قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: حماد بن سلمة عنده عنه تخليط - يعني حماد بن أبي سليمان (^٦).
لكنه لم يبلغ عنده إلى حد الساقط فيه.
قال الخلال بإسناده عن الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله قيل له: حماد ابن أبي سليمان؟ قال: أما حماد فرواية القدماء عنه مقاربة: شعبةُ، والثوري، وهشام - يعني الدستوائي - قال: وأما غيرهم فقد جاءوا عنه بأعاجيب. قلت له: حجاج، وحماد بن سلمة؟ قال: حماد على ذاك لا بأس به. قال أبو عبد الله: وقد سقط فيه غير واحد مثل محمد بن جابر، وذاك - وأشار بيده، فظننت أنه عنى سلمة الأحمر (^٧) - قال الأثرم: ولعله قد عنى غيره (^٨).
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري - مع فتح الباري ٣/ ٣١٧.
(٢) انظر: الموطأ ١/ ٢٥٧.
(٣) أخرجه أحمد المسند ١٧/ ٤١٠ ح ١١٣٠٧ مطولًا، وأخرجه مسلم صحيح مسلم ٢/ ٧٨٩ ح ١١٢٠ وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ٣/ ٢٥٧ ح ٢٠٢٣ مختصرًا، بذكر ما يتعلق بالصوم فقط دون الزكاة.
(٤) السنن الكبرى ٤/ ٩٤.
(٥) قال فيه الحافظ ابن حجر: فقيه صدوق له أوهام ورمي بالإرجاء تقريب التهذيب ١٥٠٨.
(٦) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ٢٩١/ ٣٣٨.
(٧) وستأتي ترجمته وكلام الإمام أحمد في حديثه عن حماد بن أبي سليمان إن شاء الله.
(٨) تهذيب الكمال ٧/ ٢٧٢.
[ ١ / ٣٢٣ ]
ولعل ذلك من قبل حماد بن أبي سليمان، حيث كان بأخرة غلب عليه الفقه ولم يعد يحفظ الآثار كما ينبغي. فقد قال حماد بن سلمة: "كنت أسأل حماد بن أبي سليمان عن أحاديث مسندة، وكان الناس يسألونه عن رأيه، فكنت إذا جئت قال: لا جاء الله بك" (^١). وذكر أبو حاتم أنه غلب عليه الفقه، وإذا جاء الآثار شوّش (^٢).
ويدل على ذلك أيضًا ما ذكره موسى بن إسماعيل - وهو التبوذكي - قال: حدثنا حماد بن سلمة أنه قال لابن حماد بن أبي سليمان: كلّم أباك يحدثني. قال: فكلمه قال: فقال حماد: ما يأتيني أحد أثقل علىّ منه. قال: فكنت أقول له: قل سمعت إبراهيم. فكان يقول: إن العهد قد طال بإبراهيم (^٣).
وأما الذهبي فعلق على تلك الرواية بقوله: إنما التخليط فيها من سوء حفظ الراوي عنه (^٤).
ومهما يكن من أمر فلم يبلغ حديث حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان مبلغ الساقط عند الإمام أحمد كما نص على ذلك، فيحمل ما ذكره من تخليطه عنه على أنه دون القدماء من أصحابه الذين حملوا عنه قديمًا قبل أن يغلب عليه الفقه فيقدَّمون عليه عند الاختلاف، والله أعلم.
ولم أر حديثًا لحماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان أعله الإمام أحمد من أجله. وقد أعل حديثًا لحماد بن أبي سليمان، رواه عنه حماد بن سلمة، لكن الخطأ فيه من حماد بن أبي سليمان وليس من حماد بن سلمة.
قال عبد الله: "حدثني أبي قال: حدثنا عفّان قال: أخبرنا حماد بن سلمة
_________________
(١) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٥٤، وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٨٣٥.
(٢) انظر: الجرح والتعديل ٣/ ١٤٧ - ١٤٨.
(٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٥٤، وانظر: تهذيب الكمال ٢/ ٢٧٦.
(٤) سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٣٦.
[ ١ / ٣٢٤ ]
قال: أخبرنا عاصم بن بهدلة، وحماد بن أبي سليمان، عن أبي وائل، عن المغيرة
ابن شعبة أن رسول الله ﷺ أتى سُباطة قوم فبال قائمًا. قال حماد بن أبي سليمان: ففحج رجليه. قال أبي: منصور والأعمش أثبت من حماد وعاصم" (^١).
وحديث حماد بن سلمة أخرجه أحمد (^٢)، وعبد بن حميد (^٣)، وابن خزيمة (^٤)، والطبراني (^٥). وقد تابعه أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان (^٦). وحديث منصور والأعمش عند الشيخين، كلاهما عن أبي وائل عن حذيفة (^٧). وفي قول الإمام أحمد: منصور والأعمش أثبت من حماد وعاصم، ترجيح لروايتهما وإسناد الخطأ إلى حماد وعاصم. وقد وافق الإمام أحمد على تخطئتهما كل من الترمذي (^٨)، والدارقطني (^٩).
فالخطأ في هذه الرواية إذًا من حماد بن أبي سليمان، وليس من حماد بن سلمة، ويؤيد ذلك متابعة أبي حنيفة له.
الحسن بن بشر الهمداني الكوفي ت (٢٢١) هـ (^١٠):
تكلم الإمام أحمد في حديثه عن زُهير بن معاوية الجعفي.
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١٢١/٤٥١١ - ٤٥١٢.
(٢) المسند ٣٠/ ٨٣ ح ١٨١٥٠.
(٣) المنتخب من مسنده ص ١٥٢ ح ٣٩٦.
(٤) صحيح ابن خزيمة ١/ ٣٦ ح ٦٣.
(٥) المعجم الكبير ٢٠/ ٤٠٥ ح ٩٦٦.
(٦) مسند أبي حنيفة ص ٨٤.
(٧) صحيح البخاري ١/ ٣٢٨، ٣٢٩ ح ٢٢٤، ٢٢٥ - مع فتح الباري، وصحيح مسلم ١/ ٢٢٨ رقم ٢٧٣ (٧٣، ٧٤).
(٨) ذكر رواية عا صم ثم رواية حماد ثم قال: والصحيح ما روى منصور والأعمش علل الترمذي الكبير ١/ ٩٣، وانظر: الجامع ١/ ٢٠.
(٩) علل الدارقطني ٧/ ٩٥. قال عن رواية عاصم وحماد: وهِما فيه على أبي وائل، وقال رواية الأعمش ومنصور هي الصواب.
(١٠) صدوق يخطئ، روى له البخاري، والترمذي، والنسائي تقريب التهذيب ١٢٢٥.
[ ١ / ٣٢٥ ]
أما هو في نفسه فقد تردد فيه الإمام أحمد، ثم جزم بأنه لا بأس به (^١).
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الحسن بن بشر بن سالم الكوفي فقال: ما أدري أخبرك، قد روى عن زهير، عن أبي الزبير، عن جابر في الجنين (^٢).
وقال الأثرم أيضًا: سمعت أبا عبد الله سُئل عن الحسن بن بشر بن سلم الكوفي فقال: ما أرى به بأسًا في نفسه، روى عن زهير أشياء مناكير (^٣).
ما أعله من حديثه عن زهير:
أشار إليه في رواية الأثرم المتقدمة، حيث قال: قد روى عن زهير، عن أبي الزبير، عن جابر في الجنين، وهذا استنكار منه للحديث.
وحديث الجنين هو حديث: [ذكاة الجنين ذكاة أمه]، أخرجه ابن الجعد (^٤)، وابن عدي (^٥)، وأبو الشيخ (^٦)، والحاكم (^٧)، والبيهقي (^٨) من طرق عن الحسن ابن بشر، عن زهير بن معاوية، به. وقال ابن عدي: هذا حديث زهير عن أبي الزبير ليس يرويه غير الحسن. ا. هـ.
_________________
(١) وأما غير الإمام أحمد، فقال فيه أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: له أحاديث ليست بالكثيرة، وأحاديثه تقرب بعضها من بعض، وليس هو بمنكر الحديث. وقال ابن حجر: صدوق يخطئ الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٧٣٣، تهذيب الكمال ٦/ ٦١، التقريب ١٢٢٤.
(٢) تاريخ بغداد ٧/ ٢٩٠.
(٣) الجرح والتعديل ٣/ ١٠.
(٤) مسند ابن الجعد ٣٨٨ ح ٢٨٥٣.
(٥) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٧٣٣.
(٦) طبقات المحدثين بإصبهان ٢/ ٣٦٠ ح ٢١٢.
(٧) المستدرك ٤/ ١١٤.
(٨) السنن الكبرى ٩/ ٣٣٤.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وجه إعلال الإمام أحمد للحديث:
ذكره الإمام أحمد كشاهد على المناكير التي يرويها الحسن بن بشر عن زهير، ووجه نكارته أن الحسن بن بشر تفرد به عن زهير، ولا يحتمل من مثله هذا التفرد عن حافظ مكثر مثل زهير. ورواية الراوي الذي لم يشتهر بالحفظ والإتقان عن حافظ مكثر ما لا يرويه غيره من أصحاب ذلك العَلم دليل على ضعفه. ووافق أبو داود الإمام أحمد على إنكار هذا الحديث على الحسن بن بشر (^١).
والحديث رُوي عن أبي الزبير من وجوه أخرى: منها عن حماد بن شعيب (^٢)، أخرجه أبو يعلى (^٣)، وابن عدي (^٤). ومنها عن عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي (^٥)، أخرجه أبو داود (^٦)، والدارمي (^٧)، والحاكم (^٨).
وذكر ابن حبان أن الحسن بن بشر سمع هذا الخبر عن حماد بن شعيب فرواه عن زهير بن معاوية، عن أبي الزبير ووهم فيه (^٩). فإن ثبت هذا ظهر جليًا كيف جاءت النكارة في حديث الحسن بن بشر عن زهير بن معاوية.
_________________
(١) سؤالات أبي عبيد الآجري أبا داود السجستاني ١/ ١٤٩ - ١٥٠. وأنكر عليه حديثًا آخر عن زهير، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا: "لا تدخلوا الحمام إلا بمئزر".
(٢) ضعفه ابن معين، وقال فيه البخاري: فيه نظر. وقال ابن حبان: يقلب الأخبار ويرويها على غير جهتها الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٦٠، المجروحين ١/ ٢٥١.
(٣) مسند أبي يعلى ٢/ ٣٢٨ ح ١٨٠٢.
(٤) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٦٦٠.
(٥) قال عنه أحمد وابن معين: ليس به بأس. وعن ابن معين أيضًا: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي ولا بالمتين، هو صالح الحديث يكتب حديثه، ويحول من كتاب الضعفاء الذي صنفه البخاري. وقال أبو داود: أحاديثه مناكير. وقال ابن حجر: ليس بالقوي تهذيب الكمال ١٩/ ٤٣، التقريب ٤٣٢١. وقال في تلخيص الحبير: ضعيف ٤/ ١٥٧.
(٦) السنن ٣/ ٢٥٣ ح ٢٨٢٨.
(٧) السنن ٢/ ١١٥ ح ١٩٧٩.
(٨) المستدرك ٤/ ١١٤.
(٩) المجروحين ١/ ٢٥١.
[ ١ / ٣٢٧ ]
ومتن الحديث معروف من وجوه أخرى منها عن أبي سعيد الخدري (^١)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن جابر، وأبي أمامة، وأبي الدرداء، وأبي هريرة. ا. هـ (^٢)، وصححه ابن حبان أيضًا.
والحسن بن بشر من رجال البخاري، لكن لم يخرج له عن زهير بن معاوية، وقال الحافظ ابن حجر: لم يخرج عنه من أفراده شيئًا، ولا من أحاديثه عن زهير التي استنكرها أحمد (^٣).
عكرمة بن عماّر اليمامي:
قال أحمد في رواية حرب: هو في غير يحيى ثبت. ذكره ابن رجب (^٤). وذكر الساجي توثيقه عن الإمام أحمد (^٥).
وقد قدمه الإمام أحمد على ملازم بن عمرو، مع أن الأخير ثقة عنده (^٦)، واحتج لذلك بأن شعبة روى عنه أحاديث (^٧). وأما أبو داود فذكر أن الإمام أحمد قدم ملازم بن عمرو عليه (^٨)، والظاهر أن المقصود أنه مقدم عليه في يحيى بن أبي كثير خاصة، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه أحمد المسند ١٧/ ٤٤٢ ح ١١٣٤٣، وأبو داود السنن ٣/ ٢٥٢ ح ٢٨٢٧، والترمذي الجامع ٤/ ٦٠ ح ١٤٧٦، وابن ماجه السنن ٢/ ١٠٦٧ ح ٣١٩٩، وابن حبان الإحسان ١٣/ ٢٠٦ ح ٥٨٨٩.
(٢) الجامع ٤/ ٦٠.
(٣) هدي الساري ص ٣٩٧.
(٤) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٩٥.
(٥) تاريخ بغداد ١٢/ ٢٦٠.
(٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٨٠/٧٣٣.
(٧) انظر: المعرفة والتاريخ ٢/ ١٧١ - ١٧٢.
(٨) سؤالات أبي عبيد الآجري أبا دواد السجستاني ١/ ٣٧٩/٧٠٧.
[ ١ / ٣٢٨ ]
وتكلم الإمام أحمد في حديثه عن يحيى بن أبي كثير، ووصفه بالاضطراب فيه (^١).
قال عبد الله: قال أحمد: أحاديث عكرمة بن عمّار عن يحيى بن أبي كثير ضعاف ليس بصحاح. قلت له: من عكرمة أو مِن يحيى؟ قال: لا، إلا من عكرمة. وقال في موضع آخر: أتقن حديث إياس بن سلمة (^٢) - يعني عكرمة (^٣).
وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أحمد بن حنبل يضعف رواية أيوب ابن عتبة وعكرمة بن عمّار عن يحيى بن أبي كثير، وقال: عكرمة أوثق الرجلين (^٤).
