وفيه فصلان
الفصل الأول: الإعلال بالتفرد والمخالفة
الفصل الثاني: الإعلال بالعلل الخفية
[ ٢ / ٧٧١ ]
الفصل الأول: الإعلال بالتفرد والمخالفة
[ ٢ / ٧٧٣ ]
المبحث الأول: التفرد والإعلال به عند الإمام أحمد.
المطلب الأول: معنى التفرد والغرابة عند الإمام أحمد.
التفرد لغة مأخوذ من الفرد. قال ابن فارس: "الفاء والراء والدال أصل صحيح يدل على وُحدة، ومن ذلك الفرْد وهو الوَتْر، والفارِد والفَرْد الثَّوْر المنفرِد، وظَبية فارِد انقطعت عن القَطِيع، وكذلك السِّدرة الفاردة انفردت عن سائر السِّدر" (^١).
وعرفّه الذهبي في الاصطلاح فقال: "والتفرد يكون لما انفرد به الراوي إسنادًا ومتنًا، ويكون لما تفرد به عن شيخ معين" (^٢).
فذكر نوعين للتفرد: الأول منهما - وهو ما اصطُلِح عليه بالفرد المطلق - هو تفرد الراوي برواية الحديث إسنادًا ومتنًا، أي لم يُرو الحديث بإسناده ومتنه إلا من طريقه. والثاني - وهو ما اصطُلِح عليه بالفرد النسبي ويكثر إطلاق الغريب عليه - هو التفرد عن شيخ معين ولو كان أصلُ الحديث معروفًا من وجه آخر (^٣).
ولم أقف على استعمال الإمام أحمد للفظ التفرد، لكن ذكر أبو داود أنه سأله فقال: "إسرائيل إذا انفرد بحديث يُحتج به؟ قال إسرائيل ثبت الحديث" (^٤)، وليس في هذا السؤال تمييز لنوع التفرد هل هو من قبيل المطلق أو النسبي. وقد يكون الاستعمال هنا على المعنى اللغوي، وهو قريب من المعنى الاصطلاحي في
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة ٤/ ٥٠٠.
(٢) الموقظة ص ٤٣.
(٣) انظر: نزهة النظر ص ٢٨ وفتح المغيث ١/ ٢٥٣.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣١١ رقم ٤٠٥.
[ ٢ / ٧٧٥ ]
كلا حالتيه، لأن الذي يروي حديثًا لا يرويه غيرُه قد انقطع عن سائر الرواة وانفرد عنهم، وكذلك الذي يروي حديثًا عن شيخه لا يرويه عنه غيرُه.
والذي ورد عن الإمام أحمد هو استعمال لفظ الغرابة ومشتقاتها، وذكر الحافظ ابن حجر أنها والتفرد مترادفان لغة واصطلاحًا (^١). ويرجع استعمال هذا اللفظ عند الإمام أحمد إلى معنين:
الأول: التفرد المطلق.
قال الميموني: ذكر أبو عبد الله أن معمرًا لقي همامًا - يعني ابن منبه - شيخًا كبيرًا في أيام السودان، فقرأ على معمر، ثم ضعُف الشيخُ فقرأ معمر الباقي عليه، وهي أربعون ومئة حديث فيها غرائب، منها: "كان داود يأمر بدابته فتسرج فيقرأ القرآن" (^٢).
وقال الميموني في موضع آخر: قال لي أحمد بن حنبل: "همَّام بن منبِّه روى عنه أخوه وهب بن منبِّه، وكان رجلًا يغزو، وكان يشتري الكتب لأخيه وهب، فجالس أبا هريرة بالمدينة، فسمع أحاديث - وكان قد أدرك المسوِّدة (^٣) وسقط حاجباه على عينيه - وهي نحو أربعين ومئة حديث بإسناد واحد، ولكنها مقطَّعة في الكتب، وفيها أشياء ليست في الأحاديث" (^٤).
فقد فسّرت الروايةُ الثانية الغرائب بأنها أشياء ليست في الأحاديث، أي لا تروى إلا من ذلك الوجه، وهذا النوع من الأحاديث هو الفرد المطلق. والمثال
_________________
(١) نزهة النظر الموضع نفسه.
(٢) المنتخب من العلل للخلال ص ١١٨ رقم ٥١.
(٣) المقصود بهم العباسيين لأن السواد كان شعارهم. ذكره الأرنؤوط في تحقيقه على سير أعلام النبلاء ٥/ ٣١٢.
(٤) تهذيب الكمال ٣٠/ ٢٩٩ - ٣٠٠.
[ ٢ / ٧٧٦ ]
الذي ذكره الإمام أحمد ظاهره من ذلك، فقد رواه في مسنده (^١)، وكذلك البخاري (^٢) وغيرهما عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "خُفّف على داود ﵇ القراءة، فكان يأمر بدابته تسرج، فكان يقرأ القرآن (^٣) من قبل أن تسرج دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه". فإن ظاهر هذه الرواية أنها من مفردات همام بن منبه من بين أصحاب أبي هريرة، ولعل من أجل هذا تجنب الإمام مسلم إخراجه، مع إخراجه عددًا من الأحاديث هي في صحيفة همام بن منبه. وكأن الإمام البخاري لاحظ هذا الظاهر فذكر ما يدفعه، فقال - بعد سياقه للحديث: رواه موسى بن عقبة، عن صفوان، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (^٤).
الثاني: إطلاق هذه اللظفة على الفرد النسبي، ومن ذلك:
قال عبد الله: "حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، عن هشام
ابن أبي عبد الله، عن عامر الأحول، عن الحسن أن رسول الله ﷺ نهى أن تنكح الأمة على الحرّة. قال أبي: حديث سفيان، عن هشام بن أبي عبد الله غريب، إنما رواه عمرو بن عبيد، وهو غريب من حديث عامر الأحول. قال أبي: وحدثناه الفزاري - يعني مروان - عن هشام ابن أبي عبد الله" (^٥).
_________________
(١) المسند ١٣/ ٤٩٧ ح ٨١٦٠
(٢) صحيح البخاري ٦/ ٤٥٣ ح ٣٤١٧ - مع فتح الباري.
(٣) قال ابن القيم: والمراد بالقرآن ههنا الزبور كما أريد بالزبور القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. تهذيب السنن ١٢/ ٢٧٩.
(٤) صحيح البخاري الموضع السابق. وذكر الحافظ ابن حجر أن البخاري وصل هذا التعليق في "خلق أفعال العباد"، وكذا الإسماعيلي في "مستخرجه"، والبيهقي في "الأسماء والصفات"، وساق الحافظ إسناد الإسماعيلي، من طريق أحمد بن حفص، عن أبيه حفص بن عبد الله، عن إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة تغليق التعليق ٤/ ٢٩ - ٣٠.
(٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٩١ رقم ٤٣٢٦.
[ ٢ / ٧٧٧ ]
أطلق الإمام أحمد الغرابة على رواية هذا الحديث من طريق عامر الأحول، عن الحسن البصري، فقال: غريب من حديث عامر الأحول، فالمقصود بالغرابة هنا التفرد النسبي، وليس التفرد المطلق، لأن الحديث روي من وجه آخر عن رجل، عن الحسن، وبينت رواية ابن عيينة أن الرجل المبهم هو عمرو بن عبيد (^١)، وإنما يستغرب من رواية عامر الأحول، عن الحسن (^٢) حيث لم يرد ذلك إلا في رواية هشام الدستوائي.
وقال عبد الله أيضًا: "حدثني أبي، قال: حدثنا هُشيم قال: أخبرنا يحيى ابن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن النبي ﷺ دخل على عائشة وهي تلعب بالبنات ومعها جوار فقال لها: "ما هذا يا عائشة؟ " فقالت: هذه خيل سليمان، قال: فجعل يضحك من قولها. سمعت أبي يقول: غريب، لم نسمعه من غير هُشيم، عن يحيى بن سعيد" (^٣).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن مصنف عبد الرزاق ٧/ ٢٦٨ ح ١٣١٠١.
(٢) رواه غير واحد فلم يذكر عامر الأحول، منهم: أبو داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي، عن رجل، عن الحسن. رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٤٦٧ ح ١٦٠٧١. وإسماعيل بن علية قال: حدثني من سمع الحسن يقول فذكره. رواه سعيد بن منصور ١/ ٢٢٩ ح ٧٤١. وابن جريح، رواه عن رجل عن الحسن أيضًا. رواه عبد الرزاق عنه مصنف عبد الرزاق ٧/ ٢٦٧ ح ١٣٠٩٩. وجزم الحافظ ابن حجر بأن الرجل المبهم هو عمرو بن عبيد تلخيص الحبير ٣/ ١٧١. لكن يشكل عليه أن ابن أبي شيبة رواه عن إسماعيل بن علية، عن يونس عن الحسن، فإن كان حفظ فقد يكون هو الرجل المبهم، لا عمرو بن عبيد كما قال الإمام أحمد، وكذلك الحافظ ابن حجر، لأن ابن علية أدرى بحديث أهل البصرة من ابن عيينة، إلا أن يكون غير ابن عيينة تابعه على ذكر عمرو بن عبيد، ولم أقف على من تابعه، والله أعلم.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٧٧ ح ٢٢٤٢.
[ ٢ / ٧٧٨ ]
هذا الحديث استغربه الإمام أحمد من حديث يحيى بن سعيد، عن محمد ابن إبراهيم التيمي، لأنه لم يسمعه من هذا الوجه إلا من هُشيم، فسماه غريبًا، فهو من التفرد النسبي.
والحديث يرويه سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب الغافقي، عن عمارة ابن غزية، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن عائشة به (^١)، وهو في الصحيح من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بدون ذكر خيل سليمان (^٢).
وقال الأثرم: "حدثنا أحمد، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا أدرك من الجمعة ركعة صلى إليها أخرى، وإذا أدركهم جلوسًا صلى أربعًا. قال أبو عبد الله: ما أغربه - يعني أن هذا الحديث غريب عن ابن عمر" (^٣).
وهذا التفسير يحتمل أنه من ابن عبد البر، وهو مشكل، فإن الرواية بهذا الأثر قد جاءت من طرق أخرى عن ابن عمر؛ رواه الثوري، عن الأشعث، عن نافع، عن ابن عمر (^٤)، وتابعه عبد الله بن عمر العمري، عن نافع (^٥). ورواه أيضًا هشيم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع عن ابن عمر (^٦). فلا وجه لاستغرابه من حديث ابن عمر.
والذي يظهر لي أن الإمام أحمد استغرب الحديث من رواية أيوب، عن
_________________
(١) أخرجه أبو داود السنن ٥/ ٢٢٧ ح ٤٩٣٢، والنسائي السنن الكبرى ٥/ ٣٠٦ ح ٨٩٥٠.
(٢) صحيح البخاري ١٠/ ٥٢٦ ح ٦١٣٠، وصحيح مسلم ٤/ ١٨٩٠ ح ٢٤٤٠.
(٣) التمهيد ٧/ ٧٠. والأثر رواه عبد الراق في مصنفه ٣/ ٢٣٤ ح ٥٤٧١ عن معمر به.
(٤) أخرجه عبد الرزاق المصدر نفسه ٣/ ٢٣٤ ح ٥٤٧٣.
(٥) أخرجه عبد الرزاق أيضًا الموضع نفسه ح ٥٤٧٢.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٤٦١ ح ٥٣٣٤.
[ ٢ / ٧٧٩ ]
نافع، عن ابن عمر، فقد رواه إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن نافع قوله (^١)، فالمقصود بالغرابة كونه من رواية أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، والله أعلم.
وقد كان من منهج السلف ذم الأحاديث الغريبة. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث. وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فأنشده كما تنشد الضالة، فإذا عُرف، وإلا فدعه (^٢).
وقال أحمد: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء (^٣).
والأصل في ذم الغرائب ما رواه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه (^٤) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يكون في آخر الزمان دجَّالون كذَّابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم". وهذا وصف للأحاديث الغريبة.
وليس كل حديث غريب منكرًا، فقد روى الخلال عن المرُّوذي قال: "ذكرتُ لأبي عبد الله حديث محمد بن سلمة الحراني، عن أبي عبد الرحيم، حدثني زيد بن أبي أُنيسة، عن المِنهال، عن أبي عُبيدة، عن مسروق: ثنا عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "يقول الله تعالى: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] من العرش إلى الكُرسيّ". قال أبو عبد الله: هذا حديث غريب، لم يقع إلينا عن محمد بن سلمة، واستحسنه" (^٥).
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ١/ ٤٦٢ ح ٥٣٤٦ عنه به.
(٢) رسالة أبي داود إلى أهل مكة ص ٢٩ - ٣٠.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٢٣.
(٤) صحيح مسلم ١/ ١٢.
(٥) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٦٣ رقم ١٦٦.
[ ٢ / ٧٨٠ ]
وعن أبي طالب أنه سأل أبا عبد الله عن هذا الحديث، وجعل يقرأه عليه فقال: ما أحسنه، إنما سمعناه عن أبي عوانة، عن الأعمش مرسلًا. ا. هـ (^١).
فوصف الحديث بالغرابة ثم استحسنه، فدل على أن لا تلازم بين الأمرين.
_________________
(١) الموضع نفسه.
[ ٢ / ٧٨١ ]
المطلب الثاني: حد المنكر عند الإمام أحمد.
إن أكثر الألفاظ استعمالًا لدى الإمام أحمد في إعلال الأحاديث هو لفظ "المنكر"، وكذلك ما رواه تلاميذه عنه من الإعلال كان أغلبه بألفاظ ترجع إلى أصل هذا اللفظ مثل: "أنكره"، "وأنكره أشد الإنكار" ولما كانت المصطلحات لدى الأئمة المتقدمين قلَّما يرِد عنهم وضع لحدودها تعين على الباحث تتبع المعاني التي أطلق الإمام أحمد هذا اللفظ عليها للوصول إلى الصورة المقرِّبة لحد هذا المصطلح عند هذا الإمام. وقد تقدم ذكر مصطلح المنكر عند الإمام أحمد تحت الألفاظ التي يستعملها الإمام أحمد لأحاديث الكذّابين وإحالة بقية الكلام إلى هذا المطلب.
والكلام فيه يحتوي على مسائل:
المسألة الأولى: حد المنكر لغة.
قال ابن فارس: "النون والكاف والراء أصل صحيح يدل على خلاف المعرفة التي يسكن إليها القلب، ونكِر الشيء وأَنكَره: لم يقبله قلبُه، ولم يعترف به لسانُهُ، والباب كله راجع إلى هذا … والإنكار خلاف الاعتراف" (^١).
وقال ابن المنظور: "المُنكَر من الأمر خلاف المعروف، وقد تكرّر في الحديث الإنكار والمُنكَر، وهو ضد المعروف … والجمع مناكير" (^٢).
المسألة الثانية: إطلاق المنكر لدى الإمام أحمد.
قد ورد عن الإمام أحمد في إطلاق لفظ "المنكر" عند إعلال الأحاديث عدة معاني يمكن إجمالها في الآتي:
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة ٥/ ٤٧٦.
(٢) لسان العرب، مادة: "ن ك ر" ٥/ ٢٢٣.
[ ٢ / ٧٨٢ ]
١. إطلاق المنكر بمعنى خلاف المعروف، من ذلك:
روى المرّوذي قال: "وذكرتُ له حديث زُهير بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا كان نصف شعبان فلا صوم"، فأنكره، وقال: سألت ابن مهدي عنه فلم يحدّثني به وكان يتوقّاه. ثم قال أبو عبد الله: هذا خلاف الأحاديث التي رُويت عن النبي ﷺ " (^١).
فهذا الحديث أنكره الإمام أحمد، وذكر أن السبب في ذلك مخالفته للأحاديث المروية عن النبي ﷺ، ومن تلك الأحاديث حديث عائشة ﵂ في الصحيح: [لم يكن النبي ﷺ يصوم شهرًا أكثر من شعبان، وكان يصوم شعبان كله] (^٢) وفي رواية أخرى لها: [لم أره صائمًا من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلًا] (^٣)، وكذلك حديث أم سلمة ﵂ في السنن: [أن النبي ﷺ لم يكن يصوم من السنة شهرًا تامًا إلا شعبان يصِله برمضان] (^٤)، ومنها حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيح عن النبي ﷺ: "لا يتقدمنّ أحدُكم رمضانَ بصوم يومٍ أو يومين إلا أن يكون رجلٌ كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم" (^٥).
فلما كان هذا الحديث مخالفًا للمعروف عن النبي ﷺ وصفه الإمام أحمد بالنكارة، مع أن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الخُرقي ثقة عند الإمام أحمد (^٦)
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٥٩ رقم ٢٧٨.
(٢) صحيح البخاري ٤/ ٢١٣ ح ١٩٧٠، صحيح مسلم ٢/ ٨١١ ح ٧٨٢.
(٣) صحيح مسلم ٢/ ٨١١ (١٧٦).
(٤) رواه أبو داود، وهذا لفظه سنن أبي داود ٢/ ٧٥٠ ح ٢٣٣٦، والترمذي الجامع ٣/ ١١٣ ح ٧٣٦، والنسائي السنن ٤/ ١٥ ح ٢١٧٤، وابن ماجه السنن ١/ ٥٢٨ ح ١٦٤٨. وإسناده صحيح، صححه الترمذي في الشمائل ح ٢٥٥.
(٥) صحيح البخاري ٤/ ١٢٧ ح ١٩١٤، صحيح مسلم ٢/ ٧٦٢ ح ١٠٨٢.
(٦) ذكر ذلك في رواية عبد الله العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله رقم ٣١٧١، وفي رواية أبي داود سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ١٨٧.
[ ٢ / ٧٨٣ ]
فدل على أن من المعاني التي يطلق الإمام أحمد النكارة عليها ما كان مخالفًا للمعروف وإن كان راويه ثقة، وهذا المعنى جاري مع معنى اللفظ في اللغة (^١).
ومثال آخر:
قال الميموني: "سمعت أحمد بن حنبل وسُئل عن حديث أبي قيس الأودي، مما روى عن المغيرة بن شُعبة، عن النبي ﷺ أنه مسح على النعلين والجوربين، فقال لي: المعروف عن النبي ﷺ أنه مسح على الخفَّين، ليس هذا إلا من أبي قيس، إن له أشياء مناكير" (^٢).
وذكر عبد الله مثله أيضًا:
قال عبد الله: "حدّثتُ أبي بحديث الأشجعي ووكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن هُزيل، عن المغيرة بن شعبة قال: [مسح النبي ﷺ على الجوربين والنعلين]. قال أبي: ليس يُروى هذا إلا من حديث أبي قيس، قال أبي أبى عبد الرحمن ابن مهدي أن يحدث به، يقول: هو منكر - يعني حديث المغيرة هذا لا يرويه إلا من حديث أبي قيس" (^٣).
ذكر الإمام أحمد هذا الحديث من مناكير أبي قيس، وهو عبد الرحمن بن ثروان الأودي الكوفي. قال عنه أحمد: هو كذا وكذا، روى عنه الأعمش، وشعبة، وسفيان، وهو يخالف في أحاديث (^٤)، وهذا كناية على تليينه، وبين وجه نكارته
_________________
(١) وهناك وجه آخر لرد هذا الحديث، لكن لم يذكره الإمام أحمد وإن كان جاريًا على منهجه، وهذ الوجه هو ما ذكره ابن القيم قال: ردوا هذا الحديث لهم مأخذان، أحدهما: أنه لم يتابع العلاء عليه أحد، بل انفرد به عن الناس، وكيف لا يكون هذا معروفا عند أصحاب أبي هريرة مع أنه أمر تعمّ به البلوى ويتصل به العمل؟ تهذيب السنن ٦/ ٣٢٩ - ٣٣٠.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٢١٩ رقم ٤١٧.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣٦٦ رقم ٥٦١٢.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤١٢ رقم ٨٧٠. ووثقه ابن معين، والعجلي. وقال عنه النسائي: ليس به بأس تهذيب الكمال ١٧/ ٢١. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، هو قليل الحديث، وليس بالحافظ الجرح والتعديل ٥/ ٢١٨.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
بأنه مخالف للمعروف عن النبي ﷺ، وهو أنه كان يمسح على الخفين. قال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدِّث بهذا الحديث، لأن المعروف عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الخفين (^١).
وهكذا رواه غير واحد عن المغيرة بن شبعة (^٢). قال علي بن المديني: "حديث المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة؛ ورواه هُزيل بن شرحبيل عن المغيرة، إلا أنه قال: ومسح على الجوربين عدا الناس" (^٣).
_________________
(١) سنن أبي داود ١/ ١١٣. وقد روى حديث أبي قيس، عن هزيل، ورواه أيضًا الترمذي الجامع ١/ ١٦٧ ح ٩٩ وقال: حديث حسن صحيح. ورواه النسائي السنن الكبرى ١/ ٩٢ ح ١٣٠، وابن ماجه السنن ١/ ١٨٥ ح ٥٥٩، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ١/ ٩٩ ح ١٩٨.
(٢) انظر: صحيح البخاري ١/ ٣٠٦ ح ٢٠٣، وصحيح مسلم ١/ ٢٢٨ - ٢٣١.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢٨٤. وممن أنكر الحديث سفيان الثوري راويه عن أبي قيس. وكذلك الإمام مسلم، قال: أبو قيس الأودي وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان هذا مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا: مسح على الخفين، وقال: لا نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهزيل. ا. هـ. الموضع نفسه. وذكر البخاري أن يحيى بن معين أيضًا كان ينكر على أبي قيس هذا الحديث التاريخ الكبير ٣/ ١٣٧. وفي رواية المفضل بن غسان عن يحيى قال: الناس كلهم يروونه: على الخفين، غير أبي قيس. ا. هـ. الإمام في معرفة أحاديث الأحكام ٢/ ٢٠٣. وقال الدارقطني: ولم يروه غير أبي قيس، وهو مما يُغمَز عليه به، لأن المحفوظ عن المغيرة: المسح على الخفين علل الدراقطني ٧/ ١١٢. وصحح الحديث الترمذي، وابن خزيمة كما تقدم. قال ابن دقيق العيد: من صححه يعتمد بعد تعديل أبي قيس على كونه ليس مخالفًا لرواية الجمهور عن المغيرة مخالفة معارضة، بل هو أمر زائد على ما رووه، ولا يعارضه، ولا سيما وهو طريق مستقل برواية هزيل، عن المغيرة لم يشارك المشهورات في سندها. ا. هـ. الإمام في معرفة أحاديث الأحكام ٢/ ٢٠٣. واعتمده الشيخ الألباني فصحح الحديث إرواء الغليل ح ١٠١. وهذا لا يستقيم على طريقة المحدثين، فالمعارضة هنا في كونه تفرد بما لا يحتمل تفرده، ولم يتابعه أحد عليه، وهذه علة قادحة عند المحدثين كما أبانها من تقدم ذكرهم من الأئمة. وأما تصحيح الترمذي فقد يكون من أجل رواية الحديث من وجه آخر عن النبي ﷺ، وهو حديث أبي موسى الأشعري، حيث أشار إليه بأنه من أحاديث الباب.
[ ٢ / ٧٨٥ ]
ومثال آخر:
قال ابن هاني: "سمعت أبا عبد الله يقول: حديث وكيع، عن شَريك، عن الحر بن صَيَّاح: رأيت ابن عمر يصوم عاشوراء، ورأيت ابن عمر يصوم العشر بمكة؛ حديث الحر بن صيَّاح حديث منكر، نافع أعلم بحديث ابن عمر منه" (^١).
فسمى حديث الحر بن صياح (^٢) منكرًا لمخالفته رواية نافع الذي كان أعلم بحديث ابن عمر منه، فقد روى عن ابن عمر أنه كان لا يصوم عاشوراء إلا أن يوافق صيامه (^٣)، فهذا أيضًا من إطلاق المنكر في مقابل المعروف.
ومثال آخر:
ذكر الأثرم أن أحمد سُئل عن حديث حنظلة، عن سالم، عن ابن عمر رفعه: [لا إحداد فوق ثلاث]، فقال: هذا منكر، والمعروف عن ابن عمر رأيه. ا. هـ. نقله ابن حجر عنه (^٤).
فأطلق المنكر في مقابل المعروف.
مثال آخر:
قال مهنا بن يحيى: "سألت أبا عبد الله عن ابن أبي الصفيراء فقال: منكر الحديث. قلت: أي شيء من منكره؟ قال: يروي عن عطاء: [الشربة التي تسكر
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ١/ ١٣٦ رقم ٦٧٠.
(٢) وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي وغيرهم تهذيب الكمال ٥/ ٥١٥.
(٣) رواه مسلم صحيح مسلم ٢/ ٧٩٣ ح ١١٢٦ (١١٩).
(٤) فتح الباري ٩/ ٤٨٧. ولم أقف عليه لا مرفوعًا ولا موقوفًا.
[ ٢ / ٧٨٦ ]
حرام]. قلت: وهذا منكر؟ قال: نعم، عن عطاء خلاف هذا" (^١).
ففسر معنى المنكر بأنه ما روي مخالفًا للمعروف عن الراوي.
٢. المنكر بمعنى الحديث الفرد الذي ليس له متابع، ومن ذلك:
قال عبد الله: "سألت أبي ﵀ ما الذي يعتمد عليه في مواقيت الصلاة من الأحاديث التي جاءت؟ وأي حديث عندك أقوى؟ والحديث الذي روى ابن المبارك، عن الحسين بن علي، عن وهب بن كيسان، عن جابر، ما ترى فيه، وكيف حال الحسين؟ فقال أبي: أما الحسين فهو أخو أبي جعفر محمد بن علي، وحديثه الذي روى في المواقيت حديث ليس بمنكر، لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيرُه" (^٢).
حديث جابر الذي أشار إليه في المواقيت رواه النسائي (^٣)، والترمذي (^٤)، وأحمد (^٥)، وابن حبان (^٦) كلهم من طريق عبد الله بن المبارك بهذا الإسناد: "أن النبي ﷺ جاءه جبريل فقال: قم فصله، فصلى الظهر حين زالت الشمسُ … " وراويه الحسين بن علي هو ابن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي (^٧).
والشاهد فيه أن الإمام أحمد قال: حديثه هذا ليس بمنكر لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره (^٨)، ومفهوم هذا أن الحديث الذي لم يتابع عليه مثلُ هذا
_________________
(١) تهذيب التهذيب ١/ ٣١٧. وابن أبي الصفيراء هو إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفيراء، وهو صدوق كثير الوهم تقريب التهذيب ٤٦٩.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية عبد الله ١/ ١٧٤ رقم ٢٢١.
(٣) سنن النسائي ١/ ٢٦٣ ح ٥٢٥.
(٤) الجامع ١/ ٢٨١ ح ١٥٠.
(٥) المسند ٢٢/ ٤٠٨ ح ١٤٥٣٨.
(٦) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٤/ ٣٣٥ ح ١٤٧٢.
(٧) ويقال له: حسين الأصغر. وثقه النسائي، وقال ابن حجر: صدوق مقل، توفي سنة ستين تقريبًا - أي بعد المئة تهذيب الكمال ٦/ ٣٩٦، تقريب التهذيب ١٣٤٢.
(٨) وافقه عليه: عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير المكي كلهم عن جابر بن عبد الله نحو حديث وهب بن كيسان عن جابر، عن النبي ﷺ. قاله الترمذي "الجامع، الموضع نفسه".
[ ٢ / ٧٨٧ ]
الراوي منكر، فهذا من إطلاق المنكر على الحديث الفرد.
ومثال آخر:
قال المروذي: "قلت لأبي عبد الله: فعبد الرحمن بن إسحاق كيف هو؟ قال: أما ما كتبنا من حديثه فقد حدّث عن الزهري بأحاديث كأنه أراد تفرد بها، ثم ذكر حديث محمد بن جُبير في الحِلف - حِلف المطيِّبين - فأنكره أبو عبد الله وقال: ما رواه غيره" (^١).
هذا الحديث مما تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، فأنكره الإمام أحمد لأنه كما قال: ما رواه غيره، وهذا من إطلاق المنكر على مفردات الرواة أمثال عبد الرحمن بن إسحاق (^٢).
وقد جاء عن أحمد ما يدل على عدم إنكاره لهذا الحديث وذلك في مذاكرته مع أحمد بن صالح المصري، فقد قال له الإمام أحمد: "عندك عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف قال النبي ﷺ: "ما يسرني أن لي حمرَ النَّعم وأن لي حلف المطيبين"؟ فقال أحمد بن صالح:
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٦٤ رقم ٦١. والحديث رواه أحمد المسند ٣/ ١٩٣ ح ١٦٥٥، ٣/ ٢١٠ ح ١٦٧٦، وابن حبان الإحسان ١٠/ ٢١٦ ح ٤٣٧٣، والحاكم المستدرك ٢/ ٢١٩ - ٢٢٠، والمقدسي المختارة ٣/ ١١٥، ١١٦.
(٢) ويقال له أيضًا: عباد بن إسحاق. قال عنه الإمام أحمد: ليس به بأس العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله رقم ٣٣٠٧، وعنه أيضًا: ليس بذاك سؤالات أبي دواد للإمام أحمد رقم ١٧٨. وقال أيضًا: رجل مقبول الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ١٨٥. وأما غير الإمام أحمد فعن ابن معين، ويعقوب بن شيبة، والفسوي، والنسائي أنه ليس به بأس تهذيب الكمال ١٦/ ٥٢٣ - ٥٢٤. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وهو قريب من محمد بن إسحاق، وهو حسن الحديث، وليس بثبت ولا قوي الجرح والتعديل ٥/ ٢١٣.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
أنت الأستاذ وتذكر مثل هذا؟ فجعل أحمد بن حنبل يبتسم ويقول: رواه عن الزهري رجل مقبول أو صالح، عبد الرحمن بن إسحاق. قال: من رواه عن عبد الرحمن ابن إسحاق؟ فقال: رجلان ثقتان: إسماعيل بن علية، وبشر بن المفضل، فقال أحمد ابن صالح لأحمد بن حنبل: سألتك بالله إلا أمليته علي … " (^١)، وإنكار الإمام أحمد للحديث هو آخر الأمرين منه، لأن المروذي لقي الإمام أحمد بعد هذه القصة فإن أحمد بن صالح المصري وافى العراق ولقي بأحمد سنة (٢١٢) هـ (^٢).
مثال آخر:
قال عبد الله: "حدثني أبي، نا وكيع، نا أبو بكر النهشلي، عن عاصم بن كُليب، عن أبيه، عن علي أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود، قال: وكان قد شهِد صفِّين. قال أبي: ولم يره عن عاصم غيرُ أبي بكر النهشلي أعلمه، كأنه أنكره" (^٣).
وفي هذه الرواية ينفي الإمام أحمد العلم بوجود متابع لأبي بكر النهشلي، وهذا دون مطلق النفي، ومع ذلك فهم ابنه عبد الله أنه ينكره، وهذا لمعرفته بأن من منهجه إطلاق الإنكار على الحديث الذي تفرد به راويه.
وأبو بكر النهشلي هو أبو بكر بن عبد الله بن قطاف، وقد وثقه أحمد (^٤)، والصحيح
_________________
(١) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ١٨٥.
(٢) انظر: الموضع نفسه. وانطر هذا الترجيح عند الباحث عيسى بن محمد مسلمي: "الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد جمعًا ودراسة" ٣/ ١١٤٧ - ١١٤٨.
(٣) مسائل الإمام أحمد - برواية عبد الله ١/ ٢٤٢ رقم ٣٢٩. ورواه في العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٧٤ رقم ٧١٧ دون قوله: كأنه أنكره. وهذا الأثر عن علي رواه محمد بن الحسن في "الموطأ" ص ٥٩ ح ١٠٩ عن أبي بكر النهشلي. ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٢٥ من طريق أبي أحمد الزبيري، وأحمد بن يونس كلاهما عن أبي بكر النهشلي به. ورواه البيهقي من طريق أحمد بن يونس السنن الكبرى ٢/ ٨٠. وذكره البخاري تعليقًا في "جزء رفع اليدين" ص ٤٦ ح ٢٩.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٩٩ رقم ٤٣٧١. وكذلك وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه الجرح والتعديل ٩/ ٣٤٤.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
أن هذا الحديث لم ينفرد بروايته عن عاصم بن كُليب، فقد تابعه محمد بن أبان (^١)، عن عاصم بمثله، أخرجه محمد بن الحسن الشيباني (^٢)، وذكره الدارقطني تعليقًا (^٣)، ولعل من أجل هذا لم يجزم الإمام أحمد بنفي وجود المتابع له، بل نفى علمه بذلك فحسب.
وممن أنكر الحديث سفيان الثوري كما رواه ابن مهدي عنه (^٤)، وكذلك عثمان بن سعيد الدارمي، قال: وليس أبو بكر النهشلي ممن يحتج بروايته، أو تثبت به سنة لم يأت بها غيره. ا. هـ (^٥).
وعلاقة هذا المعنى بالمعنى اللغوي من حيث أن الحديث الذي تفرد به راويه لا يُعرف إلا من طريقه لعدم تعدد مخرجه، فمن ثمّ صار خلاف المعروف.
٣. المنكر بمعنى ما ليس له أصل:
ومن ذلك:
قال المرُّوذي: "وذكر لُويْنًا فقال: قد حدّث حديثًا منكرًا عن ابن عيينة ماله أصل، قلت: إيش هو؟ قال: عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه قصة علي: ما أنا الذي أخرجتُكم، ولكن الله أخرجكم، فأنكره إنكارًا شديدًا وقال: ما له أصل" (^٦).
_________________
(١) محمد بن أبان بن صالح بن عمير. قال أحمد: أما إنه لم يكن ممن يكذب، وضعفه ابن معين تضعيفًا شديدًا. وقال البخاري: يتكلمون في حفظه. وقال أبو حاتم: ليس هو بقوي الحديث، يكتب حديثه على المجاز ولا يحتج به التاريخ الكبير ١/ ٣٤، الجرح والتعديل ٧/ ١٩٩، الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢١٤٠.
(٢) الموطأ - برواية محمد بن الحسن ص ٥٨ ح ١٠٥.
(٣) علل الدارقطني ٤/ ١٠٧.
(٤) ذكره البخاري في "الكنى" ص ٩.
(٥) نقله البيهقي عنه السنن الكبرى ٢/ ٨٠ - ٨١.
(٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٦١ رقم ٢٨٠. وانظر: المنتخب من العلل للخلال ص ٢١٠ رقم ١٢٢.
[ ٢ / ٧٩٠ ]
ولُوين هو محمد بن سليمان بن حبيب أبو جعفر المصيصي، قال عنه الإمام أحمد: لا أعرفه (^١). ووثقه النسائي، وقال عنه أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، قيل له: ثقة؟ قال: صالح الحديث (^٢).
وهذا الحديث رواه النسائي في "خصايص علي" (^٣)، والبزار (^٤)، وأبو نعيم (^٥) من طريق لوين قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه قال: كنت عند النبي ﷺ وعنده قومٌ فدخل عليٌّ، فلما دخل خرجوا، فلما خرجوا تلاوموا فقال بعضهم لبعض: والله ما أخرجَنا، فارجعوا، فقال النبي ﷺ: "ما أدخلتُه وأخرجتُكم، ولكن الله ﷿ أدخله وأخرجكم".
قال الخطيب في وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: "أظن أبا عبد الله أنكر على لُوين روايته متصلًا، فإن الحديث محفوظ عن سفيان بن عيينة، غير أنه مرسل، عن إبراهيم بن سعد، عن النبي ﷺ … "، ثم ساقه من طريق ابن وهب، والحميدي، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، عن إبراهيم بن سعد مرسلًا (^٦).
وقال البزار: "هكذا رواه محمد بن سليمان، عن سفيان، عن عمرو، عن محمد بن علي، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه؛ وغير محمد بن سليمان إنما يرويه
_________________
(١) المصدر نفسه ص ١٦٣ رقم ٢٨٦.
(٢) تهذيب الكمال ٢٥/ ٢٩٩.
(٣) خصائص علي ص ٢٤.
(٤) مسند البزار ٤/ ٣٤ ح ١١٩٥.
(٥) تاريخ أصبهان ٢/ ١٤٧ تحت ترجمة لوين برقم ١٤٢٨. وذكر هذا الحديث من مفاريده.
(٦) تاريخ بغداد ٥/ ٢٩٣ - ٢٩٤.
[ ٢ / ٧٩١ ]
عن سفيان، عن عمرو، عن محمد بن علي مرسلًا" (^١).
وقال الدراقطني - بعد ذكره لرواية لوين - "قاله لوين عن ابن عيينة كذلك، وغيره يرويه عن ابن عيينة مرسلًا، وهو المحفوظ" (^٢).
فالشاهد أن الإمام أحمد أطلق النكارة على هذا الحديث، وقال عنه: ما له أصل، وبيان الخطيب يدل على أن معنى ما له أصل هنا أي لم يصح متصلًا، ويحتمل أن يكون معنى هذا النفي عند أحمد أن الحديث لم يصح عن ابن عيينة إطلاقًا لا متصلًا ولا مرسلًا.
وعلاقة هذا المعنى بالمعنى اللغوي للمنكر واضح، لأن ما لا أصل له غير معروف.
٤. المنكر بمعنى الخطأ:
ومن ذلك:
قال المرُّوذي: "قلت لأحمد: تعرف عن الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: متى كُتبتَ نبيًّا؟ قال: هذا منكر، هذا من خطأ الأزواعي، هو كثيرًا مما يخطئ عن يحيى بن أبي كثير، كان يقول: عن أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلب" (^٣).
فوصف الإمام أحمد هذا الحديث بالنكارة، لأن راويه وهو الأوزاعي الإمام قد أخطأ فيه. وقد تقدم الكلام حول هذا الحديث ورواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير وكيف دخلت الأخطاء على رواياته عنه بسبب ذهاب كتبه (^٤).
_________________
(١) مسند البزار الموضع نفسه.
(٢) علل الدراقطني ٤/ ٣٦٣.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٥٠ رقم ٢٦٨.
(٤) انظر: ص ٤٨٠.
[ ٢ / ٧٩٢ ]
مثال آخر:
قال عبد الله: "حدثنا بعض الكوفيين قال: حدثنا حفص بن غِياث، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: "خمِّروا (^١) وجوه موتاكم، ولا تُشَبِّهوا بيهود" فحدثت به أبي فأنكره وقال: هذا أخطأ فيه حفص فرفعه، وحدثني عن حجاج الأعور، عن ابن جُريج، عن عطاء مرسل" (^٢).
وفي هذا أيضًا وصفه للحديث الذي أخطأ فيه راويه بالنكارة، والراوي حفص بن غِياث أثنى عليه الإمام أحمد (^٣)، لكن قال فيه: كان مخلطًا، وضعف أمره (^٤). وحديثه هذا رواه الطبراني (^٥) من طريق عبد الله، والدارقطني (^٦)، والبيهقي (^٧) كلهم من حديث حفص بن غياث به. وتابعه علي بن عاصم، عن ابن جريج (^٨).
ووجه خطأ حفص في رواية هذا الحديث أنه رواه موصولًا، والواقع أنه مرسل عن عطاء؛ وهي رواية حجاج بن محمد المصيصي، عن ابن جريج، وحجاج كان ثبتًا في الحديث عند الإمام أحمد (^٩)، فإذا خالفه حفص يكون القولُ قولَ حجاج، ولا يقال إن علي بن عاصم قد تابع حفصًا، لأن علي بن عاصم كان
_________________
(١) بفتح المعجمة وكسر الميم الثقيلة، أي غطوا شرح الزرقاني على موطأ مالك ٤/ ٣٨١.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٨٣ رقم ٢٧٠٩.
(٣) المصدر نفسه ٢/ ١٨٣ ح ١٩٣٩.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٠٨ رقم ٢١٣٥.
(٥) المعجم الكبير ١١/ ١٨٣ ح ١١٤٣٦.
(٦) سنن الدارقطني ٢/ ٢٩٧.
(٧) السنن الكبرى ٣/ ٣٩٤.
(٨) أخرجه الدارقطني السنن ٢/ ٢٥٦.
(٩) بحر الدم ص ١٠٧ رقم ١٧٩. وقال ابن معين: كان أثبت الناس في ابن جريج شرح علل الترمذي ٢/ ٦٨٢.
[ ٢ / ٧٩٣ ]
يغلط ويخطئ، وإن كان لم يكن متهمًا بالكذب (^١)، وحجاج قد تابعه الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء مرسلًا، ورواية حجاج عن ابن جريج إذا انفرد أقوى من رواية حفص وعلي بن عاصم، فكيف وقد تابعه مثل الثوري؟ (^٢).
قال البيهقي - بعد حكاية عبد الله لإنكار أحمد لهذا الحديث - وكذلك رواه الثوري وغيره عن ابن جريج مرسلًا، وروى علي بن عاصم، عن ابن جريج كما رواه حفص، وهو وهم، والله أعلم (^٣).
مثال آخر:
قال أبو طالب: "سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن أبي الموال، قال: عبد الرحمن لا بأس به، قال: كان محبوسًا في المطبق حين هزم هؤلاء، يروي حديثًا لابن المنكدر عن جابر، عن النبي ﷺ في الاستخارة، ليس يرويه أحد غيرُه، هو منكر. قلت: هو منكر؟ قال نعم، ليس يرويه غيره، لا بأس به، وأهل المدينة إذا كان حديث غلطٌ يقولون: ابن المنكدر، عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت، عن أنس، يحيلون عليهما" (^٤).
فصرح الإمام أحمد بأن هذا الحديث "منكر"، وأن مقصوده بذلك أن الحديث خطأ، يوضّح ذلك قوله: "أهل المدينة إذا كان حديث غلطٌ … "، فدل على أن هذا الحديث غلط عنده، والقرينة المرجحة لوقوع الخطأ هو تفرد راويه عبد الرحمن بن أبي الموال به، وقد وثقه، وإن كان لم يجعله في المرتبة الأولى من الثقة، بل قد أشار إلى أن فيه لينًا ما. فروى المرّوذي أنه قال فيه: "ما أرى بحديثه
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ١٥٦ رقم ٧٠.
(٢) أخرجه ابن أبي شبية ٣/ ٣٠٤ رقم ١٤٤٣٧.
(٣) السنن الكبرى ٣/ ٣٩٣.
(٤) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٦١٦.
[ ٢ / ٧٩٤ ]
بأس، هو ممن يحتمل" (^١)، فكأنه عند الإمام أحمد ليس له من الثقة ما يحتمل تفرده بهذا الأصل (^٢).
ووجه مطابقة هذا المعنى للمعنى اللغوي للمنكر أن الخطأ خلاف الواقع والثابت، وذلك يتضمن مخالفته للمعروف.
وقد تقدم في مبحث الإعلال بكذب الراوي أنه أطلق "المنكر" على الحديث الموضوع، وأن وجه ذلك هو تحقق خطأ راويه وإن كان غير معروف بتعمد الكذب، مثل ما قال في بعض أحاديث عثمان بن أبي شيبة التي أنكرها عليه وقال إنها موضوعة، واعتذر له بأنه حدّث بتلك الأحاديث على سبيل التوهم والغلط (^٣).
فهذه المعاني التي وقفت على إطلاق الإمام أحمد المنكر عليها.
وقبل استخلاص المعنى الاصطلاحي للمنكر عنده أذكر ما ورد عن بعض أهل هذا العلم من تفسير المنكر عند الإمام أحمد، وذلك في المسألة الثالثة.
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٢٢٦ رقم ٤٣٦.
(٢) أما الإمام البخاري وغيره من أصحاب الكتب الستة - ما عدا الإمام مسلم - فأخرجوا الحديث انظر: صحيح البخاري ١١/ ١٨٣ ح ٦٣٨٢ مع فتح الباري. وقال ابن عدي: هو - أي عبد الرحمن بن أبي الموال - مستقيم الحديث، والذي أنكر عليه حديث الاستخارة، وقد روى حديث الاستخارة غير واحد من أصحاب النبي ﷺ كما رواه ابن أبي الموال الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٦١٧. لكن أشار الحافظ ابن حجر إلى أنه ليس في شيء من تلك الأحاديث ذكر الصلاة سوى حديث جابر فتح الباري ١١/ ١٨٤. ويحتمل أن يكون إخراج البخاري للحديث لكونه لم يتضمن أصلًا في الحلال والحرام، بل هو في باب الفضائل التي يتسامح في شروط القبول فيها، والله أعلم.
(٣) انظر: ص ١٩٤ - ١٩٥.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
المسألة الثالثة: تفسير بعض أهل العلم لمعنى "المنكر" عند الإمام أحمد.
قد اعتنى العلماء العارفون بالإمام أحمد وبمنهجه بذكر معنى المنكر عند الإمام أحمد لكثرة استعماله له، ومن هؤلاء العلماء:
الأثرم:
وأول من وقفت له على تفسير مصطلح "المنكر" عند الإمام أحمد تلميذه أبو بكر أحمد بن محمد بن هاني الأثرم.
قال الأثرم: "سمعت أبا عبد الله ذكر حديث الفضل بن دَلهم، عن الحسن، عن قبيصة بن حُريث، عن سلمة بن المحبِّق، عن النبي ﷺ: "خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهنّ سبيلًا" فقال: هذا حديثٌ منكر، يعني خطأ" (^١).
ثم بيّن الأثرم وجه الخطأ، فذكر الرواية الصحيحة للحديث: عن الحسن، عن حطّان، عن عبادة عن النبي ﷺ، كما رواه قتادة، ومنصور بن زاذان (^٢). والفضل بن دلهم وإن كان الإمام أحمد قال فيه: ليس به بأس كما في رواية الأثرم، إلا أنه خالف من هو أولى منه حفظًا وكثرة فتعين الحكم عليه بالخطأ.
فقد فهم الأثرم أن هذا الاصطلاح يستعمله الإمام أحمد في وصف الحديث الذي وقع الخطأ في روايته سواء في الإسناد أو في المتن، مما يدل على أن اللفظ كان معروف المعنى عند أصحاب الإمام أحمد.
ابن رجب:
والحافظ ابن رجب أيضًا ممن عرّف بالمنكر عند الإمام أحمد، وكان من أعلم الناس بأقوال الإمام أحمد في الرجال وعلل الحديث.
قال الحافظ ابن رجب معلقًا على قول الإمام أحمد المتقدم في حديث
_________________
(١) تهذيب الكمال ٢٣/ ٢٢١.
(٢) الموضع نفسه.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
حسين بن علي بن الحسين في مواقيت الصلاة: "حديثه الذي روى في المواقيت ليس بالمنكر، لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيرُه"، قال ابن رجب: "وإنما قال الإمام أحمد ليس بالمنكر، لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيرُه، لأن قاعدتَه أن ما انفرد به ثقةٌ، فإنه يتوقف فيه حتى يُتابع عليه، فإن توبع عليه زالت نكارته، خصوصًا إن كان الثقة ليس بمشتهر في الحفظ والاتقان، وهذه قاعدة يحيى القطان وابن المديني وغيرهما" (^١).
وذكر أيضًا أن كلام الإمام أحمد في النكارة قريب من كلام يحيى القطان، وهو أن كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق فهو منكر، ولا تزول النكارة إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر.
فهنا أطلق النكارة عليه بينما قيده في الموضع الأول بأن ذلك في الثقة الذي لم يشتهر بالحفظ والإتقان.
ثم ذكر ابن رجب جملة من الأحاديث وصفها الإمام أحمد بالنكارة وهي من هذا النوع منها:
حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في النهي عن بيع الولاء وهبته (^٢). قال المرُّوذي: وسألته عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فقال لي: "ثقة إلا حديث واحد يرويه عن ابن عمر قال: الولاء لا تُباع ولا توهب، ونافع قال في قصة بريرة: "الولاء لمن أعتق" (^٣) يشير إلى أن عبد الله بن دينار لم يتابع عليه، وأن الصحيح ما روى نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "الولاء
_________________
(١) فتح الباري لابن رجب ٣/ ١٥.
(٢) أخرجه البخاري ٥/ ١٦٧ ح ٢٥٣٥، ومسلم ٢/ ١١٤٥ ح ١٥٠٦.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٢٢٩ رقم ٤٥٠.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
لمن أعتق"، لم يذكر النهي عن بيع الولاء وهبته (^١).
والصحيح أن هذا الحديث لم ينكره الإمام أحمد لمجرد تفرد عبد الله بن دينار به، بل لأنه إضافة إلى تفرده فقد خولف، وذلك من ثلاثة أوجه:
الأول: أن نافعًا لم يذكره عن ابن عمر، ونافع وسالم أوثق الناس عن ابن عمر.
الثاني: ما أشار إليه الإمام أحمد أن نافعًا روى عن ابن عمر مرفوعًا: "الولاء لمن أعتق"، فأضاف الولاء إلى المعتِق بلام التمليك والاختصاص، وهذا المعنى معارض لقوله: الولاء لا يُباع ولا يُوهب.
الثالث: أن نافعًا قد روى عن ابن عمر النهي عن بيع الولاء وعن هبته من قوله هو غير مرفوع (^٢).
ومما ذكره الحافظ ابن رجب من الأدلة الدالة على اعتبار الإمام أحمد تفرد الثقات منكرًا أنه وصف بعض الرواة الثقات بأنهم يروون أحاديث مناكير، منهم بُريد بن عبد الله ابن أبي بُردة (^٣)، ومحمد بن إبراهيم التيمي المنفرد برواية حديث الأعمال بالنيات (^٤)، وزيد بن أبي أنيسة (^٥)، وعمرو بن الحارث (^٦)،
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٢٩، ٦٥٣.
(٢) رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر مصنف عبد الرزاق ٩/ ٥.
(٣) قال عنه أحمد: طلحة بن يحيى أحب إلي من بُريد بن أبي بُردة، بُريد يروي أحاديث مناكير العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١١ رقم ١٣٨٠.
(٤) قال أحمد: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو منكرة المصدر السابق ١/ ٥٦٦ رقم ١٣٥٥.
(٥) قال عنه أحمد في رواية الأثرم: إن حديثه لحسن مقارب، وإن فيها لبعض النكارة، وهو على ذلك حسن الحديث الضفعاء للعقيلي ٢/ ٤٢٨. وفي رواية المرُّوذي: سألته - يعني أبا عبد الله - عن زيد بن أبي أنيسة كيف هو؟ فحرّك يده وقال: صالح، وليس هو بذاك العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٨٥ رقم ١١٨.
(٦) قال عنه أحمد: ليس في أهل مصر أحسن حديثًا من الليث، وعمرو بن الحارث يقاربه. وقال في رواية الأثرم: قد كان عمرو بن الحارث عندي، ثم رأيت له أشياء مناكير تهذيب الكمال ٢١/ ٥٧٣.
[ ٢ / ٧٩٨ ]
والحسين بن واقد (^١)، وخالد بن مخلد (^٢). وهو مخالف لتصرف الشيخين والأكثرين، فإنهم يرون أن ما رواه الثقة عن الثقة إلى منتهاه وليس له علة فليس بمنكر، ثم ذكر عن الإمام مسلم ما حكاه عن أهل العلم أن الثقة إذا أمعن في موافقة الثقات في حديثهم، ثم تفرد عنهم بحديث قبل ما تفرد به (^٣).
قال ابن رجب: فتلخص من هذا أن النكارة لا تزول عند يحيى القطان، والإمام أحمد، والبرديجي وغيرهم من المتقدمين إلا بالمتابعة (^٤) لكن قيد هذا الإطلاق في موضع آخر بأنه خاص بحالة من لم يشتهر بالحفظ والإتقان كما تقدم.
ابن حجر:
قال الحافظ في ابن حجر في قول الإمام أحمد في بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة: يروي أحاديث مناكير، قال ابن حجر: "أحمد وغيره يطلقون المناكير على الأفراد المطلقة" (^٥).
وكذلك قال في الجواب عن قول الإمام أحمد في محمد بن إبراهيم أنه يروي أحاديث مناكير، قال ابن حجر: "المنكر أطلقه أحمد بن حنبل وجماعة على
_________________
(١) قال عنه أحمد: لا بأس به، وأثنى عليه خيرًا، وقال في رواية الميموني: له أشياء مناكير. في رواية عبد الله: ما أنكر حديث حُسين بن واقد وأبي المنيب عن ابن بريدة الجرح والتعديل ٣/ ٦٦، العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٢٢٨ رقم ٤٤٤، العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٠١ رقم ٤٩٧.
(٢) قال عنه أحمد: له أحاديث مناكير العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٨ رقم ١٤٠٣. وهو راوي حديث: من عادى لي وليًا … قال الذهبي: هذا حديث غريب جدًا لولا هيبة الجامع الصحيح لعدوه من منكرات خالد بن مخلد ميزان الاعتدال ترجمة ٢٤٦٣.
(٣) انظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٦٥٧ - ٦٥٨.
(٤) المصدر نفسه ٢/ ٦٥٩.
(٥) مقدمة فتح الباري ص ٣٩٢.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
الحديث الذي لا متابع له" (^١).
وقال أحمد في يزيد بن عبد الله بن خُصيف: منكر الحديث، قال ذلك في رواية الآجري، عن أبي داود (^٢). وقد قال عنه في رواية الأثرم: ثقة ثقة (^٣)؛ وفي رواية عبد الله: لا أعلم إلا خيرًا (^٤). فقال ابن حجر في هذا القول: "هذه اللفظة يطلقها أحمد على من يغرب على أقرانه بالحديث، عرف ذلك بالاستقراء من حاله" (^٥).
وهكذا أطلق الحافظ في هذه المواضع أن الإمام أحمد يطلق "المنكر" على الحديث الفرد المطلق.
وقيد ذلك في موضع آخر: فقال "أطلق الإمام أحمد، والنسائي وغير واحد من النُّقاد لفظ "المنكر" على مجرد التفرد، لكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يُحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده" (^٦).
المسألة الرابعة: التعريف الاصطلاحي للمنكر عند الإمام أحمد.
مما تقدم يترجح لدي أن التعريف المرضي للمنكر بحسب إطلاقات الإمام أحمد لهذا اللفظ هو: الحديث الذي ترجح خطأ راويه بتفرد من لا يحتمل تفرده
_________________
(١) المصدر نفسه ص ٤٣٧.
(٢) نقل ذلك المزي بصيغة الجزم تهذيب الكمال ٣٢/ ١٧٣، ولم أقف عليها في المطبوع من سؤالات الآجري.
(٣) الجرح والتعديل ٩/ ٢٧٤، ومن أجل هذا وما ورد عن سائر الأئمة مثل ابن سعد، وأبي حاتم، والنسائي أنه ثقة، بل قال فيه ابن معين: ثقة حجة، استنكر د. بشار عواد ثبوت رواية الآجري عن الإمام أحمد انطر: تهذيب الكمال الموضع نفسه. ويؤيده أن ابن عدي لم يذكره في الكامل، وذكره الذهبي في الميزان ترجمة ٩٧٢٣، لكن لم يذكر له حديثًا منكرًا، والله أعلم.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٩٠ رقم ٣٢٣٢.
(٥) مقدمة فتح الباري ص ٤٥٣.
(٦) النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٦٧٤.
[ ٢ / ٨٠٠ ]
أو المخالفة للثابت المعروف.
فهذا التعريف يصدق على المنكر بمعنى خلاف المعروف، وبمعنى الفرد الذي ليس له متابع وليس لراويه من الثقة ما يحتمل تفرده، وبمعنى ما ليس له أصل، وبمعنى الحديث الذي ترجح خطأ راويه.
[ ٢ / ٨٠١ ]
المطلب الثالث: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الثقة.
الذي يدل عليه منهج الإمام أحمد في هذا الباب أن الأصل عنده قبول ما تفرد به الراوي الثقة البارز في علمه وإتقانه، ويدل على ذلك النصوص التالية:
قال الحسن بن محمد الزعفراني (^١): "قلت لأحمد بن حنبل: من تابع عفانًا في حديث كذا وكذا؟ قال: وعفان يحتاج إلى أن يُتابعَه أحدٌ - أو كما قال" (^٢).
فهذا يدل على أن مثل عفان بن مسلم الصفار إذا روى حديثًا ولم يتابعه عليه أحدٌ فإنه مقبول، ومثله ليس ممن يتوقف في قبول ما تفرد به.
وقيل لأحمد في حديث تفرد به عبد الله بن إدريس: أحد يقول ذلك غيره؟ فقال: يكفيك بابن إدريس، وذلك فيما:
قال صالح بن أحمد بن حنبل: "حدثنا أبي: قال: حدثنا ابن إدريس، عن محمد بن عمارة، عن أبي بكر بن حزم، عن أبان بن عثمان، عن عثمان قال: "لا شُفعة في بئر ولا فحل" (^٣) ولا الأُرَف (^٤)، إذا علم كل قوم حقهم تقطع كل شفعة. قلت له: أحد يقول: والأرف غير ابن إدريس؟ فقال: يكفيك بابن إدريس" (^٥).
_________________
(١) هو الحسن بن محمد بن الصباح أبو علي الزعفراني. سمع ابن عيينة، وعبيدة بن حُميد، وإسماعيل ابن علية. وروى عن أحمد. وثقه النسائي. توفي سنة ٢٦٠ هـ. روى له البخاري والأربعة طبقات الحنابلة ١/ ١٣٨، سير أعلام النبلاء ١٢/ ٢٦٢.
(٢) تاريخ بغداد ١٢/ ٢٧٤.
(٣) قال ابن إدريس: الفحل فحل النخل السنن الكبرى ٦/ ١٠٥.
(٤) هي المعالم. فسرها ابن إدريس نفسه في رواية أبي عبيد عنه كما رواها البيهقي السنن الكبرى ٦/ ١٠٥. وقال ابن الأثير: الأُرَف جمع أُرْفة، وهي الحدود والمعالم، ومنه حديث عثمان: الأُرف تقطع الشفعة النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٩.
(٥) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٣/ ١٨٥ - ١٨٦ رقم ١٦١٢ - ١٦١٣.
[ ٢ / ٨٠٢ ]
هذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة (^١)، والبيهقي (^٢).
والشاهد فيه أن صالحًا سأل عن ثبوت لفظة: والأُرَف في الأثر، فإنه لا يقولها غير عبد الله بن إدريس، فقد روى مالك الحديث عن محمد بن عمارة، عن أبي بكر بن حزم، عن عثمان بن عفان بلفظ: "إذا وقعت الحدود في الأرض فلا شُفعة فيها، ولا شفعة في بئر ولا في فحل النخل" (^٣)، فلم يذكر الأُرَف. فأجاب أحمد بقوله: يكفيك بابن إدريس، أي تفرده مقبول لثقته ورفعته في العلم.
قال أحمد في عبد الله بن إدريس: هو نسيج وحده (^٤). وهذه مبالغة في مدحه وثنائه (^٥).
ومثال آخر:
قال الميموني: وقال ابن حنبل: ليس نجد أحدًا يرفع غيرُ زُهير - يعني في المحرم إذا لم يجد نعليْه - وكان زهير من معادن العلم (^٦)
فهذا الحديث تفرد به زهير من هذا الوجه ولفظه: "من لم يجد نعلين
_________________
(١) المصنف ٤/ ٥٢٠ ح ٢٢٧٤٤ عن عبد الله بن إدريس، ومن طريقه ابن حزم المحلى ٩/ ٨٣.
(٢) السنن الكبرى ٦/ ١٠٥ من طريق أبي عبيد.
(٣) الموطأ ٢/ ٧١٧، ومن طريق مالك أخرجه عبد الرزاق المصنف ٩/ ٨٠ ح ١٤٣٩٣. وتابع ابنَ إدريس على ذكر أبان بن عثمان صفوانُ بن عيسى قاله الدارقطني في العلل ٣/ ١٥. ورواه محمد بن أبي يحيى الأسلمي، عن أبي طوالة، عن أبان بن عثمان، عن عثمان. أخرجه عبد الرزاق المصنف ٨/ ٨٨ ح ١٤٤٢٨.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤٣٦ رقم ٩٧٣. قال ابن معين: هو ثقة في كل شيء. وقال أبو حاتم: هو حجة يحتج بها، وهو إمام من أئمة المسلمين ثقة. وقال النسائي: ثقة ثبت تهذيب الكمال ١٤/ ٢٩٧ - ٢٩٩.
(٥) معنى نسيج وحده أي لا نظير له في علم أو غيره، وهو مثل قولك: فلان واحد عصره، وقريع قومه لسان العرب، مادة: "ن س ج" ٢/ ٣٧٦.
(٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٢٤٣ رقم ٤٨٤.
[ ٢ / ٨٠٣ ]
فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل" (^١).
ولفظ الحديث معروف من حديث ابن عباس. أخرجاه من رواية عمرو ابن دينار، عن جابر بن زيد عنه (^٢).
وظاهر كلام أحمد يدل على قبوله هذا التفرد من زهير، لأنه قال: "كان زهير من معادن العلم"، وهذا مشعر بقبوله لما تفرد به. وقد قال في موضع آخر عن زهير: "حفاظ الحديث أو المتثبِّتين في الحديث أربعة: سفيان الثوري، وشعبة، وزُهير، وزَائدة" (^٣).
وقال ابن هانئ: "سمعت أبا عبد الله يقول: علم الناس إنما هو عن شعبة، وسفيان، وزائدة، وزُهير، هؤلاء أثبت الناس، وأعلم بالحديث من غيرهم" (^٤).
وسئل أحمد في رواية محمد بن يحيى الذهلي عن حديث زهير، عن أبي الزبير، عن جابر "أن النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ السجدة وتبارك"، قال: حسبك بزُهير إذا جاء بالشيء، زهير ثقة، وإنما ذلك ليث رواه. ا. هـ (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم صحيح مسلم ٢/ ٨٣٦ ح ١١٧٩، وعلي بن الجعد مسند علي بن الجعد ص ٣٨٥ ح ٢٦٣٨، والطيالسي ص ٢٤٠ ح ١٧٣٥. وأحمد المسند ٢٢/ ٣٥٦ ح ١٤٤٦٥، وابن أبي شيبة ٣/ ٤٣٩ ح ١٥٧٧٧، والطحاوي شرح معاني الآثار ٢/ ١٢٤، والدارقطني السنن ٢/ ٢٢٨، والبيهقي ٥/ ٥١ من طرق عن زهير به.
(٢) صحيح البخاري ٤/ ٥٧ ح ١٨٤١، صحيح مسلم ٢/ ٨٣٥ ح ١١٧٨.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٦٠١ رقم ٣٨٥٥.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢١٣ رقم ٢١٦٣.
(٥) بحر الدم ص ١٦٠ - ١٦١. وهذا الحديث رواه عدد من الرواة عن أبي الزبير، منهم ليث ابن أبي سليم كما قال أحمد. رواه من طريقه الترمذي الجامع ٥/ ١٦٥ ح ٢٨٩٢، والنسائي السنن الكبرى ٦/ ١٧٨ ح ١٠٥٤٣، وأحمد المسند ٢٣/ ٢٦ ح ١٤٦٥٩، والدارمي السنن ٢/ ٤٥٥، وعبد بن حميد مسند عبد بن حميد ١/ ٣١٨ ح ١٠٤٠. ومنهم المغيرة بن مسلم الخراساني: أخرج حديثه النسائي أيضًا الكبرى ح ١٠٥٤٤. ومنهم عبد الحميد بن جعفر: أخرج حديثه الطبراني المعجم الأوسط ٢/ ١٣٢ ح ١٤٨٣. فكلهم رووه عن أبي الزبير عن جابر. ورواه زهير بن معاوية، عن أبي الزبير: أسمعت أن جابرًا يذكر عن النبي ﷺ فذكره، قال أبو الزبير حدثنيه صفوان أو أبو صفوان. ا. هـ وفي رواية عند الترمذي: أو ابن صفوان. أخرجه النسائي الكبرى ٦/ ١٧٨ ح ١٠٥٤٥، وانظر: جامع الترمذي ٥/ ١٦٥. وصفوان الذي يروي عنه أبو الزبير هو صفوان بن عبد الله الأكبر بن صفوان بن أمية الجمحي المكي. قال عنه ابن حجر: ثقة تقريب التهذيب ٢٩٥٢. فالحديث صحيح.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
فهذا يفيد أن زهير إذا جاء بالحديث فهو مقبول، وإن تفرد به. وكأن الإمام أحمد لم يقف على رواية حديث أبي الزبير هذا إلا من طريق ليث.
ومما أخذ به وهو عنده مما تفرد الثقة بروايته:
قال أبو طالب: "قال أحمد بن حنبل: لم يرو أحد: "لا يقرأ الجنب" غير شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سلِمة، عن علي. قال سفيان بن عيينة: سمعت هذا الحديث من شعبة. قال سفيان: قال شعبة: لم يرو عمرو بن مرة أحسن من هذا الحديث، وقال شعبة: روى هذا الحديث عبد الله بن سلِمة بعد ما كبر" (^١).
هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن الثلاث من طريق شعبة (^٢)، وهو عند أحمد من طرق عن شعبة (^٣).
وقد أخذ الإمام أحمد بظاهر هذا الحديث في رواية موسى بن عيسى الجصاص (^٤)، فقال: [لا يقرأ الجنب شيئًا من القرآن، والتسبيح رُخّص فيه، أما
_________________
(١) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٤٨٧.
(٢) سنن أبي داود ١/ ١٥٥ ح ٢٢٩، سنن النسائي ١/ ١٤٤ ح ٢٦٥، سنن ابن ماجه ١/ ١٩٥ ح ٥٩٤.
(٣) المسند ح ٦٢٧، ٦٣٩، ٨٤٠، ١٠١١.
(٤) قال عنه الخلال: ورع زاهد، سمع يحيى القطان وابن مهدي، كان لا يحدث إلا بمسائل أبي عبد الله وشيء سمعه من أبي سليمان الداراني في الزهد والورع طبقات الحنابلة ١/ ٣٣٣.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
أن يتعمد الآية أو السورة، لا يُعجبني] (^١)، مع قوله بأنه لم يروه أحد غير شعبة، فدل على أن تفرد الثقة مثل شعبة بالحديث مقبول عنده.
وقول الإمام أحمد: لم يروه أحد غير شعبة مشكل، فقد رواه في مسنده عن أبي معاوية، عن ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرّة به (^٢). كما روي من طريق الأعمش، وابن أبي ليلى كلاهما عن عمرو بن مرة (^٣)، ورواه ابن عيينة، عن شعبة ومِسعَر (^٤)، فالله أعلم.
وقد نُقل عن الخطابي أنه قال: إن الإمام أحمد كان يوهِّن هذا الحديث، ويضعّف أمر عبد الله بن سلِمة (^٥)، فهذا وجه آخر لإعلال الحديث لدى بعض الناس (^٦). فإن صحت هذه الرواية فيحمل ما تقدم من أخذ الإمام أحمد بمقتضى
_________________
(١) طبقات الحنابلة ١/ ٣٣٣.
(٢) المسند ٢/ ٣٤٥ ح ١١٢٣.
(٣) أخرجه الترمذي الجامع ١/ ٢٧٣ ح ١٤٦، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٨٧. ورواه النسائي من حديث الأعمش وحده عن عمرو السنن ١/ ١٥٨ ح ٢٦٦.
(٤) أخرجه ابن حبان الإحسان ٣/ ٧٩ ح ٧٩٩، ٨٠٠، والدارقطني السنن ١/ ١١٩.
(٥) تنقيح التحقيق ١/ ١٣٧.
(٦) وبعضهم يعلّ الحديث بعبد الله بن سلمة، فإنه كان قد كبر فاختلط. قال يحيى القطان: وكان شعبة يقول في هذا الحديث: نعرف وننكر - يعني أن عبد الله بن سلمة كان كبر حين أدركه عمرو المنتقى لابن الجارود ١/ ٩٨. ومع ذلك كان شعبة يحسن هذا الحديث، قال سفيان بن عيينة: قال لي شعبة: ما أحدث بحديث أحسن منه سنن الدارقطني ١/ ١١٩. وصححه الترمذي الموضع السابق، وكذلك ابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ١/ ١٠٤ ح ٢٠٨، وابن حبان الإحسان ٣/ ٧٩ ح ٧٩٩. ونقل الحافظ ابن حجر أن كلًا من ابن السكن وعبد الحق قد صححه تلخيص الحبير ١/ ١٣٩. وأما هو فحسن الحديث وقال: هو من قبيل الحسن يصلح للحجة فتح الباري ١/ ٤٠٨. ونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: أهل الحديث لا يثبتونه. وضعفه النووي أيضًا تلخيص الحبير الموضع نفسه. وضعفه الألباني إرواء الغليل ٢/ ٢٤١ ح ٤٨٥.
[ ٢ / ٨٠٦ ]
الحديث من باب أخذه بالحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب غيره.
خروج الإمام أحمد عن أصله في هذا الباب:
الأمثلة التي تقدم إيرادها تدل على الأصل الذي صدّرنا به هذا المطلب، وهو أن تفرد الراوي الثقة البارز في الحفظ والإتقان مقبول عند الإمام أحمد، وليس بمنكر. وقد جاء عن الإمام أحمد ما يدل على تركه لهذا الأصل في بعض المواضع، وذلك لاعتبارات تظهر لمن تتبع تلك المواضع بالنظر والدراسة.
فمن تلك الاعتبارات أن يكون الراوي الثبت معروفًا باتكاله على حفظه حتى سجلت له أخطاء عن شيخه الذي تفرد عنه. مثال ذلك:
روى عبد الله قال: "قال أبي في حديث وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في المسلم يقتل الذِّمِّي خطأً، قال: كفارتُهما سواء. قال أبي: ليس يرويه غيرُ وكيع، ما أُراه إلا خطأ" (^١).
فهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة (^٢) عن وكيع، ولم يقبله أحمد لأن راويَه وكيع قد تفرد به، ووكيع إمام حافظ، ومع ذلك لم يقبل ما تفرد به، ويبدو أن ذلك راجع إلى كون وكيع يعتمد على حفظه، فصار احتمال وقوع الأخطاء في رواياته قويًا. قال الفضل بن زياد: "قال أحمد بن حنبل: كان وكيع يحدث من حفظه، ولم يكن ينظر في كتاب، وكان له سقط، كم يكون حفظ الرجل! " (^٣)، ومن أجل ذلك كان عبد الرحمن أكثر إصابة عند الإمام أحمد من وكيع في حديث
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٢٥ رقم ٥٧٣.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٥/ ٤١٥ ح ٢٧٥٤٠.
(٣) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٩٧.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
الثوري (^١)، لأن عبد الرحمن كان صاحب كتاب. وتوقف أحمد عن تقديم وكيع على محمد بن يوسف الفريابي فيما تفرد به، قال أبو داود: "إذا اختلف الفِريابي ووكيع، أليس يُقضى لوكيع؟ قال: مثل ماذا؟ قلت: ما لم يروه غيره. قال: ما أدري، وكيع ربما خولف أيضًا" (^٢). فأشار إلى أن وكيعًا ربما تفرد بأشياء يخالَف فيها.
وهذه الرواية لم ينفرد وكيع بها عن الثوري كما ذكر الإمام أحمد، بل تابعه عبد الرزاق، وتابعه أيضًا معمرٌ متابعة قاصرة عن منصور (^٣). ولعل الإمام أحمد وقف على هذه الرواية فيما بعدُ فذكر صحة نسبة هذا القول إلى إبراهيم. قال ابن قُدامة: "قال أحمد: الشعبي والنخعي قالا: دية المجوسي، واليهودي، والنصراني مثل دية المسلم، وإن قتله يُقتل به، هذا عجب، يصير المجوسي مثل المسلم، سبحان الله، ما هذا القول! واستبشعه وقال: النبي ﷺ يقول: "لا يُقتل مسلم بكافر" وهو يقول: يُقتل بكافر، فأي شي أشد من هذا! " (^٤)، وبهذا يجمع بين إنكاره لرواية وكيع وقبوله لمقتضاها في موضع آخر.
وهذا الاعتبار نفسه - أعني كون الراوي المتفرد مع حفظه قد حُفظت له أخطاء وقع فيها - هو الذي يعود إليه إنكار الإمام أحمد لحديثين رواهما عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، وتفرد بهما عن عطاء: أحدهما حديث الشفعة بالجوار، والثاني حديث تنكح المرأة لثلاث.
قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: حدثنا بحديث الشفعة، حديث
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤٢٧ رقم ٩٤٠.
(٢) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ١٩٩ رقم ١٣٩.
(٣) أخرجه عبد الرزاق المصنف ١٠/ ٩٨ ح ١٨٥٠٠، ١٨٤٩٩ لكن بلفظ: "دية الذمي دية المسلم". ولفظ حديث معمر عن منصور، عن إبراهيم: "دية اليهودي والنصراني والمجوسي مثل دية المسلم". قال معمر: وقاله الشعبي.
(٤) المغني ١١/ ٤٦٦.
[ ٢ / ٨٠٨ ]
عبدالملك، عن عطاء، عن جابر، عن النبي ﷺ، قال: هذا حديث منكر" (^١).
وقال أبو زرعة الدمشقي: "وسمعت يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل يقولان في حديث عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر في الشُّفعة، قالا لي: قد كان هذا الحديث ينكر عليه. وسمعت أحمد ويحيى يقولان: كان عبد الملك بن أبي سليمان ثقة" (^٢).
وحديث عبد الملك في الشفعة بالجوار أخرجه أبو داود (^٣)، والترمذي (^٤)، وابن ماجه (^٥)، وأبو داود الطيالسي (^٦)، وأحمد (^٧)، وابن أبي شيبة (^٨)، والطحاوي (^٩)، والبيهقي (^١٠). ولفظه: "الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا".
وقد تفرد به عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء، ومن أجله تكلم فيه شعبة. وقال: لو روى حديثًا آخر مثل حديث الشفعة لطرحت حديثه، ومثله عن يحيى القطان (^١١).
ومما يدل على أن تفرده هو علة نكارته عند شعبة أن وكيعًا روى عن شعبة
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٨١ رقم ٢٢٥٦.
(٢) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٦٠ رقم ١١٦٩.
(٣) سنن أبي داود ٣/ ٧٨٧ ح ٣٥١٨.
(٤) الجامع ٣/ ٦٥١ ح ١٣٦٩.
(٥) سنن ابن ماجه ٢/ ٨٣٣ ح ٢٤٩٤.
(٦) مسند الطيالسي ص ٢٣٤ ح ١٦٧٧.
(٧) المسند ٢٢/ ١٥٥ ح ١٤٢٥٣.
(٨) المصنف ٤/ ٣٨٤ ح ٢١٢٩٨، ٤/ ٥١٨ ح ٢٢٧٢١.
(٩) شرح معاني الآثار ٤/ ١٢٠.
(١٠) السنن الكبرى ٦/ ١٠٦.
(١١) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٩٤٠.
[ ٢ / ٨٠٩ ]
أنه قال لهم: "لو كان شيئًا يُقوِّيه! " (^١)، أي لو وجد له متابعٌ أو شاهدٌ يقويه لكان مقبولًا.
وكذلك أنكره الإمام أحمد، ويحيى بن معين على عبد الملك كما تقدم في السؤال. وقال البخاري: لا أعلم أحدًا رواه عن عطاء غير عبد الملك بن أبي سليمان، وهو حديثه الذي تفرد به، ويروى عن جابر عن النبي ﷺ خلاف هذا (^٢).
وإنما أنكرا عليه هذا الحديث لتفرده به عن جابر، فلم يذكره أحد من أصحاب عطاء. قال الترمذي: إنما ترك شعبة عبد الملك لهذا الحديث، لم يجد أحدًا رواه غيره (^٣).
وعبد الملك بن أبي سليمان قد وثقه الإمام أحمد كما تقدم، بل قال في رواية عبد الله: كان من الحفاظ (^٤). لكن قال في رواية صالح: "عبد الملك بن أبي سليمان من الحفاظ، إلا أنه كان يُخالف ابن جريج في إسناد أحاديث، وابن جُريج أثبت منه عندنا" (^٥). وقال في رواية أبي داود: "هو ثقة، قلت: يخطئ؟ قال: نعم، وكان من حفاظ أهل الكوفة، إلا أنه رفع أحاديث عن عطاء" (^٦). وقد ذكر الإمام أحمد حديثًا آخر لعبد الملك خالف فيه ابنَ جريج فقضى الإمام أحمد لابن جريج (^٧).
وقال عبد الله: "قال أبي مرة أخرى، وذكر عطاء فقال: أثبت الناس في عطاء ابن جُريج، وعمرو بن دينار" (^٨).
_________________
(١) الموضع نفسه.
(٢) علل الترمذي الكبير ١/ ٥٧١.
(٣) الموضع نفسه.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥٣٥ رقم ١٢٦٤.
(٥) الجرح والتعديل ٥/ ٣٦٧.
(٦) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٢٩٦ رقم ٣٥٨.
(٧) انظر: العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٥٤ رقم ٥١٢٣.
(٨) الموضع نفسه.
[ ٢ / ٨١٠ ]
فمن سجلت عليه مخالفات لمن هو أوثق منه عن شيخ معين تأثرت به روايته عنه، فيتوقف في قبول ما تفرد به عنه. وأشار الإمام مسلم إلى هذا الضابط في مقدمة صحيحه حيث قال: "وحكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث، أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه قُبلت زيادتُه" (^١).
ثم حديثه هذا مخالف لما رواه أبو سلمة وأبو الزبير عن جابر، وهذا ما أشار إليه البخاري من أنه يروى عن جابر عن النبي ﷺ خلاف هذا، وقد صرح به ابن عبد البر (^٢).
_________________
(١) صحيح مسلم ١/ ٧.
(٢) التمهيد ٧/ ٤٨. قال: وليس عبد الملك هذا مما يعارض به أبو سلمة وأبو الزبير وفيما ذكرنا من روايتهما عن جابر ما يدفع رواية عبد الملك هذه. وقد أوضح بعض الأئمة عدم التعارض بين حديث عبد الملك وما رواه غيره عن جابر. قال ابن القيم: والذين ردّوا حديثه ظنوا أنه معارض لحديث جابر الذي رواه أبو سلمة عنه: "الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة"، وفي الحقيقة لا تعارض بينهما، فإن منطوق حديث أبي سلمة انتفاء الشفعة عند تميز الحدود وتصريف الطرق واختصاص كل ذي ملك بطريق، ومنطوق حديث عبد الملك إثبات الشّفعة بالجوار عند الاشتراك في الطريق، ومفهومه انتفاء الشفعة عند تصريف الطرق، فمفهومه موافق لمنطوق حديث أبي سلمة وأبي الزبير غير معارض له، وهذا بين وهو أعدل الأقوال في المسألة تهذيب السنن ٩/ ٣٠٩. وكذلك قال ابن عبد الهادي، وزاد: وطعن شعبة في عبد الملك بسبب هذا الحديث لا يقدح في عبد الملك، فإن عبد الملك ثقة مأمون، وشعبة لم يكن من الحذاق في الفقه ليجمع بين الأحاديث إذا ظهر تعارضها، وإنما كان إمامًا في الحفظ، وطعن من طعن فيه إنما هو اتباعًا لشعبة تنقيح التحقيق ٣/ ٥٨. وهذا الكلام يستقيم لو كان ردهما لمجرد المخالفة، أما وأن ردهما - وبخاصة الإمام أحمد - من أجل تفرد عبد الملك بن أبي سليمان، ولا يحتمل منه مثل هذا التفرد عن عطاء، ثم عن جابر لتأخر منزلته في الحفظ من بين أصحاب عطاء، فإعلال الأئمة لحديثه قائم، والعلم عند الله.
[ ٢ / ٨١١ ]
والحديث الثاني الذي أنكره الإمام أحمد على عبد الملك بن أبي سليمان هو:
قال أبو زرعة: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: وقد كان يُنكر من حديثه - أي عبد الملك بن أبي سليمان - عن عطاء، عن جابر: "تنكح المرأة على ثلاث" (^١).
وهذا الحديث رواه الترمذي (^٢)، من طريق إسحاق الأزرق، وابن أبي شيبة (^٣) من طريق عبدة بن سليمان كلاهما عن عبد الملك به، ولفظه: "إن المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها، فعليك بذات الدِّين تربت يداك". ورواه الدارمي من طريق علي بن مسهر، عن عبد الملك بلفظ: "تنكح المرأة لأربع … " (^٤)، فذكره بمثل لفظ حديث أبي هريرة في هذا المعنى (^٥).
ورواه مسلم (^٦)، من طريق عبد الله بن نمير، والنسائي (^٧) من طريق خالد بن الحارث، وأحمد (^٨)، والبيهقي (^٩)، وابن عبد البر (^١٠) من طريق إسحاق الأزرق، وأحمد (^١١) من طريق يحيى القطان كلهم عن عبد الملك بلفظ: تزوجتُ امرأةً في عهد رسول الله ﷺ فلقيتُ النبي ﷺ فقال: "يا جابر تزوجتَ؟ " قال: نعم، قال: "أبكرٌ أم ثيّبٌ"؟ قال: بل ثيّب. قال: "أفلا بكرًا تلاعبها"؟ قال: يا رسول الله، إن
_________________
(١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٦٠ رقم ١١٧٠.
(٢) الجامع ٣/ ٣٩٦ ح ١٠٨٦.
(٣) المصنف ٣/ ٥٦٠ ح ١٧١٤٨.
(٤) سنن الدارمي ٢/ ١٣٤.
(٥) أخرجه البخاري ٩/ ١٣٢ ح ٥٠٩٠، ومسلم ٢/ ١٠٨٦ ح ١٤٦٦.
(٦) صحيح مسلم ٢/ ١٠٨٧ ح ٧١٥.
(٧) السنن ٦/ ٦٥ ح ٣٢٢١.
(٨) المسند ٢٢/ ١٤٠ ح ١٤٢٣٧.
(٩) السنن الكبرى ٧/ ٨٠.
(١٠) التمهيد ١٩/ ١٦٧.
(١١) الموضع نفسه.
[ ٢ / ٨١٢ ]
لي أخواتٌ فخشيت أن تدخل بيني وبينهن، قال فقال: "فذاك إذن، إن المرأة تُنكح في دينها ومالها وجمالها فعليك بذات الدين تربت يداك".
فتبين أن ما أنكره الإمام أحمد من حديث عبد الملك زيادة زادها في حديث جابر في قصة زواجه وبيعه بعيره للنبي ﷺ، ولم ترد هذه الزيادة إلا في حديث عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء. وقد رواه ابن جريج عن عبد الملك ولم يذكرها (^١). وكذلك لم يذكرها كل من روى الحديث عن جابر، وهم عمرو ابن دينار (^٢)، ومحمد بن المنكدر (^٣)، ومحارب بن دثار (^٤)، والشعبي (^٥)، ووهب ابن كيسان (^٦)، وأبي نضرة (^٧)، وسالم بن أبي الجعد (^٨)، ونُبيح العنزي (^٩)، وأبي سفيان طلحة بن نافع (^١٠).
فإنكار الإمام أحمد لهذه الزيادة من باب إنكاره وغيره من الحفاظ للحديث الذي تفرد به في الشفعة.
ومن الاعتبارات التي يعود إليها خروجُ الإمام أحمد عن أصله في هذا
_________________
(١) وحديثه عند البخاري ٤/ ٤٨٥ ح ٢٣٠٩، والنسائي السنن ٦/ ٦١ ح ٣٢٢٠، وأبي عوانة ٣/ ٢٥٢ ح ٤٨٤٩، ٣/ ٢٥٣ ح ٤٨٥٠.
(٢) حديثه عند البخاري ٩/ ٥١٣ ح ٥٣٦٧، ١١/ ١٩٠ ح ٦٣٨٦، ومسلم صحيح مسلم ٢/ ١٠٨٧، ١٠٨٨.
(٣) وحديثه عند سعيد بن منصور السنن ١/ ١٦٨ ح ٥١٠، وأحمد المسند ٢٢/ ٣٦ ح ١٤١٣٢.
(٤) وحديثه عند البخاري ٩/ ١٢١ ح ٥٠٨٠، ومسلم ٢/ ١٠٨٧ ح ٥٥.
(٥) وحديثه عند البخاري ٩/ ٣٤١ ح ٥٢٤٥، ٥٢٤٦، ومسلم ٢/ ١٠٨٨.
(٦) وحديثه عند البخاري ٤/ ٣٢٠ ح ٢٠٩٧، ومسلم ٢/ ١٠٨٩.
(٧) وحديثه عند مسلم ٢/ ١٠٨٩ ح ٥٨.
(٨) وحديثه عند أبي داود ح ٢٠٤٨، وأحمد المسند ٢٢/ ٢٧٣ ح ١٤٣٧٦، وابن حبان ١٤/ ٤٤٧ ح ٦٥١٧، والبيهقي ٥/ ٣٥١.
(٩) وحديثه عند أحمد ٢٣/ ١٤٧ ح ١٤٨٦١، وابن أبي شيبة المصنف ٤/ ٥٢.
(١٠) وحديثه عند أحمد ٢٣/ ١٧٢ ح ١٤٨٩٦.
[ ٢ / ٨١٣ ]
الباب أن يكون الراوي المتفرد مع كونه حافظًا مبرّزًا ليس في الطبقة الأولى من أصحاب شيخه الذي تفرد بالرواية عنه، إذا كان شيخه من المكثرين في الرواية وله تلاميذ كثر يعتنون بجمع أحاديثه، مثال ذلك:
قال أبو داود: "سمعت أحمد قال: عند عيسى حديث أنس، يعني عن سعيد، عن قتادة، عن أنس عن النبي ﷺ في الشُّفعة؛ قال أحمد: ليس بشيء. فقلتُ لأحمد: كلاهما عنده؟ أعني: عند عيسى، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، وعن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ في الشُّفعة؟ فلم يَعْبأ إلى جَمعه الحديثين، وأنكر حديث أنس" (^١).
