
(٢) المستدرك ٢/ ٣٩. وهو حديث: "يرفع للرجل صحيفة يوم القيامة حتى يرى أنه ناج، فما تزال مظالم بني آدم تتبعه حتى ما تبقى له حسنة … ". وقال الحاكم: حديث صحيح غريب كما في إتحاف المهرة ٥/ ٥٥٧. وقد أخرج الحديث من طريق الحاكم البيهقي في البعث والنشور ٢٥/ ٢٥٦. وقد روى بشار بن موسى الخفاف حديث عمرو بن العاص مرفوعًا: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة … " الحديث، عن خالد الطحان، عن خالد الحذاء تاريخ دمشق ٣/ ١٩٩، وفيه تصريح خالد الحذاء بالسماع من أبي عثمان. وهو مخالف لما رواه غير واحد عن خالد الطحان، وهو عند البخاري وغيره ٨/ ٧٤ ح ٤٣٥٨ - مع فتح الباري. وبشار الخفاف ضعيف كثير الغلط. قاله ابن حجر تقريب التهذيب ٦٨٠.
(٣) انظر: علل الدارقطني ٤/ ٣٩٥ - ٣٩٦.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٧ رقم ٢٠٣٤.
(٥) ذكره ابن حجر في المرتبة الأولى من المدلسين تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس ص ٣٥.
[ ٢ / ٦١٩ ]
د- قال عبد الله: سئل - أي أحمد - عن حديث الفريابي، عن سفيان، عن القاسم بن عبد الرحمن، أن عمر صلّى بهم - يعني بالناس - وهو جُنب (^١). فقال أبي: سفيان لم يسمع من القاسم بن عبد الرحمن، إنما روى عن أشعث - يعني ابن سوّار - عنه (^٢).
ذكر الإمام أحمد هذا الحديث ضمن الأحاديث التي رواها الفريابي عن الثوري وأخطأ فيها (^٣)، فبيّن وجه الخطأ بأنه عدم سماع الثوري من القاسم ابن عبد الرحمن المسعودي، وأن روايته عنه بواسطة أشعث بن سواّر، وأما روايته لهذا الأثر فبواسطة جابر الجعفي كما رواه عبد الرزاق عنه. فهذا أيضًا يدل
_________________
(١) رواه عبد الرزاق عن الثوري، عن جابر، عن القاسم بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب أمّهم وهو جنب، أو علي غير وضوء، فأعاد الصلاة ولم يُعِدْ مَنْ وراءَه مصنف عبد الرزاق ٢/ ٣٤٨ ح ٣٦٤٩. وجابر هو الجعفي. والقاسم بن عبد الرحمن هو المسعودي حفيد عبد الله بن مسعود، ثقة عابد تقريب التهذيب ٥٥٠٤. ورواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عمر أنه صلى بالناس وهو جنب فأعاد وأمرهم أن يعيدوا مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٩٨ ح ٤٥٧٠. وهذا منقطع بين إبراهيم - وهو النخعي وعمر ـ. قال أبو زرعة وأبو حاتم: إبراهيم النخعي عن عمر مرسل المراسيل ٢٣، ٢٤. ورواه مالك في الموطأ ١/ ٤٩، من طريق سليمان بن يسار "أن عمر صلى بالناس الصبح ثم غدا إلى أرضه بالجُرف فوجد في ثوبه احتلامًا فقال: إنا لما أصبنا الودَك لانَت العروق، فاغتسل وغسل الاحتلام من ثوبه وعاد لصلاته". وسليمان بن يسار عن عمر مرسل أيضًا، قاله أبو زرعة المراسيل ٢٩٥. وروى البيهقي نحوه من طريق عيسى بن طلحة عن مطيع بن الأسود عن عمر وزاد في آخره: ولم يأمر أحدًا بإعادة الصلاة السنن الكبرى ٢/ ٣٩٩. ومطيع بن الأسود له صحبة وهو ابن عم عمر تهذيب الكمال ٢٨/ ٩١. ورواه كذلك من طريق ابن المنكدر، عن الشريد بن سويد الثقفي، عن عمر السنن الكبرى ٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠. والشريد أيضًا صحابي ومات في خلافة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الطبقات الكبرى ٥/ ٥١٣.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٥٧ رقم ٤١٥٢.
(٣) وهي بضعة عشر حديثًا ذكرها عبد الله في العلل ومعرفة الرجال ٣/ ٥٦ - ٥٩.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
على أن عدم ثبوت السماع علة يعل به الحديث.
هـ- قال محمد بن يحيى الذهلي: سمعت أحمد بن حنبل - وذكر أحاديث سالم بن أبي الجعد عن ثوْبان - فقال: لم يسمع سالم من ثوبان، ولم يلقه، وبينهما معدان بن أبي طلحة، وليست هذه الأحاديث بصحاح (^١).
نفى الإمام أحمد الصحة عن أحاديث سالم بن أبي الجعد عن ثوبان، وجعل العلة في ذلك عدم السماع بينهما، والشاهد عنده على عدم السماع هو عدم اللقاء، وأن سماعه منه كان بواسطة معدان بن أبي طلحة، وسالم وإن كان كوفيًا إلا أنه ذهب إلى الشام وحدث عن معدان (^٢)، وعن أم الدرداء الصغرى (^٣). وأما ثوبان وإن كان نزل الشام (^٤) إلا أن رواية سالم عن ثوبان بواسطة معدان بن أبي طلحة قرينة على عدم سماعه منه.
فهذه النصوص أمثلة على إعلال الإمام أحمد للأسانيد بعدم سماع بعض رواتها ممن رووا عنهم، فدل على أنه يشترط ثبوت السماع لصحة الأسانيد.
_________________
(١) الجرح والتعديل ٤/ ١٨١.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٦٥ رقم ١٨٨٥.
(٣) تهذيب الكمال ١٠/ ١٣١.
(٤) ذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من أصحاب رسول الله ﷺ الطبقات الكبرى ٧/ ٤٢٤. نزل الرملة ثم انتقل إلى الشام وبها مات تهذيب الكمال ٤/ ٤١٤.
[ ٢ / ٦٢١ ]
المطلب الثاني: ما يدل على اكتفاء الإمام أحمد بالمعاصرة وإمكان السماع والجواب عنه.
بعد تقرير أن الإمام أحمد يذهب إلى اشتراط ثبوت السماع للحكم بالاتصال قد يعترض ببعض النصوص ظواهرها تدل على اكتفائه بالمعاصرة وإمكان اللقاء، فينتقض ما سبق تقريرُه، سأُورد ما وقفت عليه من تلك النصوص مع الجواب عليها إن شاء الله.
١. قال الأثرم: "سألت أحمد قلت: محمد بن سُوقة سمع من سعيد بن جُبير؟ قال: نعم، قد سمع من الأسود غير شيء" (^١)
وهذا ظاهره استدلال بسماعه من الأسود بن يزيد على سماعه من سعيد ابن جبير، فإن الأسود أقدم من سعيد، مات سنة (٧٤) هـ، وقد أدرك زمن النبي ﷺ وإن كان لم يره (^٢)، بينما مات سعيد بن جبير سنة (٩٥) هـ. فلا يكون محمد بن سوقة سمع من الأسود إلا وقد سمع من سعيد، لأن كلهم من أهل الكوفة. فهذا في الظاهر استدلال بإمكان السماع من غير الوقوف على التصريح به. لكن أجاب ابن رجب عن هذا الظاهر فقال: "كأنه يقول: إن الأسود أقدم، لكن قد يكون مستند أحمد أنه وجد التصريح لسماعه منه، وما ذكره من قِدم الأسود إنما ذكره ليستدل به على صحة قول من ذكر سماعه من سعيد بن جبير، فإنه كثيرًا ما يرِدُ التصريح بالسماع ويكون خطأ" (^٣)، وهذا تعليل واضح وصحيح، فإن التصريح بالسماع كثيرًا ما يكون خطأ، ومن الأمور التي تكشف خطأه عدم إمكان السماع، ومن أمثلة ذلك إنكار
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٨٩.
(٢) تحفة التحصيل ص ٣٠.
(٣) شرح علل الترمذي الموضع نفسه.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
الإمام أحمد لسماع قتادة من خلاد الجهني الذي رواه هدبة بن خالد، عن حماد، عن قتادة فقال أحمد: "هو خطأ، خلاد قديم، ما رأى قتادة خلادًا" (^١).
ويؤيد ما ذكره ابن رجب أن محمد بن سُوقة قد ثبت لقاؤه بسعيد بن جبير كما في الأثر الذي رواه ابن أبي شيبة (^٢) أنه قال: "رأى عليّ سعيد بن جُبير طيلسانًا كان فيه أزرار ديباج نزعتها، فقال: لمَ نزعتَها؟ قلت له: قال لي أصحابي: أتلبس هذا وأنت محرِمٌ؟ قال: وما يضرّك! "، بل ثبت تصريحه بالسماع منه أيضًا، وذلك فيما رواه عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن محمد بن سُوقة قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: [من أمّ هذا البيت يريد دُنيا أو آخرة أُعطيتْهُ] (^٣). وكذلك فيما رواه
ابن عبد البر من طريق روح بن عُبادة، حدثنا سفيان، عن محمد بن سوقة قال: سمعت سعيد بن جبير سئل: "ما تمام عمرة؟ فقال: أن تحرم بها من أهلك" (^٤). فما ذكره الإمام أحمد من سماعه من الأسود بن يزيد ذكره قرينة يستدل بها على صحة ما ورد من تصريحه بالسماع، لا أنه اعتمد ذلك في إثبات السماع.
٢. قال ابن هانئ: "قلت: ابن إسحاق سمع من عطاء؟ قال: نعم، ابن أبي ذئب أصغر من ابن إسحاق وقد سمع من عطاء بن أبي رباح" (^٥).
وهذا المثال على عكس الذي قبله، ففيه استدلال بسماع الصغير على سماع الأكبر منه من باب أولى وأحرى، وظاهره أيضًا اعتماد إمكان السماع لا التصريح به. والجواب عنه كالجواب عن الذي قبله، وهو أنه ذكره قرينةً للاستدلال به على
_________________
(١) المصدر نفسه ٢/ ٥٩٣.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٣٢٩ ح ١٤٦٧١.
(٣) مصنف عبد الرزاق ٥/ ١٨ ح ٨٨٣٤.
(٤) التمهيد ٥/ ١٤٥.
(٥) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٣٩ رقم ٢٣٢٦.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
صحة ما رود من تصريح ابن إسحاق بالسماع من عطاء، فقد ورد تصريحه بالسماع من عطاء عند الإمام أحمد في حديث يعلى وسلمة ابني أمية في الرجل الذي عضّ آخر فاجتبذ يده من فيه فطرح ثنيّته وأبطل النبي ﷺ ديته (^١).
٣. قال عبد الله: "قلت لأبي: قتادة سمع من عبد الله بن سرجس؟ قال: ما أشبهه، قد روى عنه عاصم الأحول" (^٢).
وهذا أيضًا استدلال بإمكان السماع، وذلك أن عاصم بن سليمان الأحول أصغر من قتادة (^٣)، فإذا كان قد سمع من عبد الله بن سرجس فلأن يسمع قتادة من عبد الله بن سرجس من باب أولى وأحرى، فإن الثلاثة كلهم من أهل البصرة (^٤).
وقد روى عبد الله هذه المسئلة في موضع آخر فقال: "قيل: سمع قتادة من عبد الله بن سرجِس؟ قال: نعم، قد حدّث عنه هشام، يعني عن قتادة، عن
_________________
(١) المسند ٢٩/ ٤٧٣ ح ١٧٩٥٣ من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق. ورواه الحاكم أيضًا من طريق يونس بن بكير وفيه التصريح بالسماع المستدرك ٤/ ٤٢٤. وهو عند النسائي السنن ٨/ ٣٠ ح ٤٧٧٩، وابن ماجه السنن ٢/ ٨٨٦ ح ٢٦٥٦ بالعنعنة بين ابن إسحاق وعطاء. ورواه رشدين عن يونس بن يزيد، عن ابن إسحاق، عن خالد بن كثير، عن عطاء بن أبي رباح به، فزاد في الإسناد خالد بن كثير. أخرجه الطبراني المعجم الكبير ٢٢/ ٢٥١ ح ٦٥٢. ورشدين هو ابن سعد المصري، وهو ضعيف تقريب التهذيب ١٩٥٣.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٨٦ رقم ٤٣٠٠.
(٣) ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل البصرة من التابعين، بينما ذكر قتادة في رأس الطبقة الثالثة. ومات عاصم الأحول بعد سنة ١٤٠، وقتادة سنة ١١٨ انظر: الطبقات الكبرى ٧/ ٢٢٩، ٢٣١، ٢٥٦. وقد ورد تصريح عاصم الأحول بالسماع من ابن سرجس في الأثر الذي رواه ابن سرجس: "رأيت الأصيلع عمر بن الخطاب أتى الحجر الأسود فقبله ثم قال: إني أعلم أنك حجر … ". وهو عند الحميدي مسند الحميدي ١/ ٧ ح ٩، والطيالسي مسند الطيالسي ١/ ١٧ ح ٥٠.
(٤) ذكر ابن سعد عبد الله بن سرجس فيمن نزل البصرة من أصحاب رسول الله ﷺ الطبقات الكبرى ٧/ ٥٨.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
عبدالله بن سرجِس حديثًا واحدًا، وقد حدّث عنه عاصم الأحول" (^١)، فدل على أن الإمام أحمد احتج بسماع عاصم من ابن سرجس لإثبات أن ما رواه هشام الدستوائي، عن قتادة، عن عبد الله بن سرجس (^٢) محمول على السماع. وهذا استدلال بقرينة ثبوت سماع الأصغر على سماع الأكبر منه، إذا لم يكن هناك ما يدفعه كبعد البلدان، أو وجود رواية بالواسطة أو غير ذلك من الأسباب، ومع ذلك يبدو أن اعتماده على هذه القرينة هنا ليس بقويّ، لأننا رأينا فيما تقدم أنه كان يستأنس بمثل هذه القرينة في إثبات صحة ما ورد من التصريح بالسماع، وأما في رواية قتادة عن ابن سرجس فليس ثَمّ رواية فيها هذا التصريح فيما أعلم، ولعلّ من أجل ذلك نفى الإمام أحمد سماعه منه في رواية حرب بن إسماعيل فإنه قال: قيل لأحمد في سماع قتادة من ابن سرجِس فكأنه لم يره سماعًا (^٣)، والله أعلم.
وقد أثبت علي بن المديني سماع قتادة من ابن سرجس (^٤). ولم يخرج الشيخان حديث قتادة عن عبد الله بن سرجس (^٥).
٤. قال عبد الله: "سئل: هل سمع عمرو بن دينار من سليمان اليشكري؟ قال قُتل سليمانُ في فتنة ابن الزبير، وعمرو رجل قديم، قد حدّث عنه شعبة، عن
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٨٤ رقم ٥٢٦٤.
(٢) روى عنه حديث: "لا يبولنّ أحدكم في الجُحر، وإذا نمتم فأطفئوا السِّراج، فإن الفأرة تأخذ الفتيلة فتحرق أهل البيت، وأوكوا الأسقية، وخمِّروا الشراب، وغلّقوا الأبواب بالليل". أخرجه أحمد المسند ٣٤/ ٣٧٢ ح ٢٠٧٧٥، وهو عند أبي داود ١/ ٣٠ ح ٢٩، والنسائي ١/ ٣٣ - ٣٤ ح ٣٤ وغيرهما. وذكر ابن أبي حاتم أن الحديث ما يروى إلا من هذا الطريق المراسيل ٦١٩ ب. والحديث في جميع طرقه مروي بالعنعنة بين قتادة وابن سرجس، حسب ما وقفت عليه من الطرق.
(٣) المراسيل ٦١٩.
(٤) ذكره ابن الملقن في تحفة المحتاج ١/ ١٦٢، وابن حجر في تلخيص الحبير ١/ ١٠٦.
(٥) تهذيب الكمال ١٥/ ١٣.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
عمرو، عن سليمان، وأُراه قد سمع منه" (^١).
احتج الإمام أحمد لسماع عمرو بن دينار من سليمان بن قيس اليشكري (^٢) بإمكان السماع لأن عمرو بن دينار قديم، فقد أدرك من الصحابة عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله وسمع منهم (^٣)، وكلهم أكبر من عبد الله ابن الزبير، وقد حدث عنه (^٤)، وكان يقول: ما رأيت مصليًا قط أحسن صلاة من عبد الله بن الزبير (^٥). فهذا يدل على أنه أدركه.
ثم إن فتنة ابن الزبير وقعت سنة (٧٣) هـ (^٦)، وأما عمرو بن دينار فمات سنة (١٢٦) هـ وهو ابن ثمانين سنة (^٧)، فيكون عمره زمن الفتنة (٢٧) عامًا، وكان مكيًا، فإذا كان سليمان اليشكري قتل في الفتنة فسماع عمرو بن دينار منه شبه أمر ثابت، فقد ثبت رؤيته له، يدل على ذلك ما رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به عن ابن عيننة، عن عمرو: رأيت سليمان (^٨).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٨٤ رقم ٥٢٦٣.
(٢) سليمان بن قيس اليشكري البصري، وثقه أبو زرعة والنسائي، وقال أبو حاتم: جالس جابرًا وسمع منه وكتب عنه صحيفة وتوفي وبقيت الصحيفة عند امرأته، وروى أبو الزبير وأبو سفيان والشعبي عن جابر، وهم قد سمعوا من جابر وأكثره من الصحيفة وكذلك قتادة. ا. هـ تهذيب الكمال ١٢/ ٥٥ - ٥٦.
(٣) انظر: تهذيب الكمال ٢٢/ ١١، تحفة التحصيل ص ٢٤٢.
(٤) تهذيب الكمال ٢٢/ ٦.
(٥) سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٦٧، لكن في إسناده مسلم بن خالد الزنجي. مختلف فيه، وتكلم في حفظه. وقال الذهبي: صدوق يهم، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وجماعة، وقال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث. قال ابن حجر: صدوق فقيه له أوهام. تهذيب الكمال ٢٧/ ٥١١ - ٥١٣، المغني في الضعفاء ٢/ ٦٥٥، تقريب التهذيب ٦٦٦٩.
(٦) سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٧٩.
(٧) تهذيب الكمال ٢٢/ ١٢.
(٨) التاريخ الكبير ٤/ ٣١.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
فهذه القرائن ليست صريحة في إثبات السماع، ولم يحتج بها الإمام أحمد لإثباته، إنما ذكرها للاستدلال بها على إثبات صحة ما ورد من التصريح بالسماع في رواية شعبة عن عمرو، عن سليمان التي ذكرها الإمام أحمد (^١)، فقد ورد التصريح بالسماع فيما رواه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم عن شعبة (^٢).
٥. قال أبو داود: "قيل لأحمد: سمع الحسن من عمران؟ قال: ما أُنكره، ابن سيرين أصغر منه بعشر سنين سمع منه" (^٣).
فهذا مثل ما تقدم ذكره في بعض الأمثلة أنه استدلال بسماع الأصغر على إمكان سماع الأكبر، وليس فيه اعتماده لإثبات السماع، لكنه هنا احتج به لعدم إنكار السماع، وإن لم يثبته.
وسئل أحمد عما يدل على لقاء الحسن بعمران بن حصين، فلم ينكره ولم يثبته:
قال أبو داود: "سمعت أحمد قال: خثيمة بن أبي خيثمة (^٤) كان من أهل البصرة، سكن الكوفة وحدّث عنه الأعمش ومنصور. قلت لأحمد كيف حديثه؟
_________________
(١) روى عنه أثر أبي سعيد كما عند أحمد ١٧/ ٤٤٧ ح ١١٣٤٩، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٣٥ عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن سليمان اليشكري، عن أبى سعيد الخدري ﵁ أنه قال في الوهم: يتحرى. قال: قلت عن النبي ﷺ؟ قال: عن النبي ﷺ. ووقعت الرواية عندهما بالعنعنة.
(٢) التاريخ الكبير ٤/ ٣٢.
(٣) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٨ رقم ٢٠٤٢.
(٤) خيثمة بن أبي خيثمة البصري، روى عن أنس بن مالك، والحسن البصري. قال عنه ابن معين: ليس بشيء الجرح والتعديل ٣/ ٣٩٤. وقال ابن المديني عن حديثه الذي رواه: إسناده ضعيف، وهو حديث منكر، وإنما أوتي من طريق خيثمة عن الحسن علل ابن المديني ص ٥٨. وذكره ابن حبان في الثقات ٤/ ٢١٤، ثم ذكره في المجروحين ١/ ٢٨٧ وقال: منكر الحديث. وقد أثنى عليه أحمد كما في هذه الرواية من طريق أبي داود. والذين ضعفوه أكثر عددًا ومعهم زيادة علم.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
قال: ما أعلم إلا خيرًا. قلت: يقول عن الحسن: كنت أمشي مع عمران بن الحصين؟ قال: شريك كذا يقول (^١). قلت: وجرير قال هكذا؟ (^٢) قال: نعم" (^٣).
لكن قد جاء عن الإمام أحمد إنكار ذكر سماع الحسن من عمران بن الحصين. قال صالح بن أحمد بن حنبل قال: "قال أبي: الحسن قال بعضهم: "حدثني" عمران بن الحصين! يعني إنكارًا عليه أنه لم يسمع من عمران بن حصين" (^٤).
كأن الإمام أحمد يشير إلى رواية مبارك بن فضالة حيث قال فيها عن الحسن: أخبرني عمران بن حُصين (^٥)، فإنه أنكره عليه.
ويؤيد ذلك أن رواية الحسن عن عمران بن حصين تأتي أحيانًا بواسطة
_________________
(١) وروى أحمد حديث شريك عن منصور، عن خيثمة، عن الحسن قال: كنت أمشي مع عمران ابن حُصين فمررنا بسائل يقرأ القرآن فاحتبسني عمران، وقال: قف نستمع القرآن. فلما فرغ سأل، فقال عمران: انطلق بنا، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اقرؤوا القرآن واسألوا الله به، فإن من بعدكم قومًا يقرؤون القرآن يسألون الناس به". المسند ٣٣/ ١٤٦ ح ١٩٩١٧. ورواه الثوري عن الأعمش، عن خيثمة، عن الحسن عن عمران بن حصين، ولم يقل: كنت أمشي مع عمران بن حصين المسند ٣٣/ ١٦٧ ح ١٩٩٤٤.
(٢) رواه سعيد بن منصور في سننه عن جرير بن عبد الحميد الضبي عن منصور عن خيثمة بن أبي خيثمة الأنصاري البصري قال: كان رجل يطوف وهو يقرأ سورة يوسف ويجتمع الناس عليه فإذا فرغ سأل، فقال الحسن: كنت مع عمران بن الحصين فمر بهذا السائل فقام فاستمع لقراءته، فلما فرغ سأل فقال عمران: إنا لله وإنا إليه راجعون اذهب بنا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قرأ القرآن … " فذكر الحديث سنن سعيد بن منصور ١/ ١٨٧ ح ٤٥.
(٣) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٨٩ رقم ٣٣٥.
(٤) المراسيل ١٢٠. وكذلك قال علي بن المديني: قيل له: كان الحسن يقول: سمعت عمران ابن حصين؟ فقال: أما عن ثقة فلا المراسيل ١١٩. ومثله عن يحيى بن سعيد القطان الجرح والتعديل ١/ ٢٤٣. وقال أبو حاتم: ليس يصح ذلك من وجه يثبت، يدخل قتادة عن الحسن: هياج بن عمران البرجمي، عن عمران بن حصين تحفة التحصيل ص ٧١.
(٥) الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٣٦٩.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
هياج بن عمران البرجمي (^١) كما روى بعضها الإمام أحمد (^٢)، وذكر أبو داود عن أحمد أنه قال: وقتادة يدخل بينهما - يعني الحسن وعمران - هياج. ا. هـ (^٣).
فالذي يتضح بعد جمع هذه النصوص عن الإمام أحمد أنه لا ينكر سماع الحسن من عمران إذا جاء التصريح به من وجه صحيح، ويكون ما ذكره من سماع ابن سيرين من عمران شاهدًا له ودليلًا لقبوله، وأما حيث لم يأت ذكر السماع من وجه صحيح فلم يثبته، وأنكر على من ذكره. فليس في هذه المسئلة إذًا احتجاج الإمام أحمد بإمكان السماع كدليل على إثباته، والله أعلم.
٦. قال مهنّا: "قلت لأحمد ويحيى: فسمع زيد بن وهب من حذيفة؟ فقالا: نعم، زيد بن وهب قديم" (^٤). فهذا ظاهره استدلال بإمكان اللقاء على إثبات السماع، فإنهما قالا: زيد بن وهب قديم، فيمكن سماعه من حذيفة.
وزيد بن وهب هو أبو سليمان الجهني الكوفي رحل إلى النبي ﷺ فقُبض وهو في الطريق (^٥)، فلقاء مثله بحذيفة بن اليمان ممكن جدًا. لكن ما ذكره أحمد ويحيى ليس من باب الاحتجاج بإمكان اللقاء على ثبوت السماع بل هو من جنس ما قبله، ذكراه قرينة لقبول ما ورد من التصريح بسماعه من حذيفة، فقد ورد ذلك في بعض حديثه عن حذيفة (^٦)، كما ورد تصريحه بلقائه فيما رواه البخاري (^٧): كنا عند حذيفة فقال: "ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة … "،
_________________
(١) قال عنه ابن المديني: مجهول. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث تهذيب الكمال ٣٠/ ٣٦٠ - ٣٦١.
(٢) المسند ٣٣/ ٧٨ ح ١٩٨٤٤.
(٣) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٩.
(٤) المنتخب من العلل للخلال ص ١٧١.
(٥) تهذيب الكمال ١٠/ ١١١.
(٦) في حديث رفع الأمانة في صحيح البخاري ١١/ ٣٣٣ ح ٦٤٩٧ - مع فتح الباري.
(٧) صحيح البخاري ٨/ ٣٢٢ ح ٤٦٥٨ - مع فتح الباري.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
وفيما رواه مسلم (^١): "كنت جالسًا مع حذيفة وأبي موسى … ".
٧. وذكر مغلطاي عن محمد بن موسى بن مشيش أنه قال للإمام أحمد: "أبو ريحانة سمع من سفينة؟ فقال: ينبغي، وهو قديم، سمع من ابن عمر" (^٢).
وأبو ريحانة هو عبد الله بن مطر البصري، صحب عبد الله بن عمر (^٣)، واستدل الإمام أحمد بسماعه من ابن عمر على إمكان سماعه من سفينة مولى رسول الله ﷺ. وليس في كلامه إثبات السماع، قال ابن رجب: "وهذا تقريب لإمكان سماعه، وليس في كلامه أكثر من هذا" (^٤).
وقد ورد تصريحه بالسماع في الحديث الذي رواه سفينة: "كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع" عند أحمد (^٥)، وابن المنذر (^٦)، وابن عدي (^٧)، وهو عند مسلم وغيره بالعنعنة (^٨). وأثبت كلٌ من البخاري ومسلم سماعه منه (^٩).
فاتضح أن الإمام أحمد إنما استدل بسماع أبي ريحانة من ابن عمر على صحة قول من روى التصريح بالسماع، كأنه يقول: الواقع لا يدفع صحة سماعه من سفينة.
فهذه هي النصوص التي يمكن أن يستدل بظاهرها على أن الإمام أحمد يذهب إلى الاكتفاء بالمعاصرة وإمكان اللقاء لإثبات الاتصال، وقد احتج بعض
_________________
(١) صحيح مسلم ٤/ ١٩١٢.
(٢) الإعلام بسنته ﵇ لمغلطاي ق ١/أ.
(٣) تهذيب الكمال ١٦/ ١٤٧. قال عنه ابن حجر: صدوق تغير بآخره تقريب التهذيب ٣٦٤٨.
(٤) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٩.
(٥) المسند ٣٦/ ٢٦٠ ح ٢١٩٣٠.
(٦) الأوسط ١/ ٣٥٩ ح ٣٢٧.
(٧) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٥٦٧.
(٨) صحيح مسلم ١/ ٢٥٨ ح ٣٢٦.
(٩) انظر: التاريخ الكبير ٥/ ١٩٨، الكنى والأسماء ١/ ٣٢٥.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
الباحثين (^١) ببعضها لتقرير هذه الدعوى وبالتالي إثبات أن ما ذكره الإمام مسلم من أنها إجماع صحيح. وقد ذكرت الجواب عنها بالتفصيل، والأمر المشترك فيها كلها هو ما ذكره ابن رجب في قضية سماع محمد بن سوقة من سعيد بن جبير، وأعيد كلامه، قال: "كأنه يقول: إن الأسود أقدم، لكن قد يكون مستند أحمد أنه وجد التصريح لسماعه منه، وما ذكره من قدم الأسود إنما ذكره ليستدل به على صحة قول من ذكر سماعه من سعيد بن جبير، فإنه كثيرًا ما يرِدُ التصريح بالسماع ويكون خطأ"، فلله درّ الحافظ ابن رجب! ما أتم استقرائه لكلام أحمد! وما أعرفه بمنهجه!
وممن ذهب إلى اشتراط ثبوت السماع الإمام الشافعي، فقد ذكر في الرسالة: "لم يعرف التدليس ببلدنا فيمن مضى، ولا من أدركنا من أصحابنا، إلا حديثًا، فإن منهم من قبله عمن لو تركه عليه كان خيرًا له. وكان قول الرجل: سمعت فلانًا يقول: سمعت فلانًا وقوله: حدثني فلان عن فلان سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع، فمن عرفناه بهذه الطريق قبلنا منه حدثني فلان عن فلان، ومن عرفناه دلّس مرة فقد أبان لنا عورتَه في روايته … فقلنا: لا نقبل من مدلّسٍ حديثًا حتى يقول فيه: حدثني أو سمعت" (^٢). وكذلك أضاف الحافظ ابن رجب هذا القول إلى أبي حاتم وأبي زرعة (^٣).
وهذا المذهب أشد من مذهب البخاري وعلي بن المديني، وهو اشتراط إمكان السماع، وذلك بأحد أمرين: السماع أو اللقاء (^٤).
_________________
(١) وهو الشريف حاتم بن عارف العوني في كتابه "إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين".
(٢) الرسالة ص ٣٧٨ - ٣٨٠، وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٥٨٥ - ٥٨٦.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٠.
(٤) المصدر نفسه ٢/ ٥٩٢.
[ ٢ / ٦٣١ ]
والمذهب الثالث لدى المتقدمين هو مذهب الإمام مسلم الذي انتصر له وانبرى لرد ما خالفه، وهو الاكتفاء بالمعاصرة وإمكان اللقاء. قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: "القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والرويات قديمًا وحديثًا أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائزٌ ممكنٌ له لقاؤُه والسماعُ منه لكونهما جميعًا كانا في عصرِ واحدِ، وإن لم يأتِ في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتةٌ، والحُجّة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينةٌ أن هذا الراوي لم يلقَ من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئًا" (^١).
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم ص ٢٩ - ٣٠.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
المبحث الثاني: وسيلة إثبات السماع وذكر شروطها وموانعها
المبحث الثاني: وسيلة إثبات السماع وذكر شروطها وموانعها. المطلب الأول: طريق إثبات السماع بالتصريح به في السند.
والمقصود بوسيلة إثبات السماع الأمر الذي يحتج به الناقد لإثبات سماع الراوي ممن روى عنه، ولما كان مذهب الإمام أحمد اشتراط ثبوت السماع فلا يُعتبر شيءٌ لإثبات السماع عنده دون التصريح به في السند، وذلك أيضًا يتقيد ببعض الشروط وانتفاء بعض الموانع.
المطلب الأول: طريق إثبات السماع بالتصريح به في السند.
وذلك أن يرد في إسناد صالح للاحتجاج أن فلانًا قال: سمعت فلانًا، أو حدثني، أو قال لي، أو أخبرني، أو سألته عن كذا وما إلى ذلك، فكل هذه تدل على ثبوت السماع بين الراوي ومن روى عنه، ويحتج الإمام أحمد بذلك لحمل ما ورد بالعنعنة بين الراويين على الاتصال. فمن ذلك:
١. قال صالح: "قلت: ابن أبي ذئب سمع من الزهري؟ قال: نعم، سمع منه"، وقال صالح: "حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن أبي ذئب قال: حدثني الزهري. وغير يحيى يقول: سألت الزهري، وهذا يحيى بن سعيد يقول: حدثني" (^١). فاحتج الإمام أحمد بتصريح ابن أبي ذئب بقوله في الإسناد: حدثني الزهري، وبقوله: سألت الزهري. فإن كلتا العبارتين صريح في إثبات السماع.
٢. قال ابن هانئ: "سألت أبا عبد الله: قلت: عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود سمع من أبيه؟ قال: نعم، في حديث إسرائيل يقول: سمعت أبي عبد الله" (^٢).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨ رقم ١٠١٨، ١٠١٩.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢١٤ رقم ٢١٧٠.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
ومثله في رواية محمد بن علي بن شعيب: "سمعت أحمد بن حنبل وقيل له: هل سمع عبد الرحمن بن عبد الله من أبيه؟ فقال: أما سفيان الثوري وشريك فإنهما لا يقولان سمع، وأما إسرائيل فإنه يقول في حديث الضب: سمعت" (^١). فأثبت الإمام أحمد سماعه اعتمادًا على تصريح إسرائيل بذكر سماعه من أبيه في إسناد حديث الضب، وإن خالفه الثوري وشريك في عدم ذكر السماع.
٣. وقال عبد الله: "سمعت أبي يقول: محمد بن سُوقة قد سمع من نافع بن جُبير، حدثناه ابن عيينة" (^٢). أي ورد التصريح بسماعه من نافع بن جبير فيما حدثهم ابن عيينة (^٣).
ويبدو أن الإمام أحمد أخذ هذا المنهج عن شيخه يحيى بن سعيد القطان، فقد روى صالح ابنُه، عن علي بن المديني قال: قلت ليحيى: سمع زرارة بن أوفى من ابن عباس؟ قال: ليس فيها شيء: "سمعت" (^٤) فمفهومه عدم إثبات السماع إذا لم يرد التصريح به في إسناد ما.
_________________
(١) تهذيب الكمال ١٧/ ٢٤٠.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١٣٦ رقم ٤٥٩٤.
(٣) وذلك في حديث أم سلمة في الجيش الذي يخسف بهم أنهم يبعثون على نياتهم. ورد عند ابن ماجه وغيره من طريق ابن عيينة عن محمد بن سوقة، سمع نافع بن جبير يخبر عن أم سلمة فذكره سنن ابن ماجه ٢/ ٧٤٦ ح ٤٠٦٥.
(٤) المراسيل ٢٢٠.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
١. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل
٢. قال ابن هانئ
المطلب الثاني: شروط قبول التصريح بالسماع في السند.
ليس كل ما ورد من تصريح بسماع راوٍ من شيخه في السند يكون مقبولًا، بل يتقيد ذلك ببعض الشروط.
الشرط الأول: صحة السند.
مما يدل على أن الإمام أحمد يشترط صحة الإسناد لقبول ما ورد فيه من تصريح بالسماع أنه يردّ ما ورد من ذلك بأسانيد غير صحيحة عنده. فمن ذلك:
١. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "سئل أبي: هل سمع الحسن من سُراقة؟ قال: لا، هذا علي بن زيد يعني يرويه، كأنه لم يقنع به" (^١)، فلم يقبله الإمام أحمد ولم يقنع به لأن الذي يرويه علي بن زيد بن جُدعان، وهو ممن لا تقوم الحجة بخبر مثله، فقد قال عنه الإمام أحمد: ليس بشيء (^٢). وقد وافق الإمام أحمد على رد هذا الإسناد علي بن المديني قال: "وروى الحسن بن أبي الحسن أن سراقة حدّثهم في رواية علي بن زيد بن جُدعان، وهو إسناد ينبو عنه القلب أن يكون الحسن سمع من سراقة، إلا أن يكون معنى حدثهم حدث الناس، فهذا أشبه" (^٣).
٢. قال ابن هانئ: "سمعت أبا عبد الله يُسأل: لقِي الضحاكُ ابنَ عباس؟ فقال: ما علمت. فقيل: فممن سمع التفسير؟ قال: يقولون سمعه من سعيد بن جبير. قيل له: فلقِي ابنَ عمر؟ قال: أبو سنان يروي شيئًا، ما يصح عندي. قلت: فأبو نعيم كان يقول في حكيم بن الدّيلَم عن الضحاك: سمعت ابن عمر. فقال
_________________
(١) المصدر نفسه ٢/ ٤٨ رقم ١٥١١.
(٢) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٨٤١.
(٣) علل ابن المديني ص ٥٤.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
٣. قال أبو داود
أبو عبد الله: ليس بشيء" (^١).
وهذا النص أيضًا صريح في أن الإسناد الذي تضمن ذكر التصريح بالسماع لا يقبل إلا إذا كان صحيحًا، فلم يقبل الإمام أحمد سماع الضحاك بن مُزاحِم من ابن عمر لأن ذلك لا يصح عنده، مع أن الذي يرويه هو أبو سنان ضرار بن مرّة الشيباني، قال عنه: ثقة ثقة (^٢). وكذلك قال في رواية حكيم بن الديلم التي صرح فيها بسماع الضحاك من ابن عمر: ليس بشيء، أي لا يعتد بها لعدم صحتها، مع أنه قال في حكيم بن الديلم: شيخ صدق (^٣). وقد قال البخاري في إسناد حكيم ابن الديلم: لا أعلم أحدًا قال: سمعت ابن عمر إلا أبو نعيم (^٤).
٣. قال أبو داود: سمعت أبا عبد الله قال: "قال عبد الرحمن بن مهدي: قال وُهيب لعطاء بن السائب: سمعتَ من عَبيدة؟ قال: نعم، أراد بذلك أن عطاء لقيه وُهيبٌ وقد تغيّر، لأن عطاء لا يُعرف له سماعٌ من عَبيدة ولا لقاءٌ" (^٥)، فلم يقبل تصريح عطاء بالسماع لكون كلامه هذا صدر منه بعد تغيّره فلا يحكم بصحته، ولذلك لم يُقبل.
الشرط الثاني: عدم معارضته بمعارض راجح.
إن التصريح بالسماع في الإسناد يعتبر زيادة من الذي ذكره بالنسبة للذي روى الإسناد بدونها، فيخضع قبولها لشروط قبول زيادات الرواة - وهو ألا يعارض ذلك رواية من هو أولى منه، فإن عارضه فالزيادة تعتبر شاذة أو منكرة.
_________________
(١) المراسيل ٣٤٣.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥٠٣ رقم ٣٣١٨.
(٣) المعرفة والتاريخ ٢/ ٦٣٩.
(٤) تهذيب الكمال ١٣/ ٢٩٤.
(٥) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٨٣ رقم ١٨٥٣.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
الشرط الثالث: ألا يكون من ذكر السماع ممن لا يرجع إلى التحقيق في ذكره،
ومن أمثلة ما جاء عن الإمام أحمد من مراعاة هذا الشرط:
١. ما تقدم من عدم قبوله لسماع الزهري من عبد الرحمن بن أزهر، وقد رواه أسامة بن زيد الليثي، لكن عارضه صالح بن كيسان وكذلك معمر، فلم يذكرا السماع، فقال الإمام أحمد عن رواية أسامة: ما أُراه حفظه، وذلك لمخالفته لمن هو أوثق منه (^١).
٢. قال أبو داود: "سمعت أحمد بن محمد بن حنبل يقول: قال حماد بن خالد: أخرج إليّ مخرمةُ كتبَ أبيه فقال هذه كتب أبي ولم أسمع منها شيئًا. قلت لأحمد: فقول ابن أبي أُويس؟ قال: ليس ذاك بشيء - يعني ما حدثنا أحمد بن صالح، عن ابن أبي أويس أنه قرأ في كتاب مالك: قلت لمخرمة: إن الناس يزعمون أنك لم تسمع من أبيك؟ فقال: ورب هذه البنية لقد سمعتها من أبي" (^٢).
لم يصحح الإمام أحمد سماع مخرمة من أبيه مع ورود ما يفيد ذلك في رواية ابن أبي أويس لمعارضتها لرواية حماد بن خالد، وهو أوثق عنده من ابن أبي أويس (^٣).
الشرط الثالث: ألا يكون مَن ذكر السماع ممن لا يرجع إلى التحقيق في ذكره، أو يكون له اصطلاح خاص في إطلاق التحديث في غير السماع، فإذا ورد التصريح بالسماع عن طريق مَن هذا وصفُه، وإن صح الإسناد إليه، فإنه يتوقف في قبوله. فمثال ذلك:
قال أبو داود: "سمعت أحمد عدّ من سمع منه الحسنُ من أصحاب النبي ﷺ
_________________
(١) انظر: ص ٦١٣.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٥٢ رقم ٢٠٥٣.
(٣) قال أحمد في حماد بن خالد: كان حافظًا تاريخ بغداد ٨/ ١٥٠. وقال في ابن أبي أويس: لا بأس به الجرح والتعديل ٢/ ١٨١.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
وعدّ منهم: أحمر. قيل لأحمد: عمرُو بن تغلِب؟ فجعل يجبُن أن يعدَّه فيمن سمع منه الحسن، وقال: ليس يقوله غيرُ جرير بن حازم - يعني ابن حازم عن الحسن قال: حدثني عمرو بن تغلب" (^١).
لم يعدّ الإمام أحمد عمرو بن تغلب فيمن سمع منه الحسن البصري لأن جرير بن حازم تفرد بذكره، وجرير له سجية في ذكر السماع من غير تحقيق.
قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: كان سجيةً في جرير بن حازم يقول: حدثنا الحسن، قال حدثنا: عمرو بن تغلب، وأبو الأشهب يقول: عن الحسن قال: بلغني أن النبي ﷺ قال لعمرو بن تغلب" (^٢).
قال ابن رجب: "يريد أن قول جرير بن حازم: نا الحسن، نا عمرو بن تغلب كانت عادة له لا يرجع فيها إلى تحقيق" (^٣).
ولم أقف على رواية أبي الأشهب - وهو جعفر بن حيان - التي أشار إليها الإمام أحمد.