وقد ذكر يحيى القطان أيضًا تضعيف عكرمة بن عمار في حديثه عن يحيى بن أبي كثير، وكذلك علي بن المديني، والبخاري، وأبو حاتم، وأبو داود، والنسائي (^٥).
ما أعله الإمام أحمد من حديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير (^٦):
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٤/ ١١٧/٤٤٩٢.
(٢) إياس بن سلمة بن الأكوع، يروي عن أبيه. وثقه ابن معين، وابن سعد، والنسائي وغيرهم، وروى له الجماعة انظر: تهذيب الكمال ٣/ ٤٠٤.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٩٤ رقم ٣٢٥٥.
(٤) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٥٣ رقم ١١٤٣.
(٥) انظر أقوالهم في تهذيب الكمال ٢٠/ ٢٦٠ - ٢٦١.
(٦) ومما أنكره غير الإمام أحمد من حديثه عن يحيى بن أبي كثير حديث عائشة مرفوعًا: "ويل للأعقاب من النار" عند مسلم ١/ ٢١٣ ح ٢٤٠ في الشواهد. أعله ابن عمار الشهيد بأن عكرمة بن عمار خالف أصحاب يحيى بن أبي كثير فرواه عنه عن أبي سلمة عن سالم مولى المهري، عن عائشة، بينما رواه علي بن المبارك، وحرب بن شداد، والأوزاعي، وحسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني سالم - يعني ليس فيه أبو سلمة ـ، وهذا الذي رجحه أبو زرعة أيضًا انظر: علل الحديث لابن عمار الشهيد ص ٥٠ - ٥٢، علل الحديث لابن أبي حاتم برقم ١٤٨، و١٧٨. وثم حديث آخر وهو ما أخرجه الدراقطني السنن ١/ ٣٧٤ من رواية عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في سجود السهو وفيه: [فليسجد سجدتين وهو جالس ثم يسلم]. وذكر الدارقطني أن شيبان، وعلي بن المبارك، والأوزاعي وغيرهم رووه عن يحيى ولم يذكروا فيه التسليم قبل ولا بعد علل الدارقطني ٩/ ٢٧٩ - ٢٨٠، ثم ذكر متابعًا لعكرمة متابعة قاصرة وقال: هذان ثقتان، وزيادة الثقة مقبولة - يشير إلى قبول هذه الزيادة ـ. ومال إلى ذلك الحافظ ابن حجر فقال: إسناده قوي فتح الباري ٣/ ١٠٤. وأما ابن رجب فأعل الزيادة بناء على أن رواية عكرمة عن يحيى بن أبي كثير مضطربة عند القطان وأحمد وغيرهما من الأئمة انظر: فتح الباري لابن رجب ٦/ ٥٠٣.
[ ١ / ٣٢٩ ]
١. ذكر ابن رجب أن الإمام أحمد أنكر عليه حديثه عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله في استفتاح النبي ﷺ الصلاة بالليل. ا. هـ (^١). والحديث لفظه: [قال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: سألت عائشة أم المؤمنين بأي شء كان نبي الله ﷺ يفتتح الصلاة إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: "اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطرَ السموات والأرض عالمَ الغيب والشَّهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (^٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. والظاهر أنه يشير إلى تفرد عكرمة بن عمار
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٩٦.
(٢) أخرجه مسلم صحيح مسلم ١/ ٥٣٤ ح ٧٧٠، وأبو داود السنن ١/ ٤٨٧ ح ٧٦٧، والترمذي الجامع ٥/ ٤٥١ ح ٣٤٢٠، والنسائي السنن ٣/ ٢١٢ ح ١٦٢٤، وفي الكبرى ١/ ٤١٧ ح ١٣٢٢، وابن ماجه السنن ١/ ٤٣١ ح ١٣٥٧، وابن خزيمة ٢/ ١٨٥ ح ١١٥٣، وابن حبان ٦/ ٣٣٥ ح ٢٦٠٠ كلهم من طريق عمر بن يونس، عن عكرمة بن عمار به، وأخرجه أحمد المسند ٤٢/ ١٢٧ ح ٢٥٢٢٥، وكذلك أبو داود برقم ٧٦٨ من طريق قراد أبي نوح - وهو عبد الرحمن بن غزوان ـ، وأبو عوانة ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥، والمروزي في قيام الليل مختصر قيام الليل ص ١١٣ كلاهما من طريق النضر بن محمد، وكذلك أخرجه أبو عوانة وابن عدي الكامل ٥/ ١٩١٢ من طريق عاصم بن علي، وابن المنذر الأوسط ٣/ ٨٤ ح ١٢٧٢ من طريق أبي حذيفة كلهم عن عكرمة به. وعمر بن يونس ثقة، وكذلك كل من عبد الرحمن بن غزوان، والنضر بن محمد - وهو الجرشي - ثقة له أفراد. وأما عاصم بن علي، وأبو حذيفة موسى بن مسعود فقد تكلم في حفظهما وكل واحد منهما صدوق انظر تراجمهم جميعًا في تقريب التهذيب.
[ ١ / ٣٣٠ ]
به، وهو وجه علة الحديث، إذ لم يوجد لعكرمة متابع عن يحيى.
قال الحافظ أبو الفضل ابن عمار الشهيد: "هو حديث تفرد به عكرمة بن عمار عن يحيى، وهو مضطرب في حديث يحيى بن أبي كثير، يقال: إنه ليس عنده كتاب، وحدثني أحمد بن أبي الفضل المكي: حدثنا صالح بن أحمد، ثنا علي، قال: سألت يحيى - يعنى القطان - عن أحاديث عكرمة بن عمار - يعني عن يحيى بن أبي كثير - فضعفها وقال: ليست بصحاح"، ثم ذكر ما رواه أبو زرعة الدمشقي عن أحمد في هذا المعنى (^١).
وكلام ابن عمار في هذا الحديث موافق لإنكار الإمام أحمد للحديث، وفيه انتقاد للإمام مسلم في تخريجه للحديث في الأصول، ولعل وجه إخراج الإمام مسلم له اجتماع عدد من الرواة - وهم خمسة ثلاثة منهم ثقات - على رواية الحديث على وجه واحد، مما يدل على عدم اضطراب عكرمة في رواية هذا الحديث وضبطه له. وكونه يضطرب عن يحيى بن أبي كثير لا يدل على عدم إصابته مطلقًا فيما رواه عنه، إنما يدل على اجتناب ما ظهر خطؤه فيه، وأما ما ظهرت فيه ملامح الإصابة فإنه مقبول، ولا مطعن له فيه. ويؤيد ذلك أن الإمام النسائي أيضًا لما أخرج الحديث سكت عليه، مما يقتضي أنه لا علة له عنده كما ذكر ذلك ابن حجر من منهجه (^٢).
٢. وذكر ابن رجب أيضًا أن الإمام أحمد أنكر عليه حديثه عن يحبى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" (^٣).
_________________
(١) علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج ص ٨٢ - ٨٣.
(٢) نتائج الأفكار ١/ ٤١٣.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٩٦.
[ ١ / ٣٣١ ]
هذا الحديث رواه أبو حذيفة (^١)، وغسان بن عبيد (^٢) كلاهما عن عكرمة ابن عمار، عن يحيى به.
ولم يذكر ابن رجب هنا وجه إعلال الحديث عند الإمام أحمد، وإنما ذكره في أول شرحه على الترمذي. واختلف العقيلي وابن عدي في وجه إعلال الحديث، فقال العقيلي: لا يتابع عليه عكرمة، ثم أسند من طريق سليمان بن بلال، وعبد العزيز بن أبي حازم وغيرهما عن كثير بن زيد، عن وليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وقال: هذا أصلح من حديث عكرمة (^٣). وحديث سليمان بن بلال وابن أبي حازم أخرجهما أبو عوانة (^٤).
وأما ابن عدي فأعل الحديث بأن غير اللذين رويا الحديث على هذا الوجه عن عكرمة أوقفوه على أبي هريرة (^٥)، فجعل العلة ممن دون عكرمة. ولم أقف على رواية الوقف التي أشار إليها.
ومتن الحديث معروف من حديث ابن عمر عند مسلم (^٦)، ومن حديث أبي المليح عن أبيه عند أبي داود وغيره (^٧)، وصحح ابن حجر حديث أبي المليح (^٨).
_________________
(١) أخرجه من طريقه أبو عوانة مسند أبي عوانة ١/ ٢٠٠ ح ٦٤٠، والعقيلي في الضعفاء ٣/ ١٠٧٩.
(٢) أخرجه من طريقه ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ٢٠٣٧.
(٣) الضعفاء للعقيلي ٣/ ١٠٧٩ - ١٠٨٠.
(٤) مسند أبي عوانة ١/ ١٩٩ ح ٦٤٠.
(٥) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٠٣٧.
(٦) صحيح مسلم ١/ ٢٠٤ ح ٢٢٤.
(٧) سنن أبي داود ١/ ٤٨ ح ٥٩، وسنن النسائي ٥/ ٥٦ ح ٢٥٢٤، وسنن ابن ماجه ١/ ١٠٠ ح ٢٧١.
(٨) فتح الباري ١/ ٢٧٨.
[ ١ / ٣٣٢ ]
عمر بن إبراهيم العبدي، أبو حفص البصري:
وثقه أحمد في رواية حرب بن إسماعيل، وقال: ثقة، لا أعلم إلا خيرًا (^١). وكذلك وثقه ابن معين، وعبد الصمد بن عبد الوارث (^٢). وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به (^٣).
وقد تكلم الإمام أحمد في حديثه عن قتادة، قال العقيلي: قال أبو عبد الله: يروي عن قتادة أحاديث مناكير ويخالف (^٤)، ورواه عن أحمد يعقوب بن شيبة (^٥).
وكذلك قال ابن عدي (^٦)، وابن حبان (^٧).
أما يحيى بن معين فوثقه في قتادة. قال عثمان بن سعيد الدارمي: فعمر ابن إبراهيم في قتادة؟ قال: ثقة (^٨).
وذكر العقيلي عن الإمام أحمد أن عباد بن العوامّ روى عن عمر بن إبراهيم حديثًا منكرًا. قال العقيلي: وهذا الحديث حدثناه محمد بن أيوب، وجعفر بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى الفرّاء، قال: حدثنا عباد بن العوام، عن عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخِّروا المغربَ حتى تشتبك النُّجومُ" (^٩).
_________________
(١) الجرح والتعديل ٦/ ٩٨.
(٢) تهذيب الكمال ٢١/ ٢٧١.
(٣) الجرح والتعديل الموضع نفسه.
(٤) الضعفاء للعقيلي ٣/ ٨٩٣.
(٥) تهذيب الكمال ٢١/ ٢٧٠.
(٦) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٧٠١.
(٧) المجروحين ٢/ ٨٩.
(٨) الجرح والتعديل الموضع نفسه.
(٩) الضعفاء للعقيلي الموضع نفسه.
[ ١ / ٣٣٣ ]
والحديث رواه من هذا الوجه ابن ماجه (^١)، وابن خزيمة (^٢)، والطبراني (^٣) والبيهقي (^٤).
ووجه نكارة الحديث أنه لا يرويه عن قتادة بهذا الإسناد إلا عمر بن إبراهيم. قال ابن عدي: "وهذا لا أعلم رواه عن قتادة بهذا الإسناد غير عمر ابن إبراهيم … " (^٥). أما المتن فقد روي بأسانيد أصلح منه كما قال العقيلي.
ومن تلك الأسانيد ما رواه أبو داود (^٦)، وأحمد (^٧)، وابن خزيمة (^٨)، والطبراني (^٩)، والحاكم (^١٠)، والبيهقي (^١١) من طرق عن ابن إسحاق قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي أيوب الأنصاري بمثل هذا اللفظ. وصححه الحاكم (^١٢)، والألباني (^١٣). إلا أنه معلول، فقد رواه حيوة ابن شريح، وابن لهيعة، وعبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران التجيبي، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ أنه قال: "بادروا بصلاة المغرب طلوع النجوم". ذكره ابن أبي حاتم من طريق حيوة وابن لهيعة (^١٤). وأخرجه
_________________
(١) السنن ١/ ٢٢٥ ح ٦٨٩.
(٢) صحيح ابن خزيمة ١/ ١٧٥ ح ٣٤٠.
(٣) المعجم الأوسط ٢/ ٢١٤ ح ١٧٧٠.
(٤) السنن الكبرى ١/ ٤٤٨.
(٥) الكامل في ضعفاء الرجال الموضع نفسه.
(٦) السنن ح ٤١٨.
(٧) المسند ٢٨/ ٥٦٥ ح ١٧٣٢٩.
(٨) صحيح ابن خزيمة ١/ ١٧٤ ح ٣٣٩.
(٩) المعجم الكبير ٤/ ١٨٣ ح ٤٠٨٣.
(١٠) المستدرك ١/ ١٩٠.
(١١) السنن الكبرى ١/ ٣٧٠.
(١٢) الموضع نفسه.
(١٣) صحيح الجامع الصغير ٧٢٨٥.
(١٤) علل ابن أبي حاتم ١/ ١٧٧.
[ ١ / ٣٣٤ ]
أحمد (^١)، والطبراني (^٢)، والدارقطني (^٣) من طريق ابن لهيعة. وأخرجه الطبراني من طريق عبد الحميد بن جعفر، وحيوة بن شريح (^٤)، لكن لفظ حديث حيوة: كنا نصلي المغرب حين تجب الشمس. قال أبو زرعة الرازي: "حديث حيوة أصح" (^٥). وهذه العلة ليست قادحة، فإن غايتها إبدال راوٍ ثقة بآخر ثقة مثله، فإن كلًا من مرثد بن عبد الله اليزني الراوي عن أبي أيوب في إسناد ابن إسحاق، وأسلم أبي عمران الراوي في إسناد حيوة ومن معه، كل منهما ثقة (^٦).