حديث عيسى بن يونس رواه ابن حبان (^٢)، والطحاوي (^٣)، والطبراني (^٤)، والضياء المقدسي (^٥) كلهم من طريقه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس.
وقد تفرد عيسى بن يونس بهذه الرواية عن سعيد عن قتادة، عن أنس، قاله الطبراني (^٦).
وأنكر الإمام أحمد هذه الرواية على عيسى بن يونس (^٧)، وتتابع الحفاظ من بعده على إنكاره عليه؛ فقال الإمام البخاري: "الصحيح حديث الحسن عن سمرة، وحديث قتادة، عن أنس غير محفوظ، ولم يُعرف أن أحدًا رواه عن ابن أبي عروبة،
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠٣ رقم ١٩٠٢.
(٢) الإحسان ١١/ ٥٩٥ ح ٥١٨٢.
(٣) شرح معاني الآثار ٤/ ١٢٣.
(٤) المعجم الكبير ٧/ ١٩٦ ح ٦٨٠٣، والمعجم الأوسط ٨/ ١١٨ ح ٨١٤٦.
(٥) الأحاديث المختابرة ٧/ ١٢٢ ح ٢٥٥١.
(٦) المعجم الأوسط الموضع نفسه.
(٧) وفي العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله رقم ١٤٨١: سئل أبي عن حديث قتادة، عن أنس في الجوار قال: أخطأ فيه عيسى بن يونس.
[ ٢ / ٨١٤ ]
عن قتادة، عن أنس غير عيسى بن يونس" (^١).
وقال الإمامان أبو حاتم وأبو زرعة عن الحديث: "هذا خطأ، روى هذا الحديث همام، وحماد بن سلمة، فقال حماد بن سلمة: عن قتادة، عن الشريد، وقال همام: عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن الشريد، وقالا - أي أبو حاتم وأبو زرعة: نظن أن عيسى وهم فيه، فشبّه الشريد بأنس" (^٢).
وقال الدارقطني: "رواه عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، ووهم فيه، وغيره يرويه عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، وكذلك رواه شعبة وغيره عن قتادة، وهو الصواب" (^٣).
ووجه عدم قبول الإمام أحمد لهذا التفرد من عيسى بن يونس، ومثله ممن يقبل منه تفرده على أصله في هذا الباب، هو أنه مع تثبت عيسى وثقته لكنه ليس من الطبقة الأولى من أصحاب سعيد بن أبي عروبة، فإنه بالرغم من منزلته في الثقة وصحة سماعه من ابن عروبة (^٤)، لم يكن من خاصة تلاميذه العارفين بحديثه والملازمين له من البصريين أهل بلده مثل يزيد بن زريع، وخالد بن الحارث، وابن علية، وعبد الوهاب الخفاف الذين جمعوا مع الثقة والتثبت طول الملازمة، فكيف تغيب عنهم هذه الرواية ولا يرويها إلا هو، ولم يسمع من سعيد إلا في قدمته إلى الكوفة، وروايات مختلفي الأمصار يعتريها ما يعتريها من الأوهام والأغلاط.
_________________
(١) علل الترمذي الكبير ١/ ٥٦٨ ح ٢٢٨.
(٢) علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٧٧.
(٣) نقله عنه المقدسي الأحايث المختارة ٧/ ١٢٤، وكذلك الزيلعي في نصب الراية ٤/ ١٧٣. قال د. زهير بن ناصر الناصر: قول الدارقطني هذا لم أجده في السنن المطبوعة ولا في العلل في مسند أنس، والله أعلم.
(٤) كان سماعه منه بالكوفة في قدمته الأولى قبل اختلاطه مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٨٢ رقم ١٧٤٥.
[ ٢ / ٨١٥ ]
والرواية المحفوظة هي عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب. هكذا رواه أصحاب سعيد بن أبي عروبة، منهم إسماعيل بن عُلية (^١)، وقد كان إليه المنتهى في التثبت بالبصرة (^٢)، وسماعه من سعيد قديم؛ أخذه عنه إملاء (^٣) مما يدل على مزيد ضبطه لحديثه؛ ومنهم عبد الوهاب بن عطاء الخفاف (^٤)، وكان من أعلم الناس بحديث سعيد (^٥)؛ وعبدة بن سليمان (^٦)، والمحاربي عبد الرحمن بن محمد (^٧)، والحسن بن صالح بن حيّ (^٨).
وكذلك أصحاب قتادة رووه عنه عن الحسن، عن سمرة؛ هكذا رواه هشام الدستوائي (^٩)، وشعبة (^١٠)، وهمام (^١١)، وحماد بن سلمة (^١٢). وهؤلاء ثقات أصحاب قتادة.
وقد روى عيسى بن يونس، عن سعيد، عن الحسن، عن سمرة، مثل رواية
_________________
(١) حديثه عند الترمذي ٣/ ٦٥٠ ح ١٣٦٨، وأحمد المسند ٣٣/ ٣٢٣ ح ٢٠١٤٧.
(٢) قاله أحمد في رواية عبد الله الجرح والتعديل ٢/ ١٥٤.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٩٦ رقم ٥٣١٤.
(٤) وحديثه عند أحمد أيضًا المسند ٣٣/ ٣١٢ ح ٢٠١٢٨.
(٥) قاله أحمد تاريخ بغداد ١١/ ٢٢.
(٦) وقد تقدم أنه ثقة ثبت، وأن سماعه من سعيد كان بالكوفة قبل اختلاطه العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ١٦٣ رقم ٨٦. وحديثه عند ابن أبي شيبة المصنف ٤/ ٥١٨ ح ٢٢٧٢٠.
(٧) وحديثه عند الروياني في "مسنده" ٢/ ٥٥ ح ٨٢٣.
(٨) وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير ٧/ ١٩٧ ح ٦٨٠٤.
(٩) وحديثه عند أبي داود الطيالسي ص ١٢٢ ح ٩٠٤، وأحمد المسند ٣٣/ ٣٦٣ ح ٢٠١٩٩.
(١٠) وحديثه عند أبي داود السنن ٣/ ٧٨٧ ح ٣٥١٧، وأحمد ٣٣/ ٣٦٣ ح ٢٠١٩٩، وابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٧٢٩.
(١١) وحديثه عند أحمد المسند ٣٣/ ٢٧٩ ح ٢٠٠٨٨، والطبراني المعجم الكبير ٧/ ١٩٦ ح ٦٨٠٢، والبيهقي السنن الكبرى ٦/ ١٠٦.
(١٢) وحديثه عند أحمد المسند ٣٣/ ٣٥٣ ح ٢٠١٨٣.
[ ٢ / ٨١٦ ]
الجماعة (^١)، وذكر أبو داود هذه الرواية لأحمد كقرينة يمكن الاستدلال بها على أن جمعه للحديثين معًا يفيد كون الطريق الذي تفرد بها عن سعيد عن قتادة عن أنس محفوظًا، واعتمد هذه القرينة ابن القطان فصحح الروايتين عن عيسى بن يونس (^٢).
وأما الإمام أحمد فلم يعبأ بهذه القرينة، ولم يقبل هذا التفرد من عيسى بن يونس عن سعيد بن أبي عروبة، مع أنه من الأثبات عنده. فقد سئل عنه أحمد فقال: عيسى يُسأل عنه؟ (^٣). وسئل عن عيسى بن يونس، وأبي إسحاق الفزاري، ومروان بن معاوية أيهم أثبت؟ قال: ما فيهم إلا ثبت. قيل له: فمن تقدم؟ قال: ما فيهم إلا ثقة ثبت … (^٤).
وكذلك أحمد بن جناب راوي الروايتين عن عيسى بن يونس نص على أن عيسى بن يونس أخطأ في حديث أنس، فقد رواه ابن أبي خيثمة، عن أحمد بن جناب، عن عيسى بن يونس، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس ثم قال: قال أحمد بن جناب: أخطأ فيه عيسى بن يونس (^٥).
_________________
(١) أخرج هذه الرواية ابن القطان من طريق قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن إسماعيل، ثنا نعيم بن حماد، ثنا عيسى بن يونس به بيان الوهم والإيهام ٥/ ٤٤٤، نصب الراية ٤/ ١٧٣، وكذلك الطحاوي من طريق علي بن بحر أحمد بن جناب عن عيسى بن يونس على ما ذكره الحافظ ابن حجر في إتحاف المهرة ٢/ ٢٠٧. والذي في شرح معاني الآثار من رواية علي بن بحر وأحمد بن جناب، عن عيسى بن يونس، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن سمرة. فما أدري هل ذكر أنس في هذا الإسناد من خطأ النسخة المطبوعة أم لا؟ ولم يذكر الحافظ هذا الإسناد في مسند سمرة في الإتحاف ٦/ ٥١. ونص أبو داود في سؤاله هذا للإمام أحمد أن عيسى بن يونس قد روى الحديث بمثل رواية الجماعة، كما نص على ذلك البزار مسند البزار، والطبراني المعجم الأوسط ٨/ ١١٨.
(٢) بيان الوهم والإيهام الموضع نفسه.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٧٩ رقم ٣١٤٦.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٥٣ رقم ٣٩.
(٥) انظر: إتحاف المهرة ٢/ ٢٠٧.
[ ٢ / ٨١٧ ]
ومن ناحية أخرى، ما بال هذا الحديث لا يرويه أحدٌ من أصحاب قتادة عن أنس؟ وقتادة حافظ مكثر، صاحب تلاميذ معتنين بجمع حديثه وضبطه، فلماذا لم يرو الحديث أحد من هؤلاء التلاميذ، ولا يأتي إلا من طريق عيسى عن ابن أبي عروبة؟
ومن أجل هذه الاعتبارات خرج الإمام أحمد عن أصله فلم يقبل تفرد عيسى بن يونس وحكم على روايته بالخطأ.
ومن أمثلته أيضًا رد الإمام أحمد لتفرد وهب بن جرير عن شعبة، لأنه لم يكن من أهل الطبقة الأولى من تلاميذ شعبة.
قال أبو داود: "سمعت أحمد قيل له: وهب بن جرير، عن شعبة، عن إسماعيل - يعني ابن أبي خالد - عن الشعبي، عن ابن عباس، صلى - يعني النبي ﷺ على قبر؟ فأنكره وقال: ليس هذا من حديث إسماعيل" (^١).
هذا الحديث رواه مسلم (^٢)، وابن حبان (^٣)، والبيهقي (^٤) من طريق وهب ابن جرير، عن شعبة، عن إسماعيل بن خالد، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: "أَتى رسول الله ﷺ على قبر منبوذ فصلى عليه وصلينا معه".
ولم أقف على من تابعه على هذه الرواية عن شعبة أو عن غيره بذكر إسماعيل بن أبي خالد.
قال ابن عدي: ولم يقل عن شعبة، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي غير وهب بن جرير، والمعروف عن شعبة، عن الشيباني عن الشعبي (^٥).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٣٣ رقم ١٩٩٧.
(٢) صحيح مسلم ٢/ ٦٥٨ ح ٩٥٤ (٦٨).
(٣) الإحسان ٧/ ٣٥٩ ح ٣٠٩٠.
(٤) السنن الكبرى ٤/ ٤٦.
(٥) الكامل في ضعفاء الرجال ٧/ ٢٥٣١.
[ ٢ / ٨١٨ ]
هكذا رواه أصحاب شعبة: عن الشيباني، عن الشعبي عن ابن عباس؛ منهم غندر (^١)، وحجاج بن المنهال (^٢)، ومعاذ بن معاذ (^٣)، وسليمان بن حرب (^٤)، ومسلم ابن إبراهيم (^٥)، وخالد بن الحارث (^٦)، وأبو داود (^٧)، وأبو الوليد الطيالسيّان (^٨).
والحديث معروف لأبي إسحاق الشيباني، رواه عنه غير واحد (^٩).
وقد روي أيضًا من حديث أبي حصين عن الشعبي (^١٠).
وتفرد به وهب بن جرير، عن شعبة من حديث إسماعيل بن أبي خالد، فأنكره الإمام أحمد، وقال: ليس هذا من حديث إسماعيل، فلم يعتبر بروايته لتكون أصلًا للحديث من رواية إسماعيل، بل ردها لأنه ليس ممن يقبل تفرده عن شعبة، فلم يكن من أهل الطبقة الأولى من أصحابه، بل كان عبد الرحمن بن مهدي يقول: هنا قوم يحدثون عن شعبة ما رأيناهم عند شعبة، قال أحمد: قلت له: من
_________________
(١) وحديثه عند البخاري ٢/ ٣٤٤ ح ٨٥٧، ومسلم ٢/ ٦٥٨.
(٢) وحديثه عند البخاري ٣/ ٢٠٣ ح ١٣٣٦.
(٣) وحديثه عند مسلم الموضع نفسه.
(٤) وحديثه عند البخاري ٣/ ١٩٠ ح ١٣٢٢.
(٥) وحديثه عند البخاري ٣/ ١٨٦ ح ١٣١٩.
(٦) وحديثه عند النسائي السنن الكبرى ١/ ٦٥١ ح ٢١٥٠.
(٧) وهو في مسنده ص ٣٤٤ ح ٢٦٤٧، وأخرجه من طريقه أبو نعيم مستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم ٣/ ٣٦ ح ٢١٣٨.
(٨) وحديثه عند أبي نعيم الموضع نفسه.
(٩) منهم عبد الله بن إدريس عند مسلم الموضع نفسه، وعبد الواحد بن زياد عند البخاري ٣/ ١٨٩ ح ١٣٢١، ومسلم الموضع نفسه، وهشيم بن بشير عند مسلم الموضع نفسه، والترمذي ٣/ ٣٥٥ ح ١٠٣٧، وجرير بن حازم عند البخاري ٣/ ٢٠٧ ح ١٣٤٠، ومسلم الموضع نفسه، وسفيان الثوري عند مسلم الموضع نفسه، وأبو معاوية عند البخاري ٣/ ١١٧ ح ١٢٤٧، وأبو عوانة وضاح عند الدارقطني ٢/ ٧٧.
(١٠) رواه إبراهيم بن طهمان ويحيى بن ضريس عنه صحيح مسلم، الموضع نفسه، السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٤٦.
[ ٢ / ٨١٩ ]
تعني بهذا؟ قال: وهب بن جرير (^١) قال أحمد: "ما رئي وهب عند شعبة، ولكن كان صاحب سنة، حدث - زعموا - عن شعبة نحوًا من أربعة آلاف حديث. قال عفان: هذه أحاديث الرُّصاصي. قال عبد الله: قلت لأبي: ما هذا الرصاصي؟ قال: كان إنسان بالبصرة يقال له الرصاصي، وكان قد سمع من شعبة حديثًا كثيرًا واسمه عبد الرحمن بن زياد، وقع إلى مصر" (^٢).
لكن روى الإمام أحمد عن وهب ما يثبت سماعه من شعبة، قال: "قال وهب بن جرير: كتب لي أبي إلى شعبة فكنت أجئ فأسأله" (^٣).
والحاصل أن وهب بن جرير مع توثيق بعض الأئمة له (^٤) لم يكن من تلاميذ شعبة الأثبات الملازمين له، فإذا روى حديثًا من حديث شعبة وليس عند واحد من أولئك التلاميذ، فلا يحتمل منه مثل ذلك التفرد، وإن جاء بما يخالف ما عندهم فذاك أشد، وهو الحال في هذا الحديث الذي أنكره عليه الإمام أحمد.
ومن الاعتبارات التي يمكن أن يرجع إليها خروج الإمام أحمد عن أصله في هذا الباب كون تفرد الراوي الثقة الثبت تضمّن وجهًا أو أكثر من المخالفة لرواية من هو أولى منه عن ذلك الشيخ الذي تفرد عنه، وإلى هذا الاعتبار يرجع ردّ الإمام أحمد لتفرد عبد الله بن دينار بحديث النهي عن بيع الولاء وهبته عن عبد الله بن عمر،
_________________
(١) الكامل في ضعفاء الرجال ٧/ ٢٥٣١.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣١٣ رقم ٢٣٨٧.
(٣) الموضع نفسه.
(٤) وثقه ابن معين، وقال أبو جاتم: صدوق صالح الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس تهذيب الكمال ٣١/ ١٢٣ - ١٢٤. وقال الدورقي: إذا خرجت حديث شعبة لم أقدّم على وهب بن جرير أحدًا الكامل في ضعفاء الرجال ٧/ ٢٥٣١، ولم أر غيره من الحفاظ قدم وهبًا في أصحاب شعبة. وقد قال أبو حاتم لما سئل عن حرمي بن عمارة: ليس هو في عِداد يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وغندر، هو مع عبد الصمد بن عبد الوارث، ووهب بن جرير وأمثالهما الجرح والتعديل ٣/ ٣٠٧. فهو صريح في تأخر طبقة وهب عند أبي حاتم.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
فإن رد الإمام أحمد على عبد الله بن دينار لم يكن لمجرد تفرده به عن ابن عمر، بل لأنه إضافة إلى تفرده قد خُولف عن ابن عمر من قبل نافع مولاه كما تقدم.
ومن أمثلته أيضًا:
قال أبو بكر الأثرم: "قلت لأبي عبد الله: حديث السهو حديث ابن عمر يرويه أحد غير أبي أسامة؟ فقال: أبو أسامة وحده، وكأنه ضعفه. قال أبو عبد الله: زعموا أن يحيى بن سعيد قال: إنما هو عبيد الله، عن نافع مرسل" (^١).
والمقصود بحديث ابن عمر في السهو هو ما رواه أبو أسامة حماد بن أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ صلى فسلم في الركعتين، فقال له ذو اليدين: أقُصرت الصلاة أم نَسيت؟ فقال: "ما قُصرت الصلاةُ وما نَسيتُ"، فقال: "أكما يقول ذو اليدين"؟ فقام فصلى ثم سجد سجدتين. أخرجه أبو داود (^٢)، وابن ماجه (^٣)، وابن أبي شيبة (^٤)، وابن خزيمة (^٥)، والطحاوي (^٦)، والبيهقي (^٧) من طرق عن أبي أسامة به.
وقد نصّ الإمام أحمد في جوابه على هذا السؤال بأن أبا أسامة تفرد بهذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، عن نافع. وأبو أسامة كان ثبتًا صحيح الكتاب عند الإمام أحمد (^٨). وقال أيضًا: كان أبو أسامة ضابطًا للحديث كيّسًا (^٩) وقال
_________________
(١) تنقيح التحقيق ١/ ٤٣٨.
(٢) سنن أبي داود ١/ ٦١٨ ح ١٠١٧.
(٣) سنن ابن ماجه ١/ ٣٨٣ ح ١٢١٣.
(٤) المصنف ١/ ٣٩٣ ح ٤٥١٤.
(٥) صحيح ابن خزيمة ٢/ ١١٧ ح ١٠٣٤.
(٦) شرح مشكل الآثار ١/ ٤٤٤.
(٧) السنن الكبرى ٢/ ٣٥٩.
(٨) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٩٠ رقم ٧٧٢.
(٩) المصدر نفسه ٣/ ٤٦٤ رقم ٥٩٨١.
[ ٢ / ٨٢١ ]
أيضًا: كان ثبتًا، ما كان أثبته، لا يكاد يخطئ (^١).
فتفرد مثل أبي أسامة مقبول على أصل الإمام أحمد، وإنما مال إلى تضعيفه لما قيل أن يحيى القطان خالفه، فروى الحديث عن عبيد الله، عن نافع مرسلًا، فمن أجل هذه المخالفة ردّ تفرد الثقة الثبت أبي أسامة في روايته لهذا الحديث.
وقد تابعه عبد الله العمري، فرواه بمثل روايته مختصرًا. أخرجه ابن عدي من طريق عبد الله بن وهب عنه (^٢)، والعمري وإن تكلم فيه من ناحية حفظه، فهو ممن يعتبر به، فلا يبعد أن تكون رواية أبي أسامة محفوظة، والله أعلم (^٣).
لكن هناك قرينة أخرى جعلت الإمام أحمد ينكر رواية أبي أسامة، وهي كون رواية يحيى القطان للحديث عن عبيد الله مرسلا كانت نقلا من كتاب عبيد الله، وهذا أضبط وأتقن ما يكون في صحة الرواية.
قال المرُّوذي في حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر في مثل قصة ذي اليدين، فقال: "كان يقول - يعني أبا أسامة - عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، ثم يقول: عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مثله. وقال: قال يحيى بن سعيد: إنما هو في كتاب عبيدالله مرسل، وما ينبغي إلا كما قال يحيى، وأنكره" (^٤).
ومن صوَر خروج الإمام أحمد عن أصله في هذا الباب قبوله لتفرد من لم يبلغ منزلة المبرّز المشتهر بالحفظ، وإن كان يشمله وصف الثقة، وذلك حيث كانت هناك قرينة دلت على مزيد الثقة بصحة ما روى، كأن تكون روايته
_________________
(١) الجرح والتعديل ٣/ ١٣٣.
(٢) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٥٢٠.
(٣) أما البيهقي فقبل روايته بدون متابعة. قال: تفرد به أبو أسامة، وهو من الأثبات السنن الكبرى ٢/ ٣٥٩.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٤٧ - ١٤٨ رقم ٢٦٢.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
للحديث الذي تفرد به كانت منقولة من كتاب، مثال ذلك:
قال أبو إسماعيل الترمذي (^١): "حدثنا الحسن بن سوار أبو العلاء الثقة الرضى، وقلت له: الحديث الذي حدثتنا: "رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت … أعِده عليّ، وكان قد حدثني به قبل هذه المدة بسنتين، قال: نعم: حدثنا عِكرمة بن عمّار اليمامي، عن ضمضم بن جَوْش، عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب قال: "رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت على ناقة، لا ضرْبَ ولا طرْدَ ولا إليك إليك". قال أبو إسماعيل: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: هذا الشيخ ثقة ثقة، والحديث غريب، ثم أطرق ساعة وقال: أكتبوه من كتاب؟ قلنا: نعم" (^٢).
فالإمام أحمد لم ينكر هذا الحديث، وإنما وصفه بالغرابة، ووجه الغرابة أن الحديث بهذا اللفظ فيه تفرد مطلق، لا يروى إلا من حديث عبد الله بن حنظلة.
قال ابن عدي: الحديث بهذا الإسناد لم يحدث به عن عكرمة بن عمار غير الحسن بن سوار (^٣). وقال العقيلي: ولا يُتابع الحسن بن سوار على هذا الحديث (^٤).
وقد روى قُدامة بن عبد الله "أنه رأى النبي ﷺ رمى الجمرة جمرة العقبة من بطن الوادي يوم النحر، على ناقة له صهباء، لا ضرْبَ ولا طرْدَ ولا إليك
_________________
(١) هو محمد بن إسماعيل بن يوسف، أبو إسماعيل الترمذي. قال الخلال: كان عنده عن أبي عبد الله مسائل صالحة حسان. وفيها ما أغرب به على أصحاب أبي عبد الله، وهو رجل معروف ثقة كثير العلم يتفقه. ا. هـ ووثقه النسائي، والدراقطني. وقال ابن أبي حاتم: تكلموا فيه. وقال الذهبي: انبرم الحال على توثيقه وإمامته. توفي سنة ٢٨٠ هـ. طبقات الحنابلة ١/ ٢٧٩، سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٤٣.
(٢) تاريخ بغداد ٧/ ٣١٨ - ٣١٩، رواه الخطيب من طريق عثمان بن أحمد الدقاق، عن أبي إسماعيل الترمذي.
(٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٩١٣.
(٤) الضعفاء للعقيلي ١/ ٢٤٧.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
إليك] (^١) رواه أكثر من خسمة عشر نفسًا عن أيمن بن نابل، عن قدامة.
هكذا رواه قُدامة بن عبد الله بذكر رمي جمرة العقبة، وليس الطواف. قال الذهبي عن حديث عبد الله بن حنظلة: المحفوظ حديث أيمن، عن قدامة … فذكره (^٢).
وراوي هذا الحديث الحسن بن سوار قال فيه الإمام أحمد: ثقة ثقة، فهذا يجعله في درجة عالية من الثقة، لكن ليس بمبرَّز بالحفظ والإتقان. وقد روى حنبل بن إسحاق عن أحمد أنه قال فيه: كان شيخًا من أهل خراسان قدِم علينا ليس به بأس (^٣). وقال صالح بن محمد: يقولون إنه صدوق، ولا أدري كيف هو (^٤). فهذا كله يدل على أنه لم يكن مشهورًا بالحفظ، فلم تكن حالته حالة من يقبل الإمام أحمد مطلق تفرده.
ومع هذا لم يصف الإمام أحمد حديثه هذا بالنكارة، بل ذكر ما يشعر بقبوله منه، وهو سؤاله: هل كتبوه من كتاب؟ فإن فائدة هذا السؤال أن الحديث إذا كان مع غرابته مأخوذًا من كتاب إنسان ثقة فإن ذلك يدل على مزيد الثقة بما حدث به، وأن الحديث محفوظ، لأن الرجل مهما بلغ في الحفظ فالكتاب أحفظ منه، ولو لم يكن هذا الاستدلال هو المقصود لما كان لسؤاله أية فائدة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي الجامع ٣/ ٢٤٧ ح ٩٠٣، والنسائي السنن ٥/ ٢٧٠ ح ٣٠٦١، وابن ماجه السنن ٢/ ١٠٠٩ ح ٣٠٣٥، والطيالسي ص ١٩٠ ح ١٣٣٨، وأحمد المسند ٢٤/ ١٣٦ ح ١٥٤١٠ - ١٥٤١٥، والدارمي السنن ٢/ ٦٢، وابن أبي شيبة المصنف ٣/ ٢٨٨ ح ١٣٧٤٥، وابن أبي عاصم ٣/ ١٦٨ ح ١٤٩٩، وعبد بن حميد المنتخب من مسنده ص ١٤٠ ح ٣٥٧، والطبراني المعجم الكبير ١٩/ ٣٨ ح ٧٧ - ٧٩، والحاكم المستدرك ١/ ٤٦٦، ٤/ ٥٠٧، والبيهقي السنن الكبرى ٥/ ١٠١.
(٢) ميزان الاعتدال ترجمة ١٨٥٧.
(٣) تاريخ بغداد ٧/ ٣١٩.
(٤) الموضع نفسه.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
وأما العقيلي فذكر رواية أبي إسماعيل الترمذي هذه من طريق محمد بن موسى النهرتيري مختصرًا فقال عن أحمد: أما الشيخ فثقة، وأما الحديث فمنكر (^١)، واعتمده الذهبي فذكر أن هذا الحديث مما أُنكر على الحسن بن سوار (^٢) تبعًا للعقيلي.
ويؤيد ذلك ما ذكره الترمذي (^٣): "سألت محمدًا عن حديث الحسن بن سوار، عن عكرمة بن عمار، عن ضمضم بن جوس (^٤)، عن عبد الله بن حنظلة قال: رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة على ناقة (^٥)، فقال محمد: رأيت أبا قدامة يعرض هذا الحديث على علي بن عبد الله فدفعه علي - يعني أنكره، وقال محمد: وقد كتب به الحسن بن سوار إلي، وكأن محمدًا لم يعرف هذا الحديث". فذكر إنكار علي ابن المديني للحديث.
وعندي أن رواية الخطيب أصح من رواية العقيلي، لأن الخطيب روى القصة كاملة وذكر ما يشعر بعدم إنكار الإمام أحمد لرواية الحسن بن سوار، بينما اختصرها العقيلي، وحمل الغرابة المذكورة على النكارة.
وقد روى حديث عبد الله بن حنظلة بن الراهب ابن قانع (^٦)، والخطيب (^٧).
_________________
(١) الضعفاء للعقيلي الموضع نفسه.
(٢) ميزان الاعتدال الموضع نفسه. هذا ولم يترجم ابن عدي للحسن بن سوار.
(٣) علل الترمذي الكبير ١/ ٣٨٤ - ٣٨٥.
(٤) وقع في الأصل: بن موسى، وذكر المصنف أنه ألحقه من مصادر تخريج الحديث الموضع نفسه.
(٥) هكذا وقع هنا بذكر رمي الجمرة، والصواب هو الطواف. وقد ذكر محقق العلل الكبير أن السيوطي عزاه في الجامع الكبير باللفظ المذكور إلى ابن منده، ولعل إنكار ابن المديني راجع إلى هذا اللفظ، والله أعلم.
(٦) معجم الصحابة ٢/ ٩٠.
(٧) تاريخ بغداد ٤/ ١٤٠.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
ورواه البزار (^١) لكن قال: عن العلاء بن سنان، عن عكرمة بن عمار مكان أبي العلاء الحسن بن سوار، وأخاف أن يكون تصحيفًا من أبي العلاء بن سوار، والله أعلم.
والشاهد أن الإمام أحمد اعتد بتفرد الثقة الذي لم يكن مبرّزًا بالحفظ لكون روايته للحديث الذي تفرد به كانت من كتاب، والعلم عند الله.
_________________
(١) مسند البزار ٨/ ٣٠٨ ح ٣٣٧٩، وانظر: كشف الأستار ٢/ ٢١ ح ١١٠٩.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
المطلب الرابع: موقف الإمام أحمد من زيادات الثقات.
وهذا نوع آخر من التفرد، وهو أن يكون الحديث مشهورًا في نفسه، لكن يزيد بعض الرواة الثقات في متنه زيادة تستغرب، فهذا أيضًا حكمه مثل حكم تفرد الثقات بالحديث من أصله، فتُقبل من حافظ يعتمد على حفظه، وتُردّ إن كان ممن لا يعتمد على حفظه، ومن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:
١. قال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن الذين جمعوا الحج والعمرة طافوا طوافًا وحدًا: لم يروه إلا مالك، ومالك ثقة" (^١).
رواية مالك تضمنت زيادة في حديث عائشة كما رواه الزهري، عن عروة، عن عائشة، وهي قولها: [فأما الذين جمعوا الحج والعمرة فطافوا طوافًا واحدًا] (^٢)، لم يذكرها غيره ممن روى الحديث عن الزهري (^٣).
وقد أشار الإمام أحمد في هذه الرواية إلى قبولها، حيث قال: ومالك ثقة، أي فيقبل منه مثل هذه الزيادة، لا سيما وهو من أثبت الناس عن شيخه الزهري (^٤).
ومما يدل على قبول الإمام أحمد لهذه الزيادة أن ظاهر مذهبه أن القارن
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٣١ رقم ١٩٩٥.
(٢) أخرجه من طريق مالك البخاري صحيح البخاري ح ١٤٩١، ح ١٥٥٧، ح ٤١٣٤ مع فتح الباري، ومسلم صحيح مسلم ٢/ ٨٧٠ ح ١٢١١. وانفرد يحيى الليثي من بين أصحاب مالك فرواه عن مالك من هذا الطريق ومن طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة الموطأ ١/ ٤١٠ ح ٩٢٤، وانظر: التمهيد ١٩/ ٢٦٣.
(٣) أشار إلى ذلك أيضًا ابن عبد البر التمهيد ٨/ ٢٣١. وممن رواه عن الزهري ولم يذكرها: عقيل بن أبي خالد، ومعمر، وابن عيينة، وأحاديثهم كلهم عند مسلم ٢/ ٨٧٠ - ٨٧١.
(٤) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٧١.
[ ٢ / ٨٢٧ ]
ليس عليه إلا سعي واحد (^١).
٢. قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: روى مالك، عن نافع أشياء لم يروها غيرُه: ابن عمر ألحق ولد الملاعنة بأمه، يعني حديث نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ "أنه ألحق ولد الملاعَنة بأمه" (^٢).
وردت هذه الزيادة في رواية مالك لحديث نافع، عن ابن عمر "أن رجلًا لاعَنَ امرأتَه في زمان رسول الله ﷺ وانتفى من ولدها، ففرّق رسول الله ﷺ بينهما، وألحق الولد بالمرأة" (^٣).
فذكر أحمد أن هذه الزيادة لم يروها عن نافع غيرُ مالك. وممن ذكر أن الإمام مالك تفرد بهذه الزيادة أبو داود (^٤)، والدارقطني (^٥) وقال ابن عبد البر: وقد زعم قوم أن مالكًا انفرد في حديثه هذا بقوله فيه: "وألحق الولد بالمرأة، أو ألحق الولد بأمه" (^٦).
وتوضيح ذلك أن الحديث رواه عبيد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: "لاعن رسول الله ﷺ بين رجل من الأنصار وامرأته وفرّق بينهما" (^٧) فلم يذكر الزيادة التي ذكرها مالك. وكذلك رواه جويرية عن نافع،
_________________
(١) انظر: تهذيب السنن لابن القيم ٥/ ٢٤٣.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٢٨ رقم ١٩٨٧.
(٣) الموطأ - برواية يحيى الليثي ٢/ ٥٦٧.
(٤) سنن أبي داود ٢/ ٦٩٤.
(٥) انظر: فتح الباري ٩/ ٤٦٠.
(٦) التمهيد ١٥/ ٢٠.
(٧) أخرجه البخاري من حديث أنس بن عياض، عن عبيد الله صحيح البخاري ٩/ ٤٥٨ ح ٥٣١٣ - مع فتح الباري، ومن حديث القطان عن عبيد الله ح ٥٣١٤، وهذا لفظه، وأخرجه من طريقه أيضًا مسلم صحيح مسلم ٢/ ١١٣٣، ومن طريق أبي أسامة، وابن نمير كلاهما عن عبيد الله الموضع نفسه.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
عن ابن عمر بدون هذه الزيادة (^١).
وقال ابن عبد البر: "هكذا رواه كل من رواه عن نافع، ذكروا فيه اللعان والفرقة، ولم يذكروا أن رسول الله ﷺ ألحق الولد بالمرأة، وقاله مالك، عن نافع كما رأيت، وحسبك بمالك حفظًا وإتقانًا … " (^٢).
وليس في كلام الإمام أحمد إشارة إلى استنكار هذه الزيادة التي ذكرها مالك، ولم ينقل عنه القول بخلاف مقتضاها، بل ورد عنه ما يدل على القول بموجبها، فروى صالح (^٣) عن أحمد أنه قال: "بين كل زوجين لعان، لأنه ينفي عنه الولد إذا لاعنها نفى عنه ولدها"، فذكر أن اللعان ينفي عنه الولد، وهو مفهوم قوله في حديث مالك: "وألحق الولد بأمه".
ثم إن مالكًا لم ينفرد بها، فقد وردت مثلها في رواية القاسم بن يحيى الهلالي (^٤)، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر "أن رجلًا رمى امرأته فانتفى من ولدها في زمان رسول الله ﷺ فأمر بهما رسول الله ﷺ فتلاعنا كما قال الله، ثم قضى بالولد للمرأة، وفرّق بين المتلاعنين"، أخرجها البخاري (^٥). فذكر أنه قضى بالولد للمرأة، فهي متابعة قوية لمالك إن كان القاسم بن يحيى حفظه عن عبيد الله، فقد خالف أربعة من الحفاظ عن عبيد الله لم يذكروها - وهم يحيى القطان، وأبو أسامة، وعبد الله بن نمير، وأنس بن عِياض، وقد تقدم ذكر مواضع حديثهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري صحيح البخاري ٩/ ٤٤٤ ح ٥٣٠٦.
(٢) الموضع نفسه.
(٣) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٣/ ٥٨ رقم ١٣٣٤.
(٤) انفرد البخاري بالرواية عنه من بين أصحاب الكتب الستة. وثقه الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات ٧/ ٣٣٦ وقال: مستقيم الحديث. هكذا ذكر الحافظ وليس في نسخة الثقات التي بأيدينا تهذيب التهذيب ٦/ ٣٤١. وكذلك وثقه ابن حجر ٥٥٣٩.
(٥) صحيح البخاري ٨/ ٤٥١ ح ٤٧٤٨.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
ووقعت هذه الزايادة أيضًا في حديث فُليح عن نافع، أخرجه الإمام أحمد (^١) عن سريج بن يونس عن فليح به، ولفظه: "أن رجلًا لاعن امرأته في زمن النبي ﷺ وانتفى من ولدها، ففرق النبي ﷺ بينهما، وألحق الولد بالمرأة". وفُليح هو ابن سليمان بن أبي المغيرة الأسلمي المدني، قال عنه ابن معين: ليس بقوي، ولا يحتج بحديثه، وهو دون الدراوردي والدراوردي أثبت منه. وكذلك قال أبو حاتم، والنسائي: ليس بالقوي (^٢). وقال ابن عدي: " له أحاديث صالحة، يروي عن نافع، عن ابن عمر نسخة … ويروي عن سائر الشيوخ من أهل المدينة أحاديث مستقيمة، وقد اعتمده البخاري في صحاحه، روى عنه الكثير … وهو عندي لا بأس به" (^٣).
وأما أبو داود فاحتج لصحة هذه الزيادة بورودها في حديث يونس، عن الزهري، عن سهل بن سعد في حديثه في اللعان، وفيه: "وأنكر حملها، فكان ابنها يدعى إليها" (^٤) وذكر ابن عبد البر أن مثلها وقعت في رواية الأوزاعي، عن الزهري، عن سهل بن سعد فقال فيها: "فكان الولد لأمه" (^٥).
ولم يتردد أصحاب الكتب الستة من إخراج هذا الحديث بالزيادة التي رواها مالك، مما يدل على صحتها عندهم.
٣. قال صالح بن أحمد بن حنبل: وقال أبي: الجُمحي روى حديثين عن عبيد الله بن عمر، حديث منهما في صدقة الفطر، وقد أنكر على مالك هذا
_________________
(١) المسند ١٠/ ٢٦٣ ح ٦٠٩٨.
(٢) تهذيب الكمال ٢٣/ ٣٢٠ - ٣٢١.
(٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٠٥٦.
(٤) سنن أبي داود ٢/ ٦٩٤.
(٥) التمهيد ١٥/ ٢١.
[ ٢ / ٨٣٠ ]
الحديث، ومالك إذا انفرد بحديث فهو ثقة، وما قال أحد ممن قال بالرأي أثبت منه في الحديث" (^١).
أشار الإمام أحمد في هذه المسألة إلى رواية مالك لحديث نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس، صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعير، على كل حرٍّ أو عبدٍ ذكرٍ أو أُنثى من المسلمين (^٢).
فقوله: "من المسلمين" زيادة انفرد مالك بذكرها في هذا الحديث، إذ لم يذكرها غير واحد ممن روى الحديث عن نافع، ومنهم أيوب السختياني (^٣)، وعبيد الله ابن عمر (^٤)، والليث بن سعد (^٥)، وسليمان بن موسى (^٦)، وعقيل بن أبي خالد (^٧).
وموقف الإمام أحمد من تفرد الإمام مالك بهذه الزيادة أن مالكًا يقبل تفرده، وعلل ذلك بزيادته في التثبت على غيره.
وهناك رواية ثانية تدل على توقف الإمام أحمد في هذه الزيادة حتى توبع مالك فيها، فروى أبو داود قال: "سمعت أحمد يقول: كنتُ أتهيَّب حديث مالك - يعني حديث نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ فرض صدقة رمضان على كلِّ حُرٍّ وعبدٍ وذكرٍ وأنثى من المسلمين، يعني أتهيب قوله: من المسلمين، فحدثنا
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٢/ ٤٥٩ رقم ١١٦٢.
(٢) الموطأ ١/ ٢٨٤. وأخرجه البخاري ٣/ ٣٦٩ ح ١٥٠٤، ومسلم ٢/ ٦٧٧ ح ٩٨٤١٢.
(٣) حديثه عند البخاري ٣/ ٣٧٥ ح ١٥١١ من طريق ابن علية عنه، وعند مسلم ٢/ ٦٧٧ ح ٦٨٤١٤ من طريق يزيد بن زريع عنه. وأخرجه غيرهما من طرق آخرى عن أيوب.
(٤) حديثه عند البخاري ٣/ ٣٧٧ ح ١٥١٢ من طريق يحيى القطان عنه، وعند مسلم الموضع نفسه ح ١٣ من طريق أبي أسامة وعبد الله بن نمير عنه. وأخرجه غيرهما من طرق آخرى عن عبيد الله.
(٥) حديثه عند البخاري ٣/ ٣٧١ ح ١٥٠٧، ومسلم ٢/ ٦٧٨ ح ١٥.
(٦) وحديثه عند الدارقطني السنن ٢/ ١٤٥.
(٧) وحديثه عند ابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ٤/ ٨٥ ح ٢٤٠٤.
[ ٢ / ٨٣١ ]
أبو النضر، عن سعيد الجُمحي، عن عبيد الله قال فيه: من المسلمين، والعُمري يقول: من المسلمين" (^١).
وقريب منها الرواية التي ذكرها ابن رجب (^٢) عن أحمد أنه قال: "كنت أتهيب حديث مالك: "من المسلمين" يعني حتى وجده من حديث العمريين، قيل له: أمحفوظ هو عندك "من المسلمين"؟ قال: نعم".
قال ابن رجب: وهذه الرواية تدل على توقفه في زيادة واحد من الثقات ولو كان مثل مالك حتى يتابع على تلك الزيادة، وتدل على أن متابعة مثل العمري لمالك مما يقوي رواية مالك ويزيل عن حديثه الشذوذ والإنكار. ا. هـ (^٣).
وذكر أحمد اثنين ممن تابع مالكًا على ذكر هذه الزيادة، وقد وردت من طريق عدد من الرواة عن نافع، منهم: عمر بن نافع العدوي مولاهم (^٤)، وحديثه عند البخاري (^٥)، وابن حبان (^٦)؛ والضحاك بن عثمان (^٧)، وحديثه عند مسلم (^٨)، وابن خزيمة (^٩)، وابن حبان (^١٠)؛ وكثير بن فرقَد (^١١)، وحديثه عند
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٣١ رقم ١٩٩٣.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٢.
(٣) الموضع نفسه.
(٤) قال أحمد هو من أوثق ولد نافع. ووثقه النسائي وغيره تهذيب الكمال ٢١/ ٥١٣.
(٥) صحيح البخاري ٣/ ٣٦٧ ح ١٥٠٣ - مع فتح الباري.
(٦) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٨/ ٩٦ ح ٣٣٠٣.
(٧) وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داود. وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به وهو صدوق. وقال ابن حجر: صدوق يهم تهذيب الكمال ١٣/ ٢٧٣ - ٢٧٤، تقريب التهذيب ٢٩٨٩.
(٨) صحيح مسلم ٢/ ٦٧٨ ح ١٦.
(٩) صحيح ابن خزيمة ٤/ ٨٣ ح ٢٣٩٨.
(١٠) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٨/ ٩٥ ح ٣٣٠٢.
(١١) وثقه ابن معين، وقال عنه أبو حاتم: صالح كان ثبتًا تهذيب الكمال ٢٤/ ١٤٥.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
الدارقطني (^١)، والبيهقي (^٢)؛ وعبد الله بن عمر العمري (^٣)، وقد ذكر أحمد متابعته لمالك، وحديثه عند الدارقطني (^٤)؛ ويونس بن يزيد الأيلي، وحديثه عند الطحاوي (^٥)، وابن عبد البر (^٦)؛ والمعلى بن إسماعيل (^٧)، وحديثه عند ابن حبان (^٨)، والدارقطني (^٩)؛ ومحمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، وحديثه عند الدارقطني (^١٠).
وقد رواها سعيد بن عبد الرحمن الجُمحي (^١١)، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به. أخرجه أحمد (^١٢)، والدارقطني (^١٣)، والحاكم (^١٤)، والبيهقي (^١٥)، وخالف بقية الرواة عن عبيد الله. وقد روى الدارقطني (^١٦) من طريق الدبري، عن
_________________
(١) سنن الدارقطني ٢/ ١٤٠.
(٢) السنن الكبرى ٤/ ١٦٢.
(٣) قال عنه أحمد: لين الحديث. وفي رواية: كان يزيد في الأسانيد، ويخالف، وكان رجلًا صالحًا العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٨٨ رقم ١٢٤، تاريخ بغداد ١٠/ ٢٠. والأكثرون على تضعيفه تهذيب الكمال ١٥/ ٣٣٠ - ٣٣١.
(٤) سنن الدارقطني ٢/ ١٤٠.
(٥) شرح معاني الآثار ٢/ ٤٤.
(٦) التمهيد ١٤/ ٣١٩.
(٧) ذكره ابن حبان في الثقات ٧/ ٤٩٣، وقال عنه أبو حاتم: ليس بحديثه بأس صالح، لم يرو عنه غير أرطأة. ا. هـ الجرح والتعديل ٨/ ٣٣٢.
(٨) الإحسان ٨/ ٩٦ ح ٣٣٠٤.
(٩) سنن الدارقطني ٢/ ١٤٠.
(١٠) سنن الدراقطني ٢/ ١٣٩.
(١١) قال عنه أحمد: ليس به بأس، حديثه مقارب سؤالات أبي دواد للإمام أحمد رقم ٢٣٢. ووثقه ابن معين وغيره. وقال يعقوب الفسوي: لين الحديث تهذيب التهذيب ٤/ ٥٦.
(١٢) المسند ٩/ ٢٤٢ ح ٥٣٣٩.
(١٣) سنن الدارقطني ٢/ ١٤٥.
(١٤) المستدرك ١/ ٤١٠ - ٤١١.
(١٥) السنن الكبرى ٤/ ١٦٦.
(١٦) سنن الدراقطني ٢/ ١٣٩.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
عبدالرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي ليلى، وعبيد الله بن عمر كلاهما عن نافع به بذكر هذه الزيادة. قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون بعض رواته حمل لفظ ابن أبي ليلى على لفظ عبيد الله (^١).
ووردت أيضًا في حديث أيوب السختياني من رواية عبد الله بن شوذب (^٢) عنه؛ أخرجه ابن خزيمة (^٣)، وخالف جمعًا من الحفاظ عن أيوب، منهم ابن علية، وحماد بن زيد، ويزيد بن زريع، وعبد الوارث بن سعيد، وسفيان بن عيينة وغيرهم. قال ابن عبد البر: المحفوظ عن أيوب فيه ليس فيه: من المسلمين (^٤).
٤. قال ابن رجب: "قال أحمد في حديث ابن فُضيل، عن الأعمش، عن عُمارة بن عُمير، عن أبي عطيّة، عن عائشة في تلبية النبي ﷺ وذكر فيها: "والملك لا شريك لك"، قال أحمد: وهِم ابن فضيل في هذه الزيادة، ولا تُعرف هذه عن عائشة، إنما تُعرف عن ابن عمر، وذكر أبا معاوية روى الحديث عن الأعمش بدونها" (^٥).
وحديث محمد بن فضيل أخرجه أحمد (^٦) عنه، ولفظه: [قالت عائشة: إني لأعلم كيف كان رسول الله ﷺ يُلبِّي قال: ثم سمعتها تلبِّي تقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنِّعمة لك والمُلك لا شريك لك".
ورواه أبو معاوية (^٧)، والثوري (^٨)، وعبد الله بن نُمير (^٩)، وأبو الأحوص
_________________
(١) فتح الباري ٣/ ٣٧٠.
(٢) عبد الله بن شوذب الخراساني، صدوق عابد تقريب التهذيب ٣٤٠٨.
(٣) صحيح ابن خزيمة ٤/ ٨٧ ح ٢٤١١.
(٤) التمهيد ١٤/ ٣١٣.
(٥) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٢ - ٦٣٣.
(٦) المسند ٤٠/ ٤٤ ح ٢٤٠٤٠.
(٧) أخرجه حديثه أحمد المسند ٤٢/ ٨٩ ح ٢٥٩١٨، ومسدد في مسنده تغليق التعليق ٣/ ٥٤، والجوزقي في مستخرجه تعليق التعليق الموضع نفسه.
(٨) أخرجه حديثه البخاري فتح الباري ٣/ ٤٠٨ ح ١٥٥٠، وأحمد المسند ٤٩/ ٢٠٩ ح ٢٥٤٨٠.
(٩) أخرج حديثه أحمد ٤٣/ ٩٨ ح ٢٥٩٣٥، وابن أبي شيبة المصنف ١٣/ ٢٠٤ ح ١٣٤٦٥، وأبو يعلى المسند ٨/ ١٣١ ح ٤٦٧١.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
سلاّم ابن سُليم (^١)، وأبو خالد الأحمر (^٢) فكلهم ذكروا في حديثهم التلبية إلى قولها: "إن الحمد والنعمة لك". وكذلك رواه شعبة، عن الأعمش، لكن خالف في الإسناد، فقال: عن الأعمش، عن خيثمة، عن أبي عطية، عن عائشة (^٣) وعلقه البخاري (^٤)، وصنيعه يدل على أن الطريقين محفوظان (^٥). ورجح أبو حاتم رواية الثوري ومن تبعه، وأن شعبة غلط في الإسناد (^٦).
ولعل من أجل هذا الاختلاف أعرض بقية أصحاب الكتب الستة ما عدا البخاري عن إخراج حديث عائشة واكتفوا بإخراج حديث ابن عمر.
وهذه الزيادة إنما وردت في حديث عبد الله بن عمر، وهو عند البخاري (^٧)، ومسلم (^٨).
وذكر ابن رجب عن الخلال أن أبا عبد الله لا يعبأ بمن خالف أبا معاوية في الأعمش إلا أن يكون الثوري، وذكر أن هذه الزيادة رواها ابن نمير وغيره أيضًا عن الأعمش. ا. هـ (^٩).
_________________
(١) أخرجه حديثه الطحاوي شرح معاني الآثار ٢/ ١٢٤.
(٢) أخرج حديثه ابن أبي شيبة الموضع نفسه.
(٣) أخرجه أبو داود الطيالسي ص ٢١١ ح ١٥١٣، وأحمد من طريق غندر ٤١/ ٢٢١ ح ٢٤٦٩٠، ومن طريق روح ٤٣/ ١٨١ ح ٢٦٠٦٢، وإسحاق من طريق أبي عامر مسند إسحاق بن راهويه ٣/ ٩٠٦ ح ١٥٩٢.
(٤) الموضع السابق.
(٥) قاله الحافظ ابن حجر فتح الباري ٣/ ٤١١.
(٦) علل ابن أبي حاتم ١/ ٢٨٤ ح ٨٤٣.
(٧) صحيح البخاري ٣/ ٤٠٨ ح ١٥٤٩.
(٨) صحيح مسلم ٢/ ٨٤٢ ح ١١٨٤.
(٩) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٣.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
وقوله: هذه الزيادة رواها ابن نمير … الظاهر أن قائل ذلك هو الخلال، كأنه يشير إلى رواية ابن أبي شيبة، فقد رواه عن أبي خالد الأحمر، وابن نمير بزيادة: [والملك] فحسب (^١). وما زاد عن ذلك فإنما هو من تفرد محمد بن فضيل. وابن فضيل حسن الحديث عند الإمام أحمد، ووثقه ابن معين، وقال عنه أبو حاتم: شيخ. وقال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم (^٢). وقال الدارقطني: أرفع الرواة عن الأعمش الثوري، وأبو معاوية، ووكيع، ويحيى القطان، وابن فضيل، وقد غلط عليه في شيء. ا. هـ (^٣). فأشار إلى أنه غلط على الأعمش بعض الشيء.
وقد حكم الإمام أحمد على هذه الزيادة بأنها وهم من ابن فضيل، حيث لم يذكرها عن الأعمش غيره، وفيهم من هو أثبت الناس في الأعمش منهم الثوري، وأبو معاوية. ثم إنه ليس له من الحفظ ما يحتمل منه تفرده بهذه الزيادة. وهناك قرينة أخرى، وهي ورود هذه اللفظة في غير حديث عائشة، مما يقوي احتمال كونه دخل عليه لفظ حديث ابن عمر في لفظ حديث عائشة.
فهنا حكم برد الزيادة لأمرين: راويها ليس له من الحفظ ما يحتمل منه تفرده برواية الزيادة، والثاني احتمال كون الراوي دخل عليه لفظ حديث آخر في حديثه.
٥. قال ابن رجب: قال أحمد في رواية الميموني: "حديث أبي هريرة في الاستسعاء (^٤) يرويه سعيد بن أبي عروبة، وأما شعبة وهمام فلم يذكراه، ولا أذهب إلى الاستسعاء" (^٥).
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة الموضع نفسه.
(٢) الجرح والتعديل ٨/ ٥٧.
(٣) سؤالات أبي عبد الله بن بكير وغيره لأبي الحسن الدارقطني ٤٦ - ٤٧، وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧٢٠.
(٤) أي أتبع به وطُلب بالسعي في فكاك ما بقي من رقبته مشارق الأنوار، مادة: "س ع ى"ص ٢٢٥.
(٥) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٣ - ٦٣٤.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
وقال أحمد في رواية أخرى: ليس في الاستسعاء حديث يثبت عن النبي ﷺ، وحديث أبي هريرة يرويه ابن أبي عروبة، وأما شعبة، وهشام الدستوائي فلم يذكراه، وحدّث به معمر (^١) ولم يذكر فيه السعاية. ا. هـ (^٢).
وقال المرُّوذي: ضعف أبو عبد الله حديث سعيد (^٣).
وقال عبد الله: "قلت لأبي حديث قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير ابن نهيك، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "إن كان له مال عُتق في ماله، وإن لم يكن له ما استسعي العبد غير مشقوق عليه"؟ قال أبي: هذه رواية سعيد، ولم يذكر هشام الدستوائي السعاية. قال أبي: وأذهب إلى حديث ابن عمر، وهو أقوى من هذا وأصح في المعنى" (^٤).
وقد اعتبر الإمام أحمد ذكر الاستسعاء زيادة زادها سعيد بن أبي عروبة في حديث قتادة، ولم يذكرها شعبة، وهشام الدستوائي، والظاهر أنه تفرد بها عند أحمد، فلم يقبلها لمخالفته من هم أكثر عددًا منه، وذلك أن أصحاب قتادة عند أحمد هم هؤلاء الثلاثة، قال عبد الله: "قال أبي: هؤلاء أصحاب قتادة الذين لا يُختلف فيهم: شعبة، وهشام، وسعيد ابن أبي عروبة" (^٥). وقال المرُّوذي: "سمعت أبا عبد الله يقول: أصحاب قتادة سعيد، وهشام، وشعبة، إلا أن شعبة لم يبلغ علم هؤلاء، وكان سعيد يكتب كل شيء" (^٦).
_________________
(١) كذا وقع في هذه الرواية، وقد رواه الدبري عن عبد الرزاق، عن معمر بذكر السعاية مصنف عبد الرزاق ٩/ ١٥١ ح ١٦٧١٧، وعلقه أبو عوانة عن معمر مستخرج أبي عوانة ٣/ ٢٢٧.
(٢) تهذيب السنن ١٠/ ٣١٩.
(٣) الموضع نفسه.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه عبد الله ٣/ ١١٩١ رقم ١٦٤٤.
(٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله رقم ٦٦٦.
(٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٥٢ رقم ٣٥.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
وهذه الرواية تفيد أن سعيدًا كان أكثرهم حديثًا عن قتادة (^١)، ومع ذلك لم يقبل الإمام أحمد زيادته لمخالفته بقية أصحاب قتادة، وفيهم هشام الدستوائي. وقد جاء عن أحمد ما يدل على تقديم هشام الدستوائي على سعيد. قال أبو زرعة الدمشقي: أخبرني أحمد بن حنبل وذكر سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي أن الاختلاف عن هشام في حديث قتادة أقل منه في حديث سعيد. قال أبو زرعة: ورأيت أحمد بن حنبل لهشام أكثر تقديمًا في قتادة لضبطه وقلة الاختلاف عنه. ا. هـ (^٢).
فاجتماع هشام وشعبة على عدم ذكر الزيادة التي تفرد سعيد بذكرها قرينة قوية لردها.
ومن القرائن لعدم قبول الإمام أحمد لهذه الزيادة أن ابن عمر روى حديث عتق الشخص نصيبًا له في مملوك مشترك فلم يذكر السعاية. قال عبد الله عن أحمد: "أذهب إلى حديث ابن عمر عن النبي ﷺ: "من كان له مال عُتق في ماله، وإن لم يكن له فقد عتق منه ما عُتق"، رواه مالك، وعبيد الله عن نافع، إلا أن أيوب قال: قوله: "عتق منه ما عُتق" لا أدري فيما رواه عن النبي ﷺ أم قول نافع" (^٣). فالظاهر أنه تفرد بذكرها مرفوعة إلى النبي ﷺ.
ومن القرائن أيضًا أن الرواة اختلفوا على سعيد بن أبي عروبة في ذكر السعاية، حيث لم يذكر ذلك روح عن سعيد، قاله أبو عوانة عن أحمد (^٤).
ومن الأدلة لردّ هذه الزيادة أن همامًا روى هذا الحديث عن قتادة فذكره
_________________
(١) وعن يحيى القطان تصريح بذلك، فروى البيهقي من طريق علي بن المديني عنه قال: شعبة أعلم الناس بحديث قتادة، ما سمع منه وما لم يسمع، هشام أحفظ، وسعيد أكثر السنن الكبرى ١٠/ ٢٨٢.
(٢) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٥١ - ٤٥٢ رقم ١١٣٦، ١١٣٧.
(٣) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه عبد الله ٣/ ١١٩١ رقم ١٦٤٤.
(٤) الموضع نفسه. وكذلك قاله أبو داود السنن ٤/ ٢٥٥.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
مرة بدون هذه الزيادة (^١)، وذكره مرة بالزيادة لكن جعلها من قول قتادة لم يرفعها إلى النبي ﷺ (^٢)، فدلّ على أنها مدرجة. وهمام في قتادة مثل سعيد بن أبي عروبة كما قال ابن مهدي (^٣). وعن ابن مهدي: أحاديث همام عن قتادة أصح من حديث غيره، لأنه كتبها إملاءً (^٤).
ويؤيد هذا أن الاستسعاء معروف من فُتيا قتادة، رواه الأوزاعي عن قتادة (^٥) في عبد بين ثلاثة نفرٍ، كاتَب أحدُهم، ثم أعتق الآخر، وأمسك الثالثُ. قال ذكر عن قتادة أنه قال: لهذا الذي أمسك نصيبَه على المُعتِق إن كان ذا يسار عن حظه، وإن لم يكن له مال استسعى المملوك في الثلث من قيمته، والولاء بين المُعتِق والمكاتب: للمعتق الثلثان، وللمكاتب الثلث.
وقد وافق الإمام أحمد على رد هذه الزيادة شيخه سليمان بن حرب فيما نقله عنه الأثرم قال: طعن سليمان بن حرب في هذا الحديث، وضعفه (^٦) وردها الشافعي وانتصر البيهقي لقوله من عدة وجوه (^٧).
وقال الدارقطني: "وافق شعبةَ هشامُ الستوائي فلم يذكر الاستسعاء، وشعبة وهشام أحفظ من رواه عن قتادة، ورواه همام فجعل الاستسعاء من قول
_________________
(١) وهي رواية محمد بن كثير عنه سنن أبي داود ٤/ ٢٥٢ ح ٣٩٣٤، وعفان المسند ١٤/ ٢٣٥ ح ٨٥٦٥، وكذلك أبو الوليد الطيالسي مستخرج أبي عوانة ٣/ ٢٢٧.
(٢) وهي رواية عبد الله بن يزيد المقرئ عنه. أخرجها الدارقطني السنن ٤/ ١٢٧، والخطيب الفصل للوصل المدرج ١/ ٣٥٨ - ٣٥٩، والبيهقي السنن الكبرى ١٠/ ٢٨٢.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله رقم ٢٧٩.
(٤) قاله البيهقي عنه السنن الكبرى ١٠/ ٢٨٢.
(٥) السنن الكبرى ١٠/ ٢٨٣.
(٦) نقله عنه ابن القيم تهذيب السنن ١٠/ ٣١٩.
(٧) السنن الكبرى ١٠/ ٢٨١.
[ ٢ / ٨٣٩ ]
قتادة، وفصله من كلام النبي ﷺ، ورواه ابن أبي عروبة، وجرير بن حازم، عن قتادة فجعل الاستسعاء من قول النبي ﷺ، وأحسبهما وهِما فيه لمخالفة شعبة، وهشام، وهمّام إياهما" (^١).
وخالف الإمام أحمد في هذا الحكم جماعة من النقاد منهم صاحبا الصحيحين، فأخرجا هذه الزيادة، قال الترمذي: "سألت محمدًا عن هذا الحديث - يعني حديث السعاية - فقلت: أي الروايتين أصح؟ فقال: الحديثان جميعًا صحيحان، والمعنى فيه قائم، وذكر فيه عامتهم عن قتادة السعاية، إلا شعبة، وكأنه قوّى حديث سعيد بن أبي عروبة في أمره بالسعاية" (^٢).
وحجتهم في ذلك أن سعيد بن أبي عروبة لم ينفرد بذكر السعاية في هذا الحديث، فقد ذكر الإمام البخاري أربعة تابعوه عن قتادة، وهم: جرير بن حازم (^٣)، حجاج بن حجاج (^٤)، وأبان بن يزيد العطار (^٥)، وموسى بن خلف (^٦). وكذلك تابعه يحيى بن صبيح الخراساني (^٧)، وحجاج بن أرطأة (^٨).
ومع كثرة عدد هؤلاء هناك قرينة أخرى أشار إليها البخاري، وهي قوله:
_________________
(١) السنن ٤/ ١٢٥ - ١٢٦.
(٢) علل الترمذي الكبير ١/ ٥٤٧ - ٥٤٨.
(٣) وذكر البخاري حديثه قبل حديث سعيد ٥/ ١٥٦ ح ٢٥٢٦، وأخرجه أيضًا مسلم ٢/ ١١٤١ ح ١٥٠٣ (٣).
(٤) ذكر الحافظ أن ذلك في نسخته عن قتادة من رواية أحمد بن حفص، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان، عن حجاج وفيها ذكر السعاية فتح الباري ٥/ ١٥٧. ولم أقف على هذه الرواية.
(٥) وحديثه عند أبي داود ٤/ ٢٥٤ ح ٣٩٣٧، والنسائي الكبرى ٣/ ١٨٥ ح ٤٩٦٥.
(٦) وحديثه عند الخطيب في الفصل للوصل المدرج ١/ ٣٥٥.
(٧) وحديثه عند الحميدي عن سفيان عنه مقرونا بسعيد بن أبي عروبة مسند الحميدي ٢/ ٤٦٧ ح ١٠٩٣.
(٨) حديثه عند الطجاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ١٠٧، وأحال بلفظه على لفظ حديث سعيد.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
اختصره شعبة (^١)، يشير إلى أنه لا منافاة بين رواية شعبة ورواية من ذكر الزيادة لأنه اقتصر من الحديث على بعضه، وكذلك يقال في رواية هشام.
وانتصر لقول هؤلاء الأئمة ابن دقيق العيد (^٢)، وابن تيمية (^٣)، وابن القيم (^٤)، وابن حجر (^٥)، والعلم عند الله.
ومن أمثلة ما قبِله من زيادة الثقات لورودها من طريق عدد من الرواة:
قال ابن رجب في شرح حديث البخاري: "حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا همام، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظُّهر في الأولييْن بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأُخريين بأم الكتاب، ويُسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح".
قال: "قد خرّخ البخاري هذا الحديث فيما سبق من رواية شيبان، وهشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، وليس في حديثهما: ويقرأ في الركعتين الأخريين بأم الكتاب. وخرّجه ههنا من طريق همام عن يحيى بهذه الزيادة. وخرجها مسلم في "صحيحه" من رواية همام، وأبان العطار كلاهما عن يحيى بن أبي كثير. وقد سأل الأثرم الإمام أحمد عن هذه الزيادة: أثبتٌ هي؟ قال: رواه عِدةٌ، ورواها بعضهم عن الأوزاعي. فقال له الأثرم: هشام لا يقولها؟ قال: نعم، هشام لا يقولها" (^٦).
_________________
(١) صحيح البخاري ٣/ ١٥٦ مع فتح الباري.
(٢) ذكر ذلك ابن حجر ٣/ ١٥٨.
(٣) ذكره ابن عبد الهادي عنه في تنقيح التحقيق ٣/ ٥٥٧.
(٤) تهذيب السنن ١٠/ ٣٢٠.
(٥) فتح الباري الموضع نفسه.
(٦) فتح الباري لابن رجب ٤/ ٤٧٦.
[ ٢ / ٨٤١ ]
فاحتج الإمام أحمد لثبوت الزيادة برواية عدد من الرواة لها، وذكر منهم رواية بعض تلاميذ الأوزاعي لها.
والذين ذكروا هذه الزيادة هم: همام كما تقدم في رواية البخاري، وكذلك أبان ابن يزيد العطار (^١)، وذكرها أيضًا مخلد بن يزيد عن الأوزاعي (^٢)، ولم يذكرها بقية الرواة عن الأوزاعي منهم الوليد بن مسلم، وبشر بن بكر (^٣)، ومحمد بن يوسف (^٤)، وإسماعيل بن أبي سماعة (^٥)، وأبو المغيرة (^٦)، وأبو عاصم (^٧).
والذين لم يذكروا الزيادة عن يحيى بن أبي كثير هم: هشام الدستوائي (^٨) كما أشار إليه الأثرم ووافقه أحمد، وهشام أثبت الناس حديثًا عن
يحيى ابن أبي كثير (^٩)؛ وشيبان النحوي (^١٠)، ومعمر (^١١)، وحجاج الصواف (^١٢)،
_________________
(١) أخرجه مسلم من حديثه مقرونًا بهمام صحيح مسلم ١/ ٣٣٣ ح ١٥٥، وكذلك أبو داود السنن ١/ ٥٠٤ ح ٧٩٩، وابن خزيمة ١/ ٢٥٣ ح ٥٠٣. وأخرجه من حديث أبان وحده النسائي السنن ٢/ ١٦٥ ح ٩٧٦، وأحمد المسند ٣٧/ ٢٥٥ ح ٢٢٥٦٣.
(٢) أخرج حديثه أحمد المسند ٣٧/ ٢٨٤ ح ٢٢٥٩٥، وابن الجارود المنتقى ١/ ١٧٧ ح ١٨٧.
(٣) حديثهما عند ابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ١/ ٢٥٥ ح ٥٠٧.
(٤) وحديثه عند البخاري صحيح البخاري ٢/ ٢٦١ ح ٧٧٨ - مع فتح الباري.
(٥) حديثه عند النسائي السنن ٢/ ١٦٤ ح ٩٧٤.
(٦) وحديثه عند الدارمي سنن الدارمي ١/ ٢٩٦.
(٧) وحديثه عند أحمد المسند ٣٧/ ٢٨٥ ح ٢٢٥٩٧.
(٨) وحديثه عند البخاري ٢/ ٢٤٦ ح ٧٦٢، ٢/ ٢٦١ ح ٧٧٩، والنسائي السنن ٢/ ١٦٥ ح ٩٧٥، وأبو داود السنن ١/ ٥٠٣ ح ٧٩٨، وابن ماجه السنن ١/ ٢٧١ ح ٨٢٩.
(٩) انظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٦٧٧.
(١٠) وحديثه عند البخاري ٢/ ٢٤٣ ح ٧٥٩.
(١١) وحديثه عند أبي داود السنن ١/ ٥٠٤ ح ٨٠٠، وابن خزيمة ٣/ ٣٦ ح ٥٨٠.
(١٢) وحديثه عند مسلم صحيح مسلم ١/ ٣٣١ ح ١٥٤، وأبي داود ١/ ٥٠٣ ح ٧٩٨، والنسائي السنن ٢/ ١٦٦ ح ٩٧٧، وابن ماجه ١/ ٢٦٨ ح ٨١٩، وأحمد المسند ٣٧/ ٢٢٨ ح ٢٢٥٣٩.
[ ٢ / ٨٤٢ ]
وعلي ابن المبارك (^١)، وحرب بن شدّاد (^٢).
ومع كون الذين لم يذكروها أكثر عددًا من الذين ذكروها، وفيهم أثبت الناس عن يحيى بن أبي كثير قبلها الإمام أحمد لرواية عدد من الرواة لها، مما يدل على أنها محفوظة. ولذلك لم يتردد صاحبا الصحيح وغيرُهما من إخراج هذه الزيادة.
ما ردّه من الزيادة لقرينة تدل على أن من لم يذكرها كان أكثر ضبطًا لروايته:
قال عبد الله: "قلت لأبي: حديث عاصم بن كُليب، حديث عبد الله؟ قال: حدثناه وكيع في الجماعة قال: حدثنا سفيان عن عاصم بن كُليب، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن علقمة، قال: قال ابن مسعود: ألا أُصلّي بكم صلاةَ رسول الله ﷺ؟ قال: فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة. حدثني أبي قال: حدثناه وكيع مرة أخرى بإسناده سواء فقال: قال عبد الله: أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ؟ فرفع يديه في أول. حدثني أبي قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الضرير قال: كان وكيع ربما قال يعني ثم لا يعود. قال أبي: كان وكيع يقول هذا من قِبَل نفسه، يعني ثم لا يعود. قال أبي: وقال الأشجعي: فرفع يديه في أول شيء … قال أبي: حديث عاصم بن كليب، رواه ابن إدريس فلم يقل: "ثم لا يعود". حدثني أبي: قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: أملاه علي عبد الله بن إدريس من كتابه عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود قال: حدثنا علقمة، عن عبد الله قال: علّمَناَ رسول الله ﷺ الصلاة، فكبّر ورفع يديه ثم ركع، وطبّق يديه وجعلهما بين ركبتيه، فبلغ سعدًا فقال: صدق أخي قد كنا نفعل ذلك ثم أُمرنا بهذا، وأخذ بركبتيه. حدثني عاصم بن كليب هكذا. قال أبي: هذا لفظ غير لفظ وكيع، وكيع يثبج (^٣)
_________________
(١) وحديثه عند أحمد المسند ٣٧/ ٢٢٨ ح ٢٢٥٣٩.
(٢) وحديثه عند أحمد المسند ٣٧/ ٣١١ ح ٢٢٦٢٨.
(٣) ثبج الكتابَ والكلامَ تثبيجًا لم يبينه، وقيل لم يأت به على وجهه. والثبج اضطراب الكلام وتفننه لسان العرب، مادة: "ث ب ج" ٢/ ٢٢١.
[ ٢ / ٨٤٣ ]
الحديث، لأنه كان يحمل نفسه في حفظ الحديث" (^١).
أشار الإمام أحمد إلى أن بعض الرواة عن وكيع رووا حديثه في رفع اليدين حديث عبد الله بن مسعود بزيادة: "ثم لا يعود"، وهو أبو عبد الرحمن بن الضرير (^٢)، فذكر الإمام أحمد أن هذه اللفظة يقولها وكيع من قبل نفسه وليست في الحديث، واحتج لردها برواية عبد الله بن إدريس للحديث، فقد روى الحديث بغير لفظ وكيع، وأشار إلى أن روايته أضبط، لأن من رواها عنه أخذها عنه إملاء من كتاب، مما يدل على مزيد ضبط الراوي.
وقد ذكر ابن المبارك هذه الزيادة عن الثوري أيضًا (^٣)، كما ذكرها
أبو حذيفة (^٤)، فدل على أن الزيادة ليست من وكيع بل من شيخه الثوري.
والألفاظ التي جاءت عن الثوري في رواية الحديث هي خمسة: "فرفع يديه أول مرة ثم لم يعد"، "فلم يرفع يديه إلا في أول مرة" (^٥)، "فلم يرفع يديه إلا مرة" (^٦)،
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٦٩ - ٣٧١ رقم ٧٠٩ - ٧١٤. وانظر: مسائل الإمام أحمد - برواية عبد الله ١/ ٢٣٨ - ٢٤١.
(٢) وذكرها نعيم بن حماد الخزاعي أيضًا عن وكيع شرح معاني الآثار ١/ ٢٢٤، وكذلك يحيى الحماني فيما ذكره الدارقطني في العلل ٥/ ١٧٣.
(٣) أخرج هذه الرواية النسائي السنن ٢/ ١٨٢ ح ١٠٢٥.
(٤) ذكر ذلك الدراقطني العلل الموضع نفسه. وقد روى أبو داود حديث أبي أحمد الزبيري لكن لم يذكر لفظه سنن أبي داود ١/ ٤٧٩ ح ٧٥١.
(٥) وهي رواية هناد عن وكيع، عن الثوري. أخرجها الترمذي الجامع ٢/ ٤٠ ح ٢٥٧. وأشار أبو داود إلى أن بعض الثلاثة الذين رووه عن الثوري ذكروا الحديث بهذا اللفظ، والثلاثة هم: معاوية بن هشام، وخالد بن عمرو، وأبو أحمد الزبيري سنن أبي داود، الموضع السابق.
(٦) هذه رواية أحمد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعثمان بن أبي شيبة، ومحمود بن غيلان، وأبو خيثمة، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي كلهم عن وكيع. وأحاديثهم على اللف والنشر المرتب: مسند الإمام أحمد ٦/ ٢٠٣ ح ٣٦٨١، مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢١٣ ح ٢٤٤١، سنن أبي داود ١/ ٤٧٧ ح ٧٤٨، سنن النسائي ٢/ ١٩٥ ح ١٠٥٧، مسند أبي يعلى ٩/ ٢٠٣ ح ٥٣٠٩، السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٧٨.
[ ٢ / ٨٤٤ ]
"فرفع يديه مرة واحدة" (^١)، "فرفع يديه في أول" (^٢).
وهذه الألفظ مخالفة للفظ عبد الله بن إدريس، ومعظمها عن وكيع، وقد أشار الإمام أحمد إلى هذا، وإلى أن السبب في ذلك هو أن وكيعًا كان يحدث من حفظه، وأما رواية ابن إدريس فهي من كتاب فكانت أضبط.
وهذا أيضًا مسلك البخاري في رد الحديث على الثوري. قال في "جزء رفع اليدين في الصلاة" (^٣): "ويُروى عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبدالرحمن ابن الأسود، عن علقمة قال: قال ابن مسعود: "ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ؟ فصلى ولم يرفع يديه إلا مرة". وقال أحمد بن حنبل، عن يحيى ابن آدم: نظرت في كتاب عبد الله ابن إدريس عن عاصم بن كليب ليس فيه: ثم لم يَعُد. فهذا أصح، لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم، لأن الرجل ربما حدّث بشيء ثم يرجع إلى الكتاب فيكون كما في الكتاب - ثم ساق حديث عبد الله بن إدريس بإسناده، ثم قال: وهذا المحفوظ عند أهل النظر من حديث عبد الله بن مسعود".
وقال أبو حاتم: "هذا - رواية فرفع يديه ثم لم يَعُد - خطأ، يقال: وهم فيه الثوري وروى هذا الحديث عن عاصم جماعةٌ فقالوا كلهم: إن النبي ﷺ افتتح فرفع يديه ثم ركع فطبق وجعلها بين ركبتيه ولم يقل أحد ما رواه الثوري" (^٤).
وقال أبو داود: "هذا حديث مختصر من حديث طويل، وليس هو بصحيح على هذا اللفظ" (^٥).
_________________
(١) أشار أبو داود إلى أنها رواية بعض الثلاثة الذين رووا الحديث عن الثوري، وقد تقدم ذكرهم.
(٢) هي الرواية الثانية لأحمد عن وكيع المسند ٧/ ٢٦٠ ح ٤٢١١، وذكرها في سؤال عبد الله، وهي أيضًا رواية الأشجعي عن الثوري كما ذكرها أحمد في سؤال عبد الله هذا.
(٣) ص ٧٩ - ٨٣.
(٤) علل ابن أبي حاتم ١/ ٩٦.
(٥) سنن أبي داود ١/ ٤٧٨.
[ ٢ / ٨٤٥ ]
المطلب الخامس: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الصدوق.
الراوي الصدوق، وهو الذي خف ضبطه عن الراوي الثقة الحافظ، إذا تفرد عن شيخ حافظ كثير الحديث والتلاميذ، فتفرده في هذه الحالة يعدُ منكرًا، لأن مثله ليس له من الحفظ والتثبت ما يحتمل منه مثل هذا التفرد. ومثال ذلك ما تقدم من إنكار الإمام أحمد لحديث عبد الرحمن بن إسحاق، الذي تفرد به عن الزهري في حِلف المطيّبين (^١)، وكذلك حديث عبد الرحمن بن أبي الموال عن
ابن المنكدر في الاستخارة (^٢).
فكلٌ من عباد بن إسحاق، وابن أبي الموال في مرتبة الصدوق عند الإمام أحمد كما تقدم، وكل واحد منهما قد تفرد عن حافظ كثير الحديث والتلاميذ، فوصف ما تفردا به بالنكارة.
ومثال آخر لما وصفه بالنكارة وهو من تفرد الراوي الصدوق:
قال حنبل: حدثني أبو عبد الله، ثنا عبد الله بن أبي شيبة، ثنا حفص بن غِياث، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطبوبى للغرباء". قيل من الغرباء؟ قال: "النزاع من القبائل". قال أبو عبد الله: هذا حديث منكر (^٣).
هذا الحديث أخرجه الترمذي (^٤)، وابن ماجه (^٥)، وابن أبي شيبة (^٦)،
_________________
(١) ص ٧٨٨.
(٢) ص ٧٩٤.
(٣) المنتخب من العلل للخلال ص ٥٧ رقم ١١.
(٤) الجامع ٥/ ١٨ ح ٢٦٢٩.
(٥) السنن ٢/ ١٣٢٠ ح ٣٩٨٨.
(٦) مصنف ابن أبي شيبة ٧/ ٨٣ ح ٣٤٣٦٦.
[ ٢ / ٨٤٦ ]
وأحمد (^١)، والدارمي (^٢)، وأبو يعلى (^٣)، والشاشي (^٤)، والبزار (^٥)، والدورقي (^٦)، والطبراني (^٧)، والبيهقي (^٨) من طرق عن حفص بن غياث به.
وهذا الحديث لا يُروى من حديث عبد الله بن مسعود إلا من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، وتفرد به حفص بن غِياث عن الأعمش، نص على ذلك البخاري (^٩)، والترمذي (^١٠). وقال البزار: رواه عن الأعمش أبو خالد الأحمر، ويوسف بن خالد وغيرهما (^١١). ورواية أبي خالد الأحمر أخرجها الطحاوي (^١٢)، وابن عدي (^١٣). قال ابن عدي: "لا يعرف هذا الحديث إلا بحفص وبه يعرف، وحكم الناسُ بأنه حديثه عن الأعمش، حتى حدثناه الخضر بن أمية وغيره، عن مخلد بن مالك (^١٤) عن أبي خالد عن الأعمش، ولا أعلم يرويه عن أبي خالد غير مخلد بن مالك" (^١٥)، ورواه عن
_________________
(١) المسند ٦/ ٣٢٥ ح ٣٧٨٤.
(٢) السنن ٢/ ٣١١.
(٣) مسند أبي يعلى ٨/ ٣٨٨ ح ٣٩٧٥.
(٤) مسند الشاشي ٢/ ١٧٠ ح ٧٢٩.
(٥) مسند البزار ٥/ ٤٣٣ ح ٢٠٦٩.
(٦) مسند سعد ص ١٦٤ ح ٩٣.
(٧) المعجم الكبير ١٠/ ٩٩ ح ١٠٠٨١.
(٨) كتاب الزهد الكبير ٢/ ١١٧ ح ٢٠٦.
(٩) علل الترمذي الكبير ٢/ ٨٥٤.
(١٠) الجامع الموضع نفسه.
(١١) مسند البزار الموضع نفسه.
(١٢) شرح مشكل الآثار ٢/ ١٧٠ ح ٦٨٨.
(١٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١١٣٠.
(١٤) مخلد بن مالك القرشي. قال عنه أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبان في الثقات تهذيب الكمال ٢٧/ ٣٤٣.
(١٥) الموضع نفسه.
[ ٢ / ٨٤٧ ]
أبي خالد محمد بن عبد العزيز الواسطي (^١) عند الطحاوي (^٢). ومقتضى كلام ابن عدي وغيره أن رواية الحديث من غير طريق حفص بن غياث غير محفوظة.
وقد وصف الإمام أحمد هذا الحديث بالنكارة لتفرد حفص بن غياث به عن الأعمش من بين سائر أصحابه، وليس هو ممن يحتمل منه مثل هذا التفرد عن مثل الأعمش، فلم يكن من الثقات البارزين كما تقدم عن الإمام أحمد (^٣)، فإنه كان في حفظه شيء (^٤)، ولا كان من كبار أصحاب الأعمش كالثوري، وأبي معاوية، وشعبة.
وأما الإمام البخاري فحسن الحديث، قال: "لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث غير حفص بن غياث، وهو حديث حسن" (^٥)، وكذلك صححه الترمذي (^٦)، والبغوي (^٧) مع تنصيصهما على غرابته. فكلهم لم يروا في تفرد حفص به عن الأعمش أية علة.
ومتن الحديث ثابت من طرق آخرى عن النبي ﷺ (^٨).
_________________
(١) قال أبو زرعة: ليس بالقوي: وقال أبو حاتم: كان عنده غرائب، ولم يكن عندهم بالمحمود، هو إلى الضعف ما هو الجرح والتعديل ٨/ ٨. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما خالف ٩/ ٨١.
(٢) الموضع السابق.
(٣) ص ٧٩٣.
(٤) انظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧١٩.
(٥) علل الترمذي الكبير ٢/ ٨٥٤.
(٦) الجامع الموضع نفسه.
(٧) شرح السنة ١/ ١١٨.
(٨) منها حديث أبي هريرة، وعبد الله بن عمر كلاهما عند مسلم ١/ ١٣٠ ح ١٤٥، وسعد بن أبي وقاص عند أحمد ح ١٦٠٤، وأبي يعلى ح ٧٥٦، ومن حديث غيرهما، وهو حديث مشهور انظر: كشف الخفاء ١/ ٣٣٣.
[ ٢ / ٨٤٨ ]
وقد أنكر الإمام أحمد حديثًا آخر لحفص بن غياث تفرد به:
قال الأثرم: "قلت له - يعني أبا عبد الله - الحديث الذي يرويه حفص، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "كنا نأكل ونحن نسعى، ونشرب ونحن قِيام" فقال: ما أدري ما ذاك كالمنكر له، ما سمعت هذا إلا من ابن أبي شيبة عن حفص. قال لي أبو عبد الله: ما سمعتَه من غير ابن أبي شيبة؟ قال: قلت له: ما أعلم أني سمعته من غيره، وما أدري رواه غيره أم لا؟ ثم سمعته أنا بعدُ من غير واحد عن حفص. قال أبو عبد الله: أما أنا فلم أسمعه إلا منه، ثم قال: إنما هو حديث يزيد بن عطارد" (^١).
هذا الحديث رواه أحمد في المسند (^٢) بالإسناد الذي ذكره هنا، ورواه أيضًا الترمذي (^٣)، وابن ماجه (^٤)، وابن حبان (^٥) كلهم من طريق سلم بن جُنادة، عن حفص بن غياث، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. ورواه الطحاوي (^٦) من طريق يوسف بن عدي، عن حفص به.
وهذا الحديث تفرد به حفص عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، وقد صرح بذلك أحمد في سؤال الأثرم المروية. وقال ابن معين: لم يحدث به أحد إلا حفص (^٧). وقال أبو زرعة: رواه حفص وحده (^٨). وقال الترمذي: لا يُعرف عن
_________________
(١) تاريخ بغداد ٨/ ١٩٥.
(٢) المسند ١٠/ ١١٣ ح ٥٨٧٤.
(٣) الجامع ٤/ ٣٠٠ ح ١٨٨٠.
(٤) السنن ٢/ ١٠٩٨ ح ٣٣٠١.
(٥) الإحسان ١٢/ ١٤١ ح ٥٣٢٢.
(٦) شرح معاني الآثار ٤/ ٢٧٣.
(٧) تاريخ بغداد ٨/ ١٩٥.
(٨) تاريخ بغداد ٨/ ١٩٦. وتحرفت العبارة في علل ابن أبي حاتم ٢/ ١٠ إلى: أوله حفص وحده.
[ ٢ / ٨٤٩ ]
عبيد الله إلا من وجه رواية حفص (^١).
وأنكره الإمام أحمد على حفص بن غياث لتفرده به عن عبيد الله، فهو ممن لا يحتمل منه مثل هذا التفرد عن عبيد الله. وذكر أن الصحيح حديث يزيد بن عطارد أبي البزري، عن ابن عمر (^٢)، أي هذا المتن يعرف بالإسناد المذكور.
وقد أشار ابن معين، وابن المديني إلى أن حفصًا سمع حديث عمران ابن حُدير، عن يزيد بن عطارد فغلط وذكر الإسناد الذي ذكره للمتن المذكور (^٣).
وكذلك ما تقدم عن الإمام أحمد أنه وصف عددًا من الرواة أُخرج لهم في الصحيح بأنهم يروون المناكير، راجع إلى أن كل واحد منهم في مرتبة الصدوق عند الإمام أحمد، لأنه لا يخلو كل واحد منهم أن يكون في حفظه ما يجعله قاصرًا عن الثقة الحافظ، فما تفرد به يكون منكرًا على أصل الإمام أحمد، ومن هؤلاء الرواة بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة (^٤)، ومحمد بن إبراهيم التيمي المنفرد برواية حديث الأعمال بالنيات (^٥)، وزيد بن أبي أنيسة (^٦)، وعمرو
_________________
(١) علل الترمذي الكبير ٢/ ٧٩١.
(٢) وهذا الحديث أخرجه أئمة أهل البصرة، عن عمران بن حدير، عن أبي البزري، عن ابن عمر بلفظ حديث حفص. أخرجه أحمد المسند ٨/ ٢٠٨ ح ٤٦٠١، ٨/ ٣٨٥ ح ٤٧٦٥، ٨/ ٤٤٧ ح ٤٨٣٣، وابن أبي شيبة ٥/ ١٠١ ح ٢٤١١٥، والدارمي السنن ٢/ ١٢٠، وابن الجارود المنتقى ٢/ ١٥٧ ح ٨٦٧، والطحاوي شرح معاني الآثار ٤/ ٢٧٤، وابن حبان ١٢/ ٤٩ ح ٥٢٤٣، وابن شاهين ناسخ الحديث ومنسوخه ١/ ٤٣٢ ح ٤٧٢.