وقد جاء عن الإمام أحمد من طريق ابنه صالح أن الحسن سمع من عمرو بن تغلب أحاديث (^٤).
وهذا محمول على تردده لتفرد جرير بن حازم بذكر السماع.
وممن ذكره الإمام أحمد أنه كان يتساهل في إطلاق السماع مبارك بن فضالة.
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٨ رقم ٢٠٤٢.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٢٦٧ رقم ٣٩٨.
(٣) فتح الباري لابن رجب الموضع نفسه.
(٤) المراسيل ١٤٦، وانظر: فتح الباري لابن رجب ٥/ ٤٧٩. وقد أثبته أيضًا البخاري، وأبو حاتم. ونفاه ابن المديني، وابن معين - واعتمد على تفرد جرير بن حازم بذكر السماع، وقال: ليس هو بشيء انظر: فتح الباري الموضع نفسه.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
قال أحمد: "مبارك بن فضالة يرفع حديثًا كثيرًا ويقول في غير حديث عن الحسن قال: نا عمران، قال: نا ابن مغفل، وأصحاب الحسن لا يقولون ذلك" (^١).
وقد ذكر ابن رجب أن من الروة الذين يصرحون بالتحديث من غير حصول السماع: أصحاب بقية بن الوليد كما ذكره أبو حاتم عنهم، وكذلك فطر بن خليفة فيما ذكر القطان عنه. وكان القطان يهتم بهذا ولعله منه أخذ الإمام أحمد. فقد روى يحيى بن معين أنه قال ليحيى بن سعيد القطان في فطر بن خليفة: "فتعمد على قوله: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان موصول؟ قال: لا، قلت: كانت منه سجية؟ قال: نعم" (^٢).
وذكر ابن رجب عن الإسماعيلي أن أهل الشام ومصر يتسامحون في قولهم: ثنا من غير صحة السماع (^٣). ويلحق بهم من كان يطلق لفظ السماع على ضرب من التأويل كقول الحسن البصري أن سراقة حدثهم، أي حدث الناس (^٤).
_________________
(١) الجرح والتعديل ٨/ ٣٣٨.
(٢) الضعفاء للعقيلي ٣/ ١١٥١.
(٣) انظر: فتح الباري لابن رجب ٥/ ٤٧٩ - ٤٨٠. شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٤.
(٤) ذكره علي بن المديني علل ابن الديني ص ٥٤. وقد ذكر الشيخ طارق بن عوض الله أمثلة على ذلك. انظر: الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات ص ٤١٥ - ٤١٦.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
المطلب الثالث: قرائن تمنع من الحكم بثبوت السماع.
قد يرد ذكر سماع راوٍ من آخر في سند إلا أنه قد تكون هناك بعض القرائن تمنع الناقد من الحكم بثبوت السماع بينهما، وتصرف الإمام أحمد في هذا الباب يدل على مراعاة ما يلي من القرائن:
١. تصريح الراوي بأنه لم يسمع ممن روى عنه:
تقدم أن الإمام أحمد روى أن جميل بن زيد الطائي قال: ما سمعتُ من ابن عمر، إنما قالوا لي: إذا قدِمتَ المدينة فاكتُب أحاديث ابن عمر. قال: فقدمتُ فكتبتُها (^١)، مع أنه قد روى عن ابن عمر مصرّحًا بالتحديث (^٢).
وقد تقدم قول مخرمة بن بكير أنه لم يسمع من أبيه شيئًا، واعتمده الإمام أحمد في نفي سماعه من أبيه.
٢. الرواية بصيغة تدل على عدم السماع:
وذلك كأن يقول: نُبئت، أو حُدّثتُ - بالبناء للمجهول - أو بلغني، فإن ذلك يدل على أنه لم يسمع ما رواه ممن روى عنه.
ومثال ذلك ما رواه صالح بن أحمد بن حنبل قال: "قال أبي: محمد بن سيرين سمع من أبي هريرة، وابن عمر، وأنس، ولم يسمع من ابن عباس شيئًا، كلها يقول: نُبَّئت عن ابن عباس، وقد سمع من عمران بن حُصين" (^٣). ونقل عبد الله عنه مثل ذلك (^٤).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤٨٤ رقم ١١١١، ٢/ ٦٨ رقم ١٥٧٦. وانظر: التاريخ الكبير ٢/ ٢١٥.
(٢) التاريخ الأوسط ٢/ ٦٧.
(٣) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٢/ ٢٩٦ رقم ٩١٢.
(٤) المراسيل ٦٧٩.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
وقال حرب بن إسماعيل: قال أحمد بن حنبل: "ابن سيرين لم يجيء عنه سماع من ابن عباس" (^١).
وقال أبو طالب: قال أحمد بن حنبل: "مكحول لم يسمع من زيد شيئًا، إنما هو بلغه" (^٢) - يعني زيد بن ثابت.
وهذا قريب من تصريح الراوي بنفيه للسماع ممن روى عنه.
وإنما يحكم بعدم السماع جملة بين الراويين في مثل هذه الحالة إذا كان لم يرد تصريح بالسماع بينهما، فإن ورد ذلك في بعض الحالات يحمل ما قال من البلاغ على أنه لم يسمع تلك الأحاديث بعينها منه، ولا يحكم بعدم سماعه منه جملة. ولذلك لما حكم الإمام أحمد على عدم سماع ابن سيرين من ابن عباس قال: "كلها يقول: نُبئت"، فمفهومه لو قال في بعضها: سمعتُ أو حدّثنا، يقصر عدم السماع على ما قال فيه: نُبئت، ولا يحكم عليه بعدم السماع جملة من ذلك الشيخ.
٣. ذكر الوسائط بين راويين لم يثبت التقاؤهما:
قال ابن رجب: "فإن كان الثقة يروي عمّن عاصره أحيانًا ولم يثبت لقيه له، ثم يُدخل أحيانا بينه وبينه واسطة فهذا يستدل به هؤلاء الأئمة على عدم السماع منه" (^٣)، والنصوص الواردة عن الإمام أحمد في هذا كثيرة جدًا، منها:
أ. قال الأثرم: "قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: عبد الله بن البَهِيّ (^٤) سمع
_________________
(١) المصدر نفسه ٦٨١.
(٢) المصدر نفسه ٧٨٨.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٣. ذكره أيضًا ابن القطان الفاسي ضمن طرق معرفة عدم سماع الراوي عمن روى عنه، وذكر أربعة أمور اعتمدها الباحث خالد منصور عبد الله الديرس في رسالته: "موقف الإمامين البخاري ومسلم في اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين" ص ٣٤٦.
(٤) عبد الله البهي مولى مصعب بن الزبير. قال ابن سعد: كان ثقة معروفًا قليل الحديث الطبقات الكبرى ٦/ ٢٩٩. وذكره ابن حبان في الثقات ٥/ ٣٣. وقال أبو حاتم: لا يحتج به هو مضطرب الحديث علل ابن أبي حاتم ١/ ٧٧. روى خبرًا منكرًا جدًا انظر: سير أعلام النبلاء ٩/ ١٦٠.
[ ٢ / ٦٤١ ]
عائشة! ما أرى في هذا شيئًا، إنما يروي عن عروة. وقال في حديث زائدة، عن السدي، عن البهي قال: حدثتني عائشة في حديث الخمرة (^١)، وكان عبد الرحمن قد سمعه من زائدة، فكان يدع فيه: حدثتني عائشة، وينكره" (^٢)، فلم يُثبت للبَهيّ السماع من عائشة لأنه يروي عنها بواسطة، وذكر أن شيخه عبد الرحمن ابن مهدي الذي روى تصريحه بالسماع كان ينكر ذلك.
وقال أبو داود لأحمد: "سمع البهي من عائشة؟ قال: لا، وقد قال قوم ذاك، وما أدري فيه شيء، البهي إنما يحدّث عن عروة" (^٣).
وقد أثبت البخاري التقاؤهما (^٤)، وصحح له حديثًا تفرد به (^٥). ومن أجل ذلك نص على سماعه من عائشة (^٦).
وأما أبو حاتم فضعف حديث البهي هذا وقال: "البهي يدخل بينه وبين عائشة عروة، وربما قال: حدثتني عائشة، ونفس البهي لا يحتج بحديثه وهو
_________________
(١) رواه أحمد المسند ٤١/ ٢٦٩ ح ٢٤٧٤٧ من طريق أبي سعيد، وابن حبان الإحسان ٤/ ١٩٠ ح ١٣٥٦ من طريق أبي الوليد الطيالسي كلاهما عن زائدة به بالتصريح بالتحديث، ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال للجارية: "ناوليني الخمرة" - أراد أن يبسطها فيصلي عليها - فقلت إنها حائض، فقال: "إن حيضتها ليست في يدها". ورواية عبد الرحمن التي أشار إليها الإمام أحمد بدون ذكر السماع، رواه عنه في المسند ٤٢/ ٢٩٠ ح ٢٥٤٦٠.
(٢) المراسيل ٤٢٠.
(٣) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٤٥٤ رقم ٢٠٦٧.
(٤) روى البخاري من طريق عبد الأعلى ثنا أبو عوانة، عن السدي، عن عبد الله البهي: رأيت عائشة تأكل الجراد، وقال: تابعه عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي التاريخ الكبير ٢/ ١٣٥.
(٥) علل الترمذي الكبير ٢/ ٩٠٥. والحديث نفسه قد ضعفه أبو زرعة لتفرد البهي به انظر: علل ابن أبي حاتم ١/ ٥١.
(٦) المصدر السابق ٥/ ٥٦، علل الترمذي الكبير ٢/ ٩٦٥.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
مضطرب الحديث" (^١). وفيه إشارة إلى رده لقوله: حدثتني عائشة. ولهذا الدليل نفسه يقوى القول برد ما ورد مما يدل على لقيه بعائشة.
ب. قال ابن هانئ: "سمعت أبا عبد الله وذكر حديث خالد بن الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "حولوا مقعدي إلى القبلة"، فقال: مرسل. فقلت له: عراك بن مالك قال: سمعت عائشة ﵂! فأنكره، وقال: عراك بن مالك من أين سمع عائشة؟ ما له ولعائشة؟ إنما يروي عن عروة، هذا خطأ. قال لي: من روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء. فقال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء، ليس فيه سمعت، وقال غير واحد أيضًا: عن حماد بن سلمة، ليس فيه "سمعت"" (^٢).
وعراك بن مالك قد عاصر عائشة فقد سمع من أبي هريرة (^٣)، وكان بالمدينة حتى نفاه عنها يزيد بن عبد الملك المرواني بعد استخلافه في سنة إحدى ومئة (^٤)، وذلك بعد موت عائشة قطعًا، فلا يبعد التقاؤه بها وإن لم يرد شيءٌ يُثبته، ولكن الإمام أحمد نفى سماعه منها لأن المألوف عنه أنه يروي عنها بواسطة عروة.
وقد أخرج له مسلم عن عائشة (^٥)، وذلك على قاعدته في حمل إمكان
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم ١/ ٧٧.
(٢) المراسيل ٦٠٦. والحديث كما قال الإمام أحمد رواه غير واحد عن حماد بن سلمة ليس فيه سمعت، منهم: وكيع المسند ٤١/ ٥١٠ ح ٢٥٠٦٣، وبهز بن أسد المسند ح ٢٥٨٣٧، وأبو كامل المسند ح ٢٥٨٩٩، ويزيد بن هارون المسند ح ٢٦٠٢٧، وأسد بن موسى شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٤، ويحيى بن إسحاق سنن الدارقطني ١/ ٦٠، وأبو داود الطيالسي مسنده ص ٢١٧ ح ١٥٤١، وحجاج بن منهال الأوسط ١/ ٣٢٦ ح ٢٦١. والذي رواه عن حماد بن سلمة بذكر السماع هو موسى بن إسماعيل التاريخ الكبير ٣/ ١٥٦. وتابعه علي بن عاصم عن خالد الحذاء، وهو عند الدارقطني في السنن ١/ ٦٠.
(٣) انظر: صحيح مسلم ١/ ٨٠ ح ٦٢، التاريخ الأوسط ١/ ٩١.
(٤) انظر: تهذيب الكمال ١٩/ ٥٤٨ - ٥٤٩.
(٥) انظر: صحيح مسلم ٤/ ٢٠٢٧ ح ٢٦٣٠، ولكن ليس ذلك في الأصول، فإنه ذكره متابعًا لعروة. ومعظم ما أخرج له كان بواسطة عروة عن عائشة. وانتقد مسلمًا ابنُ عمار الشهيد في روايته لهذا الحديث وأعله بالإرسال معتمدًا على هذه الرواية عن الإمام أحمد وكذلك قول موسى بن هارون الحافظ: وعراك بن مالك لا نعلم له سماعًا من عائشة علل الأحاديث في كتاب صحيح مسلم ص ١٢٥ - ١٢٧.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
اللقاء على الاتصال.
ج. قال أبو داود: "سئل أحمد: سمع قتادة من أبي رافع (^١)؟ قال: لا يشبه، لأنه يدخل ببينهما رجلين: الحسن وخلاس" (^٢).
وجاءت هذه الرواية عند عبد الله، قال: "سمعت أبي يقول: قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي رافع شيئًا. قال أبي: أدخل بينه وبين أبي رافع خلاسًا والحسن. قال أبي: وقد سمع قتادة من خلاس، قال شعبة عن قتادة: سمعت خِلاسًا، وقال أبان عن قتادة: حدثنا خِلاس، وهمام عن قتادة قال: حدثني خِلاس" (^٣).
فذكر أحمد أن رواية قتادة عن أبي رافع بواسطة تدل على صحة ما ذكره شعبة من أن قتادة لم يسمع من أبي رافع، بل روى الميموني عن أحمد أن شعبة قال: لم يلق قتادة أبا رافع، إنما كتب عن خِلاس عنه (^٤). وما ورد من تصريحه بالسماع (^٥) محمول على عدم صحته عند الإمام أحمد لهذا المانع الذي ذكر هنا.
_________________
(١) هو نفيع بن رافع الصائغ أبو رافع المدني، نزيل البصرة، أدرك الجاهلية ولم ير النبي ﷺ، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة تهذيب الكمال ٣٠/ ١٤، طبقات ابن سعد ٧/ ١٢٢.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٥٢ رقم ٢٠٥٩.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥٢٨ رقم ١٢٤١.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٩٧ رقم ٣٥٠. وكان شعبة يروي حديث أبي رافع من طريق قتادة عن خلاس عن أبي رافع، أو عن قتادة عن الحسن، عن أبي رافع نظر: سنن أبي داود ح ٢١٦، السنن الكبرى للنسائي ح ١٩٧، صحيح ابن خزيمة ح ١٥٥٥، مستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم ح ٩٧٦، السنن الكبرى للبيهقي ١/ ١٦٣ ولم أقف على رواية له عن قتادة عن أبي رافع مباشرة.
(٥) جاء ذلك عند البخاري صحيح البخاري ١٣/ ٥٢٢ ح ٧٥٥٤ مع فتح الباري من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة، عن معتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، حدثنا قتادة أن أبا رافع حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق أن رحمتي سبقت غضبي … " الحديث. واعتمده الذهبي في رد ما قال أبو داود: إن قتادة لم يسمع من أبي رافع سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٨٢. وقد اختلف على معتمر بن سليمان في ذكر سماع قتادة من أبي رافع وعدمه، فالذين لم يذكروه: خليفة بن خياط عند البخاري ح ٧٥٥٣، وعلي بن بحر عند أحمد المسند ١٤/ ٥١٩ ح ٨٩٥٨، وعاصم بن النضر عند الطبراني في الأوسط ٣/ ١٨٩ ح ٢٨٨٩، ويحيى بن خلف عند ابن أبي عاصم في السنة ١/ ٢٧٠ ح ٦٠٨. ولم أر من تابع ابن أبي سمينة على ذكر السماع.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
د. قال ابن هانئ: "قلت لأحمد: فأبو البختري سمع من على؟ قال: لا بينهما عَبيدة" (^١).
فنفى سماعه من علي لوجود رواية عنه بالواسطة.
وأبو البَختَري هو سعيد بن فيروز الطائي (^٢)، وذكر شعبة أنه لم يدرك عليًا ولم يره (^٣). روى أحمد حديثه من طريق الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي: "بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأنا حديث السنّ … " (^٤)، فرواه شعبة عن عمرو بن مرة، سمعت أبا البختري الطائي قال: أخبرني من سمع عليًا فذكره (^٥).
هـ. وسُئل الإمام أحمد عن سماع حُميد بن هِلال (^٦) من هشام بن عامر (^٧) فقال:
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢١٧ رقم ٢١٨٨ - ٢١٨٩.
(٢) وثقه الأئمة: ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث يرسل حديثه ويروي عن أصحاب رسول الله ﷺ ولم يسمع من كبير أحد، فما كان من حديثه سماعًا فهو حسن، وما كان عن فهو ضعيف تهذيب الكمال ١١/ ٣٣، الطبقات الكبرى ٦/ ٢٩٣.
(٣) المراسيل ٢٧٠.
(٤) المسند ٢/ ٦٨ ح ٦٣٦.
(٥) المصدر نفسه ٢/ ٣٥٦ ح ١١٤٥، وانظر: السنن الكبرى للنسائي ٥/ ١١٦، والسنن الكبرى للبيهقي ١٠/ ٨٦.
(٦) البصري. وثقه غير واحد، وذكره ابن سعد في الطبقات الثانية من أهالبصرة، مع قتادة تهذيب الكمال ٧/ ٤٠٥، الطبقات الكبرى ٧/ ٢٣١.
(٧) ذكره ابن سعد ممن نزل البصرة من أصحاب رسول الله ﷺ بقات الكبرى ٧/ ٢٦.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
"ما أُراه سمع منه، وذاك أنه يُدخَل بينهما رجلٌ، وبعضهم يقول: أبو الدّهماء (^١) " (^٢).
روى ابن سعد من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن حُميد بن هلال أن هشام بن عامر قال: "إنكم تجاوزوني إلى رهط من أصحاب رسول الله ﷺ ما كانوا بألزم لرسول الله ﷺ مني ولا أحفظ مني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بين خلق آدم والقيامة فتنة أعظم من الدجّال" (^٣).
فرواه الإمام مسلم (^٤) من طريق عبد العزيز بن المختار، حدثنا أيوب، عن حميد بن هلال، عن رهط منهم أبو الدهماء، وأبو قتادة قالوا: كنا نمرّ على
هشام بن عامر نأتي عمرانَ بنَ حُصين فقال ذاتَ يوم: إنكم لتجاوزوني إلى رجال ما كانوا بأحضر لرسول الله ﷺ مني ولا أعلم بحديثه مني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال". وفي رواية: "أمرٌ أكبر من الدجال".
واستدل الإمام أحمد بروايته عن هشام بالواسطة على عدم سماعه منه.
والرويات عن الإمام أحمد في هذا المعنى كثيرة.
وقد جاء عن الإمام أحمد التوقف في سماع قتادة من يحيى بن يعمر، فقال لما سئل عن سماعه منه: "لا أدري، قد روى عنه، وقد روى عن رجل عنه" (^٥). ومقتضى ما ذكر من الدليل هنا أن ينفي الإمام أحمد سماعه منه، لوجود الواسطة
_________________
(١) اسمه قرفة بن بهيس العدوي البصري، وثقه ابن معين، وابن سعد، وذكره في الطبقة الأولى من تابعي أهل البصرة تهذيب الكمال ٢٣/ ٥٦٧، الطبقات الكبرى ٧/ ١٣٠.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٥٢ رقم ٢٠٥٦.
(٣) الطبقات الكبرى ٧/ ٢٦.
(٤) صحيح مسلم ٤/ ٢٢٦٦ ح ٢٩٤٦ - ١٢٦، ١٢٧.
(٥) المراسيل ٦٢٦.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
في الرواية بينهما، وقد روى الفضل بن زياد عن أحمد عدم سماعه منه (^١)، ويؤيد ذلك أن قتادة يدلس (^٢)، فروايته بواسطة عمن يروي عنه أحيانًا بدون واسطة تدل على احتمال إرساله عنه احتمالًا قويًا. وأما توقفه عن نفي السماع، فقد يرجع إلى قوة احتمال اللقاء بينهما، الأمر الذي يُقوي احتمالَ السماع، وذلك أن يحيى بن يعمر بصري وإنما خرج منها لما نفاه الحجاج بن يوسف إلى خراسان (^٣)، وأغلب الظن أن يكون ذلك بعد سنة (٧٨) هـ وهي السنة التي أضاف عبد الملك بن مروان إمرة خراسان إلى الحجاج (^٤)، فأقل ما يكون عمر قتادة إذ ذاك (١٨) سنة (^٥)، فاحتمال لقائه بيحيى بن يعمر قبل خروجه إلى خراسان قوي.
والشاهد من هذا النص أن العمل بهذه القرينة قد يضعف إذا ثبت اللقاء بين الراويين أو قوي احتمال وقوعه.
_________________
(١) قال عن أحمد: لم يسمع قتادة من يحيى بن يعمر شيئًا المعرفة والتاريخ ٢/ ١٤١.
(٢) أو بعبارة أدق يرسل، فلم أقف على نسبة قتادة إلى التدليس من كلام الإمام أحمد، لكن اشتهر عنه عدم إسناده لحديثه، فروى شعبة: كنت أعرف حديث قتادة ما سمع مما لم يسمع، فإذا جاء ما سمع قال: حدثنا أنس بن مالك، وحدثنا الحسن، وحدثنا سعيد، وحدثنا مطرف، وإذا جاء ما لم يسمع كان يقول: قال سعيد بن جُبير، وقال أبو قلابة الطبقات الكبرى ٧/ ٢٢٩. وروى أحمد عن وكيع عن شعبة قال: كان قتادة يغضب إذا وقفته على الإسناد، قال: حدثته يومًا بحديث فأعجبه فقال: من حدثك؟ فقلت: فلان عن فلان، قال: فكان بعد - يعني يسند المعرفة والتاريخ ٢/ ٢٨٠. وانظر كلام الشيخ ناصر بن محمد الفهد في "منهج المتقدمين في التدليس" ص ٧٤ - ٨٣.
(٣) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤٢، وانظر: البداية والنهاية ١٢/ ٥٢٩.
(٤) انظر: البداية والنهاية ١٢/ ٢٨٠ - ٢٨١.
(٥) قال الذهبي: مولده سنة ستين سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٧٠. وقد أثبت البخاري سماع قتادة من يحيى بن يعمر التاريخ الكبير ٨/ ٣١١، لكن لم يخرج من حديثه عنه في صحيحه ولا في جزء القراءة أو غيره من كتبه التي ألفها للاحتجاج انظر: تهذيب الكمال ٣٢/ ٥٤.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
ومثله توقفه في أحاديث قتادة عن سعيد بن المسيب حيث قال: "ما أدري كيف هي؟ قد أدخل بينه وبين سعيد نحوًا من عشرة رجال لا يُعرفون" (^١)، ولقاء قتادة بسعيد بن المسيب ثابت عند الإمام أحمد (^٢)، فلم يجزم بالحكم على هذه الروايات عن قتادة عن سعيد بالإرسال بمقتضى قرينة وجود الواسطة بينهما، والعلم عند الله.
٤. عدم إمكان اللقاء بين الراويين:
إذا ثبت أن الراوي لا يمكن أن يدرك شيخه الذي روى عنه - كأن يكون الشيخ مات قبل ولادته، أو كان الراوي صغير السن عند وفاة الشيخ - فإن ذلك دليل واضح على عدم سماعه منه. وقد استخدم الإمام أحمد هذا الدليل لنفي سماع بعض الرواة عمن رووا عنهم، فمن أمثلة ذلك مما يرجع إلى قدم طبقة الشيخ:
أ- قال أحمد في رواية هدبة، عن حماد، عن قتادة ثنا خلاد الجهني: هو خطأ، خلاد قديم، ما رأى قتادة خلادًا (^٣).
_________________
(١) تحفة التحصيل ص ٢٦٥. وقد ذكر الإمام أحمد تلك الأحاديث التي رواها قتادة عن ابن المسيب بالواسطة في العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣٢٢ رقم ٥٤٣٦ إلى ٣/ ٣٣٥ رقم ٥٤٨٣.
(٢) روى الإمام أحمد من طريق شعبة، عن قتادة قال: سمعت جري بن كليب يحدث عن علي قال: "نهي رسول الله ﷺ عن عضب الأُذن والقرن". قال - أي قتادة - فسألت سعيد بن المسيب: ما العضب؟ فقال: النصف فما فوق ذلك المسند ٢/ ٣١٨ - ٣١٩ ح ١٠٦٦.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٣. وهذا الإسناد روي به حديث الاستنجاء بثلاثة أحجار. رواه ابن أبي عاصم الآحاد والمثاني ٥/ ٥٣ ح ٢٥٨٩، والطبراني المعجم الكبير ٧/ ١٤١ ح ٦٦٢٣، وابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٦٢، وابن عبد البر التمهيد ٢٢/ ٣١٢ من طريق هدبة بن خالد ثنا حماد بن الجعد ثنا قتادة حدثني خلاد الجهني عن أبيه السائب أن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم الخلاء فليتمسح بثلاثة أحجار". رواه البخاري التاريخ الكبير ٤/ ١٥١ تعليقًا قال لي هدبة: نا حماد بن الجعد، عن قتادة عن خلاد بن السائب الجهني عن أبيه عن النبي ﷺ الاستنجاء بثلاثة أحجار، وليس فيه تصريح قتادة بالسماع من خلاد. وحماد بن الجعد في الإسناد ضعفه ابن معين ضعفًا شديدًا، وضعفه النسائي أيضًا. وقال ابن عدي: هو حسن الحديث، ومع ضعفه يكتب حديثه الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٦١ - ٦٦٣. وقال البخاري عن هذا الحديث: لم أر أحدًا رواه عن قتادة غير حماد بن الجعد، وعبد الرحمن بن مهدي كان يتلكم في حماد بن الجعد علل الترمذي الكبير ١/ ٩٨. وقد ذكر ابن حجر أن النسائي رواه في شيوخ الزهري، وابن مندة في معرفة الصحابة، والطبراني من طريق ابن أخي ابن شهاب، عن ابن شهاب أخبرني خلاد بن السائب، عن أبيه فذكره تلخيص الحبير ١/ ١١٠. وتفرد ابن أخي الزهري عن عمه أمارة على ضعفه.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
أنكر الإمام أحمد ذكر سماع قتادة من خلاد، ودليله أن خلادًا قديم، أي فلا يمكن لقتادة إدراكه، ولا يعارض هذا التعليل بأن الزهري قد روى عن خلاد (^١) وقتادة والزهري قرينان، لأن الزهري وخلاد الجهني كلاهما مدني فلا يستبعد لقاؤه بخلاد بخلاف قتادة، والله أعلم.
ب- قال أبو بكر الأثرم: قال أحمد بن حنبل: "قتادة لم يسمع من عبد الله
ابن الحارث الهاشمي شيئًا، لأنه قديم، سمع منه عوف" (^٢).
نفى الإمام أحمد سماع قتادة من عبد الله بن الحارث الهاشمي الملقب: بَبّة، وعلل ذلك بأنه قديم، فلا يمكن له لقاؤه، وذلك أن عبد الله بن الحارث ولد في عهد النبي ﷺ ثم تحول إلى البصرة، ولما خرج عنها عبيد الله بن زياد بايعه أهلها، وذلك في سنة أربع وستين، وأقره عبد الله بن الزبير عليها، ثم عزله بعد سنة، وذلك في سنة خمس وستين، فخرج إلى عمان فمات بها (^٣)، ومولد قتادة كان في
_________________
(١) انظر: التاريخ الكبير ٣/ ١٨٦، وانظر: الرواية التي ذكرها الحافظ ابن حجر في الحاشية التي مضت.
(٢) المراسيل ٦٢٦.
(٣) انظر: الطبقات الكبرى ٥/ ٢٥ - ٢٧، ٧/ ١٠٠ - ١٠١، البداية والنهاية ١١/ ٦٦٤، ٧١٧. وانظر: تاريخ دمشق ٢٧/ ٣٢٠.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
سنة ستين كما تقدم، فلا يمكن له إدراكه. وفي رواية أخرى لابن سعد أخرجها ابن عساكر في تاريخ دمشق (^١): خرج عبد الله بن الحارث إلى عمان هاربًا من الحجاج ومات بها سنة (٨٤) هـ (^٢) عند انقضاء فتنة عبد الرحمن بن الأشعث. والرواية الأولى هي التي ذكرها ابن سعد في النسخة المطبوعة بأيدينا. وعلى الرواية الثانية يمكن لقتادة إدراك عبد الله بن الحارث والسماع منه، وذلك أن إمرة البصرة أضيفت إلى الحجاج سنة (٧٨) هـ تقريبًا كما تقدم (^٣)، فأقدم ما يكون خروج عبد الله بن الحارث في تلك السنة، وكان عمر قتادة إذ ذاك (١٨) سنة.
وقد ذكر أحمد أن قتادة يروي عن ابنه إسحاق بن عبد الله بن الحارث (^٤)، وكذلك كان قرينه الزهري، لم يسمع منه، وإنما سمع من بنيه (^٥).
وذكر أحمد أيضًا أن عوفًا الأعرابي قد سمع من عبد الله بن الحارث، أما ابن معين فقال سمع من عبد الله بن عبد الله بن الحارث - أي ابنه (^٦)، وقد يكون هذا أقرب، فإن عوف الأعرابي قرين قتادة، ولد سنة تسع وخمسين (^٧)، وكلاهما بصري فإذا كان قتادة لم يسمع من عبد الله بن الحارث لأن عبد الله قديم، فكذلك عوف الأعرابي، فلعله تصحف عبد بن عبد الله بن الحارث إلى عبد الله بن الحارث
_________________
(١) تاريخ دمشق ٢٧/ ٣١٨.
(٢) وذكر ابن كثير أنه كان من رؤساء أصحاب ابن الأشعث الذين قتلهم الحجاج البداية والنهاية ١٢/ ٣٥١.
(٣) ص ٦٤٧.
(٤) المراسيل الموضع نفسه.
(٥) قاله أبو داود. انظر: تهذيب الكمال ١٤/ ٣٩٩.
(٦) تاريخ دمشق ٢٧/ ٣١٨.
(٧) الثقات لابن حبان ٧/ ٢٩٦.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
عند أحمد، والله أعلم.
ومما يدل على عدم سماع قتادة من عبد الله بن الحارث غير ما ذكر هنا روايته عنه بواسطة، فإن بعض حديثه عنه بواسطة صالح أبي الخليل (^١)، ونص ابن معبن على أن روايته عنه بواسطة أبي الخليل (^٢).
د- قال أبو طالب: قلت لأحمد بن حنبل: "ميمون بن مهران عن حكيم ابن حِزام؟ قال: لا، من أين لقيَه؟ لم يرو إلا عن ابن عباس وابن عمر" (^٣).
نفى الإمام أحمد سماع ميمون بن مهران من حكيم بن حزام لعدم إمكان اللقاء بينهما، فحكيم بن حزام توفي سنة (٥٤) هـ بالمدينة (^٤)، وميمون بن مهران ولد سنة أربعين (^٥)، ونشأته بالكوفة ثم نزل الرقة بالجزيرة (^٦)، فلا يمكن له إدراك حيكم بن حزام، ثم هو معروف بالرواية عمن تأخرت وفاتهم عن حكيم بنحو عشرين سنة نحو ابن عباس وابن عمر (^٧).
هـ- قال أبو الحسن الميموني: "سمعت أبا عبد الله يُسأل: رأى خلف
ابن خليفة عمرو بن حُريث؟ قال: لا، لكنه عندي شُبّه عليه حين قال: رأيت عمرو بن حُريث. قال أبو عبد الله: هذا ابن عيينة، وشعبة، والحجاج لم يروا عمرو بن حُريث، يراه خلف؟ ما هو عندي إلا شُبِّه عليه. وقال في موضع آخر: رأيت خلف بن خليفة وهو مفلوج سنة سبع وثمانين ومئة قد حُمل، وكان لا
_________________
(١) المسند ٢٤/ ٤٣ ح ١٥٣٢٧، السنن الكبرى للنسائي ٤/ ٧ ح ٦٠٥٦.
(٢) تاريخ دمشق ٢٧/ ٣٢١.
(٣) المراسيل ٧٦٨.
(٤) تهذيب الكمال ٧/ ١٩٢.
(٥) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٢٤٨ رقم ٣٠٠.
(٦) تهذيب الكمال ٢٩/ ٢١١.
(٧) توفي ابن عباس سنة ٦٨، وابن عمر سنة ٧٣ انظر: تقريب التهذيب ٣٤٣١، ٣٥١٤.
[ ٢ / ٦٥١ ]
يفهم، فمن كتب عنه قديمًا فسماعه صحيح" (^١).
وكان خلف بن خليفة يقول: رأيت عمرو بن حريث وأنا يومئذ ابن ست سنين (^٢). ومولد خلف بن خليفة على أبعد الاحتمالات سنة (٩١) هـ، لأنه يقول فرض له عمر بن عبد العزيز وهو ابن ثمان سنين وعمر بن عبد العزيز ولي الأمر سنة (٩٩) هـ (^٣). ووفاة عمرو بن حريث سنة (٨٥) هـ (^٤). فلا يمكن على هذا أن يكون قد رآه، لأنه مات قبل ولادته.
وأما استدلال الإمام أحمد في نفي رؤيته له فهو مبني على أن قرناءه - وهم ابن عيينة (^٥)، وشعبة (^٦)، والحجاج (^٧) - لم يروه، فكيف يراه هو؟
وقد روى الإمام أحمد إنكار رؤية خلف بن خليفة لعمرو بن حريث عن سفيان بن عيينة، قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: قال رجل لسفيان: يا أبا محمد عندنا رجلٌ يُقال له خلف بن خليفة يزعم أنه رأى عمرَو بنَ حُريث فقال: كذَب، لعله رأى جعفر بن عمرو بن حريث" (^٨). فهذا وجه كون الأمر شُبه عليه، أي رأي جعفر بن عمرو بن حريث فظنه عمرَو بن حريث، لا سيما وقد كان خلف ابن خليفة قد اختلط كما دلّت على ذلك آخر الرواية التي ذكرها الإمام أحمد.
_________________
(١) تهذيب الكمال ٨/ ٢٨٧.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣٧٦ رقم ٥٦٥١. وعن الخطيب: ابن سبع سنين، وعنه ابن خمس سنين تاريخ بغداد ٨/ ٣١٩.
(٣) انظر: تعليق بشار عواد في تحقيقه لكتاب تهذيب الكمال ٨/ ٢٨٥.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٧١ رقم ٤٢٢١.
(٥) مولده سنة ١٠٧ هـ بالكوفة، وطلب العلم وهو غلام سير أعلام النبلاء ٨/ ٤٥٦.
(٦) مولده سنة ٨٠ هـ، وقيل ٨٢ هـ وهو بصري سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٠٣.
(٧) هو ابن أرطأة. ولد في حياة أنس بن مالك، أي قبل سنة ٩٢ هـ، وهو كوفي وأفتى وهو حدث سير أعلام النبلاء ٧/ ٦٨، تهذيب الكمال ٥/ ٤٢٦.
(٨) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٧٥ رقم ٦٠٣٢.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
ومما يرجع إلى استصغار طبقة الراوي بالنسبة للشيخ:
قال أحمد: "العوام بن حوشب لم يلق ابن أبي أوفى، أكبر من لقيه سعيد ابن جبير إن كان لقيه، وهو يروي عنه وعن طاوس" (^١).
نفى الإمام أحمد لقاء العوام بن حوشب (^٢) بعبد الله بن أبي أوفى، لأن من هو في طبقته لا يمكنه لقاء أحد من الصحابة، وذكر أن أكبر من لقيه من كان في الطبقة الثانية من التابعين، وهم دون كبار التابعين، مثل سعيد بن جبير على خلاف في لقائه به.
وقد يكون عدم إمكان اللقاء ليس من أجل كبر سن الشيخ بالنسبة للراوي عنه، بل يكون ذلك راجعًا إلى وقائع تاريخية تستوجب عدم لقائهما، مثال ذلك:
أ. قال حرب بن إسماعيل: قال أحمد: "لم يسمع الحسن من ابن عباس، إنما كان ابن عباس بالبصرة واليًا أيام علي ﵁" (^٣) وكان الحسن بالمدينة أيام علي (^٤)، وكان ابن عباس بالبصرة واليًا لعلي ﵁، فلم يلتقيا. فالحسن قد سمع ممن هو أكبر من ابن عباس مثل عبد الله بن عمر، لكن المانع من اللقاء هنا ليس السنّ، بل هو هذه الواقعة التاريخية حيث كان بالمدينة أيام ما كان ابن عباس
_________________
(١) تحفة التحصيل ٢٥٠. وقد ذُكر للإمام أحمد حديثه الذي رواه حجاج بن فروخ، عنه، عن ابن أبي أوفى قال: "كان بلال إذا قال: قد قامت الصلاة نهض النبي ﷺ" فأنكره، وقال: العوام لم يلق ابن أبي أوفى فتح الباري لابن رجب ٣/ ٥٩٠. والحديث أخرجه بحشل تارخ واسط ص ٤٣، وابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٥٠ وزاد: فكبر. وحجاج بن فروخ قال عنه ابن معين: ليس بشي الكامل في ضعفاء الرجال الموضع نفسه.
(٢) أبو عيسي الواسطي. قال عنه أحمد: ثقة ثقة. توفي سنة ١٤٨ هـ تهذيب الكمال ٢٢/ ٤٢٧ - ٤٣٠.
(٣) المراسيل ٩٨.
(٤) قاله علي بن المديني، ومن أجل ذلك نفى سماع الحسن من الأسود بن سريع، لأنه خرج من البصرة أيام علي ﵁ انظر: المراسيل ١٢٧.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
بالبصرة. قال علي بن المديني: الحسن لم يسمع من ابن عباس، ما رآه قط، كان الحسن بالمدينة أيام كان ابن عباس بالبصرة (^١).
وأحيانًا تكون قرينة عدم إمكان اللقاء راجعة إلى اختلاف البلدان بين الراوي ومن روى عنه. قال ابن رجب: "ومما يستدل به أحمد وغيره من الأئمة على عدم السماع والاتصال أن يروي عن شيخ من غير أهل بلده، لم يعلم أنه دخل إلى بلده، ولا أن الشيخ قدم إلى بلد كان الراوي عنه فيه. نقل مهنّا عن أحمد قال: لم يسمع زُرارة بن أوفى من تميم الداري، تميم بالشام وزُرارة بصري" (^٢).
وتميم الداري كان بالمدينة وتحول إلى الشام بعد قتل عثمان (^٣)، ولم يُعلم أن زرارة دخل الشام (^٤)، وهو بصري وحديثه عند أهل البصرة، ولم يذكر المزي من الرواة عنه من أهل المدينة أو الشام أو الكوفة أحدًا (^٥).
وذكر البخاري إسناد الحديث الذي رواه زرارة عن تميم الداري (^٦) بسماعه منه (^٧). وأما الإمام أحمد فيرى عدم ثبوت ما ورد من التصريح بالسماع لهذا القرينة التي ذكرها.
_________________
(١) المصدر نفسه ٩٧، وانظر: العلل لعلي بن المديني ص ٥١. وأما قول الحسن: خطبنا ابن عباس فهو على المجاز أي خطب أهل البصرة، قاله أبو حاتم تحفة التحصيل ص ٦٩.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٢.
(٣) الطبقات الكبرى ٧/ ٤٠٨.
(٤) لم يذكره ابن عساكر فيمن دخل الشام من الأعلام.
(٥) تهذيب الكمال ٩/ ٣٤٠.
(٦) وهو حديث: "أول ما يُحاسب به العبدُ يوم القيامة الصلاة"، المسند ٢٨/ ١٦٩٥١، ١٦٩٥٤. وليس له في المسند غيره.
(٧) التاريخ الكبير ٣/ ٤٣٩.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
المبحث الثالث: صيغ الأداء وعلاقتها بإثبات الاتصال.
تقدم أن الألفاظ الصريحة في الدلالة على السماع مثل سمعت وحدثنا نص في الاتصال والدلالة على رواية الراوي عن شيخه بلا واسطة، ويستثنى من ذلك إطلاقها ممن عرف منه عدم التحقيق في إطلاقها في غير السماع وكان ذلك سجية له، أو له اصطلاح خاص في إطلاقها في غير السماع كالإجازة مثلًا، وقد تقدم ذلك في شروط قبول التصريح بالسماع في السند.
ومن ألفاظ الأداء أيضًا "عن"، وهي ظاهرة في الدلالة على الاتصال حتى يثبت الانقطاع، ولذلك عاب الإمام أحمد على الوليد بن مسلم قوله: "عن" في إسناد منقطع ليُدخله في الاتصال. حكى الأثرم عن أحمد بن حنبل أنه سئل عن حديث المغيرة بن شعبة: "أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله" فقال: هذا الحديث ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي فقال: عن ابن المبارك أنه قال عن ثور: حُدِّثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، وليس فيه المغيرة. قال أحمد: أما الوليد فزاد فيه: عن المغيرة، وجعله ثور عن رجاء، ولم يسمعه ثور من رجاء، لأن ابن المبارك قال فيه: عن ثور: حُدِّثت عن رجاء. ا. هـ (^١).
وقد تقدم الكلام فيما يُشترط لدلالتها على الاتصال وأنه وقع الخلاف بين الأئمة في تلك الشروط، وتقدم ذكر مذهب الإمام أحمد في ذلك، وكذلك مذهب غيره من الأئمة بإيجاز.
وأما لفظة "أن" أو ما يسمى بالإسناد المؤَنَّن، وهو الذي يقول فيه
_________________
(١) التمهيد ١/ ١٤ - ١٥.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
الراوي: "أنّ فلانًا قال"، فالذي ورد عن الإمام أحمد يدل على أن هناك تفصيلًا في الحكم عليه بالاتصال.
قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: كان مالكٌ - زعمهوا - يرى عن فلان وأنّ فلانًا سواء، ذكر أحمد مثل حديث جابر: "أن سُليكًا جاء والنبي ﷺ يخطب"، أو عن جابر، عن سُليك: "أنه جاء والنبي ﷺ يخطب" سمعت أحمد قيل له إن رجلًا قال: [عروة أنّ عائشة قالت: يا رسول الله]، وعن عروة عن عائشة سواء؟ فقال: كيف هو سواء؟ أي ليس هو بسواءٍ" (^١)
فهذه الرواية عن الإمام أحمد تدل على أن الإسناد المؤنن له صورتان، ولكل منهما حكم خاص، أوضحهما ابن رجب في شرح علل الترمذي (^٢):
الصورة الأولى: أن يكون القول المحكي عن الراوي عن شيخه، أو الفعل المحكي عنه بالقول مما يمكن للراوي سماعه أو مشاهدته منه، فالحكم في هذه الحالة هو الاتصال إلا أن يكون الراوي معروفًا بالتدليس فلا يحكم حينئذ بالاتصال حتى يصرح بالسماع.
وهذا ما أشار إليه الإمام أحمد فيما ذكره من رواية جابر لقصة سُليك، فإنه يمكن أن يكون جابر شهد ذلك وحضره، فقال: أن سليكًا جاء والنبي ﷺ يخطب؛ ويمكن أن يكون رواه عن سُليك، فقال: عن سُليك أنه جاء والنبي ﷺ يخطب. وهناك وجه آخر لقوله: عن سُليك، وهو أن يكون قصد حكاية قصته والتحديث عن شأنه، ولم يقصد الرواية عنه. وقد حكى الدارقطني عن موسى بن هارون الحافظ أن المتقدمين كانوا يفعلون ذلك.
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٢٧ رقم ١٩٧٨. وانظر: الكفاية في علم الراوية ص ٥٧٥، فقد رواه عن أبي داود.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٠١ - ٦٠٥، والكلام له نقلته عنه بتصرف كثير.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
وكذلك في طبقة ما بعد الصحابة، فالزهري، عن سعيد بن المسيب قال: كذا، أو الزهري أن سعيد بن المسيب قال: محمول على الاتصال دون الانقطاع، لأن سماع الزهري من ابن المسيب صحيح، وذكر ابن رجب أن مراد مالك في التسوية بين "عن" و"أنّ" لعله يعود إلى هذا الذي حكاه أحمد ولم يخالفه.
ونسب ابن عبد البر هذا القول إلى جمهور أهل العلم فقال: "جمهور أهل العلم على أن عن وأنّ سواء، وأن الاعتبار ليس بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحًا كان حديث بعضهم عن بعض أبدًا بأي لفظ ورد محمولًا على الاتصال حتى يتبين فيه علة الانقطاع" (^١).
الصورة الثانية: أن يكون ذلك القول المحكي عن المروي عنه، أو الفعل مما لا يمكن أن يكون قد شهده الراوي مثل أن لا يكون قد أدرك زمانه، فهذه الصورة التي أنكر الإمام أحمد التسوية بين: "عن عروة أنّ عائشة: " و"عن عروة عن عائشة: " وذلك أن قوله: عن عروة أن عائشة:، ظاهره مرسل لعدم إتيانه بما يبين أنه رواه عن عائشة. ومنهم من يرى أنه متصل، لأن عروة قد عُرف بالرواية عن عائشة، وهو القول الذي حكاه أبو داود للإمام أحمد.
وللحافظ ابن حجر تفصيل آخر قد يكون أقرب إلى مراد الإمام أحمد، وذلك أنه فصّل بين حكاية القول وحكاية الفعل، فذكر أن حكاية القول بـ "أنّ" إذا لم يتعد لمن لم يدركه - بأن يقول الراوي مثلًا أن فلانًا قال لي كذا - فحكمها حكم "عن" بلا خلاف. وإن كانت الحكاية عن فعل فحينئذ ينظر إن كان الراوي
_________________
(١) التمهيد ١/ ٢٦.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
أدرك ذلك التحقت بحكم "عن"، وإن كان لم يدركه لم تلتحق بحكمها (^١).
فحين قال عروة: أن عائشة قالت: يا رسول الله، لم يسند ذلك عروة إلى عائشة، ولا أدرك القصة، فلو قال: أن عائشة قالت: قلت يا رسول الله، لكان ذلك متصلًا، لأنه أسند ذلك إليها. وأما في قول عروة: عن عائشة قالت: يا رسول الله، فهو متصل لأنه أسنده إلى عائشة (^٢).
وصنيع الحفاظ حين يذكرون الفرق بين الرواية بـ "أنّ" و"عن" في باب الاختلاف في إرسال الحديث واتصاله محمول على هذا التفصيل.
فمن أمثلة ذلك ما رواه الأثرم قال: "قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - حديث سفيان، عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن حُذافة في أيام التشريق، أسنده سفيان، وقال مالك: أن النبي ﷺ بعث عبد الله بن حُذافة، فقال: نعم هو مرسل، وسليمان بن يسار لم يُدرك عبد الله بن حُذافة، وهم كانوا يتساهلون بين عن عبد الله بن حذافة وبين أنّ النبي ﷺ بعث عبد الله بن حذافة، وهو مرسل، قلت لأبي عبد الله: وحديث أبي رافع أن النبي ﷺ بعثه يخطب ميمونة، قاله مالك، وقال مطر: عن أبي رافع. فقال: نعم وذاك أيضا" (^٣).
ففرّق بين رواية سفيان الثوري (^٤)، عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار،
_________________
(١) انظره في النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٥٩١، وذكر أنه زيادة إيضاح لتفصيل شيخه العراقي. وانظر ما ذكره العراقي التقييد والإيضاح ص ٦٨ - ٧٠.
(٢) انظر: التقييد والإيضاح ص ٦٩.
(٣) جامع التحصيل ص ٩١. وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٦٠٤ - ٦٠٥.
(٤) رواية الثوري عند النسائي السنن الكبرى ٢/ ١٦٦ ح ٢٨٧٦، عن العباس بن عبد العظيم، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان به. ورواه أحمد المسند ٢٥/ ١٠ ح ١٥٧٣٥، وابن أبي شيبة المصنف ٣/ ٣٩٤ ح ١٥٢٦٧ كلاهما عن ابن مهدي، عن الثوري، عن عبد الله بن أبي بكر وسالم أبي النضر، عن سليمان بن يسار به. وكذلك رواه ابن عبد البر من طريق محمد بن المثني عن ابن مهدي به التمهيد ٢١/ ٢٣١.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
عن عبد الله بن حذافة، وبين رواية مالك (^١)، عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار أن النبي ﷺ بعث عبد الله بن حذافة؛ فجعل الأولى مسندة لأنه أسند القصة إلى عبد الله بن حُذافة، وجعل الثانية مرسلة لأنه لم يسندها ولم يشهدها قطعًا (^٢).
وكذلك وافق الإمامُ أحمد الأثرمَ على اعتباره للاختلاف الذي بين رواية مالك، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار أن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع مولاه ورجلًا من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث ورسول الله ﷺ بالمدينة قبل أن يخرج (^٣)؛ وبين رواية مطر الوراق، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع: "أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال وكنت الرسول بينهما" (^٤) أنه من هذا الجنس: حيث تكون الأولى بـ "أنّ" مرسلة،
_________________
(١) رواية مالك في الموطأ ١/ ٣٧٦ ح ١٣٥ وانظر: التمهيد ٢١/ ٢٣١، وفيه: قال ابن مهدي: وما أُراه إلا أثبت من حديث سفيان - يعني رواية مالك المرسلة أثبت من رواية الثوري المسندة.
(٢) على أن كلا الروايتين على كل حال في حكم المرسل، لأن سليمان بن يسار لم يدرك عبد الله بن حذافة. فإن عبد الله بن حُذافة السهمي توفي بمصر في خلافة عثمان بن عفان، وسليمان بن يسار ولد سنة أربع وثلاثين، وقيل سنة سبع وعشرين، فلا يمكن أن يسمع منه انظر: تهذيب الكمال ١٤/ ٤١٣، التمهيد ٣/ ١٥١.
(٣) رواية مالك في الموطأ ١/ ٣٤٨ ح ٦٩، وانظر: التمهيد ٣/ ١٥١. وذكر الدارقطني أن بشر بن السري خالف أصحاب مالك، فرواه عن مالك، عن ربيعة عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع.
(٤) رواية مطر أخرجها الترمذي الجامع ٣/ ٢٠٠ ح ٨٤١، والنسائي السنن الكبرى ٢/ ٢٨٨ ح ٥٤٠٢، وأحمد المسند ٤٥/ ١٧٣ ح ٢٧١٩٧، وابن أبي شيبة المصنف ٣/ ١٥٢ ح ١٢٩٦٨، والدارمي سنن الدارمي ٢/ ٣٨، وابن حبان ٩/ ٤٣٨ ح ٤١٣٠، الدارقطني السنن ٣/ ٢٦٢، والبيهقي السنن الكبرى ٥/ ٦٦، وابن عبد البر التمهيد ٣/ ١٥٢. ومال الدارقطني إلى تصحيح رواية مطر لمتابعة بشر بن السري له عن مالك، ولأنهما ثقتان عنده علل الدارقطني ٧/ ١٤. وأما ابن عبد البر فرجح رواية مالك، وذكر أن رواية مطر منقطعة بين سليمان بن يسار وأبي رافع لأن أبا رافع مات بالمدينة بعد مقتل عثمان بيسير، وكان قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، ومولد سليمان بن يسار سنة أربع وثلاثين، وقيل سنة سبع وعشرين، وغير جائز ولا ممكن أن يسمع سليمان بن يسار من أبي رافع، وأما سماعه من ميمونة فممكن وصحيح، لأن ميمونة مولاته ومولاة إخوته، أعتقتهم وولاؤهم لها، وتوفيت ميمونة سنة ست وستين، وصلى عليها ابن عباس فغير نكير أن يسمع منها سليمان بن يسار ويستحيل أن يخفى عليه أمرها وهو مولاها وموضعه من الفقه موضعه. ا. هـ. بتصرف "التمهيد ٣/ ١٥١".
[ ٢ / ٦٥٩ ]
والثانية بـ "عن" مسندة.
وذكر الإمام أحمد أن المتقدمين كانوا يتساهلون في عدم التفرين بين العبارتين، مع أنهما عنده ليستا بسواء ولا حكمهما بواحد، فكأنهم يفعلون ذلك على وجه التسامح وعدم التحرير (^١).
ومثل هذا الإعلال إعلال الدارقطني لما أخرجه البخاري عن عبد الله ابن يوسف، عن الليث، عن يزيد، عن عِراك، عن عروة أن النبي ﷺ خطب عائشة إلى أبي بكر (^٢)، قال الدارقطني: وهذا مرسل (^٣).
ووجه الإرسال واضح، حيث قال عروة: "أن النبي ﷺ خطب عائشة"، لأنه لم يشاهد القصة ولا أسندها عن عائشة، بخلاف ما لو قال: عن عائشة (^٤).
ومثله أيضًا ما ذكره ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول وذكر حديثا روى هشيم عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن سعيد بن العاص، أخبرنا سيابة السلمي "أن النبي ﷺ قال يوم حنين: أنا ابن العواتك". قال أبي: حدثنا بعض أصحاب هشيم، عن هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن سعيد بن العاص، قال
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٠٤.
(٢) انظر الحديث في صحيح البخاري ٩/ ١٢٣ ح ٥٠٨١ - مع فتح الباري.
(٣) الإلزامات والتتبع ص ٥١٤.
(٤) أجاب الحافظ ابن حجر أن القصة سياقها الإرسال، لكن الظاهر أن عروة حمل ذلك عن خالته عائشة أو عن أمه أسماء بنت أبي بكر … ووقع التساهل فيها في صريح الاتصال لعدم اشتماله على حكم متأصل فتح الباري ٩/ ١٢٤.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
أخبرنا سيابة بن عاصم السلمي عن النبي ﷺ قال أبي: هذا أشبه، قال: وهذا الحديث دليل على أن سيابة ليس هو من أصحاب النبي ﷺ " (^١).
_________________
(١) المراسيل ٢٤٢.
[ ٢ / ٦٦١ ]
الفصل الثاني: الإعلال بما يُخل باتصال الأسانيد
[ ٢ / ٦٦٣ ]
المبحث الأول: الإعلال بالإرسال
المطلب الأول: معنى الإرسال عند الإمام أحمد.
ذُكر للإرسال في اللغة عدة إطلاقات، وكلها تصلح أصلًا لمعنى الإرسال الاصطلاحي (^١): فقيل إن أصله من قولهم: أرسلت كذا إذا أطلقته ولم تمنعه، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣]، فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براوٍ معروف.
الثاني: أنه من قولهم: جاء القوم أرسالًا، أي قطعًا متفرقين، فإن الرسل معناه القطيع من كل شيء، والجمع أرسال (^٢). فكأنه تصور من هذا اللفظ الاقتطاع، فقيل للحديث الذي قطع إسناده وبقي غير متصل مرسل، أي كل طائفة منهم لم تلق الأخرى ولا لحقتها.
الثالث: أنه من الاسترسال إلى الإنسان (^٣)، وهو الاستئناس والطمأنينة إليه، ومنه حديث: "من استرسل إلى مؤمن فغبنه كان غبنه ربا" (^٤)، فكأن المرسِل للحديث اطمأنّ إلى من أرسل عنه ووثِق به لمن يوصله إليه.
الرابع: أنه من قولهم ناقة مِرسال، أي سريعة السير (^٥)، فكأن المرسِل للحديث أسرع فيه عجلًا فحذف بعض إسناده.
_________________
(١) هذه الإطلاقات مأخوذة من جامع التحصيل ص ٢٣ - ٢٤.
(٢) لسان العرب، مادة: "رسل" ١١/ ٢٨١.
(٣) المصدر نفسه ١١/ ٢٨٣.
(٤) أخرجه البيهقي السنن الكبرى ٦/ ٥٥٤، وأبو نعيم حلية الأولياء ٥/ ١٨٧. في سنده موسى بن عمير، قال أبو حاتم: ذاهب الحديث ميزان الاعتدال ٦/ ٥٥٤.
(٥) الموضع السابق.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
وأما في الاصطلاح فالذي ورد عن الإمام أحمد أن الإرسال هو الرواية بإسقاط الواسطة بين الراوي ومن روى عنه، ويدل على ذلك أنه قال في صنيع ابن جريج في الأحاديث التي يرويها مصرِّحًا بإسقاط الواسطة إن ذلك إرسال. قال عبد الله: "قال أبي: رأيت سنيدًا عند حجاج بن محمد وهو يسمع كتاب "الجامع" - يعني لابن جريج - فكان في الكتاب: ابنُ جُريج قال: أُخبرتُ عن يحيى بن سعيد، وأُخبرتُ عن الزهري، وأُخبرتُ عن صفوان بن سُليم. فجعل سُنيد يقول لحجاج: قل يا أبا محمد: ابن جريج، عن الزهري، وابن جُريج، عن يحيى بن سعيد، وابن جُريج، عن صفوان بن سُليم، فكان يقول له: هكذا ولم يَحمَدهُ أبي فيما رآه يصنع بحجاج وذمّه على ذلك. قال أبي: وبعض هذه الأحاديث التي كان يُرسلها ابنُ جُريج أحاديث موضوعة، كان ابنُ جُريج لا يُبالي من أين يأخذه - يعني قوله: أُخبرت، وحُدِّثتُ عن فلان" (^١)، فسمّى رواية ابن جُريج بقوله: أُخبرتُ، وحُدِّثتُ بأنه إرسال، والرواية بهذه الصورة صريحة في إسقاط الواسطة.
وبالتتبع للنصوص التي وقفت عليها عن الإمام أحمد وجدت له عدة إطلاقات للإرسال، وهي ترجع إلى أربع معانٍ، تندرج كلها تحت معنى واحد، وهو الرواية بإسقاط الواسطة بين الراوي ومن روى عنه.
الأول: ما رواه التابعي بإسقاط الصحابي، ومن ذلك:
١. قال الإمام أحمد: وحدثنا عفّان، حدثنا حمّاد، عن عمّار بن أبي عمّار، مرسل ليس فيه ابن عباس: أن النبي ﷺ قال لخديجة … فذكر عفان الحديث (^٢).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥٥١ رقم ٣٦١٠.
(٢) المسند ٥/ ٤٤ ح ٢٨٤٥. ولفظه: إن النبي ﷺ قال لخديجة: "إني أرى ضوءا، وأسمع صوتًا، وإني أخشى أن يكون بي جنن" قالت: لم يكن الله ليفعل ذلك بك يا ابن عبد الله … إلخ.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
وعمار بن أبي عمار تابعي قد رأى جابر بن عبد الله (^١)، فسمى الإمام أحمد روايته بإسقاط ابن عباس مرسلة.
٢. وقال أيضًا: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، مرسل ليس فيه ابن الزبير (^٢)، يشير إلى إسناد حديث عبد الله بن الزبير: أن النبي ﷺ قال: "لكل نبي حواريّ، والزبير حواري وابن عمّتي" رواه يونس، عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، ورواه سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه ليس فيه ابن الزبير، فسماه مرسلًا لإسقاط الصحابي من السند.
٣. وقال عبد الله: "حدثنا بعض الكوفيين قال: حدثنا حفص بن غِياث، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس عن النبي ﷺ: "خمروا وجوه موتاكم، ولا تشبهوا بيهود"، فحدّثت به أبي فأنكره وقال: هذا أخطأ فيه حفص فرفعه، وحدثني عن حجاج الأعور، عن ابن جريج، عن عطاء مرسل" (^٣). فسمى رواية عطاء بإسقاط ابن عباس مرسلة، وفي هذا أيضًا إطلاق الرفع على الرواية الموصولة.
الثاني: رواية الراوي عمّن لم يلقه سواء عاصره أو لم يُعاصره، ومن ذلك:
١. قال الأثرم: "قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - روى يزيد ابن يزيد بن جابر عن عبد الملك بن أبي بكر، عن عمر في زكاة الدين. قال: نعم، عبد الملك بن أبي بكر، عن عمر مرسل" (^٤) عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام المخزومي لم يدرك عمر، لأن أباه أبو بكر بن عبد الرحمن
_________________
(١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٦٤٤ رقم ١٨٩٩.
(٢) المصدر نفسه ٢٦/ ٤٠ ح ١٦١١٥.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٨٣ رقم ٢٧٠٩.
(٤) المراسيل ٤٨١.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
ابن الحارث بن هشام - أحد الفقهاء السبعة - ولد في خلافة عمر (^١)، وجده عبد الرحمن بن الحارث تربى في حجر عمر (^٢)، فلم يعاصر عبد الملك عمر قطعًا، فسمى الإمام أحمد حديثه عنه مرسلًا.
٢. تقدم أن الإمام أحمد قال في حديث عراك عن عائشة: إنه مرسل، وعراك أدرك عائشة لكن لم يثبت لقاؤه بها ولا سماعه منها، فقال في روايته عنها: مرسل.
ورواية الراوي عمن لم يعاصره من الانقطاع الجلي، وروايته عمّن لم يلقه من الانقطاع الخفي، وهو صورة الإرسال الخفي عند ابن القطان (^٣)، والحافظ ابن حجر (^٤)، فإن الإرسال الخفي يظهر بعدم اللقاء وكذا بعدم السماع (^٥)، وهو عند غيرهما إحدى صورتي التدليس (^٦).
الثالث: رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه:
ذكر الخلال في العلل عن حنبل: "ذكرت لأبي عبد الله - يعني أحمد - حديث الأعمش عن أنس فقال: لم يسمع الأعمش من أنس، لكن رآه، زعموا
_________________
(١) قاله الواقدي الطبقات الكبرى ٥/ ٢٠٧.
(٢) الطبقات الكبرى ٥/ ٥.
(٣) بيان الوهم والإيهام ٥/ ٤٩٣.
(٤) نزهة النظر ص ٤٣. وهو الذي يميل إليه رأي ابن عبد البر التمهيد ١/ ١٥ - ١٦، وانتصر له العلائي جامع التحصيل ص ٩٧، وحمل كلامهما الشريف العوني على خلاف ظاهره المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس ص. وقد قال الخطيب: لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلَّس هو رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه … . ا. هـ الكفاية في علم الرواية ص ٥٤٦.
(٥) فتح المغيث ٤/ ٧١.
(٦) انظر: معرفة علوم الحديث ص ١٠٩، مقدمة علوم الحديث ص ٧٨. وانظر: المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس ص ٤٤ - ١٤٣.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
أن غياثًا حدث الأعمش بهذا (^١) عن أنس" (^٢)
وقال الخلال: حدثنا مهنّا قال: "سألت أحمد: لم كرهتَ مراسيل الأعمش؟ قال: كان لا يبالي عمّن حدّث. قلت له: كان رجلٌ ضعيف سوى يزيد الرقاشي، وإسماعيل بن مسلم؟ قال: نعم، كان يحدّث عن غياث بن إبراهيم، عن أنس "أن النبي ﷺ كان إذا أراد الحاجة أبعد]. سألته عن غياث بن إبراهيم فقال: كان كذوبًا" (^٣).
فسمى رواية الأعمش عن أنس مرسلة، مع رؤيته لأنس بن مالك، وأن العلة في ردها أنه يروي عنه بواسطة رواة ضعفاء ومتروكين مثل غياث بن إبراهيم، ويزيد الرقاشي، وإسماعيل بن مسلم.
وهذه هي الصورة الثانية للإرسال الخفي.
الرابع: رواية الراوي عن شيخ لقيه وسمع منه ما لم يسمع منه:
قال عبد الله: "قال أبي: ما سمع سفيان الثوري من أبي عون غير هذا الحديث الواحد - يعني حديث الوضوء مما مسّت النارٌ - والباقي يرسلها عنه" (^٤).
وهذه صورة التدليس، فأطلق الإمام أحمد الإرسال على التدليس لما تضمن كلٌ منهما من إسقاط الواسطة. وقد جاء ذلك صريحًا في رواية الفضل بن زياد، عن أحمد قال: "كان مبارك - أي ابن فضالة - يُرسل عن الحسن. قيل: يُدلِّس؟ قال: نعم. قال: وحدّث يومًا عن الحسن بحديث فوُقف عليه فقال: حدثنيه
_________________
(١) يعني حديث التكشف عند الحاجة.
(٢) تهذيب سنن أبي داود لابن القيم ١/ ٢١.
(٣) الموضع نفسه.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣٨٦ رقم ٥٦٩٦.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
بعض أصحاب الحديث عن أبي حرب، عن يونس" (^١) وإنما أطلق الإرسال على التدليس لأن بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا، فكل تدليس إرسال ولا ينعكس.
وقد ذكر الخطيب أنه لا خلاف بين أهل العلم أن رواية الحديث بالصور الثلاث التي تقدم ذكرها بإدراج الصورة الثالثة في الصورة الثانية أنه إرسال (^٢).
_________________
(١) المعرفة والتاريخ ٢/ ٦٣٣.
(٢) الكفاية في علم الرواية ص ٥٤٦ - ٥٤٧.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
المطلب الثاني: الإعلال بإسقاط الصحابي.
الإعلال بهذا من الإعلال بالإرسال الجلي، وتحته مسائل:
المسألة الأولى: الصحبة وما تثبت به عند الإمام أحمد.
ذكر الحافظ ابن حجر أن التعريف المبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل ومن تبعهما هو أن الصحابي هو من لقي النبي ﷺ مؤمنا به ومات على الإسلام (^١).
وذكر عبدوس (^٢) في مسائله عن أحمد: "كل من صحِبه سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعةً أو رآه فهو من أصحابه، له من الصُّحبة على قدر ما صحِبه … ومن رآه بعينه وآمن به ولو ساعةً أفضل بصحبته من التابعين ولو عملوا كل أعمال الخير" (^٣). قال المجد أبو البركات ابن تيمية: وإليه ذهب أصحابنا (^٤).
ومما يدل على اعتباره الرؤية مقتضية للصحبة ما رواه ابن هاني قال: "سئل - يعني أبا عبد الله أحمد بن حنبل - هل سمع يحيى بن أبي كثير من أحد من أصحاب النبي ﷺ؟ فقال: نعم، قد سمع من السائب بن يزيد، والسائب قد رأى النبي ﷺ " (^٥) فاستدل لصحبة السائب بن يزيد برؤيته للنبي ﷺ.
_________________
(١) الإصابة في تمييز الصحابة ١/ ٧. ونسب أصحاب أحمد مثل هذا التعريف إلى الإمام أحمد انظر: الكواكب النيرات ٢/ ٤٦٥.
(٢) هو عبدوس بن مالك أبو محمد العطار. قال القاضي أبو يعلى: ذكره الخلال وقال: كانت له عند أبي عبد الله منزلة في هدايا وغير ذلك وله به أنس شديد … وقد روى عن أبي عبد الله مسائل لم يروها غيره ولم تقع إلينا كلها. ا. هـ. طبقات الحنابلة ١/ ٢٤١.
(٣) طبقات الحنابلة ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤.
(٤) المسودة ص ٢٦٣.
(٥) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ١٩٩ رقم ٢٠٧٧.
[ ٢ / ٦٧١ ]
وعبر باللقاء ليشمل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يعز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى (^١)
ولمعرفة الصحبة - في حق ما عدا من ثبتت صحبتُه بالتواتر أو الشهرة أو الاستفاضة - طرق ترجع إلى ثلاثة أمور:
الأول: مجيء ما يدل على لقائه بالنبي ﷺ، وهذا ما يدل عليه تصرف أئمة الحديث بما فيهم الإمام أحمد في تخريج أحاديث هذا الضرب في مسانيدهم على أنهم صحابة.
فمن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد إفراده لدُكين بن سعيد الخَثعَمي بمسند في كتابه المسند، وأورد حديثه الذي فيه دلالة على لقائه بالنبي ﷺ من طريق وكيع، ومحمد ويعلى ابني عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن دُكين بن سعيد الخَثْعَمي قال: أتينا رسول الله ﷺ ونحن أربعون وأربع مئة نسأله الطعام، فقال النبي ﷺ لعمر: "قُمْ فأعطهم" (^٢).
وكذلك صدّر مسند معن بن يزيد السلمي بحديث يدل على لقائه بالنبي ﷺ، فقال: حدثنا مصعب بن المِقدَام، ومحمد بن سابق قالا: حدثنا إسرائيل، عن أبي الجويرية أن معن بن يزيد حدّثه قال: [بايعت رسول الله ﷺ أنا وأبي وجدي، وخطب عليّ فأنكحني …] الحديث (^٣).
_________________
(١) الإصابة الموضع نفسه.
(٢) المسند ٢٩/ ١١٧ ح ١٧٥٧٦ - ١٧٥٨٠. ورواه البخاري في التاريخ الكبير ٣/ ٢٥٥ من طريق سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد سمع قيسًا سمع دكين المزني فذكره. فصرح إسماعيل بالسماع من قيس، وهو من دكين.
(٣) المسند ٢٥/ ١٩١ ح ١٥٨٦٠.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
وكذلك أفرد لنُمير الخزاعي مسندًا وذكر له حديثًا واحدًا يدل على رؤيته للنبي ﷺ، رواه عن وكيع: حدثنا عصامُ بن قُدامة البجلي، عن مالك بن نُمير الخُزاعي، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﷺ واضعًا يده اليُمنى على فخِذِهِ اليُمنى في الصلاة يشير بأصبعه" (^١).
ولما ذُكر له حديث عَرْفجة (^٢) بن شُريح الأشجعي ذكر اختلاف الرواة في اسم أبيه، ثم ذكر رواية شعبة التي تدل على سماعه من النبي ﷺ، وأوردها في مسنده، وليس له غير تلك الرواية (^٣).
والحديث ذكره الخلال (^٤) قال: "جعفر الصائغ، حدثنا حسين بن محمد المروذي، ثنا شيبان، عن زِياد بن عِلاقة، عن عرْفجة بن شريح الأشجعي قال: قال رسول الله ﷺ: "ستكون بعدي هَناتٌ (^٥) وهَناتٌ - ممدودة - فمن رأيتموه يُفرِّق أمة محمد ﷺ وهي جميع فاقتلوه كائنًا من كان من الناس" (^٦). قال الأثرم: ذُكر هذا الحديث عند أبي عبد الله فقال: كان أبو نُعيم يرويه عن شيبان يقول:
_________________
(١) المسند ٢٥/ ٢٠١ - ٢٠٢ ح ١٥٨٦٧.
(٢) هو بالفاء الإكمال لابن ماكولا ٦/ ١٩٦.
(٣) المسند ٣٠/ ٢٢٧ ح ١٨٢٩٥.
(٤) المنتخب من العلل للخلال ص ١٧١ رقم ٩٢.
(٥) أي شروو وفساد، يقال: في فلان هنات، أي خصال شر، واحدها هَنْتٌ، وقيل: هَنَةٌ تأنيث هن، وهو كناية عن كل اسم جنس النهاية ٥/ ٢٧٩.
(٦) أخرجه مسلم من طريق شيبان، ومن طريق شعبة، وإسرائيل، وعبد الله بن المختار وغيره كلهم عن زياد بن علاقة به. وفي حديث شعبة - وهو الذي صدر الإمام مسلم الباب به تصريح عرفجة بالسماع من النبي ﷺ، وكذلك اقتصر الإمام أحمد على إيراد طريق شعبة صحيح مسلم ٣/ ١٤٧٩ ح ١٨٥٢، مسند أحمد، الموضع نفسه. وكذلك اعتمد البخاري طريق شعبة هذه في جزمه بأن عرفجة سمع النبي ﷺ. التاريخ الكبير ٧/ ٦٤.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
ابن صُريح، وقال بعضهم: شُرَيح، وقال بعضهم: شُرْيح، وأما شعبة فلم ينسبه وقال فيه: سمعت النبي ﷺ ".
وذكر عبد الله أنه وجد في كتاب أبيه (^١): من روى عن رسول الله ﷺ من النساء، فذكرهن على حسب أنسابهن وبلدانهن، واعتمد في إثبات صحبة بعضهن بما ورد في أحاديثهن مما يدل على لقائهن بالنبي ﷺ مثل قوله: وامرأة من الأنصار قالت: "دخل علي رسول الله ﷺ وأنا آكل بشمالي"؛ (^٢) وجدة عبدالرحمن بن أبي عمرو - ويقال لها: كُبيشة، ويقال: كبشة - أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها قِربة معلقة (^٣)؛ وأم ورقة بنت عبد الله بن الحارث أن النبي ﷺ كان يزورها كل جمعة (^٤).
وأما من نفى عنه الصحبة ولم يرد ما يدل على لقائه بالنبي ﷺ وإن كان له رواية فإنه لا يذكر له مسندًا (^٥)، وذلك مثل دَغْفَل بن حَنْظَلَة، فإنه قد روى حرب بن إسماعيل أنه قال لأحمد بن حنبل: "دغفَل بن حنظَلة له صُحبة؟ قال: ما أعرفُهُ" قال ابن أبي حاتم: يعني ما يعرف له صحبة أم لا (^٦).
وقال الأثرم عن أحمد بن حنبل: "قد سمعتُ منه - يعني معاذ بن هِشام - حديث دَغفَل بن حنظَلة أن النبي ﷺ قُبِض وهو ابنُ خمسٍ وستين. قلت
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٠٦ رقم ٥٧٨٤.
(٢) المصدر نفسه ٣/ ٤٠٨.
(٣) المصدر نفسه ٣/ ٤٠٩.
(٤) المصدر نفسه ٣/ ٤١٠.
(٥) وأما من كان له رواية وتوقف في ثبوت صحبته لعدم وجود ما يثبتها أو ينفيها فإنه يورده في المسند، كأن ذلك على احتمال صحبته. مثال ذلك عامر بن مسعود القرشي. أورده في المسند ٣١/ ٢٩٠ ح ١٨٩٥٩، وذكر حديثه، وقد سأله عنه أبو داود: هل له صحبة؟ فقال: لا أدري، قد روى عن النبي ﷺ سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٧٩ رقم ١٨٣.
(٦) الجرح والتعديل ٣/ ٤٤١.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
لأبي عبد الله: دغفَل بن حنظَلة له صُحبة؟ فقال: لا، ومن أين له صُحبة، هذا كان صاحب نسب. قيل لأبي عبد الله: رُوي عنه غير هذا الحديث؟ فقال: نعم، حديث آخر يرويه أبان العطار: "كان على النصارى صوم" قال أبو عبد الله: لا أعلمه رُوي عنه غيرُهما" (^١).
وليس في الحديثين اللذين رواهما ما يدل على لقائه بالنبي ﷺ، فلم يذكره الإمام أحمد في مسنده.
ومثله أيضًا مطر بن عُكامِس، نقل إسحاق بن منصور عنه أنه قال: لا صحبة له (^٢). وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه: هل له صحبة؟ فقال: لا يُعرف. قلت: فله رواية؟ قال: لا أدري (^٣). ولم يخرج الإمام أحمد له في المسند، وأخرج عبد الله حديثه في زياداته على المسند (^٤)، وليس فيه ما يدل على لقائه بالنبي ﷺ.
وأما من نفى عنه الصحبة ثم ذكر حديثه في مسنده، فهو ممن قد ورد عنه ما يدل على رؤيته للنبي ﷺ، ونفيه لصحبته محمول على الصحبة الخاصة بالسماع والرواية. مثال ذلك مسلمة بن مخلَّد، فقد روى أبو طالب عنه أنه قال: ليست له صحبة. وروى حديثه في المسند، وجاء في روايته ما يدل على أن له لقيًّا، وهو ما قرأه عبد الله على أبيه: حدثنا عباد بن عباد، وابن أبي عدي، عن ابن عون، عن مكحول أن عقبة أتى مسلمة بن مُخلَّد، وكان بينه وبين البَّواب شيء، فسمع صوته فأذن له فقال: إني لم آتك زائرًا، ولكني جئتك لحاجة، أتذكر يوم قال
_________________
(١) تهذيب الكمال ٨/ ٤٨٧، وانظر: المراسيل ١٩٨.
(٢) المراسيل ٧٣٢، نقله عنه وعن يحيى بن معين.
(٣) ذكره ابن حجر في الإصابة ٣/ ٤٢٣ - ٤٢٤.
(٤) وهو حديث: "إذا قضى الله ميتة عبدٍ بأرض جعل له إليها حاجة" المسند ٣٦/ ٣٠٨ ح ٢١٩٨٣، ٢١٩٨٤.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
رسول الله ﷺ: "من علم من أخيه سيئة فسترها ستره الله ﷿ يوم القيامة؟ " فقال: نعم. قال: لهذا جئت. قال ابن أبي عدي في حديثه: ركب عقبة بن عامر إلى مسلمة بن مُخلَّد وهو أمير على مصر" (^١).
وهناك حديث آخر يدل على أن له رؤية، رواه ابن أبي عاصم (^٢)، والطبراني (^٣) من طريق وكيع عن موسى بن علي عن أبيه عن مسلمة بن مخلَّد ﵁ قال: "وُلِدتُ حين قدم النبي ﷺ ومات وأنا ابن عشر" وخالفه عبد الرحمن ابن مهدي عن موسى بن علي بالإسناد نفسه وقال في لفظه: "قدم النبي ﷺ وأنا
_________________
(١) المسند ٢٨/ ١٦٠ ح ١٦٩٦٠. وهذا الإسناد فيه انقطاع: مكحول لم يلق عقبة بن عامر تهذيب الكمال ٢٠/ ٢٠٣. ورواه الإمام أحمد في مسند عقبة بن عامر عن سفيان بن عيينة، عن ابن جريج: سمعت أبا سعيد يحدث عطاء قال: رحل أبو أيوب إلى عقبة بن عامر فأتى مسلمة بن مخلَّد وفيه: حدثنا ما سمعتَه من رسول الله ﷺ لم يبق أحدٌ سمعه، قال: سمعت رسول الله ﷺ فذكره المسند ٢٨/ ٦١٣ ح ١٧٣٩١. وأبو سعيد هو المكي الأعمى، مجهول تقريب التهذيب ٨١٨١. وخالفه الحميدي فرواه عن سفيان قال: ثنا ابن جريج قال: سمعت أبا سعد الأعمى يحدث عطاء بن أبي رباح يقول: خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر وهو بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله ﷺ لم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ غيره وغير عقبة. فلما قدم مسلمةَ بن مخلد الأنصاري - وهو أمير مصر - فأُخبر به فعجّل فخرج إليه فعانقه ثم قال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ لم يبق أحد سمعه من رسول الله ﷺ غيري وغير عقبة … مسند الحميدي ١/ ١٨٩ ح ٣٨٤. وتابعه محمد بن المثنى عند الروياني مسند الروياني ١/ ١٤٩ ح ١٥٩. فعلى هذه الرواية لم يسمع مسلمة هذا الحديث من النبي ﷺ، وإنما سمعه عقبة بن عامر، والذي ارتحل إليه هو أبو أيوب الأنصاري. ويؤيده ما رواه أحمد المسند ٢٨/ ٦٥٦ ح ١٧٤٥٤ عن البرساني عن ابن جريج: ركب أبو أيوب إلى عقبة بن عامر إلى مصر فقال: إني سائلك عن أمر لم يبق ممن حضره من رسول الله ﷺ إلا أنا وأنت … فذكره، وليس لمسلمة بن مخلد فيه ذكر. وهذا معضل بين ابن جريج وأبي أيوب، لكنه يدل على أن الرواية الأولى معلولة. والحديث قد حكم عليه أبو حاتم بالاضطراب علل ابن أبي حاتم ٢/ ١٦٤ ح ١٩٨٤. وهو جدير به.
(٢) الآحاد والمثاني ٥/ ٣٢٤ ح ٢٨٦٥.
(٣) المعجم الكبير ١٩/ ٤٣٧ ح ١٠٦٠.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
ابن أربع ومات وأنا ابن أربع عشرة" رواه أحمد (^١)، والطبراني (^٢). قال الطبراني: وحديث عبد الرحمن بن مهدي عندي الصواب والله أعلم.
فنفيُ الإمام أحمد لصحبته مع روايته لهذا الحديث الذي يدل على أن له رؤية هو الذي جعل الحافظ ابن حجر يُؤوِّل النفي بأن المنفي هو الصحبة الخاصة (^٣)، وليس أصل الصحبة.
وقد ينفي عن الرجل سماعه من النبي ﷺ ثم يورده في مسنده ويذكر له أحاديث لمِا له من إدراك للنبي ﷺ، وذلك مثل عبد الرحمن بن غنم الأشعري، أفرده الإمام أحمد بالذكر في مسنده (^٤) وذكر له أحاديث ليس في واحد منها تصريحه بالسماع من النبي ﷺ أو ما يدل على لقائه به، وقد نص على عدم سماعه من النبي ﷺ، ولكن ذكر أنه أدركه. قال حرب بن إسماعيل: "سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: عبد الرحمن بن غنم قد أدرك النبي ﷺ، ولم يسمع منه" (^٥).
ومثال آخر هو طارق بن شهاب، أدخله في مسنده وأورد له عدة أحاديث منها ما يدل على أن له اللقيا، وهو حديث شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: [رأيت رسول الله ﷺ وغزوت في خلافة أبي بكر
_________________
(١) أخرجه الخطيب من طريقه في الكفاية في علم الرواية ص ١٠٨.
(٢) المعجم الكبير ١٩/ ٤٣٨ ح ١٠٦١.
(٣) الإصابة ٣/ ٤١٨.
(٤) المسند ٢٩/ ٥١٢ - ٥٢١. وقال الذهبي: روى له أحمد بن حنبل في مسنده أحاديث لكنها مرسلة، ويحتمل أن تكون له صحبة فقد ذكر يحيى بن بكير عن الليث وابن لهيعة أن عبد الرحمن صحابي وقال الترمذي له رؤية سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٥. وذكره ابن حجر في القسم الأول، وهم من ثبتت صحبتهم، ثم أعاد ذكره في القسم الثالث، وهم المحضرمون - من أدرك الجاهلية والإسلام ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا مع النبي ﷺ الإصابة ٢/ ٤١٧، ٣/ ٩٧.
(٥) المراسيل ٤٤٣.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
وعمر بضعًا وأربعين أو بضعًا وثلاثين من بين غزوة وسرية" (^١). وقد ذكر غير واحد عدم سماعه من النبي ﷺ (^٢)، والأحاديث التي رواها عنه الإمام أحمد في مسنده ليس في واحد منها التصريح بسماعه من النبي ﷺ.
الثاني: من طرق إثبات الصحبة تصريح أحد الصحابة أو أحد التابعين أن فلانًا له صحبة، وهذا كما قال ابن حجر بناء على قبول التزكية من واحد، وهو الراجح. ومن أمثلة ذلك سنان ين سِنّة، ذكره الإمام أحمد في مسنده، وروى حديثه حكيم بن أبي حرة (^٣) فقال: عن سنان بن سنّة صاحب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: "الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم الصابر" (^٤).
ومن ذلك أيضًا شرحبيل بن أوس (^٥)، أفرد له مسندًا، وذلك أن نمران ابن مخمر (^٦) روى عنه وقال في حديثه: عن شرحبيل بن أوس وكان من
_________________
(١) المسند ٣١/ ١٢٥ ح ١٨٨٢٩.
(٢) منهم أبو داود: قال: طارق بن شهاب قد رأى النبي ﷺ لم يسمع منه شيئًا سنن أبي داود ١/ ٦٤٤. وقال أبو حاتم: طارق بن شهاب له رؤية، وليست له صحبة، والحديث الذي رواه أن النبي ﷺ سئل: أي الجهاد أفضل؟ قال: "كلمة حق عند سلطان جائر"، قال هذا حديث مرسل. فقيل: له قد أدخلته في مسند الوحدان؟ فقال: إنما أدخلته في الوحدان لما يحكى من رؤيته للنبي ﷺ. المراسيل ٣٥١. قال ابن حجر: إذا ثبت أنه لقي النبي ﷺ فهو صحابي على الراجح، وإذا ثبت أنه لم يسمع منه فروايته عنه مرسل صحابي، وهو مقبول على الراجح الإصابة ٢/ ٢٢٠.
(٣) روى عن عبد الله بن عمر، والحديث في صحيح البخاري تهذيب الكمال ٧/ ١٦٩. ذكره ابن حبان في الثقات ٤/ ١٦١. وقال عنه ابن حجر: صدوق التقريب ١٤٧٧.