وروي الحديث من حديث السائب بن يزيد أيضًا، أخرجه أحمد (^٧)، والطبراني (^٨)، والبيهقي (^٩)، ولفظه: "لا نزال أمتي على الفطرة ما صلوا المغرب قبل طلوع النجوم". وفي سنده عبد الله بن الأسود القرشي، قال أبو حاتم: لا أعلم روى عنه غير ابن وهب (^١٠)، فهو في حكم المجهول.
وكلا الإسنادين أصلح من إسناد عمر بن إبراهيم العبدي عن قتادة.
وذكر ابن عدي والعقيلي أحاديث أخرى لعمر بن إبراهيم عن قتادة مما لم يوافقه عليها أحد (^١١).
_________________
(١) المسند ٣٨/ ٥٠٣ ح ٢٣٥٢١.
(٢) المعجم الكبير ٤/ ١٧٦ ح ٤٠٥٨.
(٣) السنن ١/ ٢٦٠.
(٤) المعجم الكبير ح ٤٠٥٧، ٤٠٥٩.
(٥) علل ابن أبي حاتم الموضع نفسه.
(٦) انظر: تقريب التهذيب ٤٠٨، ٦٥٩١.
(٧) المسند ٢٤/ ٤٩٣ ح ١٥٧١٧.
(٨) المعجم الكبير ح ٦٦٧١.
(٩) السنن الكبرى ١/ ٤٤٨.
(١٠) الجرح والتعديل ٥/ ٢.
(١١) انظر: الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٧٠٠، والضعفاء للعقيلي ٣/ ٨٩٤.
[ ١ / ٣٣٥ ]
عمرو بن الحارث المصري (^١):
أثنى عليه الإمام أحمد في رواية أبي داود.
قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: ليس فيهم - يعني أهل مصر - أصح حديثًا من الليث، وعمرو بن الحارث يقاربه" (^٢).
وقال الأثرم: "سمعت أبا عبد الله يقول: ما في هؤلاء المصريين أثبت من الليث بن سعد، لا عمرو بن الحارث ولا أحد، وقد كان عمرو بن الحارث عندي، ثم رأيت له أشياء مناكير" (^٣).
والمقصود بالمناكير هي في روايته عن قتادة.
قال الأثرم: "عمرو بن الحارث حمل عليه - يعني الإمام أحمد - حملًا شديدًا، قال: يروي عن قتادة أحاديث يضطرب فيها ويخطئ" (^٤).
ونقل العيني عن الإسماعيلي أنه قال: "تكلم أحمد في حديث عمرو، عن قتادة، أن أنس بن مالك ﵁ حدثه "أن رسول الله ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمُحَصَّب، ثم ركب إلى البيت فطاف به" (^٥).
والحديث رواه البخاري (^٦)، من طريق عمرو بن الحارث، عن قتادة به، ثم قال البخاري: "تابعه الليث: حدثني خالد، عن سعيد، عن قتادة أن أنس بن مالك ﵁ حدثه عن النبي ﷺ"، فلم ينفرد عمرو بن الحارث به عن قتادة، فهو مما يدفع
_________________
(١) روى له الجماعة، وهو ثقة فقيه حافظ. مات قبل الخمسين ومائة تقريب التهذيب ٥٠٣٩.
(٢) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٣٧٣ رقم ٥٩١.
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ١٢.
(٤) تهذيب الكمال ٢١/ ٥٧٣.
(٥) عمدة القاري ١٠/ ٩٥.
(٦) صحيح البخاري ٣/ ٥٨٥ ح ١٧٥٦.
[ ١ / ٣٣٦ ]
الإنكار عنه في روايته له عن قتادة.
قال الدكتور صالح الرفاعي: "وما تقدم عن الإمام أحمد في رواية عمرو بن الحارث عن قتادة إنما هو من قبيل التضعيف النسبي، وذلك أن الإمام أحمد كان يرى أن عمرو بن الحارث أثبت المصريين كما تقدم، ثم لما رأى له بعض الأخطاء قدّم الليث بن سعد عليه، فذكر ما تقدم في مجال تِعداد أخطاء عمرو التي جعلته يقدم الليث بن سعد عليه" (^١).
قبيصة بن عُقبة السُّوائي الكوفي ت (٢١٥) هـ:
تلكم الإمام أحمد في حديثه عن سفيان الثوري.
قال حنبل بن إسحاق: "قال أبو عبد الله: كان يحيى بن آدم أصغر من سمع من سفيان عندنا، قال: وقال يحيى: قبيصة أصغر مني بستنين. قلت له: فما قصة قبيصة في سفيان؟ فقال أبو عبد الله: كان كثير الغلط قلت له: فغير هذا؟ قال: كان صغيرًا لا يضبط. قلت له: فغير سفيان؟ قال: كان قبيصة رجلًا صالحًا ثقة، لا بأس به في بدنه، وأي شيء لم يكن عنده في الحديث، يذكر أنه كثير الحديث" (^٢).
فذكر وجهين لطعنه في حديثه عن الثوري: استصغاره حين سمع منه، وكثرة غلطه في حديثه عنه. والظاهر أن الإمام أحمد ذكر صغر سنه للتعليل به لكثرة غلطه في حديثه عن الثوري، وإلا فسماعه من الثوري كان بعد سن التمييز، فذكر هارون بن عبد الله الحمَّال أنه سمع قبيصة يقول: "جالست الثوري وأنا ابن ست عشرة سنة ثلاثَ سنين" (^٣).
_________________
(١) الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم ص ١٠٩.
(٢) تاريخ بغداد ١٢/ ٤٧٤، وانظر: تهذيب الكمال ٢٣/ ٤٨٤.
(٣) تهذيب الكمال ٢٣/ ٤٨٨.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وقد ردّ محمد بن عبد الله بن نمير على من استصغر قبيصة في الثوري، فقال أبو زرعة الدمشقي: "حدثني أحمد بن أبي الجواري قال: قلت للفريابي: رأيت قبيصة عند سفيان؟ قال: نعم، رأيته صغيرًا. قال أبو زرعة: فذكرته لمحمد بن عبد الله بن نمير فقال: لو حدثنا قبيصة عن النخعي لقبلنا منه" (^١).
وممن تكلم في حديث قبيصة عن الثوري يحيى بن معين؛ قال في رواية ابن أبي خيثمة: "قبيصة ثقة في كل شيء إلا في حديث سفيان، ليس بذاك القوي" (^٢).
وقال يعقوب بن شيبة: "كان ثقة صدوقًا فاضلًا، تكلموا في روايته عن سفيان خاصة، وكان ابن معين يضعف روايته عن سفيان" (^٣).
وقال صالح بن محمد الحافظ: "كان رجلًا صالحًا إلا أنهم تكلموا في سماعه من سفيان" (^٤).
وقد ذكر الإمام أحمد بعض ما غلط فيه قبيصة من حديثه عن الثوري، منها:
قال عبد الله: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا قبيصة، قال أخبرنا سفيان، عن عمران بن مسلم، عن سُويْد بن علقمة، قال سمعت عمر يقول: لو استطعت الأذان مع الخِلِّيفِي (^٥) لفعلتُ. فحدثت أبي هذا الحديث، فقال: ليس هذا من حديث عمران بن مسلم إنما هو من حديث إسماعيل أو بيان عن قيس، توهمَّه قبيصة" (^٦).
_________________
(١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٥٨٠ رقم ١٦٢٥، ١٦٢٦.
(٢) الجرح والتعديل ٧/ ١٢٦.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٨١٢.
(٤) تهذيب الكمال ٢٣/ ٤٨٦.
(٥) قال ابن الأثير: الخليفى - بالكسر والتشديد والقصر - الخلافة، كالرِّمِّيا والدِّلِّيلا مصدر يدل على معنى الكثرة، يريد به كثرة اجتهاده في ضبط أمور الخلافة وتصريف أعنتها النهاية ٢/ ٦٩.
(٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣١٧ رقم ٥٤١٥.
[ ١ / ٣٣٨ ]
هذا الأثر رواه محمد بن فُضيل، عن بيان بن بشر، عن قيس، عن عمر؛ ورواه يزيد بن هارون، ووكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن عمر. أخرج الطريقين ابن أبي شيبة (^١). فخطّأ الإمام أحمد رواية قبيصة، حيث وهِم على الثوري فذكر الحديث من طريق عمران بن مسلم، وليس بصحيح.
ومنها:
قال أبو داود: "سمعت أحمد سئل عن حديث قبيصة، عن سفيان، عن سلمة بن كُهيل، عن مسلم البطّين، عن أبي العُبيدَين، عن عبد الله: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣] قال: السَّفّاكين الدماء. قال أحمد: ليس من هذا شيء، يُنكره على قبيصة" (^٢).
أبو العبيدين هو معاوية بن ميسرة السوائي الكوفي، سمع ابن مسعود، روى عنه مسلم البطين، ويحيى بن الجزار (^٣). والأثر أخرجه البخاري في ترجمته (^٤).
ولم يتبين لي وجه إنكار الإمام أحمد لهذه الرواية إلا أن يكون قبيصة تفرد بها عن الثوري، وليس ممن يقبل تفرده عن الثوري. وهذا التفسير قد روي من أوجه أخرى عن مجاهد بن جبر (^٥).
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢٠٣ ح ٢٣٣٤، ١/ ٢٠٤ ح ٢٣٤٥.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤١٠ رقم ١٩٢٦.
(٣) التاريخ الكبير ٧/ ٣٢٩. ووثقه ابن معين، والعجلي الجرح والتعديل ٨/ ٣٧٨، معرفة الثقات ٢٢٠٣، تهذيب الكمال ٢٨/ ١٧٣.
(٤) الموضع نفسه.
(٥) انظر: جامع البيان ٢٤/ ٦٩. ومن أخطائه في حديثه عن الثوري ما ذكره الإمام مسلم في: كتاب التمييز ص ١٨٩ - ١٩٠ قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا قبيصة، ثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عياض، عن أبي سعيد قال: [كنا نورثه على عهد رسول الله ﷺ يعني الجد]. قال الإمام مسلم: هذا خبر صحف فيه قبيصة، وإنما كان الحديث بهذا الإسناد عن عياض، قال: [كنا نؤديه على عهد رسول الله ﷺ يعني في الطعام وغيره في زكاة الفطر]، فلم يقر قراءته فقلب قوله إلى أن قال: نورثه، ثم قلب له معنى فقال: يعني الجد.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وكثرة غلط قبيصة في روايته عن الثوري أمر نسبي، وليس تضعيفًا مطلقًا لروايته عن الثوري، فقد ذكر للإمام أحمد كما في رواية ابنه عبد الله قبيصة وأبا حذيفة فقال: "قبيصة أثبت منه جداًّ - يعني في حديث سفيان - أبو حذيفة شبه لا شيء، وقد كتبتُ عنهما جميعًا" (^١). فكثرة غلطه لم يوصله إلى حد التضعيف في الثوري الذي يفهم من قول أحمد في أبي حذيفة: شبه لا شيء، فيحمل ذلك على كثرة الغلط بالنسبة للحفاظ من أصحاب الثوري مثل يحيى القطان، وابن مهدي، ووكيع، وقد سمع أحمد منهم جميعًا (^٢).
وقد كان قبيصة من الحفاظ، قال أبو حاتم: "لم أر من المحدثين من يحفظ ويأتي بالحديث على لفظ واحد لا يغيره سوى قبيصة، وأبي نعيم في حديث الثوري، ويحيى الحماني في حديث شريك، وعلي بن الجعد في حديثه" (^٣).
وقال الفضل بن سهل الأعرج: "كان قبيصة يحدث بحديث الثوري على الولاء درسًا درسًا حفظًا" (^٤). فمن كان بهذه المثابة في تحديثه من حفظه، لا يستبعد أن يقع في بعض الأغلاط بالنسبة لغيره ممن هو أحفظ منه، لا سيما وقد كان كثير الحديث عن الثوري. فذكر الحافظ ابن حجر عن الحسن بن معاوية بن هشام أنه كان عند قبيصة عن الثوري سبعة آلاف حديث (^٥).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٨٦ رقم ٧٥٨.
(٢) انظر: هدي الساري ص ٤٣٦، وتحرير الدكتور صالح الرفاعي: الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم ص ٩٢ - ٩٣.
(٣) الجرح والتعديل ٧/ ١٢٦.
(٤) تهذيب الكمال ٢٣/ ٤٨٧.
(٥) تهذيب التهذيب ١٠/ ٢١٨، واهتديت إلى هذا النقل بواسطة د/صالح الرفاعي الثقات ص ٩٣.
[ ١ / ٣٤٠ ]
وقد أخرج الشيخان لقبيصة عن الثوري، لكن قال الحافظ ابن حجر: "أخرج عنه البخاري أحاديث عن سفيان الثوري وافقه عليها غيره" (^١).
محمد بن عبد الله بن الزبير، أبو أحمد الزبيري ت (٢٠٣) هـ:
قال أحمد: "يأتي بما لا يرويه عامة الناس، وما به بأس" (^٢).
وتكلم في حديثه عن الثوري:
قال حنبل بن إسحاق: "قال أبو عبد الله: أبو أحمد الزبيري كان كثير الخطأ في حديث الثوري" (^٣).
ومع ذلك فقد قدّمه الإمام أحمد في سفيان الثوري على معاوية بن هشام القصّار، وزيد بن الحُباب، وكل واحد منهما ثقة لكن موصوف بكثرة الخطأ (^٤).
وقد وثق أبا أحمد الزبيري ابن معين وقال فيه أبو زرعة وابن خراش: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس (^٥)، وقد أخرج له الشيخان عن الثوري، لكن قال ابن حجر: ما أظن البخاري أخرج له شيئًا من أفراده عن سفيان (^٦).
ولم أقف على ما أعله الإمام أحمد من حديثه عن الثوري.
_________________
(١) هدي الساري الموضع نفسه.
(٢) بحر الدم ٩٠٢.
(٣) تاريخ بغداد ٥/ ٤٠٣.
(٤) انظر: تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٢٠، سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ٤٣٢، تهذيب التهذيب ١٠/ ٢١٨، ٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤.