(٣) انظر: تاريخ بغداد ٨/ ١٩٥، ١٩٦.
(٤) قال عنه أحمد: طلحة بن يحيى أحب إلي من بُريد بن أبي بُردة، بُريد يروي أحاديث مناكير العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١١ رقم ١٣٨٠. وقد قال ابن معين في بريد: ثقة، وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وكذلك قال النسائي فيه. وقال في موضع آخر: ليس بذاك القوي. وقال الفلاس: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن يحدثان عن سفيان، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة بشيء قط الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٤٩٥.
(٥) قال أحمد: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو منكرة المصدر السابق ١/ ٥٦٦ رقم ١٣٥٥.
(٦) قال عنه أحمد في رواية الأثرم: إن حديثه لحسن مقارب، وإن فيها لبعض النكارة، وهو على ذلك حسن الحديث الضفعاء للعقيلي ٢/ ٤٢٨. وفي رواية المرُّوذي: سألته - يعني أبا عبد الله - عن زيد بن أبي أنيسة كيف هو؟ فحرّك يده وقال: صالح، وليس هو بذاك العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٨٥ رقم ١١٨. ولم أقف على شيء مما أنكره الإمام أحمد عليه من حديثه.
[ ٢ / ٨٥٠ ]
ابن الحارث (^١)، والحسين بن واقد (^٢)، وخالد بن مخلد (^٣)، إلا محمد بن إبراهيم التيمي، فإنه ليس في كلام الأئمة ما يشعر بقصور ضبطه، فلا يبعد أن يكون الإمام أحمد شذّ بهذا القول. قال ابن عدي: "إن كان ابن حنبل أراد به محمد بن إبراهيم ابن الحارث التيمي مديني يحدث عن أبي سلمة، فهو عندي لا بأس به، ولا أعلم له شيئًا منكرًا إذا حدث عنه ثقة" (^٤).
_________________
(١) قال عنه أحمد: ليس في أهل مصر أصح حديثًا من الليث، وعمرو بن الحارث يقاربه. وقال في رواية الأثرم: قد كان عمرو بن الحارث عندي، ثم رأيت له أشياء مناكير تهذيب الكمال ٢١/ ٥٧٣. كأنه يشير إلى أحاديثه عن قتادة، فإنه قال: يروي عن قتادة أحاديث يضطرب فيها ويخطئ الموضع نفسه.
(٢) قال عنه أحمد: لا بأس به، وأثنى عليه خيرًا، وقال في رواية الميموني: له أشياء مناكير. في رواية عبد الله: ما أنكر حديث حُسين بن واقد وأبي المنيب عن ابن بريدة الجرح والتعديل ٣/ ٦٦، العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٢٢٨ رقم ٤٤٤، العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٠١ رقم ٤٩٧. وقد أنكر أحمد حديثه الذي رواه عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: قال رسول الله ﷺ: "لوددت أن عندنا خبزة بيضاء من بر سمراء ملبقة بسمن ولبن، قال وكان ذلك عند رجل فذهب فجاء به، فقال: في أي شيء كان هذا السمن؟ قال: في عكة ضب. قال: ارفع". قال العقيلي: حدثنا أحمد بن أصرم بن خزيمة قال سمعت أحمد بن حنبل وقيل له في حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﵇ في الملبقة فأنكره أبو عبد الله وقال: من روى هذا؟ قيل له الحسين بن واقد. فقال بيده وحرك رأسه كأنه لم يرضاه الضعفاء للعقيلي ١/ ٢٧٠. وذكر له الذهبي بعض ما أنكر عليه من الأحاديث ميزان الاعتدال ترجمة رقم ٢٠٦٣.
(٣) قال عنه أحمد: له أحاديث مناكير العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٨ رقم ١٤٠٣. وهو راوي حديث: من عادى لي وليًا … قال الذهبي: هذا حديث غريب جدًا لولا هيبة الجامع الصحيح لعدوه من منكرات خالد بن مخلد ميزان الاعتدال ترجمة ٢٤٦٣. وقد ذكر له ابن عدي عدة أحاديث أنكرت عليه الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ٩٠٥ - ٩٠٧.
(٤) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢١٤٣.
[ ٢ / ٨٥١ ]
فإذا كانت هذه حالة حديث الصدوق إذا تفرد به من غير مخالفة لرواية غيره فحيث جاء تفرده مع المخالفة فحديثه أولى بالنكارة، ومثال ذلك:
قال ابن هانئ: "عرضت على أبي عبد الله حديث لُوين محمد بن سليمان، عن محمد بن ثابت العصري، قال: ثنا نافع، قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس، فقضى حاجته وكان من حديثه يومئذ أن قال: مرّ رجل بالنبي ﷺ وقد خرج من الغائط فسلّم عليه، فلم يردّ حتى كاد الرجل أن يتوارى ضرب يديه إلى الجدار، ثم مسح وجهَهُ ثم ضرب بيده على الجِدار مرة أخرى فمسح ذراعيه، ثم ردّ ﵇ ثم قال: "إنه لم يمنعني أن أردّ عليك السلام إلا أني لم أكن طاهرًا". قال لي أبو عبد الله: هذا حديث منكر، ليس هو مرفوعًا" (^١).
وقال أبو داود: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: روى محمد بن ثابت حديثًا منكرًا في التيّمم" (^٢).
حديث محمد بن ثابت العبدي رواه أبو داود (^٣)، والطحاوي (^٤)، وابن المنذر (^٥)، والدارقطني (^٦)، والطبراني (^٧). وتفرد بذكره من هذا الوجه مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
وخالف بذلك الأثبات من أصحاب نافع، منهم مالك (^٨)، وأيوب (^٩)،
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ١/ ٢٢ رقم ١١٠.
(٢) سنن أبي داود ١/ ٢٣٤.
(٣) الموضع نفسه.
(٤) شرح معاني الآثار ١/ ٨٥.
(٥) الأوسط ٢/ ٤٩ ح ٥٤٠.
(٦) سنن الدارقطني ١/ ١٧٧.
(٧) المعجم الأوسط ٨/ ٦ ح ٧٧٨٤.
(٨) وحديثه في الموطأ ١/ ٥٦ ح ٩٠، ٩١ لكن لم يذكر الضربتين وإنما ذكر التيمم إلى المرفقين.
(٩) وحديثه عند ابن أبي شيبة المصنف ١/ ١٤٦ ح ١٦٧٣، وعبد الرزاق المصنف ١/ ٢١٢ ح ٨١٨.
[ ٢ / ٨٥٢ ]
وعبيد الله ابن عمر (^١)، فكلهم رووه عن نافع عن ابن عمر موقوفًا عليه، وكذلك رواه معمر، عن الزهري، عن سالم عن ابن عمر (^٢).
قال أبو داود: "لم يُتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبي ﷺ، رووه من فعل ابن عمر" (^٣).
ومحمد بن ثابت لا يحتمل منه مثل هذا التفرد، أولًا لمخالفته من هو أثبت منه، وهم عدد، وثانيًا لقصور منزلته في الحفظ عن الثقات الأثبات. قال أحمد في رواية أبي داود: "محمد بن ثابت العبدي ليس به بأس، لكن روى حديثًا منكرًا في التيمم، لا يتابعه أحدٌ" (^٤)، وقال في رواية المهنا: "يخطئ في حديثه" (^٥).
وأما سائر الأئمة فكلهم متفقون على تليينه (^٦).
فوصف هذه الرواية التي تفرد به عن مثل نافع وخالف الأثبات من أصحابه بالنكارة أمرٌ واضح خصوصًا على منهج الإمام أحمد.
وقد ورد عن الإمام أحمد قبوله لبعض الأحاديث تفرد بها الصدوق الذي لم يبلغ منزلة الحافظ المبرز، من ذلك:
قال الخلال: "أخبرنا المرُّوذي: قال: ذكرتُ لأبي عبد الله حديثَ محمد ابن سلمة الحراني، عن أبي عبد الرحيم: حدثني زيد بن أبي أُنيسة، عن المنهال، عن أبي عبيدة، عن مسروق: ثنا عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "يقول الله تعالى:
_________________
(١) وحديثه عند ابن المنذر الأوسط ٢/ ٤٨ ح ٥٣٨، والبيهقي السنن الكبرى ١/ ٢٠٧.
(٢) أخرجه عبد الرزاق المصنف ١/ ٢١١ ح ٨١٧، وابن المنذر الأوسط ٢/ ٤٨ ث ٥٣٧، والدارقطني ١/ ١٨٢.
(٣) سنن أبي داود الموضع نفسه.
(٤) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٣٣٩ رقم ٥٠٤.
(٥) بحر الدم رقم ٨٧٣.
(٦) انظر: الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢١٤٥ - ٢١٤٦، تهذيب الكمال ٢٤/ ٥٥٦.
[ ٢ / ٨٥٣ ]
﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] من العرش إلى الكرسيّ". قال أبو عبد الله: هذا حديث غريب، لم يقع إلينا عن محمد بن سلمة، واستحسنه. وقال: قد رواه الأعمش موقوفًا، ورواه أبو يزيد الدالاني مرفوعًا. قال الخلال: وأخبرني زكريا بن يحيى: ثنا أبو طالب، أنه سأل أبا عبد الله عن هذا الحديث فجعلتُ أقرأهُ عليه فقال: ما أحسنَهُ، إنما سمعناه عن أبي عوانة، عن الأعمش مرسلًا" (^١).
هذا الحديث رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل (^٢)، ومحمد بن نصر المروزي (^٣)، والطبراني (^٤) من طريق محمد بن سلمة الحراني به مرفوعًا. ورواه المروزي (^٥)، والحاكم (^٦) من حديث أبي يزيد الدالاني، عن المنهال بن عمرو به موقوفًا على عبدالله بن مسعود. ورواه المروزي (^٧) من طريق الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن قيس وأبي عبيدة، عن عبد الله. وهذا مرسل، بين أبي عبيدة وأبيه، وهو حديث طويل أوله: يجمع الله الناس يوم القيامة …
وقد استحسنه الإمام أحمد مع قوله إنه غريب، وذلك أن المنهال بن عمرو قد تفرد به، وهو في مرتبة الصدوق. قال عبد الله: " سمعت أبي يقول: أبو بشر أحب إلي من المنهال بن عمرو، قلت له: أحب إليك من المنهال بن عمرو؟ قال: نعم، شديدًا، أبو بشر أوثق، إلا أن المنهال أسنّ" (^٨).
_________________
(١) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٦٣ رقم ١٦٦.
(٢) السنة ص ٢٠٦ ح ١١٣٣.
(٣) تعظيم قدر الصلاة ١/ ٣٠٣ ح ٢٨٠.
(٤) المعجم الكبير ٩/ ٣٥٧ ح ٩٧٦٣.
(٥) المصدر نفسه ١/ ٢٩٧ ح ٢٧٨.
(٦) المستدرك ٤/ ٥٨٩.
(٧) المصدر نفسه ١/ ٣٠٣ ح ٢٧٩، ١/ ٣٠٥ ح ٢٨١.
(٨) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤٢٧ رقم ٩٤٣.
[ ٢ / ٨٥٤ ]
وقال أحمد في أبي بشر، وهو جعفر بن إياس بن أبي وحشية: ليس به بأس (^١).
وأما غيره من الأئمة فقد وثقوه، منهم ابن معين، والنسائي، والعجلي. وقال فيه الدارقطني: صدوق (^٢)، وأخرج له البخاري (^٣).
ولعل وجه قبول الإمام أحمد له أن الحديث تشهد لأجزائه نصوص أخرى عن النبي ﷺ، مما يدل على أن له أصلًا، والله أعلم.
ومن أمثلة ما قبله من تفرد الراوي الصدوق، ما ذكره ابن رجب أن الإمام أحمد يقول في رواية عنه: إن نجاسة المذي نجاسة مخففة، يجزئ نضحُه بالماء كبَول الغلام الذي لم يأكل الطعام، لعموم البلوى به، ومشقة الاحتراز منه، وفيه حديث سهل بن حنيف، عن النبي ﷺ أنه سأل النبي ﷺ عما أصاب الثوب من المذي؟ فقال: "تأخذ كفًا من ماء فتنضحُ به حيث ترى أنه أصابك" (^٤). قال أحمد في رواية الأثرم: لا أعلم شيئًا يخالفه. ا. هـ (^٥).
وكذلك ذكر الترمذي عن الإمام أحمد أنه قال: أرجو أن يجزئه النضح بالماء (^٦).
فهذا يدل على أنه أخذ بهذا الحديث، وقد تفرد به ابن إسحاق. قال
_________________
(١) المصدر نفسه ٢/ ٤٩٦ رقم ٣٢٦٧.
(٢) تهذيب الكمال ٢٨/ ٥٧٠ - ٥٧١.
(٣) انظر: هدي الساري ص ٤٤٥ - ٤٤٦.
(٤) هذا الحديث أخرجه أبو داود السنن ١/ ١٤٤ ح ٢١٠، والترمذي الجامع ١/ ١٩٧ ح ١١٥، وابن ماجه السنن ١/ ١٦٩ ح ٥٠٦، وأحمد المسند ٢٥/ ٣٤٥ ح ١٥٩٧٣، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ١/ ١٤٧ ح ٢٩١، وابن حبان الإحسان ٣/ ٣٨٧ ح ١١٠٣، وعبد بن حميد المسند ص ١٧١ ح ٤٦٨، والطبراني المعجم الكبير ٦/ ٨٧ ح ٥٥٩٣، ٥٥٩٤، ٥٥٩٥، والبيهقي السنن الكبرى ٢/ ٤١٠.
(٥) فتح الباري لابن رجب ١/ ٣٠٥ - ٣٠٦.
(٦) الجامع ١/ ١٩٧.
[ ٢ / ٨٥٥ ]
الترمذي: حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث ابن إسحاق. ا. هـ (^١).
وقال الذهبي: هذا حكم تفرد به محمد بن إسحاق (^٢).
ومحمد بن إسحاق حسن الحديث عند الإمام أحمد (^٣)، ولم يُبلغه درجة الثقة، لأنه يخالف الناس في حديثه لقصور ضبطه. قال الأثرم: "قلت لأبي عبدالله: ما تقول في محمد بن إسحاق؟ قال: هو كثير التدليس جدًا، قلت له: فإذا قال: حدثني وأخبرني فهو ثقة؟ قال: هو يقول أخبرني فيُخالِف" (^٤).
وقبول الإمام أحمد لهذا التفرد عن ابن إسحاق لا يهدم أصله، فإن المعروف من منهجه أنه إذا لم يكن في المسألة حديث صحيح، وكان فيها حديث ضعيف، وليس في الباب شيء يرده عمل به، قال الأثرم: "رأيت أبا عبد الله إن كان الحديث عن النبي ﷺ في إسناده شيء أخذ به إذا لم يجئ خلافُه أثبتُ منه … وربما أخذ بالمرسل إذا لم يجئ خلافُه" (^٥)، وقال أبو طالب: "سمعت أبا عبد الله يقول: وربما كان الحديث عن النبي ﷺ في إسناده شيء فنأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، وربما أخدنا بالحديث المرسل إذا لم يجئ خلافه أثبت منه" (^٦).
على أنه قد جاءت رواية أخرى عن أحمد في الحكم الذي ورد في حديث ابن إسحاق المتقدم، ذكرها ابن رجب أن أحمد قال: "لم يروه إلا ابنُ إسحاق، وأنا أتهيَّبه" (^٧).
_________________
(١) الموضع نفسه.
(٢) ميزان الاعتدال ٤/ ٣٩٤.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٦١ رقم ٥٥.
(٤) الضفعاء للعقيلي ٤/ ١٢٠٠.
(٥) المسودة ص ٢٤٦.
(٦) المصدر نفسه ص ٢٤٩.
(٧) فتح الباري لابن رجب ١/ ٣٠٦.
[ ٢ / ٨٥٦ ]
وقال الإمام أحمد في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ: "في كل إبل سائمة، في كل أربعين ابنة لبون، لا تُفرَّق إبلٌ على حسابها، من أعطاها مؤتجرًا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها منه وشطر إبله، عزمة من عزمات ربنا، لا يحل لآل محمد منها شيء" (^١): ما أدري ما وجهه، وسئل عن إسناده فقال: هو عندي صالح الإسناد (^٢). فهذا الحديث تفرد به بهز بن حكيم، ولم يرد عن الإمام أحمد أنه رفعه إلى منزلة الثقة الحافظ، بل غاية ما فيه عن أحمد أن ابن حبان نقل عنه أنه كان يحتج به (^٣). ونقل عنه ابن القيم أنه قال: بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده صحيح (^٤).
وأما ابن معين، وابن المديني، والنسائي فوثقوا بهز بن حكيم، وقال فيه أبو زرعة: صالح، ليس بالمشهور. وقال أبو حاتم: شيخ، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الحاكم: كان من الثقات، ممن يجمع حديثه، وإنما أُسقط من الصحيح روايته عن أبيه، عن جده لأنها شاذة، لا متابع له فيها. وقال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا (^٥). وقال فيه ابن حجر: صدوق (^٦).
فتفرد مثل هذا الراوي بأصل ليس له فيه متابع يعدّ منكرًا على أصل الإمام أحمد في هذا الباب. لكن ذكر أن إسناد هذا الحديث صالح، وقال بموجبه في رواية
_________________
(١) أخرجه أبو داود السنن ح ١٥٧٥، والنسائي السنن ٥/ ٢٥، وأحمد المسند ٣٣/ ٢٢٠ ح ٢٠٠١٦، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ح ٢٢٦٦، والطحاوي شرح معاني الآثار ٢/ ٩، والحاكم المستدرك ١/ ٣٩٨، والبيهقي السنن الكبرى ٤/ ١٠٥.
(٢) المغني ٤/ ٧، تنقيح التحقيق ٢/ ٢٥٨.
(٣) المجروحين ١/ ١٨٥.
(٤) تهذيب السنن ٤/ ٣١٩.
(٥) تهذيب الكمال ٤/ ٢٦١ - ٢٦٢.
(٦) تقريب التهذيب ٧٨٠.
[ ٢ / ٨٥٧ ]
عنه (^١). وتوجيه ذلك عندي أن جد بهز بن حكيم، وهو معاوية بن حيدة لم يشتهر بالرواية عنه إلا ابنه حكيم بن معاوية والد بهز، وهو لم يشتهر بالرواية عنه إلا ابنه بهز، فلا يستغرب من هذا حاله أن يتفرد بأحاديث عن النبي ﷺ، فحاله مثل حال الوحدان من الصحابة، وهم الذين ليس لهم إلا راوٍ واحد، ومع ذلك قبلت رواياتهم التي تفردوا بها، مثل حزن بن أبي وهب المخزومي جد سعيد بن المسيب، ما روى عنه إلا ابنه المسيب، ومع ذلك أخرج حديثه في الصحيح ولم يعلّ (^٢).
فحالة بهز بن حكيم وأمثاله تخالف حالة تلاميذ من اشتهر حديثه وتلاميذه فأمكن الوقوف على ما يستغرب من حديثه مما لا يرويه غيره من أقرانه، وأما وقد تفرد في الأصل بالرواية عن شيخه فلا يستغرب منه التفرد، لا سيما إذا لم يختلف عليه الرواة عنه كما هو حال بهز بن حكيم، فإن ذلك يدل على ضبطه لما يرويه، والعلم عند الله.
تفرد الصدوق بزيادة:
وأما الحديث الذي رواه عدد من الرواة فيشاركهم الراوي الصدوق في رواية أصل الحديث وينفرد عنهم بزيادة لم يذكرها سائر الرواة في الحديث، فهذا حكمه مثل حكم الحديث الذي تفرد به من أصله، وهو أنه لا تقبل منه هذه الزيادة لقصور حفظه عما يشترط في الراوي الذي يحتمل منه التفرد، وهو الثقة الحافظ. ومثال ذلك:
_________________
(١) انظر: التحقيق في أحايث التعليق ٢/ ٢٥٧، والإنصاف ٣/ ١٨٨.
(٢) والحديث هو ما أخرجه البخاري صحيح البخاري ١٠/ ٥٧٤ ح ٦١٩٠، وأحمد المسند ٣٩/ ٧٧ ح ٢٣٦٧٣. وذكره في العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١٨٤ رقم ٤٧٩٢، ولم يتكلم عليه بالإعلال. ولفظ الحديث: عن ابن المسيب، عن أبيه أن النبي ﷺ قال لجده، جد سعيد: "ما اسمك"؟ قال: حُزن، فقال النبي ﷺ: "بل أنت سهل". فقال: لا أغير اسمًا سمّانيه أبي. قال ابن المسيب: فما زالت فينا حُزونة بعد.
[ ٢ / ٨٥٨ ]
قال أبو داود: "قلت لأحمد: أفلح بن حُميد؟ قال: هذا شيخ قد احتملوه، وجعل كأنه يستضعفه، قال: يكثر من الرأي، قلت: رأي القاسم؟ قال: نعم، قال: روى حديثًا منكرًا، حديث المواقيت. قلت: وصح ذلك عندك، رواه غير المعافى؟ قال: المعافى ثقة" (^١).
المقصود بحديث المواقيت الذي رواه أفلح بن حُميد هو ما رواه المعافى ابن عمران، عنه، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، عن عائشة [أن رسول الله ﷺ وقّت لأهل المدينة ذا الحُليْفَة، ولأهل الشَّام ومِصر الجُحْفَة، ولأهل العِراق ذاتَ عِرْق، ولأهل اليمن يَلَمْلَم]. أخرجه أبو داود (^٢)، والنسائي (^٣)، وابن عدي (^٤)، والبيهقي (^٥) كلهم من طريق هشام بن بهرام عن المعافى. وأخرجه النسائي (^٦)، والدارقطني (^٧) من طريق أبي هاشم محمد بن علي عن المعافى.
وأخرجه الطحاوي (^٨) من طريق هشام بن بهرام وخالد ين يزيد القطربلي كلاهما عن المعافى.
وهذا الحديث قد انفرد به أفلح بن حُميد عن القاسم، قال ابن عدي: هذا الحديث ينفرد به معافى عن أفلح (^٩). وقال الذهبي: هذا الحديث ينفرد به المعافى
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤١٢ رقم ١٩٣٤.
(٢) سنن أبي داود ٢/ ٣٥٤ ح ١٧٣٩.
(٣) سنن النسائي ٥/ ١٢٣ ح ٢٦٥٣، والسنن الكبرى ٢/ ٣٢٨ ح ٣٦٣٣.
(٤) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٤٠٨.
(٥) السنن الكبرى ٥/ ٢٨.
(٦) السنن ٥/ ١٢٥ ح ٢٦٥٦، والسنن الكبرى ٢/ ٣٢٨ ح ٣٦٣٦.
(٧) السنن ٢/ ٢٣٦.
(٨) شرح معاني الآثار ٢/ ١١٨.
(٩) الكامل في ضعفاء الرجال الموضع نفسه.
[ ٢ / ٨٥٩ ]
ابن عمران، عن أفلح عن القاسم، عن عائشة، هو صحيح غريب. ا. هـ (^١).
وأما الإمام أحمد فأنكره على أفلح، لأنه ليس ممن يحتمل منه مثل هذا التفرد. قال عبد الله: سألته عن أفلح؟ فقال: صالح (^٢). وقال الميموني: سألت أبا عبد الله عن أفلح بن حُميد؟ فقال: صالح، يحتمل (^٣). وقال عنه الذهبي: صدوق (^٤). وقال ابن حجر: ثقة (^٥).
وإنما أنكر قوله: "ولأهل العراق ذات عرق"، ولم ينكر الباقي من إسناده ومتنه شيئًا، قاله ابن عدي (^٦)، ووجهه أن الباقي من متنه معروف من وجوه كثيرة عن النبي ﷺ فليس فيه ما يُستنكر، وأما الإسناد فلا يعرف عن عائشة إلا من طريقه، فحقه على أصل الإمام أحمد أن يكون منكرًا أيضًا، والله أعلم.
فهذا يدل على أن إنكار الإمام أحمد موجه إلى الزيادة التي تفرد بها أفلح ابن حُميد، ويدل على أن الزيادة من الصدوق الذي لم يبلغ ضبطه ضبط الثقة الحافظ منكرة عند الإمام أحمد غير مقبولة، مثلها مثل حديثه الذي تفرد به من أصله، والله أعلم.
_________________
(١) ميزان الاعتدال ١/ ٤٤٠.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤١٩ رقم ٩١٤.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٢٢٤ رقم ٤٣١.
(٤) الكاشف ٤٦٢.
(٥) تقريب التهذيب ٥٥١.
(٦) الموضع نفسه.
[ ٢ / ٨٦٠ ]
المطلب السادس: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الموصوف بسوء الحفظ.
تقدم في مبحث إعلال الحديث بسوء الحفظ الملازم للراوي أن منهج الإمام أحمد في الرواة الموصوفين بسوء الحفظ أنه إذا انفرد واحد منهم بحديث ولم يتابع عليه لم يحتج به، وأن الحال في ترك الاحتجاج قد تختلف من راوٍ إلى آخر، وأشد ما يكون إذا زاد في الإسناد أو نقص أو غير الإسناد، أو جاء بما يتغير فيه المعنى (^١).
ومن أمثلة إعلاله الأحاديث بتفرد بعض رواتها الموصوفين بسوء الحفظ ما يلي:
الحديث الأول:
قال أبو داود: "سمعت أحمد سُئل عن يحيى بن يمان، فقال: كان يغلط، ثم ذكر حديث سفيان، عن منصور، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود أن النبي ﷺ استسقى في الطواف فاُتي بنبيذ. فقال: هذا منكر".
هذا الحديث أخرجه النسائي (^٢)، وابن أبي شيبة (^٣)، والطحاوي (^٤)، والدارقطني (^٥)، والطبراني (^٦)، البيهقي (^٧) كلهم من طرق عن يحيى بن يمان، عن الثوري به. ولفظه كما ورد عند النسائي: عطش النبي ﷺ حول الكعبة، فاستسقى فأُتي بنبيذ من السِّقاية فشمّه فقطّب فقال: "عليّ بذَنوب من زمزم" فصب
_________________
(١) شرح علل الترمذي ١/ ٤١٦، وانظر: ص ٢٦٣.
(٢) السنن ٨/ ٣٢٥ ح ٥٧١٩، السنن الكبرى ٣/ ٢٣٧ ح ٥٢٠٢.
(٣) المصنف ٥/ ٧٩ ح ٢٣٨٦٨، ٣/ ٣٢٣ ح ١٤٦٢٩.
(٤) شرح معاني الآثار ٤/ ٢١٩.
(٥) السنن ٤/ ٢٦٣.
(٦) المعجم الكبير ١٧/ ٢٤٣ ح ٦٧٥.
(٧) السنن الكبرى ٨/ ٣٠٤.
[ ٢ / ٨٦١ ]
عليه ثم شرب، فقال رجلٌ: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا".
وأعله الإمام أحمد بالنكارة لتفرد يحيى بن يمان به عن الثوري، وقد قال فيه: كان يغلط، وهو قول مشعر بسوء حفظه. وقيل له: فرواه غيره؟ قال: لا، إلا من هو أضعف منه (^١). وقال أحمد في موضع آخر: ليس يحيى بن يمان بحجة في الحديث (^٢) وقال في رواية أبي داود: عنده تخليط (^٣). وذكر الساجي عن أحمد أنه ضعفه، وقال: حدّث عن الثوري بعجائب، لا أدري لم يزل هكذا، أو تغير حين لقيناه، أو لم يزل الخطأ في كتبه (^٤).
وبمثل هذا أعله النسائي، قال: "هذا خبر ضعيف، لأن يحيى بن يمان انفرد به دون أصحاب الثوري، ويحيى بن يمان لا يحتج بحديثه لسوء حفظه وكثرة خطئه" (^٥).
وقد توبع يحيى بن يمان عن الثوري: تابعه عبد العزيز بن أبان عند الدارقطني (^٦). قال الدراقطني: عبد العزيز بن أبان متروك الحديث. وتابعه أيضًا الواقدي كما ذكر ابن عدي (^٧)، كما تابعه اليسع بن إسماعيل، عن زيد بن الحباب، عن الثوري عند الدارقطني أيضًا، وقال: لا يصح هذا عن يزيد بن الحُباب عن الثوري، ولم يره غير اليسع بن إسماعيل، وهو ضعيف، وهذا الحديث معروف بيحيى ابن يمان. ا. هـ (^٨).
_________________
(١) التحقيق في أحاديث الخلاف ٣/ ٤٧٨.
(٢) تاريخ بغداد ١٤/ ١٢٢.
(٣) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٣٦٨ رقم ٥٧٨.
(٤) تاريخ بغداد ١٤/ ١٢٤.
(٥) سنن النسائي الموضع نفسه.
(٦) سنن الدراقطني ٤/ ٢٦٤.
(٧) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ٩٠٠.
(٨) الموضع نفسه.
[ ٢ / ٨٦٢ ]
وقد قيل إن هذا الحديث انقلب إسناده على يحيى بن يمان واختلط عليه بحديث الذي رواه عن الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب بن أبي وداعة: [طاف رسول الله ﷺ في يوم حار فاستسقى فأتي بإناء من نبيذ فلما رفعه إلى فيه قطب فتركه فقال الرجل: يا رسول الله هذا شراب أهل مكة أحرام هو؟ فسكت ثم أتاه الثانية فقطب فنحاه فقال له الرجل مثل ذلك فدعا بذنوب أو دلو من ماء فصبه عليه ثم سقى الذي يليه والذي عن يمينه ثم قال: "هكذا اصنعوا به إذا غلبكم". هكذا رواه أبو حذيفة عن الثوري (^١). وقال ابن عدي: وقال الأشجعي وغيره، عن سفيان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب: "أُتي النبي ﷺ بنبيذ" (^٢)، هكذا قال البخاري أيضًا (^٣). فعاد الحديث إلى حديث الكلبي، وهو مشهور بأنه متروك الحديث.
وأما حديث الثوري، عن منصور، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود الذي انقلب على ابن يمان فلفظه أن أبا مسعود كان يمسح على الجوربين (^٤)، هذا ما ذهب إليه الدارقطني (^٥)، أي فانقلب على يحيى بن يمان، ودخل عليه إسناد هذا الحديث في حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب.
أما أبو جاتم فذكر أن الحديث الذي سقط على ابن يمان هو ما رواه الثوري،
_________________
(١) أخرجه البيهقي السنن الكبرى ٨/ ٣٠٤.
(٢) الكامل في ضعفاء الرجال الموضع نفسه.
(٣) التاريخ الكبير ٣/ ١٥٣.
(٤) رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن خالد بن سعد، كان أبو مسعود يمسح على جوربين له من شعر ونعليه مصنف عبد الرزاق ١/ ١٩٩ ح ٧٧٤. وكذلك رواه وكيع عن الثوري عند ابن أبي شيبة المصنف ١/ ١٧١ ح ١٩٧٢. ورواه شعبة عن منصور به أيضًا السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢٨٥.
(٥) علل الدارقطني ٦/ ١٩٣.
[ ٢ / ٨٦٣ ]
عن منصور، عن خالد بن سعد مولى أبي مسعود [أنه كان يشرب نبيذ الجر]، يعني من فعل أبي مسعود غير مرفوع، فجعل إسناده لمتن حديث الثوري، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب (^١).
وقد سبق إلى التنبيه بهذه العلة عبد الله بن نمير، قال: أخطأ ابن يمان على الثوري فقال: عن منصور، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود، وإنما هو الثوري، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب قال: "عطش النبي ﷺ " فذكره. وقال: ابن يمان سريع الحفظ سريع النسيان. ا. هـ (^٢).
وقال أبو موسى: سألت عبد الرحمن بن مهدي عن حديث سفيان عن منصور في النبيذ فقال: لا تحدث بهذا (^٣).
والشاهد أن تفرد يحيى بن يمان عن الثوري هو الذي دل إلى كشف خطئه هذا، لأنه ليس ممن يحتمل منه مثل هذا التفرد عن الثوري لسوء حفظه، والله أعلم.
الحديث الثاني:
قال عبد الله: "ذكرت لأبي حديث محمد بن جابر، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله في الرفع، فقال: هذا ابن جابر، إيش حديثه؟ هذا حديث منكر، أنكره جدًا" (^٤).
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٢٦. وهذا ما أشار إليه المزي في تحفة الأشراف ٧/ ٣٢٨ أن يحيى ابن سعيد رواه عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود فعله، أي أنه كان يشرب نبيذ الجر. وأخرج هذه الرواية البخاري تعليقًا التاريخ الكبير ٣/ ١٥٣، والتاريخ الأوسط ٢/ ٤٢ - ٤٣. ودخول هذا الحديث على حديث الكلبي عند يحيى بن يمان أولى من القول بدخول حديث المسح على الجوربين على حديث النبيذ كما ذهب إليه الدراقطني، والله أعلم.
(٢) الكامل في ضعفاء الرجال الموضع نفسه.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي ٨/ ٣٠٤.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٧٣ رقم ٧١٦، وفي مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه عبد الله ١/ ٢٤١ رقم ٣٢٧.
[ ٢ / ٨٦٤ ]
هذا الحديث رواه أبو يعلى (^١)، والدارقطني (^٢)، والإسماعيلي (^٣)، والبيهقي (^٤)، والخطيب (^٥) من طريق عن محمد بن جابر، عن حماد وهو ابن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود ولفظه: "صليتُ خلفَ النبي ﷺ وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند افتتاح الصلاة".
وقد أنكره الإمام أحمد لتفرد محمد بن جابر به، وقال: ابن جابر إيش حديثه؟ هذا حديث منكر.
وقد نص الدراقطني أيضًا على تفرد ابن جابر به. وقال العقيلي بعد أن ساق الحديث: لا يتابع عليه (^٦).
ومحمد بن جابر هو اليمامي لا يحتج بما ينفرد به، وقد تقدمت ترجمته وأنه ممن جرحه الإمام أحمد لأنه ربما ألحق في كتابه (^٧). وقال في رواية ابن هانئ: ليس بالقوي، روى عن حماد أحاديث (^٨)، وعنه أيضًا: أحاديثه عن حماد مضطربة، في كتبه لحوق (^٩).
فحديثه الذي تفرد به خصوصًا عن حماد بن أبي سليمان يعد منكرًا ولو لم يخالف، فكيف وقد خالف. فقد رواه حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان،
_________________
(١) مسند أبي يعلى ٨/ ٤٥٣ ح ٥٠٣٩.
(٢) سنن الدارقطني ١/ ٢٩٥.
(٣) معجم شيوخ الإسماعيلي ٢/ ٦٩٣.
(٤) السنن الكبرى ٢/ ٧٩.
(٥) تاريخ بغداد ١١/ ٢٢٤.
(٦) الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٢٠٩.
(٧) ص ٥٣٥.
(٨) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٢٨ رقم ٢٢٥٥.
(٩) المصدر نفسه ٢/ ٢٣٠ رقم ٢٢٦٢.
[ ٢ / ٨٦٥ ]
عن إبراهيم، عن ابن مسعود من فعله غير مرفوع. ذكره الدارقطني وقال: هو الصواب (^١).
فخالفه حماد بن سلمة في موضعين: رواه مرسلًا بين إبراهيم النخعي وابن مسعود، بينما ذكره محمد بن جابر موصولًا بذكر علقمة بينهما. والثاني وقف الحديث على ابن مسعود، بينما رفعه ابن جابر. فهذا مما يزيد روايته نكارة.
الحديث الرابع:
قال أبو داود: "ذكرت لأحمد حديث قيس بن الرَّبيع، عن شبعة، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق [أن النبي ﷺ كان إذا فاته الأربع قبل الظهر صلاّها بعد الظهر]. فقال أحمد: يرويه غير واحد ليس يذكرون هذا فيه، يعني يروون حديث خالد، عن عبد الله بن شقيق: [سألت عائشة عن تطوع رسول الله ﷺ]، أي فليس هذا فيه" (^٢).
حديث قيس بن الربيع أخرجه ابن ماجه (^٣)، وابن عدي (^٤). قال ابن ماجه: لم يروه إلا قيس عن شبعة. وقال الترمذي: ولا نعلم رواه عن شعبة غير قيس بن الربيع (^٥).
وذكر الإمام أحمد أن غير واحد من الرواة رواه عن خالد الحذاء بغير اللفظ الذي رواه قيس. ومن هؤلاء هشيم بن بشير (^٦)، ويزيد
_________________
(١) سنن الدارقطني الموضع نفسه.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٩٢ رقم ١٨٧٦.
(٣) السنن ١/ ٣٦٦ ح ١١٥٨.
(٤) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٠٦٧ - ٢٠٦٨.
(٥) الجامع ٢/ ٢٩١.
(٦) حديثه عند مسلم صحيح مسلم ١/ ٥٠٤ ح ٧٣٠، وأبي داود السنن ٢/ ٤٣ ح ١٢٥١، وأحمد المسند ٤٠/ ١٨ ح ٢٤٠١٩، وإسحاق مسند إسحاق بن راهويه ٣/ ٦٩٨ ح ١٢٩٩، وابن خزيمة ٢/ ٢٠٨ ح ١١٩٢، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٢٨١، وابن الجارود المنتقى ١/ ٢٤١ ح ٢٧٧.
[ ٢ / ٨٦٦ ]
ابن زريع (^١)، وإسماعيل بن علية (^٢)، ويزيد بن هارون (^٣)، وخالد الطحان (^٤)، وبشر بن المفضل (^٥)، كلهم رووه بلفظ: "سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ قالت كان يصلي أربعًا قبل الظهر وثنتين بعدها، وثِنتين قبل العصر وثِنتين بعد المغرب، وثِنتين بعد العشاء، ثم يصلي من الليل تسعًا. قلت: أقائمًا أو قاعدًا؟ قالت: يصلي ليلًا طويلًا قائمًا وليلًا طويلًا قاعدًا. قلت: كيف يصنع إذا كان قائمًا، وكيف يصنع إذا كان قاعدًا؟ قالت: إذا قرأ قائمًا ركع قائمًا، وإذا قرأ قاعدًا ركع قاعدًا، وركعتين قبل صلاة الصبح". وهذا لفظ حديث ابن علية.
وقد تابع قيس بن الربيع على اللفظ الذي رواه عن شعبة، عبد الوارث ابن عبيد الله، عن ابن المبارك، عن خالد الحذاء. أخرجه الترمذي (^٦) وقال: إنما نعرفه من حديث ابن المبارك من هذا الوجه. ا. هـ.
وعبد الوارث بن عبيد الله هو العتكي روى عن ابن المبارك الكثير حتى مسائل سأله وسئل عنه وهو حاضر، قاله ابن أبي حاتم (^٧)، وذكره ابن حبان في الثقات (^٨)، ووثقه الذهبي (^٩)، وقال عنه ابن حجر: صدوق (^١٠).
_________________
(١) روى حديثه أبو داود السنن، الموضع نفسه، ومن طريق البيهقي السنن الكبرى ٢/ ٤٧١.
(٢) روى حديثه أحمد المسند ٤٣/ ١٩ ح ٢٥٨١٩.
(٣) روى حديثه النسائي السنن الكبرى ١/ ١٤٦ ح ٣٣٦.
(٤) روى حديثه ابن حبان الإحسان ٦/ ٢٢٥ ح ٢٤٧٤.
(٥) روى حديثه الترمذي الجامع ٢/ ٢٩٩ ح ٤٣٦، وذكر بعض لفظ الحديث.
(٦) الجامع ٢/ ٢٩١ ح ٤٢٦.
(٧) الجرح والتعديل ٦/ ٧٦.
(٨) ٨/ ٤١٦.
(٩) الكاشف ٣٥١٢.
(١٠) تقريب التهذيب ٤٢٨١.
[ ٢ / ٨٦٧ ]
ومع متابعة ابن المبارك لقيس بن الربيع عن خالد الحذاء، فلا يحتمل منه التفرد عن مثل شعبة، وهو وجه لإنكار الإمام أحمد لحديثه هذا.
زيادة الراوي السيء الحفظ في الحديث:
وأما ما يتفرد به الراوي الموصوف بسوء الحفظ من زيادة فحكمها أيضًا الرد مثل تفرده بأصل الحديث.
وقد تقدم أن الإمام أحمد رد على يحيى بن أيوب الغافقي زيادته لقراءة المعوذتين في ركعة الوتر في حديث عائشة ﵂:
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن يحي بن أيوب المصري، فقال: كان يحدث من حفظه، وكان لا بأس به، وكان كثير الوهم في حفظه، فذكرت له من حديثه عن يحيى، عن عمرة، عن عائشة "أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الوتر الحديث، فقال: ها، من يحتمل هذا"، وقال مرة: كم قد روى هذا عن عائشة من الناس ليس فيه هذا، وأنكر حديث يحيى خاصة (^١).
وتقدم أن الإمام أحمد أنكر زيادة المعوذتين. وقال العقيلي: أما المعوذتين فلا يصح (^٢).
_________________
(١) تنقيح التحقيق ١/ ٥١٦، وانظر: الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٥٠٤.
(٢) الضعفاء للعقيلي الموضع نفسه.
[ ٢ / ٨٦٨ ]
المطلب السابع: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي المجهول.
من أسباب وقوع النكارة في الأحاديث أن تكون رواتها غير معروفين عند أهل الحديث، ومن كان بهذه المثابة لا تعرف عدالته بله ضبطه. فإذا استغرب الحفاظ حديثًا في سنده رجال ثقات معروفون وينفرد من بينهم آخر مجهول التزقت التهمة في غرابة الحديث بذلك المجهول، وأنكروا الحديث من أجله. من أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:
قال مهنّا: "حدثنا خالد بن خِداش، ثنا عبد الله بن وهب، ثنا السري بن يحيى أن شُجاعًا حدثه، عن أبي طيبة، عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من قرأ سورة الواقعة في ليلة لم تصبه فاقةٌ". قال أحمد: هذا حديث منكر. وقال: السرِّي بن يحيى ثبت ثقة ثقة، وشجاع الذي روى عنه السرِّي لا أعرفه، وأبو طيبة هذا لا أعرفه، والحديث منكر" (^١).
هذا الحديث أخرجه البيهقي (^٢) من طريق خالد بن خِداش. وأخرجه الحارث بن أبي أسامة (^٣)، والبيهقي أيضًا (^٤) من طريق العباس بن الفضل، عن السري به. وأخرجه الإمام أحمد (^٥)، وابن عساكر (^٦) من طرق آخرى عن السري به.
والحديث مداره على السري بن يحيى، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أوجه الاختلاف عليه في اسم شيخه، هل هو شجاع، أو أبو شجاع، وكذلك في الراوي
_________________
(١) المنتخب من العلل للخلال ص ١١٦ رقم ٤٩.
(٢) شعب الإيمان ٢/ ٤٩١ ح ٢٤٩٨.
(٣) بغية الباحث ٢/ ٧٢٩ ح ٧٢١.
(٤) الموضع نفسه ح ٢٤٩٩.
(٥) فضائل الصحابة ٢/ ٧٢٦ ح ١٢٤٧.
(٦) تاريخ دمشق ٣٣/ ١٨٦ - ١٨٨.
[ ٢ / ٨٦٩ ]
عن ابن مسعود هل هو أبو طيبة، أو أبو فاطمة، وإن كان أبا طيبة هل هو بالطاء المهملة أو بالظاء المعجمة (^١).
وقد أنكر الإمام أحمد هذا الحديث عن ابن مسعود، لأنه لا يعرف إلا من هذا الطريق، وراويه السري بن يحيى قال فيه: ثبت ثقة ثقة، لكن شيخه وشيخ شيخه نص الإمام أحمد على أنهما مجهولان، فلا يحتمل منهما التفرد بهذا الأصل عن ابن مسعود.
وكذلك وهّن حديث أبي العُشَراء في الذكاة؛ رواه حماد بن سلمة، عن أبي العُشَراء، عن أبيه قال: قلت يا رسول الله! أما تكون الذكاة إلا في الحلق أو اللبّة؟ قال: "لو طعنت في فخذها لأجزأك" (^٢).
قال الميموني: سألت أبا عبد الله عن حديث أبي العُشراء، قال: "هو عندي غلط، قلت: فما تقول؟ قال: أما أنا فلا يعجبني ولا أذهب إليه إلا في موضع ضرورة كيف ما أمكنتك الذكاةُ ولا تكون إلا في الحلق أو اللبّة، فينبغي للذي يذبح أن يقطع الحلق أو اللبّة" (^٣).
وعلة الحديث عند أحمد أنه لا يروى عنه غير هذا الحديث، قاله الميموني عن أحمد (^٤)، فهو في حكم المجهول.
قال مهنّا: "سليمان بن أبي سليمان، يحدث عنه العوام بن حَوشَب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "الخلافة بالمدينة والملك بالشام"، قال أحمد:
_________________
(١) انظر: لسان الميزان ٧/ ٦٠ - ٦١.
(٢) رواه الترمذي الجامع ٤/ ٧٥ ح ١٤٨١، وأبو داود السنن ٣/ ٢٥٠ ح ٢٨٢٥، والنسائي السنن الكبرى ٣/ ٦٣ ح ٤٤٩٧، والسنن ٧/ ٢٢٨ ح ٤٤٠٨، وابن ماجه السنن ٢/ ١٠٦٣ ح ٣١٨٤، وأحمد المسند ٣١/ ٢٧٨ ح ١٨٩٤٧.
(٣) تهذيب الكمال ٣٤/ ٨٦.
(٤) المصدر نفسه ٣٤/ ٨٥.
[ ٢ / ٨٧٠ ]
أصحاب أبي هريرة المعروفون ليس هذا عندهم (^١).
الحديث رواه البخاري في "التاريخ الكبير" (^٢)، والحاكم (^٣)، وابن عساكر (^٤) من طرق عن هشيم بن بشير، عن العوام بن حوْشَب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وهذا الراوي لم أقف على كلام الإمام أحمد فيه. وقال فيه ابن معين في رواية مهنّا هذه: لا نعرف هذا - يعني سليمان بن أبي سليمان (^٥). وقال في رواية إسحاق بن منصور: لا أعرفه (^٦).
وأورده البخاري في "التاريخ الكبير" (^٧)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكر له هذا الحديث.
وقال الذهبي: لا يكاد يعرف (^٨).
وقول الإمام أحمد في هذا الحديث: أصحاب أبي هريرة المعروفون ليس هذا عندهم استنكار منه لهذه الرواية لتفرد راويها بها، وهو في حكم المجهول.
وقد تقدمت أمثلة أخرى فيما مضى في مبحث الإعلال بالجهالة.
_________________
(١) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٢٨ رقم ١٣٧.
(٢) ٤/ ١٥.
(٣) المستدرك ٣/ ٧٢.
(٤) تاريخ دمشق ١/ ١٨٣ - ١٨٤.
(٥) المنتخب من العلل للخلال الموضع نفسه.
(٦) تهذيب الكمال ١١/ ٤٤٣.
(٧) الموضع نفسه.
(٨) ميزان الاعتدل ترجمة ٣٤٧٦.
[ ٢ / ٨٧١ ]
المبحث الثاني: الإعلال بالمخالفة عند الإمام أحمد.
من الطرق التي تكشف أخطاء الرواة في رواية الأحاديث مخالفة بعضهم لبعض، ولذلك اشتهرت مقولة أهل هذا الشأن أن الباب إذا لم يجمع طرقه لم يتبين خطؤه (^١)، فإذا روى الراوي حديثًا وشاركه غيره في رواية ثم خالف من هو أولى منه ثقة أو كثرة حكم على روايته بالخطأ، وعلى رواية الأَوْلى بأنها المحفوظة، ووجه ذلك أن تطرق الوهم والغلط في مروي الراوي الأقل حفظًا أولى من تطرقهما إلى الأحفظ، وكذلك تطرقهما إلى عدد قليل أولى من تطرقهما إلى جماعة أكثر عددًا، وقد ذكر الإمام مسلم في مقدمة "كتاب التمييز" (^٢) أن الذي يدور عليه معرفة الخطأ في روايات نقلة الحديث راجع إلى جهتين: الأولى: ما كان واضحًا غير خفي على أهل العلم من الأخطاء في نسبة الرواة بخلاف ما عرفوا به، أو بتصحيف في المتون يعرفه السامع الفهِم، والجهة الأخرى - وهي موضوع هذا المطلب - أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثًا عن إمام من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد، فيرويه آخر سواهم عن ذلك الإمام فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن، فيعلم أن الصحيح ما حدث به الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد وإن كان حافظًا. ا. هـ.
وفي هذا المبحث سأورد نماذج من أحاديث أعلها الإمام أحمد لمخالفة بعض رواتها لمن هو أولى منه، وذلك في مطلبين:
الأول: المخالفة لرواية الأحفظ.
_________________
(١) هذه مقولة علي بن المديني، رواها عنه الخطيب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ٢١٢، وذكر كلام غيره من الأئمة مما هو في معناها في باب: كتب الطرق المختلفة من الكتاب نفسه.
(٢) كتاب التمييز ١٧٠، ١٧٢.
[ ٢ / ٨٧٣ ]
الثاني: المخالفة لرواية الأكثر عددًا.
ثم أتبع ذلك بدراسة موقف الإمام أحمد من حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه، وبذكر نماذج من نقد الإمام أحمد لمتون الأحاديث بسبب نوع من المخالفة في مطلبين آخرين.
[ ٢ / ٨٧٤ ]
المطلب الأول: مخالفة الراوي لرواية الأحفظ.
ومن أمثلة ذلك:
١. روى يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت جابر بن زيد يحدث عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "يقطع الصلاة المرأةُ الحائضُ، والكلبُ" (^١).
قال الإمام أحمد: "ثناه يحيى قال: شعبة رفعه. قال: وهشام لم يرفعه. قال أحمد: كان هشام حافظًا" (^٢).
قال ابن رجب: هذا ترجيح من أحمد لوقفه. ا. هـ.
وفي قول أحمد: كان هشام حافظًا ترجيح لرواية الأحفظ.
قال عبد الله: "سألته - أي أباه - عن هشام وهمام. قال: سبحان الله، هشام أثبت، وقال شعبة: هشام أحفظ مني عن قتادة. شعبة يستعين بهشام يقول: "قال هشام" (^٣).
وقال أبو زرعة الدمشقي: "رأيت أحمد بن حنبل لهشام أكثر تقديمًا في قتادة لضبطه وقلة الاختلاف عنه" (^٤).
_________________
(١) أخرجه أبو داود السنن ١/ ٤٥٢ ح ٧٠٣، والنسائي السنن ٢/ ٦٤ ح ٧٥٠، والسنن الكبرى ١/ ٢٧٢ ح ٨٢٧، وابن ماجه السنن ١/ ٣٠٥ ح ٩٤٩، وأحمد المسند ٥/ ٢٩٣ ح ٣٢٤١، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ٢/ ٢٢ ح ٨٣٢، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٤٠٨، وابن حبان الإحسان ٦/ ١٩٨ ح ٢٣٨٧، والطبراني ١٢/ ١٨١ ح ١٢٨٢٤، والبيهقي السنن الكبرى ٢/ ٢٧٤ كلهم من طريق يحيى بن سعيد القطان به، إلا النسائي رواه من طريقه عن شعبة، وهشام وقال: رفعه شعبة.
(٢) فتح الباري لابن رجب ٢/ ٧٠٣.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٤٨ ح ٢٥٤٢.
(٤) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٥٢ رقم ١١٣٧.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
٢. وقال أبو داود: "سمعت أحمد قيل له: اختلف أيوبُ أبو العلاء وهمامٌ في حديثه: [من فاتتهُ الجمعةُ فليتصدق]. قال أحمد: همام عندي أحفظ" (^١).
حديث همام رواه أبو داود (^٢)، والنسائي (^٣)، والطيالسي (^٤)، وأحمد (^٥)، وابن أبي شيبة (^٦)، وابن خزيمة (^٧)، وابن حبان (^٨)، والطبراني (^٩)، والحاكم (^١٠)، والبيهقي (^١١) من طرق عن همام بن يحيى العوذي، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال: "من ترك جمعة في غير عُذرٍ فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فنصفَ دينارٍ".
وأما حديث أيوب أبي العلاء فرواه أبو داود أيضًا (^١٢)، والحاكم (^١٣)، والبيهقي (^١٤) من طريقه، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من فاته الجمعة بغير عذر فليتصقد بدرهم أو نصف درهم، أو صاع حنطة، أو نصف صاع". قال الإمام أحمد: خالفه في الحكم وقصر في الإسناد (^١٥).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٩٤ رقم ١٨٨٠، ومثله في سنن أبي داود ١/ ٦٣٩.
(٢) السنن ١/ ٦٣٨ ح ١٠٥٣
(٣) السنن ٣/ ٨٩ ح ١٣٧١، وفي الكبرى ١/ ٥١٧ ح ١٦٦١.
(٤) مسند الطيالسي ص ١٢٢ ح ٩٠١.
(٥) المسند ٣٣/ ٢٧٨ ح ٢٠٠٨٧، ٣٣/ ٣٣٠ ح ٢٠١٥٩.
(٦) المصنف ١/ ٤٨٠ ح ٥٥٣٥.
(٧) صحيح ابن خزيمة ٣/ ١٧٧ ح ١٨٦١.
(٨) الإحسان ٦/ ٢٨ ح ٢٧٨٨، ٢٧٨٩.
(٩) المعجم الكبير ٧/ ٢٣٥ ح ٦٩٧٩.
(١٠) المستدرك ١/ ٢٨٠.
(١١) السنن الكبرى ٣/ ٢٤٨.
(١٢) السنن ١/ ٦٣٩ ح ١٠٥٤.
(١٣) المستدرك ١/ ٢٨٠.
(١٤) السنن الكبرى ٣/ ٢٤٨.
(١٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٢٥٦ رقم ٣٦٧.
[ ٢ / ٨٧٦ ]
فقدم الإمام أحمد رواية همام لأنه أحفظ من أيوب أبي العلاء. وقد سبق قول الإمام أحمد في همام أنه ثقة، وأنه ثبت في كل المشايخ (^١). وأما أيوب أبي العلاء وهو أيوب بن مسكين التميمي القصاب الواسطي، فقال فيه أحمد: ليس به بأس (^٢)، وقال في موضع آخر: رجل، صالح ثقة (^٣)، وقال أيضًا: كان لا يحفظ الإسناد (^٤).
ويشهد لصحة حكم الإمام أحمد أن خالد بن قيس رواه عن قتادة فوافق همامًا في متن الحديث، وخالفه في الإسناد. قال في الإسناد: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ. وقال في متنه: "من ترك جمعة متعمدًا فليتصدق بدينار فإن لم يجد فنصف دينار". رواه أبو داود (^٥)، والبيهقي (^٦)، وقال: ولا أظنه إلا واهما في إسناده لاتفاق ما مضى على خلافه، فأما المتن فإنه يشهد بصحة رواية همام.
ويشهد له أيضًا رواية سعيد بن بشير، فقد وافق همامًا في الإسناد وخالفه في المتن، فقال: [فليتصدق بدرهم أو نصف درهم، أو صاع، أو مد]. أخرج روايته أبو داود، والبيهقي (^٧).
وقد سبق ما يتعلق بإعلال الإمام أحمد للحديث من وجه آخر، وهو جهالة قدامة بن وبرة في مباحث الجهالة (^٨).
ومن تقديم الإمام أحمد لرواية الأحفظ اختلاف رواية سعيد بن عبيد عن
_________________
(١) الجرح والتعديل ٩/ ١٠٨.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤٢٤ رقم ٩٣٢.
(٣) المصدر نفسه ١/ ٥١٨ رقم ١٢١٣.
(٤) المصدر نفسه ٢/ ٣٥ رقم ١٤٧٠.
(٥) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٩٤.
(٦) السنن الكبرى ٣/ ٢٤٨.
(٧) الموضعان أنفسهما.
(٨) انظر: ص ١٢٥.
[ ٢ / ٨٧٧ ]
بشير بن يسار في حديث سهل بن أبي حثمة في القسامة لرواية يحيى بن سعيد الأنصاري، فقدم الإمام أحمد رواية يحيى بن سعيد.
٣. قال الأثرم: ضعف أحمد حديث سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار، وقال: الصحيح عن بشير بن يسار ما رواه عنه يحيى بن سعيد، قال أحمد: وإليه أذهب (^١).
حديث سعيد بن عبيد رواه عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثْمة أن نفرًا من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها ووجدوا أحدهم قتيلًا، فذكر الحديث وفيه: فقال النبي ﷺ: "تأتون بالبيّنة على من قتله"؟ قالوا: ما لنا بينةٌ. قال: "فيحلفون". قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود. فكره رسول الله ﷺ أن يُطلَّ دمه فوداه مائة من إبل الصدقة. أخرجه البخاري (^٢)، ومسلم (^٣) وأبو داود (^٤)، والنسائي (^٥)، والطحاوي (^٦)، والدارقطني (^٧)، والطبراني (^٨)، والبيهقي (^٩).
وأما حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، فرواه عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة فذكر قصة القتيل وقال فيه: "فذكروا لرسول الله ﷺ مقتل عبد الله بن سهل فقال لهم: "أتحلفون خمسين يمينًا فتستحقون صاحبكم أو قاتلكم؟ " قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: "فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا؟ " قالوا: وكيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله النبي ﷺ من عنده" أخرجه
_________________
(١) التمهيد ٢٣/ ٢٠٩.
(٢) صحيح البخاري ١٢/ ٢٢٩ ح ٦٨٩٨. وصدر به أحاديث القسامة.
(٣) صحيح مسلم ٣/ ١٢٩٤ (٥).
(٤) السنن ح ٤٥٢٣.
(٥) السنن ٨/ ١١ - ١٢.
(٦) شرح معاني الاثار ٣/ ١٩٨.
(٧) السنن ٣/ ١١٠.
(٨) المعجم الكبير ٦/ ١٠٠ ح ٥٦٢٩.
(٩) السنن الكبرى ٨/ ١٢٠.
[ ٢ / ٨٧٨ ]
البخاري (^١)، ومسلم (^٢)، وأبو داود (^٣)، والنسائي (^٤)، والترمذي (^٥)، وأحمد (^٦) من طرق عن يحيى بن سعيد الأنصاري به.
والشاهد من الاختلاف الذي من أجله أنكر الإمام أحمد رواية سعيد ابن عبيد هو أن في روايته طلب النبي ﷺ البينة من أولياء المقتول - وهم المدّعون - ولما لم تكن لهم بينة طلب اليهود - وهم المدعى عليهم - أن يحلفوا، وليس في روايته طلب اليمين من أولياء المقتول، ولا ذكر للقسامة. أما في رواية يحيى بن سعيد فلم يكن هناك طلب للبينة، بل عرض اليمين على أولياء المقتول، فلما أبوا أن يحلفوا قال: تبرئكم يهود بخمسين يمينًا، فذكر أصل القسامة.
قال ابن رجب: "وقد ذكر الأئمة الحفاظ أن رواية يحيى بن سعيد أصح من رواية سعيد بن عُبيد الطائي فإنه أجل وأحفظ وأعلم، وهو من أهل المدينة، وهو أعلم بحديثهم من الكوفيين. وقد ذُكر للإمام أحمد مخالفة سعيد بن عبيد ليحيى بن سعيد في هذا الحديث فنفض يده وقال: ذاك ليس بشيء، رواه على ما يقول الكوفيون، وقال: أذهب إلى حديث المدنيين يحيى بن سعيد" (^٧).
ومقصود الإمام أحمد بأنه رواه على ما يقول الكوفيون، هو أنهم يقولون لا يحلف إلا المدَّعَى عليه، ولا يقضى بشاهد ويمين، لأن اليمين لا تكون على المدَّعِي، ولا ترد عليه، لأنها لا تكون إلا في جانت المنكِر المدّعَى عليه حتى في القسامة.
_________________
(١) صحيح البخاري ٦/ ٢٧٥ ح ٣١٧٣، وانظر: ٥/ ٣٠٥ ح ٢٧٠٢.
(٢) صحيح مسلم ٣/ ١٢٩١ - ١٢٩٣ (١ - ٤).
(٣) السنن ٤/ ٦٥ ح ٤٥٢٠.
(٤) السنن ٨/ ٥.
(٥) الجامع ٤/ ٢٠٢ - ٢٠٣ ح ١٤٢٢.
(٦) المسند ٢٦/ ١١ ح ١٦٠٩١.
(٧) جامع العلوم والحكم ٢/ ٢٤٣.
[ ٢ / ٨٧٩ ]
ويحيى بن سعيد الأنصاري قال فيه أحمد: أثبت الناس (^١). وقال أيضًا: "محدثوا الحجاز ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وابن جريج، يجيئون بالحديث على وجهه" (^٢)، وأما سعيد بن عبيد الطائي فقال في رواية عبد الله: صالح الحديث (^٣)، ووثقه في رواية أبي طالب (^٤)، ولا شك في تقديم يحيى بن سعيد الأنصاري عليه في الحفظ والضبط والعلم.
قال الإمام مسلم: "وغير مشكل على من عقل التمييز من الحفاظ من نقلة الأخبار ومن ليس كمثلهم أن يحيى بن سعيد أحفظ من سعيد بن عبيد، وأرفع منه شأنًا في طريق العلم وأسبابه، فلو لم يكن إلا خلاف يحيى إياه حين اجتمعا في الرواية عن بشير بن يسار لكان الأمر واضحًا في أن أولاهما بالحفظ يحيى بن سعيد، ودافع لما خالفه … " (^٥).
ومن أجل هذا لم يخرج الإمام أحمد رواية سعيد بن عبيد في مسنده، واكتفى يرواية يحيى بن سعيد الأنصاري. وقد وافق الإمام أحمد على إنكار رواية سعيد بن عبيد الإمام مسلم كما تقدم، والبيهقي (^٦)، وابن عبد البر (^٧)، وابن القيم (^٨). وانتهج الحافظان ابن رجب، وابن حجر إلى الجمع بين الروايتين بناء على صحتهما عندهما (^٩).
_________________
(١) تهذيب الكمال ٣١/ ٣٥٦.
(٢) الجرح والتعديل ٩/ ١٤٨.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٩٤ رقم ٣٢٥٧.
(٤) الجرح والتعديل ٤/ ٤٦.
(٥) التمييز ص ١٩٤.
(٦) السنن الكبرى ٨/ ١٢٠.
(٧) الاستذكار ٢٥/ ٣٠١.
(٨) تهذيب السنن ٦/ ٣٢١.
(٩) انظر: جامع العلوم والحكم ٢/ ٢٤٤، وفتح الباري ١٢/ ٢٣٤.
[ ٢ / ٨٨٠ ]
وربما أشار الإمام أحمد إلى الاختلاف ولا يبين أي الروايتين أرجح، وتلك الإشارة كافية للقدح فيما ظاهره الصحة، وقد يلتمس الترجيح بقرائن أخرى. ومن أمثلة ذلك:
قال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر له حديث ابن أبي العشرين الذي يرويه عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة في سوق الجنة فقال: حدثنا به أبو المغيرة، عن الأوزاعي مرسل" (^١).
هذا الحديث رواه الترمذي (^٢)، وابن ماجه (^٣)، وابن أبي عاصم (^٤)، وابن أبي حاتم (^٥)، وابن حبان (^٦)، وابن عساكر (^٧) من طرق عن هشام بن عمّار، عن عبد الحميد ابن أبي العشرين، عن الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية، عن سعيد بن المسيب أنه لقي أبا هريرة فقال: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة، فقال سعيد: أفيها سوق؟ قال: نعم، أخبرني رسول الله ﷺ أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم … وذكر الحديث بطوله.
وذكر الإمام أحمد أن ابن أبي العشرين قد خولف في رواية هذا الحديث عن الأوزاعي؛ خالفه أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الشامي، فرواه عن الأوزاعي مرسل. ولم أقف على هذه الرواية، وقد بين الدارقطني وجه الإرسال فقال: رواه أبو المغيرة عن الأوزاعي قال: نُبئت أن أبا هريرة لقي سعيد بن المسيب (^٨).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٩١ رقم ١٨٧٤.
(٢) الجامع ٤/ ٦٨٥ ح ٢٥٤٩.
(٣) السنن ٢/ ١٤٥٠ ح ٤٣٣٦.
(٤) السنة ١/ ٢٥٨ ح ٥٨٥.
(٥) التفسير نقله عنه ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٠٠.
(٦) الإحسان ١٦/ ٤٦٦ ح ٧٤٣٨.
(٧) تاريخ دمشق ٣٤/ ٤٩.
(٨) علل الدارقطني ٧/ ٢٧٦.
[ ٢ / ٨٨١ ]
وأبو المغيرة قد وثقه أحمد (^١). وكذلك وثقه العجلي، والدارقطني. وقال أبو حاتم: كان صدوقًا. وقال النسائي: ليس به بأس (^٢).
وأما عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، كاتب الأوزاعي فقد وثقه أحمد أيضًا في رواية عبد الله (^٣)، وكذلك وثقه أبو زرعة الرازي (^٤)، لكن تكلم فيه غير واحد: قال أبو حاتم: كان كاتب ديوان، لم يكن صاحب حديث (^٥). وكذلك قال دحيم: إنه لم يكن صاحب حديث (^٦). وقال البخاري: ربما يخالف في حديثه (^٧). وقال النسائي: ليس بالقوي (^٨). وقال أبو أحمد الحاكم: "ليس بالمتين عندهم، وقد حدث عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة بحديث منكر، وهو حديث سوق الجنة، لا أعرف له أصلًا في حديث أبي هريرة، ولا في حديث سعيد بن المسيب، ولا في حديث حسان بن عطية، ولا في حديث الأوزاعي، وقد تابعه سويد بن عبد العزيز، لكن متابعته كلا متابعة، ويحتمل أن يكون أخذه منه، والله أعلم" (^٩).
ومتابعة سويد بن عبد العزيز التي ذكرها أبو أحمد الحاكم رواها ابن أبي عاصم (^١٠)، وابن عساكر (^١١). وقد اضطرب في هذه الرواية، فمرة رواها
_________________
(١) في روايةصالح، ذكرها ابن عساكر ٣٦/ ٤٣٠.
(٢) تهذيب الكمال ١٨/ ٢٣٩.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٦٣ رقم ٢٦١٠.
(٤) الجرح والتعديل ٦/ ١١.
(٥) الموضع نفسه.
(٦) تهذيب الكمال ١٦/ ٤٢٢.
(٧) التاريخ الكبير ٦/ ٤٥.
(٨) الضعفاء والمتروكين ص ٢١٢ ترجمة ٣٩٨.
(٩) تاريخ دمشق ٣٤/ ٥٧.
(١٠) السنة ١/ ٢٦٠ ح ٥٨٦.
(١١) تاريخ دمشق ٣٤/ ٥١.
[ ٢ / ٨٨٢ ]
هكذا، ومرة أخرى رواها عن الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد، عن أبي هريرة (^١). وقال مرة أخرى: عن الأوزاعي، حدثت عن سعيد (^٢). وقال أيضا: عن الأوزاعي، عن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة (^٣).
وسويد بن عبد العزيز متروك الحديث، قاله أحمد (^٤). واضطرابه شاهد على ضعف حديثه.
وروى الحديث الوليد بن مزيد، عن الأوزاعي، قال: نبئت عن سعيد (^٥) وتابعه هقل بن زياد عن الأوزاعي (^٦).
وخالف الإمام أحمد أحمدُ بن عبد الرحيم الحوطي فرواه عن أبي المغيرة، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة. وأحمد بن عبد الرحيم الحوطي من شيوخ الطبراني (^٧). ما وقفت له على ترجمة إلا ما ذكره ابن القطان أنه لا يعرف حاله (^٨). وتابعه محمد بن مصعب القرفساني عن الأوزاعي. قال ابن عساكر: لم يصنعا شيئًا (^٩).
وقول الإمام أحمد ليس صريحًا في ترجيح رواية أبي المغيرة، وإنما اقتصر على الإشارة إلى مخالفته لرواية ابن أبي العشرين فقط، ولا يقتضي ذلك ترجيحًا،
_________________
(١) أخرج هذه الرواية ابن عساكر ٣٤/ ٥٤، وذكرها المزي في تحفة الأشراف ١٠/ ٣.
(٢) المصدر نفسه ٣٤/ ٥١.
(٣) ذكر هذه الرواية الدارقطني في العلل الموضع نفسه.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله رقم ٣١٢٦، وانظر: تهذيب التهذيب ٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧ لأقوال بقية الحفاظ فيه.
(٥) تاريخ دمشق ٣٤/ ٥٢.
(٦) ذكر روايته الدارقطني الموضع نفسه، والمنذري الترغيب والترهيب ٣/ ٤٣.
(٧) انظر: المعجم الصغير ١/ ٢٣ ح ٢.
(٨) نقله أبو زرعة ابن العراقي عنه في ذيله على ميزان الاعتدال ص ١٠١ ترجمة ١٠٨.
(٩) تاريخ دمشق ٣٤/ ٥٢.
[ ٢ / ٨٨٣ ]
وإن كان يتضمن إعلال ما ظاهره الصحة.
وأما الإمام الدراقطني فصرح بأن رواية أبي المغيرة أشبه الطرق عن الأوزاعي بالصواب (^١). وكذلك قال الخليلي: رواه أصحاب الأوزاعي: الوليد ابن مزيد وغيره مرسلًا، يقول: نبئت أن أبا هريرة، ولا يتابع ابن أبي العشرين، عن الأوزاعي بالاتصال إلى النبي ﷺ (^٢).
ومنه أيضًا:
قال أبو داود: "سألت أحمد عن حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ: "كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة"؟ فقال: هذا حدثنا به عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، ليس فيه عمر" (^٣).
الحديث الذي ذكره أبو داود للإمام أحمد رواه يحيى بن موسى (^٤)،
وعبد بن حميد (^٥)، والحسين بن مهدي (^٦)، ومحمد بن سهل بن عسكر (^٧)، وإسحاق
ابن إبراهيم الحنظلي (^٨) كلهم عن عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن
_________________
(١) الموضع نفسه.
(٢) المنتخب من الإرشاد ١/ ٤٤٧.
(٣) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٩٢ رقم ١٨٧٧.
(٤) يحيى بن موسى البلخي الكوفي الأصل، وثقه أبو زرعة، والسنائي، والسراج، والدارقطني وغيرهم تهذيب الكمال ٣٢/ ٩. وحديثه عند الترمذي الجامع ٤/ ٢٨٥ ح ١٨٥١.
(٥) في مسنده ١/ ٣٣ ح ١٣.
(٦) قال عنه أبو حاتم: صدوق الجرح والتعديل ٣/ ٦٥. وحديثه عند ابن ماجه السنن ٢/ ١١٠٣ ح ٣٣١٩، والبزار ١/ ٣٩٧ ح ٢٧٥.
(٧) هو البخاري. وثقه النسائي، وابن عدي وغيرهما تهذيب الكمال ٢٥/ ٣٢٧. وحديثه عند البزار الموضع نفسه، والمقدسي في المختارة ١/ ١٧٢ ح ٨٢.
(٨) وحديثه عند الحاكم المستدرك ٤/ ١٢٢.
[ ٢ / ٨٨٤ ]
أبيه، عن عمر به مرفوعًا.
ورواه أحمد بن منصور الرمادي (^١) فقال: أحسبه قال: عن عمر (^٢).
وذكر الإمام أحمد أن عبد الرزاق حدثهم به عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه مرسلًا، ليس فيه عمر، وهكذا هو في "مصنف عبد الرزاق" المطبوع (^٣)، وذكر الترمذي أن سليمان بن معبد رواه كذلك (^٤).
وهنا أيضًا لم يصرح الإمام أحمد بالترجيح، وإنما اكتفى بالإشارة إلى الاختلاف، وقد يقوى القول بالترجيح هنا لما عُلم من أن عبد الرزاق كان بآخرة يقبل التلقين، وذلك بعد ذهاب بصره، وسماع أحمد منه كان قبل ذلك وهو في الصحة، فروايته مرجحة على ما خالفها عند الاختلاف، كما هو الحال هنا.
وقد صرح بترجيح الإرسال ابن معين (^٥)، والبخاري (^٦). وذكر أبو حاتم ما يدل على أن الرواية الموصولة كان من عبد الرزاق بآخرة، مما يدل على ترجيحه للإرسال. قال: "روى عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ: "كلوا الزيت وائتدموا به"، حدث به مرة عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن النبي ﷺ، هكذا رواه دهرًا، ثم قال بعد: زيد بن أسلم، عن أبيه، أحسبه عن عمر، عن النبي ﷺ، ثم لم يمت حتى جعله عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ بلا شك" (^٧).
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٣٦٩، وأن سماعه من عبد الرزاق كان بعد ذهاب بصره.
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٥/ ١٠٠ ح ٥٩٣٩.
(٣) ٤٢٢/ ١٠ ح ١٩٥٦٨.
(٤) الجامع الموضع نفسه.
(٥) التاريخ - برواية الدوري ٣/ ١٤٢ رقم ٥٩٥.
(٦) علل الترمذي الكبير ٢/ ٧٧٩.
(٧) علل ابن أبي حاتم ٢/ ١٥ - ١٦ ح ١٥٢٠. وفهم محقق كتاب علل الترمذي الكبير أن هذا يقتضى تصحيح الحديث بصحة رواية الوصل حيث رواه بلا شك، ولم ينتبه إلى أن ذلك بيان لوجه علة الرواية وإشارة إلى ثبوت اضطراب عبد الرزاق في رواية الحديث بعد ذهاب بصره.
[ ٢ / ٨٨٥ ]
المطلب الثاني: مخالفة الراوي لرواية الأكثر عددًا.
والمخالفة بين الرواة تأخذ عدة أشكال، ورواية الراوي لمن هم أولى منه كثرة تأتي في صور:
منها: أن يكون الراوي ثقة حافظًا فيخالف رواية مثله في الحفظ والثقة، ويكون مع المخالف غيره من الرواة يوافقه، فحينئذ رواية الأكثر عددًا هي المرجحة وتكون رواية المنفرد خطأ، مثال ذلك:
قال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر له حديث جرير، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة، عن النبي ﷺ: "لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العِدّة، ثم صوموا حتى تروا الهِلال أو تُكملوا العِدّة". قال: هذا سفيان وغيره عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، يعني يرويه سفيان وغيره، عن منصور، عن ربعي، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، ليس من ذا شيء، يعني: ليس قوله: "عن حذيفة"، يعني: يريد ليس حذيفة بمحفوظ بهذا الحديث" (^١).
هذا الحديث خالف فيه جريرُ بن عبد الحميد الضبي سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر، وكل من جرير الضبي والثوري ثقة (^٢)، فحكم الإمام أحمد بخطأ رواية جرير لمخالفته عددًا من الرواة، فقدم رواية الأكثر عددًا.
ورواية جرير الضبي أخرجها أبو داود (^٣)، والنسائي (^٤)، وابن خزيمة (^٥)،
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٩١ رقم ١٨٧٣.
(٢) وجعل الدارقطني الثوري، وجرير الضبي، وشعبة أثبت أصحاب منصور شرح علل الترمذي ٢/ ٧٢١.
(٣) السنن ٢/ ٧٤٤ ح ٢٣٢٦.
(٤) السنن ٤/ ١٣٥ ح ٢١٢٥، والسنن الكبرى ٢/ ٧١ ح ٢٤٣٦.
(٥) صحيح ابن خزيمة ٣/ ٢٠٣.
[ ٢ / ٨٨٦ ]
وابن حبان (^١)، والدارقطني (^٢)، والبيهقي (^٣).
وأخرج رواية الثوري النسائي (^٤)، وعبد الرزاق (^٥)، وأحمد (^٦)، والدارقطني (^٧).
وتابع الثوري: زهير بن معاوية الجعفي (^٨)، وأبو الأحوص سلاّم ابن سُليم (^٩)، وعَبيدة بن حميد (^١٠).
ففي ترجيح الإمام أحمد لرواية الثوري ترجيح بكثرة العدد بين الراويين المتساوييْن في الحفظ والإتقان.
وقد لا يحكم على رواية المخالف بالخطأ، لكن يرد صلاحيتها للقدح في الرواية الأخرى، ومثال ذلك:
قال أبو زرعة الدمشقي: "سألت يحيى بن معين عن حديث أبي سلمة، عن جابر في الشفعة، قلت له: ما تقول فيه؟ قال: منكر، ورأيته يُنكر رفعه عن جابر، ويعجبه وقوفه عن سعيد، وأبي سلمة. قال أبو زرعة: قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول فيه؟ قال: هو ثبت، ورفع منه، واعتد برواية معمر له، واحتج له برواية مالك وإن كانت موقوفة. قلت لأحمد: ومن أي شيء ثبت؟ قال: رواه صالح بن أبي الأخضر
_________________
(١) الإحسان ٨/ ٢٣٨ ح ٣٤٥٨.
(٢) السنن ٢/ ١٦٠.
(٣) السنن الكبرى ٤/ ٢٠٨.
(٤) السنن ٤/ ١٣٥ ح ٢١٢٦، والسنن الكبرى ٢/ ٧١ ح ٢٤٣٧.
(٥) المصنف ٤/ ١٦٤ ح ٧٣٣٧.
(٦) المسند ٣١/ ١٢٢ ح ١٨٨٢٥.
(٧) السنن ٢/ ١٦١، ١٦٢.
(٨) أخرج حديثه الطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٤٣٨.
(٩) أخرج حديثه ابن أبي شيبة المصنف ٢/ ٢٨٤ ح ٩٠٢٠.
(١٠) أخرج حديثه الدارقطني السنن ٢/ ١٦١.
[ ٢ / ٨٨٧ ]
ـ يعني مثل رواية معمر - قلت: وصالح يحتج به؟ قال: يُستدل به، يعتبر به. قلت لأحمد ويحيى فقالا لي: أُخِذ عن مالك أنه عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، ذكرا جميعًا رفعه عن مالك، قالا ذلك لي. وقال لي أحمد: سمعه يحيى بن سعيد من مالك موقوفًا" (^١).
هذا الحديث اختلف فيه مالك ومعمر على الزهري، وكلاهما ثقة حافظ، وهم من أهل الطبقة الأولى من أصحاب الزهري (^٢)، وإن كان الإمام أحمد في عدة روايات عنه يقدم مالك في الزهري على معمر، مع قلة رواية مالك عنه بالنسبة لمعمر (^٣).
فأما مالك فروى الحديث عن الزهري، عن ابن المسيب، وأبي سلمة مرسلًا (^٤).
وأما معمر، فرواه عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر مرفوعًا (^٥).
_________________
(١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٦٤ رقم ١١٨٧ - ١١٨٨.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٦١٣.
(٣) انظر: العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله رقم ٢٥٤٣، مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ رقم ٢١٢٨، ٢٢٧٣.
(٤) هكذا رواه في الموطأ ٢/ ٧١٣. وهي رواية أكثر رواة الموطأ عنه كما قال ابن عبد البر التمهيد ٧/ ٣٦. ورواه عبد الملك الماجشون حديثه في شرح معاني الآثار ٤/ ١٢١، والسنن الكبرى ٦/ ١٠٦ والتمهيد ٧/ ٣٩، وأبو عاصم النبيل وحديثه في المواضع نفسها، ويحيى بن إبراهيم بن أبي قتيلة وحديثه في المصدرين أنفسهما، والتمهيد ٧/ ٤٢، وأبو يوسف القاضي ذكره الدارقطني في العلل ٩/ ٣٣٨ عن مالك، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة به مرفوعًا. ولم يشر الإمام أحمد إلى هذا الاختلاف على مالك.
(٥) أخرجه البخاري صحيح البخاري ٤/ ٤٠٧ ح ٢٢١٣ من طريق عبد الرزاق، و٤/ ٤٣٦ ح ٢٢٥٧ من طريق عبد الواحد بن زياد، و٥/ ١٣٣ ح ٢٤٩٥ من طريق هشام بن يوسف ثلاثتهم عن معمر به، وأبو داود السنن ح ٣١٥٤ وابن ماجه ٢/ ٨٣٥ ح ٢٤٩٩ كلاهما من طريق عبد الرزاق عن معمر. وخالف صفوان بن عيسى فرواه عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة مرسلًا. أخرجه النسائي السنن ٧/ ٣٢٠ ح ٤٧٠٣، والكبرى ٤/ ٦٢ ح ٦٣٠٣.
[ ٢ / ٨٨٨ ]
فاختلف الحفاظ في الترجيح، فنقل أبو زرعة الدمشقي عن ابن معين كما في السؤال أنه يقول في حديث معمر: إنه منكر، وأن الصواب رواية مالك؛ وكذلك قال البخاري (^١).
وأما الإمام أحمد فأثبت رواية معمر، ولم ير رواية مالك علة تعل بها روايته، واحتج في ذلك برواية صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري بمثل رواية معمر (^٢). وصالح بن أبي الأخضر ممن لا يحتج به على الانفراد، لكن يعتبر به ويستدل به كما قال أحمد في هذا الموضع، فصنيع الإمام أحمد هذا يدل على أن رواية الحافظين المتقاربين في الحفظ إذا تعارضتا وجاءت رواية أخرى بموافقة إحدى الروايتين - وإن جاءت من جهة راوٍ متكلم فيه ما دام لم يبلغ حد الترك - حكم لها، تغليبًا لجانب الكثرة، وهذا من أبرز الأمثلة على ذلك. ولم يحكم على الرواية المخالفة بأنها خطأ، إنما ردّ صلاحيتها للقدح في الرواية المحفوظة.
ومن صور المخالفة لرواية الأكثرين، مخالفة الراوي الثقة الحافظ لجمع من الرواة، وإن كان أحفظ من كل واحد منهم على الانفرد، فهنا أيضًا يرجح الإمام أحمد رواية الجماعة على الواحد، أو رواية الأكثر على الأقل، ويحكم على رواية المنفرد أو الأقلين بالخطأ. ومن أمثلة ذلك:
١. قال عبد الله: "سألت أبي عن حديث عبد الرحمن بن مهدي، عن زائدة،
_________________
(١) قال: الصحيح فيه أنه مرسل. علل الترمذي الكبير ١/ ٥٧٢.
(٢) أخرج هذه الرواية الطيالسي المسند ص ٢٣٥ ح ١٦٩١، وأحمد المسند ٢٣/ ٢٤٦ ح ١٤٩٩٩، والبيهقي السنن الكبرى ٦/ ١٠٣ بلفظ: أن رسول الله ﷺ قضى بالشفعة ما لم تُقسم أو يوقف حدودُها.
[ ٢ / ٨٨٩ ]
عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله قال: دخلت على عائشة فقلت: أخبريني بمرض رسول الله ﷺ، فوصفت له حتى بلغت أن رسول الله ﷺ وجد خِفة، فخرج يُهادى بين رجليْن وأبو بكر يصلّي بالنَّاس، فصلى النبي ﷺ خلف أبي بكر قاعدًا، وأبو بكر يصلي بالنَّاس وهو قائم يصلِّي فقال أبي: أخطأ عبد الرحمن في هذا الموضع، أو يكون زائدة أخطأ لعبد الرحمن. حدثني أبي قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ومعاوية بن عمرو، وخالفا عبد الرحمن، وهو الصواب: ما قال عبد الصمد، ومعاوية" (^١).
وفي موضع آخر قال: "فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه ألا يتأخر وأمرهما فأجلساه إلى جنبه، فجعل أبو بكر يصلي قائمًا والنبي ﷺ والناس يصلُّون بصلاة أبي بكر" (^٢).
وحديث عبد الرحمن بن مهدي أخرجه أحمد عنه (^٣)، وأخرجه النسائي (^٤) عن العباس بن عبد العظيم عنه. ولفظ موضع الشاهد منه: "فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه أن لا تتأخر، وأمرهما فأجلساه إلى جنبه، فجعل أبو بكر يصلي قائمًا ورسول الله ﷺ يصلي قاعدًا". ولفظ رواية النسائي: "فجعل أبو بكر يصلي قائمًا والناس يصلون بصلاة أبي بكر ورسول الله ﷺ يصلي قاعدًا".
وأما رواية عبد الصمد بن عبد الوارث (^٥)، ومعاوية بن عمرو (^٦)
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣٠٤ رقم ٥٣٥٠.
(٢) المصدر نفسه ٣/ ٣١١ رقم ٥٣٨٤.
(٣) المسند ٩/ ١٤٠ ح ٥١٤١، ٤٢/ ٢٣٢ ح ٢٦١٣٦.
(٤) السنن ٢/ ١٠١ ح ٨٣٣، والسنن الكبرى ١/ ٢٩٣ ح ٩٠٨.
(٥) عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد التميمي. قال أحمد: لم يكن به بأس العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٢٨ رقم ٢٢٥.
(٦) معاوية بن عمرو بن المهلب البغدادي، قال ابن سعد: روى عن زائدة كتبه ومصنفه. قال عنه أحمد: صدوق ثقة. ووثقه أبو حاتم الطبقات الكبرى ٧/ ٣٤١، تاريخ بغداد ١٣/ ١٩٨، تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٠٩.
[ ٢ / ٨٩٠ ]
فأخرجها أيضًا الإمام أحمد (^١)، ولفظ هذه الرواية في موضع الشاهد: "فأومأ إليه رسول الله ﷺ أن لا تأخر وقال لهما: "أجلساني إلى جنبه"، فأجلساه إلى جنبه، قالت: فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة رسول الله ﷺ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، والنبي ﷺ قاعد].
فالاختلاف بين الروايتين كما وضّحه الإمام أحمد هو أن ابن مهدي جعل النبي ﷺ مأمومًا يصلي بصلاة أبي بكر وهو قاعد، والقوم قيام، بينما رواية عبد الصمد ومعاوية جعلت النبي ﷺ إمامًا وهو يصلي قاعدًا وأبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر.