(٤) المسند ٣١/ ٣٥٤ ح ١٩٠١٤.
(٥) ذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من الصحابة الطبقات الكبرى ٧/ ٤٣١. وذكر ابن حجر عن البخاري وأبي حاتم أن له صحبة، وأن أبا زرعة ذكره في مسند الشاميين الإصابة ٢/ ١٤٣.
(٦) وقيل: ابن مخبر، ذكره البخاري في التاريخ الكبير ٨/ ١٢٠، وذكره ابن حبان في الثقات ٧/ ٥٤٥. روى عنه حريز بن عثمان، وقال أبو داود: شيوخ حريز كلهم ثقات تعجيل المنفعة ص ٢٧٨.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
أصحاب النبي ﷺ (^١).
وكذلك أفرد لحابس بن سعد الطائي (^٢) مسندًا، وروى من طريق عبد الله ابن غابر الألهاني (^٣) قال: "دخل حابس بن سعد الطائي من السحر - وقد أدرك النبي ﷺ ".
ولم يورد له رواية (^٤).
ومما يدل على اعتبار الإمام أحمد هذا الطريق من طرق إثبات الصحبة احجاجه بقول رجل من التابعين: "حدثني رجل من الصحابة" قال الأثرم: "قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - إذا قال رجل من التابعين: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ فالحديث صحيح؟ قال نعم" (^٥) فإذا صحح قوله مع عدم تعيين وتعريف بالصحابي، فلأن يصححه معهما من باب أولى وأحرى، والله أعلم.
الثالث: إخبار الرجل عن نفسه بأنه صحابي. ومن أمثلة ذلك عبد الله ابن عمرو بن أم حرام (^٦)، ذكره الإمام أحمد في مسنده (^٧)، وجاء في حديثه الذي
_________________
(١) المسند ٢٩/ ٥٩١.
(٢) وهو حابس اليماني. ذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من أصحاب رسول الله ﷺ الطبقات الكبرى ٧/ ٤٣١. وذكر البخاري وابن أبي حاتم أنه أدرك النبي ﷺ التاريخ الكبير ٣/ ١٠٨، الجرح والتعديل ٣/ ٢٩٢. وأما يعقوب الفسوي فذكره في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام المعرفة التاريخ ٢/ ٣٠٨. وذكر له حديثًا رواه عن أبي بكر الصديق، ولعل ذلك هو قرينته لاعتباره من التابعين وانظر: تهذيب التهذيب ٢/ ١٢٧.
(٣) عبد الله بن غابر - بمعجمة ثم موحدة ـ. وثقه ابن حجر تقريب التهذيب ٣٥٤٩.
(٤) المسند ٢٨/ ١٧٦ ح ١٦٩٧٢.
(٥) الكفاية في علم الراوي ص ٥٨٥.
(٦) اسمه عبد الله بن عمرو بن قيس الأنصاري الخزرجي ابن امرأة عبادة بن الصامت، ذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من أصحاب رسول الله ﷺ الطبقات الكبرى ٧/ ٤٠٢.
(٧) المسند ٢٩/ ٥٨٥.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
ذكره في مسنده قال: إبراهيم بن أبي عبلة (^١): [رأيت أبا أُبيّ الأنصاري - وهو ابن أبي حرام الأنصاري - فأخبرني أنه صلى مع رسول الله ﷺ القبلتين جميعًا، وعليه كساءٌ خزٍّ أغبر]. فإخباره عن نفسه بأنه صلى القبلتين مع رسول الله ﷺ يدل على صحبته، فاعتمد ذلك الإمام أحمد فذكره في مسنده فدل على أنه يعتبره صحابيًا، ولم يذكر له حديثًا مسندًا غير هذا الذي يدل على صحبته.
المسألة الثانية: ما يقدح في ثبوت الصحبة.
قد يرِد ما يدل على ثبوت الصحبة للراوي، ومع ذلك يأتي عن الإمام أحمد التصريح بعدم ثبوت صحبته، مما يدل على أن هناك ما يقدح في ذلك الدليل. ومن الأمور التي يمكن أن تعتبر من القوادح لدى الإمام أحمد فيما يُثبت الصحبة ما يأتي:
القادح الأول: ورود ما يُثبت الصحبة بطريق معلول.
مثال ذلك ما رواه أبو داود قال:
قلت لأحمدَ: كُديرٌ الضَّبي له صُحبة؟ فقال: لا، قلت: زُهير يقول: إنه أتى النبيّ ﷺ، أو إن أعرابيًا أتى النبي ﷺ أعني في حديث زُهير، عن أبي إسحاق، عن كُدير الضَّبي؟ فقال: زُهير سمِع من أبي إسحاق بآخرَة (^٢).
الحديث الذي يدل على صحبة كُدير الضبي هو ما رواه زهير بن معاوية الجعفي (^٣)، عن أبي إسحاق السَّبِيعي، عن كُدير أنه أتى النبي ﷺ فأتاه أعرابي
_________________
(١) وثقه الجم الغفير: منهم ابن معين، وعلي بن المديني، ودحيم، والفسوي، والنسائي، والدارقطني. وأخرج له البخاري عن عكرمة، ومسلم عن عمر بن عبد العزيز تهذيب الكمال ٢/ ١٤٣.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤١٠ رقم ١٩٢٥. وقد تقدم في مطلب الإعلال بالاختلاط ص ٣٣٧.
(٣) قال الإمام أحمد: زهير فيما روى عن المشايخ ثبت، بخٍ بخٍ، وفي حديثه عن أبي إسحاق لين الجرح والتعديل ٣/ ٥٨٨، وانظر: مسائل صالح ٢/ ٤٥٧ رقم ١١٥٨. وقال أبو زرعة: ثقة إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط الجرح والتعديل ٥/ ٥٨٩.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
فقال: يا رسول الله! دُلَّني على عملٍ يُدخلني الجنة. قال: "تقول العدلَ، وتُعطي الفضْلَ". قال: يا رسول الله! فإن لم أستطع؟ قال: "فهل لك من إبِل"؟ قال: نعم. قال: "فاعهَدْ إلى بعير من إبلك وسِقاء فانظر إلى أهل بيتٍ لا يَشربون الماء إلا غِباًّ فإنه لا يَعطُب بعيرُك ولا يَنحَر سِقاؤك حتى تجب لك الجنة" (^١).
ومع ذلك لم يُثبت الإمام أحمد صحبة كدير الضَّبي لوجود قادح يقدح في صحة هذه الرواية، وهذا القادح هو سماع زهير من أبي إسحاق بآخرة، وكان أبو إسحاق قد تغير. قال الميموني: "قلت لأبي عبد الله: من أكبر في أبي إسحاق؟ قال: ما أحد في نفسي أكبر من شعبة فيه، ثم الثوري. قال: وشعبة أقدم سماعًا من سفيان. قلت: وكان أبو إسحاق قد تأخر؟ قال: إي والله! هؤلاء الصغار، زهير وإسماعيل يزيدون في الإسناد وفي الكلام" (^٢).
ويشهد لصحة هذه العلة أن شعبة والأعمش قد رويا الحديث عن أبي إسحاق، عن كُدير الضبي: أتى رجل النبي ﷺ فقال … فذكراه (^٣) وتابعهما فطر بن خليفة (^٤)، ومعمر (^٥)، وإسرائيل بن يونس
_________________
(١) أخرجه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة ٥/ ١٦٤، وعنه ابن قانع معجم الصحابة ٢/ ٧٨٤ من طريق الحسن بن موسى الأشيب، عن زهير به. وتابعه النفيلي عبد الله بن محمد ابن نفيل عند ابن أبي عاصم الآحاد والمثاني ٥/ ٢٠٠.
(٢) شرح علل الحديث لابن رجب ٢/ ٧١٠.
(٣) حديث شعبة رواه أبو داود الطيالسي في مسنده ص ١٩٤ رقم ٣٦١، ومن طريقه ابن أبي عاصم الآحاد والمثاني ٥/ ٢٠٠، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٥/ ٢٤١٢. ورواه ابن أبي عاصم من طريق غندر عن شعبة الآحاد والمثاني ٥/ ١٩٩. وحديث الأعمش رواه ابن خزيمة في صحيحه ٤/ ١٢٥ ح ٢٥٠٣. قال ابن خزيمة: ولست أقف على سماع أبي إسحاق هذا الخبر من كُدير. ا. هـ وقد ورد التصريح بذلك في حديث شعبة.
(٤) حديثه عند هناد بن السري في الزهد ١/ ٢٤٩، ٢/ ٥١٥.
(٥) كما في جامعه ص ٤٥٦، ومن طريقه رواه الطبراني في المعجم الكبير ١٩/ ٤٨٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ١٨٦.
[ ٢ / ٦٨١ ]
ابن أبي إسحاق (^١)، وزيد بن أبي أنيسة (^٢)، وسفيان الثوري (^٣). ففي حديثهم أن الذي أتى النبي ﷺ هو رجل آخر، وليس كُدير الضبي، فالصحبة لذالك الرجل وليست لكُدير.
وقد يُعترض على هذه العلة بأن الشيخين رويا لزُهير بن معاوية من روايته عن أبي إسحاق (^٤)، فلما ذا لا تُعتمد روايته هذه؟ فالجواب أن روايته جاءت مخالفة لرواية من ذُكر عن أبي إسحاق، ومنهم من كان سماعهم منه قبل الاختلاط كشعبة، وسفيان، وإخراج الشيخين له من روايته عن أبي إسحاق مما توبع عليها كلها (^٥).
وممن يعتبر هذا القادح من القوادح في ثبوت الصحبة الإمام أبو حاتم الرازي. روى عنه ابنه أنه قال: سلامة بن قيصر الحضرمي الشامي ليس حديثه من وجه يصح ذكر صحبته. قال ابن أبي حاتم: قلت: وذلك أنه روى ابن لهيعة، عن زبان بن فائد، عن لهيعة بن عُقبة، عن عمرو بن ربيعة، عن سلامة بن قيصر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من صام يومًا ابتغاء وجه الله … " (^٦)، فلم يثبت هذا الحديث لأنه من رواية ابن لهيعة، وبالتالي لم تثبت صحبته، لأن الطريق الذي يفيد ذلك معلول.
القادح الثاني: وجود قرينة خارجية مرجحة لنفي الصحبة، وذلك حيث وقع الاختلاف في الدليل الموجب للصحبة بما يقتضي إثباتها أو نفيها. مثال ذلك
_________________
(١) حديثه عند البيهقي في شعب الإيمان ٣/ ٢١٩ ح ٣٣٧٤.
(٢) حديثه في تاريخ بغداد ١٣/ ٤٥٦.
(٣) ذكره مغلطاي في الإنابة إلى معرفة المختلف فيهم من الصحابة ٢/ ١٨٥، وابن حجر في الإصابة ٣/ ٢٨٩.
(٤) انظر: الكواكب النيرات ص ٣٥١.
(٥) تتبعتها كلها وتوصلت إلى هذه النتيجة.
(٦) المراسيل ٢٣٣.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
صحبة الحكم بن سفيان الثقفي، قال الإمام أحمد:
حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي الحَكَم أو الحَكَم بن سفيان الثقفي قال: "رأيتُ رسول الله ﷺ بالَ ثم توضأ ونضح فرجه".
حدثنا أسود بن عامر، قال: قال شرِيك: سألت أهل الحَكَم بن سفيان، فذكروا أنه لم يُدرِكِ النبي ﷺ (^١).
هذا الحديث هو الذي استدل به من أثبت صحبة الحكم بن سفيان، ولكنه اختلف فيه، وأشار عبد الله بن أحمد بن حنبل إلى هذا الاختلاف في المسند حيث قال: ورواه شعبةُ ووُهيب، عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان عن أبيه أنه رأى النبي ﷺ. وقال غيرهما: عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان قال: رأيت النبي ﷺ .. ا. هـ (^٢). فوقع اختلاف هل الصحبة له أو لأبيه؟ فمن أثبت صحبته رجح رواية الحكم بن سفيان عن النبي ﷺ (^٣).
_________________
(١) المسند ٢٤/ ١٠٤ - ١٠٦، ح ١٥٣٨٤، ١٥٣٨٥. وأورده عبد الله في العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٤٨ رقم ٥٠٩٦، ٥٠٩٧.
(٢) المسند ٢٩/ ١٥٧.
(٣) رواه عدد كثير عن منصور، وكلهم لم يذكروا: عن أبيه، وهم: ١. سفيان الثوري، وحديثه عند أبي داود السنن ١/ ١١٧ ح ١٦٦، والنسائي السنن ١/ ٩٣ ح ١٣٥، والبخاري التاريخ الكبير ٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠، وعبد الرزاق المصنف ١/ ١٥٢ ح ٥٨٧، وأحمد ٢٩/ ١٥٧ ح ١٧٦٢٠، ٢٩/ ٣٩٧ ح ١٧٨٥٤، ٣٨/ ٤٥٥ ح ٢٣٤٦٩، ٢٣٤٧٠، ٢٣٤٧٢، ٢٣٤٧٣، والحاكم المستدرك ١/ ١٧١، وأبو نعيم معجم الصحابة ٢/ ٧١٨ ح ١٩١٩، رواه عنه عدد، ولم يختلف عليه في عدم ذكر أبيه إلا ما رواه مؤمل بن إسماعيل عنه وذكر فيه: عن أبيه. ذكره المزي في تحفة الأشراف ٣/ ٧١. ومؤمل بن إسماعيل ثقة كثير الغلط كما قال غير واحد، حتى إن البخاري وصفه بأنه منكر الحديث. وقال محمد بن نصر المروزي: إذا انفرد بحديث وجب أن يتوقف ويتثبت فيه لأنه كان سيء الحفظ كثير الغلط تهذيب الكمال ٢٨/ ١٧٨، تهذيب التهذيب ١٠/ ٣٨١ وقد تفرد برواية هذا الوجه وخالف جميع من رواه عن الثوري بما فيهم أثبت الناس فيه: يحيى القطان، وابن مهدي، ووكيع، وأبو نعيم. =
[ ٢ / ٦٨٣ ]
ومن نفى صحبته رجح رواية الحكم بن سفيان، عن أبيه عن النبي ﷺ (^١).
_________________
(١) = ٢. جرير بن عبد الحميد الضبي - وهو والثوري، وشعبة أثبت أصحاب منصور كما قال الدارقطني شرح علل الترمذي ٢/ ٧٢١ - وحديثه عند أحمد المسند ٢٤/ ١٠٤ ح ١٥٣٨٤، والبخاري التاريخ الكبير ٢/ ٣٢٩، والبغوي معجم الصحابة ٢/ ١٠٥ ح ٤٨١، والطبراني المعجم الكبير ٣/ ٢١٦ ح ٣١٧٩. ٣. أبو عوانة وضاح اليشكري، وحديثه عند البخاري التاريخ الكبير ٢/ ٣٢٩، وابن قانع معجم الصحابة ١/ ٢٠٥، والطبراني المعجم الكبير ٣/ ٢١٦ ح ٣١٨٤. ٤. زكريا بن أبي زائدة، وحديثه عند ابن أبي شيبة المصنف ١/ ١٥٥ ح ١٧٨١ ومن طريقه ابن ماجه السنن ١/ ١٥٧ ح ٤٦١، والطبراني المعجم الكبير ٣/ ٢١٧ ح ٣١٨٠، ٣١٨١. ٥. عبِيدة بن حُميد، وحديثه عند البخاري التاريخ الكبير ٢/ ٣٢٩. ٦. قيس بن الربيع، وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير ٣/ ٢١٧ ح ٣١٨٣. ٧. سلاّم بن أبي مُطِيع، وحديثه عند البخاري في التاريخ الكبير الموضع نفسه، وابن قانع في معجم الصحابة ١/ ٢٠٦، والطبراني المعجم الكبير ٣/ ٢١٦ ح ٣١٧٥. ٨. عمّار بن رُزيق سنن النسائي ١/ ٩٣ ح ١٣٥. ٩. مفضل بن مهلهل، وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير ٣/ ٢١٧ ح ٣١٨١. ١٠. معمر بن راشد، وحديثه عند عبد الرزاق المصنف ١/ ١٥٢، وعبد بن حميد في مسنده ١٧٦ ح ٤٨٦. ١١. زائدة بن قُدامة، برواية عبد الرحمن بن مهدي وهي في مسند الإمام أحمد ٢٩/ ١٥٧ ح ١٧٦٢٠، وأبي الوليد الطيالسي وهي عند ابن قانع في معجم الصحابة ١/ ٢٠٦، ويحيى ابن أبي بُكير عند أبي نعيم في معرفة الصحابة ٢/ ٧١٧ ح ١٩١٨ كلهم عنه بدون ذكر أبيه.
(٢) رواه عن منصور: ١. شعبة برواية عدد كثير من أصحابه عنه، وحديثه عند النسائي السنن ١/ ٩٣ ح ١٣٤، والسنن الكبرى ١/ ٩٣ ح ١٣٥، والطيالسي في مسنده ١/ ١٧٩، والبخاري التاريخ الكبير ١/ ٣٣٠، والطبراني المعجم الكبير ٣/ ٢١٦ ح ٣١٧٦، ٣١٧٧، وابن قانع معجم الصحابة ١/ ٢٠٥، والبيهقي السنن الكبرى ١/ ١٦١. وخالفهم علي بن الجعد، فرواه عن شعبة بدون ذكر: عن أبيه. أخرج حديثه في مسنده مسند ابن الجعد ١/ ٤٦٤ ح ٨٤٥، وعنه البغوي في معجم الصحابة ٢/ ١٠٥ ح ٤٨٠. وعلي بن الجعد =
[ ٢ / ٦٨٤ ]
وأشار الإمام أحمد إلى قرينة خارجية ترجح نفي الصحبة، وذلك فيما ذكره عن شريك القاضي عن أهل الحكم أنه لم يدرك النبي ﷺ. ولم أقف عن أحمد على التصريح بنفي الصحبة عن الحكم، وإن كان الحافظ ابن حجر نسب إليه ذلك القول (^١)، وصنيعه بذكر تلك القرينة مؤيدة لما ذكره الحافظ. والإمام البخاري أيضًا
_________________
(١) قال عنه ابن معين: إنه أثبت البغداديين عن شعبة تهذيب الكمال ٢٠/ ٣٤٩، لكن ذكره ابن المديني ضمن من تُرك حديثُه عن شعبة وقال: رأيت ألفاظه عن شعبة تختلف الضعفاء للعقيلي ٣/ ٩٥٤. ٢. وُهيب بن خالد، وحديثه عند البخاري التاريخ الكبير ٢/ ٣٢٩، والطبراني المعجم الكبير ٣/ ٢١٦ ح ٣١٧٨. ٣. زائدة بن قُدامة، وذلك برواية معاوية بن عمرو عنه - وهو أحد الثقات وروى عن زائدة كتبَه ومصنفه الطبقات الكبرى ٧/ ٣٤١، تهذيب التهذيب ١٠/ ٢١٦ - وحديثه عند أبي داود في السنن ١/ ١١٨ ح ١٦٨. وروى علي بن المديني عن ابن عيينة الوجهين، ورُوجع في ذلك فقيل له: منصور أيضًا عن أبيه؟ قال: نعم كلاهما عن أبيه التاريخ الكبير ٢/ ٣٣٠. وذكر متابعة لمنصور في ذكر أبيه، وهو عبدالله بن أبي نجيح: رواه عن مجاهد، عن رجل من ثقيف، عن أبيه، عن النبي ﷺ الموضع نفسه. وهي ترجح رواية شعبة ووهيب القاضية بعدم صحبة الحكم بن سفيان. والذي يترجح في رواية هذا الحديث أنه عند منصور على الوجهين، وذلك لأمرين: ١. رواية ابن عيينة عن منصور على الوجهين وتأكيده أن الحديث رواه منصور على الوجهين، وكذلك رواية الوجهين عن زائدة بن قدامة. ٢. التردد في الترجيح بين الوجهين، وذلك أن في رواية كل وجه عددًا من الحفاظ المتقنين - وإن كانوا في رواية الوجه الأول أكثر عددًا. وقد قال ابن مهدي: أربعة بالكوفة لا يختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو يخطئ، ليس هم، منهم منصور بن المعتمر الجرح والتعديل ٨/ ١٧٧. فهذا مما يقوي أن هذا التلون في الرواية لم يكن اختلافًا على منصور، بل إنه حدّث بالوجهين. وقد حكم الحافظ الذهبي وابن حجر على هذا الحديث بالاضطراب ميزات الاعتدال ٢/ ٩٣، تهذيب التهذيب ٢/ ٤٢٦، وكذلك ابن عبد البر قبلهما، لكن ستأتي الإشارة إلى ما يوحي برجوعه عن ذلك وأنه رجح رواية الثوري بعدم ذكر أبيه. ولعل من أجل هذا الاضطراب رجع الإمام أحمد إلى قرينة خارجية لنفي الصحبة عن الحكم.
(٢) انظر: الإصابة ١/ ٣٤٥.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
استدل بالقرينة نفسها لنفي الصحبة عن الحكم بن سفيان (^١). وكذلك نقل الحافظ ابن حجر عن الخلال عن ابن عيينة أن الحكم ليست له صحبة (^٢). وقال أبو حاتم الرازي: الصحيح مجاهد عن الحكم بن سفيان، عن أبيه، ولأبيه صحبة (^٣).
وأثبت صحبته أبو زرعة الرازي وقال: الصحيح: مجاهد، عن الحكم ابن سفيان وله صحبة (^٤). وكذلك إبراهيم الحربي (^٥)، وابن حبان (^٦)، وابن عبد البر (^٧).
القادح الثالث: أن يكون الراوي معروفًا بالرواية عن الصحابة.
الأصل في رواية الصحابي أن تكون عن النبي ﷺ، ورواية التابعي عن الصحابة، فمن عرف بالرواية عن الصحابة قوي الظن بأنه من التابعين، فيعتبر ذلك قرينة لنفي الصحبة عمن عُرف ذلك منه. وقد استعمل الإمام أحمد هذه القرينة لنفي الصحبة عن بعض الأعلام، فمن ذلك ما رواه أبو داود:
قال أبو داود: قلت لأحمد: عمرو بن الحارث خَتْنُ النبي ﷺ له صحبة؟ قال: لا، هو ابن المصطلق، يروي عن ابن مسعود (^٨).
في هذه الرواية ينفي الإمام أحمد صحبة عمرو بن الحارث، وعلل ذلك بأنه معروفٌ بالرواية عن ابن مسعود. وعمرو بن الحارث هو ابن أبي ضرار أخو
_________________
(١) التاريخ الكبير ٢/ ٣٣٠، علل الترمذي الكبير ١/ ١٢٥ - ١٢٦.
(٢) تهذيب التهذيب ٢/ ٤٢٦.
(٣) علل الحديث لابن أبي حاتم ١/ ٤٦.
(٤) المصدر نفسه.
(٥) نسبه إليه الحافظ ابن حجر الإصابة ١/ ٣٤٥.
(٦) مشاهير علماء الأمصار ١/ ٥٨، الثقات ٣/ ٨٥.
(٧) الاستيعاب ١/ ٣٦١، بالرغم أنه حكم على الحديث بأنه مضطرب الإسناد. ولعله رجع عن ذلك لأنه بنى ثبوت صحبته على ترجيح رواية الثوري عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم عن النبي ﷺ.
(٨) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٥١ رقم ٢٠٥٠.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
أم المؤمنين جُويرية بنت الحارث. ذكره الإمام أحمد في مسنده (^١)، وأورد له حديثين ليس في واحد منهما ما يدل على لقائه بالنبي ﷺ. وله رواية عن ابن مسعود، وعن زينب امرأة ابن مسعود، وهذه القرينة التي اعتمدها الإمام أحمد لنفي صحبته. ويحتمل أن تكون الصحبة المنفية هي الصحبة المقترنة بالسماع، لكن لا يمكن الجزم بذلك، حيث لم أقف على ما يدل على أن له الإدراك.
وقد ذكر ابن سعد عمرو بن الحارث في الطبقة الأولى من أهل الكوفة بعد أصحاب رسول الله ﷺ ممن له رواية عن عبد الله بن مسعود (^٢). وأثبت الإمام البخاري صحبته (^٣)، ولما سئل أبو حاتم: هل له صحبة؟ قال: يدخل في المسند (^٤). وهذه العبارة يستعملها أبو حاتم أيضًا فيمن ثبتت له الرؤية دون السماع.
وممن ورد عنه اعتبار هذه القرينة من الأئمة للقدح في ثبوت الصحبة أبو حاتم الرازي. قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: حجاج بن حجاج ليست له صحبة، ومما يدل على ذلك أنه يروي عن أبي هريرة، وعن أبيه" (^٥).
وقال أيضًا: "سألت أبي عن خالد بن كثير، يروي عن النبي ﷺ، قال: ليست له صحبة. قلت: إن أحمد بن سنان أدخله في "مسنده"! فقال أبي: خالد بن كثير يروي عن الضحاك، وعن أبي إسحاق الهمداني" (^٦).
_________________
(١) المسند ٣٠/ ٤٠٠ ح ١٨٤٥٧، ١٨٤٥٨.
(٢) الطبقات الكبرى ٦/ ١٩٦.
(٣) التاريخ الكبير ٦/ ٣٠٨ وأخرج حديثه في صحيحه ٥/ ٣٥٦ ح ٢٧٣٩.
(٤) الجرح والتعديل ٦/ ٢٢٥.
(٥) المراسيل ١٥٩.
(٦) المصدر نفسه ١٨٩.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
المسألة الثالثة: التفريق بين الصحبة المقترنة بالسماع من النبي ﷺ والمجردة منه.
تقدم عن الإمام أحمد أن رؤية النبي ﷺ تقتضي عنده ثبوت صحبة الرائي، لكن ورد عنه نفيه للصحبة عن بعض من ثبتت لهم الرؤية، فأوجب ذلك طلب التوفيق بين الأمرين. ومن أمثلة من ورد عنه أنه أثبت صحبته ثم نفى سماعه من النبي ﷺ:
١. عبد الله بن يزيد الأنصاري الخطمي (^١).
روى أبو داود قال: سمعت أحمد بن محمد بن حنبل يقول: كان عبد الله بن يزيد - يعني الخَطْمي والي الكوفة - فقيل لأحمد: سمع من النبي ﷺ؟ قال: رؤية يقولون (^٢).
وقال الأثرم: "قيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: ليست لعبد الله بن يزيد صحبة صحيحة؟ فقال: أما الصحيحة فلا، ثم قال: شيء يرويه أبو بكر بن عياّش، عن أبي حَصِين، عن أبي بردة، عن عبد الله بن يزيد قال: سمعت النبي ﷺ. وضعفه أبو عبد الله وقال: ما أرى ذاك بشيء" (^٣).
دل سؤال أبي داود للإمام أحمد على أنه كان يثبت لعبد الله بن يزيد الإدراك للنبي ﷺ دون السماع منه. ومما ورد عنه من تنصيص على أن له الإدراك ما رواه ابنه عبد الله (^٤) عنه قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن يزيد الأنصاري وكان قد أدرك النبي ﷺ. وقال أيضا: حدثنا
_________________
(١) بفتح المعجمة وسكون المهملة تقريب التهذيب ص ٥٥٢.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٥١ رقم ٢٠٤٩.
(٣) المراسيل ٣٦٦.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٤٠ رقم ٥٨٧١.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
أبو كامل والحسن بن موسى، قالا: حدثنا زُهير، قال: حدثنا أبو إسحاق أن عبدالله بن يزيد الأنصاري قد رأى رسول الله ﷺ (^١). وهذان الإسنادان صحيحان.
وهذا يدل على أن مجرد الإدراك للنبي ﷺ عند الإمام أحمد لا يقتضي ثبوت السماع منه وخاصة إذا وجدت قرائن تدل على أن ذلك الإدراك لا يمكن أن يكون معه سماع صحيح كالإدراك حال الصغر.
ولعل القرينة في عبد الله بن يزيد الخطمي هي ما ذكره مصعب الزبيري أن عبدالله بن يزيد هو الذي قتل الأعمى أمَّه وهي التي كانت تسبُّ النبي ﷺ، وهو الطفل الذي سقط بين رجليها (^٢).
وخالفه الواقدي، فذكر أن الأعمى هو عُمير بن عدي، وأنه قتل عصماء بنت مروان، وكانت تحت يزيد بن حِصن، وهو والد عبد الله بن يزيد الخطمي وكانت تحض على المسلمين وتؤذيهم فجعل عُمير بن عدي نذرًا أنه لئن رد الله رسولَه ﷺ سالمًا من بدر ليقتلنّها، ثم ذكر قصة قتله ابنها (^٣)، وأنه كان لها من
_________________
(١) المصدر نفسه ٣/ ٤٤٠ رقم ٥٨٧٣.
(٢) سؤالات أبي عبيد الآجري ابا داود السجستاني في الجرح والتعديل ١/ ٣٣٣ - ٣٣٤ رقم ٥٧١. وهذه القصة رواها أبو داود السنن ح ٤٣٦١، والنسائي السنن ٧/ ١٠٧ ح ٤٠٨١ عن ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه فينهاها فلم تنتهي ويزجرها فلا تنزجر. قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه فأخذ المِعْوَل فوضعه في بطنها واتّكأ عليها فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم. فلما أصبح ذُكر ذلك لرسول لله ﷺ فجمع الناس فقال: "أنشد الله رجلًا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام". فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلتْ تشتمك وتقع فيك فأخذت المِعول فوضعتُه في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتُها فقال النبي ﷺ: "ألا اشهدوا أن دمها هدر". ولم أقف على مستند مصعب الزبيري في تعيينه للأعمى وولده.
(٣) انظر: مسند الشهاب ٢/ ٤٨، والطبقات الكبرى ٢/ ٢٧ - ٢٨.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
ولدها من ترضعه فنحى الصبي عنها ثم قتلها. وقد اعتمد هذا ابن بشكوال (^١)، فإن ثبت أن عبد الله بن يزيد هو الذي وقعت لأمه هذه القصة فلا شك من كونه صغيرًا حين مات النبي ﷺ ولا يصح سماعه منه.
وأما النص الثاني الذي فيه سؤال الأثرم عن الإسناد الذي ورد فيه تصريح عبد الله بن يزيد بالسماع من رسول الله ﷺ، فإنه يدل على أن الإمام أحمد لا يعتمد التصريح بالسماع فيمن ليس له إدراك بيّن يمكن معه السماع وإن ورد ذلك في إسناد إلا إذا كان الإسناد صحيحًا سالمًا من العلة. وهذا الإسناد الذي سأل عنه الأثرم رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل (^٢)، والبخاري (^٣)، والبغوي (^٤)، والحاكم (^٥) من طرق عن أبي بكر بن عيّاش، عن أبي حَصِين، عن أبي بُردة قال: كنتُ جالسًا عند عبيد الله بن زِياد فأُتي برؤوس الخوارج فقلت: إلى النار. فقال عبد الله بن يزيد الأنصاري: أولا تعلم يابن أخي أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن عذاب هذه الأمة جُعل في دُنياها؟ ".
وهذا الإسناد رجاله ثقات حفاظ أعلام، إلا أن أبا حصين عثمان بن عاصم الكوفي ربما دلس كما ذكر الحافظ ابن حجر (^٦)، ومن أجل هذا دخلت العلة في هذا الإسناد، فقد اختلف فيه على أبي بُردة اختلافًا كثيرًا، ذكره البخاري في التاريخ (^٧)، ومن أوجه هذا الاختلاف ما رواه محمد بن فُضيل بن غزوان، حدثنا صدقة بن المثنى، عن رياح بن الحارث، عن أبي بردة قال: بينا أنا واقف في
_________________
(١) غوامض الأسماء المبهمة ٢/ ٥٢٠ - ٥٢١.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٤٠ رقم ٥٨٧٣.
(٣) التاريخ الكبير ١/ ٣٨.
(٤) معجم الصحابة ٤/ ٨٥.
(٥) المستدرك ١/ ٤٩، ٤/ ٢٥٤.
(٦) تقريب التهذيب ٤٥١٦.
(٧) التاريخ الكبير ١/ ٣٨ - ٤٠.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
السوق في إمارة زياد إذ ضربت بإحدى يدي على الأخرى، فقال رجل من الأنصار وقد كانت لوالده صحبة مع رسول الله ﷺ وفيه: فإني سمعت والدي أخبرني أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "أمتي أمة مرحومة ليس عليها في الآخرة حساب ولا عذاب، إنما عذابها في القتل والزلازل والفتن" (^١).
وروي عن بُريد، عن أبي بُردة، عن رجل من الأنصار، عن أبيه، عن النبي ﷺ بهذا (^٢).
وعن محمد بن إسحاق بن طلحة التيمي، سمع أبا بُردة يحدث عمن سمع أباه سمع النبي ﷺ قال: "إن أمتي أمة مرحومة جُعل عذابُها بأيديها في الدنيا" (^٣).
وعن علي بن مدرك، عن أبي بردة قال: حدثني رجل من الأنصار عن بعض أهله يرفعه: هذه أمة مرحومة (^٤).
وقال غيرهم: عن أبي بُردة، عن أبيه - وهو أبو موسى الأشعري - سمعت النبي ﷺ (^٥).
وقال حرملة بن قيس، عن أبي بردة مرسلًا. ذكره ابن معين وقال: من لم يُسنده أكيس ممن أسنده (^٦).
فالخلاصة أن الطريق الذي فيه تصريح عبد الله بن يزيد بالسماع من النبي ﷺ لم تسلم من علة، فلم يثبت له الإمام أحمد السماع، وظهر أن معنى الصحبة الصحيحة عنده هي الصحبة المقترنة بالسماع والرواية الصحيحة عن النبي ﷺ،
_________________
(١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير تعليقًا ١/ ٣٩، والحاكم في المستدرك ٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
(٢) التاريخ الكبير ١/ ٣٩.
(٣) المصدر نفسه ١/ ٣٨.
(٤) المصدر نفسه ١/ ٣٩ - ٤٠.
(٥) تهذيب التهذيب ٦/ ٧٩.
(٦) التاريخ - برواية عباس الدوري ٣/ ٥٣٨ رقم ٢٦٣٣.
[ ٢ / ٦٩١ ]
وروايته عن النبي ﷺ من قبيل مرسل الصحابي. ولا يقتضي هذا حكمه على روايته عن النبي ﷺ بالإرسال، فقد ذكر لعبد الله بن يزيد حديثين في المسند (^١)، رواهما عن النبي ﷺ، مما يدل على أن حديثه من قبيل المسند عنده غير مرسل. فيستفاد من هذا أن مرسل الصحابي من قبيل المسند عند الإمام أحمد.
٢. محمود بن لبيد الأنصاري الأوسي الأشهلي:
قال أبو داود: سمعت أحمد قيل له: محمودُ بن لَبيد قال: كنا مع النبي ﷺ؟ فقال: "ما أُرى من هذا شيء، محمودٌ يحدث عن رافع" (^٢).
نسب أبو نعيم إلى الإمام أحمد القول بأنه أدرك النبي ﷺ (^٣)، وفي هذا السؤال ينكر الإمام أحمد قول محمود بن لبيد: كنا مع النبي ﷺ، وقال: محمود يحدث عن رافع - وهو ابن خَدِيج، أي هو معروف بالرواية عنه لا عن النبي ﷺ. وقد ذكره في مسنده وأورد له عدة أحاديث عن النبي ﷺ (^٤).
ولم أر في شيء من حديثه ما يدل على سماعه من النبي ﷺ إلا في ثلاثة أحاديث يمكن أن يعود إليها إنكار الإمام أحمد الوارد في هذا السؤال:
الأول منها:
ما رواه البخاري في التاريخ (^٥) قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا ابن غسيل
_________________
(١) المسند ٣١/ ٣٧ - ٣٩.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٥١ رقم ٢٠٤٨، وانظر: ص ٣٢٣ من الكتاب نفسه طبعة المنار عام ١٣٥٣ هـ. وهناك تكملة للعبارة، ومعناها غير واضح فتركت ذكرها.
(٣) معرفة الصحابة ١/ ٢٥٢٤. وكذلك قال البغوي عن ابن أبي خيثمة معجم الصحابة ٥/ ٤٢٧. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة ممن ولد على عهد النبي ﷺ الطبقات الكبرى ٥/ ٧٧. وقال الترمذي: أدرك النبي ﷺ ورآه وهو صغير، وجعل روايته عن النبي ﷺ مرسلة الجامع ٤/ ٣٣٤ ح ٢٠٣٦.
(٤) المسند ٣٩/ ٣١ - ٤٤.
(٥) التاريخ الكبير ٦/ ٤٠٢، والتاريخ الصغير ١/ ٩٩. والظاهر من صنيع الإمام البخاري حيث أورد هذا الحديث في ترجمته أنه يرى صحبته. قال ابن أبي حاتم: وكان البخاري قد كتب أن له صحبة فخط عليه أبي ﵀ المراسيل ٧٣٨. وذكر الشيخ المعلمي في تحقيقه لكتاب الجرح والتعديل ٨/ ٢٨٩ - ٢٩٠ أن البخاري لم يصرح بأن له صحبة. وقد نسب ابن عبد البر إلى البخاري القول بذلك وأيده، مما يزيد الوثوق بثبوت ذلك عنه الاستيعاب ٣/ ٤٢٤.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
ـ وهو عبد الرحمن - عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لَبِيد قال: "لما أُصيب أكحل سعد يوم الخندق فثقل حولوه عند امرأة يُقال لها رُفَيدة، حتى كانت الليلة التي نقله قومُه إلى بني عبد الأشهل دخل النبي ﷺ فقالوا: قد انطلقوا به، وخرجنا معه فأسرع المشي حتى تقطعت شسوع نعالنا وسقطت أرديتنا عن أعناقنا، قالوا: يا رسول الله ما حملنا ميتًا أخفَّ من سعد. فقال: "ما يمنعكم وقد هبط الملائكة كذا وكذا عدة كثيرة حملوه معكم" (^١).
وهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات إلا ابن الغسيل، هو عبد الرحمن بن سليمان ابن عبد الله بن حنظلة الأنصاري. وثقه ابن معين في رواية الدوري، وأبو زرعة، والدارقطني، والنسائي (^٢). وعن أحمد: صالح (^٣). وقال ابن معين في رواية الدارمي: صويلح، وقال النسائي في رواية أخرى: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: هو ممن يعتبر بحديثه ويكتب (^٤). وقال الذهبي: صدوق (^٥). وقال ابن حجر: صدوق فيه لين (^٦).
_________________
(١) وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٣/ ٤٢٧ عن أبي نعيم به.
(٢) التاريخ - رواية الدوري ٢/ ٣٤٩، الجرح والتعديل ٥/ ٢٣٩، تهذيب الكمال ١٧/ ١٥٦، تهذيب التهذيب ٦/ ١٩٠.
(٣) نقله ابن حبان في المجروحين ٢/ ٥٧.
(٤) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٥٩٤.
(٥) الكاشف ١/ ٦٣٠.
(٦) تقريب التهذيب ٣٩١٢.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
الحديث الثاني:
ما رواه ابن عبد البر (^١) عن ابن أبي شيبة أنه قال: حدثنا يونس بن محمد، نا عبد الرحمن بن الغسيل، عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لَبِيد الأنصاري قال: "كُسِفت الشمسُ لموت إبراهيم بن النبي ﷺ فبلغ ذلك النبي ﷺ من قولهم فخرج وخرجنا معه حتى أمّنا في المسجد فأطال القيام" وذكر الحديث.
وقد رواه ابن أبي شيبة وابن سعد كلاهما عن أبي نعيم، عن عبد الرحمن ابن الغسيل به، وليس فيه: وخرجنا معه (^٢) ورواه الإمام أحمد (^٣) عن يحيى بن آدم عن ابن الغسيل وليس فيه قوله: "فخرج وخرجنا معه" أيضا.
ومدار الحديثين الأول والثاني على ابن الغسيل، وقد تقدم أن الإمام أحمد لينه، والظاهر أنه تفرد به، فلم أقف على متابع له، ثم إنه اختلف عليه في الحديث الثاني في ذكر موضع الشاهد وهو قوله: "فخرج وخرجنا معه" حيث ذكره يونس بن محمد المؤدب، ولم يذكره أبو نعيم ولا يحيى بن آدم، وهؤلاء الثلاثة كلهم ثقات أثبات، فاختلافهم على الراوي الذي لينه الأئمة يدل على أنه يضطرب في رواية الحديث.
الحديث الثالث:
ما أخرجه الإمام أحمد (^٤) عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن محمود بن لَبِيد أخي بني عبد الأشهل قال: أتانا رسول الله ﷺ فصلى بنا المغرب في مسجدنا، فلما
_________________
(١) الاستيعاب ٣/ ٤٢٣ بحاشية الإصابة في تمييز الصحابة.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٧/ ١٩ ح ٣٣٩٧، الطبقات الكبرى ١/ ١٤٢.
(٣) المسند ٣٩/ ٣٨ ح ٢٣٦٢٩.
(٤) المسند ٣٩/ ٣٥ ح ٢٣٦٢٤.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
سلّم منها قال: "اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم، للسُّبحة بعد المغرب".
فهذا يدل في الظاهر على أنه شهد القصة وسمع من النبي ﷺ، لكن في إسناد ابن ماجه (^١)، والطبراني (^٢) من طريق إسماعيل بن عيّاش، عن ابن إسحاق، عن عاصم ابن عمر، عن محمود، عن رافع بن خدِيج فذكره. وفي هذا الإسناد إسماعيل بن عياش، يروي عن محمد بن إسحاق، وروايته عن الحجازيين فيها تخليط كما تقدم (^٣).
فهذه الرواية إن كان إسماعيل بن عياش حفظها تدل على أن محمود بن لبيد أرسل الحديث عن النبي ﷺ وقوله: "أتانا رسول الله ﷺ يحمل" على أن معناه أتى قومَه بني عبد الأشهل، وكذلك قوله: "فصلى بنا المغرب"، أي صلى بقومنا المغرب (^٤). على أن الإمام أحمد قد روى الحديث من طريق ابن أبي عدي، عن ابن إسحاق وفيه: "أتى رسول الله ﷺ بني عبد الأشهل فصلى بهم المغرب" (^٥)، ورواه بمثل هذا اللفظ ابن أبي شيبة من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن ابن إسحاق به (^٦).