(٥) تهذيب الكمال ٢٥/ ٤٨٠.
(٦) هدي الساري ص ٤٤٠.
[ ١ / ٣٤١ ]
أبو معاوية محمد بن خازم التميمي الضرير ت (١٩٥) هـ (^١):
كان من شيوخ الإمام أحمد. وقال أحمد: أبو معاوية من أحفظ أصحاب الأعمش (^٢).
وتكلم الإمام أحمد في حديثه عن هشام بن عروة.
قال أبو داود: "قلت لأحمد: كيف حديث أبي معاوية عن هشام بن عروة؟ قال: فيها مضطربة، يرفع منها أحاديث إلى النبي ﷺ" (^٣).
ومما أخطأ فيه من حديثه عن هشام بن عروة:
قال عبد الله: "ذكرت لأبي حديث أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة: أن النبي ﷺ أمرها أن توافيه يوم النحر صلاة الصبح بمكة. قال أبي: فذكرت ذلك ليحيى بن سعيد فقال: هشام قال: أخبرني أبي مرسلًا، وقال: تُوافي، لأن أبا معاوية قال: توافيه، وأخطأ فيه، فقال لي يحيى: سَل عبد الرحمن، فسألته، فحدثني، عن سفيان، عن هشام، عن أبيه مرسلًا، وقال: تُوافي مثل ما قال يحيى عن هشام، وابن عيينة مثل يحيى وعبد الرحمن، وأخطأ وكيع فيه: قال: توافي بمنى، أخطأ لأن الحديث قال: توافي يوم النحر، فقال وكيع: بمنى، وأخطأ فيه" (^٤).
وروى الأثرم قريبًا من هذا، قال: "قال لي أبو عبد الله - يعني أحمد بن حنبل ﵀ حدثنا أبو معاوية، عن هِشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة أن رسول الله
_________________
(١) أخرج له الجماعة. وقال الحافظ ابن حجر فيه: ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حدث غيره تقريب التهذيب ٥٨٧٨.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥٤١ رقم ١٢٨١.
(٣) مسائل الإمام أحمد بن حنبل - برواية أبي داود ص ٣٠١.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٦٨ رقم ٢٦٣٧.
[ ١ / ٣٤٢ ]
ﷺ أمرها أن توافيه يوم النحر بمكة، ولم يُسند ذلك، وهو خطأ، قال أحمد: وقال وكيع، عن هشام، عن أبيه مرسلًا أن النبي ﷺ أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة (^١) أو نحو هذا، قال: وهذا أيضًا عجيب، ما يفعل النبي ﷺ يوم النحر بمكة، قال: فجئت إلى يحيى بن سعيد القطان فسألته فقال: عن هشام، عن أبيه أن النبي ﷺ أمرها أن توافي ليس فيه هاء. قال أحمد: وبين هذين فرق قال: وقال لي يحيى: سل عبد الرحمن، هو ابن مهدي، فسألته فقال: هكذا عن سفيان، عن هشام، عن أبيه: توافي. ثم قال لي أبو عبد الله: رحم الله يحيى، ما كان أضبطه، وأشدّه، كان محدثًا، وأثنى عليه فأحسن الثناء عليه" (^٢).
رواية أبي معاوية أخرجها مسلم (^٣)، وإسحاق (^٤)، والطحاوي (^٥)، والطبراني (^٦)، والبيهقي (^٧)، وذكرها البخاري تعليقًا (^٨)، كلهم عن أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة ﵂ قالت: [أمرها رسول الله ﷺ يوم النحر أن توافي معه صلاة الصبح بمكة]. وذكر الإمام أحمد أن أبا معاوية أخطأ في روايته هذه عن هشام بن عروة في موضعين: الأول في وصلها، والثاني في لفظها حيث قال: [توافيه يوم النحر صلاة الصبح
_________________
(١) كذا وقع، وإنما هو: بمنى، كما أفاد ذلك رواية أبي عبد الله، وهكذا روى وكيع هذا الحديث عن هشام. أخرجه ابن أبي شيبة المصنف ٣/ ٢٣٤ ح ١٣٧٥٦، ومسلم التمييز ص ١٨٧، والبخاري تعليقًا التاريخ الكبير ١/ ٧٥.
(٢) شرح معاني الآثار ٢/ ٢٢١، وانظر: فتح الباري ٣/ ٤٨٧.
(٣) كتاب التمييز ص ١٨٦.
(٤) مسند إسحاق بن راهويه ١/ ٦٢ ح ١٠.
(٥) شرح معاني الآثار ٢/ ٢١٩.
(٦) المعجم الكبير ٢٣/ ٣٤٣ ح ٧٩٩.
(٧) السنن الكبرى ٥/ ١٣٣. ولم يقل البيهقي في روايته: معه. ولعل سقطت من الناسخ.
(٨) التاريخ الكبير ١/ ٧٤.
[ ١ / ٣٤٣ ]
بمكة]. وإنما حكم الإمام أحمد على روايته بالخطأ لأن غيره ممن هو أحفظ منه في هشام قد خالفه، فرواه يحيى القطان، عن هشام عن أبيه مرسلًا، وقال في لفظه: [توافي يوم النحر صلاة الصبح بمكة]. ذكر الإمام أحمد هذه الرواية، وذكرها مسلم أيضًا تعليقًا، وذكر أنها رواية عبدة بن سليمان عن هشام (^١). وكذلك روى الحديث عبد الرحمن بن مهدي، عن الثوري، عن هشام فيما ذكره الإمام أحمد. ورواه ابن عيينة، عن هشام. أخرج روايته مسلم (^٢). ورواه حماد بن سلمة (^٣)، وعبد العزيز الدراوردي (^٤)، وعبد الله بن جعفر الزهري (^٥) كلهم عن هشام، عن أبيه قال: [دار رسول الله ﷺ إلى أم سلمة يوم النحر فأمرها أن تعجل الإفاضة من جمع حتى تأتي مكة فتصلي بها الصبح، وكان يومها فأحب أن توافقه]، وفي لفظ حماد بن سلمة: [فرمت جمرة العقبة وصلت الفجر بمكة].
وهناك وجه من النظر قاض بخطأ رواية أبي معاوية، وهو أن النبي ﷺ صلى الصبح في حجته يوم النحر بالمزدلفة، وتلك سنة رسول الله ﷺ، فكيف يأمر أم سلمة أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة، وهو حينئذ يصلي بالمزدلفة؟ (^٦).
فهذا مثال لما أخطأ فيه أبو معاوية في حديثه عن هشام بن عروة.
وحديث أبي معاوية عن هشام مخرج عند الجماعة (^٧)، لكن قال ابن حجر: لأبي معاوية عند البخاري عن هشام بن عروة عدة أحاديث توبع عليها (^٨).
_________________
(١) التمييز الموضع نفسه.
(٢) الموضع نفسه.
(٣) أخرج حديثه الطحاوي ٢/ ٢١٨.
(٤) أخرج حديثه البيهقي السنن الكبرى ٥/ ١٣٣.
(٥) أخرج حديثه ابن أبي شيبة مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٢٠٩.
(٦) انظر: التمييز ص ١٨٦.
(٧) انظر: تهذيب الكمال ٢٥/ ١٢٥.
(٨) هدي الساري ص ٤٣٨.
[ ١ / ٣٤٤ ]
والظاهر أن الإمام مسلمًا أيضًا تجنب تلك الأحاديث التي أخطأ فيها عن هشام، بدليل ما ذكره في "كتاب التمييز" من خطئه في حديث هشام بن عروة، والعلم عند الله.
وتكلم الإمام أحمد أيضًا في حديث أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر العمري.
قال أحمد: "هو يضطرب في أحاديث عبيد الله - يعني ابن عمر" (^١).
قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: كان أبو معاوية يخطئ في غير شيء عن عبيد الله، ذكر منها في المطلقة والمتوفى عنها في العدة، قال أحمد: ليس أحد يقول المطلقة غيره" (^٢).
وهذا الأثر الذي ذكره الإمام أحمد لم أهتد إليه، وقد روى أبو معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال في المرأة يطلقها زوجها ثم يموت عنها قال: [عدتها من يوم طلقها، ومن يوم يموت عنها]. أخرجه ابن أبي شيبة (^٣). فلعله يقصده.
ولم أقف على مثال آخر عن الإمام أحمد لما أخطأ فيه أبو معاوية عن عبيد الله العمري (^٤).
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٨١٢.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٠١.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ١٦٠ ح ١٨٩١٧.
(٤) وقد ذكر ابن أبي حاتم قال: سألت أبا زرعة عن حديث رواه أبو معاوية عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "لايلبس المحرم ثوبًا مسه الورس ولا الزَّعفران إلا ان يكون غسيلًا" قال أخطأ أبو معاوية في هذه اللفظة إلا ان يكون غسيلا علل ابن أبي حاتم ١/ ٢٧١ ح ٧٩٨. وانظر أيضًا مثالًا آخر عند الدارقطني: علل الدارقطني ٢/ ١٣ - ١٤، ٢/ ٥١.
[ ١ / ٣٤٥ ]
معمر بن راشد الأزدي ت (١٥٤) هـ:
تكلم الإمام أحمد في حديثه عن الأعمش، قال: "أحاديث معمر عن الأعمش التي يغلط فيها، ليس هو من عبد الرزاق، إنما هو من معمر، يعني الغلط" (^١).
وأما غير الإمام أحمد كابن معين، والأثرم، الدارقطني، فذكروا أنه سيئ الحفظ جداًّ عن الأعمش (^٢).
وقد روى الفسوي ما يدل على سبب ذلك: قال: سمعت زيد بن المبارك، يذكر عن محمد بن ثور، عن معمر قال: سقطت مني صحيفة الأعمش، فإنما أتذكر حديثه، وأحدث من حفظي" (^٣). فمن هذا السبب وقعت الأخطاء في روايته عن الأعمش. ولم يخرج الأئمة الستة شيئًا من حديثه عن الأعمش (^٤). قال ابن حجر: لم يخرج له البخاري من روايته عن الأعمش شيئًا (^٥).
مُغيرة بن مِقسَم ت (١٣٦) هـ:
قال عبد الله: وسمعته - أبا عبد الله - وذكر مُغيرة بن مِقسَم الضبي، فقال: كان صاحب السنة ذَكِيًّا حافظًا، وعامة حديثه عن إبراهيم مدخول، عامة ما روى عن إبراهيم إنما سمعه من حماد ومن يزيد بن الوليد والحارث العكلي وعن عبيدة وعن غيره، وجعل يضعف حديث المغيرة عن إبراهيم وحده (^٦).
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٢٠.
(٢) الموضع نفسه.
(٣) المعرفة والتاريخ ٣/ ٢٩.
(٤) لم يرمز المزي لأحد من الأئمة الستة أنه أخرج لمعمر عن الأعمش تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٠٤، وقد أخرج له ابن ماجه حديثًا ح ١٠٩٤.
(٥) هدي الساري ص ٤٤٤.
(٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٢٠٧/٢١٨.
[ ١ / ٣٤٦ ]
كان أحمد يضعف حديث مغيرة بن مِقسَم عن إبراهيم النخعي وحده (^١). ونقل ابن حجر عن أحمد أنه قال: كان يدلسها كان سمعها من حماد (^٢).
أبو بكر بن عياش:
قال أحمد: قد اختلفوا في اسمه وغلبت عليه كنيته (^٣).
وقد وثقه أحمد في رواية ابنه صالح فقال: صدوق ثقة صاحب قرآن وخير (^٤). وقال في رواية عبد الله: ثقة ربما غلط (^٥).
يشير بهذا إلى أنه دون الحفاظ المتقنين، ومن أجل ذلك قال: ليس هو مثل زائدة، وزهير، وسفيان (^٦) يعني من الحفاظ الكوفيين ممن هم في طبقته. وكذلك قدم عليه إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق.
قال مهنا بن يحيى: سألت أحمد بن حنبل أيهما أحب إليك: إسرائيل أو أبو بكر ابن عياش؟ فقال: إسرائيل. قلت لم؟ قال: لأن أبا بكر كثير الخطأ جدًا. قلت: كان في كتبه خطأ؟ قال: لا، كان إذا حدّث من حفظه (^٧).
وهذه الرواية تشير إلى أن أبا بكر بن عياش عند الإمام أحمد كان كثير الخطأ إذا حدّث من حفظه، وأما كتابه فهو صحيح، ومع ذلك فقد جعله مقارب الحديث عن بعض الشيوخ، وجعله عن البعض الآخر مضطرب الحديث،
_________________
(١) تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٩٩.
(٢) هدي الساري ص ٤٤٥.
(٣) تاريخ بغداد ١٤/ ٣٧٢.
(٤) الجرح والتعديل ٩/ ٣٤٢.
(٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٨٠/٣١٥٥.
(٦) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٧٢.
(٧) تاريخ بغداد ١٤/ ٣٧٩.
[ ١ / ٣٤٧ ]
فجعله مضطرب الحديث عن:
١. صغار الشيوخ دون كبارهم:
قال الفسوي: حدثني الفضل - يعني ابن زياد - قال: سألت أبا عبد الله قلت: "الأسود بن عامر، عن أبي بكر بن عياش، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "لم تُحبس - أو تردّ - الشمسُ على أحد إلا يوشع بن نون" قال: نعم هكذا أو نحو هذا. قلت: رواه غير الأسود عن أبي بكر؟ قال: لم أسمعه إلا من الأسود. ثم قال أبو عبد الله: أبو بكر يضطرب في حديث هؤلاء الصغار، فأما حديثه عن أولئك الكبار ما أقربه، عن أبي حصين، وعاصم، وإنه يضطرب عن أبي إسحاق أو نحو ذا" (^١).