وهكذا ذكر ابن رجب هذا الاختلاف عن الإمام أحمد قال: "ورواه زائدة، واختلف عنه، فقال الأكثرون عنه: إن أبا بكر كان يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ وهو قاعد، والناس يأتمون بأبي بكر. ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن زائدة، وقال في حديثه: فصلى النبي ﷺ خلف أبي بكر قاعدًا، وأبو بكر يصلي بالناس وهو قائم يصلي. وقد رجح الإمام أحمد رواية الأكثرين عن زائدة على رواية ابن مهدي" (^٢).
وهذا الذي ذكر عن رواية عبد الصمد ومعاوية وغيرهما (^٣) هو واضح من
_________________
(١) المسند ٤٣/ ٢٣٤ ح ٢٦١٣٨. وأخرج رواية معاوية بن عمرو لوحده ابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ١/ ١٢٦ ح ٢٥٧، وأبو عوانة مسند أبي عوانة ١/ ٤٤٠ ح ١٦٣٢. وأخرج ابن سعد الطبقات الكبرى ٢/ ٢١٨ روايته مقرونًا برواية أبي الوليد الطيالسي.
(٢) فتح الباري لابن رجب ٤/ ٨٦.
(٣) وهم جماعة، منهم: ١. أحمد بن عبد الله بن يونس، وحديثه عند البخاري صحيح البخاري ٢/ ١٧٢ ح ٦٨٧، ومسلم صحيح مسلم ١/ ٣١١ ح ٤١٨، والدارمي سنن الدرامي ١/ ٢٨٧، والبيهقي السنن الكبرى ١/ ١٢٣. =
[ ٢ / ٨٩١ ]
ألفاظ روايتهم، وأما رواية ابن مهدي فليس ذلك بواضح، لأنه ليس منصوصًا فيها على حسب ما جاء في رواية الإمام أحمد في مسنده والنسائي كلاهما لحديث ابن مهدي.
ولا شك أن الخلاف واقع بين الروايتين، لكنّ غايته أن ابن مهدي لم يصرح بأن أبا بكر صلى بصلاة رسول الله ﷺ، كما صرّح بذلك عبد الصمد ومعاوية ابن عمرو وغيرهما. وأما على ما ذكره الإمام أحمد في العلل وكذلك ابن رجب، من أن النبي ﷺ كان يصلي بصلاة أبي بكر فلم أقف عليه في لفظ رواية ابن مهدي.
وقد عدّ الإمام أحمد مخالفة ابن مهدي لرواية عبد الصمد ومعاوية خطأ إما من ابن مهدي نفسه، أو من زائدة حينما حدثه به، وصوّب رواية عبد الصمد ومعاوية، مع أنه ليس واحد منهما بمنزلة ابن مهدي في الحفظ، لكن قدّم روايتهما
_________________
(١) ٢. حسين بن علي الجعفي، وحديثه عند ابن أبي شيبة المصنف ٢/ ١١٨ ح ٧١٦٣، ومن طريق ابن حبان الإحسان ٥/ ٤٨٠ ح ٢١٠٦. ٣. يحيى بن أبي بكير، وحديثه عند أبي عوانة مسند أبي عوانة ١/ ٤٤٠ ح ١٦٣٢، وابن المنذر الأوسط ١/ ١٥٥ ح ٤٩. ٤. أبو أسامة حماد بن أسامة، وحديثه عند إسحاق في مسنده ٢/ ٥٠٣ ح ١٠٩١، ومن طريقه ابن حبان الإحسان ١٤/ ٥٦٧ ح ٦٦٠٢. ٥. عبد الله بن المبارك، وحديثه عند النسائي السنن الكبرى ٤/ ٢٥٤ ح ٧٠٨٤، وذكره مختصرًا وليس فيه موضع الشاهد. ٦. الوليد بن عقبة، وحديثه عند إسحاق المسند ٢/ ٥٠٥ ح ١٠٩٢، وأحال بلفظه على حديث أبي أسامة. ٧. خلف بن تميم، ذكر حديثه أبو عوانة مقرونا بحديث معاوية بن عمرو، وابن أبي بكير مسند أبي عوانة الموضع نفسه. ٨. أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، حديثه عند ابن سعد مقرونا بمعاوية بن عمرو الطبقات الكبرى ٢/ ٢١٨. وكل من ذُكر لفظ روايته قال: "فجعل أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ وهو قائم، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، ورسول الله ﷺ قاعد".
[ ٢ / ٨٩٢ ]
على روايته لاجتماعهما، فقدم رواية الأكثر عددًا على رواية الأحفظ.
ومن أمثلة مخالفة الراوي الحافظ لرواية الأكثرين، وتقديم الإمام أحمد لرواية الأكثرين:
٢. قال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل عن حديث أبي سعيد في السهو، أتذهب إليه؟ قال: نعم، أذهب إليه. قلت: إنهم يختلفون في إسناده. قال: إنما قصر به مالك، وقد أسنده عدة، منهم ابن عجلان، وعبد العزيز بن أبي سلمة (^١).
حديث أبي سعيد الخدري في السهو رواه الإمام مسلم (^٢) من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فلْيطرحِ الشَّكَّ ولْيَبْنِ على ما استَيْقَن، ثم يسجد سجدتيْن قبلَ أن يُسلّم، فإن كان صلّى خمسًا شفعْنَ له صلاتَه، وإن كان صلى إتمامًا لأربعٍ كانتا ترغيمًا للشيطان".
فهنا أجاب الإمام أحمد على الاعتراض عليه من احتجاجه برواية قد دخلها الإعلال بالإرسال، بأن عددًا من الرواة قد رووا الحديث موصولًا، فلم تكن لعلة الإرسال أي أثر، ففيه تقديم الإمام أحمد لرواية العدد على رواية الأحفظ مع قصور آحادهم في الحفظ دونه. ولم يذكر جميع من روى الحديث موصولًا بل اقتصر على ذكر اثنين منهم.
والذين رووا الحديث موصولًا: سليمان بن بلال كما تقدم في رواية مسلم، ومحمد ابن عجلان (^٣)، وعبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (^٤)،
_________________
(١) التمهيد ٥/ ٢٥، وانظر: فتح الباري لابن رجب ٦/ ٥٠٥.
(٢) صحيح مسلم ١/ ٤٠٠ ح ٥٧١.
(٣) أخرج روايته أبو داود السنن ١/ ٦٢١ ح ١٠٢٤، والنسائي السنن ٣/ ٢٧ ح ١٢٣٧، والسنن الكبرى ١/ ٢٠٥ ح ٥٨٤، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٤٣٣، والدارقطني السنن ١/ ٣٧٢.
(٤) أخرج حديثه النسائي السنن ٣/ ٢٧ ح ١٢٣٨، والسنن الكبرى ١/ ٣٦٨ ح ١١٦٢، والدارمي السنن ١/ ٣٥١، وأبو عوانة مسند أبي عوانة ١/ ٥٠٩ ح ١٩٠٦، والدارقطني ١/ ٣٧١، والبيهقي ٢/ ٣٣١.
[ ٢ / ٨٩٣ ]
وفليح بن سليمان (^١)، وأبو غسان محمد بن مطرف (^٢)، ويحيى بن محمد بن قيس (^٣)، وهشام بن سعد (^٤).
ورواه مرسلًا مالك (^٥)، ويعقوب بن عبد الرحمن القارئ (^٦)، وحفص ابن ميسرة (^٧)، وداود بن قيس على الصحيح (^٨)، والثوري (^٩).
ولا شك أن عدد الذين وصلوه أكثر من الذين أرسلوه.
ومن صور مخالفة الراوي الأحفظ لرواية من هم أكثر منه عددًا ويكون الحكم لرواية الأكثر:
٣. روى يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي ابن خراش، عن طارق بن عبد الله المُحاربي، عن النبي ﷺ قال: "إذا كنت في الصلاة، فلا تبزقْ عن يمنيك ولا من بين يديك، ولكن خلفَك أو تلقاءَ شمالك أو تحت قدمك اليُسرى". قال ابن رجب: وقد أنكر الإمام أحمد هذه اللفظة في هذا الحديث، وهي
_________________
(١) أخرج حديثه أحمد المسند ١٨/ ٢٢١ ح ١١٦٨٩، والدارقطني ١/ ٣٧٥.
(٢) أخرج حديثه أحمد المسند ١٨/ ٣٤٦ ح ١١٨٣٠، وأبو عوانة مسند أبي عوانة ١/ ٥٠٩ ح ١٩٠٥.
(٣) أخرج حديثه النسائي السنن الكبرى ١/ ٢٠٥ ح ٥٨٦.
(٤) أخرج حديثه البيهقي السنن الكبرى ٢/ ٣٣١.
(٥) الموطأ ١/ ٩٥، وانظر: التمهيد ٥/ ١٨. وذكر ابن عبد البر أن الوليد بن مسلم أسنده عن مالك، وكذلك يحيى بن راشد.
(٦) أخرج حديثه أبو داود ١/ ٦٢٣ ح ١٠٢٧.
(٧) أخرج حديثه البيهقي ٢/ ٣٣١.
(٨) هكذا رواه بحر بن نصر عن ابن وهب عنه. أخرجه البيهقي الموضع نفسه. وأخرجه مسلم الموضع نفسه عن أحمد بن أخي ابن وهب، عن عمه، عن داود بن قيس موصولًا. قال البيهقي: ورواية بحر بن نصر كأنها أصح.
(٩) ذكره ابن رجب، ولم أقف على روايته.
[ ٢ / ٨٩٤ ]
قوله: "خلفك"، وقال: لم يقل ذلك وكيع، ولا عبد الرزاق (^١) حديث يحيى بن سعيد القطان أخرجه الترمذي (^٢)، والنسائي (^٣)، وأحمد (^٤)، وابن خزيمة (^٥)، والمقدسي (^٦) من طرق عنه عن سفيان به بهذا اللفظ، وبعضهم قال: "تلقاء شمالك إن كان فارغًا"، وكلهم ذكروا لفظة: "خلفك".
وأنكرها الإمام أحمد لأن وكيعًا وعبد الرزاق لم يذكراها؛ أما حديث وكيع فأخرجه ابن ماجه (^٧)، وابن أبي شيبة (^٨) أما حديث عبد الرزاق فأخرجه في "مصنفه" (^٩)، ومن طريقه الضياء المقدسي (^١٠).
وجعل الإمام أحمد اجتماعهما مرجحًا على رواية يحيى وإن كان أحفظ منهما. قال عبد الله عن أحمد: ليس من أصحاب سفيان أعلى من يحيى (^١١)، وكان يقدم يحيى وعبد الرحمن في سفيان (^١٢).
فرجح بالكثرة على رواية الأحفظ.
وممن رواه عن سفيان موافقًا لوكيع وعبد الرزاق، عبيد الله الأشجعي (^١٣)،
_________________
(١) فتح الباري لابن رجب ٢/ ٣٤٤.
(٢) الجامع ٢/ ٤٦٠ ح ٥٧١.
(٣) السنن ٢/ ٥٢ ح ٧٢٥، والسنن الكبرى ١/ ٢٦٥ ح ٨٠٥.
(٤) المسند ٤٥/ ١٩٧ ح ٢٧٢٢١.
(٥) صحيح ابن خزيمة ٢/ ٤٤ ح ٨٧٦.
(٦) الأحاديث المختارة ٨/ ١٢١ ح ١٣٤، ٨/ ١٢٢ ح ١٣٦.
(٧) السنن ١/ ٣٢٦ ح ١٠٢١.
(٨) المصنف ٢/ ١٤٢ ح ٧٤٥٣.
(٩) ١/ ٤٣٢ ح ١٦٨٨.
(١٠) الأحاديث المختارة ٨/ ١٢٣ ح ١٣٨.
(١١) المنتخب من العلل للخلال ص ٣٢٠.
(١٢) الموضع نفسه.
(١٣) أخرج حديثه الحاكم المستدرك ١/ ٢٥٦.
[ ٢ / ٨٩٥ ]
والحسين بن حفص (^١).
قال الدارقطني: هي وهم من يحيى بن سعيد، ولم يذكرها جماعة من الحفاظ من أصحاب سفيان، وكذلك رواه أصحاب منصور (^٢) عنه، لم يقل أحد منهم: [ابزق خلفك].
ومنها أيضًا:
٤. روى الخطيب من طريق محمد بن صالح البغدادي (^٣) قال: "رأيت أبا زرعة الرازي دخل على أحمد بن حنبل وحدثه، ورأيته قد مجمج (^٤) على حديث كان حدّثه عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن جابر: أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد جافى بين جنبيه. وقد مجمج عليه أحمد فقال له أبو زرعة: أي شيء خبر
_________________
(١) أخرجه البيهقي السنن الكبرى ٢/ ٢٩٢، وكذلك الحاكم على ما ثبت في بعض نسخ الكتاب المخطوطة انظر: إتحاف المهرة ٦/ ٣٤٥.
(٢) وهم: ـ جرير بن عبد الحميد الضبي، وحديثه عند ابن خزيمة ٢/ ٤٥ ح ٨٧٧، والمقدسي الأحاديث المختارة ٨/ ١٢٣ ح ١٣٧. ـ شعبة، وحديثه عند الطيالسي ص ١٨٠ ح ١٢٧٥، وأحمد المسند ٤٥/ ١٩٨ ح ٢٧٢٢٢. ـ وزائدة بن قدامة، وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير ٨/ ٣١٣ ح ٨١٦٧، والمقدسي ٨/ ١٢٤ ح ١٤٠. ـ وأبو الأحوص سلام بن سليم، وحديثه عند أبي داود السنن ١/ ٣٢٢ ح ٤٧٨، والطبراني المعجم الكبير ٨/ ٣١٣ ح ٨١٦٨. ـ وعبيدة بن حميد، وحديثه عند أحمد المسند ٤٥/ ١٩٨ ح ٢٧٢٢٣. ـ ومفضل بن مهلهل، وحديثه البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٥١٦. ـ وعيلان بن جامع المحاربي، وحديثه عند الطبراني المعجم الأوسط ٣/ ٣٢٩ ح ٣٣٠٧، والمقدسي ٨/ ١٢٢ ح ١٣٥.
(٣) لم أقف على ترجمته.
(٤) المجمجمة تغيير الكتاب وإفساده عما كتب. ويقال: مجمج خطه خلّطه، وخط مجمج لسان العرب ٢/ ٣٦٢، أساس البلاغة ص ٤٢٠، فالمعنى أي ضرب عليه.
[ ٢ / ٨٩٦ ]
هذا الحديث؟ فقال: أخاف أن يكون غلطًا على رسول الله ﷺ، وذلك أن سفيان قد حدّث عن منصور، عن إبراهيم أنه كان إذا سجد جافى بين جنبيه. فقال له أبو زرعة: يا أبا عبد الله الحديث صحيح، فنظر إليه، فقال أبو زرعة: حدثنا أبو عبد الله البخاري محمد بن إسماعيل، حدثنا رضوان البخاري، قال: حدثنا فضيل بن عِياض، عن منصور، عن سالم، عن جابر: أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد جافى بين جنبيه. وحدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف الصنعاني، أخبرنا معمر، عن منصور، عن سالم، عن جابر: أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد جافى بين جنبيه. فقال أحمد: هات القلم إلي، فكتب: صح، صح، صح ثلاث مرات" (^١).
ففي هذه المذاكرة بين الإمام أحمد والإمام أبي زرعة الرازي كان الإمام أحمد ينكر حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر: "أن النبي ﷺ كان إذا سجد جافى حتى يُرى بياضُ إبطيْه" (^٢)، لمخالفة الثوري له، حيث رواه عن منصور، عن إبراهيم فعله (^٣). وذلك أن الثوري أحفظ من معمر في منصور، فقد قيل في معمر: كأنه ليس بالقوي في منصور (^٤).
ثم رجع الإمام أحمد عن إنكاره لهذا الحديث لما ذكر له متابعة فُضيل بن عياض له عن منصور، وصحح الحديث، وكلٌ من معمر، وفضيل بن عياض لا يقارن بسفيان الثوري في الحفظ، لكن لما اجتمعا قدم قولهما على قول الثوري. ففي هذا
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٠/ ٣٢٦.
(٢) أخرجه عبد الرزاق المصنف ٢/ ١٦٨ ح ٢٩٢٢، ومن طريقه أحمد المسند ٢٢/ ٤٣ ح ١٤١٣٨، وابن خزيمة ١/ ٣٢٦ ح ٦٤٩، وابن المنذر الأوسط ٣/ ١٧١ ح ١٤٤٤، والبيهقي ٢/ ١١٥. وذكر سالم أبي الجعد مثبت، مما يدل على أن سقوطه في صدر رواية الخطيب سقط من الناسخ.
(٣) أخرجه عبد الرزاق عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم: حُدِّثتُ أن رسول الله ﷺ كان يُرى بياض إبطه إذا سجد المصنف ٢/ ١٧٠ ح ٢٩٢٦.
(٤) نقله ابن رجب شرح علل الترمذي ٢/ ٧٢١.
[ ٢ / ٨٩٧ ]
تقديم لرواية الأكثر عددًا على الأحفظ.
ومن الأمثلة على هذه الصورة أيضًا:
٥. قال أبو زرعة الرازي: "سمعت أحمد بن حنبل ﵀ يقول: حديث أبي الأحوص، عن سِماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بردة خطأ الإسناد والكلام، فأما الإسناد فإن شريكًا، وأيوب، ومحمد ابني جابر رووه عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بُريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ كما رواه الناس فانتبذوا في كل وِعاء، ولا تشربوا مسكرًا. قال أبو زرعة: كذا أقول، هذا خطأ، أما الصحيح حديث ابن بريدة، عن أبيه" (^١).
وقال النسائي: قال أحمد بن حنبل: كان أبو الأحوص يخطئ في هذا الحديث، خالفه شريك في إسناده وفي لفظه (^٢).
حديث أبي الأحوص أخرجه النسائي (^٣)، عن هناد بن السري، عن أبي الأحوص، عن سماك بن حرب، عن القاسم بن عبد الرحمن المسعودي، عن أبيه، عن أبي بُردة بن نيار البلوي (^٤) قال: قال رسول الله ﷺ: "اشربوا في الظروف، ولا تَسكَروا". وأخرجه ابن أبي شيبة (^٥)، والطبراني (^٦) بمثل هذا اللفظ. وأخرجه أبو داود الطيالسي (^٧) بلفظ: "اشربوا، ولا تسكروا". وأخرجه الدارقطني (^٨) بلفظ:
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٢٥.
(٢) السنن الكبرى ٣/ ٢٣٢.
(٣) السنن ٨/ ٣١٩ ح ٥٦٩٣، السنن الكبرى ٣/ ٢٣١ ح ٥١٨٧.
(٤) وهو صحابي، وليس بأبي بردة بن أبي موسى الأشعري، فذاك تابعي انظر: تهذيب الكمال ٣٣/ ٧١.
(٥) المصنف ٥/ ٨٥ ح ٢٣٩٤٠.
(٦) المعجم الكبير ٢٢/ ١٩٨ ح ٥٢٢.
(٧) مسند الطيالسي ١٩٥ ح ١٣٦٩، ومن طريق البيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٢٩٨.
(٨) السنن ٤/ ٢٥٩.
[ ٢ / ٨٩٨ ]
"اشربوا في المرفّت، ولا تسكروا" وأخرجه الطحاوي (^١) بلفظ: "إني كنت نهيتكم عن الشرب في الأوعية، فاشربوا فيما بدا لكم ولا تسكروا". ولم يختلفوا في الإسناد.
وذكر الإمام أحمد أن أبا الأحوص سلاّم بن سُليم أخطأ في الإسناد والمتن في هذه الرواية، وخالف عددًا من الرواة عن سماك، وذكر منهم: شريك بن عبد الله القاضي، ومحمد وأيوب ابني جابر اليماميان.
أما رواية شريك فأخرجها النسائي (^٢) من طريق يزيد بن هارون، عن شريك، عن سماك بن حرب، عن ابن بريدة، عن أبيه أن رسول الله ﷺ "نهى عن الدُّبَّاء، والحَنتَم، والنَّقِير، والمُزَفَّت" ثم قال: "إني كنت نهيتكم عن الظروف فانتبذوا فيما بدا لكم، واجتنوا كل مسكر". وهكذا رواه ابن عبد البر من وجه آخر عن يزيد بن هارون (^٣). فأسقط القاسم بن عبد الرحمن، وجعله من مسند بريدة بن الحُصيب.
ورواه إسحاق الأزرق عن شريك، فقال: عن سماك، عن القاسم بن مخيمرة، عن ابن بريدة، عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن الأوعية فانتبذوا فيه واجتنبوا كل مسكر"، أخرجه ابن ماجه (^٤).
وأما الرواية التي ذكرها الإمام أحمد عن شريك، عن سماك، عن القاسم ابن عبد الرحمن، عن ابن بُريدة، عن أبيه، فلم أقف عليها. والاختلاف في الروايتين السابقتين محمول على سوء حفظ شريك.
_________________
(١) شرح معاني الآثار ٤/ ٢٢٨.
(٢) السنن ٨/ ٣١٩ ح ٥٦٩٤، والسنن الكبرى ٣/ ٢٣١ ح ٥١٨٨.
(٣) التمهيد ٣/ ٢٢٧، وزاد في اللفظ ذكر النهي عن زيارة القبور، وعن ادخار لحوم الأضاحي فوق الثلاث.
(٤) السنن ٢/ ١١٢٧ ح ٣٤٠٥.
[ ٢ / ٨٩٩ ]
وحديث محمد بن جابر رواه الطبراني (^١)، والدارقطني (^٢) من طريقه عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بريدة، عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "كنا نهيناكم عن الشرب في الأوعية، فاشربوا في أي سِقاء شئتم ولا تشربوا مسكرًا". هذه رواية أحمد بن إبراهيم القوهستاني عن يحيى بن يحيى النيسابوري، عن محمد بن جابر. وقال الدارقطني: هذا هو الصواب. وقال إسحاق السراج عن يحيى النيساري (^٣)، ولوين (^٤)، كلاهما عن ابن جابر: "ولا تسكروا".
وأما حديث أيوب بن جابر، فرواه أحمد (^٥)، والعقيلي (^٦) من طريقه، عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: خرجت مع النبي ﷺ حتى إذا كنا بوَدَّان قال: "مكانكم حتى آتيكم"، ثم جاءنا وهو ثقيل، فقال: "إني أتيتُ قبر أم محمد فسألت ربي الشفاعة فمنعنيها، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونيهيتكم عن لُحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام، فكلوا وأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن هذه الأشربة في هذه الأوعية فاشربوا فيما بدا لكم". ولفظ العقيلي: "اشربوا فيما بدا لكم ولا تسكروا". وكأن الإمام أحمد أسقط اللفظة الأخيرة من روايته لنكارتها، فإنها هي سبب إنكاره لمتن حديث أبي الأحوص. وهي تدل على أن الخطأ في المتن كان من سماك، وليس من أبي الأحوص (^٧).
ووجه المخالفة في الإسناد أن أبا الأحوص رواه عن سماك فجعله من حديث
_________________
(١) المعجم الأوسط ٣/ ٢١٩ ح ٢٩٦٦.
(٢) السنن ٤/ ٢٥٩.
(٣) وروايته عند الطبراني.
(٤) وروايته عند الدارقطني.
(٥) المسند ٣٨/ ١٢٤ ح ٢٣٠١٧.
(٦) الضعفاء ١/ ١٣٠.
(٧) وهذا ما ذهب إليه أبو داود كما في بعض نسخ مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٨٦.
[ ٢ / ٩٠٠ ]
أبي بردة بن نيار؛ ورواه من طريق القاسم بن عبد الرحمن المسعودي، عن أبيه عن أبي بردة. والباقون رووه عنه، عن القاسم، عن ابن بريدة، عن بريدة بن الحُصيب.
وأما في المتن فقال أبو الأحوص: "ولا تسكروا"، وأما الباقون - على اختلاف بينهم - فقالوا: "ولا تشربوا مسكرًا"، أو "واجتنبوا كل مسكر"، وهما بمعنى. فرواية أبي الأحوص لا تدل على النهي من شرب المسكر، إنما تدل على النهي عن الإسكار، بخلاف رواية الباقين. ولذلك جاء في رواية أبي داود عن أحمد: "ومرَّ فيه، فاحتج به أصحاب الأشربة، وإنما الحديث حديث ابن بريدة" (^١).
فقد اعتمد الإمام أحمد رواية هؤلاء لرد وتخطئة رواية أبي الأحوص، مع أن كل واحد منهم على الانفراد دونه في الحفظ. قال الإمام أحمد في أبي الأحوص: ليس به بأس (^٢). وقال في موضع آخر: هو وجرير الضبي متقاربان في الحديث وهما ثقتان (^٣). وقال عبد الله: كان أبي إذا رضي عن إنسان، وكان عنده ثقة حدث عنه وهو حي، فحدثنا عن … وأبي الأحوص وهو حي (^٤) وقال ابن مهدي: أبو الأحوص أثبت من شريك (^٥).
وقال في شريك القاضي: كان صدوقًا عاقلًا محدثًا عندي، فقيل له: يحتج به؟ قال: لا تسألني عن رأي في هذا (^٦). وقال أيضًا: ليس على شريك قياس، كان يحدث الحديث بالتوهم (^٧).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٨٥ رقم ١٨٥٩.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٧٩ رقم ٣١٤٨.
(٣) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢١٥ رقم ٢١٧٥.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٢٣٨ رقم ٣١٠.
(٥) التاريخ الكبير ٤/ ١٣٥.
(٦) الضعفاء للعقيلي ٢/ ٥٧٤.
(٧) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٦٨.
[ ٢ / ٩٠١ ]
وقد تقدم قوله في محمد بن جابر وأنه ليس بالقوي، وأنه ربما ألحق في كتابه (^١). وأما أخوه أيوب بن جابر، فقال فيه الإمام أحمد: ليس به بأس، وقال: ضعُف أمره في آخر أمره، كان ذهب بصرُه (^٢). وقال أيضًا: حديثه يشبه حديث أهل الصدق (^٣).
وتابع الإمامَ أحمد على إنكار هذا الحديث الإمام أبو زرعة الرازي كما تقدم، وكذلك الإمام النسائي، قال: "هذا حديث منكر، غلط فيه أبو الأحوص سلام ابن سُليم، لا نعلم أحدًا تابعه عليه من أصحاب سماك، وسماك ليس بالقوي وكان يقبل التلقين" (^٤). وأما أبو داود فجعل الخطأ في الإسناد من أبي الأحوص، وفي المتن من سماك (^٥).
وحديث بريدة مشهور من طرق صحاح عن النبي ﷺ أنه قال: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرًا". أخرجه مسلم (^٦) وغيره.
وكذلك إذا كانت المخالفة من جماعة من الرواة لمن هم أكثر منهم عددًا، وكان كلا الجانبين موصوفًا بالحفظ، فالإمام أحمد أيضًا يقدم جانب الكثرة، ولا يعتبر مخالفة الأقلين علة في رواية الأكثرين، ومن أمثلة ذلك:
قال أبو بكر الأثرم: "قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل ﵀ الذي يصح في هذا الحديث، حديث كُريب، مرسل؟ أو عن ابن عباس؟ فقال: هو عن
_________________
(١) انظر: ص ٥٣٥.
(٢) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٣٥٧ رقم ٥٥٦.
(٣) الجرح والتعديل ٢/ ٢٤٣.
(٤) السنن الكبرى ٣/ ٢٣٣.
(٥) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٨٥ - ٣٨٦.
(٦) صحيح مسلم ٢/ ٦٧٢، ٣/ ١٥٦٣.
[ ٢ / ٩٠٢ ]
ابن عباس صحيح. قيل لأبي عبد الله: إن الثوري ومالكًا يرسلانه، فقال: معمر، وابن عيينة، وغيرهما قد أسندوه" (^١).
والمقصود بحديث كُريب هو حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ لقِي ركْبًا بالرَّوْحاء، فقال: "من القومُ"؟ قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: رسول الله، فرفعتْ إليه امرأةٌ صبيًا فقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر".
والاختلاف في وصله وإرساله وقع على إبراهيم بن عقبة راويه عن كريب.
فرواه مرسلًا: مالك (^٢)، والثوري (^٣)، وزهير ابن معاوية (^٤)، وموسى ابن عقبة (^٥).
_________________
(١) التمهيد ١/ ١٠٣.
(٢) قال ابن عبد البر: هذا الحديث مرسل عند أكثر الرواة للموطأ التمهيد ١/ ٩٥. وهو في الموطأ - رواية الليثي ١/ ٤٢٢ - موصول، وكذلك رواية أبي مصعب ١/ ٤٨٨ ح ١٢٥٦. قال ابن عبد البر: وقد أسنده عن مالك ابن وهب، والشافعي، ومحمد بن خالد بن أبي عثمة، وأبو مصعب، وعبد الله بن يوسف، فقالوا فيه عن مالك، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس … وكذلك رواه سحنون، والحارث بن مسكين، وأحمد بن عمرو ابن السرح، وسليمان بن داود التمهيد، الموضع نفسه.
(٣) أخرج روايته مسلم ٢/ ٩٧٤ ح ١٣٣٦ من طريق ابن مهدي، وكذلك أحمد المسند ٥/ ٢٧٢ ح ٣١٩٦. ورواه وكيع عن الثوري، عن إبراهيم بن عقبة، ومحمد بن عقبة، عن كريب مرسلًا. أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٥٤ ح ١٤٨٧٢. وذكر ابن عبد البر أن القطان رواه عن الثوري، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب مرسلًا، وعن الثوري، عن محمد بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس مسندًا التمهيد ١/ ٩٩ - ١٠٠، ١٠٣. ورواه مسندًا عن الثوري، عن إبراهيم، عن كريب، عن ابن عباس أبو نعيم. أخرج حديثه النسائي السنن ٥/ ١٢١ ح ٢٦٤٨، والسنن الكبرى ٢/ ٣٢٦ ح ٣٦٢٨، والبيهقي السنن الكبرى ٥/ ١٥٥، وأحمد مقرونًا بأبي أحمد الزبيري المسند ٥/ ٢٧٥ ح ٣٢٠٢.
(٤) ذكره البخاري تعليقًا التاريخ الكبير ١/ ١٩٨.
(٥) وهي رواية ابن جريج عنه كما علقه البخاري الموضع نفسه. ورواه عبد الرحمن بن إسحاق، عنه مسندًا. أخرجه الطبراني المعجم الكبير ١١/ ٤١٦ ح ١٢١٨٣.
[ ٢ / ٩٠٣ ]
ورواه مسندًا: معمر (^١)، وابن عيينة (^٢)، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون (^٣)، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة (^٤)، وعبد الله بن المبارك (^٥). ورواه بعض الرواة عن مالك، والثوري، وموسى بن عقبة (^٦).
فرجح الإمام أحمد رواية الوصل لكثرة عدد رواتها حيث قال: معمر، وابن عيينة وغيرهما قد أسندوه.
قال ابن عبد البر: والحديث صحيح مسند ثابت الاتصال، لا يضره تقصير من قصر به، لأن الذين أسندوه حفاظ ثقات (^٧).
وأما الإمام يحيى بن معين فرجح الرواية المرسلة؛ قال: إنما يرويه الناس مرسلًا عن كريب (^٨).
وقال الإمام البخاري: "أخشى أن يكون هذا الحديث مرسلًا في الأصل، قال أبو ظبيان، وأبو السفر عن ابن عباس: "أيما صبي حج ثم أدرك فعليه الحج"، وهذا المعروف عن ابن عباس" (^٩)، فكأنه يرى أن قول ابن عباس هذا معارض
_________________
(١) أخرج حديثه أحمد المسند ٣/ ٣٨٥ ح ١٨٩٩، وابن عبد البر التمهيد ١/ ١٠١.
(٢) أخرج حديثه مسلم صحيح ٢/ ٩٧٤ ح ١٣٣٦، وأبو داود ح ١٧٣٦، والنسائي ٥/ ١٢١ ح ٢٦٤٨، والسنن الكبرى ٢/ ٣٢٦ ح ٣٦٢٨، والحميدي مسنده ١/ ٢٣٤ ح ٥٠٤، وأحمد المسند ٣/ ٣٨٤ ح ١٨٩٨، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ٤/ ٣٤٩ ح ٣٠٤٩، وابن حبان الإحسان ٩/ ١٠٧ ح ٣٧٩٨، والطحاوي شرح معاني الآثار ٢/ ٢٥٦. ولم يختلف عنه.
(٣) أخرج حديثه أحمد المسند ٤/ ٧١ ح ٢١٨٧، والبيهقي السنن الكبرى ٥/ ١٥٥.
(٤) أخرج حديثه الطبراني المعجم الكبير ١١/ ٤١٤ ح ١٢١٧٧، والبيهقي السنن الكبرى ٥/ ١٥٥.
(٥) علقه البخاري في التاريخ الكبير ١/ ١٩٨.
(٦) أشرت إلى من قال ذلك عنهم.
(٧) التمهيد ١/ ١٠٠.
(٨) التاريخ - برواية الدوري ٣/ ١٤١ ح ٥٩٤.
(٩) التاريخ الكبير ١/ ١٩٩.
[ ٢ / ٩٠٤ ]
لحديثه الذي رواه، فلو أن الحديث عنده لما قال هذا القول، وهو قول ثابت عنه.
والذي يؤيد ما ذهب إليه الإمام أحمد أن من روى الحديث مرسلًا، قد روي عنه مسندًا أيضًا (^١)، مما يدل على أنهم لما أرسلوه قصّروا به وهو عندهم مسند ثابت الاتصال، والعلم عند الله.
والشاهد أن الإمام أحمد رجح بالكثرة في مسألة كلا الجانبين فيها موصوف بالحفظ، ففي الجانب الأول: مالك، والثوري، وفي الجانب الثاني: معمر، وابن عيينة وغيرهما.
ومن ترجيح الإمام أحمد لرواية الجماعة على الواحد بإطلاق:
قال ابن هانئ: "وحديث سليمان بن بلال حديث أبي وجزة، عن رجل من بني مزينة، عن عمر بن أبي سلمة: دعاني النبي ﷺ فقال: "كل مما يليك"، ليس هو عن رجل، إنما هو عن أبي وجزة، عن عمر، حدثني به ثلاثة لا يقولون فيه: عن رجل" (^٢).
رد الإمام أحمد على رواية من قال: عن سليمان بن بلال، عن أبي وجزة، عن رجل من بني مزينة، عن عمر بن أبي سلمة، ردها بأن جماعة رووه عن سليمان بن بلال، عن أبي وجزة، عن عمر بن أبي سلمة، ليس فيه: عن رجل. وهؤلاء الثلاثة هم: أبو سعيد مولى بني هاشم (^٣)، وموسى بن داود (^٤)، ومنصور بن سلمة الخزاعي (^٥).
_________________
(١) إلا زهير بن معاوية، فلم أقف على روايته إلا ما ذكره البخاري عنه تعليقًا بالإرسال قولًا واحدًا.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٤٨ رقم ٢٣٩٠.
(٣) حديثه عند أحمد المسند ٢٦/ ٢٥٦ ح ١٦٣٣٨.
(٤) حديثه عند أحمد المسند ٢٦/ ٢٥٧ ح ١٦٣٣٩، وابن عبد البر التمهيد ٢٣/ ١٧.
(٥) وحديثه عند أحمد المسند ٢٦/ ٢٥٧ ح ١٦٣٤٠/ ١.
[ ٢ / ٩٠٥ ]
ولم أقف على من رواه عن سليمان بن بلال بذكر رجل من مزينة.
وإنما رواه من هذا الوجه هشام بن عروة، وإبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، روياه عن أبي وجزة يزيد بن عبيد (^١)، عن رجل من مزينة، عن عمر بن أبي سلمة. أخرجه أحمد عن وكيع، عنهما به (^٢). وأخرجه الطبراني من حديث كل واحد منها على حدة (^٣). ورواه أبو معاوية عن هشام، فقال: عن أبي وجزة، عن رجل من بني سعد، عن رجل من مزينة، عن عمر بن أبي سلمة (^٤). وأبو معاوية في أحاديثه عن هشام بن عروة اضطراب (^٥).
وفي هذا الإعلال تقديم رواية الجماعة على الواحد.
فيكاد الأمر عند الإمام أحمد يطرد أنه لا يعتد برواية من خالف جمعًا من الرواة وإن كان حافظًا، مما يدل على أنه كان يعطي اعتبارًا كبيرًا لتعدد الرواة في الرواية، ووجه ذلك أن الجماعة أولى بالحفظ من واحد. وهذا أيضًا يعكس منهجه من رد أفراد الرواة حتى الثقات منهم إذا لم يكونوا من الحفاظ المتقنين، وحتى إنه في بعض الأحيان يتهيب من قبول أفراد الحفاظ المتقنين كما تقدم.
وإذا وقعت المخالفة من الراوي لجماعة من الروة، وكانوا مع تعددهم أكثر حفظًا منه، فحديثه أولى بالإنكار من غيره، خاصة إذا كان سيء الحفظ، ومثال ذلك:
قال المرُّوذي: "ونظر - أي الإمام أحمد - في حديث عِسل بن سفيان، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قال: النبي ﷺ: "ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن"، فقال:
_________________
(١) أبو وجزة يزيد بن عبيد السعدي المدني. وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا بأس به، صاحب قرآن الجرح والتعديل ٩/ ٢٧٩.
(٢) المسند ٢٦/ ٢٥٠ ح ١٦٣٣٠.
(٣) المعجم الكبير ٩/ ٢٦ ح ٨٢٩٨، ٩/ ٢٧ ح ٨٣٠١.
(٤) أخرجه أحمد المسند ٢٦/ ٢٥١ ح ١٦٣٣١.
(٥) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٨٠.
[ ٢ / ٩٠٦ ]
ليس من هذا شيء، من قال: عن عائشة فقد أخطأ، وضعف عِسل بن سفيان. وسألته عن حديث إسماعيل بن رافع قال: حدثني ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمن ابن السائب، فنفض يده، وقال: ليس من هذا شيء وضعفه" (^١).
حديث عائشة رواه أبو يعلى (^٢)، والحاكم (^٣)، من طريق الحارث بن مرّة (^٤)، والبخاري (^٥)، وابن عدي (^٦) من طريق شعبة كلاهما عن عسل بن سفيان به.
وأما رواية إسماعيل بن رافع، فرواه ابن ماجه (^٧)، وأبو يعلى (^٨)، والشاشي (^٩)، والبيهقي (^١٠) من طرق عنه، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمن ابن السائب، عن سعد بن أبي وقاص سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن هذا القرآن نزل بحُزن فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به، فمن لم يتغن به فليس منا".
وقد جزم الإمام أحمد بأن الرواية بذكر عائشة خطأ، وأن عسل بن سفيان الذي قال ذلك في روايته ضعيف، ويشير ﵀ إلى أن غيره قد رواه ولم يذكر عائشة، وأن تلك الرواية هي المرجَّحة، وهو كذلك، فقد رواه ابن جريج، وعمرو ابن دنيار عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقاص.
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٤٣ - ١٤٤ رقم ٢٥٦، ٢٥٧.
(٢) مسند أبي يعلى ٨/ ١٩٥ ح ٤٧٥٥.
(٣) المستدرك ١/ ٥٧٠.
(٤) وثقه أبو ابن معين، وعنه: ليس به بأس، وكذلك قال أبو داود، والنسائي. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه تهذيب التهذيب ٢/ ١٥٦.
(٥) التاريخ الكبير ٥/ ٤٠١.
(٦) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ٢٠١٢.
(٧) السنن ١/ ٤٢٤ ح ١٣٣٧.
(٨) المسند ٢/ ٥٠ ح ٦٨٩.
(٩) مسند الشاشي ١/ ٢٢٣ ح ١٨٤.
(١٠) السنن الكبرى ١٠/ ٢٣١.
[ ٢ / ٩٠٧ ]
أما رواية ابن جريج فأخرجها الحميدي (^١)، والحاكم (^٢)؛ ورواية عمرو ابن دينار أخرجها أبو داود (^٣)، وعبد الرزاق (^٤)، والحميدي (^٥)، وأحمد (^٦)، وابن أبي شيبة (^٧)، والدارمي (^٨)، والبزار (^٩)، والحاكم (^١٠)، والبيهقي (^١١)، وذكر البخاري الروايتين تعليقًا (^١٢).
وتابعهما غير واحد منهم: سعيد بن حسان المخزومي المكي (^١٣)، وحسام ابن مِصَكّ (^١٤)، والليث بن سعد، لكن اختلف عليه فيه: هل هو عن عبيد الله ابن أبي نهيك، أو عن عبد الله بن أبي نهيك، وهل هو عن سعيد بن أبي سعيد،
_________________
(١) المسند ١/ ٤١ ح ٧٧.
(٢) المستدرك ١/ ٥٦٩.
(٣) السنن ٢/ ١٥٦ ح ١٤٧٠.
(٤) المصنف ٢/ ٤٨٣ ح ٤١٧١.
(٥) مسند الحميدي ١/ ٤١ ح ٧٦.
(٦) المسند ٣/ ٩٩ ح ١٥١٢.
(٧) المصنف ٢/ ١٥٧ ح ٨٧٣٨.
(٨) سنن الدارمي ١/ ٣٤٩.
(٩) مسند البزار ٤/ ٦٨ ح ١٢٣٤.
(١٠) المستدرك ١/ ٥٦٩.
(١١) السنن الكبرى ١٠/ ٢٣٠.
(١٢) التاريخ الكبير ٥/ ٤٠١.
(١٣) وثقه ابن معين، وأبو داود، والنسائي وغيرهم تهذيب التهذيب ٤/ ١٦. وأخرج حديثه الطيالسي ص ٢٨ ح ٢٠١، وأحمد المسند ٣/ ٧٤ ح ١٤٧٦، وابن أبي شيبة المصنف ٢/ ٢٥٧ ح ٨٧٣٩.
(١٤) قال أحمد: مطروح الحديث، وضعفه غير واحد، وقال أبو حاتم: ليس بقوي يكتب حديثه. قال الحافظ ابن حجر: ضعيف، يكاد يترك الجرح والتعديل ٣/ ٣١٧، تهذيب الكمال ٦/ ٧، تقريب التهذيب ١٢٠٣. وحديثه في مسند الشهاب ٢/ ٢٠٧ ح ١١٩٦.
[ ٢ / ٩٠٨ ]
أو عن سعد. أشار إلى هذا الاختلاف أبو داود (^١)، والدراقطني (^٢)، والقضاعي (^٣). وذكر الدارقطني أن رواية الغرباء عن الليث، جاءت على الصواب، أي بموافقة رواية ابن جريج، وعمرو.
فاجتماع هؤلاء على رواية الحديث على هذا الوجه عن ابن أبي مليكة، عن ابن أبي نهيك، عن سعد، يقضي بخطأ رواية عِسل بن سفيان، لما لدى رواته من مزيد الضبط والكثرة. فعِسل بن سفيان قد ذكر الإمام أحمد ضعفه. وقال في رواية عبد الله: ليس هو عندي بقوي في الحديث (^٤)، وهو متفق على ضعفه عند بقية الأئمة (^٥). فلا يقارن بواحد من الذين خالفوه لو انفرد، فكيف وقد اجتمعوا.
ومثل هذا يقال في رواية إسماعيل بن رافع التي ضعفها الإمام أحمد أيضًا، فقد ضعفه إسماعيل بن رافع أيضًا، وقال في رواية حنبل: منكر الحديث (^٦)، وهو أيضًا متفق على ضعفه عند بقية الأئمة (^٧).
وقد وافق الإمامَ أحمدَ الإمامُ البخاري على تخطئة الرواية التي ذكرت عائشة (^٨)، وقال رواية عمرو وابن جريج هي الأصح.
_________________
(١) السنن ٢/ ١٥٦.
(٢) علل الدارقطني ٤/ ٣٨٩.
(٣) مسند الشهاب ٢/ ٢٠٧.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٦٦ رقم ٢٦٢٦.
(٥) انظر: تهذيب الكمال ٢٠/ ٥٣.
(٦) تهذيب الكمال ٣/ ٨٧.
(٧) إلا ما نقله الترمذي عن البخاري أنه وثقه وقال: هو مقارب الحديث، ورده الذهبي عليه انظر: تهذيب الكمال ٣/ ٨٨، ميزان الاعتدال ١/ ٢٢٧.
(٨) التاريخ الكبير ٥/ ٤٠١، وهناك وجه آخر لرواية الحديث عن ابن أبي مليكة ذكره البخاري في هذا الموضع وخطأه، وهو رواية عبيد الله بن الأخنس، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس به.
[ ٢ / ٩٠٩ ]
ومثال آخر:
قال أبو داود: "قلت لأحمد: عامر الأحول؟ قال: شيخ قد احتمله الناس، وليس حديثه بذاك، روى حديث عطاء، عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ توضأَ ثلاثًا ثلاثًا"، وإنما يرويه عطاء، عن عثمان" (^١).
حديث عامر الأحول أخرجه أحمد (^٢)، والطحاوي (^٣)، والطبراني (^٤) كلهم من طريق همام، عن عامر الأحول، عن عطاء، عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ توضأ فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه ثلاثًا، ومسح برأسه ووضّأ قدميه".
فخالفه ابن جريج، وحجاج بن أرطأة، فروياه عن عطاء، عن عثمان. أخرجه أحمد (^٥) من حديث ابن جُريج عقب حديث عامر الأحول إشارة إلى أنه معلول. وأخرجه ابن أبي شيبة (^٦)، والبخاري (^٧)، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائده على المسند (^٨) من حديث حجاج بن أرطأة؛ وأخرجه ابن ماجه (^٩) مقتصرًا على ذكر مسح الرأس.
ورواه عبد الرزاق (^١٠)، عن ابن جريج: أخبرني عطاء أنه بلغه عن عثمان
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠٦ رقم ١٩١٢.
(٢) المسند ١٤/ ٤١ ح ٨٥٧٧.
(٣) شرح معاني الآثار ١/ ٣٦.
(٤) المعجم الأوسط ٦/ ٩٧ ح ٥٩١٢.
(٥) المسند ١٤/ ٢٤٢ ح ٨٥٧٨.
(٦) المصنف ١/ ١٧ ح ٦٥.
(٧) التاريخ الكبير ٦/ ٤٥٦.
(٨) المسند ١/ ٥١٤ ح ٤٧٢، ١/ ٥٤٤ ح ٥٢٧.
(٩) السنن ١/ ١٥٠ ح ٤٣٥.
(١٠) المصنف ١/ ٤٠ ح ١٢٤.
[ ٢ / ٩١٠ ]
ابن عفان. قال أبو زرعة عن هذه الرواية، وهو الصحيح عندنا (^١) وهو كذلك لأن عطاء عن عثمان مرسل، قاله أبو زرعة وأبو حاتم (^٢).
فقد خالف عامر الأحول اثنين من أصحاب عطاء، فأشار الإمام أحمد إلى أنه أخطأ لمخالفة المعروف عن عطاء، وهو متكلم فيه وخالف من هم أحفظ منه وأكثر عددًا. قال الإمام أحمد عنه: ليس بالقوي، ضعيف الحديث (^٣).
متى يحكم بصحة الوجهين المختلفين؟
وقد تأتي روايتان على وجهين مختلفين ثم يحكم الإمام أحمد بصحة الوجهين لقرينة مرجحة لذلك، كأن تأتي رواية أخرى بذكر الوجهين معًا. ومثال ذلك:
قال أبو داود: "قلت لأحمد: حديث أبي السائب مولى هشام بن زُهرة؟ قال: قد جمعهما بعضُهم، فأرجو أن يكون كلا الحديثين صحيحًا - يعني حديث مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب مولى هشام بن زُهرة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: "أيما صلاة لم يُقرأْ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِداج"، ومن قال: عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة. قال أبو داود: رواه أبو أُويس، وسليمان بن بلال من رواية شيخ من أهل البصرة عنه، وابن ثوبان، عن ابن عجلان كلهم قالوا: عن العلاء، عن أبيه، وأبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة" (^٤).
حديث أبي هريرة المذكور في هذا السؤال اختلف فيه على العلاء بن عبد الرحمن ابن يعقوب مولى الحرقة:
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم ١/ ٦٣ ح ١٦٤.
(٢) المراسيل لابن أبي حاتم ٥٦٩، ٥٧٠.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٨٣ رقم ١٩٣٧.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٢٩ رقم ١٩٨٦.
[ ٢ / ٩١١ ]
فقال مالك (^١)، ومحمد بن عجلان (^٢)، ومحمد بن إسحاق (^٣)، وورقاء ابن عمر (^٤)، والوليد بن كثير (^٥)، وكذلك يحيى بن سعيد الأنصاري، وعُمارة ابن غَزيّة (^٦): كلهم قالوا: عن العلاء، عن أبي السائب مولى هشام بن زُهرة (^٧)، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلّى صلاةً لم يَقرأْ فيها بأُمِّ القرآن فهي خِدَاجٌ، هي خِدَاجٌ غيرُ تمام". قال: فقلت: يا أبا هريرة إني أحيانًا أكون وراءَ الإِمامِ. قال: فغَمَزَ ذِراعي ثم قال: اقرأْ بها في نفسك يا فارسيّ، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "قال الله ﵎: قَسَمتُ الصَّلاةَ بيني وبين عبدي نصفيْن فنصفُها لي ونصفُها لعبدي، ولعبدي ما سأل". قال رسول الله ﷺ: "اقرؤا، يقول العبد: الحمدُ لله ربِّ العالمين، يقول الله ﵎: حَمَدني عبدي، ويقول العبد: الرَّحمنِ الرَّحيم، يقول الله: أثني عليّ عبدي. ويقول العبد: مالكِ يومِ الدِّين، يقول الله: مَجَّدني عبدي، يقول العبد: إيّاك نعبدُ وإيّاك نستعين، فهذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، يقول العبد: اهدنا الصِّراطَ المستقيمَ صراطَ الَّذين أنعمتَ
_________________
(١) وحديثه في الموطأ ١/ ٨٤، وأخرجه من طريقه مسلم ١/ ٢٩٦ (٣٩)، وأبو داود ح ٨٢١، والنسائي السنن ٢/ ١٣٥ ح ٩٠٨، السنن الكبرى ١/ ٣١٦ ح ٩١٨، وعبد الرزاق المصنف ٢/ ١٢٨ ح ٢٧٦٨، وأحمد المسند ١٦/ ٢٥ ح ٩٩٣٢، وابن خزيمة ١/ ٢٥٢ ح ٥٠٢، وابن حبان ٥/ ٨٤ ح ١٧٨٤، ومسند أبي عوانة ١/ ٤٥٢ ح ١٦٧٣، والبيهقي السنن الكبرى ٢/ ٣٨، وفي كتاب القراءة خلف الإمام ص ٣٠ ح ٥٢.
(٢) وحديثه عند البيهقي القراءة خلف الإمام ص ٣٣ ح ٥٦.
(٣) أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ٢١ - ٢٢ ح ٧٣، وأحمد المسند ١٣/ ٢٣٣ ح ٧٨٣٨، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص ٣٤ ح ٥٧، ٥٨.
(٤) وحديثه عند أبي داود الطيالسي مسند الطيالسي ص ٣٣٤ ح ٢٥٦١، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص ٣٤ ح ٥٩.
(٥) وحديثه عند البيهقي السنن الكبرى ٢/ ١٦٦، القراءة خلف الإمام ص ٣٢ ح ٥٤.
(٦) على ما ذكره الدارقطني في العلل ٩/ ٢١ عن الاثنين.
(٧) قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة مقبول النقل تهذيب التهذيب ١٢/ ١٠٤. ووثقه الذهبي، وابن حجر أيضًا الكاشف ٦٦٣٦، تقريب التهذيب ٨١٧٤.
[ ٢ / ٩١٢ ]
عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالّين، فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل".
وقال سفيان بن عيينة (^١)، وسعد بن سعيد الأنصاري (^٢)، وشعبة (^٣)، وإسماعيل بن جعفر (^٤)، وروح بن القاسم (^٥)، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي (^٦)، وعبد العزيز بن أبي حازم (^٧)، وأبو غسان محمد بن مطرف (^٨)، وإبراهيم بن طهمان (^٩)، وزهير بن محمد العنبري (^١٠)، وعبد الله بن جعفر بن نجيح (^١١)، وعبد الحميد
_________________
(١) أخرج حديثه مسلم الموضع نفسه ح ٣٨، والنسائي السنن الكبرى ٥/ ١٢ ح ٨٠١٣، والبخاري جزء القراءة خلف الإمام ٢٠ - ٢١ ح ٧١، وأحمد المسند ١٢/ ٢٣٩ ح ٧٢٩١، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص ٣٥ - ٣٦ ح ٦٣، ٦٤، ٦٥.
(٢) وحديثه عند ابن حبان الإحسان ٥/ ٩٠ ح ١٧٨٨ مختصرًا على قوله: فهي خداج.
(٣) وحديثه جاء من طرق، وهو عند أحمد المسند ١٦/ ٥ ح ٩٨٩٨، ١٦/ ١٥٤ ح ١٠١٩٨، وابن خزيمة ١/ ٢٤٨ ح ٤٩٠، وابن حبان ٥/ ٩١ ح ١٧٨٩، ٥/ ٩٦ ح ١٧٩٤، وأبو عوانة ١/ ٤٥٣ ح ١٦٧٦، ١٦٧٧، ١٦٧٨، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص ٣٥ ح ٦٠، ٦١، ٦٢ مختصرًا أيضًا. ووقع في رواية وهب بن جرير عند ابن حبان، والبيهقي: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب"، وتفرد به من بين أصحاب شعبة، قاله ابن حبان الموضع نفسه.
(٤) وحديثه عند البخاري جزء القراءة خلف الإمام ٢٣ ح ٧٦، أبي يعلى ١١/ ٤٠٢ ح ٦٥٢٢، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص ٣٨ ح ٦٩.
(٥) وحديثه عند البخاي جزء القراءة خلف الإمام ٧ - ٨ ح ١١، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص ٣٧ ح ٦٨.
(٦) وحديثه عند الترمذي الجامع ٥/ ٢٠١ ح ٢٩٥٣، وابن حبان ٥/ ٩٦ ح ١٧٩٥، وعند الحميدي ٢/ ٤٣٠ ح ٩٧٤، والبخاري جزء القراءة خلف الإمام ٢٣ ح ٧٨، ٧٩ مقرونًا بابن عيينة، والبيهقي القراءة خلف الإمام ٣٨ ح ٧١.
(٧) وحديثه عند البخاري جزء القراءة ٢٢ ح ٧٧، أبي عوانة مسند أبي عوانة ١/ ٤٥٣ ح ١٦٨٠.
(٨) وحديثه عند الطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٢١٦، وعند البيهقي القراءة خلف الإمام ٣٨ ح ٧٠ مقرونًا بالدراوردي.
(٩) وحديثه عند البيهقي القراءة خلف الإمام ص ٣٧ ح ٦٦، ٦٧.
(١٠) وحديثه عند البيهقي السنن الكبرى ٤/ ٧٤، القراءة خلف الإمام ص ٤٠ ح ٧٤.
(١١) وحديثه عند سعيد بن منصور ٢/ ٥٠٥ ح ١٦٩.
[ ٢ / ٩١٣ ]
ابن جعفر (^١)، وجهضم بن عبد الله (^٢)، ومحمد بن يزيد البصري (^٣)، وآخرون سواهم (^٤)، كلهم قالوا: عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة به، وبعضهم ذكره مختصرًا، وبعضهم مطولًا.
واختلف عن ابن جريج؛ فروي عنه بمثل رواية مالك، قال ذلك:
عبد الرزاق (^٥)، ومحمد بن بكر البرساني، ومحمد بن عبد الله الأنصاري (^٦)، وهي رواية الإمام أحمد (^٧)، وأبي بكر بن أبي شيبة (^٨)، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي (^٩)، والترجماني (^١٠) كلهم عن ابن علية، عنه.
وقال سريج بن يونس، عن ابن علية، عن ابن جريج بمثل رواية سفيان ابن عيننة (^١١).
وموقف الإمام أحمد من الروايتين المختلفين في الإسناد هو تصحيح كلا الوجهين، وحجته في ذلك أن بعض الرواة قد جمع كلا الوجهين معًا في روايته، وذكر أبو داود ثلاثة رواة جمعوا بينهما في روايتهم، وهم: أبو أُويس عبد الله
_________________
(١) وحديثه عند النسائي السنن الكبرى ١/ ٣١٨ ح ٩٨٦، وابن خزيمة ١/ ٢٥٢ ح ٥٠٠.
(٢) وحديثه عند البيهقي القراءة خلف الإمام ص ٣٩ ح ٧٢.
(٣) وحديثه عند البيهقي القراءة خلف الإمام ص ٤٠ ح ٧٣.
(٤) ذكرهم الدارقطني علل الدارقطني ٩/ ١٧ - ١٨.
(٥) وهو في مصنفه ٢/ ١٢٨ ح ٢٧٦٧، ومن طريقه أخرجه البخاري جزء القراءة خلف الإمام ص ٢٢ ح ٧٥، ومسلم صحيح مسلم ١/ ٢٩٧ ح ٤٠، أحمد المسند ١٣/ ٢٣١ ح ٧٨٣٦، وأبو عوانة مسند أبي عوانة ١/ ٤٥٣ ح ١٦٧٥، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص ٣٢ ح ٥٣.
(٦) وحديثهما عند الإمام أحمد مقرونين المسند ١٣/ ٢٣٢ ح ٧٨٣٧.
(٧) المسند ١٦/ ٢١٤ ح ١٠٣١٩.
(٨) سنن ابن ماجه ١/ ٢٧٣ ح ٨٣٨.
(٩) صحيح ابن خزيمة ١/ ٢٤٧ ح ٤٨٩.
(١٠) ذكره الدارقطني علل الدارقطني ٩/ ١٩.
(١١) ذكره الدارقطني علل الدارقطني الموضع نفسه.
[ ٢ / ٩١٤ ]
ابن عبد الله بن أويس (^١)، وسليمان بن بلال من رواية شيخ من أهل البصرة عنه (^٢)، وابن ثوبان (^٣). وممن روى الوجهين غير من ذكرهم الإمام أبو داود محمد بن عجلان برواية حاتم بن إسماعيل عنه (^٤).
وهذا مسلك الإمام أبي زرعة أيضًا في الترجيح بين الروايتين. قال الترمذي: "سمعت أبا زرعة يقول: كلاهما صحيح، واحتج برواية إسماعيل بن أبي أُويس" (^٥).
وأما الدارقطني فقال بعد ذكر رواية ابن عيننة ومن تابعه: وهو الصواب، وهو مشعر بترجيحه لروايتهم لأن عددهم أكثر.
والترجيح بالكثرة في مثل هذه الصورة ضعيف، لأن الرواية المرجَّحَة جاءت عن جماعة أيضًا، وفيهم أئمة كبار مثل مالك، وابن جريج، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وإن كان مجموع عددهم أقل من رواة الوجه الآخر، ويبعد جدًا أن يجتموا كلهم على الخطأ. وغاية ما يقال في مثل هذه الصورة هو التوقف أو نسبة شيخهم الذي اختلفوا عليه إلى الاضطراب، فالترجيح بمطلق الكثرة يكون ترجيحًا بلا مرجح.
ثم وجود قرينة خارجة عن رواية كلا الطرفين أقوى من حيث الاعتماد عليها للحكم في مثل هذه الصورة، وهذه القرينة موجودة، وهي رواية من روى
_________________
(١) أخرج حديثه مسلم ١/ ٢٩٧ ح ٤١، والترمذي الجامع ٥/ ٢٠١ ح ٢٩٥٣، والبيهقي السنن الكبرى ٢/ ٣٩١، والقراءة خلف الإمام ص ٤٢ ح ٧٧، وقال في روايته: عن العلاء، سمعت من أبي ومن أبي السائب جميعًا وكان جليسي أبي هريرة قالا: فذكره.
(٢) لم أقف على رواية سليمان بن بلال إطلاقًا.
(٣) والمقصود رواية الحسن بن الحر عن العلاء، برواية أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، عن عبد الرحمن ابن ثابت بن ثوبان عنه. أخرج هذه الرواية البيهقي القراءة خلف الإمام ص ٤٢ ح ٧٨.
(٤) أخرج روايته البيهقي القراءة خلف الإمام ص ٤٣ ح ٧٩.
(٥) علل الترمذي الكبير ١/ ٢٣٥.
[ ٢ / ٩١٥ ]
الحديث على الوجهين.
وهناك قرينة أخرى، وهي وجود أصل لرواية أبي السائب، عن أبي هريرة من غير طريق العلاء، فيتقوى وجه رواية الأقلين؛ فقد رواه الزهري، وصفوان ابن سليم، عنه، عن أبي هريرة. أخرج روايتهما البيهقي (^١).
وكذلك إذا روى الراوي الحديث الذي خالف به غيره على الوجهين: مرة بموافقة من خالفه ومرة أخرى بالوجه آخر الذي تفرد به.
ومثال ذلك ما ذكره ابن رجب أن الإمام أحمد وغيره من الأئمة صحح الوجهين الواردين في رواية حديث ميمونة في الفأرة إذا وقعت في السمن (^٢). فرواه سفيان بن عيننة (^٣)، ومالك (^٤) كلاهما عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن ميمونة أن فأرة وقعت في سمن فماتت فسئل النبي ﷺ عنها فقال: "ألقوها وما حولها وكُلوه"، وتابعهما الأوزاعي (^٥)، وعبد الرحمن بن إسحاق المدني (^٦).
ورواه معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: سئل
_________________
(١) القراءة خلف الإمام ص ٤٤ - ٤٥ ح ٨٠، ٨١، ٨٢.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٣٩.
(٣) أخرج روايته البخاري ٩/ ٦٦٧ ح ٥٥٣٨، وأبو داود ح ٣٨٤١، والترمذي ٤/ ٢٥٦ ح ١٧٩٨، والنسائي السنن ٧/ ١٧٨ ح ٤٢٥٧، والسنن الكبرى ٣/ ٨٧ ح ٤٥٨٤، وأحمد المسند ٤٤/ ٣٧٩ ح ٢٦٧٩٦، وابن حبان ٤/ ٢٣٤ ح ١٣٩٢، وابن الجارود ٨٧٢، والبيهقي ٩/ ٣٥٣.
(٤) وهو في الموطأ ٢/ ٩٧١. وأخرجه أيضًا البخاري ١/ ٣٤٣ ح ٢٣٥، ٢٣٦، والنسائي السنن ٧/ ١٧٨ ح ٤٢٥٨، السنن الكبرى ٣/ ٨٧ ح ٤٥٨٥، وأحمد المسند ٤٤/ ٤٢٢ ح ٢٦٨٤٧، والبيهقي ٩/ ٣٥٢.
(٥) أخرجه أحمد المسند ٤٤/ ٣٨٧ ح ٢٦٨٠٣ وفيها أن ميمونة هي السائلة.
(٦) أخرجه ابن أبي عاصم الآحاد والمثاني ٥/ ٤٣٥ ح ٣١٠١.
[ ٢ / ٩١٦ ]
النبي ﷺ عن الفأرة تقع في السمن قال: "إذا كان جامدًا فألقوه وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه" (^١).
فاختلف النقاد في هذا الموضع، فمنهم من حكم بغلط معمر لانفراده بهذا الحديث، ومخالفته من هم أكثر منه عددًا. قال البخاري: هذا خطأ، أخطأ فيه معمر، والصحيح حديث الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة (^٢). وقال الترمذي عن رواية معمر: غير محفوظ (^٣). وقال أبو حاتم: الصحيح حديث الزهري عن عبيد الله (^٤).
وأما الإمام أحمد فذكر الحافظ ابن رجب أنه صحح الوجهين (^٥)، وكذلك قال محمد بن يحيى الذهلي: الطريقان عندنا محفوظان (^٦). وإليه يميل موقف الدارقطني (^٧).
والذي يدل على ذلك أن معمرًا روى الحديث بالإسنادين كليهما، فقال عبد الرزاق بعد أن أورد حديث معمر من طريق الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة: وقد كان معمر أيضًا يذكره عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عباس، عن ميمونة (^٨). وأخرجه أبو داود (^٩)، والنسائي (^١٠) عن عبد الرزاق، عن
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق المصنف ١/ ٨٤ ح ٢٧٨، وأحمد المسند ١٣/ ٤٢ ح ٧٦٠١، ١٢/ ١٠٠ ح ٧١٧٧، وأبو داود ٤/ ١٨١ ح ٣٨٤٢، وابن حبان ٤/ ٢٣٧ ح ١٣٩٣، وابن الجارود المنتقى ح ٨٧١، والبيهقي ٩/ ٣٥٣.
(٢) جامع الترمذي ٤/ ٢٥٦.
(٣) الموضع نفسه.
(٤) علل ابن أبي حاتم ٢/ ١٢.
(٥) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٤٠.
(٦) انظر: التمهيد ٩/ ٣٥، وفتح الباري ١/ ٣٤٤ نقلًا من كتابه "الزهريات".
(٧) علل الدارقطني ٧/ ٢٨٥ - ٢٨٧.
(٨) مصنف عبد الرزاق ١/ ٨٢ ح ٢٧٩.
(٩) السنن ٤/ ١٨٢ ح ٣٨٤٣.
(١٠) السنن الكبرى ٣/ ٨٨ ح ٤٥٨٦.
[ ٢ / ٩١٧ ]
عبد الرحمن بن بوذويه (^١)، أن معمرًا ذكره عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة بمثل حديث ابن المسيب، عن الزهري.
ويدل على ذلك أيضًا أن الحديث وجد له أصل عن سعيد بن المسيب، فقد رواه سعيد بن أبي هلال عن الزهري، عن ابن المسيب عن النبي ﷺ مرسلًا (^٢). قال محمد بن يحيى الذهلي: فقد وجدنا ذكر سعيد بن المسيب في هذا الحديث من غير رواية معمر، فالحديثان محفوظان (^٣)
وأما حيث لم تأت رواية تجمع الوجهين فالقول باحتمال أن يكون الحديث عند الراوي المختلف عليه على الوجهين، فحدث به كل مرة على أحدهما احتمال بعيد عن التحقيق، ومدار الأمر عند أئمة هذا الفن كما قال السخاوي على ما يقوى في الظن (^٤).
_________________
(١) عبد الرحمن بن بُوذُويه، ويقال: ابن عمر بن بوذُويه الصنعاني. قال الأثرم: ذكره أحمد بن حنبل فأني عليه خيرًا تهذيب الكمال ١٧/ ٨. وكذلك أثنى عليه الذهلي فقال: كان من متثبتيهم التمهيد ٩/ ٣٩. ووثقه الذهبي الكاشف ٣١٥٦. وقال ابن حجر: مقبول ٣٨٤٢.
(٢) ذكره ابن عبد البر التمهيد ٩/ ٣٩ - ٤٠.
(٣) الموضع نفسه.
(٤) فتح المغيث ١/ ٣٢٧.
[ ٢ / ٩١٨ ]
المطلب الثالث: إعلال حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه.
إذا روى الراوي حديثًا يخالف رأيه فقد جاء عن الإمام أحمد أنه يضعف ذلك الحديث الذي روى، ويرى أن مخالفة رأيه لروايته دليل على عدم صحتها، ووجه ذلك أن المفترض وكذلك المعهود في الراوي أن يعمل بموجب ما بلغه من العلم الذي يرويه، فإذا خالفه صح الاستدلال بتلك المخالفة على عدم صحة نسبة تلك الرواية إليه.
وقد ذكر الحافظ ابن رجب ﵀ قواعد كلية في باب العلل، ومنها: تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه، وذكر أن الإمام أحمد وأكثر الحفاظ ضعفوا أحاديث كثيرة بمثل هذا الاعتبار (^١)، وذكر عدة أمثلة على ذلك عن الإمام أحمد وغيره من الحفاظ (^٢).
ومن الأمثلة على ذلك عن الإمام أحمد عدا التي ذكرها ابن رجب:
قال أبو داود: سمعت أحمد قال: كان شعبة يتهيّب حديث ابن عمر: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، يعني: يتهيبه للزيادة التي فيها: [والنهار]، لأنه مشهور عن ابن عمر من وجوه: [صلاة الليل]، ليس فيه: [والنهار]، وروى نافع: أن ابن عمر كان لا يرى بأسًا أن يصلّي بالنهار أربعًا، وبعضهم قال: عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يصلّي بالنهار أربعًا، فنخاف فلو كان حفظ ابن عمر عن النبي ﷺ: "صلاة النهار مثنى مثنى" لم يكن يرى أن يصلي بالنهار أربعًا، وقد رُوي عن عبد الله بن عمر قوله: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، والله أعلم" (^٣).
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٨٨.
(٢) انظرها المصدر نفسه ٢/ ٨٨٩ - ٨٩٠.
(٣) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٩٠ رقم ١٨٧٢.
[ ٢ / ٩١٩ ]
الشاهد في رواية أبي داود هذه أن الإمام أحمد أبدى وجهًا لكون زيادة ذكر النهار في حديث: "صلاة الليل مثنى مثنى" غير محفوظة، وهذا الوجه هو مخالفة هذه الرواية لرأي ابن عمر، فقد جاء عنه أنه كان يصلي بالنهار أربعًا. رواه عبيد الله العمري، عن نافع عنه "أنه كان يصلي بالنهار أربعًا أربعًا" (^١)، ورواه عبد الله العمري، عن نافع، عنه "أنه كان يصلي بالليل مثنى مثنى، وبالنهار أربعًا، ثم يسلم" (^٢)، ورواه معمر، عن أيوب؛ والثوري، عن عبيد الله، كلاهما عن نافع عن ابن عمر بمثله (^٣). فلو كان حفظ ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، لم يكن ليصلي أربعًا بالنهار (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة المصنف ٢/ ٧٤ ح ٦٦٧٥.
(٢) أخرجه عبد الرزاق المصنف ٢/ ٥٠١ ح ٤٢٢٦، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر الأوسط ٤/ ٢٣٦ ح ٢٧٧٣، لكن وقع عنده عبيد الله مكان عبد الله، وهو خطأ.
(٣) أخرجه عبد الرزاق الموضع نفسه ح ٤٢٢٧، وأخرجه الطحاوي من طريق الثوري، عن عبيد الله وحده شرح معاني الآثار ١/ ٣٣٤.
(٤) وقد أبدى الإمام أحمد وجهين آخرين لرد هذه الزيادة: الأول: ما ذكره عن شعبة، أنه كان يفرق تلك الزيادة، وذلك أن المشهور عن ابن عمر كما رواه أصحابه: "صلاة الليل مثنى مثنى"، هكذا رواه ستة عشر راويًا عن ابن عمر، وهم: ١. نافع، وحديثه عند البخاري ١/ ٥٦١ ح ٤٧٢، ١/ ٥٦٢ ح ٤٧٣،، ومسلم ١/ ٥١٦ ح ٧٤٩١٤٥. ٢. سالم، وحديثه عند البخاري ٣/ ٢٠ ح ١١٣٧، ومسلم الموضع نفسه ح ١٤٦. ٣. وعبد الله بن دينار، وحديثه عند البخاري ٢/ ٤٧٧ ح ٩٩٠ مقرونًا بنافع، وابن حبان الإحسان ٦/ ١٨٣ ح ٢٤٢٦. ٤. وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، وحديثه عند مسلم مقرونا بسالم بن عبد الله بن عمر الموضع نفسه ح ١٤٧، والنسائي السنن الكبرى ١/ ٤٣٤ ح ١٣٨١. ٥. والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وحديثه عند البخاري ٢/ ٤٧٧ ح ٩٩٣. ٦. وطاوس بن كيسان، وحديثه عند مسلم الموضع نفسه ح ١٤٦. ٧. وعبد الله بن شقيق، وحديثه مسلم ١/ ٥١٧ ح ١٤٨.
[ ٢ / ٩٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٨. ومحمد بن سيرين، وحديثه عند أحمد ٨/ ٤٨٠ ح ٤٨٧٨. ٩. وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وحديثه عند ابن خزيمة صحيح ابن حزيمة ٢/ ١٣٩ ح ١٠٧٢، وابن حبان الإحسان ٦/ ٣٥٠ ح ٢٦٢٠. ١٠. وعبيد الله بن عبد الله بن عمر، وحديثه عند مسلم ١/ ٥١٨ ح ١٥٦. ١١. وأنس بن سيرين، وحديثه مسلم ١/ ٥١٩ ح ١٥٧. ١٢. وعقبة بن حريث، وحديثه عند مسلم الموضع نفسه ح ١٥٩. ١٣. وأبو مجلز، وحديثه عند ابن ماجه السنن ١/ ٣٧١ ح ١١٧٥. ١٤. وسعد بن عبيدة، وحديثه عند الطبراني المعجم الأوسط ٣/ ٣٦٣ ح ٣٤٠٩. ١٥. ومجاهد، وحديثه عند الطبراني أيضًا المعجم الأوسط ٤/ ١٦٥ ح ٣٨٧٨. ١٦. وعطية العوفي، وحديثه عند أبي أمية الطرسوسي مسند عبد الله بن عمر ص ٢١ ح ٥. ورواه علي بن عبد الله الأزدي البارقي، عن ابن عمر فذكر هذه الزيادة. أخرج حديثه أبو داود ح ١٢٩٥ والترمذي ٢/ ٤٩١ ح ٥٩٧، والنسائي ٣/ ٢٢٧ ح ١٦٦٥، وابن ماجه ١/ ٤١٩ ح ١٣٢٢، وابن خزيمة ٢/ ٢١٤ ح ١٢١٠، وابن حبان ٦/ ٢٣١ ح ٢٤٨٢. فتفرده عن هذا العدد الكبير من ثقات أصحاب ابن عمر، مما لا يحتمل على أصول الأئمة مثل شعبة، والقطان، وأحمد. وخاصة أن علي البارقي ليس له كثير حديث كما قال ابن عدي، ولذلك لم يوثقه إلا ابن حبان، والعجلي، وقال ابن عدي: هو عندي لا بأس به تهذيب الكمال ٢١/ ٤٢. وقال الذهبي: ما علمت لأحد في جرحة، فهو صدوق ميزان الاعتدال ٥٨٧٨. وقال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ تقريب التهذيب ٤٧٩٦. وذكر ابن رجب أن ابن معين أعله، لأن أصحاب ابن عمر رووه من دون ذكر النهار، فلا يقبل تفرد علي الأزدي بما يخالفهم فتح الباري لابن رجب ٦/ ١٩٢. وقال النسائي: هذا الحديث عندي خطأ السنن ٣/ ٢٢٧. وقال الدارقطني: ذكر النهار فيه وهم تلخيص الحبير ٢/ ٢٢. وصححه البخاري على ما نقله البيهقي بإسناده إليه السنن الكبرى ٢/ ٤٨٧. والوجه الثاني لرد هذه الزيادة، هو ما ذكره الإمام أحمد: أنه قد روي عن ابن عمر قوله: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى". قال ابن حجر: فلعل الأزدي اختلط عليه الموقوف بالمرفوع، فلا تكون هذه الزيادة صحيحة على طريقة من يشترط في الصحيح أن لا يكون شاذا. ا. هـ. فتح الباري ٢/ ٤٧٩.
[ ٢ / ٩٢١ ]
ومنها: قال أبو داود: "سمعت أحمد سئل عن حديث سمُرة: "من قتل عبده قتلناه"، قال: فُتيا الحسن على غيره. قال أحمد: ولكن يضرب" (^١).
وقال عبد الله: "سألت أبي عن الرجل يقتل عبده، يقتله الإمام أم لا؟ فقال: يروى عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ: "من قتل عبده قتلناه". وأخشى أن يكون هذا الحديث لا يثبت. قلت لأبي: فإيش تقول أنت؟ قال: إذا كنت أخشى أن لا يكون يثبت، لا أُثبته، ولا يُقتل حرٌّ بعبد، ولا بذمِّيّ، ويقتل بالمرأة … قال أبي: فكان الحسن يقول في حديث سمرة: "من قتل عبده قتلناه" يحدث به عن سمرة، عن النبي ﷺ، وحدّث به قتادة عنه، ورواه خالد، عن الحسن موقوفًا. وقال قتادة: نسي الحسن هذا الحديث بعد، وكان الحسن لا يفتي به بعدُ" (^٢).
_________________
(١) ورواية الوقف رواها الإمام مالك الموطأ ١/ ١١٩، بلاغًا عن ابن عمر. ووصلها البخاري التاريخ الكبير ١/ ٢٨٥ تعليقًا من طريق عبد الله بن صالح، عن الليث، والبيهقي السنن الكبرى ٢/ ٤٨٧، وابن عبد البر التمهيد ١٤/ ٢٤٧، من طريق عبد الله بن وهب كلاهما عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن ابن عمر به قوله. وخالفهما داود بن منصور، فرواه عن الليث به مرفوعًا. أخرجه الدارقطني السنن ١/ ٤١٧. وداود بن منصور النسائي وثقه النسائي، وقال أبو حاتم: صدوق. وقال العقيلي: يخالف في حديثه الضعفاء للعقيلي ٢/ ٣٨٥، تهذيب التهذيب ٣/ ٢٠٣. ولعل هذا من مخالفاته. وكذلك روى عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" قوله غير مرفوع. رواه الطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٣٣٤، والخطيب تاريخ بغداد ١٣/ ١١٨، وابن عبد البر ١٣/ ٢٤٠. وتابعه مالك، عن نافع. قال ابن عبد البر: لم يروه عن مالك إلا الحنيني، وهو ضعيف كثير الوهم والغلط الموضع نفسه. وقد جاء عن أحمد في رواية أخرى عن حديث علي البارقي أنه قال فيه: إسناده جيد، ونحن لا نتقيه فتح الباري لابن رجب ٦/ ١٩٢ ..
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٠٧ رقم ١٤٦٨.
(٣) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه عبد الله ٣/ ١٢٢٧ - ١٢٢٩ رقم ١٦٨٣، ١٦٨٦.
[ ٢ / ٩٢٢ ]
حديث الحسن عن سمرة أخرجه أصحاب السنن (^١) من طرق عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ "من قتل عبده قتلناه ومن جَدَعَ عبدَه جدعناه". ورواه الإمام أحمد، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: ولم يسمعه منه (^٢).
ولم يُثبت الإمام أحمد هذا الحديث لأن فُتيا الحسن على خلافه. روى
أبو داود (^٣) عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام، عن قتادة، عن الحسن قال: "لا يقاد الحر بالعبد".
ولم يعلّ الإمام أحمد الحديث بعدم سماع الحسن له من سمرة كما رواه في مسنده.
ويعكر على هذا الاستدلال من الإمام أحمد ما ذكره قتادة أن الحسن نسي هذا الحديث فكان يفتي بخلافه، لكن رد البيهقي كلام قتادة هذا فقال: "يشبه أن يكون الحسن لم ينس الحديث، لكن رغب عنه لضعفه، وأكثر أهل العلم رغبوا عن رواية الحسن عن سمرة" (^٤).
وقد قال أحمد أيضًا - كما في رواية ابن هانئ: "لا يُقتل الحر بالعبد، وقال: حديث سمرة تركه الحسن" (^٥).
فتبين أن فتيا الحسن بخلاف ما رواه لم يكن صدور ذلك عنه عن نسيان،
_________________
(١) أبو داود السنن ٤/ ٦٥٢ - ٦٥٤ ح ٤٥١٤، ٤٥١٦، ٤٥١٧، والترمذي الجامع ٤/ ٢٦ ح ١٤١٤، والنسائي السنن ٨/ ٢٠ ح ٤٧٣٥، السنن الكبرى ٤/ ٢١٨ ح ٦٩٣٨، ٦٩٣٩، ٦٩٤٠، وابن ماجه السنن ٢/ ٨٨٨ ح ٢٦٦٣.
(٢) المسند ٣٣/ ٢٠٦ ح ٢٠١٠٤.
(٣) السنن ٤/ ٦٥٤ ح ٤٥١٨.
(٤) السنن الكبرى ٨/ ٣٥.
(٥) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٨٧ رقم ١٥٤٩.
[ ٢ / ٩٢٣ ]
بل من أجل ضعف الحديث، وخاصة وقد ظهر أنه لم يسمعه من سمرة.
ومنها: قال أبو زرعة الدمشقي: "حدثنا عبيد الله بن عمر، قال: حدثنا يزيد بن زُريع قال: حدثنا خالد الحذاء، عن أنس بن سيرين قال: كانت أم ولد لآل أنس بن مالك قد استُحيضت، فأمروني أن أسأل ابن عباس فسألته، فقال: "إذا رأت الدّم البحراني أمسكت عن الصلاة". قال أبو زرعة: فسمعت أحمد بن حنبل يحتج بهذه القصة ويرد بها ما رُوي عن أنس بن مالك أن الحيض عشر، كما رواه الجلد بن أيوب، وقال: لو كان هذا عن أنس بن مالك لم يؤمر أنس بن سيرين أن يسأل ابن عباس. قال أبو زرعة: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: فحديث معاوية بن قرّة، عن أنس في الحيض صحيح؟ فلم يره صحيحًا، إذ ردّوا المسألة إلى ابن سيرين يسألهم ابن عباس، كذلك قال لي، ولم يدفع لقاء ابن سيرين ابن عباس ومسألته" (^١).
ما رُوي عن أنس أن الحيض عشر، رواه جَلد بن أيوب (^٢)، عن معاوية ابن قرّة عن أنس، ورواه الأكابر عن جلد كما قال ابن دقيق العيد (^٣)، منهم
_________________
(١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ٢/ ٦٨٤ رقم ٢٠٩٣ - ٢٠٩٥. ونقله الدارقطني عن أبي زرعة السنن ١/ ٢١٠.
(٢) قال عنه أحمد في رواية عبد الله: ليس يسوى حديثه شيئًا، قال عبد الله: ضعيف الحديث؟ قال: نعم ضعيف العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٩١ رقم ٧٧٥. وقال ابن المبارك: أهل البصرة يضعفون جلد بن أيوب، ويقولون: ليس بصاحب حديث الضعفاء للعقيلي ١/ ٢٢٢. وضعفه غير واحد، وقال أبو حاتم: شيخ أعرابي ضعيف الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به الجرح والتعديل ٢/ ٥٤٨. وضعفه أبو عاصم النبيل جدًا وقال: تساهل أصحابنا في الرواية عنه السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٢٣.
(٣) الإمام ٣/ ١٩٣.
[ ٢ / ٩٢٤ ]
الثوري بلفظ: "أجَل الحيض عشر ثم هي مستحاضة" (^١)، وكذلك أجلة أهل البصرة: حماد بن زيد (^٢)، ويزيد بن زريع (^٣)، وإسماعيل بن إبراهيم بن علية (^٤)، وعبد السلام ابن حرب (^٥)، وهشام بن حسان، وسعيد (^٦) كلهم عن جلد، عن معاوية بن قرة، عن أنس: "الحائض تنتظر ثلاثة أيام، أو أربعة أيام، أو خمسة إلى عشرة أيام، فإذا جاوزت عشرة أيام فهي مستحاضة، تغتسل وتصلي".
واحتج الإمام أحمد لرد هذا الحديث بأنه لو كان هذا صحيحًا عن أنس لم يأمر أهلُه أنسَ بنَ سيرين أن يسأل ابن عباس عن الاستحاضة.
ومثل هذا الاستدلال سُبق إليه الإمام أحمد، فقد ذكره الشافعي عن ابن علية، قال: "أخبرني ابن علية عن الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك أنه قال: قرء المرأة أو قرء حيض المرأة ثلاث، أو أربع، حتى انتهى إلى عشر، فقال لي ابن علية: الجلد بن أيوب أعرابي لا يعرف الحديث، وقال لي: قد استحيضت امرأة من آل أنس فسُئِل ابن عباس عنها، فأفتى فيها وأنس حي، فكيف يكون عند أنس ما قلت من علم الحيض ويحتاجون إلى مسألة غيره فيما عنده فيه علم؟ ونحن وأنت لا نثبت حديثًا عن الجلد، ويستدل على غلط من هو أحفظ منه بأقل من هذا" (^٧).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق المصنف ١/ ٢٩٩ ح ١١٥٠، والدراقطني ١/ ٢٠٩، وزاد بعضهم: أدنى الحيض ثلاث.
(٢) السنن الكبرى ١/ ٣٢٢، وابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٥٩٨.
(٣) الموضعان نفسهما.
(٤) الموضعان نفسهما، وكذلك المعرفة والتاريخ ٣/ ٤٦ - ٤٧.
(٥) سنن الدارقطني ١/ ٢٠٩، والكامل في ضعفاء الرجال الموضع نفسه.
(٦) سنن الدارقطني ١/ ٢١٠.
(٧) الأم ١/ ٦٤، ونقله البيهقي السنن الكبرى ١/ ٣٢٢، وابن دقيق العيد الإمام ٣/ ١٩٦.
[ ٢ / ٩٢٥ ]
لكن تعقب ابن دقيق العيد هذا الاستدلال بما حاصله أنه لو كان ما رواه الجلد من حديث أنس بن مالك مرفوعًا لقوي هذا الاستدلال بعض القوة، بأنه كيف يسأل غيره وقد سبق علمه بالحكم عن النبي ﷺ؟ ولما كان ما رواه موقوفًا على أنس لا يستقيم هذا الاستدلال حتى يثبت أن أنسًا قال ذلك وأفتى به قبل سؤالهم لابن عباس، فيمكن أن يقال حينئذ: كيف سأل وعنده علم؟ وأيضًا ليس هناك ما يدل على أن الذي أرسل يسأل ابن عباس هو أنس (^١).