وهذه هي الأحاديث التي يمكن أن يستدل بها على سماع محمود بن لبيد من النبي ﷺ، وقد ظهر أنها لا تنتهض للاستدلال بها، فثبت ما ذهب إليه الإمام أحمد من إنكاره لقول محمود: [كنا مع النبي ﷺ]. وقد أيّد ذلك الإمام
_________________
(١) سنن ابن ماجه ١/ ٣٦٨.
(٢) المعجم الكبير ٤/ ٢٥١ ح ٤٢٩٥.
(٣) ص ٣٦٠. وانظر: تهذيب الكمال ٣/ ١٧٤.
(٤) وبمثل هذا التأويل أجاب الحافظ ابن حجر عن الحديثين السابقين - الأول والثاني - فقال: يحتمل أنه أراد بقوله: نعالنا نعال من حضر ذلك من قومه بني عبد الأشهل الإصابة ٣/ ٣٨٧.
(٥) المسند ٣٩/ ٣٨ ح ٢٣٦٢٨.
(٦) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٥٣ ح ٦٣٧٣.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
أحمد بقرينة أخرى سبقت الإشارة إلى مثلها في قوادح ثبوت الصحبة، وهي قوله: محمود يحدث عن رافع، أي أن المعروف عن محمود بن لَبِيد أنه يروي عن رافع بن خدِيج، فمن كان معروفًا بالراوية عن الصحابة قوي الظن بكونه لم يسمع من النبي ﷺ (^١).
_________________
(١) وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن جل رواية محمود بن لَبِيد عن الصحابة التقريب ٦٥٦١. وبتتبع أحاديثه في المسند تبين أن جل الأحاديث التي يرويها عن النبي ﷺ قد رويت من أوجه أخرى عن بعض الصحابة مما يدل على أنه كان يرسلها. وبيان ذلك: الحديث الأول ح ٢٣٦١٩: فيه قصة أول لقاء أهل المدينة برسول الله ﷺ في مكة، وهذه قصة لا شك أنه أرسلها، وقد روى جزئها ابنُ سعد عن محمد بن مسلمة، وسلمة بن سلامة بن وقش، وأبي الهيثم بن التيهان الطبقات الكبرى ٣/ ٤٣٨. الحديث الثاني ح ٢٣٦٢٢: حديث "إن الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم من الطعام والشراب تخافون عليه". وقد رواه الترمذي من طريق محمود بن لبيد، عن قتادة بن النعمان الجامع ٤/ ٣٣٤ ح ٢٠٣٦، والبخاري في التاريخ الكبير ٧/ ١٨٥، وأشار الترمذي إلى أنه قد روي عن محمود بن لبيد عن رسول الله ﷺ مرسلًا. ورواه الحاكم المستدرك ٤/ ٢٠٨ من مسند أبي سعيد الخدري وقتادة بن النعمان. الحديث الثالث ح ٢٣٦٢٣: "إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع" لم أجده عن محمود بن لَبِيد إلا من هذا الوجه. وقد روي معناه عن أنس بن مالك الترمذي ح ٢٣٩٦، البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ١٤٥، فتح الباري ١٠/ ١٠٨. الحديث الرابع ح ٢٣٦٢٤: "أتانا رسول الله ﷺ فصلى بنا المغرب … " تقدم أن ابن ماجه والطبراني روياه عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج. الحديث الخامس ح ٢٣٦٢٥: "اثنان يكرههما ابن آدم: الموت والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب" لم أجده إلا من هذا الوجه. الحديث السادس ح ٢٣٦٢٩: "كسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ … " وقد تقدم ذكر ما فيه في المتن. الحديث السابع ح ٢٣٦٣٠: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر … " رواه الطبراني من طريق محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج المعجم الكبير ٤/ ٢٥٣ ح ٤٣٠١. الحديث الثامن ح ٢٣٦٣٥: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" رواه الدارمي في سننه ١/ ٢٧٧، وأحمد في مسنده ٢٥/ ١٣٢ ح ١٥٨١٩، والطحاوي في شرح معاني الآثار =
[ ٢ / ٦٩٦ ]
فقد أثبت الإمام أحمد الإدراك لمحمود بن لبيد دون السماع، وأورد أحاديثه في مسنده، وهي مرسلة في الحقيقة لكنها مسندة عنده بدليل إيراده لها في المسند، وهذا أيضًا يدل على أن مرسل الصحابي عند الإمام أحمد من قبيل المسند. ومما يدل على ذلك أيضًا أنه أقر احتجاج من احتج بحديث من أحاديث محمود بن لبيد الذي أرسله عن النبي ﷺ، والاحتجاج فرع التصحيح، فذكر عبد الله بن أحمد (^١) قال: قلت لأبي: إن رجلًا قال: من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد لم تُجزه إلا أن يصليهما في بيته، لأن النبي ﷺ قال: "هذه صلوات البيوت". قال: من قال هذا؟ قلت: محمد بن عبد الرحمن. قال: ما أحسن ما قال، أو ما أحسن ما انتزع. ا. هـ.
وقد تقدم أنه نفى عن عبد الرحمن بن غنم السماع من النبي ﷺ مع إثبات الإدراك له، وهو شاهد آخر على التفريق بين الصحبة المقترنة بالرواية والمجردة عنها.
فهذه بعض الأمثلة التي توضح أن الإمام أحمد يفرق بين الصحبة المقترنة بالرواية والمجردة منها، فقد ينفي الصحبة وإنما يعني بذلك نفي الصحبة المقترنة
_________________
(١) = ١/ ١٧٨ عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبِيد، عن رافع بن خدئج. ورواه أحمد من وجه آخر من طريق زيد بن أسلم، عن محمود بن لبيد، عن بعض أصحاب النبي ﷺ المسند ٢٨/ ٥١٨ ح ١٧٢٨٦ وذكره ضمن أحاديث رافع بن خديج. الحديث التاسع ح ٢٣٦٣٩: "اختلفت سيوف المسلمين على اليمان أبي حذيفة … ". وهذه أيضًا ظاهرة في الإرسال إذ يبعد أن يشهد أُحدًا ثم يقع فيه هذا الاختلاف في سماعه من النبي ﷺ. وقد روى الواقدي القصة عن رافع بن خديج الدراية في تخريج أحاديث الهداية ٢/ ٢٦٧. الحديث العاشر ح ٢٣٦٤٠: لما نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ فقرأها حتى بلغ: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ الحديث اختلف على محمد بن عمرو بن علقمة فيه على أوجه ذكرها محقق المسند. فظهر أن جل أحاديثه كان يرسلها بإسقاط من حدثه من الصحابة.
(٢) المسند ٣٩/ ٣٨.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
بالسماع كما فعل في عبد الله بن يزيد الخطمي. ولم أقف على أن لهذه التفرقة أثرًا في حديث من لم يَثبت له السماعُ، فحديثه وإن كان من قبيل مرسل الصحابي فإن الظاهر أن الإمام أحمد يرى أنه من قبيل المسند، ولم أقف على ما يدل على إعلاله لمثل هذا الحديث بالإرسال. وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن أحاديث صغار الصحابة الذين ولدوا على عهد النبي ﷺ ولم يبلغوا أن يسمعوا منه مراسيل، وأنها من قبيل مراسيل كبار التابعين، وليست من قبيل مراسيل الصحابة، وذكر أن هذا مما يلغز به فيقال: صحابي حديثه مرسل لا يقبله من يقبل مراسيل الصحابة (^١).
وممن كان يفرق بين أصل الصحبة والصحبة المقترنة بالرواية أبو حاتم الرازي، فقد قال في طارق بن شهاب: له رؤية وليست له صحبة، وحكم على الحديث الذي رواه عن النبي ﷺ بالإرسال، وأنه ما أدخله في المسند إلا لما يحكى عنه من رؤيته للنبي ﷺ (^٢). وكذلك قال في عبد الله بن عُكيم (^٣): ليس له سماع من النبي ﷺ إنما كُتب إليه وقال: من شاء أدخله في مسنده على المجاز. ا. هـ (^٤). وقال في يوسف بن عبد الله ابن سلام: له رؤية ولا صحبة له (^٥). فالصحبة المنفية عنده هي المقترنة بثبوت السماع من النبي ﷺ.
وقد يرد نفيُ الصُّحبة ولا يكون المقصود بالنفي الصُّحبة بمعنى ثبوت السماع والرواية، ولكن الصحبة الخاصة العرفية مثل ما روى الإمام أحمد عن عاصم الأحول أنه قال: "عبد الله بن سَرجِس قد رأى النبي ﷺ ولم تكن له
_________________
(١) انظر: فتح الباري ٧/ ٤. وانظر: فتح المغيث ٤/ ٧٩.
(٢) انطر: المراسيل ٣٥١.
(٣) عبد الله بن عُكيم الجهني. قال البخاري: أدرك زمن النبي ﷺ ولا يعرف له سماع صحيح التاريخ الكبير ٥/ ٣٩.
(٤) المراسيل ٣٧٠.
(٥) المصدر نفسه ٨٧٢.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
صحبة" (^١) مع كونه قد روى عنه عدة أحاديث من جملتها قوله: إن النبي ﷺ استغفر له، وأنه أكل معه وكلّمه (^٢). وقد تقدم مثل ذلك عن الإمام أحمد أنه نفى الصحبة عن مسلمة بن مخلّد (^٣)، وقد روى أحمد من وجه آخر أن مسلمة هذا قدِم على النبي ﷺ وكان عمره عند موت النبي ﷺ أربع عشرة سنة وذكر له أحاديث في المسند، فمن كان في مثل سنّه لا يستبعد سماعُه من النبي ﷺ، فالصحبة المنفية عنه ليست الصحبة المقترنة بالسماع بل هي صحبة خاصة عرفية، وهو تفسير الحافظ ابن حجر لكلام الإمام أحمد (^٤).
المسألة الرابعة: ما أعله بعدم ثبوت صحبة راويه عن النبي ﷺ.
مما أعله الإمام أحمد من الحديث بسبب عدم ثبوت صحبة راويه حديث إياس بن عبد الله بن أبي ذُباب (^٥) الذي رواه الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تضربوا إماء الله" فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: ذئِرْنَ النساء على أزواجهن، فرخّص في ضربهن فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساءٌ كثيرٌ يَشكون أزواجَهن فقال النبي ﷺ: "لقد طاف بآل محمد نساءٌ كثيرٌ يَشكون أزواجَهن، ليس أولئك بخياركم" (^٦).
_________________
(١) المسند ٣٤/ ٣٧٢.
(٢) انظر: المسند ٣٤/ ٣٧٥ ح ٢٠٧٧٨، ٣٤/ ٣٦٩ ح ٢٠٧٧٠، وانظر: فتح الباري ٧/ ٤.
(٣) انظر: ص ٦٧٥.
(٤) انظر: الإصابة ٣/ ٤٨١.
(٥) إِياس بن عبد الله بن أبي ذُباب الدَّوسي، سكن مكة. قال البخاري: لا يُعرف لإياس صحبة. وقال ابن حبان: يقال: له صحبة وليس عندي يصح صحبتُه، وعنه أيضًا أن له صحبة. وقال أبو حاتم وأبو زرعة: له صحبة التاريخ الكبير ١/ ٤٤٠، الجرح والتعديل ٢/ ٢٨٠، الثقات ٣/ ٣٤، مشاهير علماء الأمصار ص ٣٤، ٨٢، تهذيب الكمال ٣/ ٤٠٦.
(٦) رواه أبو داود السنن ٢/ ٦٠٨ ح ٢١٤٦، والنسائي السنن الكبرى ٥/ ٣٧١ ح ٩١٦٧، وابن ماجه السنن ١/ ٦٣٨ ح ١٩٨٥، وعبد الرزاق المصنف ٩/ ٤٤٢ ح ١٧٩٤٥، والحميدي مسند الحميدي ٢/ ٣٨٦ ح ٨٧٦، والدارمي السنن ٢/ ١٩٨، وابن حبان ٩/ ٤٩٩ ح ٤١٨٩، والحاكم المستدرك ٢/ ١٩١ وصححه، والبيهقي السنن الكبرى ٧/ ٣٠٤ كلهم من طرق عن الزهري به.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
قال العلائي (^١): ذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل أن الحديث مرسل، وأن إياس بن عبد الله ليست له صحبة.
وعبارة الأثرم كما رواها ابن أبي حاتم (^٢) قال: "قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل: إِياس بن عبد الله هو إِياس بن عبد الله بن أبي ذُباب؟ قال: لا، وليست له صحبة، روى عنه أهل المدينة، وكذلك روى عنه أهل مكة".
وقد استدل الحافظ ابن حجر بعدم إخراج الإمام أحمد لحديثه في المسند على عدم ثبوت صحبته (^٣)، وهذا يدل على أن الحديث مرسل عند الإمام أحمد فمن أجل ذلك لم يخرجه في المسند.
_________________
(١) جامع التحصيل ص ١٤٧.
(٢) المراسيل ٢٥.
(٣) تهذيب التهذيب ١/ ٣٨٩.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
المطلب الثالث: الإرسال الخفي والإعلال به عند الإمام أحمد.
تقدم أن من صور الإرسال عند الإمام أحمد رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه، وكذلك روايته عمن لقيه ولم يسمع منه، واستقر تسمية كلتا الصورتين بالإرسال الخفي، ووجه تسميتهما بذلك أن الانقطاع فيهما ليس بجلي، لأنه لا ينجلي بمعرفة التاريخ، وإنما يدركه الأئمة الحذاق المطَّلِعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد.
وقد تقدم إيراد بعض الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد بعدم سماع بعض رواتها ممن رووا عنهم في معرض الاحتجاج لمسألة اشتراط الإمام أحمد ثبوت السماع لثبوت الاتصال.
وفيما يلي أمثلة أخرى لما أعله الإمام أحمد بالإرسال الخفي بكلا صورتيه:
١. قال الخلال: أخبرني عصمة، ثنا حنبل: حدثني أبو عبد الله: نا قراد (^١): ثنا شعبة، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجَعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: "استقِيموا لقُريْشٍ ما استقاموا لكم فإن لم يَستقيموا لكم فاحمِلو سُيُوفَكم على عواتِقِكم فأبِيدوا خَضَراءَهُم، فإن لم تفعَلوا فكونوا زرَّاعين أشقياءَ وكُلُوا من كَدِّ أيديكُم". قال مهنّا: سألت أحمد عن هذا الحديث؟ فقال: ليس بصحيح، سالمُ بن أبي الجعد لم يلقَ ثَوْبانَ (^٢).
هذا الحديث أخرجه الخلال في السنة (^٣) بالإسناد نفسه، وأخرجه الطبراني
_________________
(١) وقع في نسخة المحقق: مردال، فكتب بياضًا مكانه، والتصويب من كتاب السنة للخلال، فقد أخرجه بالإسناد نفسه كما سيأتي. وقُرَاد لقب لعبد الرحمن غزوان أبو نوح الضبي، ثقة له أفراد تقريب التهذيب ٤٠٠٣.
(٢) المنتخب من العلل للخلال ص ١٦٢ - ١٦٣ رقم ٨٢. وانظر أيضًا: السنة للخلال ١/ ١٢٧.
(٣) السنة للخلال ١/ ١٢٥ ح ٨٠.
[ ٢ / ٧٠١ ]
في الصغير (^١)، وفي الأوسط (^٢)، وابن عدي (^٣)، والخطيب (^٤). وأخرجه أحمد (^٥) مختصرًا مقتصرًا على الجملة الأولى من الحديث، والروياني (^٦)، وابن عدي (^٧).
وإسناد هذا الحديث رجاله ثقات، وقال الإمام أحمد: ليس بصحيح، وعلته عدم لقاء سالم بن أبي الجعد لثوبان مع معاصرته له (^٨)، وقد تقدم توضيح ذلك (^٩). وهذا أحد صورتي الإرسال الخفي: رواية الراوي عمن لم يلقه مع معاصرته له، فدل على أن ذلك من وجوه الإعلال عند الإمام أحمد (^١٠).
وذكر الخلال في مسائله (^١١) عن حنبل قال: "سمعت أبا عبد الله قال: الأحاديث خلاف هذا، قال النبي ﷺ: "اسمَع وأطِع، ولو لعبد مجدَّع" (^١٢)،
_________________
(١) المعجم الصغير ١/ ١٣٢ ح ٢٠١ من طريق أبي داود، عن شعبة.
(٢) المعجم الأوسط ٨/ ١٥ ح ٧٨١٥ من طريق ابن سالم بن أبي الجعد عن أبيه.
(٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٣٣٧ من طريق شريك عن الأعمش.
(٤) تاريخ بغداد ١٢/ ١٤٦ - ١٤٧ من طريق عباد بن عباد المهلبي عن شعبة، ومن طريق سليمان بن قرم عن الأعمش تاريخ بغداد ٣/ ٣٦٦ - ٣٦٧.
(٥) المسند ٣٧/ ٧١ ح ٢٢٣٨٨ من طريق وكيع عن الأعمش.
(٦) مسند الروياني ١/ ٤٠٨ ح ٦٢٤ من طريق علي بن مسهر عن الأعمش.
(٧) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٥١٧ من طريق تليد بن سليمان عن الأعمش وأبي الجحاف كلاهما عن سالم.
(٨) سالم بن أبي الجعد توفي سنة ١٠١، وقيل ٩٧ تهذيب الكمال ١٠/ ١٣٣، وثوبان توفي سنة ٥٤ تهذيب الكمال ٤/ ٤١٥.
(٩) انظر: ص ٦٢١. وممن نص على عدم سماع سالم من ثوبان الإمام البخاري التاريخ الأوسط ١/ ٢٥٥ وبذلك أعل حديثًا آخر رواه الأعمش، عن سالم، عن ثوبان. وكذلك نص يعقوب الفسوي على عدم سماع سالم من ثوبان، وقال: إنما هو تدليس المعرفة والتاريخ ٣/ ٢٣٦.
(١٠) وقد ضعف الحديث الحافظ ابن حجر، قال: رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا، لأن راويه سالم بن أبي الجعد لم سمع من ثوبان فتح الباري ١٣/ ١١٦. وضعفه الشيخ الألباني أيضًا سلسلة الأحاديث الضعيفة ح ١٦٤٣.
(١١) نقل ذلك الشيخ الألباني سلسلة الأحاديث الضعيفة ١٦٤٣.
(١٢) أخرجه البخاري ح ٦٩٦ من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال لأبي ذر …
[ ٢ / ٧٠٢ ]
وقال: "السمع والطاعة في عُسرك ويُسرك وأَثَرةٍ عليك" (^١)، فالذي يروى عن النبي ﷺ من الأحاديث خلاف حديث ثوبان، وما أدري ما وجهه؟ ".
ومن هذا الاعتبار قال في حديث أم هانئ، ولفظه مثل لفظ حديث ثوبان، هو منكر (^٢)، أي لمخالفته الأحاديث الصحيحة.
ففي هذا الحديث، الإرسال هو سبب النكارة، بمعنى أنه يحتمل أن الواسطة بين سالم بن أبي الجعد وثوبان منكر الحديث، وهو الذي روى هذا الحديث الذي أنكر لفظه، وإلا فالإرسال في ذاته ليس بعلة موجبة للحكم على الحديث بالنكارة.
٢. قال الخلال: أخبرنا الميموني: ثنا ابن حنبل: ثنا أنس بن عِياض: أخبرني عمر بن عبد الله مولى غُفرَة، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن لكل أمّةٍ مَجوسًا، وإن مجوس أمتي الذين يقولون: لا قَدَر، فإن مرِضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تَشْهَدُوهم". قال أبو عبد الله: ما أُرى عمرَ بنَ عبد الله لقِي عبد الله بن عمر (^٣).
هذا الحديث أخرجه أحمد في المسند (^٤) من هذا الطريق ومن طريقه ابنُه عبد الله (^٥)، وابن الجوزي (^٦). ورواه ابن أبي عاصم (^٧)، وابن عدي (^٨) كلاهما من طريق أنس بن عياض به.
_________________
(١) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ٣/ ١٤٦٧ ح ١٨٣٦، والبخاري ح ٧٠٥٥، ومسلم ٣/ ١٤٧٠ ح ١٧٠٩، وأحمد ٣٧/ ٤٠٣ ح ٢٢٧٣٥ حديث عبادة بن الصامت.
(٢) المنتخب من العلل للخلال رقم ٨٣.
(٣) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٤١ رقم ١٥٥.
(٤) المسند ٩/ ٤١٥ ح ٥٥٨٤.
(٥) السنة ٢/ ٤١٨ ح ٩١٥.
(٦) العلل المتناهية ١/ ١٥٢ ح ٢٢٧.
(٧) السنة ١/ ١٥٠ ح ٣٣٩.
(٨) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٦٩٤.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
ووجه إعلال الإمام أحمد لهذا الحديث هو عدم لقاء عمر مولى غُفرَة لعبد الله ابن عمر. ويدل على ذلك أن الإمام أحمد قد روى هذا الحديث من وجه آخر عن عمر مولى غُفرة عن نافع عن ابن عمر (^١). فذكره بواسطة، وهذا كما تقدم من القرائن التي تدل على عدم السماع، لأن الظاهر أنه لو كان عنده عن ابن عمر لم يدخل الواسطة إذ لا فائدة في ذلك، وتكون الرواية الأولى مرسلة إذا لم يعرف الراوي بالتدليس، وإلا فمدلسة خصوصًا إذا كان الراوي مكثرًا عن الشيخ الذي روى عنه بالواسطة (^٢).
وعمر بن عبد الله مولى غفرة قال عنه الإمام أحمد: ليس به بأس، ولكن حديثه مراسيل (^٣). وضعفه يحيى بن معين وقال: لم يسمع من أحد من أصحاب النبي ﷺ (^٤). وقال عيسى بن يونس: قلت لعمر مولى غُفرة: سمعت من ابن عباس؟ فقال: أدركت زمانه. ا. هـ (^٥) وهذا يدل على أنه قد عاصر ابن عمر لكنه لم يلقه، فروايته عنه من قبيل المرسل الخفي (^٦).
٣. قال أبو داود: قلت لأحمد: محمد بن خالد، عن أنس في تخليل اللحية، أعني عن النبي ﷺ؟ قال: ما أُرى سمع من أنس شيئًا. قلت: هو الذي يحدث
_________________
(١) المسند ١٠/ ٢٥٢ ح ٦٠٧٧.
(٢) انظر: ما ذكره العلائي في جامع التحصيل ص ١٣١ - ١٣٢.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١٠٧ رقم ٤٤٢٤.
(٤) التاريخ - برواية الدوري ٢/ ٤٣١.
(٥) تهذيب الكمال ٢١/ ٤٢٢.
(٦) ومتن الحديث روي من طرق كثيرة، وقد حسنه الألباني في تحقيقه على كتاب السنة لابن أبي عاصم ١/ ١٥٠ ح ٣٣٨، ٣٣٩. وقال العقيلي: الرواية في هذا الباب فيها لين الضعفاء ٣/ ٩٨. وقال ابن الجوزي: هذا لا يصح العلل المتناهية ١/ ١٥١. وقد روي من وجه آخر عن أبي حازم، عن نافع، عن ابن عمر، فأنكره الإمام أحمد من حديث أبي حازم عن نافع مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠١ رقم ١٨٩٥.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
عنه أبو معاوية؟ قال: يشبه، يحدث عن عطاء (^١).
حديث أنس رواه البيهقي (^٢) من طريق أبي حمزة السكري، عن إبراهيم الصائغ، عن أبي خالد، عن أنس بن مالك قال: "وضّأت رسول الله ﷺ فخلل لحيته وعنفقته بالأصابع وقال هكذا أمرني ربي ﷿". أبو خالد هو محمد بن خالد الضبي الكوفي (^٣)، يقال له: سؤر الأسد. وثقه ابن معين وقال: لم يسمع من أنس (^٤). وقال عنه أبو حاتم: ليس بحديثه بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه الذهبي وابن حجر: صدوق (^٥).
وأعل الإمام أحمد هذا بعدم سماع محمد بن خالد من أنس، وهذا من الإرسال الخفي إن كان أدرك زمن أنس (^٦)، ونقل العلائي لعبارة الإمام أحمد تُوهم عدم إدراكه، فإنه نقل عن أحمد أنه قال: من أين أدرك محمد بن خالد أنسًا أو رآه (^٧)، وهي مخالفة لما رواه أبو داود عنه.
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٧ رقم ٢٠٣٥.
(٢) السنن الكبرى ١/ ٥٤. وحديث تخليل اللحية قد روي من أوجه أخرى عن أنس، وعن عثمان، وعمار، وابن عمر، وأبي أمامة وغيرهم. قال عبد الله عن أحمد: ليس يصح عن النبي ﷺ في التخليل شيء. وقال الخلال في كتاب العلل أخبرنا أبو داود قال قلت لأحمد: تخليل اللحية؟ قال: قد روي فيه أحاديث ليس يثبت منها حديث، وأحسن شيء فيها حديث شقيق عن عثمان. وعن أحمد أيضًا: ليس في التخليل أصح من أثر ابن عمر موقوفًا فذكره نقلها ابن القيم في تهذيب السنن ١/ ١٧٠.
(٣) انظر: المعجم الأوسط ٦/ ٣١٦.
(٤) جامع التحصيل ص ٢٦٣.
(٥) الجرح والتعديل ٧/ ٢٤١، الثقات ٧/ ٣٧٠، تهذيب الكمال ٢٥/ ١٥٣ - ١٥٤، الكاشف ٤٨٢٦، تقريب التهذيب ٥٨٨٨.
(٦) ويحتمل أن يدركه لأنه يروي عن إبراهيم النخعي، ووفاته بعد وفاة أنس بثلاث سنوات مات أنس سنة ٩٣، ومات إبراهيم سنة ٩٦ - تقريب التهذيب ٢٧١، ٥٧٠.
(٧) جامع التحصيل الموضع نفسه.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
٤. قال أبو داود: سمعت أحمد قال: عبدُ الله بن سعيد بن أبي هندٍ، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: "من جُعل قاضيًا فقد ذُبِح بغير سكّين". قال أحمد: ما أُرى سمعه من سعيد، هذا حديث عثمان الأخنَسي. حدثنا به محمد ابن عمر المقدّمي، عن صفوانَ، عن عبد الله بن سعيد، عن محمد بن عثمان، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وإنما هو عثمان بن محمد الأخنَسي، وهِم فيه صفوان. وكان عند أبي عبد الله عن صفوان، عن عبد الله بن سعيد، عن المقبري، عن أبي هريرة؛ وهو حدثنا به (^١).
رواية عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن سعيد بن أبي سعيد المقبُري أخرجها الإمام أحمد في المسند (^٢)، من طريق صفوان بن عيسى، وهي التي أشار إليها أبو داود في آخر السؤال، وكذلك أخرجها السُّهمي (^٣) عن خارجة بن مصعب، عن عبد الله ابن سعيد به.
وأعل الإمام أحمد هذه الرواية بأن عبد الله بن سعيد بن أبي هند لم يسمع الحديث من سعيد، وعلّل ذلك بأمرين:
الأمر الأول: وجود الواسطة بينه وبين سعيد المقبري، وذلك فيما رواه محمد بن عمر المقدّمي (^٤)، ومحمد بن أبي بكر المقدمي (^٥)، وأحمد بن إبراهيم الدورقي (^٦)، كلهم عن صفوان بن عيسى، عن عثمان بن محمد الأخنسي (^٧)، عن
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٩ - ٤٥٠ رقم ٢٠٤٥.
(٢) المسند ١٢/ ٥٢ ح ٧١٤٥.
(٣) تاريخ جرجان ص ١٠١ ح ٨١.
(٤) هي الرواية التي ذكرها الإمام أحمد في سؤال أبي داود.
(٥) حديثه عند وكيع - محمد بن خلف - في أخبار القضاة ١/ ٩.
(٦) وحديثه عند أبي يعلى في المسند ١١/ ٤٩١ ح ٦٦١٣.
(٧) وقد نبه أحمد على أن صفوان كان يهم فيه ويقول: محمد بن عثمان الأخنسي، ورواه محمد بن أبي بكر المقدمي على الصواب عند وكيع في أخبار القضاة الموضع السابق. وقد نبه الدارقطني أيضًا على هذا الوهم من صفوان علل الدارقطني ١٠/ ٤٠٠.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
سعيد المقبري، عن أبي هريرة. فروايته للحديث بواسطة الأخنسي قرينة على عدم سماعه من المقبري. وسماع عبد الله بن سعيد من المقبري ممكن، فإن كلًا منهما مديني، وقد روى عبد الله عن أقران المقبري مثل نافع مولى ابن عمر، وأبيه سعيد بن أبي هند (^١)، وكانت وفاته سنة ست أو سبع وأربعين ومئة (^٢)، ووفاة سعيد المقبري سنة ثلاث وعشرين ومائة (^٣)، فلقاؤه به ممكن جدًا وكذلك السماع، ولم أر من ذكر عبد الله بن سعيد بالتدليس، ولو ذُكر به لكان هذا من التدليس إن ثبت أنه سمع منه في الجملة، أو كان معروفًا بكثرة الرواية عنه، والظاهر أن كلا الأمرين منتفيان هنا في رواية عبد الله بن سعيد عن المقبري، حتى إن المزي لم يذكر عبد الله بن سعيد فيمن روى عن المقبري، وإن كان ذكر المقبري في شيوخ عبد الله بن سعيد في ترجمته (^٤).
الأمر الثاني: أن هذا الحديث معروف بعثمان بن محمد الأخنسي، رواه عنه ابن أبي ذئب (^٥)، وعبد العزيز الدراوردي (^٦)، وكذلك عبد الله بن جعفر
_________________
(١) حديثه عنهما عند البخاري في الصحيح تهذيب الكمال ١٥/ ٣٨، وهما في طبقة واحدة مع سعيد المقبري عند الحافظ ابن حجر تقريب التهذيب ٢٣٣٤، ٢٤٢٢، ٧١٣٦.
(٢) الطبقات الكبرى القسم المتمم ص ٣٦٢.
(٣) المصدر نفسه ص ١٤٧.
(٤) انظر: تهذيب الكمال ١٠/ ٤٦٨ - ٤٦٩، ١٠/ ٣٨.
(٥) أخرج حديثه النسائي السنن الكبرى ٣/ ٤٦٦ ح ٥٩٢٤، والحاكم المستدرك ٤/ ٩١، وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي السنن الكبرى ١٠/ ٩٦. وقال النسائي: عثمان بن محمد ليس بذاك القوي، وإنما ذكرناه لئلا يخرج عثمان من الوسط، وليس ابن أبي ذئب، عن سعيد. ا. هـ. أي لئلا يدلَّس فيسقط عثمان تهذيب السنن لابن القيم ٩/ ٣٥٢. وذلك أن ابن أبي ذئب معروف بالرواية عن سعيد المقبري بل هو من الأثبات فيه شرح علل الترمذي ٢/ ٦٧٠، فلو رواه بإسقاط عثمان لعد ذلك تدليسًا.
(٦) وحديثه عند الدارقطني في السنن ٣/ ٢٠٣، ووكيع في أخبار القضاة ١/ ٨ - ٩.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
المخرمي (^١) لكن قرن هذا الأخير الأعرج بسعيد المقبري في الإسناد.
٥. قال أبو داود: قلت لأحمد: رجلٌ يقال له: صَبيح روى عن عبد العزيز ابن عبد الصَّمد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة وفاة النبي ﵇؟ فأنكره أحمد أن يكون عبد العزيز سمع من هشام شيئًا (^٢).
حديث هشام، عن أبيه، عن عائشة في وفاة النبي ﷺ رواه مسلم وحده (^٣) من بين أصحاب الكتب الستة (^٤) من طريق عباد بن عباد المهلّبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: [كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحدٌ من أهله نفث عليه بالمُعوِّذات، فلما مرض مرضَه الذي مات فيه جعلتُ أنفُثُ عليه وأمسحُهُ بيد نفسه لأنها كانت أعظمَ بركةً من يدي]. ولم أقف على رواية عبد العزيز بن عبد الصمد (^٥) عن هشام التي أنكرها الإمام أحمد. والذي روى هذه الرواية عن عبد العزيز هو صَبيح بن عبد الله الفرغاني، ذكره الخطيب في التلخيص (^٦)، وذكر أنه روى عن عبد العزيز بن عبد الصمد العمِّيّ. وقال عنه أبو حاتم: صدوق (^٧)، وذكره ابن حبان في الثقات (^٨)، وقال الخطيب: صاحب المناكير.
_________________
(١) وحديثه عند أبي داود في السنن ح ٣٥٧٢، والنسائي في الكبرى ح ٥٩٢٥، وابن ماجه في السنن ح ٢٣٠٨، وأحمد في المسند ١٤/ ٣٨٤ ح ٨٧٧٧. وليس في إسناد ابن ماجه ذكر الأعرج. وعبد الله بن جعفر المخرمي وثقه أحمد، وابن المديني، والبخاري وغيرهم. وقال عنه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ليس به بأس تهذيب التهذيب ٥/ ١٧٢ - ١٧٣.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤١١ رقم ١٩٣٢. وانظر: المنتخب من العلل للخلال ص ١٨٠ رقم ٩٨ ووقع فيه: في صفة النبي ﷺ مكان وفاة النبي ﵇.
(٣) صحيح مسلم ٤/ ١٧٢٣ ح ٢١٩٢.
(٤) انظر: تحفة الأشراف ١٢/ ١٦٠.
(٥) عبد العزيز بن عبد الصمد العمّي البصري من شيوخ الإمام أحمد، ووثقه في رواية الأثرم، وكذا وثقه أبو زرعة وأبو داود والنسائي تهذيب الكمال ١٨/ ١٦٧.
(٦) انظر: لسان الميزان ٣/ ١٨١.
(٧) الجرح والتعديل ٤/ ٤٥١.
(٨) الثقات ٦/ ٤٧٥.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
وإنكار الإمام أحمد للحديث مبني على عدم سماع عبد العزيز بن عبد الصمد من هشام شيئًا، وقد أدرك من هو في طبقته مثل داود بن أبي هند، ومنصور بن المعتمر، وحُصين بن عبد الرحمن السُّلمي، وكلهم وإن كانوا من أهل العراق إلا أن هشامًا في آخر عمره انتقل إلى العراق ومات ببغداد، فإدراكه له ممكن، لكنّ ذلك لم يثبت عند الإمام أحمد إلا من طريق صَبيح فلم يقبله، وأعلّ الحديث بالإرسال، وهو من النوع الخفي لأنه رواية الراوي عمن عاصره لكنه لم يسمع منه.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
المطلب الرابع: المزيد في متصل الأسانيد والإعلال به عند الإمام أحمد.
تقدم أن الراوي إذا روى عن شيخه، ثم جاءت رواية أخرى عنه بواسطة بينهما فإن ذلك من الأدلة للحكم على الرواية الأولى بالإرسال، لأنه لو كان سمعه منه لما رواه عنه بواسطة بينهما. لكن لا بد أن يكون موضع الإرسال قد جاء فيه الراوي بلفظ "عن" ونحوها مما ليس نصًا صريحًا في إفادة الاتصال، فأما متى كان بلفظ التحديث، أو الإخبار، أو السماع أو غير ذلك مما يقتضي الاتصال، ثم جاء الحديث في رواية أخرى عنه بزيادة واسطة بينهما فهذا هو المزيد في متصل الأسانيد، ويكون الحكم للأول، ويحكم على الزيادة بالوهم، لكن بشرط أن يكون راوي السند الناقص أتقن ممن زاد (^١).
فالحكم على الإسناد بأنه من المزيد في متصل الأسانيد إذًا ينبنى على:
وقوع التصريح بالسماع بين الراوي وشيخه في الإسناد الناقص.
كون رواة الإسناد الناقص أكثر عددًا أو أحفظ من رواة الزيادة.
وجود قرينة تقوي الرواية الناقصة.
وفيما يلي أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:
١. ما حكم فيه بأنه من المزيد بدليل وقوع التصريح بالسماع في الإسناد الناقص وراويها أحفظ من الذي زاد الواسطة.
قال أبو داود: سمعت أحمد سُئل عن حديث ابن عجلان، عن محمد بن كَعب، عن معاوية، عن النبي ﷺ: "من يُرد اللهُ به خيرًا يُفقّهه في الدِّين"؟ فقال: كان يحيى - يعني ابن سعيد يقول فيه: ابن عجلان، قال ابن عجلان: حدثني محمد بن كعب؛
_________________
(١) جامع التحصيل ص ١٢٥ - ١٢٦، فتح المغيث ٤/ ٧٣.
[ ٢ / ٧١٠ ]
قال أحمد: وبعضهم يُدخِل بين ابن عجلان ومحمد بن كعب ييدَ بنَ زيادٍ (^١).
هذا الحديث أخرجه أحمد (^٢)، والطبراني (^٣)، وابن عبد البر (^٤) كلهم من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن ابن عجلان قال: حدثني محمد بن كعب يعني القَرَظي، قال سمعت معاوية يخطب على هذا المنبر فذكره.
وأما الطريق الذي ذكره الإمام أحمد المشتمل على زيادة يزيد بن زِياد بين ابن عجلان ومحمد بن كعب، فلم أقف عليه، وتصريح ابن عجلان بالسماع من محمد بن كعب في رواية يحيى القطان يقضي على تلك الرواية بالوهم وأن الإسناد الذي وردت فيه من المزيد في متصل الأسانيد.
٢. ما حكم فيه بأنه من المزيد لوجود قرينة ترجح الرواية الناقصة.
قال أبو داود: قلت لأحمد: حديثُ بُسر بن عبيد الله: سمعت واثِلة - أعني حديثه عن أبي مَرثَد الغنوي أن النبي ﷺ قال: "لا تَصُفُّوا على القبور ولا تُصلوا إليها"؟ قال: ليس واثلة بذاك القديم، ينبغي أن يكون هذا من ابن جابر، يعني رواية ابن المبارك، عن ابن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس، عن واثِلَة - يعني إدخال أبي إدريس بين واثِلَة وبُسر (^٥).
هذا الحديث روي بإسنادين، أحدهما: بُسر بن عبيد الله، عن واثلة، عن أبي مرثد؛ والثاني: بُسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس، عن واثلة - أي بزيادة أبي إدريس بين واثلة وبُسر، وحكم الإمام أحمد على الرواية الزائدة بأنها من
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٧ رقم ٢٠٣٨.
(٢) المسند ٢٨/ ١٠٤ ح ١٦٨٩٤.
(٣) المعجم الكبير ١٩/ ٣٣٩ ح ٧٨٤.
(٤) التمهيد ٢٣/ ٧٩، وجامع بيان العلم وفضله ١/ ٩٥ ح ٨٣.
(٥) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٣٨ رقم ٢٠١٢.
[ ٢ / ٧١١ ]
المزيد في متصل الأسانيد، وأن الصواب عدم ذكر الزيادة، وعلل ذلك بقرينة: وهي كون واثلة بن الأسقع (^١) ليس بذاك القديم (^٢)، فمعنى ذلك أنه لا يُستبعد سماعُ بُسر بن عبيد الله (^٣) منه، فلا معنى إذا لذكر الواسطة. وأما جهة الوهم فذكر أنه من شيخ ابن المبارك، وهو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر.
وقد خُولف الإمام أحمد في تعليله للوهم وفي تعيين الواهم بعد الاتفاق على الحكم بأن الزيادة وهم.
أما التعليل فقد عُلّل الوهم في ذكر الزيادة بأن بُسر بن عبيد الله قد سمع من واثلة بن الأسقع في الجملة، بل قد صرّح بسماع هذا الحديث بعنيه منه، وذلك في رواية الوليد بن مسلم (^٤)، وبِشر بن بكر (^٥)، وصَدَقَة بن خالد (^٦)، وعيسى بن يونس (^٧). فالتعليل بهذا التصريح أولى من التعليل بقرينة إمكان اللقاء
_________________
(١) واثلة بن الأسقع الليثي، كان من أهل الصُّفّة وأسلم قبل تبوك وشهدها مع النبي ﷺ، ونزل الشام بعد وفاة رسول الله ﷺ تهذيب الكمال ٣٠/ ٣٩٤ - ٣٩٥.
(٢) مات سنة ٨٣ وقيل بعدها، وكان آخر الصحابة موتًا بدمشق تهذيب الكمال ٣٠/ ٣٩٥.
(٣) بسر بن عبيد الله الحضرمي الشامي، قال أبو مسهر: هو أحفظ أصحاب أبي إدريس عنه تهذيب الكمال ٤/ ٧٦.
(٤) قال ذلك عنه: الإمام أحمد نفسه المسند ٢٨/ ٤٥٠ ح ١٧٢١٥، ومحمد بن علي عند ابن المنذر الأوسط ١/ ١٨٦ ح ٧٦٥، والحسين بن حريث عند ابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ٢/ ٧ ح ٧٩٢، وأبو خيثمة عند أبي نعيم في المستخرج على صحيح مسلم ٣/ ٥١ ح ٢١٨٠، وداود بن مخراق الفريابي عند البيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٧٩. رواه مسلم صحيح مسلم ٢/ ٦٦٨ ح ٩٧٢، والترمذي الجامع ٣/ ٣٦٨ ح ١٠٥١، والنسائي السنن الكبرى ١/ ٢٧٣ ح ٨٣٦ كلهم من طريق علي ابن حجر بالعنعنة بين بسر وواثلة.
(٥) وحديثه عند الحاكم في المستدرك ٣/ ٢٢١.
(٦) قال ذلك أبو مسهر عند الحاكم الموضع نفسه، وهشام بن عمار عند الطبراني في مسند الشاميين ١/ ٣٢٩ ح ٥٨٠ كلاهما عن صدقة.
(٧) وحديثه عند أبي داود ٣/ ٥٥٤ ح ٣٢٢٩.
[ ٢ / ٧١٢ ]
التي استدل بها الإمام أحمد، والعجيب أن الإمام أحمد قد روى رواية التصريح بالسماع في المسند، فكأنه لم يستحضرها حين الإجابة عن سؤال أبي داود.