فذكر أن من كبار شيوخه أبي حَصين - عثمان بن عاصم - وعاصم ابن أبي النجود، ومن صغارهم هشامًا وهو ابن حسّان القردوسي البصري. وأبو حصين وعاصم من الطبقة الرابعة من تابعي أهل الكوفة عند خليفة بن خياط (^٢)، وفي هذه الطبقة من شيوخ أبي بكر بن عياش يوجد: حصين بن عبد الرحمن السلمي (^٣)، وأبو إسحاق السبيعي (^٤)، وعبد العزيز بن رُفيع (^٥)، وكذلك سفيان
_________________
(١) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٧٢، وانظر: تاريخ بغداد ١٤/ ٣٧٩، والمنتخب من علل الخلال ص ١٨١/ ١٠١.
(٢) طبقات خليفة بن خياط ص ١٥٩. وهما في الطبقة الثالثة من التابعين من أهل الكوفة عند ابن سعد الطبقات الكبرى ٦/ ٣٢٠، ٣٢١. وقد اعتمدت هذين الكتابين في تصنيف شيوخ أبي بكر بن عياش على الطبقات لأن الكتابين كليهما جعلا أساس تقسيم الطبقات - فيما عدا الصحابة - قائمًا على اعتبار اللقي بين الصحابة والتابعين انظر: علم الرجال نشأته وتطوره من القرن الأول إلى نهاية القرن التاسع ص ٧٠.
(٣) المصدر نفسه ص ١٦٠، وهو في الثالثة عند ابن سعد الطبقات الكبرى ٦/ ٣٢٤.
(٤) طبقات خليفة بن خياط ص ١٦٢، الطبقات الكبرى ٦/ ٣١٣.
(٥) الطبقات الكبرى ٦/ ٣٢٣. وجعله خليفة في الطبقة الخامسة ص ١٦٥، والظاهر أن تصنيف ابن سعد له في الطبقة الثالثة أولى فإنه قد روى عن ابن عمر، وابن عباس، وروى عنه حصين بن عبد الرحمن السلمي انظر: تهذيب الكمال ١٨/ ١٣٤.
[ ١ / ٣٤٨ ]
ابن دينار التّمّار (^١)، وغيرهم.
وفي طبقة الصغار: حميد الطويل (^٢)، والأعمش (^٣)، وإسماعيل بن أبي خالد (^٤)، وأبو إسحاق الشيباني (^٥) وغيرهم.
وبناء على ما ذهب إليه الإمام أحمد من تضعيف حديث أبي بكر بن عياش عن صغار شيوخه فقد أنكر بعض ما تفرد به عن هؤلاء الشيوخ أو خالف فيه غيره ممن هو أولى منه. فمما أنكره مما تفرد به عن بعض صغار شيوخه ما تقدم ذكره في رواية الفضل بن زياد عن الإمام أحمد أنه أنكر الحديث الذي رواه بلفظ: "لم تُحبس - أو تردّ - الشمسُ على أحد إلا يوشع بن نون".
وهذا الحديث أخرجه أحمد في المسند (^٦)، والطحاوي (^٧)، والخطيب (^٨) كلهم من طريق الأسود بن عامر، عن أبي بكر بن عياش، عن هشام بن حسان،
_________________
(١) فقد أدرك محمد بن الحنفية، وسعيد بن جبير، والشعبي، وأبي صالح السمان وطائفة ممن روى عنهم أهل هذه الطبقة، وذكر المزي عن أبي بكر بن عياش أنه قال: قال لي سفيان التمار: أتتني أم الأعمش بالأعمش فأسلمته إلي وهو غلام، قال: فذكرت ذلك للأعمش فقال: ويل أمه، ما أكبره! تهذيب الكمال ١١/ ١٤٤.
(٢) ذكره خليفة مع هشام بن حسان في الطبقة السادسة من أهل البصرة ص ٢١٩، وذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة ٧/ ٢٥٢.
(٣) جعله خليفة رأس الطبقة الخامسة من أهل الكوفة ص ١٦٤، وهو في الطبقة الرابعة عند ابن سعد ٦/ ٣٤٢.
(٤) جعله خليفة في الطبقة السادسة من أهل الكوفة ص ١٦٧، وهو عند ابن سعد في الطبقة الرابعة طبقة الأعمش ٦/ ٣٤٤.
(٥) جعله خليفة في الطبقة الخامسة من أهل الكوفة ص ١٦٥، وجعله ابن سعد في الطبقة الرابعة منهم ٦/ ٣٤٥.
(٦) المسند ١٤/ ٦٥ رقم ٨٣١٥.
(٧) شرح مشكل الآثار برقم ١٠٦٩، ١٠٧٠.
(٨) تاريخ بغداد ٩/ ٨٩.
[ ١ / ٣٤٩ ]
عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الشمس لم تحبس على بشر إلا ليُوشع لياليَ سار إلى بيت المقدس". وقد أعله الإمام أحمد في هذه الرواية عن الفضل بن زياد بأنه من رواية أبي بكر بن عياش عن هشام بن حسان، وهو من صغار شيوخه وروايته عنهم فيها اضطراب.
وجه إعلال الإمام أحمد للحديث:
والذي يظهر أن ذلك راجع إلى تفرد أبي بكر بن عياش برواية الحديث من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة بهذا اللفظ الذي تضمن ذكر يوشع بن نون، فالحديث قد روي من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة بغير هذا اللفظ. أخرجه الشيخان من هذا الوجه بلفظ: "غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعْني رجل ملك بُضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يَبنِ بها، ولا أحدٌ بنى بيوتًا لم يرفع سقوفها، ولا آخر اشترى غنمًا أو خَلِفات وهو ينتظر وِلادَها، فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك فقال للشمس: إنكِ مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحُبست حتى فتح الله عليهم … " (^١).
وروي أيضًا من حديث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة؛ رواه النسائي (^٢)، وأبو عوانة (^٣)، وابن أبي عاصم (^٤) وابن حبان (^٥) كلهم من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه عن قتاة، عن سعيد به بمثل لفظ حديث همام بن منبه. فليس في الروايتين تسمية النبي الذي حبست له الشمس، وإنما ورد هذا من
_________________
(١) صحيح البخاري مع فتح الباري ٦/ ٢٢٠ برقم ٣١٢٤، صحيح مسلم ٣/ ١٣٦٦ رقم ١٧٤٧.
(٢) السنن الكبرى ٥/ ٢٧٧ رقم ٨٨٧٨.
(٣) مستخرج أبي عوانة على صحيح مسلم ٤/ ٢٢٧ رقم ٦٦٠٥.
(٤) الجهاد برقم ١١.
(٥) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١١/ ١٣٥ رقم ٤٨٠٧.
[ ١ / ٣٥٠ ]
رواية أبي بكر بن عياش، عن هشام، عن ابن سيرين، وكذلك ورد في حديث سعيد المقبري، عن أبي هريرة لكنه من قول كعب الأحبار وليس مرفوعًا إلى النبي ﷺ. أخرجه الطبراني (^١)، والحاكم (^٢) بمثل حديث همام وابن المسيب وفيه في آخر الحديث: [فقال كعب - وهو عند أبي هريرة ـ: صدق الله ورسوله، هكذا في كتاب الله يا أبا هريرة، هل حدثكم نبي الله ﷺ أي نبي كان؟ قال: لا، قال كعب: يوشع بن نون، صاحب موسى، فأخبركم أي مدينة هي؟ قال: لا، قال: هي مدينة أَريحا]. فإضافة تسمية النبي صاحب القصة إلى كعب الأحبار أولى من إضافتها إلى رسول الله ﷺ، إذ لم يرد ذلك من طريق سالم من العلة، فأبو بكر بن عياش وإن كان ثقة، فإنه يضطرب في حديثه عن صغار شيوخه مثل هشام بن حسان شيخه في هذا الحديث ولا يضطبه جيدًا، فلا يقبل ما يتفرد به، وخاصة أن ما ذكره معروفٌ من وجه آخر أنه ليس من قول النبي ﷺ، وهذا في نظري هو وجه إعلال الإمام أحمد لحديث أبي بكر بن عياش، حيث جعل ما كان أصله قولًا لكعب مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
وقد اعتمد الحافظ ابن حجر إسناد أبي بكر بن عياش هذا فقال: وقد ورد أصل تسمية هذا النبي من طريق مرفوعة صحيحة، وقال: رجال الإسناد محتج بهم في الصحيح (^٣)، ومن قبله قال ابن كثير عن الإسناد: هو على شرط البخاري (^٤). والحديث ليس على شرط البخاري، لأن البخاري ما أخرج لأبي بكر بن عياش عن هشام بن حسان، وليس الإسناد من شرط الصحيح، لأن
_________________
(١) المعجم الأوسط ٦/ ٣٥٢ رقم ٦٦٠٠.
(٢) المستدرك ٢/ ١٣٩.
(٣) فتح الباري ٦/ ٢٢١.
(٤) البداية والنهاية ٢/ ٢٣٦.
[ ١ / ٣٥١ ]
رجاله وإن كانوا محتجًا بهم في الصحيح لكن ليس ذلك على صورة الاجتماع.
وكذلك صحح الشيخ الألباني هذا الإسناد (^١)، واعتمد على التفصيل الذي ذكره ابن حبان في حالة أبي بكر بن عياش حيث قال ابن حبان: "كان أبو بكر بن عياش من الحفاظ المتقنين، يروى عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وقد روى عنه ابن المبارك وأهل العراق، وكان يحيى القطان وعلى بن المديني يسيئان الرأي فيه، وذلك أنه لما كبر سنه ساء حفظه، فكان يهم إذا روى، والخطأ والوهم شيئان لا ينفك عنهما البشر فلو كثر خطؤه حتى كان الغالب على صوابه لا يستحق مجانبة رواياته، فأما عند الوهم يهم أو الخطأ يخطئ لا يستحق ترك حديثه بعد تقدم عدالته وصحة سماعه … والصواب في أمره مجانبة ما علم أنه أخطأ فيه والاحتجاج بما يرويه سواء وافق الثقات أو خالفهم لأنه داخل في جملة أهل العدالة ومن صحت عدالته لم يستحق القدح ولا الجرح إلا بعد زوال العدالة عنه بالجرح وهكذا حكم كل محدث ثقة صحت عدالته وتبين خطاؤه" (^٢). فقوله: الاحتجاج بما يرويه سواء وافق الثقات أو خالفهم، يدل على قبول ما تفرد به، لكن الإمام أحمد بسبره لحديث أبي بكر بن عياش عن شيوخه قد ذكر جرحًا مفسرًا، فيقدم على هذا التعديل المبهم.
وكذلك لم يقبل الإمام أحمد حديثًا آخر لأبي بكر بن عياش عن بعض صغار شيوخه لتفرده به فذكر الخلال عن الفضل بن زياد:
قال الفضل بن زياد: قلت: الحديث الذي رواه أبو بكر بن عيّاش، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة: [أن رجلًا جاء إلى بيته، فرأى ما بهم من
_________________
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/ ٣٤٨.
(٢) الثقات لابن حبان ٦/ ٦٦٩ - ٦٧٠.
[ ١ / ٣٥٢ ]
الحاجة، فخرج إلى الصحراء، فلما رأتْ ذلك امرأتُه قامتْ إلى الرّحى فوضعتها، وإلى التَّنُّور فسجرتْه، ثم قالت: اللهم ارزقنا، فنظرت فإذا الجفنة قد امتلأت، وذهبت إلى التنور فوجدته مُمتلئًا، فلما جاء الزوج قال: أصبتُم بعدي شيئًا؟ قالت امرأتُه: نعم، من ربِّنا. قال: قام إلى الرحى فرفعها فذكر ذلك للنبي ﷺ قال: "أما إنه لو لم يرفعها لم تزل إلى يوم القيامة". قال: ما أدري أيش هذا، أبو بكر يضطرب عن هؤلاء (^١).
هذا الحديث أخرجه أحمد (^٢) عن الأسود بن عامر عن أبي بكر بن عياش به، وأخرجه البزار (^٣)، والطبراني (^٤)، والعقيلي (^٥)، والبيهقي (^٦) كلهم من طرق عن أحمد ين يونس، عن أبي بكر بن عياش به.
قال البزار: لا نعلم رواه عن هشام إلا أبو بكر بن عياش. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن سيرين إلا هشام بن حسّان، ولا عن هشام بن حسان إلا أبو بكر بن عياش، تفرد به: أحمد بن يونس. ا. هـ.
وجه إعلال الإمام أحمد للحديث:
أعله الإمام أحمد بقوله: ما أدري أيش هذا، أبو بكر يضطرب عن هؤلاء. ا. هـ. هذا يدل على عدم قبوله للحديث لتفرد أبي بكر بروايته عن شيخ يضطرب في حديثه، وهو هشام بن حسّان. وقد وافق الإمام أحمد على إنكار هذا
_________________
(١) المنتخب من علل الخلال ص ١٨٢.
(٢) المسند ١٦/ ٣٨٤ رقم ١٠٦٥٨.
(٣) كشف الأستار ٤/ ٢٦٧ رقم ٣٦٨٧.
(٤) المعجم الأوسط ٥/ ٣٧٠ رقم ٥٥٨٨.
(٥) كتاب الضعفاء ٢/ ٥٦٨.
(٦) شعب الإيمان ٢/ ١١٦ رقم ١٣٣٩، وفي دلائل النبوة ٦/ ١٠٥.
[ ١ / ٣٥٣ ]
الحديث العقيلي فقال بعد روايته للحديث: يروي أبو بكر عن البصريين، عن حميد وهشام، غير حديث منكر. ا. هـ (^١). وقد أوضح العقيلي وجه علة هذا الحديث فروى عن محمد بن إسماعيل - هو الصائغ - قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: حدثنا خالد بن عبد الله، عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة [أن رجلًا مؤمنًا كانت تحته امرأة مؤمنة، وذلك في بني إسرائيل، وأنهم أصبحوا يومًا وليس عندهم طعام، فغسلت الخواز وغسلت الجفنة، وسجرت التنور وجعلت تعلل زوجها حتى نام، فقامت إلى جفنتها فوجدتها ملآة تدفق عجينًا قد اختمر، فذهبت إلى التنور فإذا فيه حنب لحم، فقال زوجها: من تصدق علينا؟ فقالت: الرب ﵎ تصدق علينا]. قال العقيلي: وهذا أولى من حديث أبي بكر بن عياش (^٢). أي ليس فيه شيء مرفوع إلى النبي ﷺ.