وما ذكره ابن دقيق العيد وارد جدًا، لكن قد تقدم من منهج الإمام أحمد وغيره من الأئمة وذكره المعلمي عنهم، حيث قال: "إذا استنكر الأئمة المحققون المتن وكان ظاهر السند الصحة فإنهم يتطلبون له علة، فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقًا حيث وقعت أعلّوه بعلة ليست بقادحة مطلقًا، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذاك المنكر" (^٢)، فكيف والإسناد هنا ليس بظاهر الصحة!
ومنها: "ما ذكره الميموني أن أحمد ذُكر له أن الحوضي روى من طريق الأسود، عن عائشة مرفوعًا: "يقطع الصلاةَ المرأةُ، والحِمارُ، والكلب الأسودُ"، فقال أحمد: غلط الشيخ عندنا، هذا عن رسول الله ﷺ وهي تقول: عدلتمونا بالكلب والحِمار؟ " (^٣).
ولم أقف على رواية الحوضي هذه، وأوضح الحافظ ابن رجب وجه إنكار الإمام أحمد للحديث فقال: يعني: "لو كان هذا عندها عن رسول الله ﷺ لما قالت ما قالت" (^٤).
_________________
(١) انظر: الإمام ٢/ ١٩٦ - ١٩٧.
(٢) مقدمة الفوائد المجموعة ص ١١ - ١٢.
(٣) فتح الباري لابن رجب ٢/ ٧٠٥.
(٤) الموضع نفسه.
[ ٢ / ٩٢٦ ]
ومنها: قال الأثرم: "قلت لأحمد بن حنبل: حديث حسين المعلّم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد قال: [سألت خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وأُبي بن كعب - فقالوا: "الماء من الماء"، فيه علة تدفعه بها؟ قال: نعم، بما يروى عنهم خلافه. قلت: عن عثمان، وعلي، وأبي بن كعب؟ قال: نعم. وقال أحمد بن حنبل: الذي أرى إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل، قيل له: قد كنت تقول غير هذا. فقال: ما أعلمني قلت غير هذا قط. قيل له: قد بلغنا ذلك عنك، قال: الله المُستعان" (^١).
حديث زيد بن خالد الجهني أخرجه البخاري (^٢). وقد ذكر الحافظ ابن حجر عن يعقوب بن شيبة عن علي بن المديني أنه شاذ (^٣). والظاهر أنه يعله بمثل العلة التي أعله بها الإمام أحمد. فقد ذكر ابن رجب عنه أنه قال: قد روي عن علي، وعثمان، وأبي بن كعب بأسانيد جياد أنهم أفتوا بخلاف ما في هذا الحديث (^٤).
وأجاب الحافظ عن هذا الإعلال بأن الحديث ثابت من جهة اتصال إسناده وحفظ رواته، وأنه ليس بفرد، فقد رواه ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار نحو رواية أبي سلمة، وكونهم أفتوا بخلافه لا يقدح في صحته لاحتمال أنه ثبت عنده ناسخه فذهبوا إليه.
وإعلال الإمام أحمد يحمل على إطلاق العلة على النسخ، والله أعلم.
ومن الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد بمثل هذا الاستدلال، وهو مما ذكره
_________________
(١) التمهيد ٢٣/ ١١١، وانظر: فتح الباري ١/ ٣٩٧.
(٢) صحيح البخاري ١/ ٣٩٦ ح ٢٩٢ - مع فتح الباري.
(٣) فتح الباري ١/ ٣٩٧.
(٤) فتح الباري لابن رجب ١/ ٣٧٥.
[ ٢ / ٩٢٧ ]
ابن رجب: أن أحاديث ابن عمر عن النبي ﷺ في المسح على الخفين، أنكرها أحمد وقال: ابن عمر أنكر على سعد المسح على الخفين، فكيف يكون عنده عن النبي ﷺ فيه رواية؟ (^١)
وهذه الرواية لم أقف عليها عن أحمد، لكن تقدم في مطلب الاختلاط (^٢) أن الإمام أحمد أنكر الحديث الذي رواه سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كنّا نمسح ونحن مع نبينا"، أنكره هناك لأنه من رواية شعيب بن إسحاق، عن ابن أبي عروبة، وكان سماعه منه بآخرة. وفي هذه الرواية ذكر وجهًا آخر لإنكاره للرواية، وهو كونها مخالفة للمعروف عن ابن عمر أنه كان ينكر المسح على الخفين، فدل على أنه لم يكن له فيه رواية عن النبي ﷺ، فإذا جاءت رواية عنه بذلك استدل بهذا على خطئها.
وقد رُوي عن ابن عمر أنه كان يمسح على الخفين، ويأمر بالمسح على الخفين، ويقول: "أمر رسول الله ﷺ بذلك" (^٣) وهذا محمول على ما رواه ابن عمر عن عمر قال: "رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الخفين" (^٤)، أي فهو من رواية الصحابي عن الصحابي، وذلك أن سعدًا احتكم إلى عمر لما أنكر عليه ابن عمر المسح على الخفين، فأخبر عمر بالحديث عن النبي ﷺ، وقد تقدم ذلك كله.
ومنها - وهو مما ذكره الحافظ ابن رجب - أن الإمام أحمد ضعف أحاديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ في المسح على الخفين، لأن أبا هريرة كان ينكر المسح على الخفين، فلا تصح له فيه رواية (^٥).
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٨٩.
(٢) ص ٤٢٥.
(٣) المعجم الأوسط ٧/ ٦٥ ح ٦٨٦٢ من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه.
(٤) أخرجه أحمد ١/ ٣٤١ ح ٢١٦.
(٥) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٨٩.
[ ٢ / ٩٢٨ ]
ولم أقف على إنكار الإمام أحمد لهذه الأحاديث.
وقد جاء عن أبي هريرة عدة أحاديث مرفوعة إلى النبي ﷺ في المسح على الخفين (^١):
منها: حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: قالوا يا رسول الله، ما الطهور على الخفين؟ قال: "للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوم وليلة" (^٢). وفي سنده عمر بن عبد الله بن أبي خُثعم. قال عنه البخاري: منكر الحديث ذاهب الحديث (^٣).
وتابعه معلى بن عبد الرحمن، عن عبد الحميد بن جعفر الواسطي، وزاد المسح على الخمار، ولم يذكر التوقيت. أخرجه الطبراني (^٤). قال الدارقطني: معلى بن عبد الرحمن الواسطي كذاب (^٥). وضعف البخاري هذا الحديث عن أبي هريرة (^٦).
ومن حديث أبي هريرة في المسح على الخفين ما رواه ابن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع قال نا جرير عن أيوب عن أبي زرعة بن عمرو قال رأيت جريرا مسح على خفيه، قال: وقال أبو زرعة: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: "إذا أدخل أحدكم رجله في خفيه وهما طاهرتان فليمسح عليهما ثلاثًا للمسافر ويومًا للمقيم" (^٧). وجرير في هذا الإسناد هو ابن أيوب البجلي. قال الدارقطني عن أبي نعيم: كان
_________________
(١) ذكرها الدارقطني مع عللها علل الدراقطني ٨/ ٢٧٤ - ٢٧٦.
(٢) أخرجه مسلم كتاب التمييز ص ٢٠٨ ح ٨٨، والترمذي العلل الكبير بترتيب القاضي ١/ ١٧١ ح ٦١، وابن ماجه السنن ١/ ١٨٤ ح ٥٥٥.
(٣) علل الترمذي الكبير الموضع نفسه.
(٤) المعجم الأوسط ٢/ ١٢٩ ح ١٤٧٣.
(٥) علل الدارقطني ٨/ ٢٧٥.
(٦) علل الترمذي الكبير الموضع نفسه.
(٧) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٦٤ ح ١٨٨٢.
[ ٢ / ٩٢٩ ]
يضع الحديث. وقال الدارقطني عن هذا الحديث: باطل عن أبي هريرة.
ومن حديثه في ذلك أيضًا: ما رواه أبان بن عبد الله عن مولى لأبي هريرة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وفيه: "توضأ ومسح على خفيه"، فقلت: يا رسول الله: رجلاك، لم تغسلهما! قال: "إني أدخلتهما وهما طاهرتان" أخرجه أحمد (^١)، وابن أبي شيبة (^٢)، والدارمي (^٣)، وأبو يعلى (^٤). وأبان بن عبد الله البجلي ضعفه الدارقطني (^٥)، ووثقه ابن معين، وقال أحمد: صدوق صالح الحديث (^٦). لكن اختلف عليه في الحديث، في ذكر المسح على الخفين، وفي الإسناد؛ فرواه النسائي (^٧) من طريقه، عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة؛ وراه عنه أيضًا (^٨) هو وابن ماجه (^٩) من طريقه، عن إبراهيم بن جرير، عن جرير بن عبد الله البجلي به، وليس في رواياتهم ذكر المسح على الخفين.
ومنه أيضًا: ما رواه عبد الحكم بن ميسرة عن قيس بن الربيع عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: "رأيت رسول الله ﷺ توضأ ومسح على عمامته ومسح على خفيه" (^١٠). وقيس بن الربيع صدوق تغير لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به (^١١)، والراوي عنه عبد الحكم
_________________
(١) المسند ١٤/ ٣١٩ ح ٨٦٩٥.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٦٧ ح ١٩٢٧.
(٣) سنن الدارمي ١/ ١٧٣، ولم يذكر المسح على الخفين.
(٤) مسند أبي يعلى ١٠/ ٥٢٠ ح ٦١٣٦، ليس فيه ذكر المسح أيضًا.
(٥) علل الدراقطني ٨/ ٢٧٦.
(٦) تهذيب الكمال ٢/ ١٥.
(٧) السنن ١/ ٤٥ ح ٥٠.
(٨) السنن ١/ ٤٥ ح ٥١.
(٩) السنن ١/ ١٢٩ ح ٣٥٩.
(١٠) المعجم الأوسط ٢/ ٢٩٨ ح ٢٠٣٣.
(١١) تقريب التهذيب ٥٦٠٨.
[ ٢ / ٩٣٠ ]
ابن ميسرة لا يعرف بجرح ولا تعديل كما قال أبو موسى المديني (^١).
ومنه ما رواه إسحاق قال: قلت لأبي أسامة أحدثكم عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر عن مكحول عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال "امسحوا على الخفين والخمار فإنه حق"، فأقر به أبو أسامة وقال نعم (^٢). ومكحول لم يلق أبا هريرة، قاله أبو زرعة والدارقطني (^٣).
وقد ذكر الدارقطني عن الإمام أحمد قال: وكلها باطلة، ولا يصح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في المسح (^٤).
وأما ما جاء من إنكار أبي هريرة للمسح على الخفين، فمنه ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق عبد الواحد بن زياد قال حدثنا إسماعيل بن سميع (^٥)، قال: حدثني أبو رُزين قال: قال أبو هريرة: "ما أُبالي على ظهر خفي مسحت أو على ظهر خمار" (^٦).
ومنه ما رواه مسلم (^٧) من طريق شعبة، عن يزيد بن زاذان قال: سمعت أبا زرعة قال: سألت أبا هريرة عن المسح على الخفين قال: فدخل أبو هريرة دار مروان بن الحكم، فبال ثم دعا بماء فتوضأ وخلع خفيه وقال: "ما أَمرنا اللهُ أن نمسح على جلود البقر والغنم".
_________________
(١) ميزان الاعتدال ٤٧٥٧.
(٢) مسند إسحاق بن راهويه ١/ ٣٥٠ ح ٣٤٩.
(٣) المراسيل لابن أبي حاتم ٧٩٣، جامع التحصيل ص ٢٨٥.
(٤) علل الدراقطني الموضع نفسه.
(٥) الحنفي، وهو صدوق، تكلم فيه لرأي الخوارج ٤٥٦.
(٦) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٧٠ ح ١٩٥٢.
(٧) كتاب التمييز ص ٢٠٩ ح ٨٩.
[ ٢ / ٩٣١ ]
وقد صحح الإمام مسلم هذين الإسنادين (^١).
وأنكر الإمام أحمد الروايات عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في المسح على الخفين، واستدل لذلك بإنكار أبي هريرة المسح على الخفين، وقد أوضح هذا الاستدلال الإمام مسلم، قال: "الرواية في المسح عن أبي هريرة ليست بمحفوظة، وذلك أن أبا هريرة لم يحفظ المسح عن النبي ﷺ لثبوت الرواية عنه بإنكاره المسح على الخفين … ولو كان قد حفظ المسح عن النبي ﷺ كان أجدر الناس وأولاهم للزومه والتديّن به، فلما أنكره … بان ذلك أنه غير حافظ المسح عن رسول الله ﷺ، وإنّ مَن أسند ذلك عنه عن النبي ﷺ واهي الرواية، أخطأ فيه إما سهوًا أو تعمدًا".
فقد اتفق الإمامان أحمد وتلميذه مسلم على الأخذ بهذا المسلك في إعلال الحديث.
وفي هذه الأمثلة ما يكفي لإبراز منهج الإمام أحمد في هذا الموضوع (^٢).
وسلوك هذا المسلك في إنكار الأحاديث قد لا يخلو من نظر في بعض الأحيان كما سبق وأن رأينا في تعقب ابن دقيق العيد على بعض صوره، وأيضًا قد يكون الراوي حين جاء عنه ما يخالف روايته فعَل ذلك لمعارض راجح بلغه، فترك موجِبَ روايته وعمل أو أفتى بالراجح، أو يكون لناسخٍ بلغه؛ وقد يكون نسي ما روى كما قال قتادة في فُتيا الحسن بخلاف روايته في قتل الحر بالعبد (^٣).
_________________
(١) الموضع نفسه.
(٢) وقد ذكر الحافظ ابن حجر حديثين آخرين أنكرهما الإمام أحمد أخذا بهذا المسلك، وهما: حديث عائشة: "دعي الصلاة أيام أقرائك"، أنكره لأن المعروف عن عائشة أنها تقول الأقراء الأطهار، لا الحيض. والثاني: حديثها: "لا نكاح إلا بولي"، أنكره لأنها عملت بخلافه.
(٣) وإن مما يعتري هذا المسلك من الخلل أن يُعارَض الناقد في تحقيق المخالفة بين رواية الراوي =
[ ٢ / ٩٣٢ ]
لكن الصحيح أن هذه الاعتبارات لا تُضعّف اعتماد هذا المسلك، لأن النقاد لما اعتمدوه في نقد المتون لم يكن اعتمادهم عليه اعتمادًا كليًا، بل نقدهم عندما يحتجون به لا يخلو مع ذلك من النظر في الأسانيد، بل من ذلك ينطلقون في الغالب لنقد المتون. ففي الأمثلة التي مضت في هذا المطلب، لم يخل إسناد لمتن منتقد بهذه العلة من وجود علة توجب ضعفه، من إرسال، أو سماع من مختلط بعد الاختلاط، أو تفرد ممن لا يحتمل تفرده، وهذا هو الصحيح في منهج أئمة هذا الفن: إن نقدهم للمتون في أغلب الأحيان ينطلق من نقدهم للأسانيد، وقد تقدم قول الشافعي في ذلك حيث قال: "ولا يُستدلّ على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المُخبِر وكذبِه (^١)، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يُستدلَّ على الصدق والكذب فيه بأن يُحدِّثَ ما لا يجوز أن يكون مثلُه (^٢)، أو ما يُخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالاتٍ بالصدق منه" (^٣). والعلم عند الله.
_________________
(١) ورأيه، ومثال ذلك ترجيح الإمام البخاري لرواية الإرسال في حديث كُريب، عن ابن عباس في حج الصبي الذي تقدم في المطلب الذي قبل هذا، وذلك استدلالًا بالمعروف عن ابن عباس أنه يقول: "أيما صبي حج ثم أدرك فعليه الحج"، والرواية تقول في الصبي: ألهذا؟ حج؟ قال: "نعم، ولك أجر"، فرأى أن هذا المعروف عن ابن عباس معارِض لتلك الرواية، فقوي عنده رد ذكر ابن عباس في الإسناد وترجيح الإرسال، إذ لو كانت تلك الرواية عند ابن عباس لما أوجب الحج على الصبي بعد البلوغ وقد أثبت له النبي ﷺ الحج في صباه. فقد يُعترض عليه بأن المخالفة في هذه الصورة غير محقَّقة، لأن إثبات الحج للصبي قد يكون من باب إثبات الأجر له لا غير، ولا يتضمن إسقاط الوجوب، لأن أداءه للعبادة قبل توجه خطاب الوجوب إليه لا يُسقط الفرض عنه. لكن هذا النوع من الخلل لا يقدح في المسلك نفسه، وإنما الخلل في طريقة استفادة الناظر منه، والله أعلم.
(٢) وهذا إنما يتم بنقد الرجال، وهو مِن نقد الأسانيد.
(٣) وكان هنا تامة ومن أجل ذلك استُغني بمرفوعها، والمعنى: أن يقع مثلُه.
(٤) الرسالة ص ٣٩٩.
[ ٢ / ٩٣٣ ]
المطلب الرابع: نماذج من نقد الإمام أحمد للمتون لمخالفتها للثابت المعروف.
ومما يرده الإمام أحمد من الأحاديث ما كان مخالفًا للأحاديث الصحيحة الثابتة، أو أجمعت أئمة العلماء على القول بخلافها، وهي من جملة الأحاديث المنكرة التي يعتبرها الإمام أحمد من الشاذ المطرح (^١)، وفيما يلي نماذج من تلك الأحاديث ووجه ردها عند الإمام أحمد.
فمنها: ما كان ردّه له بمعنى نفي الثبوت والصحة عنه بسبب مخالفته لحديثٍ أو أكثرَ أصحّ منه، ومن أمثلته:
قول الإمام أحمد في حديث أسماء بنت عُميس: "تسلَّبِي ثلاثًا، ثم اصنعي ما بدا لك"، إنه من الشاذ المطرح (^٢).
وحديث أسماء بنت عُميس أخرجه أحمد (^٣)، وابن سعد (^٤)، وابن الجعد (^٥)، وابن حبان (^٦)، والطحاوي (^٧)، والطبراني (^٨)، والبيهقي (^٩) من طرق عن محمد ابن طلحة بن مصرِّف، عن الحكم بن عُتيبة، عن عبد الله بن شدّاد، عن أسماء بنت عُميس قالت: لما أُصيب جعفر أتانا النبي ﷺ فقال: "تسلَّبي (^١٠) ثلاثًا ثم
_________________
(١) انظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٦٢٤.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٢٤.
(٣) المسند ٤٥/ ٤٥٩ ح ٢٧٤٦٨.
(٤) الطبقات الكبرى ٤/ ٤١، ٨/ ٢٨٢.
(٥) مسند علي بن الجعد ١/ ٣٨٩ ح ٢٧١٤.
(٦) الإحسان ٧/ ٤١٨ ح ٣١٤٨.
(٧) شرح معاني الآثار ٣/ ٧٤ - ٧٥.
(٨) المعجم الكبير ٢٤/ ١٣٩ ح ٣٦٩.
(٩) السنن الكبرى ٧/ ٤٣٨.
(١٠) معناه البسي ثوب الحِداد، وهو السِّلاب، والجمع سُلُب. وتسلّبت المرأة إذا لبسته. وقيل هو ثوب أسود تُغطي به المُحِدّ رأسَها النهاية ٢/ ٣٨٧. ووقع في رواية ابن سعد، وابن حبان: تسلمي، وتكلف ابن حبان في تفسيرها، وإنما هو تصحيف نبه عليه الحافظ ابن حجر فتح الباري ٩/ ٤٨٨.
[ ٢ / ٩٣٤ ]
اصنعي ما شِئتِ".
وفي رواية لأحمد (^١): دخل عليّ رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر، فقال: "لا تُحدِّي بعد يومك هذا".
ورواه شعبة عن الحكم بن عُتبية، عن عبد الله بن شداد مرسلًا ليس فيه أسماء بنت عميس. أخرجه ابن حزم (^٢)، وذكره الدراقطني (^٣).
فهذا الحديث مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في الإحداد، منها: حديث أم حبيبة وزينب بنت جحش، قال رسول الله ﷺ: "لا يحل لامرأة تُؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدّ على ميّت فوق ثلاث ليالٍ، إلا على زوجٍ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا" أخرجاه (^٤). وفي حديث زينب: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر.
ومنها: حديث أم عطية أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُحدّ امرأةٌ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر عشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوبَ عصْبٍ، ولا تكتحل، ولا تمسّ طيبًا إلا إذا طهرت، نُبذةً من قُسْطٍ أو أظفارٍ (^٥) ". أخرجاه أيضًا (^٦). وفي لفظ: "كنا ننهى أن نُحِدّ على ميت فوق ثلاث إلا على
_________________
(١) المسند ٤٥/ ٢٠ ح ٢٧٠٨٣.
(٢) المحلى ١٠/ ٢٨٠.
(٣) علل الدراقطني ٥/ق ١٧١.
(٤) صحيح البخاري ٩/ ٤٨٤ ح ٥٣٣٤، ٥٣٣٥، وصحيح مسلم ٢/ ١١٢٣ ح ١٤٨٦، ١٤٨٧.
(٥) قال الإمام النووي: النُّبذة بضم النون القطعة والشيء اليسير، أما القسط فبضم القاف، ويقال فيه: كست بكاف مضمومة بدل القاف، وبتاء بدل الطاء، وهو الأظفار نوعان معروفان من البخور، وليس من مقصود الطيب، رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع فيه أثر الدم لا للتطيب، والله أعلم. ا. هـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٠/ ١١٨ - ١١٩.
(٦) صحيح البخاري ٩/ ٤٩١ ح ٥٣٤١، صحيح مسلم ٢/ ١١٢٧ ح ٩٣٨ (٦٦، ٦٧).
[ ٢ / ٩٣٥ ]
زوج، أربعةَ أشهُرٍ وعشرًا … ".
ومنها: حديث عائشة عن النبي ﷺ قالت: "لا تحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدّ على ميّت فوق ثلاث إلا على زوجها" أخرجه مسلم (^١). ومثله عن حفصة أم المؤمنين (^٢).
فردّ الإمام أحمد هذا الحديث بالشذوذ، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه صحح إسناد الحديث (^٣)، ولم أره في شيء من الروايات التي وقفت عليها. وهذا يدل على أن العلة الإسنادية، وهي رواية شعبة للحديث مرسلًا، لم تقدح عنده في صحة الحديث. أما الدارقطني فقال: المرسل أصح.
وقول الدارقطني وجيه، فإن محمد بن طلحة بن مصرف، وإن روى الحديث عنه الأكابر، فقد قال فيه النسائي: ليس بالقوي (^٤). وكذلك قال البيهقي (^٥). وقال أبو داود (^٦)، وابن حبان (^٧): يخطئ. واختلف قول ابن معين فيه: فعنه قال: صالح، وعنه: ضعيف (^٨).
فمثل هذا إذا خالفه شعبة فالمحفوظ ما قاله شعبة.
وممن ردّ هذا الحديث من أجل المخالفة المذكورة الإمام أبو حاتم الرازي، قال لما سئل عنه: "فسّروه على معنييْن: أحدُهما أن الحديث ليس هو عن أسماء،
_________________
(١) صحيح مسلم ٢/ ١١٢٧ ح ١٤٩١.
(٢) الموضع نفسه ح ١٤٩٠ (٦٤).
(٣) فتح الباري ٩/ ٤٨٧.
(٤) كتاب الضعفاء والمتروكين ص ٢٣٤ رقم ٥٤١.
(٥) السنن الكبرى ٧/ ٤٣٨.
(٦) سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود ١/ ٣٠١ رقم ٤٨٥.
(٧) الثقات ٧/ ٣٨٨.
(٨) انظر: تهذيب الكمال ٢٥/ ٤٢٠ - ٤٢١.
[ ٢ / ٩٣٦ ]
وغلِط محمد بن طلحة، وانما كانت امرأة سواها، وقال آخرون: هذا قبل أن يَنْزِل العِدَد. قال ابن أبي حاتم: قال أبي: أشبه عندى - والله أعلم - أن هذه كانت امرأة سِوى أسماءَ، وكانت من جعفر بسبيل قرابة، ولم تكن امرأته لأن النبي ﷺ قال: "لا تُحِدُّ امرأةٌ على أحد فوقَ ثلاث الا على زوج" (^١).
فكأنه يضيف الوهم إلى راويه حيث ذكر أن الأمر بترك الإحداد موجه إلى أسماء زوج جعفر.
ومن الآثار:
قال ابن هانئ: "سألت أبا عبد الله عن رجل صلّى بقومٍ فتقدّمه بعضُهم فصلّى قُدّامه، قال: من صلّى قُدّام الإمام يعيد الصلاةَ، قلت له: إن همامًا حدّث عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك أنه صلّى بهم في سفينة، وصلّى قومٌ قداّمَه، فلم ير بذلك بأسًا. قال أبو عبد الله: ليس يقول هذا غير هماّم. قال أبو عبد الله: أُخبرتُ أن هماّمًا رجع عن هذا الحديث بعدُ. ورواه شعبة، عن أنس بن سيرين، والثوري، عن أيوب، عن أنس بن سيرين لم يقولا كما قال هماّم. وقال: أذهب إلى أن من صلّى هذه الصلاة يُعيدها. وقال رسول الله ﷺ: "إنما جُعل الإمامُ ليؤتمّ به، فإذا كبّر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا"، فكيف يمكن هذا أن يسجد إذا سجد الإمام، والإمامُ خلفَه؟ ليس هذا بشيء يعيدها (^٢).
لم أقف على رواية همام التي ذكرها الإمام أحمد ولا رواية شعبة، والثوري. وأخرج ابن حزم (^٣) معلقًا، من طريق وكيع ثنا حماد بن زيد ثنا أنس بن سيرين قال:
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٣٨ ح ١٣١٨.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ١/ ٦٦ رقم ٣٢٦، ومثله عند عبد لله في مسائل الإمام أحمد بروايته ٢/ ٣٧٥ - ٣٧٧.
(٣) المحلى ٥/ ٧.
[ ٢ / ٩٣٧ ]
"خرجتُ مع أنس بن مالك إلى أرضه ببذق سيرين - وهي على رأس خمسة فراسخ - فصلّى بنا العصر في سفينة، وهي تجري بنا في دجلة قاعدا على بُساطٍ ركعتيْن ثم سلم، ثم صلّى بنا ركعتين ثم سلم". وأخرج مثله ابن أبي شيبة، عن يونس، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك (^١). وليس في الروايتين أنهم صلوا قدّام الإمام، كما ذكر الإمام أحمد أن ذلك ليس في روايتي شعبة، والثوري.
وخطّأ الإمام أحمد رواية همام لمخالفتها للحديث الصحيح عن النبي ﷺ: "إنما جُعل الإمامُ ليؤتمّ به، فإذا كبّر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا" أخرجه البخاري (^٢)، ومسلم (^٣) من حديث أنس بن مالك، وأخرجاه أيضًا من حديث أبي هريرة (^٤). فكيف يخالف أنس هذا الحديث ويدع قومًا يصلّون أمامه حيث لا يمكنهم الائتمام بالإمام؟.
ومن الآثار أيضًا:
قال ابن هانئ: "قرأت على أبي عبد الله: إسماعيل بن إبراهيم، عن منصور ابن عبد الرحمن، عن الشعبي، عن علقمة قال: [أتيت ابن مسعود فيما بين رمضان إلى رمضان، فما رأيته في يوم صائمًا إلا يوم عاشوراء]. قال لي أبو عبد الله: وهمٌ من منصور إن شاء الله، جميع من روى عن ابن مسعود أنه لم يكن يصوم يوم عاشوراء" (^٥).
حديث منصور بن عبد الرحمن، عن الشعبي، عن علقمة رواه النسائي (^٦).
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٦٨ ح ٦٥٦١.
(٢) صحيح البخاري ٢/ ١٧٣ ح ٦٨٩، ٢/ ٥٨٤ ح ١١١٣.
(٣) صحيح مسلم ١/ ٣٠٨ ح ٤١١.
(٤) صحيح البخاري ٢/ ٢١٦ ح ٧٣٤، صحيح مسلم ١/ ٣٠٩ ح ٤١٤.
(٥) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ١/ ١٣٥ ح ٦٦٨.
(٦) السنن الكبرى ٢/ ١٥٩ ح ٢٨٤٨، ووقع تصحيف في النسخة المطبوعة، فوقع مكان: "إلا يوم عاشوراء"، فقال: "ولا يوم عاشوراء"، وهو خطأ، والصفحة نفسها مليئة بتصحيفات أخرى.
[ ٢ / ٩٣٨ ]
وذكر الإمام أحمد أن هذا وهمٌ من منصور بن عبد الرحمن الغدّاني (^١)، لأن جميع من روى عن ابن مسعود يقولون إنه لم يكن يصوم يوم عاشوراء. من ذلك ما رواه الشيخان (^٢)، من طريق منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: [دخل الأشعث بن قيس على ابن مسعود وهو يأكل يوم عاشوراء فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن اليوم يوم عاشوراء. فقال: قد كان يُصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان تُرك، فإن كنت مفطرًا فاطعم].
ولعل هذا مما أشار إليه الإمام أحمد أن منصور يخالف في أحاديث.
ومن الآثار أيضًا:
قال عبد الله: "حدثني أبي قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين: "لا بأس بشرب الترياق" (^٣). سمعت أبي يقول: هذا خطأ، كان محمد يكرهه، المعروف عن خالد، عن محمد أنه كرهه، أخطأ فيه وكيع" (^٤).
خطّأ الإمام أحمد وكيعًا في هذه الرواية لأن المعروف عن خالد الحذاء عن محمد بن سيرين خلاف ما ذكره وكيع، فقد روى ابن علية عن خالد، عن ابن سيرين - قال: وذكرته له - فقال: "أوليس قد نهي عن كل ذي ناب، فهي ذات أنياب وحمة" (^٥).
_________________
(١) قال عنه أحمد: صالح، روى عنه شعبة. قال له عبد الله: ثقة؟ قال: حدث عنه شعبة، وإسماعيل، إلا أنه يخالف في أحاديث، وهو ثقة، ليس به بأس. ووثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به الجرح والتعديل ٨/ ١٧٥. وقال ابن حجر: صدوق يهم تقريب التهذيب ٦٩٥٣.
(٢) صحيح البخاري ٨/ ١٧٨ ح ٤٥٠٣، صحيح مسلم ٢/ ٧٩٤ ح ١١٢٧ (١٢٤).
(٣) الترياق ما يُستعمل لدفع السم من الأدوية والمعاجين، وهو معرب النهاية ١/ ١٨٨. وفي القاموس: دواء مركب بزيادة لحوم الأفاعي فيه القاموس المحيط ١١٢٤.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٠١ رقم ٢٧٩٢.
(٥) مصنف ابن أبي شيبة ٥/ ٥٦ ح ٢٣٦٦٠.
[ ٢ / ٩٣٩ ]
وعن ابن علية، عن ابن عون، عن ابن سيرين قال: "أمر ابن عمر بالترياق فسُقي، ولو علم فيه ما فيه ما أمر به" (^١).
وعن أبي أسامة، عن هشام، عن محمد "أنه كرهه يعني الترياق" (^٢).
مخالفة الرواية للإجماع:
ومما أنكره الإمام أحمد لمخالفته للإجماع:
قال الخلال: أخبرنا الميموني أنهم ذاكروا أبا عبد الله أطفال المؤمنين فذكروا له حديث عائشة في قصة ابن الأنصاري وقول النبي ﷺ فيه، فمسعت أبا عبد الله غير مرّة يقول: هذا حديث! وذكر فيه رجلًا ضعفه: طلحة. وسمعته يقول: وأحد يشكّ أنهم في الجنة، هو يُرجى لأبيه، كيف يُشك فيه؟ إنما اختلفوا في أطفال المشركين" (^٣).
حديث عائشة الذي ذكر في هذا السؤال هو ما رواه طلحة بن يحيى القرشي، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن أم المؤمنين عائشة قالت: دُعي رسول الله ﷺ إلى جَنازَة صبيٍّ من الأنصار فقلت: يا رسول الله، طُوبى لهذا، عُصفورٌ من عصافير الجنة، لم يعمل السوءَ ولم يُدركْه. قال: "أوَ غيرَ ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنَّار أهلًا، خلقهم لها وهُم في أصلاب آبائهم" رواه مسلم (^٤)، من حديث وكيع - وهذا لفظه - وأبو داود (^٥)، والنسائي (^٦)، واللالكائي (^٧)، ثلاثتهم من حديث الثوري،
_________________
(١) المصدر نفسه ٥/ ٥٧ ح ٢٣٦٦١.
(٢) الموضع نفسه ح ٢٣٦٦٢.
(٣) المنتخب من العلل للخلال ص ٥٣ رقم ١٠.
(٤) صحيح مسلم ٤/ ٢٠٥٠ ح ٢٦٦٢ (٣١).
(٥) السنن ٥/ ٨٦ ح ٤٧١٣.
(٦) السنن الكبرى ١/ ٦٣٣ ح ٢٠٧٤.
(٧) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/ ٦٠٢ رقم ١٠٧٢.
[ ٢ / ٩٤٠ ]
وابن ماجه (^١) من حديث وكيع أيضًا، وأحمد (^٢)، والحميدي (^٣)، والطحاوي (^٤) ثلاثتهم من حديث ابن عيينة؛ كلهم عن طلحة بن يحيى بمثله.
وأنكر الإمام أحمد هذا الحديث بقوله: "هذا حديث! "، ومحل الإنكار منه في الحديث ما ذُكر من قول النبي ﷺ: "أوَ غيرَ ذلك يا عائشة! "، فإن فيه إستدراكًا لما قالته عائشة في الصبي الذي توفي وهو من أولاد الأنصار: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فهذا الاستدراك يقتضي أن أولاد المسلمين ليسوا جميعًا من أهل الجنة، فأنكره الإمام أحمد لمخالفته الإجماع، ويفهم الإجماع من قول الإمام أحمد: "إنما اختلفوا في أولاد المشركين"، فمفهومه أنهم لم يختلفوا في أولاد المسلمين. وقد نقل ابن قُدامة عن أحمد التصريح بذلك، قال: "سئل أبو عبد الله عن أطفال المسلمين فقال: ليس فيه اختلاف أنهم في الجنة" (^٥).
وهذا الإجماع دلت عليه نصوص، منها ما أشار إليه أحمد: أنه يرجى لأبيه، كيف يشك فيه؟ يشير إلى حديث أبي هريرة: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم" (^٦)، وروي في هذا المعنى عن غيره من الصحابة. وذلك أن من كان سببًا في حجب النار عن أبويه أولى بأن يُحجب هو لأنه أصل الرحمة وسببها (^٧).
وجاء في حديث أبي هريرة من وجه آخر: قال رسول الله ﷺ: "ما من
_________________
(١) السنن ١/ ٣٢ ح ٨٢.
(٢) المسند ٤٠/ ١٦٠ ح ٢٤١٣٢.
(٣) مسند الحميدي ١/ ١٢٩ ح ٢٦٥.
(٤) شرح معاني الآثار ١/ ٥٠٧.
(٥) المغني ١٣/ ٢٥٤.
(٦) أخرجه البخاري ١١/ ٥٤١ ح ٦٦٥٦، ومسلم ٤/ ٢٠٢٨ ح ٢٦٣٢.
(٧) قاله ابن المنير فتح الباري ٣/ ٢٤٤.
[ ٢ / ٩٤١ ]
مسلميْن يموت لهما ثلاثة من أولادٍ لم يبلغوا الحِنث إلا أدخلهما الله وإياهم بفضل رحمته الجنة". قال: "يُقال لهم: ادخلوا الحنة، قال: فيقولون: حتى يجيء أبوانا"، قال: ثلاث مرات. فيقولون مثل ذلك. قال: فيقال لهم: "ادخلوا الجنة أنتم وأبواكم". أخرجه النسائي (^١)، وأحمد (^٢)، والبيهقي (^٣) من طرق عن عوف الأعرابي، عن محمد ابن سيرين، عن أبي هريرة به .. وروى البخاري (^٤) من حديث أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحِنث أدخله وإياهم بفضل رحمته الجنة".
وذكر الميموني في هذا السؤال أن أحمد ضعّف راوي الحديث طلحة، وهو طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي. قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: طلحة بن يحيى أحب إلي من بُريد بن أبي بُردة، بُريد يروى أحاديث مناكير، وطلحة يحدث بحديث: "عصفور من عصافير الجنة" " (^٥).
قال الذهبي عن حديث طلحة هذا: هو مما ينكر من حديثه، لكن أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (^٦).
وإنما ينكر عليه صدر الحديث الذي تقدمت الإشارة إلى أنه محل إنكار الإمام أحمد، وهو استدراك النبي ﷺ لعائشة في قولها، أما آخره فليس بمنكر، لأنه قد تابعه عليه غيره. فروى مسلم (^٧) من طريق جرير بن عبد الحميد الضبي، عن العلاء بن المسيب، عن فضيل بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة
_________________
(١) السنن ٤/ ٢٥ ح ١٨٧٥.
(٢) المسند ١٦/ ٣٦٤ ح ١٠٦٢٢.
(٣) السنن الكبرى ٤/ ٦٨.
(٤) الأدب المفرد ح ١٥١، وهو في صحيح الأدب المفرد برقم ١١٣.
(٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١١ رقم ١٣٨٠.
(٦) سير أعلام النبلاء ١٤/ ٤٦٢.
(٧) صحيح مسلم ٤/ ٢٠٥٠ ح ٢٦٦٢ (٣٠).
[ ٢ / ٩٤٢ ]
أم المؤمنين قالت: توفي صبيٌّ فقلت: طوبى له، عصفور من عصافير الجنة. فقال رسول الله ﷺ: "أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا". وأخرجه إسحاق (^١)، وابن حبان (^٢) من هذا الوجه.
وتابعه أيضًا يحيى بن إسحاق، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة بمثله. أخرجه الطيالسي، عن قيس بن الربيع، عن يحيى بن إسحاق (^٣).
فقد توبع طلحة بن يحيى على آخر الحديث دون قوله في أوله: "أو غير ذلك".
وقد أشار العقيلي إلى هذا التفصيل قال: "آخر الحديث فيه رواية من حديث الناس بأسانيد جياد، وأوله لا يحفظ إلا من هذا الوجه" (^٤).
ولعل هذا وجه تقديم الإمام مسلم لرواية فضيل بن عمرو التي ليس فيها اللفظة المنكرة مع نزوله فيها على رواية طلحة بن يحيى، على عادته في تأخير الأحاديث المعلّة.
وممن أنكر الحديث من الوجه الذي أنكره الإمام أحمد الحافظ ابن عبد البر؛ قال: "وفي ذلك أيضًا دليل واضح على سقوط حديث طلحة بن يحيى - يعني هذا الحديث - وهذا حديث ساقط ضعيف، مردود بما ذكرناه من الآثار والإجماع، وطلحة بن يحيى ساقط ضعيف لا يحتج به، وهذا الحديث مما انفرد به فلا يعرّج عليه" (^٥).
_________________
(١) مسند إسحاق بن راهويه ٢/ ٤٤٧ ح ١٠١٦.
(٢) الإحسان ١/ ٣٤٨ ح ١٣٨.
(٣) مسند الطيالسي ص ٢٢٠ ح ١٥٧٤.
(٤) الضعفاء للعقيلي ٢/ ٦١٦.
(٥) التمهيد ٦/ ٣٥٠ - ٣٥١.
[ ٢ / ٩٤٣ ]
مخالفة الراوية للواقع:
ومما أنكره لمخالفته للواقع:
قال صالح بن أحمد بن حنبل: "وسألته عن حديث رواه نصير بن حمد البرازي، صاحب ابن المبارك، عن عثمان بن زائدة، عن الزبير بن عدي، عن أنس ابن مالك رفعه، قال: [من أقرّ بالخراج وهو قادرٌ على أن لا يُقِرّ به فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا] فقال: ما سمعنا بهذا، هذا حديث منكر، وقد رُوي عن ابن عمر أنه كان يَكره الدخول في الخراج، وقال: إنما كان الخراج على عهد عمر" (^١).
لم أجد حديث أنس هذا، وروى يحيى بن آدم، عن عبيد الله الأشجعي، عن سفيان بن سعيد، عن الزبير بن عدي، عن رجل من جُهينة قال: قال رسول الله ﷺ: "من أقرّ بالخراج بعد أن أنقذه الله ﷿ منه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" (^٢) قال ابن رجب: وهذا أشبه، والجهني مجهول (^٣) رجحه لأن عثمان بن زائدة وإن كان ثقة (^٤) إلا أن الثوري أوثق منه، فقوله أشبه بالصواب.
والإمام أحمد أنكره لمخالفته للواقع، وذلك أن الخراج لم يكن في زمن النبي ﷺ، وإنما كان في زمن عمر (^٥)، فكيف يأتي الوعيد على المقرّ به وهو لم يكن بعدُ؟
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ١/ ٢٨٠ رقم ٢٢٢. ونقل ابن أبي حاتم هذا السؤال عن صالح في "علل ابن أبي حاتم" ٢/ ٤٤١ ح ٢٨٣٠. وذكر ابن رجب عن الميموني أنه كتب إلى أحمد يسأله عن هذا الحديث فأجابه بنحو ما ذكره هنا الاستخراج لأحكام الخراج ٧.
(٢) الخراج ليحيى بن آدم القرشي ص ٥٤ ح ١٥٠.
(٣) الاستخراج لأحكام الخراج ص ٨.
(٤) قال عنه ابن حجر: ثقة زاهد تقريب التهذيب ٤٤٩٩.
(٥) انظر: أحكام أهل الذمة ١/ ١٠٧.
[ ٢ / ٩٤٤ ]
وقد جاء عن الإمام أحمد استنكار لبعض الأحاديث للمخالفة والظاهر أن ذلك ليس بمعنى التضعيف لها، أو يكون بمعنى التضعيف ويكون قوله في ذلك متعقَّب.
فمثال الأول:
قال عبد الله: "حدثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي التياح، قال: سمعت أبا زرعة يحدّث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "يُهلك أمتي هذا الحيُّ من قُريش"، قالوا: فما تأمرُنا يا رسول الله؟ قال: "لو أن الناس اعتزلوهم". قال عبد الله بن أحمد: وقال أبي في مرضه الذي مات فيه: اضرب على هذا الحديث، فإنه خلاف الأحاديث عن النبي ﷺ، يعني قوله: "اسمعوا وأَطيعوا واصبِروا" (^١).
قال المرّوذي: "وقد كنت سمعته يقول: هو حديث رديء، يحتج به المعتزلة في ترك الجمعة" (^٢).
حديث أبي هريرة أخرجه أيضًا البخاري (^٣)، ومسلم (^٤) كلاهما من طريق شعبة به.
والذي أنكره الإمام أحمد هو قوله: "لو أن الناس اعتزلوهم"، فقد وقع السؤال في موضع آخر على هذه اللفظة كما في "كتاب الورع" (^٥)، فأجاب بما ذكره المرّوذي، وهو راوي "كتاب الورع" عن الإمام أحمد.
_________________
(١) المسند ١٣/ ٣٨١ - ٣٨٣ ح ٨٠٠٥، ونقله الخلال المنتخب من العلل للخلال ص ١٦٣ رقم ٨٤.
(٢) المنتخب من العلل للخلال الموضع نفسه.
(٣) صحيح البخاري ٦/ ٦١٢ ح ٣٦٠٤.
(٤) صحيح مسلم ٤/ ٢٢٣٦ ح ٢٩١٧.
(٥) كتاب الورع ص ٣٦.
[ ٢ / ٩٤٥ ]
وقد رُوي الحديث عن أبي هريرة من وجوه أخرى بدون هذه الزيادة التي أنكرها الإمام أحمد، وقد ذكر أنه من غرائب حديث شعبة (^١).
فأخرجه البخاري من حديث عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي، عن جده سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: [كنت مع مروان وأبي هريرة فسمعت أبا هريرة يقول: سمعت الصادق المصدوق يقول: "هلاك (^٢) أمتي على يدي غِلَمةٍ من قُريش". فقال مروان: غلمة؟ قال أبو هريرة: لو شيت أن أسمِّيهم، بني فلان، وبني فلان] (^٣).
وروي من حديث شعبة، وسفيان، وابن أبي زائدة عن سماك، عن مالك ابن ظالم، عن أبي هريرة بمثله (^٤)؛ ومن حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (^٥)؛ ومن حديث عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة (^٦).
لكن شعبة روى الحديثين، فذكر حديث مالك بن ظالم بدون الزيادة، وذكرها في حديث أبي التياح، عن أبي زرعة، ولذلك لم يتردد صاحبا الصحيح من إخراج روايته.
وأنكره الإمام أحمد لأن ظاهره مخالف للأحاديث التي وردت بالأمر بعدم الخروج عن طاعة ولي الأمر وإن كان ظالمًا، وهي كثيرة ومن أصول أهل السنة،
_________________
(١) فتح الباري ٦/ ٦١٥.
(٢) قال الحافظ ابن حجر: والمراد أنهم يهلكون الناس بسبب طلبهم الملك والقتال لأجله فتفسد أحوال الناس ويكثر الخبط بتوالي الفتن. ا. هـ. فتح الباري ١٣/ ١٠.
(٣) صحيح البخاري ٦/ ٦١٢ ح ٣٦٠٥.
(٤) أخرجه أحمد ١٩/ ٢٥٥ ح ٧٨٧١ من حديث سفيان، و١٩/ ٣٥٢ ح ٧٩٧٤ من حديث شعبة. وأخرجه إسحاق من حديث ابن أبي زائدة مسند إسحاق ١/ ٣٥٨ ح ٣٦٢. وأخرجه ابن حبان ١٥/ ١٠٨ ح ٦٧١٣، والحاكم المستدرك ٤/ ٥٢٧ كلاهما من طريق شعبة.
(٥) أخرجه ابن حبان ١٥/ ١٠٧ ح ٦٧١٢.
(٦) أخرجه الحاكم المستدرك ٤/ ٤٧٩.
[ ٢ / ٩٤٦ ]
وقد أساء فهم هذا الحديث طائفة المعتزلة فتركوا حضور الجمعة.
والأقرب أن أمر الإمام أحمد بالضرب على هذا الحديث ليس تضعيفًا له، ولكن للنهي عن التحديث به خوفًا من أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في مخالفات أشدّ. وقد ذُكر عنه أنه كان يكره التحديث بالأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان (^١)، فالظاهر أن هذا منه، والله أعلم.
ومثال ما استنكره من أجل المخالفة وتعقّب قوله فيه:
قال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر حديث صالح بن كيسان، عن الحارث ابن فُضيل الخطمي، عن جعفر بن عبد الله بن الحكم، عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن الحكم، عن عبد الرحمن بن المِسوَر بن مخرمَة، عن أبي رافع، عن عبد الله ابن مسعود، عن النبي ﷺ: "يكون أمراء يقولون ما لا يفعلون، فمن جاهدهم بيده". قال أحمد: جعفر هذا هو أبو عبد الحميد بن جعفر، والحارث بن فُضيل ليس بمحمود الحديث، وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود، ابن مسعود يقول: قال رسول الله ﷺ: "اصبروا حتى تلقَوني" (^٢).
حديث ابن مسعود رواه مسلم (^٣) من طريق صالح بن كيسان بهذا الإسناد، ومتنه: "ما من نبيٍ بعثه اللهُ في أُمّة قبلي إلا كان له من أمتِهِ حَواريُّونَ وأصحابٌ يأخذون بسنّته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلُفُ من بعدهم خُلوفٌ، يقولون مالا يَفعلون، ويَفعلون ما لا يُؤمَرون، فمن جاهَدَهم بيده فهو مُؤمن، ومن جاهَدَهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهَدَهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراءَ
_________________
(١) فتح الباري ١/ ٢٣٥.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤١٨ رقم ١٩٥٠. ورواه الخلال كما في "السنة" ١/ ١٤٢ ح ١٠٥ وفي "المنتخب من العلل للخلال" ص ١٦٩ - ١٧٠.
(٣) صحيح مسلم ١/ ٦٩ ح ٥٠.
[ ٢ / ٩٤٧ ]
ذلك من الإيمان حبّةُ خَردَل". قال أبو رافع فحدثت عبدَ الله بن عمر فأنكره عليّ، فقدِم ابنُ مسعود، فنزل بقناة فاستتبعني إليه عبدُ الله بن عمر يعوده، فانطلقتُ معه، فلما جلسنا سألت ابنَ مسعود عن هذا الحديث فحدثنيه كما حدثته ابنَ عمر. قال صالح وقد تحدث بنحو ذلك عن أبي رافع].
وقد رواه من هذا الوجه أيضًا أحمد (^١)، وابن مندة (^٢)، والبيهقي (^٣). ورواه من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن الحارث بن فضيل أبو عوانة (^٤) وابن حبان (^٥)، والطبراني (^٦) وأبو نعيم (^٧). ورواه أحمد (^٨) من طريق عبد الله بن جعفر المخرمي، عن الحارث بن فضيل به.
ولم ينفرد به الحارث بن فضيل، فقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود، فروى الإمام أحمد (^٩) من طرق عن عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن عامر بن السِّمط، عن معاوية بن إسحاق، عن عطاء بن يسار، عن ابن مسعود فذكره مختصرًا. وهكذا رواه البزار (^١٠) أيضًا. ورواه بطوله ابن حبان (^١١). وصرح عطاء بن يسار في روايته بالسماع من ابن مسعود (^١٢)، وخطّأ
_________________
(١) المسند ٧/ ٣٧٨ ح ٤٣٧٩.
(٢) الإيمان ١/ ٣٤٥ ح ١٨٣.
(٣) السنن الكبرى ١٠/ ٩٠.
(٤) مسند أبي عوانة ١/ ٤٣ ح ٩٨.
(٥) الإحسان ١٤/ ٧١ ح ٦١٩٣.
(٦) المعجم الكبير ١٠/ ١٣ ح ٩٧٨٤.
(٧) المستخرج على صحيح مسلم ١/ ١٣٧ ح ١٧٧.
(٨) المسند ٧/ ٤١١ ح ٤٤٠٢.
(٩) المسند ٧/ ٣٧٤ ح ٤٣٦٣.
(١٠) مسند البزار ٥/ ٢٨١ ح ١٨٩٦.
(١١) الإحسان ١/ ٤٠٣ ح ١٧٧.
(١٢) قال ذلك معاذ بن معاذ عن عاصم، وتابعه عبد الواحد بن زياد عند ابن أبي حاتم في المراسيل
[ ٢ / ٩٤٨ ]
ذلك أبو حاتم (^١). وقال البخاري: يقال سمع منه (^٢). وذكر ابن سعد أنه سمع منه (^٣)، ونقل الذهبي مثل ذلك عن أبي داود (^٤).
واستنكر الإمام أحمد هذا الحديث في هذه الرواية بأنه خلاف الأحاديث التي رواها ابن مسعود والتي أمر رسول الله ﷺ فيها بالصبر على جور الأئمة، ولولا كلامه في الحارث بن فضيل راوي الحديث لقلنا في هذا مثل ما سبق في الذي قبله، أن استنكاره من باب كراهية التحديث بالأحاديث التي ظاهرها الخروج على الوُلاة. لكن لما قال في الحارث بن فُضيل إنه ليس بمحمود الحديث في معرض استنكاره للحديث الذي رواه، دلّ ذلك على طعنه في صحته. والحارث بن فضيل وثقه ابن معين، والنسائي (^٥)، وقال ابن حبان: كان من خيار أهل المدينة (^٦)، ولم يلتفت النقاد المتأخرون إلى قول الإمام أحمد في الحارث فوثقه كلٌ من الذهبي، وابن حجر (^٧)، وقال ابن الصلاح: روى عنه جماعة من الثقات، ولم نجد له ذكرًا في كتب الضعفاء (^٨). ثم أنه لم ينفرد به كما تقدم.
_________________
(١) ص ١٥٦. وخالفهما أبي النضر هاشم بن القاسم فرواه بالعنعنة، وهي رواية أحمد الموضع نفسه. ومما يرجح قول أبي النضر ما ذكره الدارقطني أن ابن لهيعة خالف معاوية بن إسحاق، فرواه من وجه آخر عن عطاء، عن أبي واقد، عن ابن مسعود، وقال: ذكر أبي واقد أصح علل الدارقطني ٥/ ٣٤٢. وابن لهيعة ليس ممن يرجح قوله على مثل معاوية بن إسحاق الذي وثقه أحمد والنسائي تهذيب الكمال ٢٨/ ١٦١، والله أعلم.
(٢) المراسيل ٥٧٢.
(٣) التاريخ الكبير ٦/ ٤٦١.
(٤) الطبقات الكبرى ٥/ ١٧٣.
(٥) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤٩.
(٦) الجرح والتعديل ٣/ ٨٦، تهذيب الكمال ٥/ ٢٧١.
(٧) مشاهير علماء الأمصار ١/ ١٣٠.
(٨) الكاشف ٨٦٩، تقريب التهذيب ١٠٤٩.
(٩) صيانة صحيح مسلم ص ٢٠٩.
[ ٢ / ٩٤٩ ]
وتولى ابن رجب الإجابة عن هذا الاستنكار فقال: "التغيير باليد لا يستلزم القتال، وقد نص على ذلك أحمد أيضًا في رواية صالح، فقال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح … وليس هو من باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه، فإن هذا أكثر ما يُخشى منه أن يقتل الآمر وحده، وأما الخروج عليهم بالسيف فيخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين" (^١).
فقد عاد الأمر إلى عدم تحقيق المخالفة لأن الجمع بين ما ظاهره التعارض ممكن، والجمع بين الأحاديث بحيث يحمل كل حديث على المعنى اللائق به فلا تتضارب معانيها منهج ثابت عند الإمام أحمد (^٢)، وقد يكون ما ذكره ابن رجب من تفسيره للتغيير رجوعًا منه عن استنكار الحديث وجمعًا بين الحديثين المتعارضين في الظاهر، والله أعلم.
_________________
(١) جامع العلوم والحكم ٢/ ٢٦٣.
(٢) انظر مسائل صالح ٢/ ٢٦٢ - ٢٦٧ رقم ٨٧١.
[ ٢ / ٩٥٠ ]
الفصل الثاني: الإعلال بالعلل الخفية
[ ٢ / ٩٥١ ]
المبحث الأول: نماذج من الأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات.
والأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات تأتي على أنواع، بعضها تقع في الإسناد وبعضهما في المتن، وبعضها فيمها معًا، وقد تقدح في صحة الحديث وقد لا تقدح. وقد اعتنى الأئمة النقاد بما فيهم الإمام أحمد بذكر هذه الأخطاء في مصنفاتهم في العلل، وسألهم تلاميذهم عنها في كتب سؤالاتهم فكشفوها، ويُلتمس من خلال ذلك الوسائل التي سلكوها للكشف عن تلك الأخطاء.
ولما كانت الأخطاء التي تقع في أحاديث الثقات مَردُّها إلى الوهم والغلط النادر الذي لا يسلم منه بشر، والأوهام والأخطاء لا حصر لأنواعها، إلا أن العلماء درجوا على تسمية بعض الأوهام والأخطاء بأسماء خاصة يندرج تحت كل جنس جملة كثيرة من الأفراد، فسلكت في هذا المبحث إيراد الأخطاء على أنواع يندرج تحت كل نوع عدد من النماذج كما وردت عن الإمام أحمد.
[ ٢ / ٩٥٣ ]
المطلب الأول: أخطاء الحفاظ في الأسماء.
وهذا من أنواع الأخطاء الواقعة في الأسانيد، ولأهمية السلامة من الوقوع فيها اعتنى الأئمة النقاد بمعرفة المتشابه من الأسماء والألقاب والكنى، والتمييز بين الأسماء المتفقة لفظًا وخطًا والمفترقة في المسميات. وقد ذكر الإمام أحمد عن هشيم قال: "زعم لي بعضهم قال: كتب الحجاج أن يؤخذ إبراهيم بن يزيد إلى عامله، فلما أتاه الكتابُ قال: فكتب إليه: أن قِبَلَنا إبراهيم بن يزيد التيمي، وإبراهيم بن يزيد النخعي، فأيهما يُنفذ؟ قال: فكتب أن: خُذهما جميعًا. قال هشيم: أما إبراهيم النخعي، فلم يُوجد حتى مات، وأما إبراهيم التيمي فأُخذ
[ ٢ / ٩٥٣ ]
فمات في السجن" (^١)، فلعدم التمييز بينهما لتشابههما في الأسماء وقع الخلط، فكذلك يقع في أسانيد الأحاديث، وإذا كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفًا فالذي يترتب على الخلط يكون أشد. مثال ذلك ما ذكره أبو طالب عن الإمام أحمد: "كل شيء روى ابنُ جُريج عن عمر بن عطاء، عن عِكرمة فهو: عمر بن عطاء بن وَزار، وكل شيء روى ابن جُريج عن عمر بن عطاء عن ابن عباس فهو عمر بن عطاء بن أبي الخُوار، كان كبيرًا. قيل له: أيروي ابن أبي الخُوار عن عِكرمة؟ قال: لا، من قال: عمر ابن عطاء بن أبي الخُوار، عن عِكرمة فقد أخطأ، إنما روى عن عِكرمة عمر بن عطاء ابن وَزار، ولم يرو ابن أبي الخُوار عن عكرمة شيئًا" (^٢)، وعمر بن عطاء بن وَزار ليس بقوي في الحديث (^٣)، وعمر بن عطاء بن أبي الخوار ثقة (^٤).
والأخطاء من هذا النوع من أشد أنواع الأخطاء في الأسماء، لأنها تؤدي إلى تصحيح ما هو ضعيف، وأو تضعيف ما صحيح.
ودونها الأخطاء في تسمية الراوي بما ليس اسمه فيؤدي إلى تجهيله، وهذا يقع كثيرًا من الثقات، بل حتى من الحفاظ البارزين. وقد قال أحمد: ما أكثر ما يخطئ شعبة في أسامي الرجال (^٥). وقال أيضًا: كان غلط شعبة في أسماء الرجال (^٦). وقد قال أبو داود: وشعبة يخطئ فيما لا يضره ولا يُعاب عليه، يعني في الأسماء (^٧).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ١٣٧ رقم ١٦.
(٢) تهذيب الكمال ٢١/ ٤٦٤.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣١٧ رقم ٥٤٠٩.
(٤) وثقه ابن معين، وأبو زرعة تهذيب الكمال ٢٤/ ٤٦٢.
(٥) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦.
(٦) الجرح والتعديل ٤/ ٣٧٠.
(٧) شرح علل الترمذي ١/ ٤٥٠.
[ ٢ / ٩٥٤ ]
ومن نماذج الأخطاء التي ذكرها الإمام أحمد لبعض الثقات من هذا النوع:
١. قال عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن حماد، قال: أخبرنا أبو عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حُدس أبي مصعب العقيلي، عن عمّه أبي رزين وهو لقيط بن عامر المُنتَفِق أنه قال: يا رسول الله، إن كنا نذبح في رجب ذبائح فنأكل منها، ونطعِم من جاءنا، فقال رسول الله ﷺ: "لا بأس بذلك". فقال وكيع: فلا أدعُها أبدًا. حدثني أبي: قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد، وبَهز، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حُدْس، عن عمِّه أبي رُزَيْن العُقيلي قلت: يا رسول الله، كيف نرى ربَّنا، فذكر الحديث. وأظن أبي قال: في كتاب الأشجعي، عن سفيان، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حُدس. حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم قال: أخبرنا يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عُدس، عن عمِّه أبي رُزيْن. حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عُدس، عن عمّه أبي رُزيْن. قال أبي الصواب ما قال حماد بن سلمة،
وأبو عوانة، وسُفيان قالوا: وكيع بن حُدس، وكان الخطأ عنده ما قال شعبة، وهُشيم. وأظنه قال: هُشيم كان يُتابِع شُعبة" (^١).
ففي هذا النص التنصيص على خطأ شعبة في اسم وكيع بن حُدس، حيث يقول فيه: وكيع بن عُدس بالعين المهملة، وإنما هو بالحاء المهملة كما قال ذلك حماد بن سلمة، وأبو عوانة، وسفيان الثوري من كتاب عبيد الله الأشجعي، والمسمى واحد. ومتابعة هشيم لشعبة ليس فيها تقوية لرواية شعبة، لأنه أخذ ذلك عن شعبة كما قال الإمام أحمد. وقال أبو داود: قال أحمد: وهم هُشيم، أخذه عن شعبة (^٢). وأما الترمذي فرجح قول شعبة (^٣).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٢٨ - ٤٢٩ رقم ٥٨٢٤ - ٥٨٢٧.
(٢) تهذيب الكمال ٣٠/ ٤٨٥.
(٣) الجامع ٤/ ٥٣٦.
[ ٢ / ٩٥٥ ]
ووكيع بن حُدس لم يوثقه إلا ابن حبان (^١). وقال عنه الذهبي: لا يعرف، تفرد عنه يعلى بن عطاء (^٢). فهو آفة الأحاديث التي وردت في السؤال، وقد أخرجها أحمد (^٣).
٢. قال ابن هانئ: "سمعت أبا عبد الله يقول: ما أكثر ما يخطئ شعبة في أسامي الرجال، وذكر له حديث عبد ربه عن عمران بن أبي أنس: حديث [الصلاة مثنى مثنى، تشهّدُ في كل ركعتين وتخشعُ وتضرّعُ وتمسكَنُ] فقال هو: أنس بن أبي أنس، وإنما هو الصحيح: عِمران بن أبي أنس" (^٤).
حديث شعبة أخرجه أبو داود (^٥)، والنسائي (^٦)، وابن ماجه (^٧)، وأحمد (^٨)، وابن خزيمة (^٩) من طرق عنه، عن عبد ربه بن سعيد، عن أنس بن أبي أنس، عن عبد الله بن نافع بن العمياء، عن عبد الله بن الحارث، عن المطلب عن النبي ﷺ قال: "الصلاة مثنى مثنى، وتشَّهدُ قي كل ركعتين، وتباءسُ، وتمسكنُ، وتُقنِعُ يديك وتقول: اللهم اللهم، فمن لم يفعل ذلك فهي خِداج".
فذكر أحمد أن شعبة أخطأ في قوله: أنس بن أبي أنس، وأن الصحيح إنما هو عِمران بن أبي أنس؛ هكذا رواه الليث بن سعد، عن عبد ربه بن سعيد، عن
_________________
(١) الثقات ٥/ ٤٩٦.
(٢) ميزان الاعتدال ٩٣٥٥.
(٣) المسند ٢٦/ ١١٨ ح ١٦٢٠٢، ١٦٢٠٤، ٢٦/ ١١١ ح ١٦١٩٢، ٢٦/ ١١٦ ح ١٦١٩٨، ٢٦/ ١٠٠ ح ١٦١٨٢، ٢٦/ ١١٢ ح ١٦١٩٣.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦ رقم ٢٣٧٤.
(٥) السنن ٢/ ٦٦ ح ١٢٩٦.
(٦) السنن الكبرى ١/ ٢١٢ ح ٦١٦.
(٧) السنن ١/ ٤١٩ ح ١٣٢٥.
(٨) المسند ٢٩/ ٦٦ ح ١٧٥٢٣ ح ١٧٥٢٤ ح ١٧٥٢٨ ح ١٧٥٢٩.
(٩) صحيح ابن خزيمة ٢/ ٢٢٠ ح ١٢١٢.
[ ٢ / ٩٥٦ ]
عمران بن أبي أنس (^١).
وقال الفضل بن زياد: "سمعت أبا عبد الله وذكر له أبو جعفر حديث عمران بن أبي أنس، فقال أبو عبد الله: الحديث حديث الليث بن سعد، أنس بن أبي أنس من هذا؟ معروف عمران بن أبي أنس" (^٢).
وذكر البخاري أن الليث قد توبع (^٣).
وقال أبو حاتم: "ما يقول الليث أصح، لأنه قد تابع الليث عمرو بن الحارث، وابن لهيعة، وعمرو والليث كانا يكتبان، وشعبة صاحب حفظ" (^٤).
وقد خولف شعبة في مواضع أخرى في روايته لهذا الحديث غير ما ذكره، لم يذكرها الإمام أحمد، وذكرها البخاري (^٥)، وأبو حاتم (^٦). والحديث ضعفه البخاري (^٧)، وحسنه أبو حاتم (^٨)، والقول ما قال البخاري.
وفي هذا إشارة إلى ما سبق ذكره من أنه يترتب على خطأ الرواة في الأسماء تجهيل رواة معروفين، وذلك حيث قال الإمام أحمد: "أنس بن أبي أنس! من هذا؟ معروف عمران بن أبي أنس". فكأنه يشير إلى أن رواية شعبة جاءت براوٍ مجهول بينما الراوي في واقع الأمر شخص آخر معروف.
_________________
(١) أخرجه الترمذي ٢/ ٢٢٥ ح ٣٨٥، والنسائي السنن الكبرى ١/ ٢١٢ ح ٦١٥، وأحمد ٣/ ٣١٥ ح ١٧٩٩.
(٢) المعرفة والتاريخ ٢/ ٢٠٢.
(٣) التاريخ الكبير ٣/ ٢٨٣.
(٤) علل ابن أبي حاتم ١/ ١٣٢.
(٥) جامع الترمذي ٢/ ٢٢٦.
(٦) الموضع السابق.
(٧) قال في التاريخ الكبير ٥/ ٢١٣ في عبد الله بن نافع بن العمياء: لم يصح حديثه. وقال عنه ابن المديني: مجهول تهذيب الكمال ١٦/ ٢٠٧.
(٨) علل ابن أبي حاتم الموضع نفسه.
[ ٢ / ٩٥٧ ]
٣. قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: كذا قال عندر، وأظن شعبة أخطأ في اسمه، في حديث شعبة، عن محمد بن إسحاق، عن عمر بن عاصم بن قتادة، عن محمود، عن رافع عن النبي ﷺ: "أسفِروا بالصُّبح"، قال أبي: وإنما هو عاصم ابن عمر بن قتادة" (^١).
روى حديث شعبة الحجاج بن المنهال (^٢)، وأبو داود الطيالسي (^٣)، وعمر ابن حفص الحوضي (^٤)، وبقية بن الوليد (^٥) كلهم عن شعبة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج على الصواب في تسمية شيخ ابن إسحاق.
وكذلك رواه غير واحد عن ابن إسحاق، منهم: عبدة بن سليمان (^٦)، ويعلى بن عبيد (^٧)، وزائدة بن قدامة (^٨)، ويزيد بن هارون، ومحمد بن يزيد (^٩)، فكلهم قالوا في اسم شيخ محمد بن إسحاق: عاصم بن عمر بن قتادة.
ولم أقف على من تابع غندر عن شعبة في قوله: عمر بن عاصم بن قتادة، فالظاهر أن الخطأ منه لا من شعبة كما ظن الإمام أحمد، بدليل من ذكره عن شعبة على الصواب، وهم عدد.
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٦٠ رقم ١٨٦٧.
(٢) حديثه عند الدارمي ١/ ٢٧٧.
(٣) وهو في مسنده ١٢٩ ح ٩٥٩.
(٤) حديثه في المعجم الكبير ٤/ ٢٥٠ ح ٤٢٨٦.
(٥) وحديثه في الآحاد والمثاني ٤/ ١٢٠ ح ٢٠٩١.
(٦) جامع الترمذي ١/ ٢٨٩ ح ١٥٤.
(٧) عند عبد بن حميد في مسنده ص ١٥٨ ح ٤٢٢.
(٨) المعجم الكبير ٤/ ٢٥٤ ح ٤٢٨٨.
(٩) كلاهما عند ابن حبان الإحسان ٤/ ٣٥٧ ح ١٤٩٠.
[ ٢ / ٩٥٨ ]
قال عبد الله: "حدثني أبي قال: حدثنا وكيع، عن مالك بن أنس، عن عبيد الله بن أبي بكر الثقفي عن أنس: "غدونا مع النبي ﷺ في هذا اليوم، فكان يُهلّ المُهِلُ ويُكبّر المُكبّر فلا يَعيب أحدُهما على صاحبِه". حدثني أبي قال: حدثنا ابن مهدي، عن مالك، عن محمد بن أبي بكر الثقفي، قال أبي: وهذا أخطأ فيه وكيع، إنما هو محمد بن أبي بكر الثقفي" (^١).
حديث مالك رواه عدد كثير من الرواة عنه، عن محمد بن أبي بكر الثقفي (^٢)، أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من مِنىً إلى عرفة: "كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ؟ فقال: كان يُهِلّ منا المُهِلّ فلا يُنكر عليه، ويُكبّر منا المُكبّر فلا يُنكر عليه" فرواه عبد الرحمن بن مهدي كما ذكره أحمد (^٣)، ويحيى بن يحيى الليثي (^٤)، وأبو مصعب الزهري (^٥)، وأبو نعيم (^٦)، وعبد الله بن يوسف التنيسي (^٧)، ويحيى بن يحيى النيسابوري (^٨)، وأبو سلمة الخزاعي (^٩). وتابعهم موسى بن عقبة (^١٠)، وعبد العزيز الماجشون (^١١)، فروياه عن محمد بن أبي بكر الثقفي به.
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٠٣ رقم ٤٨٠٣.
(٢) هو محمد بن أبي بكر بن عوف بن رباح الثقفي. وثقه النسائي، والعجلي تهذيب التهذيب ٩/ ٨٠.
(٣) وهو في مسنده ١٩/ ١٢٥ ح ١٢٠٦٩.
(٤) في الموطأ بروايته ١/ ٣٣٧.
(٥) وهو في الموطأ بروايته ١/ ٤٣١ ح ١٠٤٩.
(٦) وهو عند البخاري ٢/ ٤٦١ ح ٩٧٠، والنسائي السنن ٥/ ٢٥٠ ح ٢٩٩٩.
(٧) حديثه عند البخاري ٣/ ٥١٠ ح ١٦٥٩.
(٨) وحديثه عند مسلم ٢/ ٩٣٣ ح ١٢٨٥ (٢٧٤)، والبيهقي السنن الكبرى ٣/ ٣١٣.
(٩) وحديثه عند أحمد ح ١٣٥٢١.
(١٠) أخرج حديثه مسلم ٢/ ٩٣٤ ح ٢٧٥، والنسائي السنن ٥/ ٢٥١ ح ٣٠٠٠، والحميدي المسند ٢/ ٥٠٩ ح ١٢١١.
(١١) أخرج حديثه أحمد المسند ١٩/ ٤٧٧ ح ١٢٤٩٣، وعلي بن الجعد مسنده ص ٤٢٥ ح ٢٩٠٧.
[ ٢ / ٩٥٩ ]
ورواه وكيع عن مالك فقال: عن عبيد الله بن أبي بكر الثقفي، فذكر الإمام أحمد أنه وهم في ذلك. قال عبد الله في موضع آخر (^١): "سمعت أبي يقول: وكيعٌ يهِم في أحاديث عن مالك بن أنس منها: حديث محمد بن أبي بكر الثقفي: غدونا مع أنس، لم يقل وكيع محمد بن أبي بكر الثقفي، قال شيئًا غير محمد، خالفه ابن مهدي".
وقال الباجي: وهو وهم من وكيع، والصواب ما قال جميع الرواة عن مالك: محمد بن أبي بكر الثقفي. ا. هـ (^٢).
٥. قال عبد الله: "حدثني أبي قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال حدثنا أبو الزعراء عمرو بن عمرو، عن عمه أبي الأحوص، وقال الثوري: عمرو بن عامر أبو الزعراء، أخطأ، هو عمرو بن عمرو كما قال ابن عيينة" (^٣).
وهذا خلاف في اسم أبي الزعراء الصغير، وقد تابع ابن عيينة على قوله: عمرو بن عمرو أبو العميس عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، فقال: عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو (^٤). وقال البخاري أيضًا: عمرو بن عمرو أصح (^٥) وعكس يحيى بن معين فرجح عمرو بن عامر (^٦).
فالحكم على الثوري بالخطأ إنما هو على قول الإمام أحمد لثبوب الخلاف في اسم هذا الراوي.
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٦٥ رقم ٥١٧٢.
(٢) التعديل والتجريح ٢/ ٦٩١.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١٤٥ رقم ٤٦٣٧.
(٤) كتاب الأسامي والكنى للإمام أحمد ص ٨٩ رقم ٢٥٥. وانظر الراوية عند ابن أبي شيبة المصنف ٣/ ١٦٠ ح ١٣٠٥٠.
(٥) التاريخ الأوسط ٢/ ٩.
(٦) التاريخ - برواية الدوري ٣/ ٣٥١ رقم ١٦٩٥.
[ ٢ / ٩٦٠ ]
وقد يترتب على الخطأ في التسمية ظن من ليس بصحابي صحابيًا. مثال ذلك:
قال الإمام أحمد: "حدثنا محمد بن أبي عدي، عن سُليمان - يعني التيمي - عن أبي عثمان - يعني النهدي - عن قبيصة بن مُخارق قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] انطلق رسول الله ﷺ إلى رضْمةٍ من جبَلٍ فعلا أعلاها ثم نادى أو قال: "يا آل عبد منافاه، إني نذيرٌ، إن مَثلي ومَثَلَكم كمَثَلِ رجلٍ رأى العدُوَّ فانطلق يَرْبَأُ أهلَه يُنادي" أو قال: "يهتِف: يا صباحاه". قال عبد الله: قال أبي: قال ابن أبي عدي في هذا الحديث: عن قبيصة بن مُخارق أو وهب بن عمرو، وهو خطأ، إنما هو زهير بن عمرو، فلما أخطأ تركت وهب بن عمرو" (^١).
هذا الحديث رواه محمد بن أبي عدي عن قبيصة بن مخارق أو وهب بن عمرو كما قال الإمام أحمد. وأخطأ فيه، وذلك أن الحديث رواه غير واحد عن سليمان ابن طرخان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن قبيصة بن مُخارق وزهير بن عمرو به. منهم يحيى القطان (^٢)، وإسماعيل بن علية (^٣)، ويزيد بن زريع (^٤)، ومعتمر ابن سليمان (^٥)، وعبيد الله بن معاذ (^٦) وغيرهم.
ورواية ابن أبي عدي هذه لو ثبتت تقتضي ثبوت الصحبة لوهب بن عمرو، فيظن من ليس بصحابي صحابيًا، ولجسامة هذا الخطأ ترك الإمام أحمد ذكره في السند، فهو من باب سكوته على موضع العلة على ما عُرف منه في غير ما موضع (^٧).
_________________
(١) المسند ٢٥/ ٢٥٦ ح ١٥٩١٥.
(٢) وحديثه عند أحمد المسند ٣٤/ ٢٠٩ ح ٢٠٦٠٥، والنسائي الكبرى ٦/ ٢٤٤ ح ١٠٨١٧.
(٣) وحديثه عند أحمد المسند ٣٤/ ٢١٠ ح ٢٠٦٠٦.
(٤) وحديثه عند مسلم ١/ ١٩٣ ح ٢٠٧.
(٥) وحديثه عند مسلم الموضع نفسه، والطبري جامع البيان ١٩/ ١٢٠.
(٦) كتاب الإيمان لابن مندة ٢/ ٨٨٦ ح ٩٩٥.
(٧) انظر مثل ذلك: المسند ٣٨/ ١٢٤ ح ٢٣٠١٧.
[ ٢ / ٩٦١ ]
وهناك نوع من الخطأ في التسمية يعود في حقيقته إلىنوع من القلب، لأنه يؤدي إلى إبدال من يعرف بالرواية بغيره، فيستلزم في بعض صوره وصل ما هو مرسل أو العكس، ومثال الصورة الأولى - هو ما يستلزم الاتصال فيما هو مرسل في الحقيقة:
قال عبد الله: "حدثني أبي قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا قُريش بن حيّان العجلي، عن أبي واصل، قال: لقيت أبا أيوب الأنصاري، ولم يقُل وكيع مرة: الأنصاري. قال أبي: أخطأ فيه وكيع، وإنما هو أبو أيوب العتكي الذي حدث عنه قتادة" (^١).
وذكر الإمام أحمد رواية وكيع في المسند (^٢) "قال: حدثنا وكيع، حدثنا قُريش ابن حيّان، عن أبي واصل قال: لقيت أبا أيوب الأنصاري فصافحني فرأى في أظفاري طولًا فقال: قال رسول الله ﷺ: "يَسأل أحدُكم عن خبر السماء وهو يدَع أظفارَه كأظافير الطَّير يجتمع فيها الجنابة والخبثُ والتَّفَث". ولم يقل وكيع مرة: الأنصاري. قال غيره: أبو أيوب العتكي. قال أبو عبد الرحمن: قال أبي: يسبقه لسانُه - يعني وكيعًا - فقال: لقيت أبا أيوب الأنصاري، وإنما هو أبو أيوب العتكي".
رواه أبو داود الطيالسي، حدثنا قريش بن حيان، عن واصل بن سليم قال: أتيت أبا أيوب الأزدي فذكره (^٣).
وقوله: واصل بن سليم خطأ نبه عليه أبو حاتم، قال: إنما هو سليمان بن فروخ (^٤).
ورواه أبو الوليد الطيالسي حدثنا قريش، حدثني سليمان بن فروخ لقيت أبا أيوب (^٥)، فلم ينسبه.
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٨١ ح ٢٢٥٩.
(٢) المسند ٣٨/ ٥٢٢ ح ٢٣٥٤٢.
(٣) مسند الطيالسي ص ٨١ ح ٥٩٦.
(٤) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٢٨٨ ح ٢٣٦٩.
(٥) أخرجه البخاري التاريخ الكبير ٤/ ١٢٨ - ١٢٩، والبيهقي السنن الكبرى ١/ ١٧٥.
[ ٢ / ٩٦٢ ]
ورواه عبد الرحمن بن المبارك (^١) فقال: أبو أيوب الأنصاري (^٢).
وذكر الإمام أحمد أن ما قاله وكيع خطأ، سبقه لسانُه، فنسب أبا أيوب في الإسناد بالأنصاري، وإنما هو العتكي الذي حدث عنه قتادة، وأبو أيوب العَتكي هو الأزدي الذي ورد مصرحًا في رواية أبي داود الطيالسي. قال أحمد: "أبو أيوب صاحب قتادة من العَتيك، اسمه يحيى" (^٣). وقال أيضًا: "واسم أبي أيوب صاحب قتادة: يحيى بن مالك المراغي من الأزد" (^٤).
وهذا الخطأ جعل الحديث برواية وكيع متصلًا بينما هو مرسل، لأن أبا أيوب الأزدي تابعي، ومن أجله أدخله من أدخله في مسند أبي أيوب الأنصاري منهم محمد بن سلام كما ذكره البخاري (^٥)، ويونس بن حبيب (^٦).
وقد وافق الإمام أحمد على هذا الإمام أبو حاتم الرازي فإنه سئل عن هذا الحديث برواية أبي داود الطيالسي فقال: "هذا خطأ، ليس هو واصل بن سليم، إنما هو أبو واصل سليمان بن فروخ، عن أبي أيوب، وليس هو من أصحاب النبي ﷺ، هو أبو أيوب يحيى بن مالك العتكي من التابعين. قال ابن أبي حاتم: ولم يفهم يونس ابن حبيب أن أبا أيوب الأزدي هو العتكي فأدخله في مسند أبي أيوب الأنصاري" (^٧).
_________________
(١) هو الطفاوي. وثقه ابن معين وأبو حاتم وغيرهما تهذيب التهذيب ٦/ ٢٦٤.
(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١١٦٢.
(٣) كتاب الأسامي والكنى ص ٧٦ رقم ٢٠٢.
(٤) المصدر نفسه ص ٨٣ رقم ٢٣٠. وانظر ترجمته في موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٤٦١، وتهذيب الكمال ٣٣/ ٦٠.
(٥) التاريخ الكبير ٤/ ١٢٨.
(٦) في مسند أبي داود الطيالسي.
(٧) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٢٨٨ ح ٢٣٦٩.
[ ٢ / ٩٦٣ ]
وكل هذه الأخطاء وما شابهها ناشئة عن الوهم الذي لا يسلم منه بشر، وغالبًا ما يكون ذلك ممن يَعتمد على حفظه، ولا يرجع إلى الكتاب، وقد قال أحمد: "كان شعبة يحفظ، لم يكتب إلا شيئًا قليلًا، ربما وهم في الشي" (^١)، ولذلك قدّم القطان الثوري على شعبة عند الاختلاف. قال القطان: "سفيان أقل خطأ، لأنه يرجع إلى كتاب" (^٢). وقال أحمد: "سفيان أحفظ للإسناد وأسماء الرجال من شعبة" (^٣).
وقد يكون منشأ الخطأ التصحيف كما وقع لمعاذ بن معاذ:
قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: أخطأ معاذ بن معاذ في حديث عكرمة ابن عمّار، عن ضمضم بن جَوس الهِزّاني، كذا قال معاذ، قال أبي: أخطأ معاذ، إنما هو الهِفّاني" (^٤).
يشير الإمام أحمد إلى رواية معاذ بن معاذ العنبري قال: "حدثنا عكرمة ابن عمّار، عن ضَمْضَم بن جَوْس، عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب قال: [صلّى بنا عمر صلاةَ المغرِب فلم يقرأ في الركعة الأُولى شيئًا، فلما كان في الثانية قرأ بفاتحة القرآن وسورةً، ثم عاد فقرأ بفاتحة القرآن وسورة، ثم صلى حتى فرغ ثم سجد سجدتين ثم سلم] ". أخرجه ابن سعد (^٥). ولم يذكر نسبة ضمضم.
والخطأ في هذه النسبة ناشئ من التصحيف، فإن الهِفاني يسهل تصحيفه بالهِزّاني.
_________________
(١) تاريخ بغداد ٩/ ٢٥٩.
(٢) شرح علل الترمذي ١/ ٤٥٣.
(٣) الموضع نفسه.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٢٢٤ رقم ٢٠٨١.
(٥) الطبقات الكبرى ٥/ ٦٦.
[ ٢ / ٩٦٤ ]
وقد يكون منشأ الخطأ الأخذ عن راوٍ ضعيف مثل ما وقع لابن جريج.
قال عبد الله: "قال أبي في حديث حمنَة بنت جحش قال ابن جريج: حُدِّثت عن ابن عقيل محمد بن عبد الله بن عقيل، وهو خطأ، وقال: إنما هو عبد الله بن محمد ابن عقيل، وقال: عن حبيبة بنت جحش، خالف الناس" (^١).
وقال عبد الله في موضع آخر: "قال أبي: ابن جريج يرويه - يعني حديث حمنة - يقول: حُدِّثتُ عن ابن عقيل، لم يسمعه، ويقول: عن محمد بن عبد الله بن عقيل قلَّب اسمَه قال: يقولون: وافقه النُّعمان بن راشِدٍ، قال: ابن جريج يَروي عن النُّعمان بنِ راشِدٍ وما أُراه إلا سمعه منه، والنُّعمان بن راشِدٍ ليس بقويٍّ في الحديث تَعرِف فيه الضَّعفَ" (^٢).
فجعل الإمام سبب خطأ ابن جريج في اسم ابن عقيل احتمال كونه سمعه من النعمان بن راشد أحد الضعفاء، فإنه رواه وأخطأ في التسمية (^٣)، وكان ابن جريج يروي عنه، وكان معروفًا بالتدليس، فكأنه أخذه عنه ثم أبهمه في الإسناد، فتبعه على الخطأ.
ولم أقف على هذه الرواية التي أشار الإمام أحمد إلى أن ابن جريج أخطأ في اسم ابن عقيل في حديث ابنة جحش، بل الذي وقفت عليه أنه سماه عبد الله بن محمد بن عقيل على الصواب، وذلك في رواية عبد الرزاق (^٤) عنه، ومن طريقه ابن ماجه (^٥)،
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٥١ رقم ٤١٢٠.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٨٦ رقم ٥٢٧١.
(٣) ولم أقف على روايته بعد بحث طويل.
(٤) المصنف ١/ ٣٠٦ ح ١١٧٤.
(٥) سنن ابن ماجه ١/ ٢٠٣ ح ٦٢٢، رواه عن محمد بن يحيى الذهلي عنه، وأخذه الذهلي عن عبد الرزاق إملاء من كتابه.
[ ٢ / ٩٦٥ ]
وابن أبي عاصم (^١)، وابن المنذر (^٢)؛ وقد أشار الإمام البخاري (^٣) إلى أن في رواية غير عبد الرزاق يقول ابن جريج: حُدثت، فلعلها هي التي أشار إليها الإمام أحمد.
وقال سائر الرواة ممن شارك ابن جريج في رواية الحديث عن ابن عقيل؛ وهم زهير بن محمد المروزي (^٤)، وعبيد الله بن عمرو الرقي (^٥)، وشريك بن عبد الله النخعي (^٦)، وعمر بن ثابت (^٧)، وإبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي (^٨) كلهم رووا الحديث عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش قالت: [كنت أستحاض حيضة كثير شديد فأتيت رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره فوجدته في بيت أختى زينب بنت جحش …] فذكرت الحديث بطوله.
وإنما خالف ابن جريج حسب الراويات التي أشرت إليها في موضعين:
الأول: قال بدل عمران بن طلحة: عمر بن طلحة (^٩).
_________________
(١) الآحاد والمثاني ٦/ ١٢ ح ٣١٨٩.
(٢) الأوسط ٢/ ٢٢٢ ح ٨١٠.
(٣) التاريخ الكبير ١/ ٣١٦.
(٤) أخرج الحديث من طريقه أبو داود السنن ١/ ١٩٩ ح ٢٨٧، والترمذي ١/ ٢٢١ ح ١٢٨، وأحمد المسند ٤٥/ ٤٦٧ ح ٢٧٤٧٢، وإسحاق مسنده ١/ ٨٢، والطبراني ٢٤/ ٢١٨ ح ٥٥٣، والدارقطني ١/ ٢١٤، والحاكم المستدرك ١/ ١٧٢، والبيهقي ١/ ٣٣٨.