أما الواهم في ذكر الزيادة فقد ذكر غير واحد أنه عبد الله بن المبارك وليس شيخه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر كما ذهب إليه الإمام أحمد. قال ذلك البخاري (^١)، وأبو حاتم (^٢)، وابن خزيمة (^٣)، والدارقطني (^٤)، والحاكم (^٥). وذلك أنه تفرد بذكر أبي إدريس الخولاني بين بسر بن عبيد الله وواثلة بن الأسقع، وخالف جمعًا من أهل الشام الذين هم أعرف الناس بحديث أهل بلدهم.
ومما يدل على أن الغلط كان من ابن المبارك أنه قد رواه غير واحد (^٦) عنه بذكر سماع بسر بن عبيد الله من أبي إدريس، وهو من واثلة، ولو كان ذلك محفوظًا لقيل بصحة ذكر الزيادة وعدمها، فيكون بُسر سمع الحديث من واثلة بواسطة أبي إدريس ثم سمعه منه مباشرة، ولم أر أحدًا من الحفاظ يقول بذلك، مما يدل على ضعف هذا الجمع، وبالتالي يقوي أن الوهم من ابن المبارك لا كما ذكره الإمام أحمد أنه من ابن جابر.
_________________
(١) جامع الترمذي ٣/ ٣٦٩.
(٢) علل ابن أبي حاتم ١/ ٨٠.
(٣) صحيح ابن خزيمة ٢/ ٨.
(٤) علل الدارقطني ٧/ ٤٤.
(٥) المستدرك ٣/ ٢٢١.
(٦) قال ذلك عبد الرحمن بن مهدي عند ابن خزيمة في صحيحه ٢/ ٨ ح ٧٩٤، والحاكم في المستدرك ٣/ ٢٢١، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٣٥، وعبدان عند الحاكم في المستدرك ٣/ ٢٢٠ - ٢٢١، وحبان بن موسى عند ابن حبان في صحيحه ٦/ ٩٠ ح ٢٣٢٠ الإسحان، وابن عائشة عند أبي نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم ٣/ ٥١ ح ٢١٧٩، وعتاب بن زياد، وعلي بن إسحاق كلاهما عند أحمد المسند ٢٨/ ٤٥١ ح ١٧٢١٦. ولم يذكر السماع حسن بن الربيع عند مسلم ٢/ ٦٦٨ ح ٩٧٣، وهناد بن السري عند الترمذي في الجامع ٣/ ٣٦٧ ح ١٠٥٠، وزكرياء بن عدي عند عبد بن حميد ١٧٢ ح ٤٧٣.
[ ٢ / ٧١٣ ]
وقد ذكر أبو حاتم كيف دخل الوهم على ابن المبارك، قال: "بُسر قد سمع من واثلة وكثيرًا ما يُحدّث بُسر عن أبي إدريس، فغلط ابن المبارك فظن أن هذا مما روى عن أبي إدريس، عن واثلة وقد سمع هذا الحديث بسر من واثلة نفسه لأن أهل الشام أعرف بحديثهم" (^١).
وقد ترِدُ الزِّياد ويظهر كونُ الحديث بالوجهين، أي سمعه من شيخه الأدني، وشيخ شيخه أيضًا، وكيفما رواه كان متصلًا، وقد ذكر العلائي عدة أمثلة لذلك (^٢).
وذكر عبد الله عن الإمام أحمد حديث بسرة بنت صفوان مرفوعًا: "من مسّ ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة"، ذكره من وجهين كأنه يشير إلى صحة الوجهين، فيمكن أن يكون مثالًا لهذا الأمر عند الإمام أحمد. قال عبد الله: قرأت على أبي: عبد الله بن الوليد قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، عن مروان، عن بُسرة بنت صفوان قالت: قال رسول الله ﷺ: "من مسّ ذكرَه فليتوضأ وضوءه للصلاة". وقال قرأت على أبي وسمعته منه قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام، قال: أخبرني أبي أن بُسرة بنت صفوان أخبرته أن رسول الله ﷺ قال: "من مسّ ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ". وقال: قرأت على أبي وسمعته منه قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: قال شعبة: لم يسمع هشام حديث أبيه في مسّ الذّكر، قال يحيى: فسألت هشامًا فقال: أخبرني أبي (^٣). ا. هـ.
وإنما لم يُحكم بخطأ من ذكر الزيادة - وهو مروان بن الحكم - مع تصريح عروة بالسماع من بسرة، لأن في رواية هشام، عن أبيه، عن مروان، عن بُسرة،
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم ١/ ٨٠.
(٢) انظر: جامع التحصيل ص ١٣٤ - ١٣٦.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥٧٩ رقم ٣٧٤٣ - ٣٧٤٥.
[ ٢ / ٧١٤ ]
قال عروة في آخره: سألت بُسرة فصدّقتْه (^١). فدل على صحة الوجهين.
وقد يقتضي الموقف التوقف لكون كل واحد من الأمرين محتملًا (^٢).
وقد يكون المحفوظ ذكر الزيادة والخطأ في عدم ذكرها، حتى إنه ليوهم أن في الإسناد إرسالًا. ومثال ذلك عند الإمام أحمد:
قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: ابن أبي زائدة ينقص من هذا الحديث - يعني حديث ابن أبي عرُوبَة، عن قتادة، عن سعد بن هشام، عن عائشة قالت: "كان النبي ﷺ لا يُسلم في الركعتين من الوِتْر من الثلاث". قال أبي: فترك منه زُرارة" (^٣).
حديث عائشة رواه عدد من الرواة عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن سعد بن هِشام، أن عائشة حدثته: "أن رسول الله ﷺ كان لا يُسلِّم في ركعتبي الوتر".
رواه بشر بن المفضل (^٤)، ويزيد بن زُريع (^٥)، وعبد الوهاب بن عطاء (^٦)، وأبو بدر شجاع بن الوليد بن قيس (^٧)، وعيسى بن يونس (^٨) والمطعِم بن المِقدَام (^٩) كلهم
_________________
(١) المنتقى لابن الجارود ١/ ١٨ ح ١٨، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٣/ ٣٩٦ - ٣٩٨ ح ١١١٣، ١١١٤.
(٢) انظر: أمثلة ذلك عند العلائي ص ١٣٦ - ١٣٧.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٠٢ رقم ٤٨٦٩.
(٤) حديثه عند النسائي المجتبى ٣/ ٢٣٥ ح ١٦٩٧، والسنن الكبرى ١/ ٤٠٠ ح ١٤٠٠.
(٥) وحديثه عند المروزي انظر: مختصر قيام الليل ص ٢٩١، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٨٠، والخطيب في تاريخ بغداد ١٤/ ٢٨٤.
(٦) وحديثه عند البيهقي في السنن الكبرى ٣/ ٣١.
(٧) وحديثه عند الطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٢٨٠، والدراقطني السنن ٢/ ٣٢.
(٨) وحديثه عند الحاكم في المستدرك ١/ ٣٠٤.
(٩) هو الشامي، قال عنه ابن حجر: صدوق تقريب التهذيب ٦٧٥٣. وحديثه عند الطبراني في مسند الشاميين ٢/ ٥٩ ح ٩١٧.
[ ٢ / ٧١٥ ]
عن سعيد بن أبي عروبة بذكر زُرارة بين قتادة وسعد بن هشام. وذكر الإمام أحمد أن ذكر زرارة هو المحفوظ، وأن زكريا بن أبي زائدة (^١) نقص من الإسناد فأخطأ حين رواه بدون ذكره، وظاهر الإسنادين يوهم أن الإسناد الذي فيه الزيادة من المزيد في متصل الأسانيد، لكن بيان الإمام أحمد أوضح أنه ليس منه، بل الإسناد الناقص معلول، حيث أوهم وقوع الإرسال في إسناد متصل.
والحديث في الأصل مختصر من حديث سعد بن هشام الطويل في قدومه على عائشة وسؤاله إياها عن صلاة رسول الله ﷺ في الليل (^٢)، اختصره سعيد ابن أبي عروبة، قال ذلك المروزي (^٣)، وابن حجر (^٤). وقد ذكر ابن عبد الهادي أن الإمام أحمد ضعف إسناد هذا الحديث المختصر (^٥). واختصره أبان، عن قتادة بلفظ آخر، ونقل ابن رجب عن أحمد أنه قال: هذه الرواية خطأ (^٦).
_________________
(١) لم أقف على هذه الرواية مسندة.
(٢) أخرجه مسلم في الصحيح ٢/ ٥١٢ ح ١٣٩ وغيره.
(٣) مختصر قيام الليل ص ٢٩٢.
(٤) إتحاف المهرة ١٦/ ٢ ص ١٠٨٦.
(٥) تنقيح التحقيق ٢/ ٥١٤.
(٦) فتح الباري لابن رجب ٥/ ١٩٦.
[ ٢ / ٧١٦ ]
المبحث الثاني: التدليس والإعلال به عند الإمام أحمد.
المطلب الأول: التعريف بالتدليس والمدلِّسين عند الإمام أحمد.
التدليس لغة مأخوذ من الدَّلَس، بالتحريك، وهو الظلمة، ومنه أخذ: دلّس في البيع وفي كل شيء، إذا لم يبين عيبه. وقال الأزهري: من هذا أخذ التدليس في الإسناد (^١).
وأما في الاصطلاح فلم يرد عن الإمام أحمد حد التدليس، لكن بتتبع إطلاقه لهذا اللفظ يظهر أنه يطلق التدليس على رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، ووجه كونه سببًا لعدم صحة الحديث أنه ينافي شرط الاتصال، فإنه إذا روى عن شيخه ما لم يسمعه منه دل ذلك على أنه سمعه من غيره، وهذا الغير ساقط من الإسناد فصار الإسناد منقطعًا.
وهذا أكثر ما وجد عن الإمام من إطلاقه للتدليس، وفيما يلي ما وقفت عليه من ذلك:
أ - قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: هذان الحديثان سمعهما هُشيم من جابر الجُعفي، وكل شيء حدّث عن جابر مدلَّس إلا هذين … "، فذكر الحديثين (^٢). فسمّى رواية هُشيم عن جابر بغير ذينك الحديثين مدلَّسة. فهذا صريح في تسميته رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه تدليسًا.
ب - قال عبد الله: "حدثني أبي قال: حدثنا سفيان، قال حدثنا عمرو
_________________
(١) لسان العرب، مادة: "د ل س" ٦/ ٨٦.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٥٠ رقم ٢١٤٩ - ٢١٥٠.
[ ٢ / ٧١٧ ]
ابن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن المازني، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد [أن النبي ﷺ توضأ]، قال سفيان: حدثناه يحيى بن سعيد عن عمرو بن يحيى منذ أربع وسبعين سنة، فسألت بعد ذلك بقليل، فكان يحيى أكبر منه، قال أبي: قال سفيان: سمعت منه ثلاثة أحاديث. قال أبي: وسمعت أنا هذا الحديث من سفيان ثلاثَ مِرارٍ قال أبي: قال سفيان: لم أسمع منه حديث عمرو بن يحيى، عن أبيه عن النبي ﷺ في الحمام والمقبرة. قال أبي: قد حدثنا به سفيان، دلسه". وهنا أيضًا سمى رواية سفيان بن عيينة، لحديث عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ: "الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة" (^١) تدليسًا، وعمرو بن يحيى ممن قد سمع منه سفيان بعض الأحاديث.
ج - وصَف مبارك بن فضالة بالتدليس عن الحسن البصري، وهو من شيوخه، جالسه عشر سنين، وكان الإمام أحمد يرى الاحتجاج بحديثه عن الحسن. قال المروذي: "سألته عن مبارك بن فَضَالة قال: ما روى عن الحسن يُحتج به" (^٢). قال عبد الله: "سُئل أبي عن مُبارك والربيع بن صَبِيح فقال: ما أقربهما، مبارك وهِشام (^٣) جالسا الحسن جميعًا عشرَ سنين، وكان المبارك يُدلِّس" (^٤). وصرح بأنه كان يُدلِّس عن الحسن. قال في رواية أبي داود: "مبارك كان يُدلِّس عن الحسن" (^٥)، وقد تقدمت رواية الفضل بن زِياد عن أحمد قال: "كان مبارك - أي ابن فضالة - يُرسل عن الحسن. قيل: يُدلِّس؟ قال: نعم. قال: وحدّث يومًا عن الحسن بحديث فوُقف عليه فقال: حدثنيه بعض أصحاب
_________________
(١) رواه الشافعي عن سفيان من هذا الوجه الأم ١/ ٩٢، ومسند الشافعي ص ٢٠.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١١١ رقم ١٨٢.
(٣) هو ابن حسان القردوسي.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٨ رقم ١٤٨٠.
(٥) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٢٨ رقم ٤٦٤.
[ ٢ / ٧١٨ ]
الحديث عن أبي حرب، عن يونس" (^١)، فجعل بينه وبين الحسن واسطتين.
د - قال أبو داود: "قال أحمد: أبو الأشهب (^٢) كانوا يرون أنه يُدلِّس عن الحسن، قلت لأحمد وذكر أبا الأشهب فقال: زعموا كان يأخذ عن أصحاب الحسن - يعني عن الحسن" (^٣). وأبو الأشهب قد سمع من الحسن (^٤). والإمام أحمد يشير إلى ما رواه شيخه عبد الرحمن بن مهدي قال: "كنا إذا وقَّفنا أبا الأشهب نقول له: قل: سمعتُ الحسن، يقول: سمعت الحسن أو غيره" (^٥). فأسند إلى شيوخه القول بأن رواية الراوي عمن سمعه ما لم يسمعه منه تدليس.
هـ - قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: هشيم عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي: ليس على من خلْف الإمام استعادةٌ. قال: دلّسه هشيم" (^٦)، وقد أدرك هُشيم ابنَ أبي ليلى، وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وسمع منه (^٧)، فأطلق التدليس على روايته عن ابن أبي ليلى بما لم يسمعه منه، وهو من شيوخه الذين قد سمع منهم.
و- قال المروذي: "قال أحمد: كان أبو حُرّة (^٨) صاحب تدليس عن
_________________
(١) المعرفة والتاريخ ٢/ ٦٣٣. ووقع في المعرفة: يرسل إلى الحسن، قيل: تدلس؟.
(٢) هو جعفر بن حيان السعدي العطاردي. قال عنه أحمد: لا يختلف فيه أنه ثقة العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٧٢ رقم ٨٠.
(٣) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٢٨.
(٤) انظر: التاريخ الكبير للبخاري ٢/ ١٨٩.
(٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٢٦٦ رقم ٣٩٦.
(٦) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٨ رقم ٢٠٤٠.
(٧) صرح بالخبر في بعض حديثه عنه انظر: سنن سعيد بن منصور ١/ ٥٥ ح ١٢، ١/ ٥٨ ح ٢٣، مصنف ابن أبي شيبة ٦/ ٩٠ ح ٢٩٧١٤.
(٨) بضم الحاء المهملة، هو واصل بن عبد الرحمن البصري. وثقه أحمد، وقال ابن معين: صالح الجرح والتعديل ٩/ ٣١، وانظر: الإكمال لابن ماكولا ٢/ ٤٣٤.
[ ٢ / ٧١٩ ]
الحسن، إلا أن يحيى روى عنه ثلاثة أحاديث يقول في بعضها: حدثنا الحسن، منها حديث سعد بن هشام حديث عائشة في الركعتين" (^١)، فسمى روايته عن الحسن بما لم يسمعه منه تدليسًا، وكان قد سمع منه في الجملة، بدليل أنه يقول في بعض حديثه عن الحسن: حدثنا.
ز - قال عبد الله: "سمعت أبي يقول في حديث حفص عن الشيباني، عن عبد الله بن عُتبة: سئل عن امرأة تزوّجت ولها ولد رضِيع، قال: لا ترضَعه وإن مات. قال أبي: هذا مما لم يسمعه حفص من الشيباني، كان يدلسه، ليس فيه شكّ، والحديث حدثني به أبي، سمعه من حفص" (^٢)، وأبو إسحاق الشيباني من شيوخ حفص بن غياث، وفي قول الإمام أحمد: لم يسمعه، نفي لسماعه ذلك الحديث منه، وليس فيه نفي للسماع في الجملة.
ي - قال المروذي أيضًا: "قال أحمد: كان ابن إسحاق يدلِّس، إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد يُبين إذا كان سماعًا قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال. ثم قال: يقول: قال أبو الزناد، قال فلان، قال: وتنظر في كتاب يزيد بن هارون: عن أبي الزناد كلها" (^٣). وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: "عامة حديث ابن إسحاق عن أبي الزناد حديث الأعرج لم يسمعها، قال: هي في كتب يعقوب: ذكر أبو الزناد، ذكر أبو الزناد" (^٤). فذكر أن في رواية ابن إسحاق بدون ذكر السماع تدليسًا، وأما إذا كانت الرواية بذكر السماع فلا يكون فيها تدليس، وهذا لا يتأتى إلا في روايته عن شيخ لقيه وسمع منه ثم روى عنه ما لم يسمعه منه،
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٣٨.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٨٤ رقم ١٩٤١.
(٣) الموضع نفسه.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٥٤ رقم ٢٠٦٩.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
وذلك مثل أبي الزناد عبد الله بن ذكوان.
وأما رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه - وهي صورة الإرسال الخفي على ما اصطلح عليه بعض الأئمة المتأخرين كابن حجر - فالذي ورد عن الإمام أحمد هو إطلاق الإرسال عليها كما سلف (^١)، وقد ورد عنه إطلاق التدليس على هذه الصورة، لكنه ليس كثيرًا كما في الصورة المتقدمة، ولا هو بصريح كما في الصورة المتقدمة، ومن ذلك ما يلي:
١ - ما رواه عبد الله قال: "حدثني أبي قال: حدثنا هشيم قال: زعم مجالد، عن الشعبي قال: كان زِياد يَشتُو بالبصرة، ويحمل شُريحًا معه يَصيف بالكوفة، قال أبي: كان هُشيم أُرى هُشيمًا تلقّه - يعني دلَّسه - من هيثم بن عدي" (^٢). وقد روى عبد الله عن أحمد أن هشيمًا لم يسمع من مُجالد (^٣)، فظاهر هذا أن الإمام أحمد أطلق التدليس على رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه، لكنّ سماع هُشيم من مجالد ثابت في مسند أحمد في عدة مواضع (^٤)، فليست هذه إذا من رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه، بل هي مثال من الأمثلة المتقدمة - أعني رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه.
_________________
(١) أو يقول: لم يسمع من فلان وقد حدّث عنه.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٤٧ رقم ٦٤٤. ومثله أيضًا ما رواه عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم عن مُجالِد، عن الشعبي أن عمر بن الخطاب أوصى في عمّاله ألا يُعزلوا سنة، قال: وأقرّوا الأشعري أربع سنين. سمعت أبي يقول: أُراه سمعه هُشيم من هيثم بن عدي ٢/ ٢٥٥ رقم ٢١٦٩.
(٣) المصدر نفسه ٢/ ٢٧٤ رقم ٢٢٣٠. وعبارة بشار حين نقلها: لم يسمع هشيم من مجالد شيئًا.
(٤) انظر: المسند ٢٣/ ٣٤٩ ح ١٥١٥٦، ٣٢/ ١١٤ ح ١٩٣٧١، ٣٢/ ١٢٧ ح ١٩٣٨٣، ٣٦/ ١٦١ ح ٢١٨٤٠، ٤٥/ ٣٣٠ ح ٢٧٣٤٢، والعلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ١٣٠ رقم ٤.
[ ٢ / ٧٢١ ]
٢ - قال صالح: "سمعته - يعني أباه أحمد بن حنبل - يقول: لم يسمع سعيد بن أبي عروبة من الحكم بن عتيبة، ولا من حماد، ولا من عمرو بن دينار، ولا من هشام بن عروة، ولا من إسماعيل بن أبي خالد، ولا من عبيد الله بن عمر، ولا من أبي بشر، ولا من زيد بن أسلم، ولا من أبي الزناد. قال أبي: وحدث سعيد عن هؤلاء كلهم ولم يسمع منهم، وربما قال رجل عنهم. وقال: قد سمع سعيد من عاصم بن أبي النجود" (^١). روى الذهبي هذه الحكاية عن الإمام أحمد فتصرف في العبارة فقال: "وقد حدّث عن هؤلاء على التدليس، ولم يسمع منهم" (^٢)، وقد اعتمد بعضُ الباحثين هذا النقل عن الذهبي فاستدل به على أن من صور التدليس عند الإمام أحمد رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه (^٣)، ووفيات هؤلاء الشيوخ تدل على إمكان لقاء سعيد بهم. وهذا الاستدلال لا يستقيم إلا على فهم الذهبي لعبارة الإمام أحمد، أما صريح عبارته فليس فيها ما يدل على ذلك. ثم هو أيضًا مبني على لقاء سعيد بن أبي عروبة بهم، وهو ظاهر من تواريخ وفاياتهم.
٣ - قال عبد الله: "قلتُ لأبي: حدّث هُشيم عن سفيان الثوري؟ فقال: دلّس عنه، ثم قال: قال هُشيم: جئنا إلى إسماعيل بن أبي خالد فلما رآه سفيان قام فخرج. قال أبي: كره أن يسمع مسائل هُشيم" (^٤). فلقاء هُشيم بالثوري ثابت
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٢/ ٤٣١ رقم ١١٠٦. وقد روى هذا عبد الله أيضًا عن أبيه العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٣١ رقم ٢٤٦٥ وقال: ولم يسمع منهم شيئًا، وذكره ابن أبي حاتم عن عبد الله في المراسيل ٢٨٠.
(٢) سير أعلام النبلاء ٦/ ٤١٥ - ٤١٦.
(٣) انظر: المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس ص ٤٥، ومنهج المتقدمين في التدليس ص ٦٠، لكن نبه مؤلف الكتاب الأخير وهو السيخ ناصر بن حمد الفهد على أن قوله: حدث عنهم على التدليس، من قول الذهبي، وأنها ليست في المصادر الأصلية التي نقلت العبارة عن الإمام أحمد، لكنه ذكر أن الاستدلال بها قائم على فهم الذهبي لتلك النصوص وعبارات السلف.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢١٠ رقم ٤٩٠٦.
[ ٢ / ٧٢٢ ]
بهذه القصة، وكان الثوري أكبر منه (^١)، أما السماع فلم أقف عليه، ولم يذكر المزي أن لهشيم رواية عن الثوري (^٢)، وفي هذا السؤال ينفي الإمام أحمد سماعه منه إلا على وجه التدليس، فتضمن جوابه إطلاق التدليس على رواية الراوي عمّن لقيه ولم يسمع منه.
٤ - قال مهنا: قلت لأحمد ويحيى: حدثوني عن عبد المجيد بن أبي رواد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة معاوية بن أبي سفيان". فقالا جميعًا: ليس بصحيح، وليس يُعرف هذا الحديث في أحاديث عبيد الله، ولم يسمع عبد المجيد بن أبي روّاد من عبيد الله شيئًا، ينبغي أن يكون عبد المجيد دلّسه، سمعه من إنسان فحدّث به (^٣)، وعبد المجيد بن أبي روّاد مكي توفي سنة ست ومئتين (^٤)، وقد سمع من مالك (^٥)، وابن جريج ومعمر (^٦)، وأما عبيد الله العمري فتوفي سنة سبع وأربعين ومئة (^٧)، ونص أحمد ويحيى على عدم سماع عبد المجيد من العمري، وقد أدركه، لأنه أدرك ابن جريج وبين وفاته ووفاة العمري نحو خمس سنين، وأما اللقاء فلم أقف على ما يدل عليه، إلا أنه ممكن لأنه لقي مالكًا وسمع منه.
وهذا والذي قبله أقرب ما يستدل به على إطلاق الإمام أحمد للتدليس على رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه، أو عمن أدركه ولم يسمع منه، ويمكن توجيهه
_________________
(١) تهذيب الكمال ٣٠/ ٢٧٦.
(٢) انظر: تهذيب الكمال ٣٠/ ٢٧٣ - ٢٧٥.
(٣) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٢٧ رقم ١٣٥.
(٤) تهذيب الكمال ١٨/ ٢٧٥.
(٥) الإرشاد ١/ ٢٣٣.
(٦) تهذيب الكمال ١٨/ ٢٧١.
(٧) المصدر نفسه ١٩/ ١٢٩.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
بأن إطلاقه مبني على ما عرفُ به هشيم واشتهر به من التدليس عمن سمع منه ومن لم يسمع منه. قال المروذي: "وذكر - يعني أحمد بن حنبل - هُشيمًا فقال: كان يدلِّس تدليسًا وحشًا، وربما جاء بالحرف الذي لم يسمعه فيذكره في حديث آخر إذا انقطع الكلام يوصله" (^١).
وأما في عبد المجيد فقد اعتمد العلائي هذا النقل لجعله عبد المجيد بن أبي روّاد في المدلسين (^٢)، وتبعه عليه ابن حجر (^٣). وهذا من أظهر ما يستدل به على إطلاق التدليس على ما صورته الإرسال الخفي عند الإمام أحمد.
وقد جاء عن بعض المتقدمين غير الإمام أحمد إطلاق التدليس على هذه الصورة، من ذلك ما رواه الدُّوري عن ابن معين أنه قال: "دلّس هشيم عن زاذان ولم يسمع منه" (^٤).
وقال البخاري: "لا أعلم لسعيد بن أبي عروبة سماعًا من الأعمش، وهو يدلس ويروي عنه" (^٥).
وقال الفسوي: "قد روى سعيد بن أبي عروبة عن عبيد الله بن عمر، وعن هشام بن عروة، وعن أبي بشر ولم يسمع منهم، إنما دلس عنهم، ولعمري إن ما روى عنهم مناكير" (^٦).
وقال الفسوي أيضًا: "ولم يسمع سالم من ثوبان، إنما هو تدليس" (^٧).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٥١ رقم ٣١.
(٢) جامع التحصيل ص ١٠٧.
(٣) تعريف أهل التقديس ص ٩٤.
(٤) التاريخ - برواية الدوري ٤/ ٣٨٠. وانظر أمثلة أخرى في كتاب الشريف العوني "المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس" ص ٤٥.
(٥) علل الترمذي الكبير ٢/ ٨٧٧.
(٦) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٢٣.
(٧) المصدر نفسه ٣/ ٢٣٦.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
وقال ابن عدي: "كان سعيد بن أبي عروبة ثبتًا عن كل من روى عنه إلا من دلّس عنهم، وهم الذين ذكرتهم ممن لم يسمع منهم" (^١).
ويلاحظ أن إطلاق هؤلاء الأئمة للتدليس على رواية الراوي عمن لم يسمع منه شيئًا كان في حق رواة عرفوا بالتدليس كما تقدم نحوه عن الإمام أحمد.
وأما رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه، فلم أقف على إطلاق التدليس عليها لدى الإمام أحمد، وإن كان ذلك اشتهر لدى بعض المحدثين أنه من التدليس (^٢)، وقد يدل عليه ما رواه الدُّوري عن ابن معين قال: "لم يلق يحيى ابن أبي كثير زيد بن سلاّم، وقدِم معاويةُ بن سلاّم عليهم فلم يسمع يحيى بن أبي كثير، أخذ كتابه عن أخيه ولم يسمعه فدلسه عنه" (^٣) على أن أبا حاتم قد أثبت سماع يحيى بن أبي كثير من زيد بن سلاّم (^٤)، وعليه يكون من نوع ما تقدم ذكره، لكن الاستدلال قائم على ما عند ابن معين، وهو أن يحيى بن أبي كثير لم يلق زيد بن سلام عنده وروى عنه فسمى روايته عنه تدليسًا.
والحاصل أن الانقطاع يكون بواحد من أمور أربعة: عدم المعاصرة، أو
_________________
(١) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١٢٣٣. والعبارة في الأصل مصحفة والتصحيح من حاشية الدكتور بشار عواد على تهذيب الكمال ١١/ ١١.
(٢) قال الحاكم: والجنس السادس من التدليس قوم رووا عن شيوخ لهم لم يروهم قط ولم يسمعوا منهم، إنما قالوا: قال فلان، فحمل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم عنهم سماع عالٍ ولا نازل معرفة علوم الحديث ص ١٠٩. وقال الخطيب: والمدلَّس رواية المحدث عمن عاصره ولم يلقه فيتوهم أنه سمع منه، أو روايته عمن قد لقيه ما لم يسمعه منه الكفاية في علم الراوية ص ٥٩. وقال ابن الصلاح: تدليس الإسناد هو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهمًا أنه قد لقيه وسمعه منه علوم الحديث ص ٧٨.
(٣) التاريخ - برواية الدوري ٤/ ٢٠٧.
(٤) المراسيل ٨٩٦.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
عدم اللقاء، أو عدم السماع، أو عدم سماع خبر بعينه. أما الصورة الأخيرة - وهي عدم سماع خبر بعينه - فهي التي كان أكثر إطلاق التدليس عليها لدى الإمام أحمد، ولا خلاف بين الأئمة المتقدمين منهم والمتأخرين أن هذه صورة للتدليس، لأن فيها إيهام السماع مع انتفائه في الواقع. وقد قصر بعض المحدثين التدليس على هذه الصورة منهم الإمام الشافعي (^١)، والبزار (^٢)، وابن عبد البر (^٣)، وأبي الحسن بن القطان (^٤)، وابن حجر (^٥)، خلافًا لما ذكره ابن الصلاح ونسبه العراقي إلى أنه المشهور عن أهل الحديث (^٦).
أما الصورة الثالثة - وهي الرواية عمن لقيه ولم يسمع منه في الجملة ما لم يسمعه منه، وهي الأولى من صورتي الإرسال الخفي - فالذي ورد عن الإمام أحمد هو إطلاق الإرسال عليها وعدم السماع، وما ورد عنه من إطلاق التدليس عليها كان بالنسبة لراوٍ عُرِف واشتهر بالتدليس (^٧)، وهو شيخه هُشيم بن بشير،
_________________
(١) قال في الرسالة في تعريف المدلس: أن يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه ص ٣٧١. وعبّر باللقاء عن السماع، وهذا من تصرف المحدثين انظر: فتح المغيث ١/ ٢٠٨.
(٢) نقله عنه العراقي في التقييد والإيضاح ص ٨٠ وقال إنه في جزء له في معرفة من يترك حديثه أو يقبل، وحدَّه بأنه رواية الراوي عمن قد سمع منه ما لم يسمعه منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه.
(٣) قال في التمهيد ١/ ١٥: التدليس هو أن يحدث الرجل عن الرجل قد لقيه وأدرك زمانه، وأخذ عنه، وسمع منه، وحدث عنه بما لم يسمعه، وإنما سمعه من غيره عنه ممن ترضى حاله أو لا ترضى …
(٤) قال في أواخر بيان الوهم الإيهام ٥/ ٤٩٣: ونعني به أن يروي المحدث عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه. ا. هـ.
(٥) حيث أقر تعريف ابن القطان وقال: إن التدليس يختص بالرواية عمن له عنه سماع النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٦١٥.
(٦) وهو أن التدليس أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهمًا أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه قد لقيه وسمعه منه علوم الحديث ص ٧٨، التقييد والإيضاح ص ٨٠.
(٧) ومثله أيضًا حفص بن غياث الذي تقدم عن الإمام أحمد وصفه بالتدليس عن شيخه أبي إسحاق الشيباني ص ٥٩١، فقد روى أبو داود قال: قلت لأحمد: حفص أعني ابن غِياث لم يسمع من أشعث بن عبد الملك؟ قال: نعم، وأشعث بن سوّار، وربما لم يُبين سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ١٦٤ رقم ١١. ففي هذا أيضًا إطلاق التدليس فيما لم يكن فيه سماع في الجملة مع وجود اللقاء، إلا أن ذلك الإطلاق وقع في حق راوي معروف بالتدليس. وعند سائر من ذكر من الأئمة أيضًا يمكن توجيه ما ورد من إطلاقهم التدليس على ما صورته إرسال خفي بمثل ما ذكر عن الإمام أحمد: فابن معين قال ذلك في هشيم، والبخاري، والفسوي، وابن عدي قالوا ذلك في سعيد بن أبي عروبة، وكلاهما معروفان بالتدليس.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
أما ما عدا أمثال هشيم ممن روى عمن لقيه ما لم يسمع منه فلم يقل في روايته إنها تدليس أو وصفه بأنه مدلِّس، وذلك مثل أيوب وروايته عن أنس، وكذا ابن عون عن أنس، وعطاء بن أبي رباح عن ابن عمر (^١)، وأبان بن عثمان عن أبيه (^٢) وغيرهم كثير ممن أرسلوا عمن رووا عنهم وقد ثبت لقاؤهم بهم دون السماع.
وأما ما ذكره في عبد المجيد بن أبي رواد أنه دلّس فيما صورته الإرسال الخفي فمحمول على التجوز في التسمية لما في صورة الإرسال الخفي من الإيهام لمن لم يكن له اطلاع على عدم لقاء الراوي لشيخه أو سماعه منه. وهذا الذي يجمع بين إطلاقه للتدليس في هذه الصورة أحيانًا وعدم إطلاقه له في حين آخر.
وأما الصورة الثانية - وهي رواية من له إدراك والمعاصرة دون اللقاء، وهي الصورة الأخرى للإرسال الخفي - فلم أقف على إطلاق التدليس عليها عند الإمام أحمد، وقد جاء ذلك عن ابن معين، فإنه قال في رواية يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلاّم - وليس بينهما لقاء عند ابن معين - إنها مدلسة. والذي ورد عن الإمام أحمد هو إطلاق الإرسال على هذه الصورة كما قال في رواية عراك بن مالك عن عائشة، وكان قد أدركها لكنه لم يلقها (^٣). وقد صرّح الخطيب بأن هذه
_________________
(١) انظر: ص ٦٠٥ - ٦٠٦.
(٢) المراسيل ٤٨.
(٣) انظر ما تقدم: ص ٦٤٣.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
الصورة من الإرسال الذي ليس بتدليس (^١)، وكذلك أنكر ابن عبد البر على من اعتبر هذا تدليسًا (^٢). واحتج ابن حجر لكون هذه الصورة إرسالًا لا تدليسًا بأن رواية المخضرمين مثل قيس بن أبي حازم، وأبي عثمان النهدي وغيرهما عن النبي ﷺ من قبيل المرسل لا من قبيل المدلَّس. ا. هـ (^٣). ولو كانت هذه صورة التدليس لعُدّ كل من عُرِف عنه الرواية عمّن أدركه ولم يلقه مدلِّسًا مثل محمد ابن سيرين وروايته عن ابن عباس (^٤)، وسعيد بن جبير عن عائشة (^٥)، والضحاك بن مُزاحم وروايته للتفسير عن ابن عباس (^٦).
وأما الصورة الأولى - وهي الرواية عمن لم يدركه - فهي مطلق الإرسال (^٧)، ولا قائل بأنها من التدليس في شيء.
فالخلاصة أن إطلاق التدليس عند الإمام أحمد يكاد يكون مقصورًا على حالة وجود السماع، أي على رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، أما روايته عمن لقيه ولم يسمع منه، أو عمن عاصره ولم يلقه فإنما يطلق الإمام أحمد الإرسال عليهما، وهذا يكاد يكون مطّردًا عنده، وبهذا يظهر الفرق بين التدليس والإرسال الخفي، وبين الرواة الذين عُرفوا بالتدليس ومن وُصف منهم بالإرسال. وممن فرق بينهما أبو الحسن ابن القطان، قال: "والفرق بين التدليس وبين الإرسال هو أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه، ولما كان في هذا - أي
_________________
(١) الكفاية في علم الرواية ص ٥٤٦.
(٢) التمهيد ١/ ١٥.
(٣) النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٦٢٣.
(٤) انظر: المراسيل ٦٧٩ - ٦٨١.
(٥) المصدر نفسه ٢٦٢.
(٦) جامع التحصيل ١٩٩ - ٢٠٠.
(٧) انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٦٢٣.
[ ٢ / ٧٢٨ ]
التدليس - قد سمع منه جاءت روايته عنه بما لم يسمعه منه كأنها إيهام سماعه ذلك الشيء، فلذلك سمِّي تدليسًا" (^١)، وفرق بينهما أيضًا الحافظ ابن حجر (^٢)، وهو ظاهر كلام الخطيب حيث قال: "لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلَّس هو رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه" (^٣) فذكر الإرسال بنوعيه الجلي والخفي، وأنه يغاير التدليس.
وأما ما ورد عن الإمام أحمد من إطلاق التدليس على رواية هشيم عن الثوري مع أنه لم يرد ما يدل على سماعه منه مع لقيّه إياه، فقد تقدم توجيه ذلك وأن الذي سوّغ ذلك الإطلاق كون هُشيم معروفًا بالتدليس، فيستنتج منه أن الراوي المعروف بالتدليس إذا روى عمن لقيه ولم يسمع منه ساغ تسمية ذلك بالتدليس، وأما إذا لم يكن معروفًا بالتدليس فهو إرسال، ولا يقال له تدليس إلا على سبيل التجوز لأنه ليس في روايته تلك إيهام بالسماع في الحقيقة، وإن كان فيها إيهام لمن ليس له معرفة باللقاء بينه وبين شيخه، وبهذا يتم توجيه ما ورد عن الإمام أحمد من إطلاق التدليس على رواية عبد المجيد بن أبي رواد عن عبيد الله العمري.
وقد تقدم أيضًا أن الإمام أحمد يطلق الإرسال على ما صورته التدليس، وذلك فيما رواه عبد الله: "قال أبي: ما سمع سفيان الثوري من أبي عون غير هذا الحديث الواحد - يعني حديث الوضوء مما مسّت النارٌ - والباقي يرسلها عنه" (^٤)، ولا يقتضي ذلك الترادف بين اللفظين، وإنما ساغ ذلك الإطلاق لأن بين التدليس والإرسال قدرًا مشتركًا وهو إسقاط الواسطة، كما أن بينهما عموم
_________________
(١) بيان الوهم والإيهام ٥/ ٤٩٣.
(٢) انظر: نزهة النظر ص ٤٣.
(٣) الكفاية في علم الرواية ص ٥٤٦.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣٨٦ رقم ٥٦٩٦.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
وخصوص مطلق كما تقدم، فكل تدليس إرسال، وليس كل إرسال تدليسًا، فساغ إطلاق الإرسال على التدليس دون العكس. قال الخطيب: "التدليس متضمن للإرسال لا محالة من حيث كان المدلِّس ممسكًا عن ذكر مَن بينه وبين من دلَّس عنه، وإنما يفارق حاله حال المرسَل بإيهامه السماع ممن لم يسمع منه فقط، وهو المُوهن لأمره، فوجب كون هذا التدليس متضمنًا للإرسال، والإرسال لا يتضمن التدليس، لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمع منه، ولهذا المعنى لم يَذمّ العلماء من أرسل الحديث، وذمُّوا من دلَّسه" (^١).
وكل ما مضى من الكلام في التدليس هو في النوع الذي اصطُلح عليه بتدليس الإسناد (^٢)، ومنه أيضًا:
تدليس العطف:
وقد ورد عن الإمام أحمد الإشارة إليه ووصفه بأنه تدليس وحش. قال المروذي: "وذكر - يعني أحمد بن حنبل - هُشيمًا فقال: كان يدلِّس تدليسًا وحشًا، وربما جاء بالحرف الذي لم يسمعه فيذكره في حديث آخر إذا انقطع الكلام يوصله" (^٣)، فهذا النوع من التدليس اصطُلح عليه بتدليس العطف، وهو أن يروي عن شيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه، ويكون قد سمع ذلك من أحدِهما دون الآخر، فيصرِّح عن الأول بالسماع ويعطف الثاني عليه، فيُوهِم أنه حدّث عنه بالسماع أيضًا، وإنما حدث بالسماع عن الأول ثم نوى القطع فقال: وفلان أي حدث فلان (^٤).
_________________
(١) الكفاية في علم الرواية ص ٥١٠.
(٢) النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٦١٦.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٥١ رقم ٣١.
(٤) انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٦١٧.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
ومثاله ما رواه عبد الله قال: "حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم قال: أخبرنا الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ جعل يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهمًا. حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم قال: وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ مثل ذلك. سمعت أبي يقول: لم يسمعه هُشيم من عبيد الله" (^١)، فذكر الإمام أحمد أن هُشيمًا لم يسمعه من شيخه الثاني، وهو عبيد الله بن عمر، ولم يصرح بعدم السماع بل قطع الكلام ثم وصله في حديث آخر يُوهم أنه قد سمعه منه، وإنما عنى بذلك العطف: وحدّث عبيد الله بن عمر.
الحكم على رواية المدلِّس:
الذي ورد عن الإمام أحمد في الحكم على رواية من عرف بالتدليس إذا جاءت عنه بدون تصريح بالسماع هو التوقف. قال أبو داود: "سمعت أحمد سُئل عن الرجل يُعرف بالتدليس، يحتجّ فيما لم يَقُلْ فيه: سمعتُ؟ قال: لا أدري، فقلت: الأعمش متى تُصاد له الألفاظ؟ قال: يضيق هذا، أي أنك تحتجّ به" (^٢). واعتلّ لذلك بأن الأعمش - وهو ممن عُرف بالتدليس - يحتج بحديثه مع عدم الوقوف على تصريحه بألفاظ السماع، وأنه لو اشتُرط هذا لكان فيه تضييق.
وهذا التعليل إن أُخذ على ظاهره فإنه يدل على الاحتجاج بما رواه المدلس بالعنعنة، لكن الإمام أحمد لم يقل بذلك، وإنما توقف في المسألة، والذي أوجب ذلك التوقف أن بعض المدلسين إذا لم يصرحوا بالسماع في مروياتهم جاءوا بالمناكير. قال الأثرم عن أحمد بن حنبل: "إذا قال ابن جريج: قال فلان، وقال فلان، وأُخبرتُ، جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني، وسمعت
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٦١ رقم ٢١٩١ - ٢١٩٢.
(٢) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ١٩٩ رقم ١٣٨.