فتبين بهذا أن أصل الحديث موقوف على أبي هريرة وأنه من الإسرائيليات، وليس فيه قول النبي ﷺ، فرواه أبو بكر بن عياش بزيادة قول النبي ﷺ في آخر الحديث، وأُسند الخطأ إليه لأنه معروف بقلة ضبطه لحديث هشام بن حسان (^٣).
_________________
(١) كتاب الضعفاء ٢/ ٥٦٨.
(٢) كتاب الضعفاء ٢/ ٥٦٩، وأفاد المحقق بأن هذا مأخوذ من النسخة الناقصة. ا. هـ. وليس موجودًا في بعض نسخ الضعفاء المطبوعة.
(٣) وقد روى الإمام أحمد الحديث من طريق عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة بمثل رواية أبي بكر عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة وفيه: قال أبو هريرة: [فوالذي نفس أبي القاسم بيده عن قول محمد ﷺ: "لو أخذت ما في رحييها ولم تنفضها لطحنتها إلى يوم القيامة"]. المسند ١٥/ ٢٧٦ رقم ٩٤٦٤. وفيه شهر بن حوشب وقد تركوه انظر: تهذيب الكمال ١٢/ ٥٨٢، لكن رواية عبد الحميد ابن بهرام عنه مقاربة كما قال الإمام أحمد الموضع السابق. ورواه البيهقي في دلائل النبوة ٦/ ١٠٥ - ١٠٦ من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بنحوه. قال ابن كثير: وهذا الحديث غريب سندًا ومتنًا البداية والنهاية ٦/ ١١٩. وعبد الله بن صالح وإن كان صدوقًا لكن له مناكير كثيرة وأحاديث يخالف فيها انظر: المجروحين ٢/ ٤٠، تهذيب التهذيب ٥/ ٢٦٠
[ ١ / ٣٥٤ ]
وقال الذهبي: هذا حديث منكر (^١).
ومن صغار شيوخ أبي بكر بن عياش الذين تكلم الإمام أحمد في أحاديثه عنهم: إسماعيل بن أبي خالد، فروى أبو داود في مسائله قال: سمعت أحمد حدّث عن أبي بكر بن عياش، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي، عن علي في المفقود قال: ليس هذا من حديث إسماعيل … (^٢).
ولم أقف على هذه الرواية التي ذكرها الإمام أحمد، لكن روى سعيد بن منصور عن هشيم، نا إسماعيل بن أبي خالد، والشيباني، عن الشعبي أنه قال في امرأة المفقود: [إذا تزوجت فحملت من زوجها الآخر ثم بلغها أن زوجها الأول حي يفرق بينها وبين زوجها الآخر، فإن مات زوجها الأول فإنها تعتد من هذا الآخر بقية حملها فإذا وضعت اعتدتْ من الأول أربعة أشهر وعشرًا وورثته] (^٣). فرواه من قول الشعبي وليس عن علي، فلعل هذا ما يقصده الإمام أحمد في كلامه على رواية أبي بكر بن عياش، حيث جعل الحديث من قول علي، ببينما هو من قول الشعبي، والمعروف عن علي في المفقود هو ما رواه سعيد بن منصور أيضًا، عن جرير الضبي، عن منصور، عن الحكم قال: قال علي: [إذا فقدت المرأة زوجها فلا تتزوج حتى تستبين أمره] (^٤). ورواه عبد الرزاق عن الثوري، عن منصور به
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٨/ ٥٠٦.
(٢) مسائل الإمام أحمد - رواية أبي داود ٤٣٣ رقم ١٩٩٨.
(٣) سنن سعيد بن منصور ١/ ٤٠٣ رقم ١٧٦٢، ورواه ابن حزم من طريقه. المحلى ١٠/ ١٣٨ - ١٣٩.
(٤) سنن سعيد بن منصور ١/ ٤٠٢ رقم ١٧٥٨.
[ ١ / ٣٥٥ ]
نحوه (^١). ورواه ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش، عن الحكم عن علي (^٢) نحوه، وهذا منقطع، أبو بكر لم يلق الحكم. فالمعروف عن علي في المفقود هو رواية الحكم، وأما حديث إسماعيل بن أبي خالد فهو عن الشعبي قوله، وهذا وجه إنكار الإمام أحمد لرواية أبي بكر بن عياش، والعلم عند الله.
وقد أخرج البخاري لأبي بكر بن عياش من حديثه عن صغار شيوخه حديثه عن حميد الطويل، فإنه من صغار شيوخه كما تقدم، وقد أخرج له البخاري حديثًا واحدًا، وهو حديث أنس في الشفاعة مختصرًا (^٣)، وهو معروف لأنس من وجوه أخرى مطولًا (^٤). ولم أقف على غيره. وكذلك أخرج له من حديثه عن أبي إسحاق الشيباني، وهو حديثه عن عبد الله بن أبي أوفى: "إذا رأيت الليل قد أقبل من ههنا فقد أفطر الصائم" (^٥)، وهو متابع (^٦). ولم أقف على غيره.
٢. وممن ذكره الإمام أحمد أن أبا بكر بن عياش يضطرب في حديثه أبو إسحاق السبيعي، وهو في طبقة كبار شيوخه، فقال كما تقدم في رواية الفضل ابن زياد عنه: إنه يضطرب عن أبي إسحاق (^٧).
ومما أنكره الإمام أحمد من حديثه عن أبي إسحاق، ونسبه إلى الوهم فيه ما ذكره عبد الله:
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق ٧/ ٩٠ رقم ١٢٣٣١.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٥٢١ رقم ١٦٧٠٩.
(٣) انظر: فتح الباري ١٣/ ٤٧٥ رقم ٧٥٠٩.
(٤) انظر: الحديث الذي بعده.
(٥) فتح الباري ٤/ ١٩٨ رقم ١٩٥٨.
(٦) انظر: فتح الباري ٤/ ١٧٩ رقم ١٩٤١.
(٧) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٧٢.
[ ١ / ٣٥٦ ]
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني أبي قال حدثنا أبو بكر بن عياش، قال حدثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي، قال ذكر عند عبد الله امرأة فقالوا إنها تغتسل يا أبا عبد الرحمن وتتوضأ. فقال: [أما إنها لو كانت عندي لم تفعل ذلك]. قال عبد الله: سمعت أبي يقول: كان يحيى بن سعيد ينكر هذا الحديث جدًا. قال أبي: لم يروه عن أبي إسحاق غير أبي بكر بن عياش، نراه وهم إنما هذا يرويه الأعمش عن إبراهيم عن علقمة (^١).
فأشار في هذه الرواية إلى وهم أبي بكر بن عياش في هذا الحديث لتفرده به عن أبي إسحاق ومخالفة الأعمش له، حيث رواه عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله. فلم يقبل الإمام أحمد هذا التفرد منه بل عدّه وهمًا.
ومما ذكره الإمام أحمد من أوهامه في روايته عن أبي إسحاق ما رواه عبد الله أيضًا:
قال عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا أبو بكر بن عياش قال: حدثنا أبو إسحاق، عن سعد بن إياس البجلي قال: [رأيت عبد الله يُخرج النساء من المسجد يومَ الجمعة ويقول: أخرجن، فإن هذا ليس لكُنّ. سمعت أبي يقول: سعد بن إياس هو أبو عمرو الشيباني، ولكن أبا بكر قال: البجلي كأنه يرى أنه وهم (^٢).
فذكر الإمام أحمد أن أبا بكر وهم في نسبة سعد بن إياس، حيث ذكر أنه بجلي بينما هو شيباني.
وقد وافق الإمام أحمد أبو حاتم في نسبة أبي بكر بن عياش إلى الاضطراب عن أبي إسحاق السبيعي، فأعل حديثًا لأبي بكر عن أبي إسحاق أخطأ فيه ثم
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٧٠/٣٠٨٠ - ٣٠٨١.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٧٠/٣٠٨٢ - ٣٠٨٣.
[ ١ / ٣٥٧ ]
قال: وسماع أبي بكر من أبي إسحاق ليس بذاك القوي (^١). ولم يخرج الإمام البخاري لأبي بكر بن عياش شيئًا من حديثه عن أبي إسحاق.
وهؤلاء الأعلام ذكروا على سبيل المثال لا الحصر للرواة الثقات الذين تكلم الإمام أحمد في حفظهم لحديث بعض شيوخهم واقتضى ذلك إعلال مروياتهم عن أولئك الشيوخ.
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم ١/ ٣٤/٦٩. وقد ذكر أبو حاتم وأبو زرعة غير حديث لأبي بكر بن عياش أخطأ فيه عن أبي إسحاق انظر: علل ابن أبي حاتم: ١/ ٥٦/١٤٤، ١/ ٨٨/٢٣٤، ١/ ١٣٩/٣٨٦، ٢/ ٤٢/١٦٠٦، ٢/ ١٧٧/٢٠٢٦.
[ ١ / ٣٥٨ ]
المطلب الرابع: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي عن أهل بعض البلدان، والإعلال به عند الإمام أحمد.
ومن مجال غوامض علل الحديث الذي كشفه النقاد ما يقع لبعض رواة الأخبار من أوهام واضطراب في رواياتهم عن أهل بعض البلدان مع كونهم في أنفسهم ثقات، لكنهم بسبب من الأسباب لم يضبطوا أحاديث شيوخ تلك البلدان ووصفوا بسوء الحفظ فيهم، فيكون ذلك من دواعي التمييز والتمحيص فيما رووا، فلا يصحح لهم بإطلاق، بل إضافة على حالهم من حيث الجرح والتعديل ينظر إلى بلد من رووا عنه من الشيوخ، فيصحح أحاديثهم عن أهل البلدان الذين هم فيهم ضابطون ويتوقف في مروياتهم عمن وصفوا بسوء الحفظ فيهم، فلا يقبل ما تفردوا به أو ما خالفوا فيه غيرهم، وبهذا يجتنب مواطن الوهم والغلط في مروياتهم.
والإمام أحمد ﵀ من النقاد الذين انبروا لكشف هذه العلة في أحاديث هذا الصنف من الرواة، فميّزهم وأعلّ بعض مروياتهم بهذه العلة، منهم:
١. إسماعيل بن عيّاش بن سُليم العنسي الحمصي:
وصفه الإمام أحمد بأنه هو والوليد بن مسلم أروى الناس لحديث الشاميين (^١).
ولما سأل عن حفظه فأُخبر بذلك عجب من حفظه وجعله مثل وكيع في سعة الحفظ، فروى الخطيب من طريق عبد الله بن الإمام أحمد قال: "قال أبي لداود بن عمرو الضبي وأنا أسمع: يا أبا سليمان، كان يحدثكم إسماعيل بن عياش
_________________
(١) تاريخ بغداد ٦/ ٢٢٢.
[ ١ / ٣٥٩ ]
هذه الأحاديث بحفظه؟ قال: نعم! ما رأيت معه كتابًا قط. فقال له: لقد كان حافظًا، كم كان يحفظ؟ قال: شيئًا كثيرًا. قال له: كان يحفظ عشرة آلاف؟ قال: عشرة آلاف، وعشرة آلاف، وعشرة آلاف، فقال له أبي: هذا كان مثل وكيع" (^١).
وقد صحح الإمام أحمد أحاديث إسماعيل بن عيّاش عن الشاميين خاصة، وضعّف حديثه عن غيرهم من أهل المدينة، وأهل العراق، لأنه يغلط فيهم وله عنهم مناكير.
قال أحمد بن أبي يحيى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: "إسماعيل بن عياش، ما روى عن الشاميين فهو صحيح، وما روى عن أهل المدينة وأهل العراق ففيه ضعف يغلط" (^٢).
وقال في رواية أبي طالب: "إسماعيل بن عيّاش، ما روى عن الشاميين صحيح، وما روى عن أهل الحجاز فليس بصحيح" (^٣).
وقال أبو حاتم: "سألت أحمد بن حنبل عن إسماعيل بن عيّاش فقال: في روايته عن أهل العراق وأهل الحجاز بعض الشيء، وروايته عن أهل الشام كأنه أثبت وأصح" (^٤).
وقال في رواية أبي داود: "ما حدّث عن مشايخهم، قلت: الشاميين؟ قال: نعم، فأما حديث غيرهم عنده مناكير" (^٥).
وأما في رواية المروذي فحسّن حديثه عن أهل الشام، فكأن حديثه عنهم
_________________
(١) تاريخ بغداد ٦/ ٢٢٤.
(٢) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٢٨٩.
(٣) المصدر نفسه ١/ ٢٨٨.
(٤) الجرح والتعديل ٢/ ١٩٢.
(٥) سؤالات أبي داود للإمام أحمد ٢٦٤/ ٣٠٠ ج.
[ ١ / ٣٦٠ ]
متردد بين الصحيح والحسن عنده (^١). قال المروذي: "سألته يعني أبا عبد الله عن إسماعيل بن عيّاش، فحسّن روايته عن الشاميين وقال: هو فيهم أحسن حالًا مما روى عن المدنيين وغيرهم" (^٢).
وقد أجمع على هذا القول في إسماعيل بن عياش جمعٌ من الأئمة الحفاظ، منهم يحيى بن معين، وعمرو بن علي الفلاس، والبخاري، وأبو زرعة، وابن عدي، وروي أيضًا عن علي بن المديني (^٣).
ما أعله من حديث إسماعيل بن عياش عن غير أهل الشام:
١. قال عبد الله: سألت أبي عن حديث حدّثناه الفضل بن زياد الذي يقال له: الطسّي قال: حدثنا إسماعيل بن عيّاش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ: "لا يقرأ الجُنْب والحائض شيئًا من القرآن" فقال أبي: هذا باطل أنكره على إسماعيل بن عيّاش، يعني أنه وهمٌ من إسماعيل بن عيّاش (^٤).