(٥) أخرج روايته الدارقطني ١/ ٢١٥، والحاكم المستدرك ١/ ١٧٢، والبيهقي السنن الكبرى ١/ ٣٣٨.
(٦) أخرج روايته أحمد المسند ٤٥/ ١٢١ ح ٢٧١٤٤، ٤٥/ ٤٦٥ ح ٢٧٤٧٥، وابن أبي شيبة المصنف ١/ ١٢٠ ح ١٣٦٤، والبخاري الأدب المفرد ح ٧٩٧، وابن ماجه ١/ ٢٠٥ ح ٦٢٧، وابن أبي عاصم الآحاد والمثاني ٦/ ١٤ ح ٣١٩٠، والطبراني ٢٤/ ٢١٨ ح ٥٥٢، والدارقطني ١/ ٢١٤.
(٧) ذكر أبو داود روايته تعليقًا الموضع السابق، وأخرجها الدارقطني ١/ ٢١٥.
(٨) أخرج روايته الدارقطني من طريق الشافعي عنه ١/ ٢١٥.
(٩) في رواية عبد الرزاق تصرف المحقق فذكر عمران بن طلحة مع أنه مخالف لما في الأصل كما ذكر، وقد نص البخاري، والترمذي على أن ابن جريج يقول في هذا الحديث: عمر بن طلحة انظر: التاريخ الكبير ١/ ٣١٦، جامع الترمذي ١/ ٢٢٢.
[ ٢ / ٩٦٦ ]
الثاني: قال بدل حمنة بنت جحش: أم حبيبة بنت جحش. وقد ذكر غير واحد أنها حمنة تكنى أم حبيبة فلا خلاف بينهما على ذلك (^١).
_________________
(١) انظر: السنن الكبرى ١/ ٣٣٨.
[ ٢ / ٩٦٧ ]
المطلب الثاني: أخطاء الثقات في الألفاظ.
وهذا النوع من الأخطاء الواقعة في المتون، وهو أيضًا مما لا يسلم منه بشر، فقد جاء عن رواة ثقات أخطاء من هذا النوع ولكن لم يقع الحمل عليهم بسببها لقلة ورودها عنهم، بل اجتنب النقاد تلك الأخطاء ولم يزحزحوهم عن منزلتهم في العلم والثقة.
وقد ذكر الأثرم أن ابن المديني كان يحمل على عمرو بن يحيى وذكر له هذا الحديث: "أن النبي ﷺ صلى على حمار"، وقال: إنما هو على بعير، فقال أحمد: هذا سهل (^١).
وحديث عمرو بن يحيى المازني رواه مالك وغيره، عنه، عن سعيد بن يسار، عن عبد الله بن عمر أنه قال: "رأيت رسول الله ﷺ يصلي على حمار وهو موجّه إلى خيبر" (^٢).
ورواه أبو بكر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، عن سعيد بن يسار، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يوتر على البعير (^٣).
_________________
(١) شرح علل الترمذي ١/ ٤٣٧.
(٢) أخرجه مسلم ١/ ٤٨٧ ح ٧٠٠، وأبو داود ح ١٢٢٦، والنسائي ٢/ ٦٠ ح ٧٤٩، السنن الكبرى ١/ ٢٦٨ ح ٨١٩، وأحمد ٨/ ١١٤ ح ٤٥٢٠ من طريق مالك، وهو في الموطأ ١/ ١٥٠. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٥٧٥ ح ٤٥١٩، وأحمد ٩/ ١١٥ ح ٥٠٩٩، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٣٦ ح ٨٥٠٦ من طريق سفيان الثوري. وأخرجه أحمد ٩/ ٣٢٧ ح ٥٤٥١ من حديث حماد بن سلمة، ومن حديث زائدة بن قدامة ١٠/ ٢٧٣ ح ٦١٢٠، وأخرجه من هذا الطريق الطبراني أيضًا المعجم الكبير ١٢/ ٣٣٤ ح ١٣٢٧٤. وأخرجه أبو يعلى المسند ١٠/ ٣٥ ح ٥٦٦٤ من حديث وُهيب بن خالد.
(٣) أخرج مالك الموطأ ١/ ١٢٤، والبخاري ٢/ ٤٨٨ ح ٩٩٩، ومسلم ١/ ٤٨٧ ح ٧٠٠.
[ ٢ / ٩٦٨ ]
قال النسائي: "لم يتابع عمرو بن يحيى على قوله: يصلي على حمارٍ، إنما يقولون: صلى على راحلته" (^١)، وكذلك قال ابن عبد البر (^٢).
فمثل هذا سهل كما قال أحمد. وقال الدارقطني: مثل هذا في الصحابة (^٣).
ومن أخطاء الرواة الثقات في الألفاظ ما تقدم عن يحيى القطان أنه قال في حديث أنس في طلب بني سلمة التحول من ديارهم: "فكره رسول الله ﷺ أن يُعرى المسجد"، وقال غيره: "فكره أن تُعرى المدينة"، وهو الصواب، ورواية يحيى القطان خطأ نبه عليه الإمام أحمد، وكان قد روى الحديث من طريق يحيى ثم أمر بأن يضرب عليه (^٤).
ومنها:
قال عبد الله: "حدثني أبي قال: حدثنا غُندر قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء قال: "كان النبي ﷺ يوم الأحزاب ينقل معنا الترابَ ولقد وَارى الترابُ بياضَ بَطنِه". وقال عفان: إِبْطِه، وهو خطأ أخطأ فيه إنما هو: بياض بطنه" (^٥).
وحديث البراء أخرجه البخاري (^٦)، ومسلم (^٧)، والنسائي (^٨)، وأحمد (^٩)،
_________________
(١) السنن الكبرى ١/ ٢٦٩.
(٢) التمهيد ٢٠/ ١٣٢.
(٣) شرح علل الترمذي ١/ ٤٣٦.
(٤) تقدم في ص ٣٩٥.
(٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٧٩ رقم ١٩٢٩.
(٦) صحيح البخاري ٦/ ٤٦ ح ٢٨٣٦ من طريق حفص بن عمر الحوضي، و٧/ ٣٩٩ ح ٤١٠٤ من طريق مسلم بن إبراهيم، و١٢/ ٢٢٢ ح ٧٢٣٦ عن عبدان عن أبيه كلهم عن شعبة.
(٧) صحيح مسلم ٣/ ١٤٣٠ ح ١٨٠٣ من طريق غندر ومن طريق ابن مهدي.
(٨) السنن الكبرى ٥/ ٢٦٩ ح ٨٨٥٧ من طريق أمية.
(٩) المسند ٣٠/ ٥٣٧ ح ١٨٥٧٠ من طريق غندر.
[ ٢ / ٩٦٩ ]
وأبو داود الطيالسي (^١)، وأبو عوانة (^٢)، وابن حبان (^٣) كلهم من طرق عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء به. وكلهم قالوا: وارى التراب بياض بطنه.
وحديث عفان أخرجه أحمد (^٤)، عنه، عن شعبة به، ولفظه: كان رسول الله ﷺ ينقل معنا التراب يوم الأحزاب ويقول: فذكر رجز ابن رواحة. فلم يذكر الإمام أحمد موضع ما واراه التراب من جسده ﷺ. فكأنه ترك ذكره لثبوت خطئه عنده على ما هو معهود من منهجه (^٥).
ومن هذه الأخطاء ما يرجع إلى الخطأ بسبب الرواية بالمعنى، وقد سبق بعض الأمثلة على ذلك في مطلب سوء الحفظ المقيد برواية الراوي إذا روى بالمعنى، ومنها: حديث صفوان بن سليم في نقل قول اليهودي، فقال يحيى القطان في روايته: نشهد أنك رسول الله ﷺ. قال أحمد: خالف يحيى بن سعيد غيرُ واحدٍ، قالوا: نشهد أنك نبي. قال أبي: لو قالوا: نشهد أنك رسول الله كانا قد أسلما، ولكن يحيى أخطأ فيه خطأً قبيحًا (^٦).
ومنها: قول محمد بن عبيد في حديث عمران بن حصين: "وخلق الذكر". قال أبو القاسم: هذا الحرف كان محمد بن عُبيد يخطئ فيه وينهاه أحمد بن حنبل أن يحدّث به، والصواب ما روى أبو بكر بن عياش وغيره: "وكتب الذكر" اهـ (^٧).
_________________
(١) مسند الطيالسي ص ٩٧ ح ٧١٢.
(٢) مسند أبي عوانة ٤/ ٣٤٧ ح ٦٩٢٢ من طريق سعيد بن الربيع.
(٣) من طريق أبي الوليد الطيالسي الإحسان ١٠/ ٣٩٧ ح ٤٥٣٥.
(٤) المسند ٣٠/ ٤٧٥ ح ١٨٥١٣.
(٥) وقد جاء في رواية الدارمي سنن الدارمي ٢/ ٢٢١ عن أبي الوليد، وفي رواية أبي عوانة مسنده ٤/ ٣٤٧ ح ٦٩٢١ من طريق أبي داود الطيالسي: بياض إبطيه، مثل ما ذكره الإمام أحمد عن عفان، فلعل هذا من من دون أبي الوليد وأبي داود الطيالسيان عن شعبة، فقد رواه ابن حبان من طريق أبي الوليد، وأبو داود الطيالسي كما في مسنده كلاهما بلفظ: بياض بطنه.
(٦) انظر: ص ٣٨٩.
(٧) انظر: ص ٣٩٤.
[ ٢ / ٩٧٠ ]
وقد تقدم ما ذكره أحمد من خطأ أبي الأحوص في حديث الأوعية حيث قال: "اشربوا في الأوعية ولا تسكروا"، والصواب: "ولا تشربوا مسكرًا" (^١).
فهذه كلها روايات بالمعنى قام بها هؤلاء الرواة الثقات الأفاضل فوقعوا في الخطأ عند تصرفهم في اللفظ ونقلهم النص بالمعنى.
ومن أخطاء الثقات في اللفظ ما كان راجعًا إلى التصحيف، الكلام عليه في المطلب الآتي إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) انظر: ص ٨٩٨.
[ ٢ / ٩٧١ ]
المطلب الثالث: التصحيف
وهو تحويل الكلمة من هيئتها المتعارفة إلى غيرها (^١)، وإنما يكون ذلك في الأسماء والألفاظ المشكلة التي تتشابه في صورة الخط فيقع فيها التصحيف. وهو من الخطأ الذي لم يسلم منه حتى الحفاظ. روي عن أحمد أنه قال: «ومن يعرى عن الخطأ والتصحيف؟». (^٢) قال السخاوي: والإكثار منه إنما يحصل غالبًا للآخاذ من بطون الدفاتر والصحف، ولم يكن له شيخ يوقفه على ذلك، ومن ثم قيل لمن ينقل على هذا الوجه ويغير إنه قد صحّف، أي قد روى عن الصُّحُف، فهو مُصحِّف، ومصدره تصحيف (^٣)، وقد تقدم في مبحث ما يخل بضبط الراوي بسبب طريقة التحمل أن أغلب ما يقع من الخلل في رواية من اعتمد طريقة في التحمل غير السماع والعرض على الشيخ يرجع إلى التصحيف، لأن الكتب والصحف في الأول لم تكن منقوطة ولا مشكولة، فمن لم يكن له شيخ يوقفه على الصحيح فلا بد أن يقع في الخطأ.
قال أبو حاتم لأبي زرعة: «لا تحدث عن إبراهيم بن هشام بن يحيى فإني ذهبت إلى قريته وأخرج إليّ كتابًا زعم أنه سمعه من سعيد بن عبد العزيز، فنظرت فيه فإذا فيه أحاديث ضمْرة، عن رجاء بن أبي سلمة، وعن ابن شَوْذب، وعن يحيى بن أبي عمرو السِّيباني، فنظرت إلى حديث فاستحسنته من حديث ليث بن سعد، عن عُقيل فقلت له: اذكر هذا، فقال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ليث بن سعد،
_________________
(١) فتح المغيث (٤/ ٥٦). قال أسطيري جمال في رسالته العلمية «التصحيف وأثره في الحديث والفقه وجهود المحدثين في مُكافحته» (ص ٤٠): وهذا من أحسن التعاريف وأشملها لجميع ما سماه السلف من المحدثين تصحيفًا. اهـ
(٢) (^٥) المصدر نفسه (٤/ ٥٧).
(٣) الموضع نفسه.
[ ٢ / ٩٧٢ ]
عن عقِيل - بالكسر- ورأيت في كتابه أحاديث عن سُويد بن عبد العزيز، عن مغيرة وحصين قد أقلبها على سعيد بن عبد العزيز، فقلت له: هذه أحاديث سويد بن عبد العزيز، فقال: نا سعيد بن عبد العزيز، عن سويد، أظنه لم يطلب العلم، وهو كذّاب». (^١) فهذا وقعتْ إليه كتبٌ ولم يطلب العلم على الشيوخ فوقع في التحصيف والقلب من حيث لا يدري، فنسب إلى الكذب بسبب ذلك.
والتصحيف يقع في السند كما يقع في المتن. فمن النماذج التي ذكرها الإمام أحمد مما وقع في الأسانيد:
قال الإمام أحمد: «حدثنا وكيع، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن أبي سفيان سمعه منه، وعن مسلم بن ثَفِنَة قال: استعمل ابن علقمة أبي عِرافَةَ قومِهِ، فأمره أن يُصدقهم قال: فبعثني أبي في طائفة لآتيه بصدقتهم - فذكر الحديث وفيه: نهانا رسول الله -ﷺ- أن نأخذ شافعًا - والشافع التي في بطنها ولدُها». قال عبد الله: سمعت أبي يقول: كذا قال وكيع: مسلم بن ثَفِنة، صحّف. وقال روح: ابن شُعبة، وهو الصواب. وقال أبي: وقال بشر بن السري: لا إله إلا الله! هو ذا ولده هاهنا - يعني مسلم بن شُعبة». (^٢)
ثم أخرج الحديث من طريق روح بن عُبادة (^٣). وكذلك تابع روح على مسلم بن شعبة بشر بن السري كما ذكر أحمد، وذكر روايته البخاري (^٤)؛ وتابعه أيضًا أبو عاصم كما ذكر أبو داود (^٥).
_________________
(١) الجرح والتعديل (١/ ١٤٣).
(٢) المسند (٢٤/ ١٥٣ ح ١٥٤٢٦). وانظر الحديث عند أبي داود (٢/ ٢٣٨ ح ١٥٨١، ١٥٨٢)، والنسائي (السنن ٥/ ٣٢ ح ٢٤٦١، ٢٤٦٢)، وابن أبي عاصم (الآحاد والمثاني ٢/ ٢١٢ ح ٩٦٧)، والبيهقي (السنن الكبرى ٤/ ٩٦).
(٣) المسند (٢٤/ ١٥٦ ح ١٥٤٢٧).
(٤) تعليقًا كما في «التاريخ الكبير» (٧/ ٢٥٧).
(٥) السنن (٢/ ٢٣٩).
[ ٢ / ٩٧٣ ]
ونص غير واحد على خطأ وكيع في قوله ثفنة، منهم ابن معين (^١)، والبخاري (^٢)، والنسائي (^٣)، واعتمد العسكري قول الإمام أحمد في ذكر هذا التصحيف عن وكيع (^٤)، وشعبة غير منقوط يسهل تصحيفها بثفنة.
ومن أمثلة التصحيف في السند أيضًا ما وقع في حديث أنس بن مالك: «كان رسول الله -ﷺ- وأبو بكر وعمر لا يقرؤون يعني لا يجهرون ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾». فرواه عبد الله بن الوليد، عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي نعامة الحنفي، عن أنس بن مالك به. أخرجه أحمد (^٥)، والبيهقي (^٦). وتابعه الحسين بن حفص (^٧)، وعمر بن سعيد (^٨)، ومحمد بن يوسف الفريابي (^٩)، وعبيد الله الأشجعي (^١٠).
وخالفهم يحيى بن آدم، فرواه عن سفيان، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس (^١١). قال الإمام أحمد: وهم فيه، إنما هو أبو نعامة. (^١٢)
_________________
(١) التاريخ برواية الدوري (٣/ ٦٩ رقم ٢٦٦).
(٢) التاريخ الكبير (٧/ ٢٥٧).
(٣) السنن الكبرى (٢/ ١٥).
(٤) تصحيفات المحدثين (١/ ٩٦).
(٥) المسند (٢٠/ ٤٥٩ ح ١٣٢٥٩).
(٦) السنن الكبرى (٢/ ٥٢).
(٧) حديثه عند البيهقي ٠ السنن الكبرى (٢/ ٥٢).
(٨) حديثه عند أبي يعلى (٧/ ٢١١ ح ٤٢٠٥).
(٩) حديثه عند البخاري (التاريخ الكبير ٨/ ٤٤١).
(١٠) ذكره الحافظ ابن حجر، نقلًا عن الخلال عن أحمد (النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٧٥١).
(١١) أخرج روايته ابن حبان من طريق هارون بن عبد الله الحمّال، عن يحيى بن آدم به (الإحسان ٥/ ١٠٥ ح ١٨٠٢).
(١٢) انظر: فتح الباري لابن رجب (٤/ ٣٧٣). ونقل الحافظ ابن حجر من علل الخلال أن مهنا بن يحيى هو الذي روى هذا عن الإمام أحمد فقال: هو وهم، حدثني يحيى بن آدم - يعني بهذا الإسناد - فقال: عن أبي نعامة قيس بن عباية، عن أنس ﵁ بدل أبي قلابة اهـ (النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٧٥١). فهذا يدل على أنه يحيى بن آدم يهم أحيانًا فيذكر أبا قلابة، ويحدث به على الصحيح أحيانًا على ما نقله الحافظ ابن حجر من علل الخلال. وهناك اختلاف آخر في الحديث أشار إليه الإمام البخاري (التاريخ الكبير ٨/ ٤٤١)، وهو على أبي نعامة، حيث رواه الجريري، وعثمان بن غياث، وراشد الحراني عن أبي نعامة، عن ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه مخالفًا لرواية خالد الحذاء عن أبي نعامة. فرجح البخاري، والدارقطني هذه الرواية، وقال ابن رجب: ويدل عليه كلام الإمام أحمد أيضًا، لأنه رواه ثلاثة عن أبي نعامة، فقولهم أولى من قول خالد الحذاء وحده. وقال بعضهم: القولان عن أبي نعامة صحيحان. (انظر: التاريخ الكبير الموضع نفسه؛ فتح الباري لابن رجب ٤/ ٣٧٤؛ النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٧٥٢).
[ ٢ / ٩٧٤ ]
وتغيير أبي نعامة بأبي قلابة نوع من التصحيف.
ومنها أيضًا:
قال عبد الله: «قلت لأبي: حدثني عمرو بن محمد قال: حدثنا عبّاد بن العوّام، عن أشعث، عن جَهم بن أبي سَبرة، أن الزبير كان يصلي خلفه رجلٌ يحفظ عليه صلاته فقال أبي: هذا خطأ، أخطأ عبّاد فيه، إنما هو أشعث، عن جهم، عن أبي سبرة النخعي، قال أبي وهو جهم بن دينار». (^١)
حديث عباد أخرجه ابن أبي شيبة (^٢) بلفظ: «كان يقعد خلفه رجلٌ يحفظ عليه صلاتَه». فذكر أحمد أنه وقع لعباد فيه تصحيف حيث قال مكان عن: بن فجعل الراوي جهم بن دينار ابن أبي سبرة، واعتمد البخاري قول عباد فقال في ترجمة جهم بن دينار هو ابن أبي سبرة (^٣)، أما ابن أبي حاتم فذكره على الاحتمال (^٤). وجهم بن دينار من قدماء أصحاب إبراهيم النخعي كما ذكر
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٣/ ٣٧٢ رقم ٥٦٣١).
(٢) المصنف (١/ ٣٠٤ ح ٣٤٧٦).
(٣) التاريخ الكبير (٢/ ٢٣١).
(٤) الجرح والتعديل (٢/ ٥٢٢).
[ ٢ / ٩٧٥ ]
أبو حاتم، وأبو سبرة النخعي هو عبد الله بن عابس، يروي عن فروة بن مسيك، وهو صحابي، وروى عنه الأعمش، والحسن بن
الحكم النخعي (^١)، وروى عن عمر أيضًا لكن قيل هو مرسل عن عمر (^٢). فجهم بن دينار يشبه أن يروي عن مثله، وهو يشبه أن يروي عن الزبير، والله أعلم.
ومن نماذج التصحيف في المتن:
قال عبد الله: «سمعت أبي يقول: قدِم داود بن أبي هند الكوفة، فقام مستملي أهل الكوفة ليَستملي لهم فقال: حديث سعيد بن المسيب يُكفن الضبي في خرقة. صحّف، أراد أن يقول: الصبي، فقال: الضبي» (^٣).
وقد حكى هذه الحكاية الدوري عن ابن معين (^٤)، ورواها الخطيب من طريقه (^٥).
وحديث داود بن أبي هند، أخرجه ابن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عنه، عن سعيد بن المسيب: يكفن الصبي في خرقة (^٦).
ومنها أيضًا:
قال عبد الله: «قال أبي في حديث ابن عمر، عن النبي -ﷺ-: أنه سئل عن الماء وما ينوبه من الدوابّ. وقال ابن المبارك: وما يثوبه، وصحّف فيه». (^٧)
_________________
(١) تهذيب الكمال (٣٣/ ٣٤٠).
(٢) انظر: العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٢٥٠ رقم ٢١٥٠)؛ تهذيب الكمال (الموضع نفسه.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٣/ ١٣٤ رقم ٤٥٨٣). ووقع في الطبعة التي حققها الدكتور وصي الله عباس: «النبي» مكان: «الضبي»، وما أثبته من الطبعة التي حققها محمد حسام بيضون، وهو موافق لما جاء في بقية المصادر التي نقلت هذه القصة.
(٤) التاريخ برواية الدوري (٣/ ٥٣٦ رقم ٢٦٢١).
(٥) مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٤٦٦ ح ١١٠٩٦).
(٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٤٢٩ رقم ٢٨٩٣).
(٧) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١/ ٢٩٣ رقم ٦٢٣).
[ ٢ / ٩٧٦ ]
حديث ابن عمر هذا هو حديث القلتين، وقد أخرجه أصحاب السنن
الأربعة (^١)، وأحمد (^٢)، وابن خزيمة (^٣)، وابن حبان (^٤) وغيرهم من طرق عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عمر به.
ورواية ابن المبارك عن ابن إسحاق هي التي قال الإمام أحمد إنه صحف فيها فقال: «وما يثوبه». وأخرج روايته ابن ماجه، لكن لم يذكر لفظها (^٥).
_________________
(١) أبو داود (السنن ١/ ٥١ - ٥٣ ح ٦٣ - ٦٥)، والترمذي (الجامع ١/ ٩٧ ح ٦٧)، والنسائي (١/ ٤٦ ح ٥٢)، وابن ماجه (١/ ١٧٢ ح ٥١٧، ٥١٨)، إلا أن النسائي أخرجه من طريق الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير.
(٢) المسند (٨/ ٢١١ ح ٤٦٠٥).
(٣) صحيح ابن خزيمة (١/ ٤٩ ح ٩٢).
(٤) الإحسان (٤/ ٥٧ ح ١٢٤٩).
(٥) سنن ابن ماجه (١/ ١٧٢ بعد حديث رقم ٥١٧).
[ ٢ / ٩٧٧ ]
المطلب الرابع: القلب
وهو من أنواع الخطأ في الحديث، ويقال للحديث الذي وقع فيه هذا النوع من الخطأ المقلوب، اسم مفعول من القلب. وعرّفه الحافظ ابن حجر بأنه إبدال من يُعرف بروايةٍ بغيره، فيدخل فيه إبدال راوٍ أو أكثر من راوٍ حتى الإسناد كله (^١). وهذا التعريف يصدق على القلب في السند، أما القلب في المتن فعرفه ابن الجزري بأنه هو الذي يكون على وجه فينقلب بعض لفظه على الراوي فيتغير معناه وربما انعكس (^٢).
وهذا النوع من الخطأ قد وقع فيه الثقات فضلًا عن الضعفاء، والفرق بين الفئتين أن الثقات إذا نبّهوا على الخطأ تنبّهوا فرجعوا إلى الصواب، وأما الضعفاء فلا يدركون الصواب من الخطأ لغفلتهم وعدم تيقظهم. قال الحميدي: «فان قال فما الغفلة التي ترد بها حديثُ الرَّجل الرِّضى الذي لا يُعرف بِكذِبٍ؟ قلتُ: هو أن يكون في كتابه غلطٌ، فيُقال له في ذلك، فيَترك ما في كتابه ويُحدِّث بما قالوا ويُغيّره بقولهم في كتابه، لا يَعرف فرقَ ما بين ذلك … أو يصحّف تصحيفًا فاحشًا يقلِّب المعنى لا يعقل ذلك فيُكفّ
عنه». (^٣)
وأنواع الخطأ في القلب التي سوف أذكر نماذجها في هذا المطلب هي:
إبدال صحابي بآخر
إبدال راوٍ بآخر
إبدال إسناد بآخر
القلب في المتن
_________________
(١) النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٨٦٤).
(٢) ذكره السخاوي عنه (فتح المغيث ١/ ٣٢٨).
(٣) الكفاية في علم الرواية (ص ٢٣٣).
[ ٢ / ٩٧٨ ]
النوع الأول من القلب: إبدال صحابي بأخر
وصورة هذا النوع من القلب أن يكون الحديث معروفًا من حديث صحابي معيّنٍ، فيجعله الراوي الذي وقع منه القلبُ من حديث صحابيّ آخر، وهذا في الحقيقة من نوع إبدال راوٍ بآخر، لكن خصص بالذكر لكون القلب وقع في طبقة الصحابة، لأن ذلك يؤدي إلى عدّ الحديث الواحد حديثين أو أكثر، فيظن أحدها شاهدًا للآخر والواقع خلافه.
فمن أمثلة ذلك:
قال أبو داود: «سمعت أحمد سُئل عن حديث أبي مَعشَر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عثمان، عن النبي -ﷺ-: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج»، قال: ما أُراه إلا وهمٌ من أبي معشر، يعني: عن عثمان وهمٌ؛ إنما هو عن إبراهيم عن عقلمة، عن عبد الله أنه قال لعثمان: قال لنا النبي -ﷺ-، وعن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، عن النبي -ﷺ-). (^١)
في هذا السؤال ذكر الإمام أحمد أن أبا معشر وهو زياد بن كُليب (^٢) وهم في روايته حيث إنه روى الحديث عن إبراهيم، عن علقمة، عن عثمان (^٣)، فأبدل عبد الله بن مسعود بعثمان، وهذا نوع من القلب. ووجه ذلك أن الحديث رواه
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٤٣٦ رقم ٢٠٠٦).
(٢) وثقه النسائي، والعجلي، وابن حجر. وقال الذهبي: حافظ متقن. وقال أبو حاتم: صالح، من قدماء أصحاب إبراهيم، ليس بالمتين في حفظه، وهو أحب إلي من حماد بن أبي سليمان. انظر: سنن النسائي (٤/ ١٧١)؛ تهذيب الكمال (٩/ ٥٠٦)، الكاشف (١٧٠٥)، تقريب التهذيب (٢١٠٨).
(٣) أخرجه النسائي (السنن ٤/ ١٧١ ح ٢٢٤٢؛ ٦/ ٥٦ ح ٣٢٠٦)، وأحمد (المسند ١/ ٤٧٠ ح ٤١١)، والشاشي (مسنده ١/ ٣٩٩ ح ٣٦١)، وأبو يعلى (مسنده ٩/ ١٢٢ ح ٥١١٠)، والبزار (مسنده ٢/ ٥٨ ح ٤٠٠).
[ ٢ / ٩٧٩ ]
أصحاب إبراهيم النخعي، منهم الأعمش (^١)، ومنصور (^٢)، ومغيرة (^٣) كلهم عنه، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود. وذكر الدارقطني أن هذه هي رواية أبي حمزة ميمون الأعور القصاب، وحماد بن أبي سليمان، والحسن بن عبيد الله كلهم عن إبراهيم (^٤).
وخالفهم أبو معشر فجعله من مسند عثمان بن عفان، ولم يتابع على قوله: عن عثمان.
وإنما انقلب على أبي معشر لأن الحديث وقع التحديث به في حضرة ابن مسعود وعثمان، فسهل تطرق الوهم إلى أبي معشر. قال علقمة: «كنت مع عبد الله فلقيه عثمان بمنى، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا نزوجك بكرًا تذكرك ما تعهد؟ فلما رأى عبد الله أن ليس له حاجة إلى هذا أشار إليّ فقال: يا علقمة، فانتهيت إليه وهو يقول: أما لئن قلت ذلك لقد قال لنا النبي -ﷺ-: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاءٌ». هذا لفظ البخاري.
فحكم الحفاظ بأن المحفوظ عن ابن مسعود، وقول أبي معشر وهم. (^٥) ومنها: قال حنبل: «ثنا أبو عبد الله: ثنا يزيد: ثنا هشام، عن محمد، عن كعب بن عُجرَة، قال: كنت عند النبي -ﷺ- فذكر فتنة، قال أبو عبد الله: أخطأ فيه، إنما
_________________
(١) وحديثه عند البخاري (٩/ ١٠٦ ح ٥٠٦٥)، ومسلم (٢/ ١٠١٨ ح ١٤٠٠)، وأبو داود (ح ٢٠٤٦)، والنسائي (السنن الكبرى ٢/ ٩٥ ح ٢٥٤٨)، وابن ماجه (١/ ٥٩٢ ح ١٨٤٥)، وأحمد (المسند ٦/ ٧١ ح ٣٥٩٢).
(٢) حديثه عند الطبراني مقرونًا بالأعمش (المعجم الكبير ح ١٠١٦٧).
(٣) وحديثه عند الطبراني أيضًا (المعجم الكبير ح ١٠٠٢٧).
(٤) علل الدراقطني (٣/ ٤٧).
(٥) وهو قول أبي حاتم (علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٢٢)، والدارقطني (علل الدارقطني ٣/ ٤٧؛ ٥/ ١٣٣)، والبزار (٢/ ٥٩).
[ ٢ / ٩٨٠ ]
هو: كعب بن مُرّة». (^١)
حديث كعب بن عُجرة أخرجه أحمد (^٢) في المسند بهذا الإسناد. وأخرجه من هذا ابن ماجه (^٣)، وابن أبي شيبة (^٤) كلاهما من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن كعب بن عُجرة به. ولفظه: «كنت عند رسول الله -ﷺ- فذكر فتنةً، فقرَّبها، فمرّ رجلٌ متقنِّعٌ، فقال: هذا يومئذٍ على الهُدى. قال فاتّبعتُه حتى أخذتُ بضبعَيْه فحولتُ وجهَهُ إليه وكشفتُ عن رأسِه فقلت هذا يا رسول الله؟ قال: نعم، فإذا هو عثمان بن عفان».
وأخرجه أبو حاتم من طريق همام عن قتادة، عن محمد بن سيرين به (^٥). وأخرجه أحمد (^٦)، وعبد الله بن أحمد (^٧) من طريق مطر الورّاق، عن محمد بن سيرين به أيضًا.
وهتان المتابعتان تدلان على أن ذكر كعب بن عُجرة في السند من ابن سيرين وليس ممن دونه في الإسناد.
وذكر الإمام أحمد أن إسناد الحديث إلى كعب بن عُجرة وهم، وأن الصواب كعب بن مرّة، وذلك أنه روي لفظ الحديث عنه من عدة أوجه، منها: عن أيوب، عن أبي الأشعث، عن مرة بن كعب، وهو كعب بن مرة (^٨). أخرجه أحمد (^٩)،
_________________
(١) المنتخب من العلل للخلال (ص ٢٠٢ رقم ١١٢).
(٢) المسند (٣٠/ ٥٣ ح ١٨١٢٩)، وأخرجه أيضًا بهذا الإسناد في فضائل الصحابة (١/ ٤٥٠ ح ٧٢٢).
(٣) السنن (١/ ٤١ ح ١١١).
(٤) المصنف (٦/ ٣٦٠ ح ٣٢٠٢٥).
(٥) علل ابن أبي حاتم (٢/ ٣٨٠ ح ٢٦٥٢).
(٦) المسند (٣٠/ ٤٤ ح ١٨١١٨).
(٧) زوائد فضائل الصحابة (١/ ٥٠٩ ح ٨٣٣).
(٨) اختلفوا في اسمه، والأكثرون يقولون: كعب بن مرة (الاستيعاب ٣/ ١٣٢٥؛ تقريب التهذيب ٥٦٨٦).
(٩) المسند (٢٩/ ٦٠٩ ح ١٨٠٦٨)؛ وفضائل الصحابة (١/ ٥٠٧ ح ٨٢٨) من طريق وهيب بن خالد، ومن طريق حماد بن زيد.
[ ٢ / ٩٨١ ]
وابن أبي شيبة (^١)، ونعيم بن حماد (^٢).
وكذلك من طريق معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر، عن جُبير بن نفير، عن كعب بن مرّة. أخرجه أحمد (^٣)، وابن أبي عاصم (^٤)، والطبراني (^٥).
ومما يدل على أن كعب بن مرة هو المحفوظ أن رواية ابن سيرين عن كعب بن عُجرة مرسلة (^٦)، فالوهم يسهل حيث لم يكن بينهما لقاء، ومن ثم رجح أنه كعب بن مرّة فانقلب على ابن سيرين إلى كعب بن عُجرة، والله أعلم.
وقد يطلق البطلان على هذا النوع من القلب لتحقق خطأ الحديث المقلوب، ومن ذلك:
قال أبو بكر الأثرم: «قلت لأبي عبد الله: وروى شَبابَة، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران أن النبي -ﷺ- أوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعْلى﴾ فقال: هذا باطل، ليس من هذا شيء، إنما رواه حجاج، عن قتادة، عن عمران عن النبي
-ﷺ-، حدثناه عباد بن العوام، عن حجاج. وأما حديث شعبة فحدثناه كذا وكذا عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن ابن أَبْزَى، قال والحديث يصير إلى ابن أَبْزَى». (^٧)
_________________
(١) المصنف (٦/ ٣٦٠ ح ٣٢٠٢٦)، من طريق ابن علية عن أيوب، لكن أسقط أبا الأشعث من الإسناد. وكذلك رواه أحمد من هذا الوجه (٢٩/ ٦٠١ ح ١٨٠٦٠). والذين ذكروا أبا الأشعث: حماد بن زيد، ووهيب بن خالد، وعبد الوهاب الثقفي.
(٢) الفتن (١/ ٨٥ ح ١٩٥) من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب وخالد الحذاء، عن أبي قلابة به.
(٣) المسند (٢٩/ ٦٠٨ ح ١٨٠٦٧).
(٤) الآحاد والمثاني (٣/ ٦٦ ح ١٣٨١).
(٥) المعجم الكبير (٢٠/ ٣١٦ ح ٧٥٣).
(٦) قاله أبو حاتم (المراسيل ٦٨٤).
(٧) تاريخ بغداد (٩/ ٢٩٧).
[ ٢ / ٩٨٢ ]
روى حديث شعبة عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن عبد الرحمن بن أبزى أربعة من الرواة، وهم: غندر (^١)، وحجاج بن المنهال (^٢)، وأبو داود الطيالسي (^٣)، ويحيى القطان (^٤).
وخالفهم شبابة فرواه عن شعبة، عن قتادة، عن زُرارة، عن عمران بن حصين به. أخرجه النسائي (^٥)، وابن أبي شيبة (^٦). فأبدل ابن أبزى بعمران بن حصين. وقال أحمد عن روايته: باطل، ليس من هذا شيء، لتحقق خطئها، فقد خالف أربعة من ثقات أصحاب شعبة، وهو وإن كان ثقة في نفسه (^٧)، لكن ليس في منزلة القطان وغندر.
وممن أنكر هذا الحديث على شبابة الإمام النسائي، قال: «لا نعلم أحدًا تابع شبابة على هذا الحديث، خالفه يحيى بن سعيد القطان». (^٨) ثم ذكر رواية يحيى القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن زُرارة عن عمران بن حصين: «صلى رسول الله -ﷺ- الظهر فقرأ بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، فلما صلى قال: من قرأ بـ ﴿سبح اسم ربك
الأعلى﴾؟ قال رجل: أنا، قال: قد علمت أن بعضهم خالجنيها». (^٩)
_________________
(١) أخرج حديثه النسائي (السنن ٣/ ٢٤٧ ح ١٧٤١)، وأحمد (المسند ٢٤/ ٧١ ح ١٥٣٥٣).
(٢) أخرج حديثه أحمد (الموضع نفسه).
(٣) أخرج حديثه النسائي (المصدر نفسه ح ١٧٤٠)، وأحمد (المسند ٢٤/ ٧٥ ح ١٥٣٥٦).
(٤) أخرجه أحمد (المسند ٢٤/ ٨١ ح ١٥٣٦١).
(٥) السنن (٣/ ٢٤٧ ح ١٧٤٢).
(٦) المصنف (٧/ ٣١٩ ح ٣٦٤٧٠).
(٧) شبابة بن سوّار الفزاري مولاهم، وثقه ابن معين، وابن سعد، وتكلم فيه الإمام أحمد من أجل الإرجاء، فإنه كان داعية (تهذيب الكمال ١٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧). وقد أنكر عليه أحاديث تفرد بها عن شعبة (انظر: الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١٣٦٥ - ١٣٦٦).
(٨) السنن (٣/ ٢٤٧).
(٩) أخرجه النسائي (٣/ ٢٤٧ ح ١٧٤٣). وهو عند مسلم من طريق غندر عن شعبة به (صحيح مسلم ١/ ٢٩٩ ح ٣٩٨ (٤٨»، وأبو داود (١/ ٥١٩ ح ٨٢٨) من طريق أبي الوليد الطيالسي، ومحمد بن كثير كلاهما عن شعبة به.
[ ٢ / ٩٨٣ ]
فعلى ما ذكره النسائي يكون القلب الذي وقع فيه شبابة إبدال إسناد بآخر، حيث جعل لمتن حديث ابن أبزى إسنادَ حديث عمران بن الحصين.
ومن هذا النوع من القلب ما تقدم عن عامر الأحول أنه روى حديث وضوء النبي -ﷺ- ثلاثًا ثلاثًا من حديث عطاء، عن أبي هريرة، وإنما هو عن عطاء، عن عثمان (^١).
النوع الثاني من القلب: إبدال راوٍ بآخر
وصورة هذا أن يكون الحديث معروفًا من رواية راوٍ معين فيرويه بعض الرواة من رواية راوٍ آخر في طبقته، فيَظنّ من لم يفطن لوقوع القلب أن الراوي الأول قد تُوبع، ويدفع عنه التفرد بذلك.
ومن أمثلة ما ذكره الإمام أحمد من هذا النوع من القلب الذي وقع فيه بعض الرواة الثقات:
قال عبد الله: سمعت أبي يقول: «الحديث الذي رواه وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- في الجمع بين الظهر والعصر قال أبي: إنما هو حديث داود بن قيس، ليس هو من حديث ابن أبي ذئب». (^٢)
لم أقف على رواية وكيع التي ذكرها الإمام أحمد. وقد روى الحديث المذكور عدد من الرواة عن داود بن قيس (^٣)؛ منهم يحيى القطان (^٤)،
_________________
(١) انظر: ص (٧٧٦).
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٣٠ رقم ١٤٥٣).
(٣) داود بن قيس الفرّاء المدني، وثقه أحمد، وابن معين وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي (الجرح والتعديل ٣/ ٤٢٣؛ تهذيب الكمال ٨/ ٤٤١).
(٤) حديثه عند أحمد (المسند ٥/ ٢٨٩ ح ٣٢٣٥)، وأبي يعلى (٥/ ٨٠ ح ٢٦٧٨).
[ ٢ / ٩٨٤ ]
والقعنبي (^١)، وعبد الرزاق (^٢)، وأبو نعيم (^٣)، والثوري (^٤) ولفظه: «جمع رسول الله -ﷺ- بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غير مطر ولا سفر، قالوا: يا أبا عباس، ما أراد بذلك؟ قال: التوسع على أمته». وفي بعض ألفاظه: من غير خوف ولا مطر.
ورواه ابن أبي شيبة (^٥) عن وكيع بمثل رواية الجماعة؛ عن داود بن قيس، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس به، فلعله رجع عن قوله: ابن أبي ذئب لما أوقف على الخطأ.
ومنها:
قال عبد الله: «حدثني أبو موسى الهرَوي إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، قال: أخبرني مَعْمر بن راشِد عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخُدري أن النبي -ﷺ- صلَّى في ماءٍ وطينٍ، فرأيت أثر جبينه وأرنبته في الماء والطين. فحدّثتُ به أبي فقال: أخطأ فيه عيسى، إنما رواه معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد قصة طويلة، وليس هو عن الزهري إنما هو عن يحيى بن أبي كثير». (^٦)
حديث معمر أخرجه عنه عبد الرزاق (^٧)، ومن طريقه أحمد (^٨)، ومسلم (^٩)،
_________________
(١) حديثه عند الطحاوي (شرح معاني الآثار ١/ ١٦٠).
(٢) المصنف (٢/ ٥٥٥ ح ٤٤٣٤).
(٣) وحديثه عند عبد بن حُميد (مسنده ص ٢٣٤ ح ٧٠٩).
(٤) وحديثه عند الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٣٢٧ ح ١٠٨٠٤).
(٥) مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٢١٠ ح ٨٢٣٠).
(٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٣/ ٣٤٧ رقم ٥٥٣٢). ووقع في طبعة التي حققها د/ وصي الله: الرزاز مكان الزهري، وفي الطبعة الأخرى على الصحيح.
(٧) المصنف (٤/ ٢٤٨ ح ٧٦٨٥).
(٨) المسند (١٨/ ٣٩٢ ح ١١٨٩٥).
(٩) صحيح مسلم (٢/ ٨٢٦ ح ١١٦٧).
[ ٢ / ٩٨٥ ]
وأبو داود (^١)، وأبو عوانة (^٢). وأخرجه أيضًا أبو داود (^٣) من طريق صفوان بن
عيسى، عن معمر به.
وانفرد عيسى بن يونس في رواية إسحاق بن إبراهيم الهروي (^٤) التي ذكرها عبد الله برواية الحديث عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد. فأبدل يحيى بن أبي كثير بالزهري، وخالف غيره ممن رواه عن معمر. والحديث لا يعرف عن الزهري، ولم يروه أحد من الرواة عنه على كثرتهم، فحكم الإمام أحمد على عيسى بن يونس (^٥) - وهو أحد الثقات - بالخطأ.
لكن رواه مؤمل بن الفضل (^٦)، عن عيسى بن يونس، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير به. أخرجه أبو داود (^٧) إلا أن أبا علي اللؤلؤي قال: هذا الحديث لم يقرأه أبو داود في العرضة الرابعة اهـ (^٨). فلعله اطلع على أنه خلاف المعروف عن عيسى بن يونس، فتركه، والله أعلم.
وإن أدى القلب إلى إبدال ثقة بضعيف كان أثره أشد، مثال ذلك:
قال عبد الله: «قلتُ لأبي: تَحفظ هذا من حديث أبي عاصم، عن سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري قال: كان
_________________
(١) السنن (١/ ٥٥٤ ح ٨٩٥).
(٢) مستخرج أبي عوانة (ص ٣٤٥ ح ٢٩٠).
(٣) السنن (الموضع نفسه).
(٤) أثنى عليه أحمد خيرًا، وقال: يكتب عنه. ووثقه ابن معين، وغمزه ابن المديني. وذكره ابن حبان في الثقات (الجرح والتعديل ٢/ ٢١٠؛ تاريخ بغداد ٦/ ٣٣٧؛ الثقات ٨/ ١١٦).
(٥) تقدمت ترجمته. ص (٦٨٧).
(٦) مؤمل بن الفضل الحراني. قال أبو حاتم: ثقة رضى. وقال أحمد: زعموا أنه لا بأس به (تهذيب الكمال ٢٩/ ١٨٥).
(٧) السنن (١/ ٥٦٠ ح ٩١١).
(٨) سنن أبي داود (الموضع نفسه).
[ ٢ / ٩٨٦ ]
رسول الله -ﷺ- يقول: «ألا أَدُّلُكم على شيءٍ يُكفِّر الخَطايا ويَزيدُ في الحسنات؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء عند المكاره». فقال أبي: هذا باطل - يعني من حديث عبد الله بن أبي بكر - قال أبي: إنما هو حديث ابن عَقِيل،
وأنكره أشدَّ الإِنكار وقال: ليس بشيء - يعني حديث عبد الله بن أبي بكر - قال: هذا حديث ابن عقيل». (^١)
حديث أبي عاصم الذي ذكره عبد الله، أخرجه ابن خزيمة (^٢)، وابن حبان (^٣)، والحاكم (^٤). وأخرج أبو يعلى جزءً منه (^٥).
وقد أنكره الإمام أحمد على أبي عاصم حيث أبدل عبد الله بن محمد بن عقيل، بعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فالأول قال فيه أحمد: منكر الحديث، وإن أُثر عنه أنه يحتج به (^٦)، وأما الثاني فهو ثقة ثبت (^٧). ومن أجل ذلك اشتدّ إنكار الإمام أحمد للحديث، وقال: إنه باطل.
فقد تفرد به أبو عاصم النبيل عن الثوري، والمشهور في رواية هذا المتن هو عبد الله بن محمد بن عقيل؛ هكذا رواه زهير بن محمد المروزي (^٨)، وعبيد الله بن عمرو
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٥٥٧ ح ٣٦٣٣).
(٢) صحيح ابن خزيمة (١/ ٩٠ ح ١٧٧).
(٣) الإحسان (٢/ ١٢٧ ح ٤٠٢).
(٤) المستدرك (١/ ١٩١).
(٥) مسند أبي يعلى (٢/ ٣٥٤ ح ١١٠٢).
(٦) تهذيب الكمال (١٦/ ٨٢)؛ جامع الترمذي (١/ ٩).
(٧) قاله النسائي (تهذيب الكمال ١٤/ ٣٥١). وقال أحمد: حديثه شفاء (العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله رقم ٣٦٣٦).
(٨) أخرج حديثه ابن ماجه (١/ ١٤٨ ح ٤٢٧)، وأحمد (المسند ١٧/ ٢١ ح ١٠٩٩٤)، والدارمي (السنن ١/ ١٧٨)، وأبو يعلى (المسند ٢/ ٥٠٧ ح ١٣٥٥)، والحارث بن أبي أسامة (زوائد مسند الحارث ١/ ٢٧٢ ح ١٥٣)، وابن خزيمة (صحيح ابن خزيمة ١/ ٩٠)، والبيهقي (٢/ ١٦).
[ ٢ / ٩٨٧ ]
الرقّي (^١)، وعمر بن ثابت (^٢). وليس له أصل عن عبد الله بن أبي بكر على كثرة
حديثه؛ قال أبو حاتم: «ليس لعبد الله بن أبي بكر معنى». (^٣)
وقد سبق ذكر فائدة معرفة هذه العلة، وهو نفي ما يظن معه دفع التفرد عن الراوي المتفرد، فإذا كان الراوي مجروحًا لم تنفعه المتابعة الموهومة في الرواية المقلوبة.
النوع الثالث من القلب: إبدال إسنادٍ بآخر
وهذا النوع من القلب أشار إليه الحافظ ابن حجر كما تقدم، وصورته أن يكون متن الحديث معروفًا بإسناد معيّن، فيخطئ بعض الرواة فيرويه بإسناد آخر يُروى به متن آخر، فيُوهم أن لمتن الحديث إسناديْن، فينتج عن ذلك عند من لم يفطن له عدُّ الحديث الواحد حديثين أو أكثر، فيستشهد في باب الاعتبار بما لا يصلح أن يكون شاهدًا. وغالبًا ما يعبّر الأئمه عن هذا النوع من القلب بقولهم: «دخل عليه حديث في حديث»، أو «إسناد في إسناد».
وقد اشتهر التمثيل بما وقع لجرير بن حازم من هذا النوع من القلب في كتب المصطلح (^٤)، وقد روى الإمام أحمد القصة عن بإسناده إلى حماد بن زيد: قال عبد الله: «حدثني أبي قال: حدثنا إسحاق بن عيسى، قال: حَدّثتُ حماد بن زيد بحديث جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا أُقيمت الصلاةُ فلا تقوموا حتى تروني»، فأنكره وقال: إنما سمعه من حجاج الصواف، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه في مجلس ثابت، فظنّ أنه
_________________
(١) أخرج حديثه الدارمي (السنن ١/ ١٧١)، وعبد بن حميد (المنتخب من مسنده ص ٣٠٣ ح ٩٨٤).
(٢) أخرج حديثه الذهبي (سير أعلام النبلاء ١٦/ ٤٣٥) من طريق أبي الحسين الطيوري.
(٣) علل ابن أبي حاتم (١/ ٣٠ ح ٥٤).
(٤) انظر: مقدمة ابن الصلاح (ص ١١٢)، النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٨٧٢)، ألفية العراقي مع فتح المغيث (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥).
[ ٢ / ٩٨٨ ]
سمعه - يعني من ثابت». (^١)
وقال أبو داود: «سمعت أحمد وقيل له: ثابت، عن أنس - يعني عن النبي -ﷺ-: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى ترَوني»؟ فقال أحمد: هذا زعموُا أن حمادَ بنَ زيدٍ قال: كنَّا عند ثابت، وعنده حجاجُ بن أبي عثمان، فقال حجاج: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن ابن أبي قتادة، عن أبيه، فذكر الحديث، فظن جرير أنه حدث به ثابت عن
أنس، فرواه». (^٢)
فالمتن الذي رواه جرير معروف عن النبي -ﷺ- من حديث يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبي قتادة. أخرجه مسلم (^٣)، والنسائي (^٤)، وأحمد (^٥) من طرق عن حجاج بن أبي عثمان، عن يحيى بن أبي كثير به.
وأما حديث جرير فأخرجه الطيالسي (^٦)، والترمذي (^٧)، والطبراني (^٨).
وقد تفرد جرير برواية هذا المتن من حديث ثابت عن أنس، ولا أصل له من حديث ثابت، ولا من حديث أنس، وقد تبين مما ذكره حماد بن زيد كيف دخل الوهم على جرير بن حازم فدخل عليه حديث في حديث وأبدل لحديث أبي قتادة إسنادًا آخر يروى به متنٌ آخر.
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٨٣ رقم ١٦٢٥).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٣٨٥ رقم ١٨٥٧).
(٣) صحيح مسلم (١/ ٤٢٢ ح ٦٠٤ (١٥٦».
(٤) السنن (٢/ ٨١).
(٥) المسند (٣٧/ ٢١٨ ح ٢٢٥٣٣).
(٦) مسند الطيالسي (ص ٢٧١ ح ٢٠٢٨).
(٧) علل الترمذي الكبير (١/ ٢٧٦).
(٨) المعجم الأوسط (٩/ ١٥٠ ح ٩٣٨٧).
[ ٢ / ٩٨٩ ]
فمن النماذج التي ذكرها الإمام أحمد لأخطاء الحفاظ من هذا النوع:
قال أبو داود: «سمعت أحمد ذَكر حديث عُثام بن علي، عن الأعمش، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «أن النبي -ﷺ- كان إذا قام من الليل صلّى ركعتين، ثم استاك»؟ فقال: الحديث حديث حُصين - يعين حصين بن عبد الرحمن، عن حبيب، عن محمد بن علي، عن ابن عباس. قلت: ممن هو - أعني: الوهم؟ قال: من الأعمش». (^١)
حديث عُثام بن علي أخرجه النسائي (^٢)، وابن ماجه (^٣)، واحمد (^٤)، وأبو يعلى (^٥)، والحاكم (^٦) من طرق عنه، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: «كان رسول الله -ﷺ- يصلي من الليل ركعتين ثم ينصرف فيستاك».
وأعل الإمام أحمد هذا الحديث بأن الأعمش قد وهِم فيه على حبيب بن أبي ثابت، وأن الصواب ما رواه حبيب، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس، ولفظه: «أنه بات عند النبي -ﷺ- فاستيقظ من الليل فأخذ سواكَه، فاستاك به، ثم توضأ وهو يقول: ﴿إنَّ في خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] حتى قرأ هذه الآيات، وانتهى عند آخر السورة، ثم صلّى ركعتين فأطال فيهما القيام والرُّكوع والسُّجود، ثم انصرف حتى سمعتُ نفخَ النوم، ثم استيقظ فاستاك وتوضأ، وهو يقول: حتى فعل ذلك ثلاث مراتٍ، ثم أوتر بثلاث،
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٤٠٩ رقم ١٩٢٣).
(٢) السنن الكبرى (١/ ١٦٣ ح ٤٠٥؛ ١/ ٤٢٤ ح ١٣٤٣).
(٣) السنن (١/ ١٠٦ ح ٢٨٨).
(٤) المسند (٣/ ٣٧٢ ح ١٨٨١).
(٥) مسند أبي يعلى (٤/ ٣٦٧ ح ٢٤٨٥).
(٦) المستدرك (١/ ١٤٥).
[ ٢ / ٩٩٠ ]
فأتاه بلالٌ المؤِذِّن فخرج إلى الصلاة وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل أمامي نورًا، وخلفي نورًا، واجعل عن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، اللهم أعظم لي نورًا». هكذا رواه حصين عنه. أخرجه مسلم (^١)، وأبو داود (^٢)، والنسائي (^٣)، وأحمد (^٤)، وأبو عوانة (^٥). وتابعه الثوري فرواه عن حبيب به
نحوه (^٦)، ولفظه: «أن النبي -ﷺ- قام من الليل فاستنّ ثم صلى ركعتين، ثم نام، ثم قام، فاستنّ وتوضأ وصلى ركعتين، حتى صلى ستاًّ، ثم أوتر بثلاث، وصلى ركعتين».
وتوبع حُصين أيضًا من رواية منصور بن المعتمر (^٧)، والمنهال بن عمرو (^٨) كلاهما عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه به.
ووقع في رواية التي ذكرها أبو داود لحديث حصين أنه عن حبيب، عن محمد بن علي، عن ابن عباس، فأسقط أبيه بينهما، والصواب إثباته، وإنما رواه بإسقاط أبيه زيد بن أبي أُنيسة، عنب حبيب؛ أخرجه النسائي (^٩).
ووجه وهم الأعمش أنه جعل إسنادًا للحديث غير إسناده، وأخطأ في لفظ المتن أيضًا.
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ٥٣٠ ح ١٩١).
(٢) السنن (٢/ ٩٣ ح ١٣٥٣).
(٣) السنن الكبرى (١/ ١٦٢ ح ٤٠٣).
(٤) المسند (٥/ ٤٧٣ ح ٣٥٤١).
(٥) مسند أبي عوانة (٢/ ٣٢٠).
(٦) أخرج حديثه النسائي (السنن الكبرى ١/ ٤٢٤ ح ١٣٤٤)، وأحمد (المسند ٥/ ٣١٣ ح ٣٢٧١).
(٧) أخرج روايته أبو عوانة (مسند أبي عوانة ٢/ ٣٢١).
(٨) أخرج روايته أبو يعلى (مسند أبي يعلى ٤/ ٤١٩ ح ٢٥٤٥)، والطحاوي (شرح معاني الآثار ١/ ٢٨٦).
(٩) السنن الكبرى (١/ ١٦٣ ح ٤٠٤).
[ ٢ / ٩٩١ ]
ومن النماذج لما وقع فيه الثقات من إبدال إسناد بآخر:
قال مهنّا: «سألت أحمد عن حديث حدّث به عبيد الله بن موسى، عن سفيان الثوري، عن حكيم بن الديلم، عن أبي بُردة، عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله -ﷺ- بأربع، قال: «إن اللهَ لا يَنَامُ ولا ينبغِي لهُ أن يَنَامَ، يَخفِضُ والقِسطَ ويَرفَعُهُ، يُرفَع إليه عملُ الليلِ قبلَ النَّهار، وعملُ النهارِ قبلَ اللَّيلِ، حجابُهُ النَّارُ لو كشفها لأحرقت سُبُحاتُ وجهه كلَّ شيء أدركه بصرُهُ». قال أحمد: ليس بصحيح؛ هذا غلطٌ من عُبيد الله بن موسى، لم يكن صاحب حديث. هذا حديث الثوري، عن حكيم، عن أبي بُردة، عن أبي موسى: كانت اليهود تتعاطس عند النبي -ﷺ-، والحديث حديث المسعودي، عن عمرو بن مرّة قال: قام فينا رسول الله -ﷺ-. قلت: من عن المسعودي؟ قال: غير واحدٍ.
قال الخلال: وروى عبد الله عن أبيه نحوًا من هذا، إلا أنه قال: قال أبي: هذا حديث الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى». (^١)
وتكملة رواية عبد الله: «أُراه دخل لعبيد الله بن موسى إسناد حديث في إسناد حديث». (^٢)
في هذه الرواية ذكر الإمام أحمد أن عبيد الله بن موسى (^٣) غلط في حديث أبي موسى، وأنه دخل عليه إسناد حديث في إسناد حديث آخر، وذلك أنه روى حديث أبي موسى: «إن اللهَ لا يَنَامُ ولا ينبغِي لهُ أن يَنَامَ، يَخفِضُ والقِسطَ ويَرفَعُهُ، يُرفَع إليه عملُ الليلِ قبلَ النَّهار، وعملُ النهارِ قبلَ اللَّيلِ، حجابُهُ النَّارُ لو
_________________
(١) المنتخب من العلل للخلال (ص ٢٧٤ - ٢٧٥ رقم ١٧١).
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (١/ ٥٥٦ رقم ١٣٢٧).
(٣) عبيد الله بن موسى العبسي، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي وغيرهم، وكان يتشيع. وقال الإمام أحمد: كان صاحب تخليط، وحدث بأحاديث سوء - يقصد أحاديث الشيعة. وكان الإمام أحمد ينهى عنه لأنه بلغه عنه غلو في التشيع (تهذيب الكمال ١٩/ ١٦٨ - ١٦٩؛ الضعفاء للعقيلي ٣/ ٨٧٦).
[ ٢ / ٩٩٢ ]
كشفها لأحرقت سُبُحاتُ وجهه كلَّ شيء أدركه بصرُهُ»، عن الثوري، عن حكيم بن الديلم، عن أبي بُردة، عن أبي موسى الأشعري (^١)؛ وهذا غلط، فإن حديث أبي موسى هذا إنما يروى عن عمرو بن مرّة، عن أبي عُبيدة، عن أبي موسى. هكذا حدّث به الأعمش (^٢)، والمسعودي (^٣)، وشعبة (^٤)، والعلاء بن المسيب (^٥) كلهم عن عمرو بن مرة به.
وأما الإسناد الذي ذكره عبيد الله بن موسى - أعني الثوري، عن حكيم بن الديلم، عن أبي بُردة، عن أبي موسى - إنما رَوى به أصحاب الثوري حديث أبي موسى: «كانت اليهود يتعاطَسون عند النبي -ﷺ- رجاءَ أن يقولَ لهم: يرحمُكُم الله، فكان يقول لهم: يَهديكم الله ويُصلحُ بالَكم». هكذا رواه القطان (^٦)، وعبد الرحمن بن مهدي (^٧)، ووكيع (^٨)،
_________________
(١) أخرجه من هذا الوجه أبو حيان (طبقات المحدثين بأصبهان ٣/ ١٠٠ ح ٢٦٧)، والجرجاني (تاريخ جرجان ص ١٧٠ ح ١٣٣).
(٢) أخرج حديثه مسلم (صحيح مسلم ١/ ١٦١ - ١٦٢ ح ١٧٩ (٢٩٣، ٢٩٤»، وابن ماجه (السنن ١/ ٧٠ ح ١٩٥)، وأحمد (المسند ٣٢/ ٤٠٤ ح ١٩٦٣٢)، والروياني (مسند الروياني ١/ ٣٨١ ح ٥٨٤)، وأبو عوانة (مسند أبي عوانة ١/ ١٢٧ ح ٣٧٩)، وابن مندة (الإيمان ٢/ ٧٦٩ ح ٧٧٥، ٧٧٦)، وأبو نعيم (المستخرج على صحيح مسلم ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤ ح ٤٤٨، ٤٤٩).
(٣) أخرج حديثه ابن ماجه (١/ ٧١ ح ١٩٦)، والطيالسي (ح ٤٩١)، وأحمد (٣٢/ ٣٥٧ ح ١٩٥٨٧)، والروياني (مسنده ٣٨١ ح ٥٨٤)، وأبو يعلى (مسنده (١٣/ ٢٤٥ ح ٧٢٦٢).
(٤) أخرج حديثه مسلم (١/ ١٦٢ ح ٢٩٥)، وأحمد (المسند ٣٢/ ٢٩٦ ح ١٩٥٣٠)، وابن مندة (ح ٧٧٩)، وأبو نعيم (المستخرج على صحيح مسلم ١/ ٢٤٤ ح ٤٥٠).
(٥) أخرج حديثه عبد الله بن أحمد بن حنبل (السنة ٢/ ٤٦٢ ح ١٠٤٨)، وابن حبان (الإحسان ١/ ٤٩٩ ح ٢٦٦)، وابن مندة (٢/ ٤٦٢ ح ١٠٤٨).
(٦) أخرج حديثه البخاري (الأدب المفرد ح ٩٤٠)، والبزار (البحر الزخار ٨/ ١٣٥ ح ٣١٤٥).
(٧) أخرج حديثه الترمذي (الجامع ٥/ ٧٦ ح ٢٧٣٩)، أحمد (٣٢/ ٣٥٦ ح ١٩٥٨٦)، والروياني (مسنده (١/ ٢٩٩ ح ٤٤٣).
(٨) أخرج حديثه أبو داود (ح ٥١٣٨)، وأحمد (الموضع السابق).
[ ٢ / ٩٩٣ ]
وأبو نعيم (^١)، وقبيصة (^٢)، ومحمد بن يوسف الفريابي (^٣)، ومعاذ بن معاذ (^٤). ولم يتابِع أحدٌ عبيدَ الله على رواية حديث أبي موسى الأول بهذا الإسناد، فتعين أن يكون قد غلط وانقلب عليه حديث بآخر.
ومن الأمثلة أيضًا على هذا النوع من القلب مما ذكره الإمام أحمد:
قال أبو داود: سمعت أحمد سئل ما أصح ما فيه؟ - يعني في: «من ذرعه القيء وهو صائم»؟ قال: نافع، عن ابن عمر. قلت له: حديث هشام، عن محمد، عن أبي هريرة. قال: ليس من هذا شيء، إنما هو حديث: «من أكل ناسيًا - يعني وهو صائم - فالله أطعمه وسقاه». (^٥)
حديث هشام بن حسان القردوسي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله -ﷺ-: «من ذرعه القيء، فليس عليه القضاء، ومن استقاء فليقضِ»، رواه عنه ثقتان: أحدهما عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي؛ أخرج حديثه أبو داود (^٦)، والنسائي (^٧)، وابن ماجه (^٨)، والبخاري (^٩)، وأحمد (^١٠)، والدارمي (^١١)، وابن الجارود (^١٢)،
_________________
(١) أخرج حديثه الطحاوي (شح معاني الآثار ٤/ ٣٠٢)، الحاكم (المستدرك ٤/ ٢٦٨).
(٢) أخرج حديثه الحاكم (الموضع نفسه).
(٣) أخرج حديثه البخاري (الأدب المفرد ح ٩٤٠).
(٤) أخرج حديثه النسائي (السنن الكبرى ٦/ ٦٧ ح ١٠٠٦١).
(٥) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٣٨٧ رقم ١٨٦٤).
(٦) السنن (ح ٢٣٨٠).
(٧) السنن الكبرى (٢/ ٢١٦ ح ٣١٣٠).
(٨) السنن (١/ ٥٣٦ ح ١٦٧٦).
(٩) التاريخ الكبير (١/ ٩١ - ٩٢).
(١٠) / ٢٨٣ ح ١٠٤٦٣).
(١١) السنن (٢/ ١٤).
(١٢) المنتقى (ح ٣٨٥).
[ ٢ / ٩٩٤ ]
وابن خزيمة (^١)، والطحاوي (^٢)، وابن حبان (^٣)، والدارقطني (^٤)، والحاكم (^٥)، والبيهقي (^٦) من طرق عنه.
والثاني: حفص بن غياث النخعي الكوفي؛ أخرج حديثه ابن ماجه (^٧)، وابن خزيمة (^٨)، والحاكم (^٩)، والبيهقي (^١٠) من طرق عنه.
وقد أشار الإمام أحمد إلى أن هذا الحديث غير محفوظ، وهو معنى قوله: ليس من هذا شيء (^١١). ووجه ذلك أن الإسناد الذي ذُكر به إنما يروى به متنٌ آخر، وهو
حديث: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتمّ صومَه، فإنما أطعمه الله وسقاه». أخرجاه (^١٢) من حديث يزيد بن زريع، وإسماعيل بن علية، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة.
لكن ليس في قول الإمام أحمد ما يبين صاحب الوهم الذي جعل ذلك المتن للإسناد المذكور، ولا كيف دخل عليه حديث في حديث.
والظاهر أن الواهم هو هشام بن حسان، لأن عيسى بن يونس قد توبع
_________________
(١) صحيح ابن خزيمة (٣/ ٢٢٦ ح ١٩٦٠).
(٢) شرح معاني الآثار (٢/ ٩٧).
(٣) الإحسان (٨/ ٢٨٤ ح ٣٥١٨).
(٤) السنن (٢/ ١٨٤).
(٥) المستدرك (١/ ٤٢٦).
(٦) السنن الكبرى (٤/ ٢١٩).
(٧) السنن (الموضع نفسه).
(٨) صحيح ابن خزيمة (٣/ ٢٢٦ ح ١٩٦١).
(٩) المستدرك (١/ ٤٢٦).
(١٠) السنن الكبرى (الموضع نفسه).
(١١) هكذا فسره الخطابي (نصب الراية ٢/ ٤٤٨).
(١٢) أخرجه البخاري (٤/ ١٥٥ ح ١٩٣٣)، ومسلم (٢/ ٨٠٩ ح ١١٥٥).
[ ٢ / ٩٩٥ ]
من راوٍ ثقة، ولذلك لم يرد ذكره في سؤال أبي داود ولا في جواب الإمام أحمد. وقد ذكر الدارمي أن عيسى بن يونس يقول: «زعم أهل البصرة أن هشامًا أوهم فيه». (^١) ولعل من أجل ذلك لم يرو هذا الحديث عنه أحد من حفاظ أهل البصرة.
وقد بين الإمام البخاري وجه الوهم فقال: «إنما يروى هذا عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه». (^٢)
وعبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري منكر الحديث (^٣)، وحديثه أخرجه ابن أبي شيبة (^٤)، والدارقطني (^٥).
فمعنى هذا أن هشامًا القردوسي وهم فركب إسناد حديثه الصحيح لهذا المتن الذي لم يصح، فأوهم أنه حديث صحيح. وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين (^٦)، وقال الدارقطني: رواته ثقات كلهم (^٧)، لكن هذا لا يستلزم تصحيحًا.
وصححه أيضًا الألباني (^٨).
والإمام أحمد لم يصحح هذا المتن إلا من رواية نافع عن ابن عمر موقوفًا عليه. (^٩)
_________________
(١) سنن الدارمي (٢/ ١٤)
(٢) التاريخ الكبير (١/ ٩٢).
(٣) قاله أحمد في رواية أبي طالب (الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٤٨٠).
(٤) المصنف (٢/ ٢٩٧ ح ٩١٨٩).
(٥) السنن (٢/ ١٨٤ - ١٨٥).
(٦) المستدرك (١/ ٤٢٦)، وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: البخاري قد أعله في التاريخ (تغليق التعليق ٣/ ١٧٦).
(٧) السنن (٢/ ١٨٤).
(٨) إرواء الغليل (٤/ ٥١ - ٥٣).
(٩) وقد أخرجه مالك (الموطأ ١/ ٣٠٤)، وابن أبي شيبة (المصنف ٢/ ٢٩٧ ح ٩١٨٨) من طريق عبيد الله، كلاهما عن نافع به.
[ ٢ / ٩٩٦ ]
وقد يقال: إذا كان الراوي ثقة، فلم لا يجوز أن يكون للحديث إسنادان عند شيخه، فحدث بأحدهما مرة وحدث بالآخر مرارًا فكثر عدد الذين رووا وجها دون آخر، وعليه فلا يلزم إنكار الإسناد الآخر؟ ويقال مثل هذا في إبدال صحابي بآخر، وكذلك في إبدال راوٍ بآخر.
وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن هذا الإيراد فقال: «هذا التجويز لا ننكره، لكن مبنى هذا العلم على غلبة الظن، وللحفاظ طريق معروفة في الرجوع إلى القرائن في مثل هذا، وإنما يُعوَّل في ذلك منهم على النقّاد المطلعين منهم، ولهذا كان كثير منهم - أي الرواة - يرجعون عن الغلط إذا نبهوا عليه». (^١)
النوع الرابع من القلب: القلب في المتن
وقد سبق وأن ذكرنا تعريف الجزري للقلب في ألفاظ متون الأحاديث، وهو أحد أنواع الأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات.
فمن أملثة ذلك مما نبّه عليه الإمام أحمد:
قال عبد الله: «حدثني أبي قال: حدثنا رَوْح، قال: حدثنا سعيد وعبد الوهاب، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي الطُّفَيل قال: كان معاوية لا يأتي على رُكنٍ من أركان البيت إلا اسْتَلَمَه، فقال ابن عباس: إنما كان نبي الله -ﷺ- يَستلِم هذيْن الرُّكنيْن. قال أبي: قال عبد الوهاب في حديثه: الحَجرُ الأسودُ واليَماني. فقال معاوية: ليس من أركانه مهجور (^٢). حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شُعبة قال: حدثني قتادة، عن أبي الطُّفَيل قال: حجّ ابن عباس ومُعاوية، فجعل ابن عبّاس يَستلم الأركانَ كلَّها فقال معاوية: إنما استلم رسول الله -ﷺ- هذيْن
_________________
(١) النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٨٧٥ - ٨٧٦).
(٢) وأخرجه أحمد في المسند (٥/ ٤٦٩ ح ٣٥٣٢). وأخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٠/ ٢٧١ ح ١٠٦٣٦)، والبيهقي (السنن الكبرى ٥/ ٧٦) من طريق خالد بن الحارث عن سعيد بن أبي عروبة.
[ ٢ / ٩٩٧ ]
الركنيْن الأَيمنيْن فقال ابن عباس: ليس من أركانه مهجور (^١). حدثني أبي قال: حدثنا حجاج قال: حدثني شُعبة؛ ومحمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة قال: سمعتُ قتادة يحدّث؛ قال حجاج قال: سمعتُ أبا الطُّفَيل قال: قدِم مُعاويةُ وابنُ عباس فطاف ابن عباس فذكر مثله. وقال حجاج: قال شعبة: الناس يخالفوني في هذا الحديث، يقولون معاوية هو الذي قال: ليس من البيت شيء مهجور، ولكنِّي حفظتُه من قتادة هكذا (^٢). حدثني أبي قال: حدثنا حسن بن موسى قال: حدثنا أبو خَيْثَمة - يعني زهيرًا - عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن أبي الطُّفيل قال: رأيتُ مُعاويةَ يَطوفُ بِالبيتِ عن يسارِه عبدُ الله بنُ عباسٍ، وأنا أتلوهما في ظُهورِهما أَسمَعُ كلامَهما، فطَفِق معاويةُ يَستلِمُ ركنيِ الحِجر، فقال له عبد الله بن عباس: إن رسول الله -ﷺ- لم يَستلم هذين الرُّكنيْن، فقال معاويةُ: دعني منك يا ابنَ عباس، فإنه ليس منها
شيءٌ مهجورٌ، فطفق ابنُ عباس لا يَذَرُه كُلَّما وضع يدَه على شيءٍ من الرُّكنيْن قال له ذاك (^٣). (^٤)
حديث أبي الطفيل قد وقع فيه قلب، وذلك أن استلام جميع أركان البيت وقع من معاوية وأن ابن عباس أنكره عليه، ثبت ذلك في حديث ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء عن ابن عباس. علقه البخاري بصيغة الجزم (^٥)،
_________________
(١) أخرجه في المسند (٢٨/ ١٠٦ ح ١٦٨٩٧).
(٢) أخرجه في المسند (٢٨/ ٧٣ ح ١٦٨٥٨).
(٣) أخرجه في المسند (٤/ ٨٧ ح ٢٢١٠). وأخرجه من طريق أبي خيثمة الطبراني (١٠/ ٢٧٠ ح ١٠٦٣٢)، والحاكم (٣/ ٥٤٢). وأخرجه عبد الرزاق (المصنف ٥/ ٤٥ ح ٨٩٤٤) عن الثوري، ومعمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم به، ومن طريقه أخرجه أحمد (٥/ ١٩٧ ح ٣٠٧٤)، والترمذي (٣/ ٢١٣ ح ٨٥٨). وأخرجه أحمد عن روح عن الثوري، عن ابن خثيم (المسند ٥/ ٤٧٠ ح ٣٥٣٣). وأخرجه ابن عبد البر من طريق شريك القاضي عن ابن خثيم به (التمهيد ١٠/ ٥٢).
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٣/ ٣١٥ - ٣١٦).
(٥) صحيح البخاري (٣/ ٤٧٣ ح ١٦٠٨).
[ ٢ / ٩٩٨ ]
قال الحافظ ابن حجر: وصله الجوزقي (^١). وورد أيضًا من حديث خُصيف، عن مجاهد عن ابن عباس. أخرجه أحمد (^٢)، والطحاوي (^٣)، والطبراني (^٤).
وأما حديث أبي الطفيل فاختلف على قتادة في تمييز المستلم للأركان من المنكر، فعند سعيد بن أبي عروبة معاوية هو الذي يستلم الأركان، ويؤيد ذلك رواية عمرو بن الحارث عن قتادة، عن أبي الطفيل أنه سمع ابن عباس يقول: «لم أر رسول الله -ﷺ- يستلم غير الركنين اليمانيين». أخرجه مسلم (^٥)، والطبراني (^٦). فناسب أن يكون ابن عباس هو المنكر لمعاوية استلام جميع أركان البيت. ويؤيده أيضًا رواية ابن خثيم، عن أبي الطفيل، وهي موافقة تمامًا لرواية سعيد بن أبي عروبة؛ وكأن الإمام ذكرها ليرجح بها رواية سعيد ويبرهن بها على أن شعبة قد قلب متن الحديث. وقد صرح بذلك في رواية أخرى من طريق عبد الله على ما ذكره ابن حجر (^٧).
وقد يكون الذي قلب المتن قتادة نفسه حين حدث شعبة بالحديث، بدليل أن شعبة ذكر أنه حفظه من قتادة كذلك، ولذلك لم يرجع عنه مع علمه بأن الناس يخالفونه في روايته.
ولم أقف على مثال آخر صريح لهذا النوع من القلب عن الإمام أحمد.
_________________
(١) تغليق التعليق (٣/ ٧١).
(٢) المسند (٣/ ٣٧٠ ح ١٨٧٧).
(٣) شرح معاني الآثار (٢/ ١٨٤).
(٤) المعجم الأوسط (٣/ ١٧ ح ٢٣٢٣).
(٥) صحيح مسلم (٢/ ٩٢٥ ح ١٢٦٩).
(٦) المعجم الكبير (١٠/ ٢٧١ ح ١٠٦٣٥).
(٧) (فتح الباري ٣/ ٤٧٤). هذا إذا لم يكن نقله بالمعنى، فإن التصريح بأن شعبة هو الذي قلبه غير موجود في العلل برواية عبد الله كما سلف، إلا أن يكون الحافظ نقل ذلك من علل الخلال عن عبد الله، والله أعلم.
[ ٢ / ٩٩٩ ]
المطلب الخامس: رفع الموقوف ووصل المرسل
وهذا نوع آخر من الأخطاء التي تقع في روايات الثقات. قال الذهبي معلقًا على قول أبي أحمد ابن عدي في الحسن بن علي بن شبيب المعمري: «أما ما ذكر عنه أنه رفع أحاديث وزاد في المتون، فإن هذا موجود في البغداديين خاصة، وفي حديثهم وفي حديث ثقاتهم، فإنهم يرفعون الموقوف، ويوصلون المرسل، ويزيدون في الأسانيد …» (^١)، قال الذهبي: «بئسَتِ الخِصالُ هذه، وبمثلها يَنحطُّ الثقة عن رتبة الاحتجاج به، فلو وقف المحدث المرفوعَ، أو أرسل المتّصِل لساغ له، كما قيل (^٢): انقص من الحديث ولا يزِد فيه». (^٣)
ومما يدل على اعتار هذا من الخطأ ما تقدم عن الإمام أحمد من تضعيفه لعطاء بن السائب وسماك بن حرب بأنهما كان يسلكان الجادة في الرفع، أما سماك فيقول: عن عكرمة، عن ابن عباس؛ وأما عطاء فيقول: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (^٤).
وقال في محمد بن إبراهيم بن أبي عدي: «روى عن شعبة أحاديث يرفعها ننكرها عليه». (^٥)
وقال في هشام بن لاحق: «كان يُحدّث عن عاصم أحاديث، لم يكن به بأس، رفع عن عاصم أحاديث لم تُرفع، أسندها إلى سلمان». (^٦)
_________________
(١) الكامل في ضعفاء الرجال (٢/ ٧٥٠).
(٢) هذه المقالة لمجاهد بن جبر كما رواها عنه الخطيب (الكفاية ص ٢٨٩).
(٣) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥١٣).
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (١/ ٣٩٥ رقم ٧٩٢).
(٥) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (ص ٣٥٣ رقم ٥٤٨).
(٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٣/ ٣٠٠ رقم ٥٣٣٤).
[ ٢ / ١٠٠٠ ]
وقال أبو داود: «سمعت أحمد قال: أبو معشر - يعني زياد بن كُليب - يحدث عن إبراهيم أشياء يرفعها إلى ابن مسعود نحو من عشرة لا يعرف عن ابن معسود لها أصلٌ، يعني أنها مقصورة على إبراهيم، قال أحمد: يقولون: كان يأخذ عن حماد». (^١)
وقد تقدم عنه أيضًا تضعيف حماد بن سلمة في شيخه قيس بن سعد لأن كتابه عن قيس قد ضاع، وملامح ذلك التضعيف واضحة في كثرة ما يرفعه من أحاديثه عن عطاء، عن ابن عباس إلى النبي -ﷺ- (^٢)
وكذلك ما تقدم في استدلاله لدخول التخليط في حديث ابن لهيعة في آخر عمره بأنه كان يرفع ما كان يوقفه لماّ كان في الصحة. فذكر عن ابن وهب أن ابن لهيعة روى هذا الحديث: «لو كان القرآن في إهاب ما مسَّتْه النَّارُ» قال ابن وهب: ما رفعه لنا ابن لهيعة قط أوَّلَ عُمُرِهِ (^٣).
ولهذا أمثلة لدى غير الإمام أحمد من أئمة هذا الشأن.
قال الدارقطني لما سئل عن سعيد بن عبيد الله الثقفي، قال: «هذا ابن عبيد الله
بن جبير بن حية، وليس بالقوي، يُحدث بأحاديث يسندها ويوقفها غيره». (^٤) فجعل علة ضعفه رفعه للموقوفات.
وأما التفريق بين رفع الموقوف ووصل المرسل من جهة، ووقف المرفوع وإرسال المتصل من جهة أخرى، حيث أشار الحافظ الذهبي إلى أن الثاني يسوغ
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٤٣٧ رقم ٢٠١٠).
(٢) انظر: ما تقدم ص (٢٥٤).
(٣) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله (٢/ ١٣١ رقم ١٧٨٤). وانظر دراسة ذلك الحديث فيما تقدم (ص ٣٨٣).
(٤) سؤالات الحاكم للدارقطني (رقم ٣٣٤).
[ ٢ / ١٠٠١ ]
دون الأول فقد أجاب عنه الخطيب فقال: «إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله، ولا تكذيب له، ولعله أيضًا مسند عند الذين رووه مرسلًا أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يقضى له على الذاكر». (^١)
وهناك بعض الرواة يتوقف في الحكم بالخطأ على من خالفهم برفع ما أوقفوه، مع كونهم أوثق ممن خالفهم؛ وهؤلاء هم أئمة أهل البصرة: أيوب، ومحمد بن عون، ومحمد بن سيرين، لأن مذهبهم وقف كثير من الأحاديث المرفوعة. قال المرّوذي: «سألت أبا عبد الله عن هشام بن حسّان فقال: أيوب، وابن عون أحبّ إليّ، وحسّن أمرَ هِشام وقال: قد روى أحاديث رفعها أوقفوها، وقد كان مذهبُهم أن يَقصِروا بالحديث ويُوقفوه». (^٢)
ومن الأمثلة لما جاء عن الإمام أحمد من خطأ بعض الرواة الثقات برفع الموقوف أو وصل المرسل ما يلي:
رفع الموقوف
فمن ذلك:
قال حنبل: حدثنا أبو عبد الله، حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رباح، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن الله سيُؤيِّد
هذا الدينَ برجالٍ ليس لهم عند الله خَلاقٌ». قال أبو عبد الله: ليس هذا مرفوعًا. (^٣)
هذا الحديث أخرجه النسائي (^٤)، وابن حبان (^٥)، من طريق رباح،
_________________
(١) الكفاية في علم الراوية (ص ٥٨١).
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص ٧١ رقم ٧٨).
(٣) المنتخب من العلل للخلال (ص ١٦٤ رقم ٨٦).
(٤) السنن الكبرى (٥/ ٢٧٩ ح ٨٨٨٥).
(٥) الإحسان (١٠/ ٣٧٦ ح ٤٥١٧).
[ ٢ / ١٠٠٢ ]
والطبراني (^١) من طريق عباد بن منصور كلاهما عن أيوب به، وقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلا عباد، ومعمر بن راشد، تفرد به عن عباد ريحان، وعن معمر رباح بن زيد».
ورباح بن زيد ثقة جليل (^٢) قال أحمد: إني أحب رباحًا وأحب حديثه، وأحب ذكره (^٣).
ولم أقف على رواية الوقف التي يبدو أن الإمام أحمد رجحها على هذه الرواية.
وقد رُوي من وجه آخر عن أنس مرفوعًا، أخرجه الإسماعيلي (^٤) من طريق معلى بن زياد، وأبو نعيم (^٥) من طريق مالك بن دينار كلاهما عن الحسن، عن أنس به مرفوعًا.
قال أبو داود: سمعت أحمد ذَكر حديث حماد بن زيد، عن أبان بن تغلب (^٦)، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، عن النبي -ﷺ- في التلبية. قال: هذا أُراه من حماد - يعني رفعه إلى النبي -ﷺ-، لأن الحديث موقوف على عبد الله». (^٧)
حديث حماد بن زيد أخرجه النسائي (^٨)، والشاشي (^٩)، والإسماعيلي (^١٠)
_________________
(١) المعجم الأوسط (٣/ ١٤٢ ح ٢٧٣٧).
(٢) انظر: الجرح والتعديل (٣/ ٤٩٠).
(٣) الثقات لابن حبان (٨/ ٢٤١).
(٤) معجم شيوخ أبي بكر الإسماعيلي (١/ ٤٠٦ ح ٧٠).
(٥) جلية الأولياء (٢/ ٣٨٧).
(٦) التصحيح من مصادر التخريج.
(٧) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٤٣٧ رقم ٢٠٠٩)، وانظر: ص ٣١٦ من طبعة المنار ١٣٥٣ هـ.
(٨) السنن (٥/ ١٦١ ح ٢٧٥٠)؛ السنن الكبرى (٢/ ٣٥٣ ح ٣٧٧٢).
(٩) مسند الشاشي (٢/ ٢١ ح ٤٨٢).
(١٠) معجم شيوخ أبي بكر الإسماعيلي (١/ ٣٣٠ ح ١٤).
[ ٢ / ١٠٠٣ ]
من طرق عنه، عن أبان بن تغلب، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود قال: «كان من تلبية النبي -ﷺ-: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك».
وتابعه شعبة، فرواه عن أبي إسحاق به، ولفظه: كانت تلبية رسول الله -ﷺ- فذكره، أخرجه الشافعي (^١).
ورواه أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، كنت مع ابن مسعود فلبى فقال رجل: من هذا الملبي في هذا اليوم؟ فالتفت إليه ابن مسعود فقال: «لبيك عدد التراب لبيك». أخرجه ابن أبي شيبة (^٢).
وذكر الإمام أحمد أن حماد بن زيد هو الذي رفعه، وأنه عن ابن مسعود موقوف، ولم أقف على رواية الوقف إلا ما تقدم عن أبي بكر بن عياش.
وقال ابن أبي حاتم- بعد أن ذكر حديث حماد بن زيد: «رواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كانت تلبية عبد الله بن مسعود، لم يرفعه، قال: قال أبي: حديث شعبة أصح». (^٣) فهذا يوافق قول الإمام أحمد في الإعلال، لكن الرواية التي ذكرها تخالف رواية الشافعي، عن ابن مهدي، عن شعبة.
وصل المرسل
فمن ذلك:
قال أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل: «كان عيسى بن يونس يُسند حديث الهدية، والناس يرسلونه». (^٤)
_________________
(١) كتاب الأم (٧/ ١٩٠).
(٢) المصنف (٣/ ٣٧٥ ح ١٥٠٧٢).
(٣) علل ابن أبي حاتم (١/ ٢٩٣ ح ٨٧٦).
(٤) تهذيب الكمال (٢٣/ ٦٨).
[ ٢ / ١٠٠٤ ]
وحديث عيسى بن يونس أخرجه البخاري (^١)، وأبو داود (^٢)، والترمذي (^٣)، وأحمد (^٤)، وإسحاق (^٥)، والبيهقي (^٦) عنه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: «كان رسول الله -ﷺ- يقبل الهديةَ ويُثيب عليها».