[ ٢ / ٧٣١ ]
فحسبك". وقال الميموني عن أحمد بن حنبل: "إذا قال ابن جُريج: قال فاحذره، وإذا قال: سمعت أو سألت جاء بشيء ليس في النفس منه شيء" (^١). وقال أبو داود: "إذا قال ابن جريج: أخبرني في كل شيء فهو صحيح" (^٢).
فهذا يدل على أن ما رواه المدلس بغير لفظ السماع يتوقف فيه، فإن مفهوم قوله: "وإذا قال: سمعت أو سألت جاء بشيء ليس في النفس منه شيء" أن ما لم يقل فيه ذلك ففي النفس منه شيء، لأنه مظان وجود المناكير.
والأمر الآخر الذي يُوجب التوقف هو أن الرواة قد يتصرفون في ألفاظ الأداء عن شيوخهم، فيذكرون العنعنة مكان السماع، وقد تقدم أن في كتاب إبراهيم بن سعد بيان الألفاظ عن ابن إسحاق، بينما في كتاب يزيد بن هارون كلها بالعنعنة. قال المروذي أيضًا: "قال أحمد: كان ابن إسحاق يدلِّس، إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد يُبين إذا كان سماعًا قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال. ثم قال: يقول: قال أبو الزناد، قال فلان، قال: وتنظر في كتاب يزيد بن هارون: عن أبي الزناد كلها" (^٣).
وقال عبد الله: "قال أبي: كنت أسأل يحيى بن سعيد عن أحاديث إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن شُريح وغيره، فكان في كتاب إسماعيل: قال: حدثنا عامر، عن شُريح؛ وحدثنا عامر عن شُريح، فجعل يحيى يقول: إسماعيل عن عامر. قلت: إن في كتابي: حدثنا عامر، حدثنا عامر! فقال يحيى: هي صِحاح، إذا كان شيء أخبرتُك - يعني مما لم يسمعه إسماعيل عن عامر" (^٤).
_________________
(١) تهذيب الكمال ١٨/ ٣٤٨.
(٢) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٣١ رقم ٢٢٠.
(٣) الموضع نفسه.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥٤٢ رقم ٣٥٦٧.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
فإذا كان الأمر كذلك فلا يرتبط الحكم على رواية المدلس بمجرد عنعنته لأن صدورها قد لا يكون منه بل ممِن دونه. ولعل هذا ما عناه أبو داود عند ما سمع توقف الإمام أحمد في المسألة فقال كالمعلِّل له: "الأعمش متى تُصاد له الألفاظُ؟ ".
وأما غير الإمام أحمد من الأئمة فجمهورهم على الاحتجاج بما رواه المدلس الثقة مما صرّح فيه بالسماع دون ما رواه بلفظ محتمل (^١)، وطائفة منهم يفرق بين أن يُدلس عن الثقات فيُقبلُ حديثُه وإنْ عنعنَهُ، وبين أن يُدلس عن غير الثقات فلا يُقبل حديثُه حتى يصرِّحَ بالسَّماع، وعليه طائفة من فقهاء أصحاب الإمام أحمد كما قال ابن رجب (^٢).
وأما التدليس من ناحية الحكم عليه في نفسه كفعل يمارسه بعض الرواة فالذي ورد عن الإمام أحمد هو القول بكراهته، ولما قيل له: قال شعبة: هو كذب، قال أحمد: لا، قد دلّس قوم ونحن نروي عنهم. ا. هـ (^٣). وقال ابن هانئ: "سُئل - يعني الإمام أحمد - عن داود بن الزِّبِرقان؟ قال: إنما كتبت عنه حديثًا، وقال: ما أُراه يكذب، ولكن كان يدلِّس" (^٤).
_________________
(١) جامع التصحيل ص ٩٨.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٨٣.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٨٤.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٣٠ رقم ٢٢٦٥.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
المطلب الثاني: وجوه الإعلال بالتدليس عند الإمام أحمد.
تقدمت الإشارة إلى أن التدليس علة قادحة في صحة الحديث لأنه سبب من أسباب وقوع الانقطاع المنافي للاتصال المشروط لصحة الحديث. وهناك جملة من الأحاديث انتقدها الإمام أحمد بسبب تدليس بعض رواتها المعروفين بالتدليس، وهذه الأحاديث المنتقدة تكشف لنا وجوه الإعلال بالتدليس عند الإمام أحمد، وهي كالتالي:
الوجه الأول: عدم تصريح المدلّس بالسماع في السند.
وذلك بأن يروي المدلّس حديثه بالعنعنة ولا يصرّح بالسماع، وهو أمر يرجح وقوع التدليس في روايته تلك، فيدل ذلك على وقوع التدليس في الإسناد فيعلّه الإمام أحمد لهذا السبب، ومن أمثلة ذلك:
١. قال أبو داود: "ذكرت لأحمد حديثَ بقية عن الزَّبِيدي، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن النبي ﵇ كان يُسلِّم تسليمتيْن. قال: يقول فيه: حدثنا - يعني بقية؟ قلت: لا يُنكرون أن يكون سمعه! قال: هذا أبطل باطل" (^١).
هذا الحديث رواه الطحاوي (^٢)، والطبراني (^٣) كلاهما من طريق حيوة ابن شريح، عن بقية عن الزَّبِيدي، عن سالم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يُسلم في الصلاة تسليمتيْن، عن يمينه وعن شماله.
وأعله الإمام أحمد لعدم تصريح بقية بالتحديث من شيخه، وأنكر على من يحمله على السماع المحتمل. فهذا صريح في أن رواية بقية بالعنعنة دالة على وقوع
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود رقم ٢٠٠٥.
(٢) شرح معاني الآثار ١/ ٢٦٨.
(٣) المعجم الأوسط ٤/ ٤٤ ح ٣٥٦٩.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
التدليس منه، وبالتالي على عدم قبول الإمام أحمد لحديثه إذا لم يصرح بالسماع من شيخه. وبقية من الرواة المعروفين بالتدليس والمشهورين به.
وممن أنكر هذا الحديث أبو حاتم الرازي لكنه لم يذكر وجه الإنكار (^١)، وأنكره الهيثمي بسبب عنعنة بقية بن الوليد (^٢).
٢. قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: هشيم لم يسمع حديث أبي صالح: [الإمام ضامِنٌ] من الأعمش، وذاك أنه قيل لأحمد إن هشيمًا قال فيه: عن الأعمش، قال: حدثنا أبو صالح. وسمعت أحمد مرة أخرى سئل عن هذا الحديث، فقال: حدث به سُهيل، عن الأعمش، ورواه ابن فُضيل، عن الأعمش، عن رجل. ما أُرى لهذا الحديث أصل. حدثنا الحسن بن علي قال: حدثنا ابن نُمير، عن الأعمش قال: نُبئت عن أبي صالح، ولا أُراني إلا قد سمعتُه منه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم ارشُدِ الأئمة واغفر للمؤذنين". حدثنا محمد بن مسلمة المصري، قال: حدثنا ابن وهب، عن جده، عن نافع بن سليمان أن محمد بن أبي صالح أخبره، عن أبيه أنه سمع عائشة زوج النبي ﷺ تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول مثله" (^٣).
هذا الحديث فيه إعلال بالتدليس من وجهين:
الأول: إنكار الإمام أحمد رواية هُشيم عن الأعمش قوله: حدثنا أبو صالح (^٤)، لأن هشيمًا رواه بالعنعنة وهو مدلس، فلم تصح روايته ولم يعتمد الإمام أحمد صحة
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم ١/ ١٨١ ح ٥١٨.
(٢) مجمع الزوائد ٢/ ١٤٦.
(٣) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٨٩ رقم ١٨٧١.
(٤) أخرج رواية هشيم الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٥/ ٤٣٢ ح ٢١٨٧، وذكره الدارقطني تعليقًا علل الدارقطني ١٠/ ١٩٥.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
تصريح الأعمش بالتحديث. وهذا هو الشاهد من إيراد المثال تحت هذا الوجه.
الثاني: تدليس الأعمش حيث لم يقل في رواية الحديث: أنا أبو صالح، ووُجدت قرينة تدل على أن سماعه منه بواسطة، كما أفاد ذلك الرواية التي ذكرها الإمام أحمد عن محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن رجل عن أبي صالح (^١)، فدل على أن الأعمش كان يدلِّسه حيث يرويه عن أبي صالح. ففي هذا إثبات التدليس لقرينة وجود الواسطة بين المدلس وشيخه، بالإضافة إلى روايته بالعنعنة.
وذكر ابن الجوزي عن أحمد أنه قال: ليس لهذا الحديث أصل، ليس يقول فيه أحد عن الأعمش أنه قال: أنا أبو صالح (^٢).
وقد ذكر أبو داود أن ابنُ نُمير تابع ابنَ فُضيل على ذكر الواسطة بين الأعمش وأبي صالح، حيث رواه عن الأعمش قال: نُبئتُ عن أبي صالح، لكن ذكر أن الأعمش كان يقول: ولا أُراني إلا قد سمعته من أبي صالح. وهذه الرواية أيضًا عند الإمام أحمد (^٣)، لكن يبدو أنه لم يلتفت إلى هذا الاحتمال للسماع الذي ذكره الأعمش، بل اعتمد عدم السماع، ومن أجل ذلك حكم على الحديث بأنه لا أصل له.
وممن تابع ابن فضيل على ذكر الواسطة بين الأعمش وأبي صالح أبو بدر شُجاع بن الوليد؛ رواه عن الأعمش فقال: حُدِّثتُ عن أبي صالح (^٤)، وكذلك قال أسباط بن محمد (^٥).
_________________
(١) أخرج هذه الرواية الإمام أحمد المسند ١٢/ ٨٩ ح ٧١٦٩، ومن طريقه أبو داود السنن ح ٥١٧، ومن طريقه البيهقي السنن الكبرى ١/ ٤٣٠.
(٢) العلل المتناهية ١/ ٤٣٣.
(٣) المسند ١٤/ ٥٢٦ ح ٨٩٧٠.
(٤) أخرجه الترمذي في العلل الكبير ١/ ٢٠٩.
(٥) ذكره الترمذي تعليقًا الجامع ١/ ٤٠٣.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
وجمهور الرواة عن الأعمش رووه عنه عن أبي صالح، عن أبي هريرة (^١). وذكر علي بن المديني، عن القطان، عن الثوري قال: ما أُراه سمعه من أبي صالح (^٢)، وكان الثوري ممن رواه عن الأعمش، عن أبي صالح (^٣).
وكذلك قال ابن معين عن الثوري: لم يسمع الأعمش هذا الحديث من أبي صالح (^٤).
وقال ابن المديني: لم يسمع الأعمش بيقين، لأنه يقول فيه نُبِّئتُ عن أبي صالح، نقله البيهقي عنه (^٥).
وممن ضعف هذا الحديث من المتقدمين لهذه العلة: علي بن المديني، قال: لا يصح حديث عائشة، ولا حديث أبي هريرة (^٦).
وأما ابن حبان فاعتمد قول الأعمش: ولا أُراني إلا سمعته منه، فحكم بصحة الوجهين عن الأعمش: سمعه عن رجل عن أبي صالح، ثم سمعه منه مباشرة، فصحح الحديث (^٧)، وهو أيضًا مسلك الشيخ الألباني (^٨).
وأما الإمام البخاري فقال: حديث أبي صالح عن عائشة أصح من
_________________
(١) ذكرهم الدارقطني في العلل ١٠/ ١٩٢ - ١٩٣،
(٢) الجرح والتعديل ١/ ٨١.
(٣) رواه أحمد عن عبد الرزاق، عن الثوري ومعمر، عن الأعمش به المسند ١٣/ ٢٢٢ ح ٧٨١٨، ورواه البيهقي من طريق القطان، عن الثوري، عن الأعمش به السنن الكبر ٣/ ١٢٧.
(٤) التاريخ - برواية الدوري ٣/ ٤٩٧ رقم ٢٤٣٠.
(٥) معرفة السنن والآثار ١/ ٤٥١، وانظر: تلخيص الحبير ١/ ٢٠٧.
(٦) علل الترمذي الكبير الموضع نفسه.
(٧) وحكم كذلك بصحة رواية الحديث عن أبي صالح عن عائشة، وعن أبي صالح عن أبي هريرة، وعن أبي هريرة موقوفًا وعنه مرفوعًا انظر: الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٤/ ٥٥٩.
(٨) إرواء الغليل ١/ ٢٣١ - ٢٣٥.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
حديث أبي صالح عن أبي هريرة (^١) وهذا الذي رجحه المعلمي أيضًا (^٢).
ورجح أبو زرعة، وأبو حاتم (^٣) رواية حديث أبي هريرة (^٤).
وأما الدارقطني فحكم على الحديث بالاضطراب عن أبي صالح (^٥)، وكذلك أشار البزّار إلى أن أصحاب الأعمش اضطرابوا فيه (^٦).
وفي إعلال الإمام أحمد لهذا الحديث بتدليس الأعمش عن أبي صالح دلالة على أن ما ذكره الحافظ الذهبي أن رواية الأعمش بالعنعنة عن شيوخه الذين أكثر عنهم كالنخعي، وأبي وائل، وأبي صالح السمان محمولة على الاتصال (^٧)، ليس ذلك على إطلاقه، وإنما يكون من حيث الغالب فقط، وإلا فقد يدلس عن هؤلاء كما اتضح في هذا المثال، وفيما سيأتي في روايته عن
أبي وائل، والله أعلم.
٣. قال أبو داود: "قلت لأحمد: هُشيم كان يقول في حديث المؤثر بن عفارة: حدثنا؟ قال: نعم، كان يقول أيضًا: حدثنا جبلة، حدثنا مؤثر بن عفارة، حدثنا عبد الله، وكان يرفعه - يعني حديث الشفاعة" (^٨).
_________________
(١) علل الترمذي الكبير الموضع نفسه.
(٢) انظر تعليقه على موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٢٧٠ - ٢٧١.
(٣) رجحه أبو حاتم بناء على الموازنة بين الأعمش ونافع بن سليمان الذي روى حديث أبي صالح عن عائشة، وقد تعقب ذلك المعلمي بأن الصحيح في الموازنة هو بين الراوي المجهول الذي روى الأعمش الحديث عنه عن أبي صالح، وبين نافع بن سليمان الذي رواه عن أبي صالح عن عائشة انظر: تعليقه على موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٢٧١.
(٤) علل الترمذي الكبير الموضع نفسه، علل ابن أبي حاتم ١/ ٨١.
(٥) علل الدارقطني ١٠/ ١٩٨.
(٦) كشف الأستار ١/ ١٨١.
(٧) ميزان الاعتدال ٢/ ٤١٥.
(٨) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٣٠ رقم ١٩٩١.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
لم أقف على ذكر الشفاعة في الحديث الذي رواه هُشيم بهذا الإسناد، وقد رواه الإمام أحمد (^١) قال حدثنا هُشيم، أخبرنا العوام، عن جَبَلَة بن سُحَيم، عن مُؤثِّر بن عَفازَة، عن ابن مسعود، وليس فيه ذكر الشفاعة، والظاهر أنه هو الحديث المقصود في السؤال. ورواه ابن جرير (^٢) أيضًا من طريق أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال: ثنا هُشيم بن بشير: قال: أخبرنا العوام، عن جَبلَة بن سُحَيْم عن مُؤثِّر وهو ابن عفارة العبدي، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "لقيتُ ليلةَ الإسراء إبراهيم، وموسى، وعيسى، فتذاكروا أمر الساعة وردّوا الأمر إلى إبراهيم، فقال إبراهيم: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى موسى فقال موسى: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى عيسى قال عيسى: أما قيام الساعة لا يعلمه إلا الله، ولكنّ ربي قد عهِد إليّ بما هو كائنٌ دون وقتِها، عهِد إليّ أن الدَّجَّالَ خارجٌ، وأنه مُهبِطيَّ إليه، فذكر أن معه قصبتين فإذا رآني أَهلَكَهُ اللهُ قال: فيَذُوبُ كما يَذوب الرَّصاصُ حتى إن الحجر والشجر ليقول: يا مسلم، هذا كافرٌ فاقْتُلْه، فيُهلِكُهُمُ اللهُ ويَرجِع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فيستقبلُهُم يَأْجُوج ومَأْجُوج من كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلون، لا يأتون على شيءٍ إلا أكلوه، ولا يَمُرُّونَ على ماءٍ إلا شرِبوه، فيرجع الناسُ إليَّ فيَشكونَهم فأَدعوا اللهَ عليهم، فيُمِيتُهم حتى تجوَى الأرضُ من نَتْنِ رِيحِهِم فينْزِل المَطرُ فيجرُّ أجسادَهم فيُلقِيهم في البحر، ثم يَنسِف الجبالَ حتى تكونُ الأرضُ كالأدِيمِ، فعهِد إليّ ربي أن ذلك إذا كان كذلك فإن الساعةَ منهم كالحامل المتمّ التي لا يَدري أهلُها متى تَفجؤُهم بوِلادِها ليلًا أو نهارًا" (^٣)، وفي كلا الطريقين تصريح
_________________
(١) المسند ٦/ ١٩ ح ٣٥٥٦.
(٢) جامع البيان ١٦/ ٢٧ - ٢٨.
(٣) وقد رواه ابن ماجه سنن ابن ماجه ٢/ ١٣٦٥ ح ٤٠٨١، والحاكم المستدرك ٢/ ٣٨٤ وغيرهما عن يزيد بن هارون، عن العوام به، لكن ذكره موقوفًا على ابن مسعود. وقد ذكر الإمام أحمد أن هشيمًا كان يرفع الحديث. وتابع هشيمًا على رفعه أصبغ بن زيد عند الطبري في التفسير ١٧/ ٩١. وفي الإسناد مؤثر بن عفارة لم يوثقه إلا العجلي معرفة الثقات ٢/ ٣٠٣، وابن حبان الثقات ٥/ ٤٦٣. وقال الحاكم: ليس بمجهول، روى عنه جماعة. ا. هـ. ولم أر له راويًا غير جبلة. وقال عنه الذهبي: وُثّق الكاشف ٢/ ٣٠٠. وقال الحافظ ابن حجر: مقبول تقريب التهذيب ٦٩٨٨. وصحح الحديث الحاكم، ووافقه الذهبي المستدرك، الموضع نفسه، والبوصيري مصباح الزجاجة ٤/ ٢٠٢. وضعفه شعيب الأرنؤوط بجهالة مؤثر انظر: تحقيقه على المسند ٦/ ٢٠.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
هُشيم بالخبر من شيخه العوام بن حوشب. ويفهم من البحث عن التصريح بالسماع التحقق من نفي التدليس، فدل على أن الرواية بالعنعنة من المدلِّس من الأمور الدالة على وقوع التدليس، والله أعلم.
٤. قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: حديث ابن شُبرُمة: قال رجلٌ للشعبي: نذرت أن أطلّق امرأتي، لم يقل فيه هشيمٌ: أخبرنا، فلا أدري سمعه أم لا" (^١).
وفي هذا الأثر توقف الإمام أحمد عن قبول ما رواه هُشيم بالعنعنة، وتوقف أيضًا عن الحكم بوقوع التدليس أو عدمه. وهذا موافق لما تقدم عنه أنه توقف عن الحكم بالاحتجاج برواية من عُرف بالتدليس إذا لم يقل: حدثني أو سمعت (^٢).
ولكن يستفاد من هذا أن العنعنة ممن عرف بالتدليس علةٌ تُعلّ بها مروياتهم لا سيما إذا وجدت النكارة فيها، فيرجع سبب النكارة إلى العنعنة التي تقوي من احتمال وقوع التدليس في السند.
الوجه الثاني: رواية الحديث عن الراوي المدلِّس من وجه آخر بالتصريح بواسطة بينه وبين شيخه.
من الأوجه التي ينكشف بها التدليس فيقع بسببها إعلال الحديث بالتدليس أن يروي الراوي المدلِّس حديثًا عن شيخه، ثم يروي الحديث من وجه
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٨ رقم ٢٠٣٩.
(٢) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ١٩٩ رقم ١٣٨.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
آخر بواسطة بينه وبين ذلك الشيخ، فيدل على أنه لما رواه بدون واسطة فإنما رواه مدلَّسًا، ومن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:
١. قال الإمام أحمد: "حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أن رسول الله ﷺ ردَّ ابنته إلى أبي العاص بمهرٍ جديدٍ. قال عبد الله بن أحمد: قال أبي في حديث حجاج: [ردّ زينب ابنته] قال: هذا حديث ضعيف، أو قال: واهٍ، ولم يسمعه الحجاجُ من عمرو بن شعيب، إنما سمعه من محمد بن عبيد الله العرزمي، والعرزمي لا يُساوي حديثه شيئًا، والحديث الصحيح الذي رُوي أن النبي ﷺ أقرّهما على النكاح الأول (^١) " (^٢).
وقد روى عبد الله مثل هذا في العلل (^٣): قال أبي: "روى حجاج عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أن النبي ﷺ ردها بنكاح جديد - يعني زينب ابنته ﷺ على أبي العاص بن الربيع. وسمعته يقول: قرأت في بعض الكتب عن حجاج قال: حدثني محمد بن عبيد الله العرزمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عن النبي ﷺ قال أبي: ومحمد بن عبيد الله ترك الناس حديثه".
فقد ضعف الإمام أحمد هذا الحديث بتدليس حجاج بن أرطأة، وكان من الرواة الذين ذكرهم الإمام أحمد بالتدليس. قال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن حجاج بن أرطأة فقال: "كان يُدلس، كان إذا قيل له: من حدثك، من
_________________
(١) رواه أحمد المسند ١/ ٣٦٩ ح ١٨٧٦ من طريق ابن إسحاق، عن داود بن حُصين، عن عكرمة عن ابن عباس قال: "ردّ رسول الله ﷺ زينب ابنته على زوجها أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول، ولم يُحدث شيئًا". ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ١٨٧ من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني داود بن حصين به. وقال الدراقطني أيضًا: حديث حجاج لا يثبت والصواب حديث ابن عباس السنن ٣/ ٢٥٣.
(٢) المسند ١١/ ٥٢٩ - ٥٣٠.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣١٣ رقم ٥٣٨ - ٥٣٩.
[ ٢ / ٧٤١ ]
أخبرك؟ قال: لا تقولوا: من أخبرك، من حدثك؟ قولوا: من ذكره؟ " (^١). وانكشف التدليس بروايته للحديث من وجه آخر عن شيخه عمرو بن شعيب بواسطة العرزمي، وهو متروك، فدل على أنه لما رواه بدون واسطة فقد دلّسه. ثم هو معارض بما هو أصح منه إسنادًا وهو حديث ابن عباس الذي ذكره الإمام أحمد.
٢. قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: أفسدوا علينا حديث الزهري - يعني حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، عن النبي ﷺ: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين". قالوا: عن سليمان بن أرقم، يعني قالوا: عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة. فقيل لأحمد: فيصح عندك إفساد الحديث، وإنما رواه - يعني ابنُ أبي أُويس؟ قال: أحمد: أيوب - أعني
ابن سليمان كان أمثل منه. قال أبو داود: قد رواه أيوب بن سليمان بن بلال" (^٢).
حديث الزهري عن أبي سلمة عن عائشة عن النبي ﷺ: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" رواه يعقوب الفسوي (^٣)، والبخاري (^٤)، والبيهقي (^٥) كلهم من طريق يونس بن يزيد الأيلي. وأعله الإمام أحمد بالتدليس، وكشف التدليس بدليل رواية من روى الحديث بذكر الواسطة بين الزهري وأبي سلمة. ولما قيل له إن تلك الرواية جاءت من طريق إسماعيل بن أبي أويس (^٦)، فهل تعتمد روايته في
_________________
(١) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٤٣.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠١ - ٤٠٢ رقم ١٨٩٧.
(٣) المعرفة والتاريخ ٣/ ٣.
(٤) التاريخ الأوسط ٢/ ١٤٤.
(٥) السنن الكبرى ١٠/ ٦٩.
(٦) رواية ابن أبي أويس أخرجها الفسوي المعرفة والتاريخ ٣/ ٤، والبخاري التاريخ الكبير ٤/ ٢، والتاريخ الأوسط ٢/ ١٤٤ تعليقًا، والطبراني المعجم الأوسط ٥/ ٣٦ ح ٤٦٠٤، والبيهقي السنن الكبرى ١٠/ ٦٩ كلهم من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه أبي بكر ابن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة، كلاهما عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير أنه سمع أبا سلمة يخبر عن عائشة، وذكره.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
إعلال رواية من روى الحديث بدون ذكر الواسطة؟ فذكر رواية أيوب بن سليمان ابن بلال (^١)، وأنه كان أحسن حالًا من ابن أبي أويس. وكلاهما رويا الحديث بواسطة سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة. فذكر أن هذه الرواية الكاشفة للتدليس قد أفسدت الحديث أي حيث أبانت علته.
ومما يؤيد ذلك أن عبد الله بن عثمان قد روى الحديث أنه من أصل يونس بن يزيد، عن ابن المبارك قال: أخبرني يونس، عن الزهري، وبلغني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت فذكره (^٢)، ومثلها رواية عنبسة بن خالد عن يونس عن ابن شهاب قال: حدث أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت … (^٣).
وممن قال إن الزهري لم يسمع هذا الحديث من ابن أبي كثير الإمام الترمذي فيما نقله عنه العلائي (^٤).
٣. قال عبد الله: "حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: كنا لا نتوضأ من المَوطي. سمعت أبي يقول: هذا لم يسمعه هُشيم من الأعمش، ولا الأعمش سمعه من أبي وائل" (^٥).
أعله الإمام بالتدليس في موضعين، الأول: هشيم عن الأعمش، والثاني:
_________________
(١) أخرج روايته ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١١٠٣، والبيهقي السنن الكبرى الموضع نفسه، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال بمثل رواية ابن أبي أويس.
(٢) المعرفة والتاريخ ٣/ ٣.
(٣) السنن الكبرى ١٠/ ٦٩. رواه من طريق يعقوب الفسوي. ووقع في المعرفة والتاريخ ٣/ ٤، مكان: حدث أبو سلمة: حدثني أبو سلمة، وهو تحريف شنيع محرف للمعنى.
(٤) انظر: جامع التحصيل ص ٢٧٠.
(٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٥٢ ح ٢١٥٥.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
الأعمش عن أبي وائل. أما في الموضع الأول فلم أقف على طريقة الإمام أحمد في كشف التدليس، إلا أن يحمل على مجرد عنعنة هُشيم. وأما في الموضع الثاني فقد نقل العلائي عن الإمام أحمد أنه قال: "كان الأعمش يدلس هذا الحديث، لم يسمعه من أبي وائل. قال مهنا: قلت له: وعمن هو؟ قال: كان الأعمش يرويه عن الحسن بن عمرو الفقيمي، وجعله عن أبي وائل، ولم يسمعه منه" (^١).
وقد أشار الدارقطني إلى القول بأن الأعمش أخذ هذا الحديث عن الحسن بن عمر الفقيمي عن أبي وائل، كما قال الإمام أحمد (^٢).
ويؤيد ما ذكره الإمام أحمد أن ابن خزيمة قال: هذا الخبر له علة، لم يسمعه الأعمش عن شقيق، لم أكن فهمته في الوقت، ثم ذكر بإسناده رواية زياد بن أيوب ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، حدثني شقيق أو حدِّثتُ عنه عن عبد الله بنحوه" (^٣).
والحديث أخرجه أبو داود (^٤)، وابن ماجه (^٥)، وابن خزيمة (^٦)، وغيرهم (^٧)، ولفظه: "كنا لا نتوضأ من موْطئ، ولا نكف شعرًا ولا ثوبًا".
وقد يقتصر الإمام أحمد على التنصيص بالواسطة من غير إسناد الرواية التي وردت بذكرها، ومثال ذلك:
٤. قال عبد الله: "قلت لأبي: علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ قد طلقها زوجها! قال: لا
_________________
(١) جامع التحصيل ص ١٨٩ - ١٩٠.
(٢) علل الدارقطني ٥/ ١١١.
(٣) صحيح ابن خزيمة ١/ ٢٦.
(٤) سنن أبي داود ١/ ١٤١ ح ٢٠٤.
(٥) سنن ابن ماجه ١/ ٣٣١ ح ١٠٤١.
(٦) صحيح ابن خزبمة ١/ ٢٥ ح ٣٧.
(٧) وانظر: علل الدارقطني ٥/ ١١٠ - ١١١.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
أُرى يحيى سمعه إلا من هلال بن أسامة، عن أبي ميمونة. قلت له: فأبو ميمونة هو الذي روى عنه قتادة؟ قال: أُراه" (^١).
حديث يحيى بن أبي كثير هذا رواه الإمام أحمد (^٢)، وابن أبي شيبة (^٣)، والطحاوي (^٤)، والبيهقي (^٥) كلهم من طريق وكيع بن الجراح، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة: [جاءت امرأة إلى النبي ﷺ قد طلقها زوجُها فأرادت أن تأخذ ولدها فقال رسول الله ﷺ: "اسْتَهِما فيه". فقال الرجل: من يحول بيني وبين ابني؟ فقال رسول الله ﷺ للابن: "اختر أيَّهما شِئت". فاختار أمَّه فذهبت به".
ونص الإمام أحمد على أن يحيى بن أبي كثير لم يسمعه من أبي ميمونة، ويرى أنه سمعه من هلال بن أُسامة، عن أبي ميمونة، ولم يسند رواية تصرح بذلك. والحديث معروف من رواية هلال بن أسامة عن أبي ميمونة من وجه آخر. أخرجه ابن جريج (^٦)، وابن عيننة (^٧) كلاهما عن زِياد بن سعد، عن هلال بن أسامة، عن أبي ميمونة به وفيه قصة.
وقد يكون مستند الإمام أحمد رواية معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير،
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٤٠ رقم ٦٢٤.
(٢) المسند ١٥/ ٤٨٠ ح ٩٨٨١.
(٣) المصنف ٤/ ١٨٠ ح ١٩١٢١.
(٤) شرح مشكل الآثار ح ٣٠٨٨.
(٥) السنن الكبرى ٨/ ٣.
(٦) روى حديثه أبو داود السنن ٢/ ٧٠٨ ح ٢٢٧٧، والنسائي السنن الكبرى ٣/ ٣٨١ ح ٥٦٩٠، وعبد الرزاق المصنف ٧/ ١٥٧ ح ١٢٦١١، والحاكم المستدرك ٤/ ٩٧، والبيهقي السنن الكبرى ٨/ ٣.
(٧) روى حديثه الترمذي الجامع ٣/ ٦٣٨ ح ١٣٥٧، وابن ماجه السنن ٢/ ٧٨٧ ح ٢٣٥١، وأحمد المسند ١٢/ ٣٠٨ ح ٧٣٥٢، والحميدي ٢/ ٤٦٤ ح ١٠٨٣. وانظر: إتحاف المهرة ١٦/ ١ ص ٢٧٣.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
عن هلال بن أبي ميمونة، عن أبي هريرة، أخرج هذه الرواية الطحاوي (^١). وهلال بن أسامة هو هلال بن علي بن أسامة، وهو هلال بن أبي ميمونة، ومن قال هلال بن أسامة فإنما نسبه إلى جده، ومن قال ابن أبي ميمونة فإنما ذكر كنية أبيه، وقد روى عنه يحيى بن أبي كثير (^٢)، لكن معاوية بن سلام ذكر الحديث منقطعًا بين هلال وأبي هريرة.
وقد يكون ذكر الواسطة لا دلالة فيها على وقوع التدليس كما يقع مثله في الإرسال الخفي، وذلك إذا ورد التصريح بالسماع في الطريق الناقصة، فيقوى احتمال صحة الوجهين: وهو أنه رواه بواسطة عن شيخه، ورواه أيضًا مباشرة عنه. وقوة الاحتمال بحسب قوة الرواية التي فيها التصريح. والأمثلة الآتية وإن كان الظاهر أن الإمام أحمد أشار بوقوع التدليس فيها إلا أن في التحقيق احتمال صحة الوجهين فيها قائم.
٥. قال ابن هاني: سألته عن حديث جابر بن عبد الله: أكلت مع النبي ﷺ خبزًا ولحمًا فقال أبو عبد الله: محمد بن المنكدر لم يسمعه من جابر، إنما هو حديث محمد بن عقيل، عن جابر، رواه ابن المنكدر، عن ابن عقيل، عن جابر (^٣).
هذه المسألة روى مثلها أبو داود عن الإمام أحمد، قال: "سمعت أحمد قال: قال سفيان - يعني ابن عيينة: سمعت ابنَ المنكدر يقول غير مرة: عن جابر قال: وكأني سمعته مرة يقول: أخبرني من سمع جابرًا فظننت أنه سمعه من ابن عقيل حديث جابر: "أن النبي ﷺ أكل ثم صلى ولم يتوضأ" (^٤).
_________________
(١) شرح مشكل الآثار ح ٣٠٨٧.
(٢) انظر: تهذيب الكمال ٣٠/ ٣٤٣. وانظر: موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٥٢٠.
(٣) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢١٩ رقم ٢١٩٥.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٩ رقم ٢٠٤٣.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
روى عدد كثير من الرواة هذا الحديث عن محمد بن المنكدر، عن جابر ابن عبد الله بالعنعنة (^١)، واعتمد الإمام أحمد ما ذكره ابن عيينة عن ابن المنكدر أنه قال مرة: أخبرني من سمع جابرًا كما ذكر ذلك في رواية أبي داود، وكذلك رواية من روى الحديث عنه بواسطة عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر، ولم أقف على من رواه من هذا الوجه. وقد روى ابن عقيل هذا الحديث عن جابر، رواه عنه ابن عيينة (^٢)، وزائدة بن قدامة (^٣)، وعبيد الله بن عمرو الرقي (^٤)، ومحمد بن إسحاق (^٥). فحمل ابن عيينة قول ابن المنكدر: أخبرني من سمع جابرًا على أنه ابن عقيل، إذ الحديث كان معروفًا به من وجه آخر، والظاهر أن الإمام أحمد تبعه على ذلك، وهو أيضًا موقف الشافعي من هذه الرواية فقد روى البيهقي من طريق حرملة عنه أنه قال: "لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر" (^٦).
وذكر البيهقي أن ما قاله الشافعي محتمل، لأن صاحبي الصحيح لم يخرجا هذا الحديث من جهة ابن المنكدر عن جابر في الصحيح، مع كون إسناده على شرطهما، وذكر أنه قد روى حجاج بن محمد المصيصي، وعبد الرزاق، ومحمد بن بكر البرساني عن ابن جريج، عن ابن المنكدر قال: سمعت جابر
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٦٥، صحيح ابن حبان الإحسان ٣/ ٤١٨ - ٤٢٠، السنن الكبرى ١/ ١٥٥.
(٢) سنن ابن ماجه ١/ ١٦٤ ح ٤٨٩، مسند الحميدي ٢/ ٥٣٣ ح ١٢٦٦، ومسند أبي يعلى ٤/ ١٤ ح ٢٠١٧.
(٣) شرح معاني الآثار ١/ ٦٥.
(٤) الموضع نفسه.
(٥) المسند ٢٣/ ٢٦٤ ح ١٥٠٢٠.
(٦) معرفة السنن والآثار ١/ ٢٥٠.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
ابن عبد الله فذكروا الحديث (^١)، ورواه أيضًا عبد الرزاق، عن ابن جريج، ومعمر قالا: أخبرنا محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله (^٢). قال البيهقي: فإن لم يكن ذكر السماع فيه وهمًا من ابن جريج فالحديث صحيح على شرط صاحبي الصحيح. ا. هـ (^٣). وعليه يصح رواية الوجهين ولا يكون فيه تدليس، ولم أقف على من نسب ابن المنكدر إلى تدليس.
٦. قال أبو بكر الأثرم: "سمعت أبا عبد الله ذكر حديث هُشيم عن ابن شُبرُمَة، عن الشعبي في الذي يصوم في كفارة ثم يُوسِر، فقال: ما أُراه سمعه من ابن شُبرُمة. قيل لأبي عبد الله عن أبي جعفر محمد بن عيسى إنه يقول فيه: قال أخبرنا ابن شُبرُمة، فكأنه تعجّب، ثم قال: هذا قال لي إنسان إنه لم يسمعه، وإنه عن رجل عن ابن شُبرُمة. قلت لأبي عبد الله: إنهم يغلطون عليه ويقولون في كثير من حديثه، إلا أن أبا جعفر عالم بهذا؟ فقال: نعم، أبو جعفر كيس فهم (^٤).
لم أقف على هذا الأثر عن الشعبي.
وأشار الإمام أحمد إلى عدم سماع هُشيم هذا الأثر من شيخه عبد الله بن شُبرُمة الكوفي، مما يدل على أنه مدلَّس، واعتمد في إثبات ذلك على إخبار إنسان له بأن هشيمًا رواه عن رجل عن ابن شُبرُمة، بالإضافة إلى عدم تصريح هُشيم بالسماع في سند الأثر، ولما أُخبر أن محمد بن عيسى بن الطباع رواه عن هُشيم بتصريحه بالخبر قبِل ذلك منه لثقته ومعرفته بحديث هُشيم، فقد كان يرجع إليه الحفاظ عند
_________________
(١) الموضع نفسه. وانظر الرويات: سنن أبي داود ١/ ١٣٣ ح ١٩١، المسند ٢٢/ ٣٤٥ ح ١٤٤٥٣.
(٢) مصنف عبد الرزاق ١/ ١٦٥ ح ٦٣٩. وقد خالف عبد الله بن المبارك عبد الرزاق عن معمر فرواه بالعنعنة كرواية أكثر الرواة عن ابن المنكدر الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٤/ ٤١٥ ح ١١٣٢.
(٣) الموضع السابق.
(٤) تهذيب الكمال ٢٦/ ٢٦١ - ٢٦٢، وانظر: تاريخ بغداد ٢/ ٣٩٥.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
اختلافهم في حديث هُشيم. قال أبو حاتم: سمعت محمد بن عيسى يقول: اختلف عبد الرحمن بن مهدي وأبو داود في حديث لهُشيم فقال أحدهما: كان يُدلِّسه، وقال الآخر: بل هو سماع، فتراضيا بي فأخبرتهما بما عندي فاقتصرا عليه (^١).
٧. قال عبد الله: حدثني أبي، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال سهل بن سعد الأنصاري - وكان قد رأى النبي ﷺ وسمع منه وذكر أنه ابن خمس عشرة سنة يوم توفي رسول الله ﷺ، وقال: حدثني أُبيّ بن كعب أن الفُتيا التي يفتون بها أن الماء من الماء رُخصة كان النبي ﷺ رخّص فيها أول الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال. حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى بن غيْلان، قال: حدثنا رشدين بن سعد، قال: حدثني عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، قال: حدثني بعض من أرضى، عن سهل بن سعد الساعدي، أن أُبيّ بن كعب حدثه [أن رسول الله ﷺ جعلها رُخصة للمؤمنين لقلة ثيابهم، ثم إن رسول الله ﷺ نهى عنه - يعني قوله: "الماء من الماء" (^٢).
بين الإمام أحمد أن الحديث لم يسمعه الزهري من سهل بن سعد، لأنه لم يذكر الخبر، ورواية رشدين بن سعد (^٣) عن عمرو بن الحارث كشفت أن الحديث عند الزهري بواسطة رجل رِضى عنده عن سهل بن سعد، وقد تابع ابنُ وهب رشدين ابن سعد على هذه الرواية (^٤). وقد سمع الزهري من سهل بن سعد جملة،
_________________
(١) تهذيب الكمال ٢٦/ ٢٦٢.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٠٤ - ٤٠٥ رقم ٥٧٧٨ - ٥٧٨٠. وانظر الحديث بالإسنادين في المسند ٣٥/ ٣١ ح ٢١١٠٤، ٣٥/ ٣٢ ح ٢١١٠٥.
(٣) رشدين بن سعد المصري، قال عنه أحمد: أرجو أنه صالح الحديث، وضعفه في رواية حرب ابن إسماعيل، وقدم ابن لهيعة عليه. وكذلك لينه ابن معين، وضعفه جمع من الأئمة تهذيب الكمال ٩/ ١٩٣ - ١٩٥، تهذيب التهذيب ٣/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٤) رواه أبو داود السنن ١/ ٢٤٦ ح ٢١٤، ومن طريقه البيهقي السنن الكبرى ١/ ١٦٥، ورواه الطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٥٧، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ١/ ١١٣ تعليقًا.
[ ٢ / ٧٤٩ ]
وروايته للحديث عن سهل بن سعد بواسطة تدل على أن الرواية الأولى مدلَّسة، والزهري، وإن لم يرد عن الإمام التصريح بأنه كان يدلس، إلا أن صنيعه هذا يدل على أنه تدليس.
وقد وافق الإمام أحمد على عدم سماع الزهري لهذا الحديث من سهل بن سعد موسى بن هارون الحافظ قال: "كان الزهري إنما يقول في هذا الحديث: قال سهل ابن سعد، ولم يسمع الزهري هذا الحديث من سهل بن سعد، وقد سمع من سهل أحاديث إلا أنه لم يسمع هذا منه، رواه ابن وهب، عن عمرو بن الحرث، عن الزهري قال: حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد أخبره، قال موسى: ولعمري إن كان الزهري سمعه من أبي حازم، فإن أبا حازم رِضَى، فقد روى أبو حازم هذا الحديث عن سهل بن سعد" (^١)، وزاد على الإمام أحمد تعيين الواسطة (^٢)، وكذلك جزم الدارقطني بعدم سماع الزهري للحديث من سهل
ابن سعد (^٣).
لكن ذكر الحافظ ابن حجر أن في رواية معمر عن الزهري قال: أخبرني سهل بن سعد، فيدفع القول بعدم سماع الزهري من سهل. أخرج هذه الرواية ابن خزيمة (^٤) من طريق محمد بن جعفر غندر عن معمر. وقال ابن خزيمة: في
_________________
(١) التمهيد ٢٣/ ١٠٧.