هذا الحديث رواه الترمذي (^٥)، وابن ماجه (^٦)، والطحاوي (^٧)، والدارقطني (^٨)، والبيهقي (^٩)، من طرق عن إسماعيل بن عياش به.
_________________
(١) قال الذهبي: حديث إسماعيل عن الحجازيين والعراقيين لا يحتج به، وحديثه عن الشاميين صالح من قبيل الحسن، ويحتج به إن لم يعارضه أقوى منه سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٢١.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٤١.
(٣) انظر أقوالهم في تاريخ بغداد ٦/ ٢٢٤ - ٢٢٧، وتهذيب الكمال ١٧٦ - ١٨٠، وكذلك شرح علل الترمذي ٢/ ٧٧٣.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣٨١ رقم ٥٦٧٥، وكذا العقيلي عن عبد الله الضعفاء ١/ ١٠٥، وكذا الخلال عن عبد الله ذكره ابن دقيق العيد في الإمام ٣/ ٧١.
(٥) الجامع ١/ ٢٣٦ ح ١٣١.
(٦) السنن ١/ ١٩٥ ح ٥٩٥.
(٧) شرح معاني الآثار ١/ ٨٨.
(٨) السنن ١/ ١١٧.
(٩) السنن الكبرى ١/ ٨٩، ٣٠٩.
[ ١ / ٣٦١ ]
أنكره الإمام أحمد على إسماعيل بن عيّاش، مما يدل على أنه علة الحديث، وفسر عبد الله وجه النكارة بأن الحديث وهمٌ من إسماعيل، وشيخه في هذا الحديث هو موسى بن عقبة إمام المغازي، وهو حجازي من ثقات أهل المدينة. وهذا الوهم يحتمل أحد وجهين: الأول: أن يكون ذلك راجعًا إلى تفرد إسماعيل ابن عياش عن موسى بن عقبة بهذه الرواية، وهو ممن لا يحتمل تفرده لعدم ضبطه لحديث أهل الحجاز، وهذا وجه إعلال الإمام البخاري للحديث.
قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: "إن إسماعيل بن عيّاش يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكير، كأنه ضعف روايته عنهم فيما ينفرد به" (^١). ونقل عنه أيضًا أنه قال: "لا أعرفه من حديث ابن عقبة، وإسماعيل منكر الحديث عن أهل الحجاز وأهل العراق" (^٢). وممن نص على تفرد إسماعيل عن موسى بن عقبة بهذه الرواية الترمذي (^٣)، والبزار (^٤).
الوجه الثاني: أن يكون ذلك راجعًا إلى ما ذكره أبو جاتم قال: "هذا خطأ، إنما هو عن ابن عمر قوله" (^٥)، فيكون الوهم في رفعه للحديث. ولم أقف على رواية الوقف إلا ما ذكره أبو حاتم هنا.
وقد يقال إن إسماعيل بن عياش لم ينفرد بهذا عن موسى بن عقبة بدليل ما رواه الدارقطني من ثلاث طرق أخرى عن موسى بن عقبة، وعليه فلا يستقيم
_________________
(١) الجامع ١/ ٢٣٧.
(٢) علل الترمذي الكبير ١/ ١٩٠.
(٣) الجامع الموضع السابق.
(٤) نقل ابن دقيق العيد عن البزار أنه قال: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن موسى بن عقبة إلا إسماعيل بن عياش، ولا نعلم يُروى عن ابن عمر من وجه إلا من هذا الوجه، ولا يروى عن النبي ﷺ في الحائض إلا من هذا الوجه الإمام في معرفة أحاديث الأحكام ١/ ٧٠.
(٥) علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٩ ح ١١٦.
[ ١ / ٣٦٢ ]
الإعلال بالوجه الذي ذكره الإمام البخاري من توهيم إسماعيل بن عياش من أجل التفرد، وهذه الطرق هي:
١. طريق عبد الملك بن مسلمة، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن موسى ابن عقبة به (^١).
٢. طريق أبي معشر، عن موسى بن عقبة به. رواه الدارقطني أيضًا من طريق محمد بن إسماعيل الحساني، عن رجل عنه (^٢).
٣. طريق إبراهيم بن العلاء، وسعيد بن يعقوب الطالقاني كلاهماعن إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عمر، وموسى بن عقبة، عن نافع به (^٣).
أما الطريق الأول ففيه عبد الملك بن مسلمة، قال ابن حبان: شيخ يروي عن أهل المدينة المناكير الكثيرة. وقال ابن يونس: منكر الحديث (^٤). وأما المغيرة ابن عبد الرحمن المخزومي فقيه أهل المدينة، فوثقه ابن معين، ويعقوب بن شيبة، وقال أبو زرعة: لا بأس به (^٥). واغتر به ابن سيد الناس فصحح الحديث من أجله، وذهل عن وجود عبد الملك بن مسلمة في السند، فخطّأه ابن حجر (^٦).
وأما الطريق الثاني ففيه رجل مبهم في السند، وفيه أيضًا أبو معشر نجيح ابن عبد الرحمن المديني، قال أحمد: كان صدوقًا، لكنه لا يقيم الإسناد، ليس بذاك (^٧)
_________________
(١) سنن الدارقطني ١/ ١١٧.
(٢) سنن الدارقطني ١/ ١١٨.
(٣) أخرج الطريقين الدارقطني السنن ١/ ١١٧، وأخرج ابن عدي طريق إبراهيم بن العلاء الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٢٩٤، وذكر ابن عدي طريق الطالقاني تعليقًا.
(٤) المجروحين ٢/ ١٣٤، المغني في الضعفاء ٢/ ٤٠٨.
(٥) تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٨٢.
(٦) تلخيص الحبير ١/ ١٣٨.
(٧) الجرح والتعديل ٦/ ٤٩٤.
[ ١ / ٣٦٣ ]
وقال ابن معين: ضعيف، يكتب من حديثه الرقاق، وكان رجلًا أميا، يتقى أن يروى من حديثه المسند (^١). وقال البخاري: منكر الحديث (^٢). فمثل هذا لا يعتبر به في غير الرقاق من المسند، والأمر الآخر هو أن الرجل المبهم يحتمل أن يكون مجروحًا جرحًا شديدًا. وبهذا ينتفي صحة متابعة إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة.
وأما الطريق الثالث، ففيه إبراهيم بن العلاء أبو هارون الغنوي، لم يحدث عنه يحيى القطان وابن مهدي (^٣)، لكن قال عنه الذهبي: بصري صدوق (^٤)، إلا أن الراوي عنه، وهو محمد بن جعفر بن رزين لم أجد له ترجمة. وإبراهيم بن العلاء مقرون بسعيد بن يعقوب الطالقاني، وهو ثقة، وثقه أبو زرعة، والنسائي، والذهبي (^٥). وهذا السند ظاهره الصحة، إلا أنه معلول، فإن الشيخ الثاني لإسماعيل ابن عيّاش، وهو عبيد الله بن عمر حجازي أيضًا فروايته عنه ضعيفة أيضًا، ولذلك قال ابن عدي: ليس لهذا الحديث أصل من حديث عبيد الله (^٦)، يشير إلى تفرد إسماعيل بن عيّاش به عن عبيد الله، وهو ممن لا يحتمل منه هذا التفرد.
وقد ضعف الحافظ ابن حجر هذا الحديث من جميع طرقه (^٧).
٢. قال أبو طالب: سألت أحمد عن حديث ابن عياّش، عن ابن جُريج، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: "من قاء، أو رعَف، أو أَحدث
_________________
(١) تهذيب الكمال ٢٩/ ٣٢٦.
(٢) التاريخ الكبير ٨/ ١١٤.
(٣) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٢١٢.
(٤) ميزان الاعتدال ١/ ترجمة ١٥٢.
(٥) تهذيب الكمال ١١/ ١٢٣، الكاشف ١/ ٤٤٧ ترجمة ١٩٨٣.
(٦) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٢٩٤.
(٧) فتح الباري ١/ ٤٠٩.
[ ١ / ٣٦٤ ]
في صلاته فلْيذهب فلْيتوضأ، ثم ليَبْنِ على صلاته" فقال: هكذا رواه ابن عيّاش، إنما رواه ابن جريج فقال: عن أبي، إنما هو عن أبيه، ولم يُسنده عن أبيه، ليس فيه ذكر عائشة (^١).
وفي رواية أبي داود:
"سمعت أحمد قيل له: حديث ابن عيّاش - وهو إسماعيل - عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ في البناء - يعنى من الحدث في الصلاة؟ قال: ليس هذا بشيء، إنما هو عن ابن جريج، عن أبيه، ولم يسمعه أيضًا من أبيه، قلت: يجمعهما - أعني إسماعيل بن عياش؟ قال: ليس هذا بشيء" (^٢).
هذا الحديث أخرجه ابن ماجة (^٣)، وابن عدي (^٤)، والدارقطني (^٥)، والبيهقي (^٦) من طرق عن ابن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة به مرفوعًا.
وقد رواه ابن عيّاش بإسناد آخر فقال: عن ابن جريج، عن أبيه، عن عائشة عن النبي ﷺ، رواه أبو الربيع موسى بن عامر، عن الوليد بن مسلم، عن إسماعيل به (^٧)،
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي ١/ ١٤٢. رواه من طريق ابن عدي، والذي في أصل الرواية كما في الكامل لابن عدي ١/ ٢٨٨: عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، والصواب ما ذكره البيهقي من طريق ابن عدي بذكر عائشة مكان ابن عباس، لأن الحديث حسب مصادر التخريج إنما ورد عن عائشة، وليس عن ابن عباس، وأيضًا نسخة الكامل المطبوعة معروفة بكثرة الأخطاء فيها.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٣٩٩/ ١٨٨٩.
(٣) سنن ابن ماجة ١/ ٣٨٥ ح ١٢٢١.
(٤) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٢٩٢، ٥/ ١٩٢٨.
(٥) سنن الدارقطني ١/ ١٥٤ ح ١٥.
(٦) السنن الكبرى ١/ ١٤٢، ٢/ ٢٥٥.
(٧) أخرجه البيهقي من هذا الوجه السنن الكبرى ٢/ ٢٥٥. والوليد بن مسلم ثقة معروف، وإنما عيب عليه كثرة التدليس التقريب ٧٥٠٦.
[ ١ / ٣٦٥ ]
وتابعه مروان بن محمد الطاطري عن إسماعيل به (^١).
ورواه داود بن رُشيد، عن إسماعيل، عن ابن جريج، عن أبيه، وعن عبد الله ابن أبي مليكة، عن عائشة به (^٢).
وقد أعلّ الإمام أحمد الإسناد الأول كما في هذه الرواية من طريق أبي طالب عنه، ووجه ذلك أن الحفاظ من أصحاب ابن جريج رووا الحديث عنه، عن أبيه مرسلًا. رواه كذلك: عبد الرزاق (^٣)، وأبو عاصم النبيل، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وعبد الوهاب ابن عطاء الخفاف (^٤). فهؤلاء مقدّمون على إسماعيل ابن عياش في ابن جريج وخاصة أن إسماعيل معروف بعدم ضبطه لحديث شيوخه الحجازيين، وابن جريج منهم.
وقد وافق الإمام أحمد على إعلال الحديث من هذا الوجه محمد بن يحيى الذهلي - وقد روى الحديث بالوجهين مسندًا من طريق ابن عياش، ومرسلًا من طريق أبي عاصم النبيل - فقال: "هذا هو الصحيح عن ابن جريج، وهو مرسل، وأما حديث ابن جريج، عن ابن أبي ملكية، عن عائشة الذي يرويه إسماعيل بن عياش فليس بشيء" (^٥).
وتبعهما البيهقي، قال: "وهذا الحديث أحد ما أنكر على إسماعيل بن عياش، والمحفوظ ما رواه الجماعة عن ابن جريج، عن أبيه، عن النبي ﷺ … " (^٦).
_________________
(١) أخرجه من هذا الوجه ابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٩٢٨. ومروان بن محمد الطاطري ثقة انظر: تهذيب الكمال ٢٧/ ٤٠١ - ٤٠٢.
(٢) أخرجه الدارقطني ١/ ١٥٣ ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٢٥٥. وداود بن رُشيد ثقة التقريب ترجمة ١٧٩٤.
(٣) انظره في منصنفه ٢/ ٣٤١ ح ٣٦٧١.
(٤) والأربعة رواياتهم عند الدارقطني في السنن ١/ ١٥٥.
(٥) سنن الدارقطني ١/ ١٥٥.
(٦) السنن الكبرى ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦.
[ ١ / ٣٦٦ ]
وأما أبو حاتم وأبو زرعة فرجحا أيضًا رواية الإرسال لكن من وجه آخر فقالا: "الصحيح عن ابن جريج، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة، عن النبي ﷺ مرسل" (^١). وهذه الرواية لم أقف عليها، والظاهر أنها غريبة، ومن أجل ذلك قال ابن دقيق العيد: "هذا لون آخر ينبغي أن يتتبع بالكشف" (^٢).
وقد يعترض على هذا الإعلال بثلاثة أمور، سأوردها مع الجواب عليها.
الأول: أن إسماعيل بن عياش توبع عن ابن جريج: تابعه سليمان بن أرقم قال: حدثني ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ بهذا الحديث (^٣). قال الدارقطني: "تابعه سليمان بن أرقم، وهو متروك الحديث، وأصحاب ابن جريج الحفاظ عنه يروونه عن ابن جريج، عن أبيه مرسلًا، والله أعلم" (^٤)، يشير إلى أنه مع هذه المتابعة، حتى ولو صلحت، فإنها لا تقارن برواية أصحاب ابن جريج الحفاظ.