وذكر الإمام أحمد أن عيسى بن يونس تفرد بوصله، والناس يرسلونه، يشير إلى أنه أخطأ بوصل ما هو مرسل.
وذكر البخاري أن وكيعًا ومحاضر بن المورّع (^٧) روياه مرسلًا، ليس فيه عائشة.
ورواية وكيع وصلها ابن أبي شيبة (^٨)، ورواية محاضر لم أقف عليها (^٩).
ووافق الإمامَ أحمد على تخطئة رواية عيسى بن يونس الموصوله ابنُ معين (^١٠)، وأبو داود (^١١)، والدارقطني (^١٢).
_________________
(١) صحيح البخاري (٥/ ٢١٠ ح ٢٥٨٥).
(٢) السنن (ح ٣٥٣٦).
(٣) الجامع (٤/ ٣٣٨ ح ١٩٥٣).
(٤) المسند (٤١/ ١٣٨ ح ٢٤٥٩١).
(٥) مسند إسحاق بن راهويه (٢/ ٢٦٧ ح ٧٧٣).
(٦) السنن الكبرى (٦/ ١٨٠).
(٧) قال عنه أحمد: كان مغفلًا لم يكن من أصحاب الحديث. وقال أبو زرعة: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين (تهذيب الكمال ٢٧/ ٢٦٠ - ٢٦١).
(٨) انظر: تغليق التعليق (٣/ ٣٥٨).
(٩) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف عليه بعد (فتح الباري ٥/ ٢١٠).
(١٠) قال: إنما هو عن هشام، عن أبيه فقط (التاريخ برواية الدوري ٣/ ٢٤٣ رقم ١١٣٨).
(١١) قال الآجري: سألت أبا داود عنه فقال: تفرد بوصله عيسى بن يونس، وهو عند الناس مرسل (ذكره ابن حجر في فتح الباري، الموضع نفسه).
(١٢) ذكره في الأحاديث التي استدركها على البخاري في التتبع (الإلزامات والتتبع ص ٥١٤). قال: وهذا مرسل.
[ ٢ / ١٠٠٥ ]
وإخراج الإمام البخاري للحديث مصير منه إلى تصحيح وصله، قال ابن حجر: لحفظ رواتها (^١).
ووكيع أحفظ من عيسى بن يونس، ثم إنه قد اقترن بغيره.
ومن أمثلة ذلك ما رواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله عن عن أبيه «أنه رأى رسول الله -ﷺ- وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة». وفي بعض الروايات: عن ابن عمر: رأيت رسول الله -ﷺ-.
قال الإمام أحمد: «هذا الحديث إنما هو عن الزهري مرسل … وحديث ابن عيينة وهم». (^٢)
رواه مالك، ومعمر، ويونس عن الزهري مرسلًا. وسيأتي توضيح هذه الطرق في المطلب الآتي في الكلام على المدرج إن شاء الله.
فاعتبر الإمام أحمد وصل ابن عيينة للحديث الذي هو في الأصل مرسل وهمًا، فدلّ على أن وصل المراسيل من جنس الأخطاء التي تعتري أحاديث الثقات.
_________________
(١) هدي الساري (ص ٣٦١).
(٢) المعجم الكبير (١٢/ ٢٨٦ ح ١٣١٣٣).
[ ٢ / ١٠٠٦ ]
المطلب السادس: الإدراج
وهذا أيضًا من أنواع الأخطاء الواقعة في أحاديث الرواة الثقات، والإدراج مصدر أدرج، وهو إدخال الشيء في الشيء وضمّه إياه (^١)، والحديث الذي وقع فيه الإدراج يسمى المُدرج، اسم مفعول من أدرج.
والحديث المُدرج هو ما كان فيه زيادة ليست منه في الإسناد أو المتن (^٢). فهو نوعان: مدرج في المتن، ومدرج في الإسناد، ولكل نوع منهما أقسام.
فالمدرج في المتن هو أن يُدرج الراوي في حديث النبي -ﷺ- شيئًا من كلام غيره مع
إيهام كونه من كلامه (^٣)، وقد يكون ذلك في أول المتن أو في وسطه أو في آخره وهو الأكثر.
وكما يكون الإدراج في المرفوع، فقد يكون في الموقوف على الصحابي بإلحاق التابعي فمن بعده، أو في المقطوع بإلحاق تابعي التابعي فمن بعده (^٤).
وأما مدرج الإسناد فأغلب أقسامه (^٥) تعود إلى نوع من القلب، وهو إدخال حديث أو جزء منه في آخر. وهذا النوع من أنواع العلل الغامضة التي لا يطلع عليها إلا النقادُ الجهابذةُ العارفون بمراتب الرواة ومداخل الخطأ في الروايات، وكثيرًا ما يغفل عنه من لا يستنير بكلامهم عند الحكم على الأحاديث، فيصحح ما قد أدركوا علته وكشفوها، وما ذلك إلا لقلة معرفة هؤلاء وعدم إتيانهم
_________________
(١) انظر: تاج العروس (٢/ ٣٩ - ٤١) مادة درج.
(٢) انظر: الفصل للوصل المدرج (١/ ٢٣).
(٣) النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٨١١).
(٤) فتح المغيث (١/ ٢٨٢).
(٥) انظرها في «النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢/ ٨٣٢ - ٨٣٧، وفي مقدمة «الفصل للوصل المدرج» ١/ ٢٥ - ٢٧.
[ ٢ / ١٠٠٧ ]
البيوت من أبوابها.
وسأورد في هذا المطلب نماذج مما أعله الإمام أحمد من أحاديث الرواة الثقات بالإدراج، وهي كالتالي:
قال ابن هانئ: «سألت أبا عبد الله عن حديث حجاج: قرأت على ابن جُريج، قال: حدثني زِياد أن ابن شهاب حدّثه قال: حدثني سالم، عن عبد الله بن عمر أنه كان يمشي بين يدي الجَنازة، وقد كان رسول الله -ﷺ- وأبو بكر، وعمر يمشون أمامها، من كلام من هو؟ فقال: هذا من كلام الزهري: وقد كان رسول الله -ﷺ- وأبو بكر، وعمر يمشون أمامها». (^١)
وقال عبد الله: «سألت أبي عن حديث الزُّهري، عن سالم، عن ابن عمر: «رأيت رسول الله -ﷺ- وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة»؟ فقال: أما سفيان فكان أكثر ما يقول: عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أنه رأى النبي -ﷺ- وأبا بكر، وعمر. قال
أبي: فقد رواه عُقيل بن خالد، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أنه «كان يمشي أمام الجَنازة، وأن رسول الله -ﷺ- وأبا بكر، وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة»، وما هو إلا فعل ابن عمر، والنبي -ﷺ- مرسل عن الزهري. قال أبي: كان هذا من قول الزهري: أن رسول الله -ﷺ- وأبا بكر الحديث». (^٢)
بين الإمام أحمد أن قول الزهري: «وقد كان رسول الله -ﷺ- وأبو بكر، وعمر يمشون أمامها»، مدرج في الخبر وليس بمسند بل هو مرسل عن الزهري، وإنما المتصل من ذلك فعل ابن عمر أنه كان يمشي أمام الجنازة، فهذا القدر الذي رواه الزهري، عن سالم، عن ابن عمر.
وتوضيح ذلك أن الرواة عن الزهري اختلفوا عنه في رواية هذا الحديث.
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ١٩٠ رقم ٢٠٣٥).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (٢/ ٤٨٤ رقم ٦٧٥).
[ ٢ / ١٠٠٨ ]
فأما ابن عيينة فلم يختلف عليه أن الحديث عنده كله موصول؛ رواه أبو داود (^١)، والترمذي (^٢)، النسائي (^٣)، وابن ماجه (^٤)، وأحمد (^٥)، والحميدي (^٦)، وابن أبي شيبة (^٧)، وابن حبان (^٨)، والبيهقي (^٩) فكلهم رووه عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه «أنه رأى رسول الله -ﷺ- وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة». وفي بعض الروايات: عن ابن عمر: رأيت رسول الله -ﷺ- …
قال علي بن المديني: قلت لسفيان: إن معمرًا وابن جريج يخالفانك في هذا -
يعني أنهما يرسلان الحديث عن النبي -ﷺ-، فقال: استقر الزهري حدثنيه سمعته من فيه ويبديه: عن سالم، عن أبيه … (^١٠)
وقد تابع ابن عيينة العباس بن الحسن الخِضرمي - بمعجمة مكسورة الحراني (^١١).
وأكثر الرواة عن الزهري رووه على وجوه تحتمل الاتصال والإرسال؛
_________________
(١) السنن (ح ٣١٧٩).
(٢) الجامع (٣/ ٣٢٩ ح ١٠٠٧).
(٣) السنن (٤/ ٥٦ ح ١٩٤٣)، السنن الكبرى (١/ ٦٣٢ ح ٢٠٧١).
(٤) السنن (١/ ٤٧٥ ح ١٤٨٢).
(٥) المسند (٨/ ١٣٧ ح ٤٥٣٩).
(٦) مسند الحميدي (٢/ ٢٧٦ ح ٦٠٧).
(٧) مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٤٧٦ ح ١١٢٢٤).
(٨) الإحسان (٧/ ٣١٧ ح ٣٠٤٥؛ ٧/ ٣١٩ ح ٣٠٤٧؛ ٧/ ٣١٨ ح ٣٠٤٦).
(٩) السنن الكبرى (٤/ ٢٣).
(١٠) السنن الكبرى (٤/ ٢٣).
(١١) قال عنه أبو حاتم: مجهول. وقال ابن عدي: يخالف الثقات. (الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٦٦٦؛ ميزان الاعتدال ترجمة ٤١٦١). وحديثه عند الطبراني (المعجم الكبير ١٢/ ٢٨٦ ح ١٣١٣٤)، وابن عدي (الكامل في ضعفاء الرجال، الموضع نفسه).
[ ٢ / ١٠٠٩ ]
ومن تلك الروايات الرواية التي ذكرها ابن هانئ في سؤاله للإمام أحمد عن حجاج المصيصي، عن ابن جريج، عن زِياد بن سعد، أن ابن شهاب أخبره قال: أخبرني سالم بن عبد الله، عن ابن عمر «أنه كان يمشي بين يدي الجنازة، وقد كان رسول الله -ﷺ- وأبو بكر، وعمر، وعثمان يمشون أمامها». (^١) فقوله في هذه الرواية: «وقد كان رسول الله -ﷺ- …» يحتمل الاتصال أنه من قول ابن عمر، ويحتمل الإرسال. وهكذا جاءت رواية غير زياد بن سعد من أصحاب الزهري، منهم: شعيب بن أبي حمزة (^٢)، وعقيل بن أبي خالد (^٣)، ومحمد بن عبد الله بن أبي عتيق مقرونًا بموسى بن عقبة (^٤)،
ويونس بن يزيد الأيلي (^٥)،
_________________
(١) أخرجه أحمد (المسند ٩/ ٩ ح ٤٩٤٠) بهذا الإسناد؛ وقد أخرجه الترمذي (الجامع ٣/ ٣٢٩ ح ١٠٠٨) من طريق همام عن زياد بن سعد، وبكر الكوفي، ومنصور كلهم عن الزهري به، وذكره بمثل لفظ حديث ابن عيينة: رأيت النبي -ﷺ- وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة. وكذلك أخرجه النسائي (السنن ٤/ ٥٦ ح ١٩٤٤)، والطبراني (المعجم الأوسط ح ٢٠٧٢). قال الترمذي: إنما هو عن سفيان روى عنه همام، أي حمل لفظ حديث سفيان على حديث زياد ومن معه. (الجامع ٣/ ٣٣٠).
(٢) حديثه عند ابن حبان (٧/ ٣٢٠ ح ٣٠٤٨). وزاد: قال الزهري: وكذلك السنة.
(٣) حديثه عند أحمد (١٠/ ٣٦٩ ح ٦٢٥٣)، والطحاوي (شرح معاني الآثار ١/ ٤٧٩). ورواه الطبراني (المعجم الأوسط ٦/ ٢٦٣ ح ٦٣٦٣) من طريق ابن لهيعة عن عقيل ويونس موصولا بمثل لفظ رواية ابن عيينة. وقال الطبراني: لم يصل هذا الحديث عن يونس إلا ابن لهيعة.
(٤) وحديثهما عند الطبراني (المعجم الأوسط ٥/ ٣٧ ح ٤٦٠٥)، وابن عبد البر (التمهيد ١٢/ ٨٨).
(٥) اختلف عليه، فرواه ابن وهب بمثل رواية الجماعة أي على احتمال الوصل والإرسال. أخرجه الطحاوي (شرح معاني الآثار ١/ ٤٧٩). وتابعه أحمد بن شيب عن أبيه عنه عند الخطيب (الفصل للوصل المدرج ١/ ٣٣٥). ورواه محمد بن بكر الرساني عن الزهري، عن أنس (جامع الترمذي ٣/ ٣٣١ ح ١٠١١). قال الترمذي:: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال هذا حديث خطأ، أخطأ فيه ابن بكر، وإنما يروى هذا الحديث عن يونس، عن الزهري أن النبي -ﷺ- وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة قال الزهري: وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة. قال محمد: هذا أصح اهـ. وهذه رواية معمر، ولم أقف على من رواه عن يونس على هذا الوجه الذي ذكره الإمام البخاري.
[ ٢ / ١٠١٠ ]
ويحيى بن سعيد الأنصاري (^١)، وابن أخي ابن شهاب الزهري (^٢)، والنعمان بن راشد (^٣).
ورواه الإمام مالك (^٤)، عن الزهري: أن رسول الله -ﷺ- وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة؛ فذكره مرسلًا، وقد رواه قوم موصولا عن مالك (^٥). قال ابن عبد البر: الصحيح فيه عن مالك الإرسال (^٦).
وجاءت رواية معمر ففصلت بين ما هو مرسل مما هو موصول. أخرجها عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري قال: «كان النبي -ﷺ- وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة، قال الزهري: وأخبرني سالم، أن أباه كان يمشي أمام الجنازة». (^٧)
قال الخطيب: ويؤيد رواية معمر عن الزهري أن مالك بن أنس روى هذا الحديث عن الزهري مرسلًا عن النبي -ﷺ- (^٨).
وبهذا يتبين أن قول الزهري في الحديث: «كان النبي -ﷺ- وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة» مدرج في حديث من أجمله مع فعل ابن عمر، وهم أكثر
_________________
(١) حديثه عند ابن عبد البر (التمهيد ١٢/ ٨٧ - ٨٨).
(٢) برواية الدراوردي عنه، أخرجها ابن عبد البر (١٢/ ٩٤)، وقال الدراوردي أثبت من سليمان بن داود الهاشمي، وقد رواه عن إبراهيم بن سعد، عن ابن أخي ابن شهاب موصولًا بمثل رواية ابن عيينة. أخرجه أحمد (المسند ١٠/ ٢٢٩ ح ٦٠٤٢)، وأبو يعلى (المسند ٩/ ٣٥٤ ح ٥٤٦٤)، وابن عبد البر (المهيد ١٢/ ٩١).
(٣) أخرج حديثه الخطيب (الفصل للوصل المدرج ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥).
(٤) الموطأ (١/ ٢٢٥).
(٥) ذكر ابن عبد البر رواياتهم (التمهيد ١٢/ ٨٣ - ٨٥).
(٦) التمهيد (١٢/ ٨٥).
(٧) أخرجه عبد الرزاق (المصنف ٣/ ٤٤٤ ح ٦٢٥٩)، ومن طريقه الترمذي (الجامع ٣/ ٣٣٠ ح ١٠٠٩)، وابن عبد البر (التمهيد ١٢/ ٩٣).
(٨) الفصل للوصل المدرج (١/ ٣٣٧).
[ ٢ / ١٠١١ ]
الرواة عن الزهري، وهذا ما أشار إليه الإمام أحمد في رواية ابن هانئ، وهو معلولٌ وصله كما وقع في حديث ابن عيينة، وهذا ما أشار إليه الإمام أحمد في رواية عبد الله. وقال في موضع آخر: «هذا الحديث إنما هو عن الزهري مرسل، وحديث سالم عن فعل ابن عمر، وحديث ابن عيينة وهم». (^١)
وممن وافق الإمام أحمد على أن ذكر النبي -ﷺ- في هذا الحديث مدرج الإمام البخاري كما تقدم (^٢)، وابن المبارك (^٣)، وابن أبي السري (^٤)، والنسائي (^٥)، وقال الترمذي: «وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح» (^٦)، وكذلك الخطيب (^٧)، وابن حجر (^٨).
وذكر ابن حجر أن ابن المنذر، وابن حزم صححا الحديث الموصول (^٩)، وكذلك
انتصر له ابن القيم (^١٠). والصواب ما نسبه الترمذي إلى أنه قول أهل الحديث كلهم.
ومن أمثلة المدرج عند الإمام أحمد:
قال ابن هانئ: سمعت أبا عبد الله يقول: حديث سهيل، عن أبيه، عن
_________________
(١) المعجم الكبير (١٢/ ٢٨٦ ح ١٣١٣٣).
(٢) وانظر: جامع الترمذي (٣/ ٣٣١) وعلل الترمذي الكبير (١/ ٤٠٤ - ٤٠٥).
(٣) قال: الحفاظ عن ابن شهاب ثلاثة: مالك، ومعمر، وابن عيينة، فإذا اجتمع اثنان على قول أخذنا به وتركنا القول الآخر. (السنن الكبرى للنسائي ١/ ٦٣٢).
(٤) ذكر هذا التفصيل الذي جاء عن معمر (المهيد ١٢/ ٩٣).
(٥) قال عن حديث ابن عيينة: هذا الحديث خطأ، وهم فيه ابن عيينة، خالفه مالك، رواه عن الزهري مرسلًا (الموضع نفسه).
(٦) جامع الترمذي (٣/ ٣٣٠).
(٧) ذكره في الفصل للوصل المدرج (١/ ٣٣١).
(٨) تلخيص الحبير (٢/ ١١١ - ١١٢).
(٩) الموضع نفسه.
(١٠) تهذيب السنن (٨/ ٣٢٣).
[ ٢ / ١٠١٢ ]
أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من كان مصلِّيًا بعد الجُمُعة فليصلِّ أربعًا، فإن عجلت به حاجته فيصلي ركعتين في المسجد، وركعيتن في بيته». قال أبو عبد الله: قال ابن إدريس: «يصلي ركعتين في بيته» هو من قول أبي صالح». (^١)
هذه الرواية التي ذكرها الإمام أحمد أنه وقع فيها إدراج هي رواية بعض الرواة عن عبد الله بن إدريس في روايته لحديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. ذكرها الإمام أحمد (^٢)، وإسحاق بن إبراهيم (^٣)، وعبد الله بن سعيد الأشج (^٤)، وعثمان بن أبي شيبة (^٥)، وأبو كريب محمد بن العلاء (^٦)، والحسين بن الفرج البغدادي (^٧) وجعفر بن محمد بن عبد السلام بن سريع الجلاب (^٨). والقدر المرفوع من الحديث قوله: «من كان مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا». هكذا رواه سائر الرواة عن عبد الله بن إدريس، منهم أبو بكر بن أبي شيبة (^٩)، وسلم بن جنادة (^١٠)، وهناد بن السري (^١١).
وهكذا رواه العدد الكثير من الرواة عن سهيل بن أبي صالح، منهم:
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ٢٠٩ ح ٢١٣٩).
(٢) المسند (١٢/ ٣٦١ ح ٧٤٠٠).
(٣) أخرج حديثه البيهقي (٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠).
(٤) أخرج حديثه ابن حبان (٦/ ٢٣٣ ح ٢٤٨٥).
(٥) أخرج حديثه الخطيب في الفصل للوصل المدرج (١/ ٢٧٦).
(٦) أخرج حديثه أبو نعيم (المستخرج على صحيح مسلم ٢/ ٤٦٥ ح ١٩٧٩).
(٧) أخرج حديثه الخطيب في الفصل للوصل المدرج (١/ ٢٧٦) وفي تاريخ بغداد (٨/ ٨٥)؛ مقتصرًا على قوله: فإن عجل أحدكم حاجته فليصل ركعتين.
(٨) أخرج حديثه الخطيب في الفصل للوصل المدرج (١/ ٢٧٦).
(٩) وحديثه في مصنفه (١/ ٤٦٤ ح ٥٣٧٤)، ورواه من طريقه مسلم (صحيح مسلم ٢/ ٦٠٠ ح ٦٨)، وابن ماجه (١/ ٣٥٨ ح ١١٣٢).
(١٠) وحديثه عند ابن ماجه مقرونًا بابن أبي شيبة (الموضع نفسه).
(١١) حديثه عند البيهقي (السنن الكبرى ٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠).
[ ٢ / ١٠١٣ ]
أبو عوانة الوضاح (^١)، وخالد بن عبد الله الطحان (^٢)، وجرير بن عبد الحميد الضبي (^٣)، وسفيان الثوري (^٤)، وسفيان بن عيينة (^٥)، وسليمان التيمي (^٦)، وإسماعيل بن زكريا (^٧)، وأبو حنيفة (^٨)، ووهيب بن خالد (^٩)، وعبد العزيز الدراوردي (^١٠)؛ كلهم ذكروا الحديث مقتصرين على قوله: «من كان مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا».
وأما الزيادة فقد فصّلها حماد بن سلمة، وزهير بن معاوية الجعفي في روايتهما. قال حماد بن سلمة: «قال سُهيل: قال لي أبي: إن لم تُصلّ في المسجد الحرام فصلّ في المسجد ركعتين، وفي بيتك ركعتين». (^١١)
وقال زهير في حديثه: «قال (^١٢): فقال لي أبي: يا بُني فإن صليت في المسجد
ركعتين، ثم أتيتَ المنزلَ أو البيتَ فصلِّ ركعتين». (^١٣)
وذكر الإمام أحمد في رواية ابن هانئ هذه أن ابن إدريس فصّل هذه الزيادة،
_________________
(١) حديثه عند الطيالسي (ص ٣١٦ ح ٢٤٠٦)، وابن حبان (الإحسان ٦/ ٢٢٨ ح ٢٤٧٨).
(٢) وحديثه عند مسلم (٢/ ٦٠٠ ح ٨٨١ (٦٧».
(٣) وحديثه عند مسلم (الموضع نفسه ح ٦٩)، وابن خزيمة (٣/ ١٨٤ ح ١٨٧٤).
(٤) وحديثه عند ومسلم (الموضع نفسه ح ٦٩)، وابن خزيمة (الموضع نفسه ح ١٨٧٤).
(٥) وحديثه عند الترمذي (٢/ ٣٩٩ ح ٥٢٣)، والنسائي (السنن الكبرى ١/ ١٨٤ ح ٤٩٦)، وابن حبان (الإحسان ٦/ ٢٣٠ ح ٢٤٨٠)، والطحاوي (شرح معاني الآثار ١/ ٣٣٦).
(٦) وحديثه عند ابن حبان (الإحسان ٦/ ٢٣٠ ح ٢٤٨١).
(٧) حديثه عند أبي داود (السنن ح ١١٣١).
(٨) مسند أبي حنيفة (١٢٢).
(٩) وحديثه عند ابن حبان (٦/ ٢٢٩ ح ٢٤٧٩).
(١٠) وحديثه عند ابن خزيمة (٣/ ١٨٣ ح ١٨٧٣).
(١١) أخرجه ابن حبان (الإحسان ٦/ ٢٣٤ ح ٢٤٨٦).
(١٢) الظاهر أن قائل ذلك هو سهيل بن أبي صالح.
(١٣) أخرجه أبو داود (السنن ١/ ٦٧٣ ح ١١٣١)، ومن طريقه البيهقي (السنن الكبرى ٣/ ٢٤٠).
[ ٢ / ١٠١٤ ]
والظاهر أنه كان يروي الحديث بالزيادة ظاناًّ منه أنها من الحديث، ثم أخذ يتردد في ذلك، ثم تبين له الصواب فيها ففصّلها من الحديث. وتوضيح ذلك أنه روى الحديث في رواية من ذكر عنه بالزيادة، وكان يقول في بعض تلك الروايات: «لا أدري، هذا في حديث رسول الله -ﷺ- أم لا؟». قال ذلك عنه الإمام أحمد (^١)، وأبو كريب (^٢). ثم ذكر الإمام أحمد عنه أن أبا صالح يقول ذلك. وخالفه عمرو الناقد، فقال: «قال ابن إدريس: قال سهيل: فإن عجل بك شيء فصلِّ ركعتين في المسجد، وركعتين إذا رجعت». (^٣) وهذا يدل على أن ابن إدريس لم يضبطه جيدًا عن سهيل بن أبي صالح، والله أعلم.
ومنها:
قال صالح: قلت حديث الزُّهري، عن ابن أُكيمة، عن أبي هريرة في القراءة في الصلاة قال: «فانتهى الناس عن القِراءة»، هو في الحديث عن أبي هريرة أو من كلام الزهري؟ قال: أما عبد الرزاق، فحكى عن معمر، عن الزهري قال: سمع ابن أُكيمة يحدّث بحديث عن أبي هريرة: «أن رسول الله -ﷺ- صلّى صلاة جهر فيها بالقراءة» وذكر الحديث: «فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله -ﷺ- فيما يجهر به من القراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله -ﷺ-). وقال ابن عيينة: فذكر الحديث. وقال معمر: عن الزهري: «فانتهى الناس في القراءة فيما يجهر به رسول الله -ﷺ-). قال سفيان: خَفيتْ عليّ هذه الكلمة. وقال إسماعيل: عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، وذكر
الحديث: «فانتهى الناس» إلى قوله:
_________________
(١) المسند (١٢/ ٣٦٣).
(٢) المستخرج على صحيح مسلم (١/ ٤٦٦). قال: «قال ابن إدريس: لا أدري هو من النبي -ﷺ-» فركعتين في المسجد وركعتين إذا رجع؟ إلا أني سمعته موصولًا في الحديث».
(٣) صحيح مسلم (٢/ ٦٠٠).
[ ٢ / ١٠١٥ ]
«إني أقول: ما لي أُنازَع القرآن». فلم يزد على هذا، فالذي نرى أن قوله: «فانتهى الناس عن القراءة» أنه قول الزهري. (^١)
هذا الحديث رواه مالك، عن ابن شهاب، عن ابن أُكيمة الليثي، عن أبي هريرة: «أن رسول الله -ﷺ- انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ فقال رجل نعم يا رسول الله، فقال: إني أقول ما لي أُنازَع القرآن. فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله -ﷺ- فيما جهر فيه رسول الله -ﷺ- بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله -ﷺ-). (^٢)
وهكذا رواه عن الزهري: معمر (^٣)، ويونس بن يزيد الأيلي (^٤)، وأبو أويس (^٥).
وأخرجه ابن عيينة فذكر الحديث إلى قوله: «ما لي أُنازَعُ القرآن»، ثم قال: «قال معمر عن الزهري: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر به رسول الله -ﷺ-. قال سفيان: خَفيت عليه هذه الكلمة». هكذا رواه أحمد (^٦)، والحميدي (^٧)،
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٢٨٠ - ٢٨٢ رقم ٨٩٨).
(٢) أخرجه مالك (الموطأ ١/ ٨٦ - ٨٧). ومن طريقه أخرجه أبو داود (١/ ٥١٦ ح ٨٢٦)، والترمذي (الجامع ٢/ ١١٩ ح ٣١٢)، والنسائي (٢/ ١٤٠ ح ٩١٨)، وأحمد (المسند ١٣/ ٣٨٣ ح ٨٠٠٧)، وابن حبان (٥/ ١٥٧ ح ١٨٤٩)، والبيهقي (السنن الكبرى ٢/ ١٥٧؛ القراءة خلف الإمام ح ٣١٧).
(٣) أخرج حديثه عبد الرزاق (المصنف ٢/ ١٣٥ ح ٢٧٩٥)، وأحمد (١٣/ ٢٢٢ ح ٧٨١٩) من طريقه. ورواه أهل البصرة عن معمر فخالفو عبد الرزاق في اللفظ. فقال يزيد بن زريع، عن معمر بمثل هذا الحديث إلى قوله: ما لي أُنازع القرآن، لم يزد على ذلك. أخرجه الخطيب (تاريخ بغداد ٧/ ٨٦). وقال عبد الأعلى عن معمر نحوه وزاد بعد: «فسكتوا بعد فيما جهر فيه الإمام». أخرجه ابن ماجه (السنن ١/ ٢٧٧ ح ٨٤٩). وحديث معمر بالبصرة متكلم فيه كما تقدم.
(٤) أخرج حديثه البخاري (التاريخ الأوسط ١/ ٣١١ رقم ٦١١؛ والكنى ص ٣٨) من طريق الليث عنه.
(٥) أخرج حديثه ابن عبد البر (التمهيد ١١/ ٢٦).
(٦) المسند (١٢/ ٢١١ ح ٧٢٧٠).
(٧) مسند الحميدي (٢/ ٤٢٣ ح ٩٥٣).
[ ٢ / ١٠١٦ ]
وعلي بن المديني (^١) عن ابن عيينة. ورواه أبو داود (^٢) من طرق عن ابن عيينة، بعضها تذكر زيادة قول سفيان عن معمر، وبعضها لا تذكرها، وبعضهم يسندها إلى الزهري عن أبي هريرة (^٣).
ورواه عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري فانتهى حديثه إلى قوله: «ما لي أُنازَعُ القرآن». أخرجه أحمد (^٤).
فاستدل الإمام أحمد بهذه الرواية وبرواية ابن عيينة على أن قوله: «فانتهى الناس عن القراءة»، قول الزهري مدرج في الحديث.
وممن روى الحديث بمثل رواية عبد الرحمن بن إسحاق بدون اللفظة المدرجة الليث بن سعد (^٥)، وعبد الملك بن جريج (^٦).
ويؤيد أن هذه اللفظة مدرجة من قول الزهري ما رواه الأوزعي ففصل كلام الزهري من الحديث بفصل ظاهر، فذكر الحديث إلى قوله: «ما لي أُنازَعُ القرآن»، ثم قال: «قال الزهري: فانتهى الناس فلم يكونوا يقرؤون معه». (^٧)، لكنه وهِم في
_________________
(١) حديثه عند البيهقي (السنن الكبرى ٢/ ١٥٧).
(٢) السنن (١/ ٥١٧ ح ٨٢٧)
(٣) قال البخاري: والصحيح أنه قول الزهري، ومما استدل به على ذلك أن المعروف عن أبي هريرة أنه كان يأمر بالقراءة (انظر: الكنى للبخاري ص ٣٨؛ التاريخ الأوسط ١/ ٣١٢).
(٤) المسند (١٦/ ٢١٣ ح ١٠٣١٨).
(٥) أخرج حديثه ابن حبان (الإحسان ٥/ ١٥١ ح ١٨٤٣) من طريق يزيد بن هارون، والبيهقي (القراءة خلف الإمام ح ٣١٨، ٣١٩) من طريق أبي الوليد الطيالسي، ويحيى بن بكير. وخالفهم يحيى بن يحيى النيسابوري فرواه عن الليث بذكر الزيادة. أخرجه الخطيب (الفصل للوصل المدرج ١/ ٢٩١).
(٦) أخرج حديثه أحمد (٢/ ١٣٥ ح ٢٧٩٦) من طريق عبد الرزاق، وفي (١٣/ ٢٣٠ ح ٧٨٣٣)، وكذلك البيهقي (القراءة خلف الإمام ح ٣٢٠) من طريق البرساني.
(٧) أخرج حديثه ابن حبان (الإحسان ٥/ ١٥٩ ح ١٨٥٠)، والخطيب (الفصل للوصل المدرج ١/ ٢٩٧ - ٣٠١)، والبيهقي (القراءة خلف الإمام ح ٣٢٢).
[ ٢ / ١٠١٧ ]
الإسناد فذكره عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة (^١)، ولذلك كان الوليد بن مسلم يرويه عن الأوزاعي، عن الزهري، عمن سمع أبا هريرة يقول … هكذا أخرجه ابن حبان (^٢)، فعلم الوليد أنه وهم فقال: عمن سمع أبا هريرة.
وذكر الخطيب هذا الحديث والذي قبله من أمثلة ما أُدرج في الأحاديث المسندة المرفوعة من ألفاظ التابعين.
ومنها:
قال صالح: قلت حديث داود، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله في قصة ليلة الجن قال رسول الله -ﷺ-: «لا تستنجوا بالعظام ولا بالبَعر، فإنه زاد إخوانِكم من الجنّ» هو من قول علقمة، عن عبد الله، أو من قول الشعبي؟ قال: أما إسماعيل بن إبراهيم، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة فقالا جميعًا: قال الشعبي، وليس هو في حديث علقمة: سألوه الزاد، وكانوا من جن الجزيرة فذكره …، الحديث. قال أبي: وبلغني أن حفص بن غياث حدث به فجعله في حديث علقمة، عن عبد الله، فنرى أنه وهم، وهذا أثبت». (^٣)
حديث الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود رواه داود بن أبي هند، واختلف عليه.
فرواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن داود، عن عامر الشعبي قال: «سألت
_________________
(١) قال الإمام البخاري: ولا يصح عن سعيد. وبين البيهقي (القراءة خلف الإمام ص ١٤٢)، وابن عبد البر (التمهيد ١١/ ٢٣) كيف دخل الوهم على الأوزاعي، وذلك أن الزهري كان يقول في هذا الحديث سمعت ابن أُكيمة يحدث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، فتوهم أنه لابن شهاب عن سعيد بن المسيب.
(٢) الإحسان (٥/ ١٦١ ح ١٨٥١).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٢٨٤ رقم ٨٩٢).
[ ٢ / ١٠١٨ ]
علقمة: هل كان ابن مسعود شهِد مع رسول الله -ﷺ- ليلةَ الجِنّ؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله -ﷺ- ليلةَ الجن؟ قال: لا،
ولكنّا كنّا مع رسول الله -ﷺ- ذاتَ ليلةٍ ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشِّعاب، فقلنا: استُطير أو اغتِيل. قال: فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قومٌ، فلما أصبحْنَا إذا هو جاء من قِبَل حِراءَ، قال: فقلنا يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبِتنا بشر ليلة بات بها قومٌ فقال: آتاني داعي الجنّ فذهبت معه فقرأتُ عليهم القرآنَ قال: فانطلق بنا فأرانا آثارَهم وآثارَ نيرانهم. وسألوه الزاد فقال: لكم كل عَظمٍ ذُكر اسمُ الله عليه يقع في أيديكم أوفرَ ما يكون لحمًا، وكل بَعرَةٍ عَلَفٌ لدوابِّكم. فقال رسول الله -ﷺ- فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم». (^١)
وهكذا رواه علي بن عاصم (^٢)، وأبو داود الطيالسي، عن وُهيب بن خالد، ويزيد بن زريع (^٣)، وتابعه نصر بن علي عن يزيد بن زريع (^٤)، وكذلك زياد بن أيوب، وعمرو بن زرارة عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة (^٥). فذكورا الحديث سياقة واحدة. وبعض هذا المتن ليس هو عند الشعبي عن علقمة إنما كان يرويه الشعبي
_________________
(١) أخرجه مسلم (صحيح مسلم ١/ ٣٣٢ ح ٤٥٠ (١٥٠»، وابن خزيمة (١/ ٤٤ - ٤٥ ح ٨٨)، وابن حبان (الإحسان ١٤/ ٤٦١ ح ٦٥٢٧)، والبيهقي (١/ ١٠٨) كلهم من طريق عبد الأعلى.
(٢) أخرجه الخطيب (الفصل للوصل المدرج ١/ ٦٢١).
(٣) مسند الطيالسي (٣٧ ح ٢٨١).
(٤) أخرجه البزار (البحر الزخار ٥/ ٢٥ ح ١٩٥٤).
(٥) أخرج رواية زياد ابن خزيمة (صحيح ابن خزيمة ١/ ٤٤ ح ٨٢)، لكن يحتمل أن يكون حمل ابن خزيمة لفظ ابن أبي زائدة على لفظ عبد الأعلى فإنه قرنهما في الرواية. وأخرج رواية عمرو بن زرارة ابن حبان (الإحسان ٤/ ٢٨٠ ح ١٤٣٢). وزياد بن أيوب ثقة حافظ (تقريب التهذيب ٢٠٦٧)، وعمرو بن زرارة ثقة ثبت (تقريب التهذيب ٥٠٦٧). وخالفهما أحمد بن حنبل، وأحمد بن منيع، فذكر ابن حبنل رواية ابن أبي زائدة بالتفصيل، وذكر ابن منيع رواية بالاقتصار على الجزء الأول من الحديث كما سيأتي.
[ ٢ / ١٠١٩ ]
مرسلًا لا يُسنده إلى أحد، وهو من قوله: «وسألوه الزاد …» إلى آخر الحديث. فأدرج ذلك في رواية عبد الأعلي ومن ذكر معه. وعلى هذا وقع سؤال صالح للإمام أحمد.
فقال الإمام أحمد: إن إسماعيل بن علية ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة فصلوا كلام
الشعبي الذي أرسله وبينوه من حديث عبد الله المسند. أخرج كلا الروايتين أحمد (^١). وممن فصّل ذلك أيضًا بشر بن المفضل (^٢)، ويحيى بن غيلان، وإسحاق بن أبي إسرائيل كلاهما عن يزيد بن زريع (^٣).
ومما يؤيد ذلك أن بعض الرواة عن داود رووا الحديث إلى قوله: «فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم»، مما يدل على أنه هو القدر المسند من الحديث، وما زاد فمدرج. رواه على هذا الوجه عبد الله بن إدريس (^٤)، وأبو خيثمة عن ابن علية (^٥).
وذكر الإمام أحمد رواية حفص بن غياث، عن علقمة، عن ابن مسعود أن النبي -ﷺ- قال: «لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعِظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن»، (^٦)
_________________
(١) المسند (٧/ ٢١٤ ح ٤١٤٩). وأخرج رواية ابن علية بمفردها مسلم (١/ ٣٣٢)، والترمذي (٥/ ٣٨٢ ح ٣٢٥٨)، والبيهقي (١/ ١٠٩). وأخرج ابن حبان القسم المرفوع فقط (الإحسان ١٤/ ٢٢٥ ح ٦٣٢٠). وأخرج رواية ابن أبي زائدة بمفردها النسائي في الكبرى (٦/ ٤٩٩ ح ١١٦٢٣)، عن أحمد بن منيع عنه، مقتصرا على الجزء المرفوع فقط - أي إلى قوله: فأرنا آثارهم وآثار نيرانهم.
(٢) أخرج روايته الخطيب (الفصل للوصل المدرج ٢/ ٦٣٠).
(٣) أخرج رواية يحيى بن غيلان أبو عوانة (مسند أبي عوانة ١/ ١٨٦ ح ٥٨٦)، وأخرج رواية إسحاق الخطيب (المصدر نفسه ٢/ ٦٣١).
(٤) أخرجه مسلم (صحيح مسلم ١/ ٣٣٣ ح ١٥١)، و
(٥) أخرجه ابن حبان (الإحسان ١٤/ ٢٢٥ ح ٦٣٢٠).
(٦) أخرج هذه الرواية الترمذي (الجامع ١/ ٢٩ ح ١٨)، والنسائي (السنن الكبرى ١/ ٧٢ ح ٣٩)، والشاشي (مسند الشاشي ص ٣٤٩ ح ٣١٦)، والطحاوي (شرح معاني الآثار ١/ ١٢٤)، والخطيب (المصدر نفسه ٢/ ٦٣٢).
[ ٢ / ١٠٢٠ ]
فإنه يدل على أنها مسندة عن علقمة، عن عبد الله. فذكر أحمد أنه يرى أنه وهم من حفصٌ، وأن روايته عن الشعبي مرسلًا أثبت، وذلك لكثرة من رواه عن داود كذلك.
لكن قد تابع حفص بن غياث عبد الوهاب بن عطاء (^١)، عن داود، إلا أن الذين خالفوهما أكثر وأثبت.
وقال الترمذي: كأن رواية إسماعيل أصح من رواية حفص بن غِياث (^٢).
وصحح الدارقطني قول من فصل الكلام المدرج، وأن الصحيح أنه من كلام الشعبي مرسلًا. (^٣).
وذكر الخطيب هذا الحديث من أمثلة ما أُدرج فيه المرسل المقطوع بالمتصل المرفوع. (^٤)
وقد يتوقف الإمام أحمد في تعيين جهة الإدراج لعدم وجود مرجح، مثاله:
قال صالح: «قلت: حديث عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله في قصة ابن النواحة قال: «فمضت السنة أن الرسل لا تُقتل»، هو في الحديث عن عبد الله أو من كلام أبي وائل؟ قال كذا الحديث». (^٥)
فهذا الحديث رواه عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود أنه قال - حيث قتل ابن النواحة - «إن هذا وابنَ أُثالٍ كانا أتيا النبي -ﷺ- رسولين لمسيلمة
_________________
(١) أخرجه الطحاوي (شرح معاني الآثار ١/ ١٢٤)، والخطيب (الموضع نفسه).
(٢) الجامع (١/ ٣٠).
(٣) علل الدراقطني (٥/ ١٣٢).
(٤) الفصل للوصل المدرج (٢/ ٦٢١).
(٥) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٢٨٣ رقم ٨٩١).
[ ٢ / ١٠٢١ ]
الكذاب، فقال لهما رسول الله -ﷺ-: «أتشهدان أني رسو الله؟» قالا: نشهد أن مُسيلمة رسول الله! فقال: «لو كنت قاتلًا رسولًا لضربت أعناقكما». قال: فجرت السنة أن لا تقتل الرسل، فأما ابن أُثالٍ فكفاناه الله ﷿، وأما هذا فلم يزل ذلك فيه حتى أمكن الله منه الآن». (^١)
فتوقف الإمام أحمد هل قوله: «فمضت السنة أن الرسل لا تقتل» من كلام ابن مسعود أو من كلام أبي وائل، وليس هناك ما يرجح أحد الاحتمالين، لأن هذه الزيادة إنما ذكرها المسعودي في حديثه، وليس في الحديث ما يميزها ويفصل كلام أبي وائل من كلام ابن مسعود. ولم أرهذه الزيادة في رواية الثوري، ولا في رواية سلام أبي المنذر، ولا أبي بكر بن عياش.
ومن الأملثة التي وردت عن الإمام أحمد من مدرج المتن وتوقف عن الحكم لعدم وجود مرجح:
قال صالح: «قلت: حديث الزهري، عن هند بنت الحارث، عن أم سلمة قال: «كن النساء يشهدن مع رسول الله -ﷺ- الصبح، فينصرفون متلفعاتٍ
_________________
(١) أخرجه أبو داود الطيالسي (ص ٣٤ ح ٢٥١)؛ وأحمد (٦/ ٢٤٠ ح ٣٧٠٨)، والشاشي (٢/ ١٨١ ح ٧٤٨) كلاهما عن يزيد بن هارون؛ وأحمد (٦/ ٣٠٦ ح ٣٧٦١) عن أبي النضر؛ والبيهقي (السنن الكبرى ٩/ ٢١٢) من طريق عبد الرحمن بن مهدي كلهم - وعددهم أربعة - عن المسعودي، عن عاصم به. وأخرجه النسائي (السنن الكبرى ٥/ ٢٠٦ ح ٨٦٧٦)، والبزار (٥/ ١٤٢ ح ١٧٣٣) كلاهما من طريق ابن مهدي؛ والبيهقي (السنن الكبرى ٩/ ٢١١) من طريق أبي عاصم كلاهما عن الثوري به. وأخرجه أيو يعلى (٩/ ١٤١ ح ٥٠٩٧) عن سلام أبي المنذر، عن عاصم. وخالفهما أبو بكر بن عياش فرواه عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن معيز السعدي، عن عبد الله، فزاد عليهم رجلًا في الإسناد. قال أبو حاتم: «الثوري أحفظ من أبي بكر، وأرى أن عاصمًا حكى عن أبي وائل أن رجلا يقال له ابو معيز مرّ بمسجد بنى حنيفة؛ فجعل أبو بكر عن ابن معيز، والثوري أفهم» (علل ابن أبي حاتم ١/ ٣٠٣ ح ٩١٠).
[ ٢ / ١٠٢٢ ]
بمُرُوطِهنّ، ما يُعرفن من الغَلَس». قالت: وكان النبي -ﷺ- يمكث قليلًا، وكانوا يرون أن ذلك كَيما يتقدّم النِّساء قبل الرِّجال، في الحديث عن أم سلمة أو هو من كلام الزهري؟ قال: رواه معمر، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة قالت: «كان رسول الله -ﷺ- إذا سلّم مكث قليلًا، وكانوا يرون أن ذلك كَيما ينفُذُ النساء قبل الرجال». وقال إبراهيم بن سعد: قال ابن شِهاب: فنرى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النِّساء قبل أن يُدركَهن من انصرف من القوم». (^١)
حديث أم سلمة رواه يونس، عن الزهري، عن هند بنت الحارث، عن أم سلمة مقتصرًا على الجزء المسند منه، وهو قولها: «أن النساء في عهد رسول الله -ﷺ- كن إذا
سلمن من المكتوبة قُمن وثبت رسول الله -ﷺ- ومن صلى من الرِّجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله -ﷺ-، قام الرجال». (^٢) وهكذا رواه الزُّبَيدي (^٣)، وجعفر بن ربيعة (^٤)، وإبراهيم بن سعد في رواية بعض الروايات عنه (^٥)، ومعمر في رواية إسحاق الدبري، عن عبد الرزاق عنه (^٦).
وأما الزيادة الواقعة في الحديث وهي: «فكانوا يرون أن ذلك كيما ينفذ السناء قبل الرجال»، وهي التي وقع السؤال عنها، فرواية معمر التي ذكرها الإمام تحتمل أنها من قول أم سلمة (^٧).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٢٨٥ ح ٨٩٣).
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ٣٤٩ ح ٨٦٦)، والنسائي (٣/ ٦٧ ح ١٣٣٢).
(٣) ذكر البخاري روايته تعليقًا (٢/ ٣٣٤)، ووصلها الحافظ (تغليق التعليق ٢/ ٣٣٩) من طريق الطبراني في مسند الشاميين فذكر لفظه.
(٤) ذكر البخاري روايته تعليقًا أيضًا (الموضع نفسه).
(٥) أخرجها أحمد (المسند ٤٤/ ١٦٩ ح ٢٦٥٤١)، وابن ماجه (السنن ١/ ٣٠١ ح ٩٣٢).
(٦) أخرجها الطبراني (المعجم الكبير ٢٣/ ٣٥٥ ح ٨٣١).
(٧) وأخرج تلك الرواية أيضًا عبد الرزاق (المصنف ١/ ٥٧٣ ح ٢١٨١؛ ٢/ ٢٤٥ ح ٣٢٢٧)، ومن طريقه أحمد (المسند ٤٤/ ٢٥٣ ح ٢٦٦٤٤)، وأبو داود (ح ١٠٤٠)، والبيهقي (السنن الكبرى ٢/ ١٨٣).
[ ٢ / ١٠٢٣ ]
ورواية إبراهيم بن سعد صريحة في أن ذلك من قول الزهري (^١).
فذكر الإمام أحمد الروايتين ولم يرجح شيئًا، لعدم وجود المرجح.
ففي هذا والذي قبله ليس التوقف في إثبات الإدراج، فإن ذلك ثابت ولا لبس فيه، وإنما هو في تعيين جهته، لأن الأدلة الموجودة لا تسعف الناظر.
مدرج الإسناد
وأما مدرج الإسناد فقد سبق أنه في الحقيقة نوع من القلب، حيث يقع فيه دخول متن حديث أو جزء منه في متن حديث آخر.
ومنه ما تقدم أن محمد بن فضيل روى حديث عائشة في تلبية النبي -ﷺ-: «قالت عائشة: إني لأعلم كيف كان رسول الله -ﷺ- يُلبِّي قال: ثم سمعتها تلبِّي تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنِّعمة لك والمُلك لا شريك لك». فزاد: «والملك لا شريك لك»، وهذه اللفظة معروفة في حديث ابن عمر، وأما حديث عائشة فإلى قولها: «إن الحمد والنعمة لك»، هكذا رواه الثقات من أصحاب الأعمش منهم الثوري، وأبو معاوية. وقد تقدم ذلك كله (^٢).
ومنه أيضًا:
قال حنبل: «ثنا أبو عبد الله، ثنا محمد بن مُصعب، ثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس: مرَّ النبي -ﷺ- بشاة مَيْتة قد ألقاها أهلُها فقال: «والذي نفسي بيده، للدُّنيا أهون على الله من هذه على أهلها». قال أبو عبد الله: هو
_________________
(١) أخرج هذه الرواية البخاري في مواضع (ح ٨٣٧، ٨٤٩، ٨٧٠)، والطيالسي (ص ٢٢٤ ح ١٦٠٤)، وابن خزيمة (صحيح ابن خزيمة ٣/ ١٠٩ ح ١٧١٩)، والبيهقي (٢/ ١٨٢).
(٢) انظر: ص (٧٠٦).
[ ٢ / ١٠٢٤ ]
عندي خطأ». (^١)
هذا الحديث من المواضع التي حكم الإمام أحمد فيها بوجود العلة ولم يبين وجهها ولا الذي صدرت منه، فبقي على الناظر أن يعمل فكرَه في التماس ذلك، وهذا يقع كثيرًا عند الإمام أحمد، لكونه يخاطب بكلامه أهل الاختصاص والمعرفة بهذا الفن.
ورواية محمد بن مصعب هذه أخرجها أحمد (^٢)، وابن أبي شيبة (^٣)، وأبو يعلى (^٤)، وأبو نعيم (^٥).
والخطأ الذي أشار إليه هو أن الإسناد المذكور في هذا الحديث إنما يروى به متنٌ آخر شبيه به غير المتن المذكور معه، وأما المتن فإنما يعرف بغير هذا الإسناد، فالظاهر أن الراوي دخل عليه حديث في حديث، فلما ساق الإسناد وشرع في ذكر المتن انتقل ذهنه إلى المتن الآخر فذكره، وغفل عن المتن الحقيقي.
وتوضيح ذلك أن هذا الإسناد يرويه الزهري، وهو صاحب تلاميذ، والمتن الذي رووه به هو: «أن رسول الله -ﷺ- مرَّ بشاةٍ مَيتةٍ أُعطيتها مولاةٌ لميمونة، فقال: هلاَّ استَمتعتُم بجلدها؟ قالوا: يا رسول الله، إنها مَيتة. قال: إنما حَرُم أكلُها». هكذا رواه مالك (^٦)، ويونس بن يزيد الأيلي (^٧)، وصالح بن كيسان (^٨)،
_________________
(١) المنتخب من العلل للخلال (ص ٤٣ رقم ٤).
(٢) المسند (٥/ ١٦٨ ح ٣٠٤٧).
(٣) المصنف (٧/ ٨٦ ح ٣٤٣٨٩).
(٤) المسند (٤/ ٤٦٣ ح ٢٥٩٣).
(٥) جلية الأولياء (٢/ ١٨٩).
(٦) الموطأ (٢/ ٤٩٨)
(٧) أخرج حديثه البخاري (٤/ ٣٥٥ ح ١٤٩٢)، ومسلم (١/ ٢٧٦ ح ٣٦٣ (١٠١».
(٨) أخرج حديثه البخاري (٤/ ٤١٣ ح ٢٢٢١)، ومسلم (١/ ٢٧٧ ح ١٠١)، وأحمد (٤/ ١٩٧ ح ٢٣٦٩).
[ ٢ / ١٠٢٥ ]
والزُّبَيدي (^١)، ومعمر (^٢)، وعقيل ويونس (^٣)، والأوزاعي (^٤)، كلهم عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس بهذا المتن.
والعجب أن محمد بن مصعب قد شارك هؤلاء في رواية هذا المتن بالإسناد نفسه؛ أخرج تلك الرواية الإمام أحمد (^٥)، فوافق أصحاب الأوزاعي الوليد بن مسلم، وشعيب بن إسحاق اللذين رويا الحديث عن الأوزاعي. وهذا يدل على أن الوهم من محمد بن مصعب، لا من الأوزاعي.
وأما المتن الذي رواه محمد بن مصعب بهذا الإسناد، وهو: «للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها»، فإنه يروى بأسانيد أخرى منها: حديث أبي جعفر الباقر، عن جابر بن عبد الله، وهو عند مسلم (^٦)، وأحمد (^٧)، وابن أبي شيبة (^٨) ولفظه: «أن النبي -ﷺ- مرَّ بجديٍ أَسَكَّ ميِّتٍ فتناوله، فأخذ بأذنه ثم قال: أيكم يُحبّ أنّ هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حياًّ كان عيبًا فيه لأنه أسَكَّ، فكيف وهو ميّت؟ فقال: فوالله لَلدُّنيا أهْونُ على الله من هذا عليكم».
ومنها: حديث عبد الله بن ربيعة: «كان رسول الله -ﷺ- في سفرٍ فإذا هو
_________________
(١) أخرج حديثه الدارمي (٢/ ١٤).
(٢) أخرج حديثه أبو داود (ح ٤١٢١)، وعبد الرزاق (المصنف ١/ ٦٢ ح ١٨٤)، وأحمد (٥/ ٤١٥ ح ٣٤٥٢).
(٣) أخرج حديثهما الدارقطني (السنن ١/ ٤١).
(٤) أخرج حديثه أحمد (٥/ ١٧٠ ح ٣٠٥١)، وابن حبان (٤/ ٩٨ ح ١٢٨٢)، والطبراني (٢٣/ ٤٢٨ ح ١٠٣٩).
(٥) المسند (٥/ ١٧٠ ح ٣٠٥١).
(٦) صحيح مسلم (٤/ ٢٢٧٢).
(٧) المسند (١٤٩٧٢).
(٨) المصنف (ح ٣٤٣٩١).
[ ٢ / ١٠٢٦ ]
بشاة منبوذة فقال: أترون هذه هينة على أهلها؟ قالوا: نعم. قال الدنيا أهونُ على الله من هذاه على أهلِها». (^١) ومنها أحاديث أخرى عن غيرهما من الصحابة.
فجعل محمد بن مصعب هذا المتن لإسناد حديث ابن عباس في شاة مولاة ميمونة، وقد كان رواه على الصواب، فدل هذا على أنه كان يضطرب في روايته، ولم يضبطه جيدًا.
ومحمد بن مصعب هو القُرقُساني، سأل عبد الله الإمام أحمد عنه فقال: لا بأس به، وحدث عنه بأحاديث كثيرة (^٢). وقال أبو داود: «سمعت أحمد يقول: القرقُساني عن الأوزاعي مقارَب، وأما عن حماد بن سلمة ففيه تخليط». (^٣). وقال أبو زرعة:
صدوق في الحديث، ولكنه حدث بأحديث منكرة. وضعفه ابن معين، والنسائي مطلقًا، وضعفه صالح الجزرة في الأوزاعي (^٤)، وكذلك قال أبو أحمد الحاكم: روى عن الأوزاعي منكرة (^٥).
وقد سئل أبو حاتم وأبو زرعة عن هذا الحديث فقالا: «هذا خطأ، إنما هو: أن النبي -ﷺ- مرّ بشاة ميّتة فقال: «ما على أهل هذه لو انتفعوا بإهابها». قال ابن أبي حاتم: فقلت لهما: الوهم ممن هو؟ قالا: من القرقساني». (^٦)
_________________
(١) أخرجه النسائي (السنن ٢/ ١٩ ح ٦٦٤؛ السنن الكبرى ١/ ٥٠٧ ح ١٦٢٩)، وابن أبي شيبة (المصنف ٧/ ٨٦ ح ٣٤٣٩٠) من طريق شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن رُبَيِّعة. وعبد الله مختلف في صحبته (تهذيب الكمال ١٤/ ٤٩٤). ورجال الإسناد كلهم ثقات.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (رقم ٣٨٤٠).
(٣) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (رقم ٣٢٨).
(٤) تهذيب الكمال (٢٦/ ٤٦٥).
(٥) تهذيب التهذيب (٩/ ٤٥٩ - ٤٦٠).
(٦) علل ابن أبي حاتم (٢/ ١٣٥ ح ١٨٩٧).
[ ٢ / ١٠٢٧ ]
وقال ابن حبان مثل ذلك (^١). وقال الدارقطني: وهم في متنه محمد بن مصعب (^٢).
_________________
(١) انظر: المجروحين (٢/ ٢٩٤).
(٢) تعليقات الدارقطني على المجروحين لابن حبان (ص ٢٥٢).
[ ٢ / ١٠٢٨ ]
المطلب السابع: ذكر بعض القرائن يُتوصل بها إلى معرفة أخطاء الثقات في الأحاديث كما وردت عن الإمام أحمد
إن ما تقدم من الأحاديث كلها من أحاديث الثقات وتدل ظاهر أسانيدها ببادي الرأي على أنها صحيحة، لكن أئمة هذا العلم قد أدركوا فيها عللًا خفية حالت بينها وبين رتبة الصحة والقبول، وقد غفل عن هذه العلل كثير ممن لم يسلكوا سبيلهم فحكموا على كثير منها بالصحة وجانبهم الصوابُ في ذلك.
وعندما كشف الأئمة تلك العلل، وحكموا بموجبها على الروايات بالخطأ، لم يفعلوا ذلك بمجرد الحدس من غير تحقّق، بل اعتمدوا على أدلة ثابتة بصريح المعقول توصلوا بها إلى اليقين أو الظن الراجح في أحكامهم.
ومن خلال دارستي للأحاديث التي أعلها الإمام أحمد ظهر لي بعض القرائن رأيته يعتمدها للتوصل إلى إدراك العلل الواقعة في أحاديث الثقات. وهي كالتالي:
١. التَّفرُّد ممن لا يُحتمل تفردُه وبخاصة عن حافظٍ مُكثِرٍ ذي تلاميذَ كُثُر
وقد تقدم أمثلة كثيرة في مبحث التفرد لأحاديث الثقات التي ردّها الإمام بالتفرد، وذلك حيث لم يكن لدى الثقة من التثبت والإتقان ما يحتمل ويقبل منه أن ينفرد عن شيخه بما لا يُعرف إلا من جهته. ومن الأمثلة أيضًا:
قال أبو داود: «سمعت أحمد ذُكر له حديث ضمْرة، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ-: «من ملَك ذا رحِمٍ مَحرمٍ فهو حرٌّ». فقال أحمد: ليس من ذا شيء، وهِم ضمْرة». (^١)
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٤٣٣ رقم ١٩٩٩).
[ ٢ / ١٠٢٩ ]
وقال أبو زرعة الدمشقي: فأنكره، وردّه رداًّ شديدًا. (^١)
قال أحمد عن ضمْرة بن ربيعة: «من الثقات المأمونين، رجلٌ صالح، صالح الحديث، لم يكن بالشام رجلٌ يُشبهه». وقال له عبد الله: أيما أحب إليك هو أو بقية؟
قال: «لا، ضمْرة أحب إلينا، بقية ما كان يبالي عمّن حدّث». (^٢)
وقال أبو داود: «قلت لأحمد: ضمْرة بن ربيعة؟ قال: ثقة، ثقة». (^٣)
وقال ابن قُدامة: «سئل أحمد عن ضمْرة بن رببيعة فقال: ثقة، إلا أنه روى حديثين ليس لهما أصل». (^٤)
وهذا الحديث رواه ضمْرة عن الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- قال: «من ملَك ذا رحِمٍ مَحرمٍ فهو حرٌّ» أخرجه النسائي (^٥)، وابن الجارود (^٦)، وابن ماجه (^٧)، والطحاوي (^٨) والحاكم (^٩)، والبيهقي (^١٠)، وابن عساكر (^١١).
وقد أنكره الإمام أحمد على ضمْرة بن ربيعة مع ثقته، ولم يصرح بوجه الإنكار، إلا أنه يؤخذ ذلك من كلام الإمام أحمد في ضمْرة كما رواه ابن قدامة،
_________________
(١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (١١٦٨، ٢٢٩٤).
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٣٦٦ رقم ٢٦٢٤).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (رقم ٢٦٣).
(٤) المغني (١٠/ ٢٩٤).
(٥) السنن الكبرى (٣/ ١٧٣ ح ٤٨٩٧).
(٦) المنتقى (٣/ ٢٣٧ ح ٩٧٢).
(٧) السنن (٢/ ٨٤٤ ح ٢٥٢٥).
(٨) شرح معاني الآثار (٣/ ١٠٩).
(٩) المستدرك (٢/ ٢١٤).
(١٠) السنن الكبرى (١٠/ ٢٨٩).
(١١) تاريخ دمشق (٢٤/ ٤٠٦).
[ ٢ / ١٠٣٠ ]
أنه روى حديثين لا أصل لهما، فهذا أحدهما، وقد تقدم الآخر في تفسير معنى «لا أصل له» عند الإمام أحمد في مبحث الإعلال بكذب الراوي (^١). وهما الحديثان اللذان ذكر أبو زرعة الدمشقي إنكار الإمام أحمد لهما على ضمْرة.
فوجه الإنكار أن هذا الحديث لا يعرف من حديث الثوري، ولا من حديث عبد الله بن دينار، ولا من حديث ابن عمر.
وقد يقال: إذا كان ضمْرة ثقة مأمونًا فلمَ لا يُقبل تفردُه عن الثوري، وهذه وجهة نظر من صحح الحديث كعبد الحق الإشبيلي (^٢)، وابن القطان (^٣)، وابن التركماني (^٤)، واستحسن الشيخ الألباني كلام ابن التركماني في تصحيحه للحديث ورده على تضعيف البيهقي له (^٥). فيقال في الجواب: هذا صحيح لو كان الذي تفرد عنه لم يكن كثير الحديث والتلاميذ مثل الثوري، ولو كان شيخه أيضًا لم يكن كذلك، أما وكلٌّ من ابن عمر، وابن دينار، والثوري معروف بكثرة الرواية (^٦) والرواة، فكيف يغيب هذا الأصل عن جميع الرواة من لدن طبقة تلاميذ ابن عمر، مرورًا بطبقة الرواة عن ابن دينار إلى طبقة تلاميذ الثوري، فلا يرويه إلا ضمْرة بن ربيعة الذي لم يُعرف بطول صحبته للثوري ولا بكثرة الرواية عنه، بل كان الثوري بالكوفة بينما هو بين دمشق وفلسطين، ولم يكن من الطبقة الأولى
_________________
(١) انظر: ص (١٧٢).
(٢) الأحكام الوسطى (٤/ ١٥).
(٣) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٤٣٧).
(٤) الجوهر النقي (بهامش السنن الكبرى ١٠/ ٢٩٠). وتبعهم أبو إسحاق الحويني في تحقيقه على منتقى ابن الجارود (الموضع نفسه).
(٥) إرواء الغليل (٦/ ١٧٠).
(٦) أما ابن عمر فمعروف بأنه من المكثرين عن النبي -ﷺ-، ذكره ابن حزم (٥/ ٨٩). وأما عبد الله بن دينار فقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث (الطبقات الكبرى - القسم المتمم ص ٣٠٥).
[ ٢ / ١٠٣١ ]
من أصحابه أمثال القطان، وابن مهدي، ووكيع، وأبي نعيم، فما بال هذا الحديث لا يعرفه واحد من هؤلاء؟
ومن أجل هذا اعتبره الإمام أحمد من الذين لا يحتمل تفردهم عن حافظ مكثر مثل الثوري.
وقد وافق الإمام أحمد على هذا الحكم نفسه غيرُه من الأئمة.
فقال الترمذي: «لم يتابع ضمْرة بن ربيعة على هذا الحديث، وهو خطأ عند أهل الحديث» (^١).
وقال النسائي: «هذا حديث منكر، ولا نعلم أحدًا رواه غير ضمْرة» (^٢).
وأما البيهقي فأعلّ الحديث بأن ضمْرة انقلب عليه هذا الحديث بحديث النهي عن بيع الولاء وهبته المعروف بأنه مروي بهذا الإسناد (^٣). لكن ضمْرة قد روى الحديثين معًا بالإسناد نفسه، فيبعد مع ذلك أن يكون انقلب عليه أحدهما بالآخر، وهذا الذي نبه عليه الحاكم (^٤) لما روى الحديثين معًا من طريق ضمْرة، فقال: «إنما ذكرت المتن الأول ليزول به الوهم عن ضمْرة» (^٥). وأشار الحافظ ابن حجر (^٦) إلى ذلك أيضًا.
فمعرفة التفرد الكائن ممن لا يحتمل تفرده هي القرينة التي توصل بها الإمام أحمد إلى الحكم على الحديث بالخطأ، مع أن ظاهر إسناده يوهم أنه صحيح.
_________________
(١) جامع الترمذي (٣/ ٦٤٦).
(٢) السنن الكبرى (٣/ ١٧٣).
(٣) انظر: السنن الكبرى (١٠/ ٢٨٩).
(٤) المستدرك (٢/ ٢١٤).
(٥) والعبارة في المستدرك غير واضحة فنقلتها من إتحاف المهرة (٨/ ٥٠٧).
(٦) تلخيص الحبير (٤/ ٢١٢).
[ ٢ / ١٠٣٢ ]
ومثال آخر:
قال الأثرم: «قيل لأبي عبد الله: روى شبابة، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه: بايعنا النبي -ﷺ- … فأنكره وقال: إنما هذا حديث طارق، ما سمعت هذا من حديث قتادة ولا من حديث شعبة». (^١)
فأنكره لأنه لا يُروى من حديث شعبة، ولا من حديث قتادة، وكل منهما كان كثيرا الحديث والتلاميذ.
٢. المخالفة لرواية الأوثق أو الأكثر عددًا
وهذا أيضًا قد مرّ ذكر أمثلته عن الإمام أحمد في مطلبين (^٢)، وبمعرفته يتوصل إلى معرفة كثير من الأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات التي ظاهرها الصحة، ولا يمكن الوصول إلى معرفة المخالفة إلا بجمع الطرق، ولذلك اشتهرت مقولتهم أن الباب إذا لم يجمع طرقُه لم يُعلم خطؤه.
والمخالفة ذات الوجهين قرينة قوية لكشف القلب الذي من نوع إبدال حديث بآخر. وقد تقدمت بعض أمثلة ذلك، ومنها أيضًا:
قال الأثرم: «سمعت أبا عبد الله وذكر شبابة فقلت له: روى عن شعبة، عن بُكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي في الدُّبّاء، فقال: وهذا إنما روى شعبة بهذا الإسناد حديثَ الحجّ». (^٣)
فالنهي عن الانتباذ في الدباء والمزفّت صحيح ثابت عن النبي -ﷺ- عن
_________________
(١) الضعفاء للعقيلي (٢/ ٥٧٧).
(٢) انظرهما في ص ٧٣٠، ٧٤٠.
(٣) الضعفاء للعقيلي (٢/ ٥٧٧).
[ ٢ / ١٠٣٣ ]
جماعة كثيرين من الصحابة، منهم أنس بن مالك (^١)، وعلي بن أبي طالب (^٢)، وعائشة (^٣)، وأبو هريرة (^٤)، وابن عباس (^٥)، وابن عمر (^٦)، وجابر بن عبد الله (^٧)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (^٨)، وغيرهم.
ورواية عبد الرحمن بن يعمر الديلي غريبة جدًا، لا تعرف إلا بهذا الإسناد، تفرد
به شبابة، عن بكير بن عطاء عنه. (^٩)
والمعروف عن شعبة بهذا الإسناد حديث: «الحج عرفة». هكذا رواه أصحاب شعبة: غندر (^١٠)، وأبو الوليد الطيالسي (^١١)، وأبو داود الطيالسي (^١٢)، وروح بن عبادة (^١٣)، ويزيد بن هارون (^١٤)، ومعاذ بن معاذ العنبري (^١٥)،
_________________
(١) حديثه عند البخاري (١٠/ ٤١ ح ٥٥٨٧)، ومسلم (٣/ ١٥٧٧ ح ١٩٩٢).
(٢) أخرج حديثه البخاري (١٠/ ٥٧ ح ٥٥٩٤)، ومسلم (٣/ ١٥٧٨ ح ١٩٩٤).
(٣) أخرج حديثه البخاري (١٠/ ٥٨ ح ٥٥٩٥)، ومسلم (٣/ ١٥٧٨ ح ١٩٩٥).
(٤) أخرج حديثه مسلم (٣/ ١٥٧٧ - ١٥٧٨ ح ١٩٩٣).
(٥) أخرج حديثه مسلم (٣/ ١٥٧٩ ح ١٧).
(٦) أخرج حديثه مع ابن عباس مسلم (٣/ ١٥٨٠ ح ١٩٩٧ (٤٦»، ومن حديثه وحده (٣/ ١٥٨١ - ١٥٨٣ ح ٤٧ - ٥٨)
(٧) أخرج حديثه البخاري (١٠/ ٥٧ ح ٥٥٩٢)، وأخرج حديثه مقرونًا بابن عمر مسلم (٣/ ١٥٨٣ ح ١٩٩٨).
(٨) أخرج حديثه البخاري (١٠/ ٥٧ ح ٥٥٩٣).
(٩) أخرجه النسائي (٨/ ٣٠٥ ح ٥٦٢٧)، وابن ماجه (٢/ ١١٢٧ ح ٣٤٠٤)، والطحاوي (شرح معاني الآثار ٤/ ٢٢٧).
(١٠) وحديثه عند أحمد (٣١/ ٦٣ ح ١٨٧٧٣).
(١١) حديثه عند الدارمي (١/ ٣٨٦).
(١٢) وحديثه في مسنده (ح ١٣١٠)، وعند البيهقي (السنن الكبرى ٥/ ١٧٣).
(١٣) حديثه عند أحمد (٣١/ ٦٥ ح ١٨٧٧٥).
(١٤) حديثه عند الحاكم (٢/ ٢٧٨).
(١٥) وحديثه عند مسلم في «كتاب التمييز» ص ٢٠٠ ح ٧٧.
[ ٢ / ١٠٣٤ ]
وأبو عبيدة الحداد (^١)، وسهل بن يوسف وحماد بن مسعدة (^٢).
فهذا المتن هو الذي يعرف بهذا الإسناد، وأما حديث النهي عن الدباء والمزفت فلا يعرف بالإسناد الذي ذكره شبابة.
وقد أنكر هذا الحديث على شبابة طوائف من الأئمة منهم غير الإمام أحمد، منهم الإمام البخاري (^٣). وقال أبو جاتم: هذا حديث منكر، لم يروه غير شبابة، ولا يُعرف له أصل (^٤).
وقال الترمذي: «هذا حديث غريب من قبل إسناده لا نعلم أحدا حدث به غير شبابة، وقد رُوي عن النبي -ﷺ- من أوجه كثيرة أنه نهى أن يُنتبذ في الدُّبّاء والمزفَّت، وحديث شبابة إنما يُستغرب لأنه تفرد به عن شعبة، وقد روى شعبة وسفيان الثوري بهذا
الإسناد عن بُكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يَعمُر عن النبي -ﷺ- أنه قال: «الحج عرفة» فهذا الحديث المعروف عند أهل الحديث بهذا الإسناد». (^٥)
ووجه المخالفة ذات الوجهين أن شبابة خالف كل من روى حديث النهي عن الدباء والمزفت حيث جعله من مسند عبد الرحمن بن يعمر، بينما هو معروف برواية غيره من الصحابة. وخالف أصحاب شعبة حيث روى بإسناد شبعة، عن بكير، عن عبد الرحمن بن يعمر هذا الحديث الذي يروي به أصحاب شعبة حديثًا غيره.
ويشكل على هذا الإعلال أن شبابة قد روى حديث: «الحج عرفة» عن
_________________
(١) وحديثه عند الدارقطني (٢/ ٢٤١).
(٢) وحديثهما عند النسائي (السنن الكبرى ٢/ ٤٦٢ ح ٤١٨٠).
(٣) التاريخ الكبير (٢/ ١١١).
(٤) علل ابن أبي حاتم (٢/ ٢٧ ح ١٥٥٧).
(٥) جامع الترمدي (كتاب العلل ٥/ ٧١٣ - ٧١٤).
[ ٢ / ١٠٣٥ ]
شعبة، عن بكير، عن عبد الرحمن بن يعمر كما رواه سائر أصحاب شبعة. أخرجه الطحاوي (^١) عن علي بن معبَد عنه. وعلي بن معبد ثقة فقيه (^٢).
فلم يبق إلا تفرده من بين أصحاب شعبة برواية حديث النهي عن الدباء والمزفت.
ويؤيد كونه غير محفوظ أن البخاري روى عن عبد الرزاق عن الثوري بصيغة الجزم أنه قال: «كان عند بكير حديثان، سمع شعبة أحدَهما ولم يسمع الآخر». (^٣) فالذي يجزم به أن شعبة سمع حديث: «الحج عرفة»، فبقي سماعه للحديث الآخر - حتى ولو كان حديثنا المذكور (^٤) - منفيًا على ما قاله الثوري. وهذا مستند البخاري في نفي الصحة عن حديث شبابة في النهي عن الدباء والمزفت.
وقد يقال في مثل هذا: إن المثبِت مقدّم على النافي، وهذا صحيح، إلا أن في باب تضافر الأدلة يحتج بمثل هذه القرينة.
وأما علي بن المديني فقال لما سئل عن هذا الحديث «أيَّ شيء تقدر تقول في
ذاك، - يعني أن شبابة كان شيخًا صدوقًا إلا أنه كان يقول بالإرجاء - ولا يُنكر من رجل سمع من رجل ألفًا وألفين أن يجيء بحديث غريب». (^٥)
٣. مخالفة الراوي لمقتضى ما رواه
وقد تقدمت أمثلة ذلك أيضًا (^٦)، وأنها من قواعد إعلال الأحاديث عند الإمام أحمد وغيره من الحفاظ.
_________________
(١) شرح معاني الآثار (٢/ ٢١٠)
(٢) تقريب التهذيب (٤٨٣٥).
(٣) التاريخ الكبير (٢/ ١١١).
(٤) والحديث الآخر على ما ذكره البخاري أنه رأى عليًا أهل بهما جميعًا (الموضع نفسه).
(٥) تاريخ بغداد (٩/ ٢٩٧).
(٦) ص: ٧٨٦.
[ ٢ / ١٠٣٦ ]
٤. معرفة مخالفة الرواية للثابت المعروف
وهذا أيضًا قد تقدمت أمثلته في مطلب مستقل (^١).
٥. سلوك الجادَّة
معنى الجادَّة معظم الطريق، وهي أيضًا الطريق إلى الماء (^٢).
والمقصود بسلوك الجادّة اتباع الطريق المعهود في الرواية، وتوضيح ذلك من كلام الشيخ المعلمي ﵀، قال: «وأغلب ما يكون الخطأ بالحمل على المألوف … وهكذا الخطأ في الأسانيد أغلب ما يقع بسلوك الجادة، فهشام بن عروة غالب روايته عن أبيه، عن عائشة، وقد يروي عن وهب بن كيسان، عن عبيد بن عمير، فقد يسمع رجل من هشام خبرًا بالسند الثاني ثم يمضي على السامع زمان فيشتبه عليه، فيتوهم أنه سمع ذاك الخبر من هشام بالسند الأول على ما هو الغالب المألوف، ولذلك تجد أئمة الحديث إذا وجدوا راويين اختلفا بأن رويا عن هشام خبرًا واحدًا، جعله أحدُهما عن هشام، عن وهب، عن عُبيد، وجعله الآخر عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فالغالب أن يُقدموا الأول، ويخطّؤوا الثاني، هذا مثال، ومن راجع كتب علل الحديث وجد من هذا ما لا يُحصى». (^٣)
فذكر أن سلوك الجادة قرينة استعملها أئمة الحديث لتقوية ظنهم بخطأ من سلكها، وذلك أن الذي جاء بما يخالف المألوف يدل على مزيد ضبطه لما رواه فتُقدم روايته على من سلك الجادة. وقد تقدم عن الإمام أحمد ما يدل على اعتباره هذه القرينة طريقة لمعرفة الخطأ. قال: «وأهل المدينة إذا كان حديثٌ غلطٌ يقولون: «ابن المنكدر، عن جابر»، وأهل البصرة يقولون: «ثابت، عن أنس»، يُحيلون عليهما». (^٤)
_________________
(١) ص: ٨٠١.
(٢) لسان العرب (٣/ ١٠٩، ١١٠).
(٣) بلوغ الأماني من كلام المعلمي اليماني (ص ١١٥ - ١١٦).
(٤) الكامل في ضعفاء الرجال (٤/ ١٦١٦)، وقد تقدم في ص (٦٦٨).
[ ٢ / ١٠٣٧ ]
قال الحافظ ابن رجب في مراد الإمام أحمد من هذه العبارة: «لما اشتهرت رواية ابن المنكدر عن جابر، ورواية ثابت عن أنس، صار كل ضعيف وسيئ الحفظ إذا روى حديثًا عن ابن المنكدر يجعله عن جابر عن النبي -ﷺ-، وإن رواه عن ثابت، جعله عن أنس عن النبي -ﷺ-). (^١)
ومن النماذج لاستعمال الإمام أحمد لهذه القرينة:
ما تقدم من الخلاف بين الثوري وجرير على منصور في حديث: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال …»، فإن جريرًا رواه، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة، ورواه الثوري عن منصور، عن ربعي، عن رجل من الصحابة، فقال الإمام أحمد طريق الثوري هو المحفوظ، وقال في حديث جرير ليس بشيء. فإن من القرائن التي كشفت علة رواية جرير أنه أتى به على الطريق المألوف: منصور، عن ربعي، عن حُذيفة، والثوري حفظ أنه ليس عن حذيفة على الجادة، ولكن عن رجل من الصحابة غير مسمى. (^٢)
ومنها:
قال أبو داود: «سمعت أحمد سئل عن حديث الأوزاعي عن حسّان بن عطية، عن محمد بن المنكدر، عن جابر أن النبي -ﷺ- رأى رجلًا ثائرَ الشعر فقال: «أما وجد هذا ما يسكن به شعرَهُ»؟ ورأى رجلًا آخر وسخ الثياب … فقال: ما أنكره من
حديث، ليس إنسان يرويه - يعني عن ابن المنكدر - غير حسان. قال أحمد: كان ابن المنكدر رجلًا صالحًا، وكان يُعرف بجابر مثل ثابت، عن أنس، وكان يحدث عن يزيد الرقاشي، فربما حدّث بالشيء مرسلًا فجعلوه عن جابر». (^٣)
_________________
(١) شرح علل الترمذي (٢/ ٦٩٣ - ٦٩٤).
(٢) انظر: ص (٧٥٤).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٤٠٦ - ٤٠٧ رقم ١٩١٣).
[ ٢ / ١٠٣٨ ]
هذا الحديث أخرجه أبو داود (^١)، والنسائي (^٢)، وأحمد (^٣)، والحاكم (^٤) كلهم من طرق عن الأوزاعي به. ولفظه: «أتانا رسول الله -ﷺ- فرأى رجلًا شعِثًا قد تفرق شعرُه فقال: «أما كان يجد هذا ما يسكِّن به شعرَه؟». ورأى رجلًا آخر وعليه ثياب وسخة فقال: «أما كان يجد ماء يغسل به ثوبَه؟». وهذا السند ظاهره الصحة فإن حسّان بن عطية قد وثقه أحمد، وابن معين، والفسوي وغيرهم (^٥).
وأنكر الإمام أحمد الحديث بقرينة رواية حسان له عن ابن المنكدر، عن جابر، حيث سلك الجادة المعروفة، بالإضافة إلى تفرده بذلك عن ابن المنكدر. ولربما روى ابن المنكدر الحديث مرسلًا، فيسنده من لم يضبط حديثه على الجادة، ومراسيل ابن المنكدر ترجع أصولها في بعض الأحيان إلى رجال ضعفاء مثل يزيد الرقاشي.
قال عبد الله: «حدثني أبي، حدثنا سفيان، قال: حدثنا ابن المنكدر، سمع سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، يخبر عن جبير بن الحُويرث: «رأيت أبا بكر واقفًا على قزح». قال أبي: قالوا لسفيان: إن ابن المنكدر يقول: عن أبيه، عن جابر. فقال: من أين أقع على هذا: سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، عن جبير بن الحُويرث: «رأيت أبا بكر»، قال أبي: وإنما هو: عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع». (^٦)
هذا الحديث رواه الشافعي (^٧)، وابن أبي شيبة (^٨)، والفاكهي (^٩)،
_________________
(١) السنن (٤/ ٣٣٢ ح ٤٠٦٢).
(٢) السنن (٨/ ١٨٣ - ١٨٤ ح ٥٢٥١).
(٣) المسند (٢٣/ ١٤٢ ح ١٤٨٥٠).
(٤) المستدرك (٤/ ١٨٦).
(٥) المعرفة والتاريخ (٢/ ٤٦٥)؛ تهذيب الكمال (٦/ ٣٦).
(٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ١٥٢ رقم ١٨٤١).
(٧) الأم (٢/ ٢١٣)، ومسند الشافعي (ص ٣٦٩).
(٨) المصنف (٣/ ٢٤٦ ح ١٣٨٨٣).
(٩) أخبار مكة (٤/ ٣٢٣ ح ٢٧١٠).
[ ٢ / ١٠٣٩ ]
والطبري (^١)، والبيهقي (^٢)، عن سفيان بن عيينة، عن ابن المنكدر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، عن جُبير بن الحويرث: «رأيت أبا بكر ﵁ واقفًا على قَزَحٍ، وهو يقول: أيُّها الناس، أَصبِحُوا، أيُّها النَّاس أصبِحوا، ثم دفع فإني لأنظر إلى فخِذِهِ قد انكشفتْ مما يَحرُشُ بعيرَه بِمِحجَنِهِ».
ولم أقف على رواية محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر.
وقد روى ابن أبي حاتم هذه القصة أيضًا عن على بن المديني قال: «سمعت سفيان وقيل له إن منكدر بن محمد بن المنكدر روى عن أبيه، عن جابر قال: رأيت أبا بكر واقفًا على قزَح، فقال: سفيان قد سمعتُ منكدرا يقوله فكرهت أن أقول له شيئًا، واستحييْت منه، ثم قال سفيان: نحن أحفظ له منه، إنما قال ابن المنكدر: أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، عن جُبير بن الحويرث». (^٣)
ومنها:
قال عبد الله: «سألت أبي عن حديث هشيم، عن حُصين، عن عمرو بن مرة، عن علقمة بن وائل، عن أبيه عن النبي -ﷺ- في الرفع. قال: رواه شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن عبد الرحمن اليحصبي، عن وائل عن النبي -ﷺ-، خالف حُصينٌ شعبةَ، فقال: شعبةُ أثبت في عمرو بن مرة من حُصين، القول قول شعبة، من أين يقع شعبة على أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل!». (^٤)
_________________
(١) جامع البيان (٢/ ٢٩٠).
(٢) السنن الكبرى (٥/ ١٢٥).
(٣) الجرح والتعديل (١/ ٤٠).
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (١/ ٤٦٣ رقم ١٠٥٨).
[ ٢ / ١٠٤٠ ]
ومنها:
قال عبد الله: «وجدت في كتاب أبي قال: قيل لصفوان بن عيسى: من حدثك؟ قال: الحارث بن عبد الرحمن، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال: الحمد لله، بإذن الله له، فقال له ربه جل وعز: رحمك ربك يا آدم. قال أبي: خالفه الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن سعيد، عن عبد الله بن سلام». (^١)
ذكر النسائي الروايتين (^٢) وقال عن رواية الليث: وهذا هو الصواب، والآخر خطأ اهـ.
وصفوان بن عيسى وثقه ابن سعد (^٣)، وقال فيه أبو حاتم: صالح (^٤). وفي ذكر الإمام أحمد لمخالفة الليث له إشارة إلى أنها أصح، وذلك لأن صفوان روى الحديث على الجادة المعروفة: سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وكون الليث يرويه عن ابن عجلان، عن سعيد، عن أبيه، عن عبد الله بن سلام يدل على ضبطه، إذا كيف يقع على عبد الله بن سلام بهذا الإسناد لولا أنه حفظه وضبطه؟
٦. معرفة الملابَسات المتعلقة بمجالس التحمّل والأداء
وهذا أيضًا من القرائن التي يهتدى بها إلى معرفة الأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات.
فمن أمثلة ذلك فيما يتعلق بمجلس التحمل ما سبق لجرير بن حازم في روايته لحديث أبي قتادة: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا أُقيمت الصلاةُ فلا تقوموا
_________________
(١) المصدر نفسه (٣/ ٣٧٢ رقم ٥٦٣٢).
(٢) السنن الكبرى (٦/ ٦٣ ح ١٠٠٤٦، ١٠٠٤٧). وأخرجه أيضًا الترمذي (٥/ ٤٥٣ ح ٣٣٦٨)، والبيهقي (السنن الكبرى ١٠/ ١٤٧).
(٣) الطبقات الكبرى (٧/ ٢٩٤).
(٤) الجرح والتعديل (٤/ ٤٢٥).