(٢) وهذا الحديث الذي ذكره موسى بن هارون الذي فيه تعيين الواسطة قد رواه أبو داود ١/ ٢١٧ ح ٢١٥، وابن خزيمة ١/ ١١٣ تعليقًا، وابن حبان الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان والبيهقي ١/ ١٦٦ كلهم من طريق أبي غسان محمد بن مطرف، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال حدثني أبي، فذكره وانظر: كلام ابن حبان في الإحسان ٣/ ٤٤٧. والحديث أعله أبو حاتم وذكر أنه دخل على راويه حديث في حديث علل ابن أبي حاتم ١/ ٤١.
(٣) انظر: تلخيص الحبير ١/ ١٣٥.
(٤) صحيح ابن خزيمة ١/ ١١٣.
[ ٢ / ٧٥٠ ]
القلب من هذه اللفظة التي ذكرها محمد بن جعفر - أعني قوله: أخبرني سهل ابن سعد - وأهاب أن يكون هذا وهمًا من محمد بن جعفر أو ممن دونه (^١). ا. هـ. ويؤيده أن عبد الرزاق رواه عن معمر عن الزهري بالعنعنة، وليس فيه التصريح بالخبر (^٢)، وكذلك رواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى (^٣)، وعبد الواحد بن زياد (^٤) كلاهما عن معمر.
ومما قد يدل على سماع الزهري من سهل رواية ابن المبارك، عن يونس ابن يزيد، عن الزهري قال: حدثني سهل بن سعد. قال ذلك عن ابن المبارك معلى بن منصور (^٥)، وأبو كريب محمد بن العلاء (^٦). وخالفهما علي بن إسحاق (^٧)، وأحمد بن منيع (^٨)، وحبان بن موسى (^٩)، ويحيى الحماني (^١٠)، والحسن ابن عرفة (^١١)، كلهم رووه عن ابن المبارك بالعنعنة. والثلاثة الأولون كلهم ثقات (^١٢)، وهم أكثر عددًا من اللذين رويا التصريح.
_________________
(١) وقد كان رواية أهل البصرة عن معمر أوهام كما تقدم ص ٤٦٨.
(٢) مصنف عبد الرزاق ١/ ٢٤٨ ح ٩٥١.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٨٦ ح ٩٥٢.
(٤) المعجم الكبير ٦/ ١٢١ ح ٥٦٩٦.
(٥) رواه ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه ١/ ٤٢ ح ١٨، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٤٦٤.
(٦) رواه بقي بن مخلد على ما ذكره ابن حجر تلخيص الحبير ١/ ١٣٥، إتحاف المهرة ١/ ٢٠٨.
(٧) وحديثه عند أحمد المسند ٣٥/ ٢٩ ح ٢١١٠١.
(٨) حديثه عند الترمذي ١/ ١٨٤ ح ١١١، وابن خزيمة ١/ ١١٣
(٩) صحيح ابن حبان ١/ ٤٤٧ ح ١١٧٣ الإحسان.
(١٠) شرح معاني الآثار ١/ ٥٧.
(١١) عند الخطيب في تاريخ بغداد ١/ ٣٥٢.
(١٢) انظر: تقريب التهذيب ١١٥، ١٠٨٥، ٤٧٢١.
[ ٢ / ٧٥١ ]
الوجه الثالث: أن يذكر الراوي المدلِّس أنه لم يسمع الحديث من شيخه الذي رواه عنه.
ومما يكشف التدليس تصريح الراوي المدلِّس بأنه لم يسمع الحديث من شيخه الذي رواه عنه، سواء قال ذلك لما أُوقف عنده أو قاله من تلقاء نفسه.
ومن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:
١. قال أبو داود: "ثنا أحمد، قال: ثنا سفيان بن عيينة، قال: كان ابنُ جُريج أخبرنا عنه - يعني عن كثير، قال: ثنا كثير، عن أبيه حديث الطواف والصَّلاة فسألته فقال: ليس من أبي سمعته ولكن من بعض أهلي، عن جدي".
حديث ابن جريج رواه النسائي (^١)، وابن ماجه (^٢)، وأحمد (^٣) وغيرهم من طرق عن ابن جريج قال: حدثني كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه، عن المطلب بن أبي وَداعة قال: "رأيت النبي ﷺ حين فرغ من أسبوعه أتى حاشية الطواف فصلى ركعتين وليس بينه وبين الطُّوَّاف أحد". فسأل سفيان بن عيينة كثير ابن كثير عن الحديث فذكر الواسطة وانكشف تدليسه. ورواية ابن عيينة هذه في مسند الإمام أحمد (^٤) أيضًا (^٥).
_________________
(١) سنن النسائي ٢/ ٦٧ ح ٧٥٧.
(٢) سنن ابن ماجه ٢/ ٩٨٦ ح ٢٩٥٨.
(٣) المسند ٤٥/ ٢١٩ ح ٢٧٢٤٤.
(٤) المسند ٤٥/ ٢١٨ ح ٢٧٢٤٣.
(٥) وأما ما ورد عن الإمام أحمد من الاحتجاج برواية كثير بن كثير هذه كما ذكر ذلك ابن قدامة عن الأثرم أنه قال: قلت لأحمد: الرجل يصلي بمكة ولا يستتر بشيء؟ فقال قد روي عن النبي ﷺ أنه صلى وليس بينه وبين الطوَّاف سترة. قال أحمد: لأن مكة ليست كغيرها، كأن مكة مخصوصة. وذلك لما روى كثير بن كثير بن المطلب عن أبيه عن جده المطلب قال رأيت رسول الله ﷺ يصلي حيال الحجر والناس يمرون بين يديه رواه الخلال بإسناده. ا. هـ المغني ٣/ ٨٩، فهو محمول على ما عرف عنه من الاحتجاج بالحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب غيره انظر: المسودة ص ٢٤٦ - ٢٤٧.
[ ٢ / ٧٥٢ ]
٢. قال أبو داود: سمعت أحمد قال: "قال يزيد لم يسمع سليمان التيمي حديث سجود النبي ﷺ في الظهر من أبي مِجلِز" (^١).
وقال في موضع آخر: "سمعت أحمد سئل عن الإمام يقرأ في الظهر السجدة؟ قال: لا، فذُكر له حديثُ ابن عمر؟ فقال: لم يسمعه سليمان التيمي من أبي مِجلِز، بعضهم لا يقول فيه: عن ابن عمر" (^٢).
وهذا الحديث رواه أحمد في مسنده (^٣)، عن يزيد بن هارون أخبرنا سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن ابن عمر أن النبي ﷺ سجد في الركعة الأولى من صلاة الظهر، فرأى أصحابُه أنه قد قرأ: "تنزيل السجدة". قال: - القائل سليمان التيمي - لم أسمعه من أبي مِجلِز. ا. هـ. قال ذلك سليمان من غير أن يوقفه أحد. فاحتج الإمام أحمد بذلك على وقوع التدليس في السند وأعلّ الحديث بذلك، حتى إنه روي عنه في موضع آخر أنه قال في الحديث: ليس له إسناد (^٤).
وقد رواه معتمر بن سليمان، عن أبيه فذكر الواسطة. رواه أبو داود (^٥)، والبيهقي (^٦) من طريق معتمر، عن أبيه، عن أمية، عن أبي مجلز، عن ابن عمر. وذكر ابن حجر أن أبا داود ذكر في رواية الرملي عنه أن أمية هذا لا يعرف، ولم يذكره إلا المعتمر (^٧)، وذكر الدارقطني أنه روي عن سليمان، عن أبي أمية، عن أبي مجلز،
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٧ رقم ٢٠٣٧.
(٢) المصدر نفسه ص ٥٧ رقم ٢٦٧.
(٣) المسند ٩/ ٣٩٠ ح ٥٥٥٦، وكذلك رواه ابن أبي شيبة بالإسناد نفسه مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٨١ ح ٤٣٨٦.
(٤) فتح الباري لابن رجب ٤/ ٤٤٤.
(٥) السنن ١/ ٥٠٧ ح ٨٠٧.
(٦) السنن الكبرى ٢/ ٣٢٢.
(٧) تهذيب التهذيب ١/ ٣٧٣.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
قال: ويشبه أن يكون عبد الكريم أبو أمية، وقال ابن رجب: كذا قاله إبراهيم ابن عرعرة (^١). وذكر ابن حجر عن الدارقطني أنه قال: إن كان ذكر الواسطة محفوظًا فالمراد به عبد الكريم بن أبي المخارق، فإنه يكنى أبا أمية، وهو بصري (^٢).
وأما قول الإمام أحمد أن بعضهم لا يقول فيه: عن ابن عمر، فإشارة إلى رواية معتمر بن سليمان، عن أبيه قال: بلغني عن أبي مجلز أن النبي ﷺ فذكره. أخرجه ابن أبي شيبة (^٣).
الوجه الرابع: تنصيص الإمام على عدم سماع الراوي لحديث معينٍ من شيخه.
وهو وجه يكشف تدليس الراوي المدلس ويتم به إعلال حديثه بالتدليس، وذلك بأن يذكر الإمام حديثًا من حديث الراوي المدلس فينص على أنه لم يسمعه من شيخه. ومن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:
١. قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: حدثنا هُشيم، عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن سفيان الثقفي، عن أبيه أن رجلًا قال: يا رسول الله، وقد قال هُشيم: قلت: يا رسول الله، مُرني بأمر الإسلام أمرًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال أبي: لم يسمعه هشيم من يعلى بن عطاء" (^٤).
وهذا الحديث أخرجه أحمد (^٥) من طريق هشيم، وكذلك البيهقي (^٦) من طريق النفيلي، والخطيب (^٧) من طريق محمد بن أبي الدنيا، وعبيد الله بن عمر
_________________
(١) فتح الباري لابن رجب الموضع نفسه.
(٢) تهذيب التهذيب ١/ ٣٧٤.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٨١ ح ٤٣٨٥.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٥٦ رقم ٢١٧١.
(٥) المسند ٣٢/ ١٧٠ ح ١٩٤٣١.
(٦) شعب الإيمان ٤/ ٢٣٨ ح ٤٩٢٤.
(٧) تاريخ بغداد ٢/ ٣٧٠.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
الجشمي، كلهم عن هشيم عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن سفيان الثقفي عن أبيه سفيان بن عبد الله بن ربيعة الثقفي "أن رجلًا قال: يا رسول الله - وقد قال هشيم: قلت: يا رسول الله - مرني في الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحدًا بعدك قال: "قل آمنتُ بالله ثم استقِم". قال: قلت: فما أتقي؟ فأومأ إلى لسانه. وهذا لفظ أحمد، وكلهم رووه عن هشيم بالعنعنة عن يعلى بن عطاء. فنص الإمام أحمد على أن هُشيمًا لم يسمعه من شيخه يعلى، وقد سمع منه أحاديث. قال عبد الله: قال أبي: قال هشيم: فارقنا يعلى بن عطاء سنة عشرين ومائة (^١). وقال يحيى بن معين: قد سمع هشيم من يعلى بن عطاء، وكان صغيرًا جدًا (^٢).
والحديث ثابت عن يعلى بن عطاء، حدث به شعبة عنه (^٣) فتدليس هشيم هنا لا يضر، ولعله أخذه عن ثقة عن يعلى بن عطاء.
٢. قال عبد الله: سمعت أبي يقول في حديث هُشيم عن أبي بِشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي ﷺ سئل عن ذراري المشركين. قال أبي: لم يسمعه هُشيم من أبي بشر (^٤).
حديث هُشيم عند أحمد (^٥)، والنسائي (^٦)، وأبي يعلى (^٧)، ولم يصرح هشيم بالتحديث. وأبو بِشر جعفر بن إياس بن أبي وحْشية من شيوخ هشيم، وأخرج
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١١٤ رقم ٤٤٦٩.
(٢) التاريخ عن ابن معين - برواية الدوري ٤/ ٣٨٦ رقم ٤٩١٤.
(٣) رواه من طريق شعبة النسائي السنن الكبرى ٦/ ٤٥٨ ح ١١٤٩٠، وأحمد المسند ٢٤/ ١٤٢ ح ١٥٤١٧، والبخاري في "التاريخ الكبير" ٥/ ١٠٠.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٧٠ رقم ٢٢١٩.
(٥) المسند ٣/ ٣٤٣ ح ١٨٤٥
(٦) سنن النسائي ٤/ ٥٩ ح ١٩٥١.
(٧) مسند أبي يعلى ٤/ ٣٦٢ ح ٢٤٧٩.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
الجماعة حديثه عنه (^١)، وتنصيص الإمام أحمد على عدم سماع هُشيم لهذا الحديث منه يدل على أن هشيمًا قد دلّسه، ولم أقف على الواسطة بينهما.
والحديث ثابت من طرق أخرى عن أبي بشر؛ رواه عنه شعبة (^٢)، وأبو عوانة (^٣).
٣. وقال أبو داود: وسمعت أحمد ذكر حديث هُشيم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ جعل يوم خيْبر للفرس سهمين وللرجل سهمًا. قال لم يسمعه يعني هشيم" (^٤).
وتقدم أن الإمام أحمد أشار إلى أن هُشيمًا دلّسه تدليس العطف عن عبيد الله ابن عمر العمري (^٥)، وقد سمعه من الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، ولما روى الإمام أحمد الحديث في المسند قرن هُشيمًا في الإسناد بأبي معاوية عن عبيد الله العمري من أجل التدليس في رواية هشيم (^٦).
والأمثلة في هذا النوع كثيرة جدًا في الأحاديث والآثار، وقد ذكر عبد الله ابن أحمد بن حنبل عن أحمد جملة من روايات هشيم عن بعض شيوخه هي من هذا القبيل (^٧).
وقد يكون نفي السماع خفيًا جدًا، وذلك بأن يكون الراوي المدلس قد سمع الحديث جملة من شيخه إلا جزءًا منه، فينص الإمام أحمد وينبه على الجزء الذي لم يسمعه المدلس. مثال ذلك:
_________________
(١) تهذيب الكمال ٦/ ٧.
(٢) المسند ٥/ ٢٥١ ح ٣١٦٥، ٥/ ٣٦٤ ح ٣٣٦٧.
(٣) سنن أبي داود ح ٤٧١١، والمسند ٥/ ١٦١ ح ٣٠٣٤.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٢٥ رقم ١٩٧٠.
(٥) انظر: ص ٦٠١.
(٦) المسند ٨/ ١١ ح ٤٤٤٨.
(٧) انظر: العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٤٥ - ٢٨٤.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: لم يسمع هشيم هذه الكلمة من يعلى ابن عطاء في حديث جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه [أن النبي ﷺ صلى بهم الغداة فانحرف] (^١).
روى حديث يزيد بن الأسود عدد من الرواة عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه قال: [صلى رسول الله ﷺ الفجر بمنى فانحرف فرأى رجلين من وراء الناس، فدعا بهما فجيء بهما تُرعد فرائصُهما فقال: "ما منعكما أن تُصلِّيا مع الناس؟ " فقالا: قد كنا صلينا في الرحال، قال: "فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الصلاة مع الإمام فليصلها معه، فإنها له نافلة"، ومن هؤلاء الرواة غير هشيم، شعبة (^٢)، والثوري (^٣)، وشريك (^٤)، وهشام بن حسان (^٥)، وأبي عوانة (^٦)، وحماد بن سلمة (^٧) وغيرهم.
ورواه الإمام أحمد من حديث هشيم، فلم يذكر قوله: فانحرف، وذكر في هذا السؤال أن قوله في الحديث: فانحرف، لم يسمعه هشيم من يعلى. قال أحمد في المسند (^٨) بعد أن أورد الحديث: "وربما قيل لهشيم: فلما قضى صلاته يحرف، فيقول: يحرف
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٦٨ رقم ٢٢١٣.
(٢) وحديثه عند أبي داود ح ٥٧٥، وأحمد المسند ٢٩/ ٢٣ ح ١٧٤٧٨، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ٣/ ٦٧ ح ١٦٣٨، وابن حبان الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٤/ ٤٣٤ ح ١٥٦٥، والطحاوي شر معاني الآثار ١/ ٣٦٣.
(٣) وحديثه عند عبد الرزاق المصنف ٢/ ٤٢١ ح ٣٩٣٤، وأحمد المسند ح ١٧٤٧٥، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة الموضع نفسه.
(٤) وحديثه عند ابن خزيمة الموضع نفسه.
(٥) وحديثه عند عبد الرزاق الموضع نفسه، وابن خزيمة الموضع نفسه، والطبراني المعجم الكبير ٢٢/ ٢٣٢ ح ٦٠٩.
(٦) وحديثه عند أحمد ٢٩/ ٢١ ح ١٧٤٧٦.
(٧) وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير ٢٢/ ٢٣٣ ح ٦١٢.
(٨) المسند ٢٩/ ١٨ ح ١٧٤٧٤.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
عن مكانه" وهذا اللفظ رواه الثوري في حديثه، وكذلك أبو عوانة، ووقع أيضًا عند بعض من رواه عن هشيم منهم أحمد بن منيع (^١)، وأبو الربيع (^٢)، وأبو بكر ابن أبي شيبة (^٣). ولم يذكر ذلك الإمام أحمد كما تقدم، وكذلك زياد بن أيوب (^٤)، ومحمد الدولابي (^٥) كلهم عن هشيم. فنصّ الإمام أحمد على أن هذه الكلمة لم يسمعها هشيم من يعلى، ومن القرائن المؤيدة لذلك كون بعض من روى الحديث عن هشيم لم يذكرها، وكأنه أخذها عن الحاضرين الذين ذكرهم الإمام أحمد أنهم ربما قالوا له: [فلما قضى صلاته يحرف]، وهذا من دقائق العلل نبه عليه الإمام أحمد ﵀.
الوجه الخامس: تنصيص الإمام على عدم سماع المدلِّس من شيخه إلا أحاديث معينة.
وذلك بأن ينص الإمام على أن أحاديث معينة هي المسموعة للراوي المدلِّس من شيخه، فيحكم على ما زاد عنها بأنها مدلَّسة. ومن ذلك:
١. أحاديث هشيم عن الزهري: قال أبو طالب: "قال أبو عبد الله: ما صحّ من سماع هشيم عن الزهري أربعة أحاديث يقول: حدثنا الزهري، الحديث الطويل حديث الرجم (^٦)، وحديث صفية، وحديث المجادلة (^٧)، وحديث ابن عمر: [ما استيسر من الهدي] (^٨)، وما كان غير ذلك يقول: لا أدري من سفيان بن حسين
_________________
(١) حديثه عند الترمذي ١/ ٤٢٥ ح ٢١٩.
(٢) حديثه عند البيهقي السنن الكبرى ٢/ ٣٠١.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٧٥ ح ٦٦٤٢.
(٤) وحديثه عند النسائي السنن ٢/ ١١٢ ح ٨٥٧، وابن خزيمة الموضع نفسه.
(٥) وحديثه عند ابن حبان الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٤/ ٤٣٤ ح ١٥٦٥.
(٦) انظره في: المسند ١/ ٣٢٧ ح ١٩٧، وفيه تصريح هشيم بالخبر من الزهري.
(٧) لم أقف عليهما.
(٨) انظره في تفسير الطبري ٢/ ٢١٨، وهو تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
[ ٢ / ٧٥٨ ]
سمعته أو الزهري. قلت: يقولون إن شعبة رضي بكتابه؟ قال: لا، ليس هذا بشيء إنما سمع بالموسم فنسي" (^١).
فحكم الإمام أحمد على جملة من الأحاديث رواها هشيم عن الزهري بأنه لم يسمعها منه، وهذه الرواية تدل على أن الواسطة ببينه وبين الزهري هو سفيان ابن حُسين. قال عنه أحمد: ليس بذاك، في حديثه عن الزهري شيء (^٢). وقال ابن معين: حديثه عن الزهري قط ليس بذاك، إنما سمع من الزهري بالموسم (^٣). ومن تلك الأحاديث:
أ. قال ابن هاني: سألته عن حديث هشيم، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي ﷺ: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم". قال لي أبو عبد الله: لم يسمعه هُشيم من الزهري، وكتبته" (^٤).
ورواه عبد الله قال: "سمعت أبي يقول: لم يسمع هُشيم من الزهري حديث علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي ﷺ: "لا يتوارث أهل ملتين شتَّى"، قال أبي: وقد حدثنا به هُشيم" (^٥).
هذا الحديث أخرجه الترمذي (^٦)، والنسائي (^٧) وغيرهما. وقد روى الحديث سفيان بن عيينة، عن الزهري (^٨)، وتابع ابنَ عيينة غيرُ واحدٍ من
_________________
(١) المعرفة والتاريخ ٢/ ٢٠١. وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٦٧٥.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٥٠ رقم ٢٨.
(٣) الجرح والتعديل ٤/ ٢٢٨.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٠٩ رقم ٢١٤٠.
(٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٦٥ رقم ٢٢٠٢.
(٦) الجامع ٤/ ٤٢٣ ح ٢١٠٧.
(٧) السنن الكبرى ٤/ ٨٢ ح ٦٣٨٢.
(٨) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ٦/ ٢٨٣ ح ٣١٤٣٧، والدارمي السنن ٢/ ٤٦٧ ح ٣٠٠١.
[ ٢ / ٧٥٩ ]
أصحاب الزهري (^١)، ولذلك حكم عليه الترمذي بأنه: حسن صحيح.
لكن أشار ابن عبد البر إلى أن هشيمًا تفرد برواية الحديث بلفظ: لا يتوارث أهل ملتين شتّى، وقال: هشيم ليس في ابن شهاب بحجة (^٢).
ب. قال عبد الله: سمعت أبي يقول: لم يسمع هُشيم من الزهري حديث سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ "أنه كان يرفع يديه إذا كبّر".
أخرج هذا الحديث ابن أبي شيبة (^٣)، ولفظه: "أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح وإذا ركع وإذا رفع رأسه ولا يجاوز بهما أذنيه". والحديث مشهور للزهري، لكن قوله: ولا يجاوز بهما أذنيه لم أره لأحد من أصحاب الزهري، وإنما قالوا: يرفعهما حذوَ منكبيه (^٤). وقد رواه هُشيم، عن الفضل بن عطية، عن سالم، عن أبيه به (^٥)، ولم أر لفضل بن عطية رواية عن الزهري، وقد يكون هشيم حمل حديث الزهري على حديث الفضل بن عطية لعدم ضبطه لحديث الزهري، والعلم عند الله.
٢. أحاديث هُشيم عن جابر الجُعفي: قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: هذان الحديثان سمعهما هُشيم من جابر الجُعفي، وكل شيء حدّث عن جابر
_________________
(١) ذكرهم ابن عبد البر ٩/ ١٦٢.
(٢) التمهيد ٩/ ١٧١. والذين رووا هذا الحديث عن هشيم بهذا اللفظ: هم أسد بن موسى عند الطحاوي شرح معاني الآثار ٣/ ٢٦٦، ويحيى الحماني عند الطبراني المعجم الكبير ١/ ١٦٣ ح ٣٩١، ومسعود بن الجويرية، وعلي بن حجر كلاهما عند النسائي السنن الكبرى ٤/ ٨٢ ح ٦٣٨١، ٦٣٨٢، والحسين بن سوار عند ابن عبد البر الموضع نفسه.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢١٢ ح ٢٤٢٨.
(٤) انظر: صحيح البخاري ٢/ ٢١٨ - مع فتح الباري مثلًا.
(٥) المعجم الكبير ١٢/ ٣٢٣ ح ١٣٢٤٣.
[ ٢ / ٧٦٠ ]
مدلّس إلا هذين:
حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم، قال: أخبرنا جابر الجعفي، عن أبي جعفر، عن ابن عباس "أن النبي ﷺ مرّ بقِدرٍ يغلي فأخذ منها عرقًا أو كتفًا فأكله ثم صلى ولم يتوضأ".
حدثني أبي، قال: حدثنا هُشيم، عن جابر - قال: أبي وهو مما سمعه منه - عن الحسن بن مسافر، عن أبي سبرة النخعي قال: "لما قدم عمر الشَّام أُتي بطعام فلما فرغ أُتي بثوب كتّان أو قال: سابري، فقالوا: امسح به يدك، فقال: إن كان ذلك ليكفي رجلًا من المسلمين، وأبى أن يمسح به يده، قال: فلما حضرت الصلاةُ صلى ولم يتوضأ" (^١).
وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل قيل له: "هُشيم سمع من جابر الجعفي؟ قال: سمع منه حديثيْن فقط، ولكن كان يحدّث عنه مراسيل، أحد الحديثين حديث ابن عباس في الكتف" (^٢).
وقال الخطيب: قد دلّس هُشيم عن جابر الجُعفي وعن غيره من شيوخه أحاديث كثيرة (^٣).
٣. أحاديث هُشيم عن أيوب السختياني: قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: لم يسمع هُشيم من أيوب إلا حديثًا واحدًا" (^٤). وأما ابن معين فقال: قد سمع منه حديثًا أو حديثين (^٥).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٥٠ رقم ٢١٤٩ - ٢١٥٠.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٥٢ رقم ٢٠٥٧.
(٣) تاريخ بغداد ١٤/ ٨٦ - ٨٧.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢١٠ رقم ٤٩٠٧.
(٥) التاريخ عن ابن معين - برواية الدوري ٤/ ٤١٠ رقم ٥١٠٩.
[ ٢ / ٧٦١ ]
٤. الحكم بن عُتيبة عن مِقسم: تقدم أن الإمام أحمد قال: لم يصحّ سماعُ الحكم من مِقسم إلا في أربعة أحاديث. قال عبد الله: "سمعت أبي يقول الذي يصحح الحكم عن مقسم أربعة أحاديث: حديث الوتر أن النبي ﷺ كان يُوتر، وحديث عزيمة الطلاق عن مقسم عن ابن عباس في عزيمة الطلاق، والفي الجماع (^١)، وعن مقسم عن ابن عباس أن عمر قنت في الفجر، هو حديث القنوت، وأيضا عن مقسم رأيه في محرم أصاب صيدًا قال: عليه جزاؤه، فإن لم يكن عنده قُوِّم الجزاء دراهم ثم تُقوَّم الدراهمُ طعامًا. قلت: فما روي غير هذا؟ قال: الله أعلم يقولون هي كتاب، أرى حجاجًا روي عنه عن مِقسم عن ابن عباس نحوا من خمسين حديثًا، وابن أبي ليلى يغلط في أحاديث من أحاديث الحكم، وسمعت أبي مرة يقول: قال شعبة هذه الأربعة التي يصححها الحكم سماع من مقسم" (^٢). وقد روي عن أحمد زيادة حديث آخر، وهو حديث الحجامة في الصيام (^٣).
فهذا قد عدّه بعض المحدثين نوعا من أنواع التدليس، وهو أن يروي عن شيخه ما لم يسمعه منه سماعًا وإنما أخذها من صحيفة وجادة، فقد اعتبر ابن حبان رواية الحكم بن عتيبة، وليث بن أبي سليم، وابن أبي نجيح، وابن جريج، وابن عيينة تفسير مجاهد عنه تدليسًا، لأنهم لم يسمعوه وإنما نسخوه من كتاب القاسم بن أبي وبرة الذي سمعه من مجاهد (^٤).
_________________
(١) كذا في الأصل وفي الطبعة التي حققها محمد حسام بيضون. ولعل الصواب: الفيء في الجماع، إشارة إلى كفارة من أتى الحائض، فهو من الأحاديث الأربعة كما ذكرها القطان عن شعبة، وعنه أخذها الإمام أحمد انظر: المعرفة والتاريخ ٢/ ٥٨٤، جامع التحصيل ص ١٦٧.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥٣٦ رقم ١٢٦٩.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٩٣ رقم ٤٣٣٣، مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٦ رقم ٢٠٣٠، وتقدم، انظر: ص ٥٠٨.
(٤) مشاهير علماء الأمصار ١/ ١٦٤، وانظر: منهج المتقدمين في التدليس ص ٦٤.
[ ٢ / ٧٦٢ ]
وقد نُسب الحكم بن عتيبة إلى التدليس (^١)، ولم أقف عن الإمام أحمد على التصريح بشيء من ذلك في الحَكم، إلا ما ذكره هنا مما هو عند التحقيق صورة من صور التدليس.
الوجه السادس: الإعلال بالنكارة وسببها التدليس.
إذا وقعت النكارة في الحديث الذي ظاهر سنده الصحة فإن عادة النقاد أن يُرجعوا علة النكارة إلى علة قادحة إن وجدت، وإلا ذكروا علة محتملة لأن تكون قادحة وإن لم يكن وجودها محققًا، وقد سبق كلام المعلمي في هذا في الكلام حول الإعلال بكذب الراوي (^٢). وهذا المسلك قد سلكه الأئمة في إعلال حديث المدلس حيث يروي الحديث بدون تصريح بالإخبار من شيخه في السند ووقعت النكارة في الحديث إما بالغرابة المستنكرة أو المخالفة أو غير ذلك فيعللون الحديث بالتدليس المحتمل من المدلس، ويرونه منشأ علة النكارة. ومن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:
١. قال مهنا: قلت لأحمد ويحيى: حدثوني عن عبد المجيد بن أبي رواد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة معاوية بن أبي سفيان". فقالا جميعًا: ليس بصحيح، وليس يُعرف هذا الحديث في أحاديث عبيد الله، ولم يسمع عبد المجيد بن أبي روّاد من عبيدالله شيئًا، ينبغي أن يكون عبد المجيد دلّسه، سمعه من إنسان فحدّث به (^٣).
_________________
(١) انظر: جامع الحصيل ص ١٠٦، وتعريف أهل التقديس ص ٥٨.
(٢) قال المعلمي: إذا استنكر الأئمة المتن وكان ظاهر السند الصحة فإنهم يتطلبون له علة، فإذا لم يجدوا له علة قادحة مطلقًا حيث وقعت أعلوه بعلة ليست قادحة مطلقًا، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذلك المنكر … انظر: مقدمته على كتاب "الفوائد المجموعة" ص ١١ - ١٢.
(٣) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٢٧ رقم ١٣٥.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
ذكره ابن الجوزي (^١)، ونقل رواية مهنا هذه. ووجه النكارة كما ذكره أحمد وابن معين كون الحديث ليس معروفًا من أحاديث عبيد الله العمري، وهو حافظ مكثر قد جمع حديثه وعُرف، فيستغرب أن لا يرويه إلا عبد المجيد بن أبي رواد، والإسناد ظاهره الصحة وعبد المجيد لما كان ثقة عندهما (^٢)، لم يُلزقا النكارة به، بل ألزقاها بالرجل المجهول الذي هو الواسطة بينه وبين عبيد الله العمري.
فالشاهد أنهما جعلا علة الحديث التدليس المحتمل من عبد المجيد لأنه لم يسمع من عبيد الله، فالمحتمل أن يكون سمعه من إنسان غير ثقة عن عبيد الله فدلّسه عنه. ولا شك أن عبد المجيد قد عاصر عبيد الله العمري، فقد روى عن أقرانه مثل ابن جريج، ومعمر (^٣)، لكن نص أحمد وابن معين على أنه لم يسمع من عبيد الله العمري شيئًا، فروايته عنه مرسلة، وأطلقا عليها اسم التدليس.
وقد اعتمد العلائي هذه الرواية عن أحمد في عدّ عبد المجيد من المدلسين (^٤)، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
ونكارة متن الحديث واضحة من وجه آخر، فإن المعروف في رواية هذا المتن: "لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة أبو جهل". هكذا رواه الشاشي (^٥) من طريق الطيالسي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود به مرفوعًا. وأبو عبيدة وإن كان لم يسمع من أبيه لكن رواياته عنه صحيحة كما قال ابن رجب (^٦).
_________________
(١) العلل المتناهية ١/ ٢٨٠.
(٢) وثقه كل من أحمد ويحيى بن معين تهذيب الكمال ١٨/ ٢٧٣.
(٣) انظر: تهذيب الكمال الموضع نفسه.
(٤) انظر: جامع التحصيل ص ١٠٧.
(٥) مسند الشاشي ٢/ ٣٣١.
(٦) فتح الباري لابن رجب ٥/ ٦٠.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
٢. قال عبد الله: حَدّثتُ أبي بحديث المُحاربي عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري قال: سُئل النبي ﷺ عن التَّشبيه في الصَّلاة، فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا". فأنكره أبي واستعظمه، ثم قال أبي: المحاربي، عن معمر؟ قلت: نعم، فأنكره جدًا. والحديث حدثني به أبو الشعثاء، وأبو كريب قالا: حدثنا المحاربي. قال أبو عبد الرحمن عبد لله بن أحمد: ولم نعلم أن المُحاربي سمع من معمر شيئًا، وبلغنا أن المحاربي كان يدلّس (^١).
هذا الحديث الذي ذكره عبد الله للإمام أحمد رواه ابن ماجة (^٢) عن أبي كُريب، عن المُحاربي به. وهذا الإسناد ظاهره الصحة. قال ابن حجر: "رواته ثقات لكن سُئل أحمد عنه فقال: إنه منكر" (^٣). ووجه النكارة أنه جعله من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري، والمعروف أن هذا الحديث يرويه الزهري عن ابن المسيب مرسلًا، وعن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد مسندًا، هكذا رواه الجماعة (^٤) إلا الترمذي من طرق عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به.
وأرجع الإمام أحمد العلة إلى رواية المُحاربي عن معمر، وأوضح ذلك عبد الله بأن المحاربي لا يُعلم سماعُه من معمر، وكان يدلس، أي فربما أخذه عن إنسان غير ثقة فدلسه عن معمر. ويؤيد هذا التوجيه أن معمرًا يروي الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن عياض بن هِلال، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا شبَّه على أحدكم الشيطانُ وهو في صلاته فقال: أحْدثتَ، فليقل في نفسه: كَذَبتَ، حتى يسمعَ صوتًا بأذنيْه أو يجد ريحًا بأنفه، وإذا صلى
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣٦٣ رقم ٥٥٩٧.
(٢) سنن ابن ماجة ١/ ١٧١ ح ٥١٤.
(٣) فتح الباري ١/ ٢٣٧.
(٤) صحيح البخاري ١/ ٢٣٧ ح ١٣٧ - مع فتح الباري، صحيح مسلم ١/ ٢٧٦ ح ٣٦١، سنن أبي داود ١/ ١٢٢ ح ١٧٦، سنن النسائي ١/ ٩٨ ح ١٦٠، سنن ابن ماجه ١/ ١٧١ ح ٥١٣.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
أحدكم فلم يَدرِ أزاد أم نقص فليسجد سجدتيْن وهو جالس" (^١)، فلعل هذا الذي حدّث المحاربي بالحديث لم يضبط حديث معمر فجعله عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي سعيد، فأخذه عنه المحاربي ورواه عن معمر بإسقاط الواسطة.
فالشاهد أن النكارة في هذا الإسناد راجعة إلى تدليس محتمل من المحاربي في روايته عن معمر.
٣. قال عبد الله: ذكَر أبي حديثَ المُحاربي، عن عاصم، عن أبي عثمان حديث جَرِير: تُبْنى مدينةٌ بين دِجْلَة ودُجَيْل، فقال: كان المُحاربي جليسًا لسيف بن محمد ابن أخت سفيان، وكان سيف كذّابًا، فأظن المحاربي سمع منه. قيل له: إن عبد العزيز بن أبان رواه عن سفيان، فقال: كل من حدّث به فهو كذاب - يعني عن سفيان. قلت له: إن لوَيْنا حدثناه عن محمد بن جابر، فقال: كان محمد ربما أَلحَق في كتابه، أو يُلحِق في كتابه - يعني الحديث. وقال هذا حديث ليس بصحيح أو قال كذب" (^٢).
هذه المسألة تقدم ذكرها في الكلام عن الإعلال بكذب الراوي، والشاهد منه هنا أن هذا الحديث الذي حكم عليه الإمام أحمد بأنه كذب ظاهر إسناده الصحة، وأرجع سبب نكارة المتن إلى احتمال تدليس المحاربي في روايته للحديث عن عاصم، وأنه يحتمل أن يكون سمع الحديث من سيف بن محمد - وكان كذابًا - فدلسه عن عاصم وأسقط سيف بن محمد.
٤. قال ابن رجب في حديث رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي: حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: بصر رسول الله ﷺ برجل يُسيء
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق المصنف ١/ ١٤٠ ح ٥٣٣، وعنه أحمد المسند ١٧/ ٤٢٣ ح ١١٣٢٠، وابن حبان الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٦/ ٣٨٩ ح ٢٦٦٦.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٧٠ رقم ٢٦٤٤.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
في صلاته، فقال له رسول الله ﷺ: "أحسن صلاتَك"، وأمره أن يرفع يديه عند تكبيرة الاستفتاح للصلاة، وبالقراءة، وبرفع يديه إذا كبّر للركوع، وبرفع يديه عند تكبيرة السجدة التي بعد الركوع" قال: خرجه ابن جوصا في "مسند الأوزاعي"، وهو مرسل. قال ابن رجب: والوليد مدلس عن غير الثقات، وقد استنكر الإمام أحمد حديثه هذا. ا. هـ (^١).
وهذا الإسناد الذي ذكره ابن رجب ظاهره الصحة، وإنما استنكره الإمام لما فيه من الأمر برفع اليدين في المواضع الثلاثة، وقد روي الحديث عن الأوزاعي، عن إسحاق، عن أنس أن النبي ﷺ كان يعفل ذلك في صلاته، وقال ابن رجب هو أصح، أي من الحديث الذي فيه الأمر. ولا ترجع العلة إلا إلى تدليس الوليد بن مسلم، فقد رواه عن الأوزاعي بالعنعنة وهو مشهور بالتدليس عن غير الثقات، فأصبح احتمالُ التدليس هو علة وقوع النكارة في المتن.
_________________
(١) فتح الباري لابن رجب ٤/ ٢٩٨.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
المطلب الثالث: تدليس الشيوخ والإعلال به عند الإمام أحمد.
وتدليس الشيوخ هو القسم الآخر من قسمي التدليس، وهو أن يروي المحدث عن شيخ سمع منه حديثًا، فغيّر اسمه، أو كنيته، أو حاله المشهورة من أمره لئلا يُعرف (^١). والإعلال بهذا النوع من التدليس ليس من باب الإعلال بالانقطاع، فإن السماع هنا ثابت، وإنما هو من باب تغطية الراوي المجروح، إذ وصف الراوي بما لم يعرف به يجعله في حيز المجهول المعدوم العدالة وقد تكون حالته أسوأ من حالة المجهول.
وقد أشار الإمام أحمد إلى أن عطية بن سعد العوفي كان مشهورًا بهذا النوع من التدليس. روى الخطيب عن أحمد بن حنبل أنه قال: "بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير فكان يكنيه بأبي سعيد، فيقول: قال أبو سعيد، وكان هُشيم يضعّف حديث عطية" (^٢) وكنية الكلبي أبو النضر، فغير عطية كنيته ليوهم الناس أنه يروي عن أبي سعيد الخدري التفسير الذي كان يأخذه عنه.
ومن الأمثلة على ما كشفه الإمام أحمد من هذا النوع من التدليس في الأسماء الواقع في بعض الأسانيد:
١. قال أبو داود قال: قلت لأحمد: "من الفزاري الذي يحدِّث عنه محمد ابن سلمة حديث البراء: "من كذب علي"؟ قال: هو محمد بن عبيد الله العَرزَمي، كان يقول في عرزم - وكان فزاريًا - فكان يقول - يعني محمد بن سلمة - الفزاري" (^٣).
_________________
(١) الكفاية في علم الرواية ص ٥٢٠.
(٢) المصدر نفسه ص ٥٢١.
(٣) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠٢ رقم ١٩٠٠.
[ ٢ / ٧٦٨ ]
هذا الحديث رواه أبو نعيم (^١)، والحاكم (^٢)، والخطيب (^٣) من طرق عن محمد ابن سلمة، عن الفزاري محمد بن عبيد الله، عن طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن ابن عوسجة، عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ: "من كذب عليّ متعمدًا ليضل به الناس فليتبوأ مقعدَه من النار".
فمحمد بن سلمة وهو الحراني (^٤)، دلّس اسم شيخه محمد بن عبيد الله العرزمي فسماه الفزاري لكي لا يُعرف حتى إن ذلك خفي على أبي داود، والعرزمي متروك الحديث عند أئمة الحديث، لا يختلفون فيه كما قال الحاكم (^٥). وهذا الفعل يجعل الإسناد أحسن حالًا منه لو أنه صرّح باسمه، فإن غايته أن يكون شيخ محمد بن سلمة مجهولًا، وحديث المجهول أحسن حالًا من حديث الراوي الموصوف بأنه متروك الحديث.
وفي الحديث لفظة منكرة، وهي قوله: "ليُضلّ الناس بغير علم"، وقد أشار الحاكم إلى نكارتها.
٢. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "حدثني أبي، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، شيخ كان في بجيلة، عن إبراهيم قال: [لا يصلي المتيمّم إلا صلاة واحدة]. قال أبي زعموا أنه الحسن بن عمارة، قال أبي: كان الحسن بن عمارة ينزل في بجيلة، أرى أن أبا معاوية غيّر اسمه" (^٦).
_________________
(١) مستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم ١/ ٤٨ ح ٣٤.
(٢) المدخل على الصحيح ص ١٩٧.
(٣) تالي تلخيص المتشابه ١/ ١٥٥.
(٤) قال عنه أحمد: لم يكن من أصحاب الحديث، ولم يكن به بأس، أُراه رجلًا صالحًا وأثنى عليه خيرًا. العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٧٧ رقم ٤٢٥٥. وكذلك وثقه ابن سعد، والنسائي تهذيب الكمال ٢٥/ ٢٩١.
(٥) الموضع نفسه.
(٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥٣٢ رقم ٣٥١٦.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
وهذه الرواية رواها العقيلي (^١) أيضًا والخطيب (^٢). قال الخطيب في الحسن بن عمارة: وهو عبد الله بن عبد الرحمن الذي روى عنه أبو معاوية الضرير (^٣). وإنما كشف ذلك الإمام أحمد. والحسن بن عمارة البَجَلي متروك (^٤)، فدلّس أبو معاوية اسمه لكي لا يعرف.
_________________
(١) كتاب الضعفاء ١/ ٢٥٦.
(٢) موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٢٦.
(٣) الموضع نفسه.
(٤) تقريب التهذيب ١٢٧٤.
[ ٢ / ٧٧٠ ]