[ ٢ / ١٠٤١ ]
حتى تروني»، حيث قلبه فجعله من حديث ثابت عن أنس، فبين حماد بن زيد أنه سمعه من حجاج الصواف، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه في مجلس ثابت، فظنّ أنه سمعه
- يعني من ثابت». (^١)
ومن أمثلة ملابسات تتعلق بمجلس الأداء:
قال المزي: «قال أبو زرعة: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن حديث أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أنس، عن أمِّ حبيبة - أي أريت ما تلقى أمتي من بعدي، وسفك بعضهم دماء بعض، وكان ذلك سابقًا من الله، فسألته أن يوليني شفاعة فيهم يوم القيامة، ففعل - قال: ليس له عن الزهري، عن أصل، وأخبرني أنه من حديث شعيب، عن ابن أبي حسين، وقال لي: كتاب شعيب عن ابن أبي حسين ملصق بكتاب الزهري، قال: فبلغني أن أبا اليمان حدثهم به عن الزهري، وليس له أصل، كأنه يذهب إلى أنه اختلط بكتاب الزهري، إذ كان به ملصقًا، فرأيته كأنه يعذر أبا اليمان، ولا يحمل عليه فيه. قال: وقد سألت عنه أحمد بن صالح مقدمه دمشق فقال لي مثل قول أحمد: إنه لا أصل له عن الزهري». (^٢)
فهذا الحديث إسناده ظاهره الصحة، وأنكره الإمام أحمد على أبي اليمان بأنه ليس له أصل من حديث الزهري، وانكشف له وجه الخطأ بما لابس مجلس أداء الراوي حين حدث بالحديث، وذلك أن أبا اليمان كان كتابه عن شعيب، عن الزهري ملصقًا بكتابه عن شعيب، عن ابن أبي حسين فقلب الورقة من حديث الزهري إلى حديث ابن أبي حسين، ولم تنقلب في ذهنه فحدث بالحديث من حديث الزهري وهو من حديث ابن أبي حسين، ولذلك أعذره الإمام أحمد ولم يحمل عليه.
أما يحيى بن معين فذكر حينما سئل عن الحديث فقال: «أنا سألت أبا اليمان فقال: الحديث حديث الزهري، فمن كتبه عنيّ فقد أصاب، ومن كتبه عنيّ من
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٨٣ رقم ١٦٢٥). وقد تقدم في ص (٨٥٠).
(٢) تهذيب الكمال (٧/ ١٥٢)، وانظر: تاريخ أبي زرعة الدمشقي (١/ ٤٥٦ رقم ١١٥٤، ١١٥٥).
[ ٢ / ١٠٤٢ ]
حديث ابن أبي حسين فهو خطأ، إنما كُتِب في آخر حديث ابن أبي حسين فغلطتُ فحدثتُ به
من حديث ابن أبي حسين، وهو صحيح من حديث الزهري». (^١)
وروى مثله إبراهيم بن هانئ النيسابوري قال: «قال لنا أبو اليمان: الحديث حديث الزهري، والذي حدثتكم عن ابن أبي حسين غلطت فيه بورقة قلبتها». (^٢)
قال الذهبي: تعين أن الحديث وهِم فيه أبو اليمان، وصمّم على الوهم، لأن الكبار حكموا بأن الحديث ما هو عند الزهري، والله أعلم. (^٣)
وقد سئل محمد بن يحيى عنه فقال: حدثنا به أبو اليمان عن ابن أبي حسين من أصل كتابه، وذهب إلى أن من حدث به عن أبي اليمان من حديث الزهري فإنما ذلك تلقين لُقنه أبا اليمان (^٤).
وقد أخرج الإمام أحمد الحديث من حديث أبي اليمان، عن شعيب، عن ابن أبي حسين (^٥)، وقال عند تخريجه للحديث: «يتلو أحاديث ابن أبي حسين»، وكُتُب أبي اليمان، عن شعيب كانت عند أحمد كما تقدم (^٦)، فذكر هذا الحديث تحت أحاديث ابن أبي حسين، لا تحت أحاديث الزهري.
وأخرجه من حديث الزهري ابن أبي عاصم (^٧)، والحاكم (^٨)، وابن عبد البر (^٩).
فمثل هذه الوقائع المتعلقة إما بمجلس التحمل أو بمجلس الأداء، أو بهما
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٢٢).
(٢) المستدرك (١/ ٦٨). قال الحاكم: هذا كالأخذ باليد، فإن إبراهيم بن هانئ ثقة مأمون.
(٣) الموضع نفسه.
(٤) تاريخ دمشق (١٥/ ٧٢).
(٥) المسند (٤٥/ ٤٠٠ ح ٢٧٤١١).
(٦) ص: (٤٠٣).
(٧) السنة (٢/ ٣٧٢ ح ٨٠٠) من طريق دحيم.
(٨) المستدرك (١/ ٦٨) من طريق الصاغاني، ومحمد بن عيسى.
(٩) التمهيد (١٩/ ٦٨) من طريق يحيى بن معين.
[ ٢ / ١٠٤٣ ]
يهتدى بها لمعرفة الخطأ وجهته.
٧. معرفة ما ينفي السماع الموهوم في السند
والمقصود بذلك كشف تدليس المدلّس، أو الإرسال الخفي من صاحبه، وهذا أيضًا من القرائن التي تكشف الخطأ في أحاديث الثقات مما ظاهرها الصحة.
فمن ذلك:
قال صالح: سألت أبي عن المسح على الخفين، يمسح ظاهرهما وباطنهما؟ وهل يعمل بحديث المغيرة بن شُعبة؟ قال: أبي: المسح على الخفين إنما يُمسح أعلاهما. وقال بعض الناس: وأسفلهما، وليس هو بحديث ثبت عندنا … قال صالح: حدثني أبي قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن رجاء ابن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة بن شعبة «أن النبي -ﷺ- مسح أعلى الخف وأسفله». قال أبي: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن مهدي، فذكر عن ابن المبارك، عن ثور قال: حدّثت عن رجاء، عن كاتب المغيرة، ولم يذكر فيه المغيرة، ولا أرى الحديث ثبت». (^١)
وقال الأثرم: «سئل أبو عبد الله عن حديث المغيرة بن شعبة، أن النبي -ﷺ- مسح أعلى الخف وأسفله، فقال: هذا الحديث ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي فقال: عن ابن المبارك، أنه قال عن ثور: حدِّثتُ عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، وليس فيه المغيرة. قال أحمد: وأما الوليد فزاد فيه: عن المغيرة، وجعله ثور، عن رجاء، ولم يسمعه ثور من رجاء، لأن ابن المبارك قال فيه: عن ثور حدِّثتُ عن رجاء». (^٢)
فهذا الحديث انكشف خطؤه بالوقوف على ما ينفي السماع الموهوم في سنده، وذلك أن الوليد بن مسلم قد أخفى موضع الانقطاع من السند بالتسوية،
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ١٢٤ - ١٢٦، رقم ٦٨٨، ٦٨٩). وانظر: تاريخ بغداد (٢/ ١٣٥).
(٢) نقله عنه ابن عبد البر (التمهيد ١/ ١٣).
[ ٢ / ١٠٤٤ ]
فسوى الإسناد وكأنه متصل، فقال: عن ثور ين يزيد، عن رجاء بن حيوة. فكشفت رواية ابن المبارك تسوية الوليد بن مسلم، وأن ثور بن يزيد قال فيه: حدثت عن رجاء، فدل على وجود الواسطة بينهما وأنه لم يسمعه منه.
وحديث الوليد بن مسلم رواه أبو داود (^١)، والترمذي (^٢)، وابن ماجه (^٣)، وأحمد (^٤)، وابن الجارود (^٥)، والطبراني (^٦)، والدارقطني (^٧)، والبيهقي (^٨)، وابن عبد البر (^٩).
وأما رواية ابن المبارك فهي مسندة في سؤال صالح عن أحمد عن ابن مهدي عنه. وبقية من ذكرها ذكرها معلقة (^١٠).
ووقع في رواية الدارقطني ما يوهم رفع هذه العلة، حيث رواه عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، عن داود بن رشيد، عن الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد حدثنا رجاء بن حيوة فذكره. فهذا ظاهره أن ثورًا سمعه من رجاء، فتزول العلة. قال الحافظ ابن حجر: لكن رواه أحمد بن عُبيد الصفار في «مسنده» عن أحمد ين يحيى الحلواني، عن داود بن رشيد، عن رجاء، ولم يقل: حدثنا رجاء، فهذا اختلاف
_________________
(١) السنن (١/ ١١٦ ح ١٦٥).
(٢) الجامع (١/ ١٦٢ ح ٩٧).
(٣) السنن (١/ ١٨٣ ح ٥٥٠).
(٤) المسند (٣٠/ ١٣٤ ح ١٨١٩٧).
(٥) المنتقى (ح ٨٤).
(٦) مسند الشاميين (١/ ٢٦١ ح ٤٥١).
(٧) السنن (١/ ١٩٥).
(٨) السنن الكبرى (١/ ٢٩٠).
(٩) التمهيد (١١/ ١٤٧ - ١٤٨).
(١٠) انظر: سنن الدارقطني (١/ ١٩٥)، علل الدراقطني (٧/ ١١٠)، السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٢٩١)، وتاريخ بغداد (٢/ ١٣٥).
[ ٢ / ١٠٤٥ ]
على داود يمنع من القول بصحة وصله مع ما تقدم من كلام الأئمة». (^١) ثم إنه قد خالفه جمع من الرواة عن الوليد بن مسلم، كلهم ذكروه بالعنعنة. ثم حتى ولو ثبت فابن المبارك أحفظ وأجل من الوليد بن مسلم كما قال ابن القيم (^٢).
وضعف الحديث البخاري وأبو زرعة (^٣) لمخالفة رواية ابن المبارك له. وقال الدارقطني: «وحديث رجاء بن حيوة الذي فيه ذكر أعلى الخف وأسلفه لا يثبت لأن ابن المبارك رواه عن ثور بن يزيد مرسلًا» (^٤).
ومنه أيضًا:
قال أبو طالب أحمد بن حُميد: «سألت أحمد بن حنبل عن حديث شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت مجاهدًا يحدث عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- في التشهد والتحيات، فأنكره وقال: لا أعرفه. قلت: يروي نصر بن علي، عن أبيه - يعني عن شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت مجاهدًا. قال: قال يحيى: كان شعبة يضعّف حديث أبي بشر عن مجاهد قال: لم يسمع منه شيئًا. وقال: إنما ابن عمر يرويه عن أبي بكر الصديق: علّمَنا التَّشهد، ليس فيه النبي -ﷺ-). (^٥)
هذا الحديث إنما أنكر الإمام أحمد رفعه إلى النبي -ﷺ-، لأن ذلك جاء من طريق أبي بشر جعفر بن إياس بن أبي وحشية، عن مجاهد، عن ابن عمر، وحتى إن أبا بشر قد صرح بالسماع من مجاهد في رواية نصر بن علي (^٦)، عن أبيه علي بن نصر
_________________
(١) تلخيص الحبير (١/ ١٦٠).
(٢) تهذيب السنن (١/ ١٩٦).
(٣) علل الترمذي الكبير (١/ ١٨٠).
(٤) علل الدارقطني (٧/ ١١١).
(٥) الكامل في ضعفاء الرجال (٢/ ٥٧٤)، وانظر: تهذيب الكمال (٥/ ٨ - ٩).
(٦) قال ابن حجر: ثقة ثبت (تقريب التهذيب ٧١٧٠)، وأبوه أيضًا ثقة معروف (تقريب التهذيب ٤٨٤١).
[ ٢ / ١٠٤٦ ]
الجهضمي، عن شعبة (^١).
وقد خالفه غيره عن شعبة، عن أبي بشر، عن محاهد، عن ابن عمر موقوفًا عليه. (^٢)
وذكر الإمام أحمد أن الصحيح أن ابن عمر كان يرويه عن أبي بكر: «علمنا التشهد» ليس فيه النبي -ﷺ-، هكذا رواه أبو الصديق الناجي عن ابن عمر (^٣).
فهذا أيضًا انكشفت علته بالوقوف على ما ينفي السماع المصرح به في السند، وهذا الأمر هو ما ذكره شعبة أن أبا بشر لم يسمع من مجاهد شيئًا.
٨. معرفة من ضُعِّف من الثقات تضعيفًا مقيدًا، إما في بعض شيوخه، أو في حديثه في بعض البلدان، أو في حديث بعض أهل البلدان عنه، أو في بعض الأوقات، أو الحالات. وقد تقدم كل ذلك مفصلًا مع نماذج كل نوع لدى الإمام أحمد (^٤).
٩. معرفة مراتب الرواة عن الأعلام المُكثِرِينَ في الرواية وعدد التلاميذ
وبهذه المعرفة يحصل لدى الناقد تمييز من يستحق التقديم ممن حقه التأخير عند الاختلاف، ومن يحتمل ويقبل منه التفرد عن شيخه ممن يتوقف أو يرد ذلك عنه. وهذا ما سيأتي دراسته في المبحث القادم، وهو المبحث الثاني من هذا الفصل
_________________
(١) أخرجه أبوداود (ح ٩٧١)، وأبو يعلى (المسند ١/ ٢٥٠ ح ٣١٠)، والطحاوي (شرح معاني الآثار ١/ ٢٦٣)، وابن عدي (الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٥٧٤)، والدارقطني (١/ ٣٥١)، والبيهقي (السنن الكبرى ٢/ ١٣٩).
(٢) منهم ابن أبي عدي عند البيهقي (السنن الكبرى ٢/ ١٣٩)، ومعاذ بن معاذ العنبري عند الطحاوي (شرح معاني الآثار ١/ ٢٦٤).
(٣) أخرجه الطحاوي (شرح معاني الآثار ١/ ٢٦٤).
(٤) وذلك في المطلب الثاني، والثالث، والرابع من المبحث الأول في الفصل الثالث من الباب الثاني؛ وفي المبحث الثاني من الفصل نفسه؛ وفي المطلب الأول والثاني من المبحث الرابع من المفصل نفسه
[ ٢ / ١٠٤٧ ]
إن شاء الله، أفردته بالدراسة لأهميته.
١٠. الفهم الخاص بأن هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان
ويلحق بذلك معرفة ما لكل راوٍ من الأحاديث.
ذكر هذا الحافظ ابن رجب ضمن القواعد في علم العلل (^١)، وهذا الفهم اكتسبه النقادُ بكثرة ممارستهم للأحاديث ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، فيعلّون الروايات بناء على هذا الفهم، ولو قيل لأحدهم كيف ذلك، تقصر عبارته دون التعبير عن وجه حكمه أو الاستدلال له، لكن فهمه ومعرفته أثبتان في قريحته ما يكاد يجزم بأن
ما قاله صحيح ويأبى منه قبول نقيضه، ويظهر مصداق قولهم بالنظر والتتبع، وحالتهم في هذا كمثل حالة ناقد الدراهم.
ومن أمثلة ذلك، قال أحمد: «سعد بن سناد تركت حديثه، حديثه مضطرب، يشبه حديثه حديث الحسن، ولا يشبه أحاديث أنس». (^٢)
وقد كان هذا منهج الأئمة الذين تقدموا الإمام أحمد.
قال عبد الله: «حدثني أبو عمر قال: حدثني أبو أسامة، قال: كُنتُ عند سفيان فحدّثهُ زائدةٌ، عن شُعبة، عن سلمة بن كُهيل، عن سعيد بن جبير ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ إلاَّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨]. قال: هم الشُّهداءُ. فقال له سفيان: إنك لَثِقة، وإنّك لتحدّثُنا عن ثِقة، وما يَقبَلُ قلبي إن هذا من حديث سلمة، فدعا بكتابٍ فكتب: مِن سُفيان بن سعيد إلى شُعبة، وجاء كتاب شُعبة: مِن شُعبة إلى سفيان، إني لم أُحدِّث بهذا عن سلمة، ولكن حدثني عُمارة بن أبي حفصة، عن حِجر الهَجَري، عن سعيد بن جبير». (^٣)
_________________
(١) شرح علل الترمذي (٢/ ٨٦١).
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٥١٧ رقم ٣٤٠٩، ٣٤١٠).
(٣) المصدر نفسه (٢/ ٤٥٤ رقم ٣٠٢٠).
[ ٢ / ١٠٤٨ ]
ومنه أيضًا:
قال عبد الله: «حدثني أبو صالح الحكم بن موسى قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الملك بن أبي غنية أو غيره عن الحكم بن عتيبة عن مجاهد عن عبد الله بن عباس قال لما انصرف المشركون عن قتلى أحد انصرف رسول الله -ﷺ- على القتلى فرأى منظرًا سيئًا، ورأى حمزة قد شُقّ بطنُه واصطُلِمَ أنفُه، وجدِّعَت أُذُناه. فقال: لولا أن تجزَع النساءُ أو تكون سنةً بعدي، لتركتُه حتى يبعثه الله ﷿ من بطون السِّباع والطير، ولأُمثِّلنّ مكانَه منهم سبعين. ثم دعا ببُردة فغطّى بها وجهَه فخرجت رِجلاه، فغطّى بها رجليْه فخرج وجهه، فغطَّى بها رسول الله -ﷺ- وجهَه وجعل على رِجليْه شيئًا من الإِذخِر ثم قدّمه فكبَّر عليه عشرًا، فذكر الحديث. فحدّثتُ به أبي فقال: هذا من حديث الحسن بن عُمارة، ليس هذا من حديث ابن أبي غنيّة، ابن أبي غنيّة أتقى لله من
أن يحدث بمثل هذ». (^١)
أخرجه الدارقطني (^٢)
ومنه:
قال عبدالله: «سمعت أبي يقول في حديث حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله الرجل يغيب فلا يقدر على الماء أيجامع أهله قال نعم قال أبي هذا حديث مثنى كأنه أنكره من حديث حجاج» (^٣).
حديث حجاج أخرجه أحمد (^٤)، والبيهقي (^٥).
_________________
(١) المصدر نفسه (٣/ ٤٠٢ ح ٥٧٧٣).
(٢) السنن (٤/ ١١٨).
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ١٠٨ ح ١٧٢٤).
(٤) المسند (١١/ ٦٦٨ ح ٧٠٩٤).
(٥) السنن الكبرى (١/ ٢١٦).
[ ٢ / ١٠٤٩ ]
وقد أخرج البيهقي حديث المثنى بن الصباح الذي قال الإمام أحمد هذا الحديث حديثه، رواه من طريق الحسن بن حفص، عن سفيان - يعني الثوري - عن المثنى، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: جاء أعرابى إلى رسول الله -ﷺ- فقال: إنا نكون في الرَّمل، وفينا الحائضُ والجنبُ والنُّفَساءُ، فيأتي علينا أربعةُ أشهرٍ لا نجد الماء، قال: «عليك بالتراب» - يعني التيمم. قال البيهقي: «هذا حديث يعرف بالمثنى بن الصباح عن عمرو، والمثنى غير قوي. وقد رواه الحجاج بن أرطاة، عن عمرو إلا أنه خالفه في الإسناد؛ فرواه عن عمرو، عن أبيه، عن جده، واختصر المتن فجعل السُّؤال عن الرجل لا يقدر على الماء، أيُجامِع أهلَه؟ قال: نعم …». (^١)
فالحديث معروف لمثنى بن الصَّبَّاح، وأخذه عنه الحجاج ثم خالفه في السند وفي المتن، فلذلك أنكره الإمام أحمد من حديث الحجاج.
ومنه أيضًا:
قال عبد الله: «حدثني مجاهد بن موسى، قال: حدثنا محمد بن عُبيد، قال: حدثنا مِسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر قال: أتَتِ النبي -ﷺ- بواكي فقال: «اللهم اسقنا غَيثًا مُغيثًا مَريئًا مريعًا نافعًا غيرَ ضارٍّ عاجلًا غير آجِلٍ». قال: فأطبقت عليهم. فحدثت بهذا الحديث أبي فقال أبي: أعطانا محمد بن عُبيد كتابه عن مِسعر، ولم يكن هذا الحديث فيه، ليس هذا بشيء، كأنه أنكره من حديث محمد بن عُبيد. قال أبي: وحدثناه يعلى أخو محمد قال: حدثنا مِسعَر، عن يزيد الفقير مرسلًا، ولم يقل بواكي، خالفه». (^٢)
_________________
(١) الموضع نفسه.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٣/ ٣٤٧ ح ٥٥٣١).
[ ٢ / ١٠٥٠ ]
حديث محمد بن عبيد أخرجه أبو داود (^١)، وعبد بن حميد (^٢)، وابن خزيمة (^٣)، والحاكم (^٤)، والخطيب (^٥)، والبيهقي (^٦). وصححه الحاكم، والنووي، والألباني (^٧).
وفيه علة خفية كشفها الإمام أحمد، وهي أن الحديث ليس من حديث محمد بن عبيد، بدليل أنه اطلع على كتاب محمد بن عبيد عن مِسعر، ولم يكن هذا الحديث فيه.
ثم ذكر أن يعلى بن عبيد حدثهم به، عن، مسعر، عن يزيد الفقير (^٨) مرسلًا،
ليس فيه جابر. (^٩)
فعلى ما ذكره الإمام أحمد فالظاهر أن محمد بن عبيد روى الحديث عن أخيه، فدلسه بإسقاطه ووقع في الخطأ فرفعه وهو مرسل.
وقد يقال لا يلزم من عدم وجود الحديث في كتاب محمد بن عبيد أن لا يكون الحديث عنده عن مسعر، فقد يكون سمعه ولم يدونه وحدث به من حفظه، فالجواب أنه يحتمل أنه تحمل الحديث من أخيه ثم غلط في روايته، فرفعه وزاد في المتن ما ليس منه - وهو قوله: أتت بواكي.
_________________
(١) السنن (١١٦٩).
(٢) المنتخب من مسنده (ص ٣٣٨ ح ١١٢٥).
(٣) صحيح ابن خزيمة (٢/ ٣٣٥ ح ١٤١٦).
(٤) المستدرك (١/ ٣٢٧)
(٥) تاريخ بغداد (١/ ٣٣٥).
(٦) السنن الكبرى (٣/ ٣٥٥).
(٧) المستدرك (الموضع نفسه)؛ الأذكار (ح ٢٥٦)، صحيح سنن أبي داود ح ١١٦٩.
(٨) هو يزيد بن صهيب الفقير الكوفي. وإنما قيل له الفقير لأنه كان يشكون فقار ظهره. وثقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي. وقال أبو حاتم: صدوق (الجرح والتعديل ٩/ ٢٧٢؛ تهذيب الكمال ٣٢/ ١٦٥).
(٩) لم أقف على هذا الطريق، وذكره الخطيب (تاريخ بغداد ١/ ٣٣٥).
[ ٢ / ١٠٥١ ]
وعلى القول بالتوقف في قبول ما ذكره الإمام أحمد، وإثبات أنه من حديثه، فروايته معارضة برواية أخيه يعلى بن عبيد، وكان أحمد يقول: يحيى أصح حديثًا من محمد وأحفظ (^١). وقال أيضًا: «يحيى صحيح الحديث، وكان في بدنه صالحًا، وكان محمد أخوه يخطئ ولا يرجع عن خطئه». (^٢) فترجح روايته لأنه أثبت. وذكر الحافظ ابن حجر عن الدارقطني أنه قال: «رواية من قال عن يزيد الفقير من غير ذكر جابر أشبه». (^٣)
_________________
(١) الجرح والتعديل (٩/ ٣٠٥).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (رقم ٢١٢٣).
(٣) تلخيص الحبير (٢/ ٩٩).
[ ٢ / ١٠٥٢ ]
المبحث الثاني: مراتبُ الرُّواةِ عن الأَعلامِ عند الإمام أحمد ومن يُرجّح قولُه منهم عند الاختلاف
اهتمّ الأئمة النقاد بالموازنة بين رواة الأخبار توثيقًا وتضعيفًا، فكثيرًا ما يرد عنهم التوثيق والتضعيف نسبييْن، فيقولون: فلان أحب إليّ من فلان، أو أحفظ، أو أثبت، أو أصح حديثًا. وأخص من هذا موازنتهم بين الرواة عن بعض الأعلام المشهورين بكثرة الرواية والتلاميذ، حتى إن بعضهم قد رتبهم على طبقات (^١)، كل طبقة تجمع صنفًا متجانسًا من التلاميذ يشتركون في صفة واحدة تخصهم وتمييزهم عن غيرهم.
وفائدة هذه الموازنة معرفة من يقدَّم قوله عند الاختلاف، وتمييز من يصلح للاحتجاج به عند التفرد من غيره، وهذه المعرفة بمنزلة تتمة الطريق لكشف علل الأخبار وتمييز الصحيح منها من السقيم، ولا فائدة لجمع الطرق إذا لم توجد هذه المعرفة لدى الناقد، فبدونها لا يتمكن من تمييز الخطأ من الصواب، وإن اجتمعت لديه الطرق وتمثلت أمامه.
وكان الإمام أحمد قد أولى هذا الجانب عناية فائقة، ففي كلامه في الرجال نصوص كثيرة في التوثيق والتضعيف النسبيين، والتمييز بين الرواة عن بعض
_________________
(١) الطبقة في اصطلاح المحدثين عبارة عن جماعة من الناس تشترك في أمر واحد. (توضيح الأفكار ٢/ ٥٠٤)، وانظر: طبقات الرواة عن الزهري ممن له رواية في الكتب الستة (ص ٤٨).
[ ٢ / ١٠٥٣ ]
الأعلام فنص على من يقدَّم قولُه منهم عند الاختلاف، وكذلك في أثناء كلامه في إعلال الأحاديث يوجد جملًا من هذا أيضًا.
وفي هذا المبحث سأورد كلام الإمام أحمد في بيان مراتب الرواة عن بعض الأعلام الذين تدور غالب الأحاديث الصحيحة عليهم، ومن يرجح قوله منهم عند الاختلاف لوجود عوامل الترجيح فيه أكثر من غيره، وبيان تلك العوامل. كما أذكر بعض النماذج من اختلافهم على شيخهم وكيف رجح الإمام أحمد بينهم بناء على ترتيبهم الطبقي.
أصحاب عبد الله بن عمر
أشهر تلاميذه سالم ابنه ونافع مولاه. وقد اختلف قوله في الترجيح بينهما عند الاختلاف.
فقال المرُّوذي: «قلت: فإذا اختلف سالم ونافع، لمن تحكم؟ قال: نافع قد قدم سالمًا على نفسه. وقد روى عنه، وكان مشمرًّا. قلت: لم أَرد الفضل، إنما أردت الحديث، إذا اختلفا، فقلبُك إلى أيهما أميل؟ قال: جميعًا عندي ثبت، وذهب إلى أن لا يقضي لأحد». (^١)
فتوقف الإمام أحمد عن الترجيح بينهما.
وكذلك قال حرب بن إسماعيل الكرماني، قال: «قيل لأحمد إذا اختلف سالم ونافع في ابن عمر من أحب إليك؟ قال: ما أتقدم عليهما». (^٢)
ومما يدل على تقديمه لسالم أنه جعل أصح الأسانيد: الزهري، عن سالم، عن أبيه (^٣).
ومع رواية المروذي التوقف عن الإمام أحمد فقد روى عنه أنه مال إلى قول نافع في اختلافهما في حديث: «من باع عبدًا له مال».
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص ٤٣ رقم ٩).
(٢) الجرح والتعديل (٨/ ٤٥٢).
(٣) تهذيب الكمال (١٠/ ١٥٢).
[ ٢ / ١٠٥٤ ]
قال المروذي: «وذكرت له حديث نافع عن ابن عمر عن عمر: «من باع عبدًا وله مال فماله للبائع»، فقال: خالفه سالم، هكذا رواه الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ-. قلت: فأيما الثبت؟ فتبسّم، وقال: الله أعلم. قلت: ما الذي يميل إليه قلبك منهما؟ قال: أرى - والله أعلم - إلى نافع». (^١)
وذكر ابن رجب أن غير المرّوذي نقل عن أحمد أنه رجح قول نافع في وقف حديث: «فيما سقت السماء العُشر». (^٢)
واختلفا في ثلاثة أحاديث أخرى غير هذين: هما: حديث: «إنما الناس كإبل مائة لا تكاد تجد منها راحلة»، رواه سالم عن أبيه عن النبي -ﷺ-، ورواه نافع، عن ابن عمر، عن عمر قوله. وحديث: «تخرج نار من قبل اليمن فتحشر الناس …». رواه سالم، عن أبيه، عن النبي -ﷺ-، ورواه نافع، عن ابن عمر، عن كعب قوله. (^٣) وحديث: رفع اليدين في الصلاة، رفعه سالم عن أبيه، ووقفه نافع على ابن عمر. (^٤)
وكلام الإمام أحمد في ترجيح قول نافع على قول سالم في الحديثين المذكورين ليس منبيًا على تقديمه له على سالم، بل لقرينة كون نافع لم يرو الحديث على الجادة، فدل على مزيد ضبطه له، فلا يؤخذ من ذلك تقديمه مطلقًا على سالم، وبهذا يجمع بين توقفه عن التقديم بينهما وتقديمه لرواية نافع في تلك الموضعين، والله أعلم.
ومن تلاميذه عبد الله بن دينار مولاه، وقد تقدم قول أحمد فيه لما سئل عنه عن ابن عمر فقال: ثقة، إلا في حديث واحد يرويه، ويقصد بذلك حديث النهي عن بيع والولاء وهبته حيث يرى أنه خالف نافعًا فيه (^٥).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص ١٥٦ رقم ٢٧٤).
(٢) شرح علل الترمذي (٢/ ٦٦٦).
(٣) انظر: التمهيد (١٢/ ٢١٢؛ ١٣/ ٢٨٣)؛ تهذيب الكمال (١٠/ ١٥٢ - ١٥٣؛ ٢٩/ ٣٠٥).
(٤) التمهيد (٩/ ٢١٢).
(٥) تقدم ذلك في تعريف المنكر عند الإمام أحمد (ص).
[ ٢ / ١٠٥٥ ]
وقال الساجي عن أحمد: سئل عنه فقال: «نافع أكبر منه، وهو ثبت في نفسه، ولكن نافعٌ أقوى منه». (^١)
فهذا يدل على أن عبد الله بن دينار دون نافع في ابن عمر عند أحمد.
ومنهم مجاهد بن جبر، وكان أكبر سناًّ من نافع، وجعله الإمام أحمد دون نافع في العلم عن ابن عمر، وأنكر عليه حديثًا لمخالفته لسالم، ونافع.
قال ابن هانئ: «وسئل - يعني أبا عبد الله أحمد بن حنبل - عن حديث مجاهد: «ما رأيت ابن عمر رفع يديه إلا حين يفتتح الصلاة»، فقال: هذا خطأ، نافع وسالم أعرف بحديث ابن عمر، وإن كان مجاهد أقدم، فنافع أعلم منه». (^٢)
وحديث مجاهد هذا رواه أحمد (^٣)، وابن أبي شيبة (^٤)، والطحاوي (^٥)، عن أبي بكر بن عياش، عن حُصين، عن مجاهد عن ابن عمر. وذكره البخاري تعليقًا في «كتاب رفع اليدين في الصلاة». (^٦)
ولم يرد عن الإمام أحمد الكلام في غيرهم من تلاميذ ابن عمر مثل سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، لأن هؤلاء هم أكثر تلاميذه حديثًا عنه.
أصحاب نافع مولى ابن عمر
قال أبو داود: «قلت لأحمد: أصحاب نافع؟ قال: أعلم الناس بنافع عبيد الله
_________________
(١) تهذيب التهذيب (٥/ ٢٠٢).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (١/ ٤٩ رقم ٢٣٧).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (١/ ٥٠).
(٤) المصنف (١/ ٢١٤ ح ٢٤٥٢).
(٥) شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٥).
(٦) ص ٥٤. وهو معلول، والمحفوظ عن حصين، عن إبراهيم عن ابن مسعود أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة. أخرج محمد بن الحسن (الحجة على أهل المدينة ١/ ٩٧). وذكر البيهقي أن أبا بكر بن عياش كان يرويه هكذا قديما مرسلًا - بين إبراهيم وابن مسعود - موقوفًا، ثم اختلط عليه حين ساء حفظه، فروى ما قد خولف فيه اهـ (معرفة السنن والآثار).
[ ٢ / ١٠٥٦ ]
وأرواهم. قلت: فبعده مالك؟ قال: أيوب أقدم. قلت: تقدم أيوب على مالك؟ قال: نعم». (^١)
فجعل عبيد الله أثبتهم، ثم أيوب، ثم مالك.
وكذلك قال في رواية ابن هانئ: «ليس أحد في نافع أثبت من عبيد الله بن عمر، ولا أصح حديثًا». (^٢)
وفي رواية المروذي: «قيل له: عبيد الله أثبت أو مالك في نافع؟ قال: ليس أحد أثبت في نافع من عبيد الله». (^٣)
وقال أبو زرعة الدمشقي: «وسمعت أحمد بن حنبل يُسأل: من الثبت في نافع: عبيد الله، أم مالك، أم أيوب؟ فقدّم عبيد الله بن عمر، وفضله بلقي سالم والقاسم، وقال: هو من أهل البلد، يريد أن أهل البلد أعلم بحديثهم. قلت له: فمالك بعده؟ قال: إن مالكًا لثبت. قلت له: فإذا اختلف مالك وأيوب؟ فتوقف، وقال: ما أجترئ على أيوب، ثم عاد في ذكر عبيد الله فقال: شيخ من أهل البلد». (^٤)
فتوقف في هذه الرواية فيما إذا اختلف مالك وأيوب، وذلك لجلالة أيوب.
وذكر ابن رجب رواية أخرى لابن هانئ عن أحمد قال: أوثق أصحاب نافع عندي أيوب، ثم مالك، ثم عبيد الله. (^٥) ولم أقف عليها.
واعتبر الإمام أحمد في التقديم كثرة الأحاديث، لأنه قال في عبيد الله: هو أرواهم، فإن ذلك يدل على طول ملازمة الراوي لشيخه وبالتالي شدة معرفته
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٢١٣ رقم ١٧٤).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ٢٤٠ رقم ٢٣٣٢).
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص ٥٦ رقم ٤٣).
(٤) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (١/ ٤٣٨ رقم ١٠٧٥).
(٥) شرح علل الترمذي (٢/ ٦٦٧).
[ ٢ / ١٠٥٧ ]
لحديثه. وكذلك اعتبر قِدمَ السَّماع، حيث قال: أيوب أقدم، فقدّمه على مالك من أجل ذلك، وكذلك عبيد الله، قدّمه أيضًا لقدم سماعه، حيث إنه قد أدرك سالم بن عبد الله بن عمر، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. واعتبر التثبت أيضًا، وهو الإتقان وقلة الخطأ، حيث قال: إن مالكًا لثبت، ومقتضى هذا الوصف أن يقدمه على أيوب لكنه توقف عن ذلك لجلالة أيوب.
ويظهر أن كلام الإمام أحمد في الترتيب بين أصحاب نافع كان قاصرًا على هؤلاء الرواة الثلاثة الذين هم أثبت أصحابه وأرواهم عنه، ولم يقسم معظم أصحاب نافع كما فعل ذلك ابن المديني، والنسائي بعده (^١)
مثال لما اختلف أصحاب نافع فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
ومما اختلف فيه أصحاب نافع حديث ابن عمر أنه رمل من الحَجر إلى الحَجر.
قال أبو داود: «سمعت أحمد يقول: يرمل من الحَجر إلى الحَجر، قلت لأحمد: أليس أيوب يروي - أعني عن نافع - عن ابن عمر أنه مشى ما بين الركن إلى الحَجر؟ قال: بلى، ولكن يخالَف أيوب فيه، وذكر أن غيره روى أنه رمل من الحجر إلى الحجر - يعني ابن عمر». (^٢)
ولم أقف على رواية أيوب؛ ورواه عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر «أنه رمل من الحجر إلى الحجر، ويقول إن رسول الله -ﷺ- كان يفعله». (^٣)
ورواه مالك عن نافع، عن ابن عمر «أنه كان يمشي من الحجر الأسود إلى
_________________
(١) انظر: شرح علل الترمذي (٦١٥ - ٦١٩).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ١٨٠ رقم ٨٦٨).
(٣) أخرجه مسلم (٢/ ٩٢١ ح ١٢٦٢ (٢٣٤»،، وأبو داود (ح ١٨٩١)، وابن ماجه (٢/ ٩٨٣ ح ٢٩٥٠)، والطحاوي (٢/ ١٨١)، وأبو نعيم (المستخرج على صحيح مسلم ٣/ ٣٥٣ ح ٢٩١٤)، والبيهقي (السنن الكبرى ٥/ ٨٣).
[ ٢ / ١٠٥٨ ]
الحجر الأسود»، ولم يذكر المرفوع (^١).
وفي رواية يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله: «قلت لنافع: أكان يمشي ما بين الركنين؟ قال: إنما كان يمشي لأنه أيسر لاستلامه». أخرجه البيهقي (^٢)؛ وعند أحمد (^٣): «ليكون أيسر لاستلامه».
ورواية سليم بن أخضر قريبة منها: «فذكروا لنافع أنه كان يمشي ما بين الركنين؟ فقال: ما كان يمشي إلا حين يريد أن يستلم». أخرجها أحمد (^٤)
وتابع العمري الصغير عبد الله بن عمر عبيدَ الله ومالكًا (^٥) على الرمل من الحجر إلى الحجر.
فرجح الإمام أحمد رواية عبيد الله ومالك على رواية أيوب، فدل على أنه إذا اجتمع اثنان من الثلاثة يقضى لهما على الآخر.
أصحاب ابن شهاب الزهري
نصّ الإمام أحمد في أكثر من رواية على أن أثبتهم وأصحهم حديثًا هو مالك بن أنس. وذكر بعده من ثقات أصحابه: معمر، وابن عيينة، وعقيل، وشعيب، ويونس.
قال ابن هانئ: «سألت أبا عبد الله: أيُّما أثبت عندك في حديث الزُّهري:
_________________
(١) الموطأ (١/ ٣٦٥).
(٢) السنن الكبرى (٥/ ٨١).
(٣) المسند (٨/ ٢٣٤ ح ٤٦١٨).
(٤) المسند (١٠/ ٤٥ ح ٥٧٦٠). وفي هذه الزيادة من يحيى القطان وسُليم بن أخضر ما يعطي المحمل الصحيح لرواية أيوب، ويدل على أنه لم يخطئ، بل روى حالة واحدة من حالة رمل ابن عمر، والله أعلم.
(٥) أخرجه أحمد (المسند ٩/ ١٩٠ ح ٥٢٣٨).
[ ٢ / ١٠٥٩ ]
معمر، وابن عيينة، أو مالك، أو يونس، أو إبراهيم بن سعد، أو محمد بن الوليد الزُّبَيدي، أو عُقيل؟ قال: معمر أحبهم إليّ وأحسنهم حديثًا وأصح بعد مالك. ويونس أسند أحاديث رويت عن الزهري، لم يجاوز بها الزهري حدّث بها عن الزهري، عن سعيد بن المسيب». (^١)
فجعل بعد مالك معمرًا، وقدمه على بقية أصحاب مالك الثقات ما عدا مالك. كما أخّر يونس لأخطائه على الزهري بإسناد أشياء من رأي الزهري إلى سعيد بن المسيب.
وقال في رواية أخرى: «قيل له: فأي أصحاب الزهري أحب إليك؟ قال: مالك أحب إلي في قلة روايته، وبعده معمر، وما يضمّن إلى معمر أحد إلى أصبت معمرًا يفوقه وأطلب منه للحديث، وقال: هذا أول من رحل إلى اليمن وإلى الجزيرة. قيل له: يونس وعقيل، قال: هؤلاء يحدثون من كتاب، وكان معمر يحدث حفظًا، فيحذف منها - من الأحاديث - وكان أطلبهم للعلم». (^٢)
وقال أبو طالب: «قال أبو عبد الله: مالك أثبت في حديث الزهري من جميع من روى عنه في قلة ما روى، سفيان فخطئ في خمسة عشر حديثًا من حديث الزهري، ومعمر أثبت من سفيان». (^٣)
ففي هذه الرواية أيضًا قدم مالكًا على جميع من روى عن الزهري، وقدم معمرًا على سفيان بن عيينة.
وقال عبد الله: «قلت له: أيما أثبت أصحاب الزهري؟ فقال: لكل واحد منهم علة، إلا أن يُونس وعقيلا يؤديان الألفاظ، وشعيب بن أبي حمزة، وليس
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ٢٣١ رقم ٢٢٧٣).
(٢) المصدر نفسه (٢/ ٢٠٧ رقم ٢١٢٨ - ٢١٢٩).
(٣) المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٠١).
[ ٢ / ١٠٦٠ ]
هم مثل معمر، معمر يقاربهم في الإسناد. قلت: فمالك؟ قال: مالك أثبت في كل شيء، ولكن هؤلاء الكثرة، كم عند مالك، ثلاثمائة حديث أو نحو ذا، وابن عيينة نحو من ثلاثمائة حديث. ثم قال: هؤلاء الذين رووا عن الزهري الكثير: يونس، وعُقيل، ومعمر. قلت له: شعيب؟ قال: شعيب قليل، هؤلاء أكثر حديثًا عن الزهري. قلت: فصالح بن كيسان، روايته عن الزهري؟ قال: صالح أكبر من الزهري، قد رأى صالح ابنَ عمر. قلت: فهؤلاء أصحاب الزهري، قلت: أثبتهم مالك؟ قال نعم، مالك أثبتهم، ولكن هؤلاء الذين قد بَقَروا عِلمَ الزهري: يونس، وعقيل، ومعمر. قلت له: فبعد مالك من ترى؟ قال: ابن عيينة. قلت له: الموقري يجيء عنه العجائب. قال ليس ذاك بشيء». (^١)
فهنا قسم الأثبات من أصحاب الزهري إلى فريقين: من لم يكن كثير الحديث، وهم مالك، ابن عيينة، وشعيب. ومن كان كثير الحديث، وهم: معمر، ويونس، وعقيل. وجعل أثبتهم على الإطلاق مالك على قلة روايته عن الزهري، وبعده ابن عيينة. وهذا يخالف رواية ابن هانئ حيث جعل معمرًا بعد مالك، وكان فيمن سئل عنهم ابن عيينة، ومفهوم ذلك أنه قدم معمرًا عليه، ويخالف كذلك رواية أبي طالب.
وذكر جانبًا لاستحسانه لحديث عقيل ويونس وشعيب عن الزهري، وهو كونهم يذكرون ألفاظ الأداء، وكان معمر يحذف ذلك لأنه كان يحدث من حفظه كما تقدم في رواية ابن هانئ.
وفي رواية أخرى لعبد الله ذكر الإمام أحمد وجه تقديم مالك على ابن عيينة، وهو قلة خطئه في حديثه عن الزهري بالمقارنة مع ابن عيينة.
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩ رقم ٢٥٤٣).
[ ٢ / ١٠٦١ ]
قال عبد الله: «سمعت أبي يقول: كنت أنا وعلي بن المديني فذكرنا أثبت من يروي عن الزهري، فقال علي: سفيان بن عُيينة وقلت أنا: مالك بن أنس، قلت: مالك أقل خطأ عن الزهري، وابن عُيينة يُخطئ في نحو عشرين حديثًا عن الزهري، في حديث كذا، وحديث كذا، فذكرت منها ثمانية عشر حديثًا، وقلت: هات ما أخطأ فيه مالك، فجاء بحديثين أو ثلاثة، فرجعت فنظرت فيما أخطأ فيه ابن عُيينة فإذا هي أكثر من عشرين حديثا». (^١)
وفي رواية حرب الكرماني أيضًا قدم مالكًا على ابن عيينة وقال: هو أصح حديثًا، وقدمه أيضًا على معمر، وقال: إلا أن معمرًا أكثر حديثًا عن الزهري اهـ (^٢)
وكذلك اعتبر عامل قلة الخطأ النسبي في تقديم عقيل، وإبراهيم بن سعد على يونس.
قال المروذي: «سئل عن عقيل ويونس؟ فقال: عقيل، وذاك أن يونس ربما رفع الشيء من رأي الزهري يصيره عن ابن المسيب، وقال قد روى يونس عن عقيل». (^٣)
وحكى ابن رجب عن أحمد أنه قال: «عقيل، وإبراهيم بن سعد عن الزهري أقل خطأ من يونس». (^٤)
وأما شعيب، وعقيل، ويونس، فقد جاء ترتيب بينهم في رواية أبي زرعة
الدمشقي.
قال أبو زرعة: «وأخبرني أحمد بن حنبل قال: رأيت كتب شعيب، فرأيت
_________________
(١) المصدر نفسه (٢/ ٣٤٩ رقم ٢٥٤٣ ب).
(٢) الجرح والتعديل (٨/ ٢٠٥).
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص ٥٦ رقم ٤٤).
(٤) شرح علل الترمذي (٢/ ٦٧٥).
[ ٢ / ١٠٦٢ ]
كتبًا مضبوطة مقيّدة، ورفع من ذكره. فقلت: فأين هو من يونس بن يزيد؟ قال: فوقه. قلت: فأين هو من عُقيل بن خالد؟ قال: فوقه. قلت: فأين هو من الزُّبَيدي؟ قال: مثله». (^١)
فجعل شعيبًا والزُّبَيدي (^٢) في مرتبة واحدة فوق عقيل، ويونس.
ويتلخص من هذا أن مالكًا هو أثبت أصحاب الزهري عند الإمام أحمد، ثم معمر وابن عيينة، واختلف عنه في التقديم بينهما. ثم بعدهم شُعيب، والزُّبَيدي في مرتبة واحدة، ثم عقيل، ثم إبراهيم بن سعد، ثم يونس.
وهؤلاء الذين ذكرهم الإمام أحمد هم المقدمون في أصحاب الزهري، ولم يرد عنه تقسيم جميع أو معظم تلاميذ الزهري على الطبقات كما فعل ذلك محمد بن يحيى الذهلي، والنسائي، وابن حبان، والحازمي (^٣).
واعتبر الإمام أحمد في التقديم: الإتقان والضبط المنجليان في قلة الخطأ، وكثرة الحديث الدال على العلم بحديثه وطول الصحبة له.
من تكلم فيهم من أصحاب الزهري في حديثهم عنه
فأما الذين تكلم فيهم الإمام أحمد في حديثهم عن الزهري فهم:
فمن الثقات:
منصور بن المعتمر؛ قال صالح: قلت لأبي: قوم قالوا: منصور أثبت في الزهري من مالك؟ قال: وأي شيء روى منصور عن الزهري، هؤلاء جهال، منصور إذا نزل إلى المشايخ اضطرب، إلى أبي إسحاق، والحكم،
_________________
(١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (١/ ٤٣٣ رقم ١٠٥٢).
(٢) كان الزُّبَيدي يقول: أقمت مع الزهري بالرصافة عشر سنين (المصدر نفسه ١/ ٤٣٢ رقم ١٠٤٧).
(٣) انظر: طبقات الرواة عن الزهري (ص ١٤٥ - ١٥١).
[ ٢ / ١٠٦٣ ]
وحبيب بن أبي ثابت، وسلمة بن كهيل». (^١)
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب؛ سأله المروذي عنه فقال: هو ثقة، قال له: في الزهري؟ قال: كذا وكذا، حدث بأحاديث كأنه أراد خولف فيها اهـ (^٢).
هشيم بن بشير؛ قال أبو طالب: «ما صح من سماع هشيم عن الزهري إلا أربعة أحاديث يقول: حدثنا الزهري، والحديث الطويل حديث الرجم، وحديث صفية، وحديث المجادلة، وحديث ابن عمر: «ما استيسر من الهدي»، وما كان غير ذلك يقول: لا أدري من سفيان بن حسين سمعته أو الزهري. قلت: يقولون إن شعبة رضي بكتابه؟ قال: لا، ليس هذا بشيء إنما سمع بالموسم فنسي». (^٣)
موسى بن عقبة؛ قال أحمد: «ما أُراه سمع من ابن شهاب، إنما هو كتاب نظر فيه». (^٤)
جعفر بن برقان: قال الميموني: قال أحمد بن حنبل: «جعفر بن بُرقان ثقة ضابط لحديث ميمون، وحديث يزيد بن الأصم، وهو في حديث الزهري يضطرب ويختلف فيه». (^٥) وسأله ابن هانئ: «أيما أحب إليك: جعفر بن برقان أو شعيب بن أبي حمزة في حديث الزهري؟ قال: جعفر ليس مثل هؤلاء». (^٦)
وممن دونهم:
محمد بن أخي الزهري، ومحمد بن إسجاق. سئل الإمام أحمد عنهما في حديث الزهري أيهما أحب إليه؟ قال: «ما أدري، كأنه ضعفهما». (^٧).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٣/ ١٥٢ - ١٥٣ رقم ١٥٤٤)؛ الجرح والتعديل (٨/ ١٧٨).
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص ٦٣ رقم ٦٠).
(٣) المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٠١).
(٤) شرح علل الترمذي (٢/ ٦٧٥). وقد تعقب فاروق بن يوسف البحريني هذا القول من الإمام أحمد في رسالته طبقات الرواة عن الزهري (ص ٢٣٩ - ٢٤٠). وفي كثير مما قاله نظر.
(٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص ٢٠٠ رقم ٣٥٥).
(٦) بحر الدم (رقم ١٤٦).
(٧) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ٢٠٧ رقم ٢١٢٧).
[ ٢ / ١٠٦٤ ]
سفيان بن حسين؛ قال أحمد: «ليس هو بذاك، في حديثه عن الزهري
شيء» (^١).
صالح بن أبي الأخضر؛ قدم سفيان بن حسين عليه (^٢)، وتقدم أنه ذكر متابعته لمعمر فقيل له: صالح يحتج به؟ فقال: «يُستدل به يُعتبر به». (^٣)
مثال لما اختلف أصحاب الزهري فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
قال عبد الله: «حدثني أبي، قال: أخبرنا سفيان قال: حفظتُه من الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أن عمر طاف بالبيت بعد الصبح سبعًا، ثم خرج فلم يصلّ الركعتين إلا بذي طوى وطلعت الشمس. سمعت أبي يقول: قال ابن أبي ذئب وغيره، حدثناه يحيى بن سعيد، عنه، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أن عمر طاف بالبيت، وهو الصواب - يعني عن حُميد». (^٤)
ذكر الإمام أحمد هنا الاختلاف بين ابن عيينة ويحيى بن سعيد الأنصاري، في شيخ الزهري في أثر عمر. فرواه ابن عيينة عن الزهري، عن عروة؛ ورواه يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن حُميد، ولم يذكر رواية غيرهما من أصحاب الزهري، ورجح رواية يحيى بن سعيد على رواية ابن عيينة.
والظاهر أن ترجيح الإمام أحمد ليس مبنيًا على رواية يحيى بن سعيد بمفردها فقد تابعه مالك (^٥)، ومعمر (^٦)، ولا تخفى هذان الطريقان عليه.
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص ٥٠ رقم ٢٨).
(٢) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (ص ٣٢١ رقم ٤٣٧).
(٣) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم ١١٨٨).
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٣/ ٣٩٠ رقم ٥٧١٣ - ٥٧١٤).
(٥) وحديثه في الموطأ (١/ ٣٦٨)، ومن طريقه أخرجه الطحاوي (١/ ١٨٧)، والبيهقي (السنن الكبرى ٢/ ٤٦٣).
(٦) أخرج حديثه عبد الرزاق (المصنف ٥/ ٦٣ ح ٩٠٠٨).
[ ٢ / ١٠٦٥ ]
وتابع ابن عيينة (^١) صالح بن كيسان (^٢)، وأسامة بن زيد الليثي (^٣).
واجتماع مالك ومعمر يقضي على رواية ابن عيينة بالخطأ، فمالك أثبت منه في الزهري، وكذلك معمر في رواية ابن هانئ عن أحمد، فلو انفرد كل واحد منهما لكان قوله مقدمًا على قول سفيان، فكيف وقد اجتمعا.
وقد خطأ رواية ابن عيينة الشافعي (^٤)، وأبو حاتم (^٥).
قال الخلال: أخبرني أحمد بن أصرم قال: «سألت أبا عبد الله عن حديث الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن حزين بن جابر، عن كعب قال: لما كلّم الله موسى … فقلت: إن معمرًا يقول: حزين بن جابر، ويقول يونس: جزء بن جابر، وشيعب بن أبي حمزة: حزن بن جابر، فأيها عندك أعرف؟ قال: قول معمر». (^٦)
حديث معمر ويونس كلاهما عند الطبري (^٧)، ولفظه: قال كعب: «إن الله جل ثناؤه لما كلّم موسى كلّمه بالألسنة كلها قبل كلامه، يعني كلام موسى، فجعل يقول: يا رب، لا أفهم حتى كلّمه بلسانه آخر الألسنة، فقال: يا رب هكذا كلامك؟ قال: لا، ولو سمعت كلامي - أي على وجهه - لم تك شيئا»، وقال في
_________________
(١) وأخرج رواية ابن عيينة الفسوي (المعرفة والتاريخ ٢/ ٧٢٣)، والطحاوي (شرح معاني الآثار الموضع نفسه)، والبيهقي (الموضع نفسه). وذكر يعقوب الفسوي عن الحميدي أنه قال: قيل لسفيان: فإن مالكًا ومعمرًا والأوزاعي يقولونه عن حميد ليس عن عروة؟ قال سفيان: أما أنا فأحفظه عن عروة.
(٢) ذكر روايته الأثرم، فيما نقله ابن حجر، عن نوح بن يزيد، عن إبراهيم بن سعد عنه به. (فتح الباري ٣/ ٤٨٩).
(٣) ذكر روايته ابن أبي حاتم (علل ابن أبي حاتم ١/ ٢٨٢).
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٦٣)
(٥) علل ابن أبي حاتم (الموضع نفسه).
(٦) المنتخب من العلل للخلال (ص ٢٧٦ رقم ١٧٢).
(٧) جامع البيان (٦/ ٢٩).
[ ٢ / ١٠٦٦ ]
رواية معمر: أخبرني جزء بن جابر. وكذلك وقع عند عبد الله بن أحمد بن حنبل (^١) من ثلاث طرق عن معمر.
وكذلك قال في رواية يونس.
ورواية معمر عند البخاري (^٢): جريز بن جابر. وعند ابن أبي حاتم (^٣): جزي بن جابر، وقال: تابعه الزُّبيدي. وأما البخاري فذكر أن رواية يونس والزبيدي وابن أخي الزهري سواء: جزؤ. وفي نسخة: جرو (^٤).
والاختلاف في تحقيق ما ذكره كل واحد من الرواة كثير، وأغلبه راجع إلى التصحيف، إلا أن الشاهد أن الإمام أحمد قدم قول معمر على قول يونس، وشعيب. ولم يذكر قول من سواهما. والظاهر أنه مشى على أصله في الترتيب بين معمر، وشعيب، ويونس، وأيضًا قد ذكر أحمد أن شعيبًا ويونس كانا أصحاب كتب، ومعمر يحفظ، والتصحيف قليل من الحافظ بالمقارنة بصاحب الكتاب كما تقدم عن الإمام أحمد.
أصحاب سعيد بن أبي سعيد المقبري
قال عبد الله: «قال أبي: أصح النَّاس حديثًا عن سعيد المقبري لَيْث بن سعد، وعبيد الله بن عمر يُقدَّم في سعيد. وقال يحيى بن سعيد: ابن عجلان لم يَقف على حديث سعيد المقبري، ما كان عن أبيه عن أبي هريرة، وما روى هو عن أبي هريرة، أضعفهم عنه حديثًا أبو معشر». (^٥)
_________________
(١) السنة (١/ ٢٨٣ ح ٥٣٩، ٥٤٠، ٥٤١).
(٢) التاريخ الكبير (٢/ ٢٥٦).
(٣) الجرح والتعديل (٢/ ٥٤٧).
(٤) انظر تعليق المعلمي على التاريخ الكبير (الموضع نفسه).
(٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (١/ ٣٣٤ رقم ٦٠٢).
[ ٢ / ١٠٦٧ ]
فجعل الإمام أحمد الليث بن سعد أصح الناس حديثًا عن سعيد المقبري.
وقد ذكر سبب تقديمه في موضع آخر:
قال عبد الله: «سمعت أبي يقول: أصح الناس حديثًا عن سعيد بن أبي سعيد
المقبري ليث بن سعد، يَفصِل ما روى عن أبي هريرة، وما روى عن أبيه، عن أبي هريرة، هو ثبت في حديثه جداًّ». (^١)
وقدم عبيد الله بن عمر في أصحاب سعيد المقبري أيضًا، لكن هل معنى هذا أنه مقدم حتى على الليث أو لا؟ فهذا محل بحث.
أما محمد بن عجلان، فذكر أنه اختلطت عليه أحاديث سعيد المقبري عن أبي هريرة، وعن أبيه، عن أبي هريرة فجعلها كلها عن أبي هريرة. فهذا يدل على خفة ضبطه وتمييزه لحديث المقبري، فلذلك أخره الإمام أحمد عن طبقة الأثبات من أصحاب المقبري.
وقال عبد الله: «سُئل أبي عن ابن عجلان وابن أبي ذئب؟ قال: ابن عجلان اختلطت عليه فجعلها كلها عن سعيد، عن أبي هريرة. وليت بن سعد أصحُّ القومِ عنه حديثًا، وهو أحب إلي منهم، يعني في حديث سعيد. وقال في موضع آخر عبيد الله بن عمر مقدم في حديث سعيد». (^٢)
وقد قال عن ابن عجلان وابن أبي ذئب: «كلا الرجلين ثقة، ما فيهما إلا ثقة». (^٣)
فيفهم أن ابن أبي ذئب مقدم عنده على ابن عجلان في سعيد المقبري لما ذكر من اختلاط.
_________________
(١) المصدر نفسه (١/ ٣٥٠ رقم ٦٥٩).
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٣/ ٢٨٦ رقم ٥٢٧٠).
(٣) المعرفة والتاريخ (٢/ ١٦٣).
[ ٢ / ١٠٦٨ ]
وجعل الإمام أحمد أضعف أصحابه حديثا أبا معشر نجيح بن عبد الرحمن المديني، أحد الضعفاء. قال أحمد في رواية الأثرم - وقيل له: أبو معشر المديني يكتب حديثه؟ فقال: «عندي حديثه مضطرب، لا يُقيم الإسناد، ولكن أكتب حديثه أعتبر به». (^١)
وقد تقدم ذكر مثال لحديث اختلف فيه على سعيد المقبري بين الليث بن سعد
وصفوان بن سليم، وقدّم قول الليث، وهو حديث العطاس (^٢).
أصحاب أبي إسحاق السَّبِيعي
قال المرُّوذي: «قلت: من أصحاب أبي إسحاق المتثبِّتون؟ قال: شعبة، وسفيان». (^٣)
وقال الفضل بن زياد: «سألت أبا عبد الله: من أثبت الناس عندك في أبي إسحاق؟ قال: سفيان وشعبة. قلت: فالأعمش أحب إليك أو سفيان عن أبي إسحاق؟ فقال: سفيان أكثر، وسفيان وشعبة هما أثبت عندنا من الأعمش عن كل من روى عنه، ممن روى عنهم الأعمش». (^٤)
وقال ابن هانئ: «سألته أيما أثبت عندك في حديث أبي إسحاق؟ قال: شعبة، ثم سفيان الثوري». (^٥)
وقال الميموني: «قلت لأبي عبد الله: من أكبر في أبي إسحاق؟ قال: ما أجد في نفسي أكبر من شعبة فيه، ثم الثوري. وقال: وشعبة أقدم سماعًا من سفيان.
_________________
(١) تاريخ بغداد (١٣/ ٤٣٠).
(٢) ص: (٨٩٩).
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (صم ٤٨ رقم ٢٣).
(٤) المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٠٣).
(٥) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ٢٢٠ رقم ٢٢٠٥).
[ ٢ / ١٠٦٩ ]
قلت: وكان أبو إسحاق قد تأخر؟ قال: إي والله، هؤلاء الصغار زهير، وإسرائيل يزيدون في الإسناد وفي الكلام». (^١)
فشعبة والثوري هما الطبقة الأولى من أصحاب أبي إسحاق، وقدم شعبة على الثوري، لكون سماعه من أبي إسحاق أقدم، لأن أبا إسحاق كان قد تغير، فكل ما كان السماع منه أقدم كان ذلك أثبت.
وقال الفضل بن زياد: «سئل أبا عبد الله عن شريك وإسرائيل عن أبي إسحاق أيهما أحب إليك؟ فقال: شريك أحب إلي، لأن شريكًا أقدم سماعًا من أبي إسحاق،
وأما المشايخ فإسرائيل». (^٢)
فقدم شريكًا على إسرئيل بن يونس بن أبي إسحاق في أبي إسحاق خاصة دون سائر الشيوخ لقدم سماعه من أبي إسحاق.
وقال المروذي: «قال أحمد: شريك حسن الرواية عن أبي إسحاق». (^٣)
وقال عبد الله: «قال: شريك عن أبي إسحاق قال: كان ثبتًا فيه». (^٤)
وقال حنبل بن إسحاق: «وسئل أبو عبد الله: من أحب إليك؟ جرير بن عبد الحميد أو شريك؟ قال: جرير أقل سقطًا من شريك، شريك كان يخطئ. قيل له: فأبو الأحوص أو شريك؟ قال: شريك. قيل له: فمن في أبي إسحاق؟ قال: شريك، شريك سمع قديمًا». (^٥) فقدم شريكًا على جرير الضبي في أبي إسحاق خاصة دون غيره من المشايخ. وأما أبو الأحوص فهو دون شريك مطلقًا.
_________________
(١) حكاه ابن رجب (شرح علل الترمذي ٢/ ٧١٠).
(٢) المعرفة والتاريخ (٢/ ١٦٨).
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص ٤٨ رقم ٢٤).
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (١/ ٢٥١ رقم ٣٤٨).
(٥) تاريخ بغداد (٧/ ٢٥٩).
[ ٢ / ١٠٧٠ ]
وقال صالح: «قال أبي: سمع شريك من أبي إسحاق قديمًا، وشريك في أبي إسحاق أثبت من زهير، وإسرائيل، وزكريا». (^١)
وقال أبو داود: «سمعت أحمد قال: زهير، وزكريا، وإسرائيل ما أقربهم في أبي إسحاق، في حديثهم عنه لين، ولا أُراه إلا من أبي إسحاق، هو السبيعي. قال: قلت لأحمد: شريك منهم؟ قال: شريك سمع قديمًا».
فقدم شريكًا على هؤلاء لقدم سماعه من أبي إسحاق.
فالطبقة الثانية من أصحاب أبي إسحاق هو شريك وحده، فالنصوص عن الإمام أحمد تدل على أنه ليس أعلى منه في أبي إسحاق إلا شعبة والثوري.
والطبقة الثالثة هم سائر الرواة الذين سمعوا من أبي إسحاق بأخرة وفيهم أئمة
أجلاء؛ وهم: زهير بن معاوية الجعفي، وزكريا بن أبي زائدة، وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق،، وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق، وأبوهما يونس بن أبي إسحاق، وأبو الأحوص سلاّم بن سُليم.
وأما الترتيب بين أهل هذه الطبقة، فقد تقدم عن أحمد في رواية أبي داود أنه يقول في الثلاثة الأولين: زهير، وزكريا، وإسرايئل: ما أقربهم في حديث أبي إسحاق.
وقال صالح: «قال أبي: إذا اختلف زكريا وإسرائيل فإن زكريا أحب إليّ في أبي إسحاق، ثم قال: ما أقربهما». (^٢)
فالظاهر أنه لم يفضّل بينهما في الآخر.
أما إسرائيل وأخوه عيسى، وأبوهما يونس فقال عبد الله: «سألت أبي: أيما أصح حديثًا عيسى أو أبوه يونس؟ قال: لا عيسى أصح حديثًا. قيل له: عيسى أو
_________________
(١) الجرح والتعديل (٤/ ٣٦٦).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٩٠ رقم ٦٤٣).
[ ٢ / ١٠٧١ ]
أخوه إسرائيل؟ فقال: ما أقربهما، وفي حديث إسرائيل اختلاف على أبي إسحاق أحسب ذاك من أبي إسحاق». (^١)
وقال الفضل بن زياد: «يونس بن أبي إسحاق حديثه فيه زيادة على الناس. قلت له: يقولون: إنما سمعوا من أبي إسحاق حفظًا، ويونس ابنه سمع في الكتب فهي أتم. قال: من أين! قد سمع إسرائيل ابنه من أبي إسحاق وكتب وهو وحده، فلم تكن فيه زيادة مثل يونس. قلت: من أحب إليك، يونس أو إسرائيل في أبي إسحاق؟ قال: إسرائيل. قلت: إسرائيل أحب إليك من يونس؟ قال: نعم، إسرائيل صاحب كتاب». (^٢)
وقال الأثرم: «سمعت أبا عبد الله وذكر يونس بن أبي إسحاق وضعفه حديثه عن أبيه، وقال: حديث إسرائيل أحب إليّ منه». (^٣)
فالذي يظهر من هذه النصوص أن زهير، وزكريا، وإسرائيل، وعيسى كلهم قريب من السواء في أبي إسحاق ويونس دونهم، فقد ضعف الإمام أحمد حديث يونس عن أبي إسحاق، بينما قال في حديث أولئك عنه: فيه لين، وأيضًا، صرح بتقديم إسرائيل وأخيه عيسى على يونس، فمن كان في منزلتهما فإنه يقدم عليه مثلهما. وأما أبو الأحوص فلم أقف على ما يدل على مرتبته بين هؤلاء، ولعله قريب من زهير ومن معه، وفوق عيسى بن يونس، لأنه لم يرد عن الإمام أحمد أنه ضعف حديثه عن أبي إسحاق كما قال في حديث يونس، والله أعلم.
وأما من تكلم فيهم في أبي إسحاق فقد تقدم أنه تكلم في حديث أبي بكر بن عياش عنه (^٤)، فيكون هو ويونس بن أبي إسحاق أهل الطبقة الرابعة، وهي
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (١/ ٥٥٩ رقم ١٣٣٥).
(٢) المعرفة والتاريخ (٢/ ١٧٣ - ١٧٤).
(٣) الضعفاء للعقيلي (٤/ ١٥٥٩).
(٤) انظر: ص (٢٨٥).
[ ٢ / ١٠٧٢ ]
طبقة من ضعف حديثهم عن أبي إسحاق.
مثال لما اختلف أصحاب أبي إسحاق فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
قال عبد الله: «سألته - أي أحمد بن حنبل - عن حديث ابن إدريس، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «قُبِض النبيُّ -ﷺ- وأنا خَتين». قال أبي: لم نزل نسمع أن هذا حديث واهٍ. وقال عبد الله: قرأت على أبي فأقر به: أبو سعيد مولى بني هاشم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا أبو إسحاق، عن سعيد بن جبير قال: «تُوفي النبيُّ -ﷺ- وابن عباس ابن خمس عشرة سنة». قال عبد الله: سمعت أبي يقول: حديث شعبة كأنه يُوافق حديث الزُّهري عن عبيد الله، عن ابن عباس: «جئت على أتانٍ وقد ناهزتُ الاحتلام». قال أبي: حدثناه عبد الرحمن، عن مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس. قال أبي: وحدثناه يعقوب، عن ابن أخي الزهري، عن عمه، قال: ناهزت الحُلُم». (^١)
فخطأ رواية إدريس بن يزيد الأودي (^٢) - وهو أحد الثقات (^٣) - وصحح رواية شعبة، والرواية التي ذكرها صورتها مرسلة، لكن جاءت مسندة في موضع آخر:
قال عبد الله: «حدثني أبي: قال حدثنا سليمان بن داود، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال: توفى رسول الله -ﷺ- وأنا ابن خمس عشرة سنة». (^٤). وعند الطيالسي زيادة: «مختون».
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (١/ ١٠٤ - ١٠٥ رقم ١٧١٢، ١٧١٤، ١٧١٥).
(٢) أخرج هذه الرواية الطبراني (المعجم الكبير ١٠/ ٢٣٥ ح ١٠٥٧٩)، وذكر ابن حجر أن الإسماعيلي وصلها (فتح الباري ١١/ ٩١)، وساقه بإسناده في «تغليق التعليق» (٥/ ١٣٤ - ١٣٥).
(٣) وثقه ابن معين، والنسائي (تهذيب الكمال ٢/ ٣٠١).
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (١/ ١٠٨ ح ١٧٢٢)، وانظر: مسند الطيالسي (ص ٣٤٣ ح ٢٦٤٠)، ومسند الإمام أحمد (٥/ ٤٧٥ ح ٣٥٤٣).
[ ٢ / ١٠٧٣ ]
ورواه معاذ بن معاذ العنرى (^١)، وخالد بن الحارث (^٢) كلاهما عن شعبة بهذا الإسناد بلفظ: «توفي رسول الله -ﷺ- وأنا ابن خمس عشرة سنة وقد خُتنت».
فهذه الرواية وكذا رواية الطيالسي تدلان على صحة رواية إدريس الأودي عن أبي إسحاق، فلا يظهر وجه تضعيفها، والله أعلم.
أصحاب إبراهيم بن يزيد النخعي
قال عبد الله: «سألت أبي من أثبت الناس في إبراهيم؟ فقال: الحكم بن عتيبة، ثم منصور». (^٣)
وقال أيضًا: «قلت لأبي: أي أصحاب إبراهيم أحب إليك؟ قال: الحكم، ثم منصور، ما أقربهما». (^٤)
وقال الفضل بن زياد: «قال أحمد: لا أعلم أحدًا أثبت من الحكم إلا أن يكون
منصور بن المعتمر». (^٥)
وقال أبو طالب: «قال أبو عبد الله: الحكم عن إبراهيم أحب إلي من الأعمش عن إبراهيم». (^٦)
وقال الفضل أيضًا: «سمعت أبا عبد الله يقول: منصور أصح حديثًا من الأعمش لقلة حديثه». (^٧)
وقال الفضل: «سمعت أبا عبد الله وقيل له: إذا اختلف منصور والأعمش
_________________
(١) أخرج حديثه ابن أبي عاصم (الآحاد والمثاني ١/ ٢٨٤ ح ٣٧٢)، المعجم الكبير (١٠/ ٢٣٥ ح ١٠٥٧٨).
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم (الموضع نفسه ح ٣٧٣).
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٣/ ٣٥٢ ح ٥٥٥٧).
(٤) المصدر نفسه (٢/ ٤٩٣ رقم ٣٢٤٩).
(٥) المعرفة والتاريخ (٢/ ١٩٠).
(٦) المصدر نفسه (٢/ ١٧٦).
(٧) المصدر نفسه (٢/ ١٧٤).
[ ٢ / ١٠٧٤ ]
عن إبراهيم فبقول من تأخذ؟ قال: بقول منصور، فإنه أقل سقطًا». (^١)
فالطبقة الأولى من أصحاب إبراهيم عند أحمد: الحكم ومنصور، ومرة قدم الحكم، ومرة جعلهما قريبين من بعض.
ويليهما الأعمش.
وقال عبد الله: «قال أبي: منصور والأعمش أثبت من حماد وعاصم. قال: وسألته عن حماد وعاصم فقال: عاصم أحب إلينا، عاصم صاحب قرآن، وحماد صاحب فقه». (^٢)
وقال أبو داود: «قلت لأحمد: أبو معشر أحب إليك أو حماد؟ قال: زعموا أن أبا معشر كان يأخذ عن حماد، إلا أن أبا معشر عند أصحاب الحديث يريد كان أكبر، لأن حمادًا كان يرى الإرجاء. قلت لأحمد: مغيرة أحب إليك في إبراهيم أو حماد؟ قال: أما ما روى سفيان وشعبة عن حماد، فحماد أحب إلي، لأن في حديث الآخرين عنه تخليطًا. قلت لأحمد مرة أخرى: أبو معشر أحب إليك أو حماد في إبراهيم؟ قال: ما أقربهما». (^٣)
فهذه الطبقة الثالثة من أصحاب إبراهيم، وهم: عاصم بن أبي النجود، وحماد بن أبي سليمان، وأبي معشر زياد بن كليب، وهم دون الأعمش وأهل الطبقة الأولى - الحكم ومنصور. وقدم عاصمًا لأنه صاحب قرآن. وجعل حمادًا وأبا معشر في درجة واحدة،، لكن بشرط صحة الطريق إلى حماد، لأن رواية القدماء - الثوري، وشعبة، وهشام الدستوائي - تقارب، وأما غيرهم فجاؤوا عنه بأعاجيب (^٤).
_________________
(١) المصدر نفسه (٣/ ١٣).
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٣/ ١٢١ رقم ٤٥١٢ - ٤٥١٣).
(٣) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (ص ٢٩٠).
(٤) انظر: الجرح والتعديل (٣/ ١٤٧).
[ ٢ / ١٠٧٥ ]
وأما المغيرة بن مِقسم فقال عبد الله عن أحمد: «كان صاحب سنة ذكيًّا حافظًا، وعامة حديثه عن إبراهيم مدخول، عامة ما روى عن إبراهيم إنما سمعه من حمّاد، ومن يزيد بن الوليد، والحارث العكلي، وعن عبيدة، وعن غيره، وجعل يضعِّف حديث المغيرة عن إبراهيم وحده». (^١)
ومتقضى هذا أن يكون حديثه عن إبراهيم دون حديث أهل الطبقة الثالثة، فإنه أطلق الضعف على حديثه عن إبراهيم لأن عامتها مدلسَّة. وقد أخرج الشيخان له عن إبراهيم، ولم يخرج البخاري لحماد بن أبي سليمان في الصحيح، ولا لأبي معشر. لكن ذكر الحافظ ابن حجر أن البخاري ما أخرج لمغيرة بن مِقسم عن إبراهيم إلا ما توبع عليه (^٢).
مثال لما اختلف أصحاب إبراهيم فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
قال عبد الله: «قرأت على أبي: محمد بن أبي عدي، عن سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن الأسود، عن عائشة قالت: كنت أفركه من ثوب رسول الله -ﷺ- تعني الجنابة. سمعت أبي يقول: وقال عبد الأعلى، عن سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن الأسود أو عبد الرحمن بن يزيد. وقال غندر: عن الأسود. ورواه الأعمش، ومنصور، والحكم، عن إبراهيم، عن همام». (^٣)
أصحاب ثابت البُناني
قال أبو داود: سمعت أحمد قال: «ليس أحد أثبت في ثابت من حماد بن سلمة هؤلاء الشيوخ يتوهمون. وقال: قال أبو داود عن حماد بن سلمة قال: قلت: هذا قام لثابت، فجعلت أقلب عليه الأحاديث فأقول: أنس، فيقول: لا، إنما حدثنا به
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (١/ ٢٠٧ رقم ٢١٨).
(٢) هدي الساري (ص ٤٤٥).
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٤٢٧ رقم ٢٨٨٧).
[ ٢ / ١٠٧٦ ]
ابن أبي ليلى، لا إنما حدثنابه أنس، يعني لما يذكره أيضا له عن غير أنس ماهو لأنس» (^١).
قال ابن هانئ: سمعت أبا عبد الله يقول: «كان حماد بن سلمة من أثبت أصحاب ثابت. قال: جعل سليمان بن المغيرة يلقى عليه يومًا أحاديث من حديث ثابت قال: فقال: هذا قاص، قال: فجعل حماد يقول: هذا من حديث ثابت. وقال أبو عبد الله: كان كان حماد ثبتًا في حديث ثابت البناني، وكان بعده سليمان بن المغيرة، وكان ثابت يُحيلون عليه في حديث أنس، وكان يُحيلون ثابت عن أنس (كذا)، وكل شيء لثابت روى عنه كانوا يقولون: ثابت، عن أنس». (^٢)
قال ابن هانئ: «فقيل له: فكيف معمر في ثابت؟ أيهما أحب إليك؟ حماد بن سلمة أو معمر؟ قال: ما أحدٌ روى عن ثابت، أثبت من حماد بن سلمة. قال: سليمان بن المغيرة أثبت أخبارًا. فقلت: هذا قاص، فجعلت أقلب عليه الأحاديث فيقول: لا، هو عن فلان، فأقلب عليه حديثَ أنس، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى فجعل يحفظها ويرددها». (^٣)
قال المروذي: «ليس أحد أثبت ولا أعرف بحديث ثابت من حماد. ثم قال:
وسليمان بن المغيرة، قلت: معمر؟ قال: معمر حسن الحديث عن ثابت». (^٤)
مثال لما اختلف على ثابت البُناني فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
قال عبد الله: «حدثني محمد بن جعفر الوركاني قال: أخبرنا حمّاد الأبح، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مثل أمتي مثل المطر لا يُدرى أوَّلُه خيرٌ أو آخرُه». سألت أبي عن هذا الحديث فقال: هو خطأ، إنما يروى هذا الحديث عن
_________________
(١) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (ص ٣٤٢ ح ٥١٤).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (٢/ ١٩٧ رقم ٢٠٦٢).
(٣) المصدر نفسه (٢/ ٢٠٧ رقم ٢١٣٠).
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (رقم ٣).
[ ٢ / ١٠٧٧ ]
الحسن حدثني أبي قال: حدثنا حسن بن موسى الأشيب قال: حدثنا حماد بن يحيى قال: حدثنا ثابت عن أنس بن مالك عن النبي -ﷺ- أنه قال: مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أو آخره. حدثني أبي قال: حدثناه حسن بن موسى قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، وحميد، ويونس، عن الحسن أن رسول الله -ﷺ- قال: «مثل أمتي …» فذكره». (^١)
أصحاب قتادة
قال أبو زرعة: «فأخبرني أحمد بن حنبل - وذكر سعيد بن أبي عزوبة، وهشام الدستوائي - أن الاختلاف عن هشام في حديث قتادة أقل منه في حديث سعيد». قال أبو زرعة: ورأيت أحمد بن حنبل لهشام أكثر تقديمًا في قتادة لضبطه وقلة الاختلاف عنه». (^٢)
مثال لما اختلف أصحاب قتادة فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
١. قال أبو داود: «سمعت أحمد يقول: لا نقول بالسعاية، حديث قتادة لا يقول فيه شعبة وهشام السعاية». (^٣).
٢. سمعت أحمد بن محمد بن حنبل يقول: «اختلف شعبة، وسعيد، وهشام في حديث أنس: «كان أصحاب النبي -ﷺ- تخفق رُؤُسُهم ثم يصلون ولا يتوضئون» في اللفظ، وكلهم ثقات».
«حدثنا هلال بن فياض - وهو يعرف بشاذ - قال: حدثنا هشام الدّستوائي، عن قتادة، عن أنس قال: كان أصحاب النبي -ﷺ- ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رُؤُسُهم ثم يُصلّون ولا يتوضئون».
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (رقم ٥٤٠٠ - ٥٤٠٢).
(٢) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم ١١٣٦ - ١١٣٧).
(٣) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٢٩٣ رقم ١٤٠٢).
[ ٢ / ١٠٧٨ ]
«قال: حدثنا ابن يسار قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: «كان أصحاب النبي -ﷺ- ينامون ثم يقومون فيُصلون ولا يَتوضّئون على عهد النبي -ﷺ-).
«حدثنا ابن المنبي قال: حدثنا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن أنس قال: «كان أصحاب النبي -ﷺ- يضعون جنوبهم فينامون فمنهم من يتوضأومنهم من لا يتوضأ».
«حدثنا موسى وداود بن شبيب المعنى واحد قالا حدثنا حماد عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال أقيمت صلاة العشاء فقام رجل فقال يا رسول الله إن لي حاجة فقام بناحية حتى نعس القوم أو بعض القوم ثم صلى بهم ولم يذكر وضوءًا».
«حدثنا مسدد قال: حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس شبهه ولم يذكر أمر الوضوء».
«حدثنا عباد بن موسى قال حدثنا إسماعيل عن حميد عن أنس شبهه أيضًا ولم يذكر أمر الوضوء». (^١)
وقال ابن هانئ: «حديث أنس: إنهم كانوا يضطجعون. قال: ما قال هذا شعبة قط. وقال حديث شعبة: «كانوا ينامون». وليس فيه: «يَضطجعون». وقال هشام: «كانوا ينعسون». وقد اختلفوا في حديث أنس». (^٢)
أصحاب يحيى بن أبي كثير
قال أبو داود: «سمعت أحمد قال: ليس أحد أثبت في يحيى بن أبي كثير من هشام الدستوائي». (^٣)
_________________
(١) المصدر نفسه (ص ٤٣٩ - ٤٤٠ رقم ٢٠١٤).
(٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (١/ ٨ رقم ٤٢).
(٣) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (رقم ٤٨٩).
[ ٢ / ١٠٧٩ ]
قال صالح: وسأل أحمد: «أكثر مَنْ في يحيى بن أبي كثير مِن أهل البصرة هشام الدُّستوائي، وحرب بن شداد، وأبان، وشيبان ثبت في كل المشايخ، وهمام. قلت: الأوزاعي؟ قال: هؤلاء أثبت من الأوزاعي». (^١)
قال أبو بكر الأثرم: «ذكر أحمد أصحاب يحيى بن أبي كثير فقال: هشام صاحب كتاب والأوزاعي حافظ وهمام ثقة، هشام أثبت من أبان وحرب بن شداد ومعاوية بن سالم ثقتان». (^٢)
قال أبو زرعة: «وسمعت أحمد بن حنبل يسأل: من أثبت الناس في يحيى ابن أبي كثير؟ قال: هشام الدستوائي ثم قال: هؤلاء الأربعة: علي بن المبارك، وأبان، وهشام، وحرب بن شداد - يعني بعد هشام - وقال: سمعت أحمد بن حنبل يضعِّف رواية أيّوب بن عُتبة، وعكرمة بن عمّار عن يحيى بن أبي كثير. وقال: عكرمة أوثق الرجلين». (^٣)
مثال لما اختلف أصحاب قتادة فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
قال عبد الله: «حدثني أبي قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن يَعيش بن الوليد، عن ابن معدان، عن أبي الدرداء أن رسول الله -ﷺ- قاء فأفطر، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فسألته عن ذلك، فقال: صبيت لرسول الله -ﷺ- وضوءه». قال: إنما رواه يحيى، عن الأوزاعي، عن يعيش عن معدان عن أبي الدرداء». (^٤)
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٣/ ٤٢ رقم ١٢٩٧، ١٢٩٩).
(٢) تهذيب الكمال (٥/ ٥٢٥).
(٣) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم ١١٤٢، ١١٤٣).
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (رقم ٥٥٣٥).
[ ٢ / ١٠٨٠ ]
أصحاب ابن جريج
قال أبو زرعة: «قلت لأحمد بن حنبل: كان عبد الرزاق يحفظ حديث معمر؟ قال: نعم قيل له: فمن أثبت في ابن جريج؟ عبد الرزاق أو محمد بن بكر البرساني؟ قال: عبد الرزاق». (^١)
مثال لما اختلف أصحاب ابن جريج فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
قال عبد الله: «حدثنا بعض الكوفيين قال: حدثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- خمروا وجوه موتاكم ولا تشبهوا بيهود». فحدثت به أبي فأنكره، وقال: هذا أخطأ فيه حفص فرفعه، وحدّثني عن حجاج الأعور، عن ابن جريج، عن عطاء مرسل». (^٢)
قال عبد الله: «سُئل أبي عن حديث ابن عيينة عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة عن النبي -ﷺ- لعن المترِّجلات من النساء. فقال: رواه حجاج الأعور عن ابن جريج بإسناد آخر وليس هو عن ابن أبي مليكة». (^٣)
قال عبد الله: «سمعت أحمد سئل عن حديث عليّة بن عامر أن أخته نذرت أن تحج حافية؟ قال: روح يقول يحيى بن أيوب وابن بكر وعبد الرزاق يقولان سعيد بن أبي أيوب - يعني يقولون عن ابن جريج عنهما». (^٤)
أصحاب حُصين
قال أبو داود: «قال أحمد: ليس أحد أصح حديثًا عن حصين من هشيم». (^٥)
_________________
(١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم ١١٥٩).
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (٢/ ٣٨٣ رقم ٢٧٠٩).
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (رقم ٥٢٦٥).
(٤) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص ٣٢٠).
(٥) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (رقم ٤٤٣).
[ ٢ / ١٠٨١ ]
مثال لما اختلف أصحاب حُصين فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
قال عبد الله: «وذكرت لأبي حديث الثوري عن حصين عن إبراهيم عن عبد الله أنه كان يرفع يديه في أول الصلاة ثم لا يعود. قال أبي: حدثنا هشيم قال خدثنا حصين عن إبراهيم لم يجز به إبراهيم، وهشيم أعلم بحديث حصين». (^١)
قال عبد الله: «سمعت أبي ذكر عن عباد بن العوام قال: أخطأ أخونا هشيم في حديث حصين عن عمرو بن عبد الملك بن الحويرث، قال أبي: أخطأ عباد وأصاب هشيم. قال أبي: حدثنا هشيم قال حصين: أخبرنا عبد الملك بن عمرو الحويرث قال: حدثت أن النبي -ﷺ- كان مما يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة، وكان مما يمس لحيته وهو يصلي. حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر غندر قال: حدثنا شعبة عن حصين عن عبد الملك ابن أخي عمرو بن حويرث أن النبي -ﷺ- ربما مس لحيته وهو يصلي». (^٢)
حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر غندر قال: حدثنا شعبة عن حصين عن عبد الملك ابن أخي عمرو بن حويرث أن النبي -ﷺ- ربما مس لحيته وهو يصلي.
قال صالح: «قال أبي: قال عباد: أخطأ هشيم في حديث حصين عن عمرو بن عبد الملك بن الحويرث، وكان هشيم يقول: عبد الملك بن عمرو بن الحويرث، والخطأ في يد عباد، وأصاب هشيم. قال أبي: وكان عباد ربما قال: أنبأناه وأخبرناه وأنبأناه عاصم بن كليب. حدثنا صالح قال: حدثنا أبي قال: حدثنا هشيم قال: حصين أن عبد الملك بن عمرو بن الحويرث قال: حدثت أن رسول الله -ﷺ- كان مما يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة وكان ربما يمس لحيته وهو يصلي. حدثنا
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (رقم ١/ ٣٧٠ رقم ٧١٢).
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (١/ ٥٣٤ رقم ١٢٥٧ - ١٢٥٩).
[ ٢ / ١٠٨٢ ]
صالح: قال: حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن حصين عن عبد الملك بن أخي عمرو بن حريث أن النبي -ﷺ- ربما مس لحيته في الصلاة». (^١)
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٤٤١ - ٤٤٢ رقم ١١٢٧ - ١١٢٩).
[ ٢ / ١٠٨٣ ]