الثاني: أن بعض الرواة روى الحديث عن إسماعيل بن عيّاش، عن عباد ابن كثير، وعطاء بن عجلان، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة بمثله مرفوعًا. رواه الدارقطني، وقال: عباد بن كثير، وعطاء بن عجلان ضعيفان (^٥). وعباد بن كثير الذي يروي عنه إسماعيل بن عياش هو الثقفي البصري (^٦)، وهو أسوأ حالا من الرملي، فقد قال فيه غير واحد: لا يكتب حديثه (^٧)، وقال الإمام أحمد: روى
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم ١/ ٣١ ح ٥٧، و١/ ١٧٩ ح ٥١٢.
(٢) الإمام في معرفة أحاديث الأحكام ٢/ ٣٤٥.
(٣) أخرجه الدارقطني ١/ ١٥٥.
(٤) سنن الدارقطني ١/ ١٥٤.
(٥) الموضع نفسه.
(٦) انظر: تهذيب الكمال ٣/ ١٦٣ - ١٦٤.
(٧) تهذيب الكمال ١٤/ ١٤٧ - ١٤٨.
[ ١ / ٣٦٧ ]
أحاديث كاذبة لم يسمعها (^١). وأما عطاء بن عجلان فمتروك أيضًا، وأطلق عليه ابن معين والفلاس وغيرهما الكذب (^٢). فروايته ساقطة أيضًا كالتي قبلها.
الثالث: أن إسماعيل بن عياش قد روى الحديث من وجهين: مرسلًا كما رواه الجماعة، ومسندًا بذكر عائشة؛ رواه عنه بالإسنادين معًا: محمد بن المبارك، ومحمد بن الصباح، والربيع بن نافع (^٣). وهذا يُشعر بأنه ضابط للحديث، فتقبل روايته المسندة ولا تعلّ، وهذا الذي مال إليه ابن دقيق العيد، وتبعه ابن التركماني. قال ابن دقيق العيد: "وهذه الروايات التي جمع فيها إسماعيل بن عيّاش بين الإسنادين جميعًا - أعني المرسل والمسند في حالة واحدة - مما يبعد الخطأ على إسماعيل، فإنه لو اقتصر على رفع ما وقفه الناس لتطرّق الوهم إلى خطئه تطرقًا قريبًا، فأما وقد وافق الناس في روايتهم المرسل، وزاد عليهم بالمسند، فهذا يُشعر بتحفظ وتثبت فيما زاده عليهم، وإسماعيل قد وثقه يحيى بن معين، وقال يزيد بن هارون: ما رأيب شاميًا ولا عراقيًا أحفظ من إسماعيل بن عيّاش" (^٤).
والجواب على هذا أن إسماعيل قد روى الحديث من وجه آخر عن ابن جريج غير الوجهيْن المذكوريْن، وهو: عن ابن جريج، عن أبيه، عن عائشة، ولم يتابع على هذا الوجه كما لم يتابع على الرواية المسندة من طريق ابن أبي مليكة من وجه معتبر. والذين رووا الحديث عنه من هذه الوجوه الثلاثة كلهم ثقات، واختلافهم عليه يدل على اضطرابه لا على مزيد تثبت، فالوجه الذي توبع عليه من قبل ثقات
_________________
(١) الجرح والتعديل ٦/ ٨٤.
(٢) قاله الحافظ في التقريب ٦٧٨ ترجمة ٤٦٢٧.
(٣) ورواياتهم كلهم عند الدارقطني في سننه ١/ ١٥٤. وكلهم ثقات انظر: التقريب: ١٩١٢، ٦٠٠٤، ٦٣٠٢.
(٤) الإمام في معرفة أحاديث الأحكام ٢/ ٣٤٥، وانظر: الجوهر النقي بحاشية السنن الكبرى حيث نقل كلام ابن دقيق العيد بدون عزو ١/ ١٤٢.
[ ١ / ٣٦٨ ]
أصحاب شيخه ابن جريج يكون هو المحفوظ والوجهان الآخران يكونان غير محفوظيْن، وهذا ما ذكره ابن عدي عن الوجهين المسندين (^١)، والله أعلم.
وقد ردّ الإمام أحمد على احتجاج أبي داود برواية إسماعيل للحديث من الوجهين - أعني مسندًا ومرسلًا ليدل على قبوله عنده - فقال: ليس هذا بشيء (^٢).
٢. سفيان بن عيينة:
ذكر الإمام أحمد أن حديثه عن الكوفيين فيه غلط كثير، فقال كما جاء في رواية الفضل بن زياد: "كان سفيان بن عيينة حافظًا، إلا أنه كان إذا صار في حديث الكوفيين كان له غلط كثير، وقد غلط في حديث الحجازيين في أشياء" (^٣).
ولا يدل هذا في الحقيقة على سوء حفظ سفيان لحديث الكوفيين، وذلك أن كلام الإمام أحمد ورد في معرض مقارنة حفظ الثوري بابن عيينة، فالرواية كما جاءت عن الفضل بن زياد هي:
"سئل أحمد بن حنبل، قيل له: سفيان الثوري كان أحفظ أو ابن عيينة؟ فقال: كان الثوري أحفظ وأقل الناس غلطًا، وأما ابن عيينة فكان حافظًا، إلا أنه إذا صار في حديث الكوفيين كان له غلط كثير، وقد غلط في حديث الحجازيين في أشياء. قيل له: فإن فلانًا يزعم أن سفيان بن عيننة كان أحفظهما؟ فضحك ثم قال: فلان حسن الرأي في ابن عيينة فمن ثَمّ" (^٤).
والأمر الآخر أن هذه الرواية أشارت إلى غلط ابن عيينة في حديث الحجازيين أيضًا، وهذا أيضًا ليس على إطلاقه بدليل أن شيخ الإمام أحمد وهو
_________________
(١) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٢٩٣.
(٢) تقدم في صدر المسألة ص ٢٩٣.
(٣) تاريخ بغداد ٩/ ١٧٠.
(٤) تاريخ بغداد ٩/ ١٧٠.
[ ١ / ٣٦٩ ]
عبد الرحمن بن مهدي قد قال في ابن عيينة: إنه من أعلم الناس بحديث أهل الحجاز (^١). فكثرة الغلط المشار إليها في رواية ابن عيينة عن الكوفيين هي بالمقارنة برواية الثوري عنهم، فالثوري أحفظ لحديث الكوفيين من ابن عيينة وأقل غلطًا، وأما بالنسبة لرواية ابن عيينة عن الحجازيين فإنما يقصد به الغلط الذي لا يسلم منه أحد حتى وإن كان ثقة، والله أعلم.
ولم يجتنب أصحاب الصحاح رواية ابن عيينة عن الكوفيين كالأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر الأحمسي، وأبي إسحاق الشيباني وغيرهم (^٢).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٨٢ رقم ٦٠٦٢.
(٢) تهذيب الكمال ٧/ ١٧٩ - ١٨٢.
[ ١ / ٣٧٠ ]
المطلب الخامس: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي إذا جمع الشيوخ في الإسناد، والإعلال به عند الإمام أحمد.
ومن العلل التي تعلّ بها الروايات في حالة دون أخرى أن يكون الراوي ليس له من الضبط ما يقبل منه أن يروي حديثًا واحدًا عن عدد من الشيوخ ثم يسوقه سياقًا واحدًا، وذلك أن الحديث الواحد إذا رواه عدد من الشيوخ فلا بد أن يقع بطبيعة الحال بعض الاختلافات في ألفاظهم بين شيخٍ وآخر لتصرفهم في لفظ الحديث، فإذا جاء راوٍ وروى الحديث عنهم ولم يميز لفظ هذا من ذاك، فإن ذلك مشعر بأنه قد حمل لفظ بعضهم على بعض، وبالتالي يقع في الخطأ والوهم لا محالة، ولكن هذا ليس في جميع الرواة، ولا هو في جميع الحالات، فبعض الرواة قد يكون له من الحفظ والإتقان ما يجعله يميز الألفاظ فيقبل من مثله جمع الشيوخ، كما أن في حالة الرواية بالمعنى ممن توفرت فيه شروطها، يسوغ له أن يروي عن عدد من الشيوخ ما اتحد فيه معنى حديثهم وإن اختلفت ألفاظهم.
وقد بيّن الحافظ ابن رجب هذا الوجه من الإعلال فقال: "ومعنى هذا أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة، وساق الحديث سياقة واحدة، فالظاهر أن لفظهم لم يتفق، فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديثه، يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم، كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره" (^١).
والمسئلة في الحقيقة ذات شقين:
الشق الأول: أن يروي الراوي الحديث عن عدد من الشيوخ اختلفوا في
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٨١٦.
[ ١ / ٣٧١ ]
اللفظ لكن المعنى واحد، فيروي عنهم بلفظ واحد ولا يشير إلى اختلاف ألفاظهم اعتمادًا على اتحاد المعنى، فهذا يرجع إلى مبحث الرواية بالمعنى، فيتقيد جواز هذا الصنيع بشروط الرواية بالمعنى. لكن الاتقان يقتضي من الراوي أن يبين صاحب اللفظ، وفي حالة عدم علمه بما يميز لفظ بعضهم عن البعض، يبين كذلك (^١). وقد كان الإمام أحمد حريصًا على تمييز الألفاظ في السند والمتن، ومنه أخذ الإمام مسلم هذا الصنيع كما قال السخاوي (^٢). فإن قيل إن هذا يقتضي حمل حديث بعض الشيوخ على البعض، يجاب بأن المحذور في هذا حيث كان بين الأحاديث اختلاف في المعنى، أو بالزيادة والنقصان، وهو خارج عن صورة المسألة.
الشق الثاني: أن يكون متن الحديث مجموعه من جماعة من الشيوخ ملفقًا بأن يكون عن كل شيخ قطعة منه، فيخلط ألفاظهم ويسوق الحديث سياقًا واحدًا بلا تمييز لما عند كل واحد منهم (^٣)، فهذا لا يقبل إلا من حافظ متقن لحديثه عارف بمواضع الاتفاق والاختلاف بين شيوخه كما تقدمت إشارة ابن رجب لصنيع الإمام الزهري في روايته لحديث الإفك، فإنه رواه عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقّاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كلهم عن عائشة ﵂، قال: "وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت له اقتصاصًا، وقد وعيْتُ عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضًا، وإن كان بعضهم
_________________
(١) انظر: فتح المغيث ٣/ ١٨١.
(٢) المصدر السابق ٣/ ١٨٣. وانظر المثال الذي ذكره عن الإمام أحمد في المسند ١٩/ ٣٣٩: قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، وحجاج، قالا: حدثنا شعبة، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن أبي الأبيض - قال حجاج: رجل من بني عامر - عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي العصر والشمس بيضاء محلقة".
(٣) انظر: فتح المغيث ٣/ ٢١١ - ٢١٢.
[ ١ / ٣٧٢ ]
أوعى له من بعض" (^١). فذكر أنهم اختلفوا في الحديث، وكل واحد حدثه بجزء منه، وأنه حافظ لرواية كل واحد منهم على حدة، فلم يؤثر ذلك في الجمع بين ألفاظهم. على أنه قد انتقد على الإمام الزهري هذا الصنيع منه، كما نقله القاضي عياض قال: "انتقدوا على الزهري ما صنعه من روايته لهذا الحديث ملفقًا عن هؤلاء الأربعة، وقالوا: كان ينبغي له أن يفرد حديث كل واحد منهم عن الاخر" (^٢).
ويزاد على هذا شرط آخر، وهو أن يكون الشيوخ كلهم ثقات، وأما حيث كان بعضهم يُستضعف فإنه يقع احتمال اختصاص الضعيف بشيء من الحديث عن الآخرين، ولأجل هذا المحذور كان يكره الإمام أحمد أن يروي الراوي حديثًا عن رجلين أحدهم مجروح، فيسقط اسم المجروح من السند ويقتصر على حمل الحديث عن الثقة وحده، فقد روى الخطيب من طريق الخلال عن حرب الكرماني أن أبا عبد الله قيل له: "فإذا كان الحديث عن ثابت وأبان عن أنس، يجوز أن أسمي ثابتًا وأترك أبانًا؟ قال: لا، لعل في حديث أبان شيئًا ليس في حديث ثابت، وقال: إن كان هكذا فأحب أن يسميهما" (^٣).
وهناك صورة أخرى لهذا الشق، وهي ما إذا كان بين أولئك الشيوخ تباين في أوجه رواية الحديث، كأن يكون عند بعضهم مرفوعًا وعند الآخرين موقوفًا، أو يكون عند بعضهم بزيادة رجل في الإسناد، ولا يكون كذلك عند الآخرين، أو غير ذلك من أوجه الاختلاف في السند، فالجمع بينهم في هذه الحالة أيضًا لا يكون مقبولًا إلا من حافظ متقن. وقد ذكر ابن رجب عن يعقوب بن شيبة أنه قال: "كان سفيان بن عيينة ربما يحدث بالحديث عن اثنين، فيسند الكلام عن
_________________
(١) صحيح البخاري ٧/ ٤٣١ ح ٤١٤١ - مع فتح الباري.
(٢) لم أقف عليه في الإلماع في تقييد السماع للقاضي عياض ونقلته بواسطة فتح الباري ٨/ ٤٥٦.
(٣) الكفاية في علم الرواية ص ٥٣٧.
[ ١ / ٣٧٣ ]
أحدهما، فإذا حدث به عن الآخر على الانفراد أوقفه أو أرسله" (^١).
وحيث لم يكن لدى الراوي من الحفظ والاتقان ما يجعله يميز الألفاظ أو أوجه الرواية فجمعه للشيوخ في الإسناد يكون موضع الانتقاد لما يقع من حمل حديث بعضهم على بعض، وإدخال حديث في آخر.
ومما تقدم تتلخص الصور المحذورة لجمع الشيوخ في الإسناد عند رواية الحديث الواحد في ثلاث صور:
١. أن لا يكون لدى الراوي من الحفظ والمعرفة ما يؤهله للرواية بالمعنى، في حالة روايته لحديث تتفاوت ألفاظ شيوخه فيه مع اتحاد معنى ما رووه.
٢. أن لا يكون الراوي من الحفاظ المتقنين العارفين بمواضع الاتفاق والاختلاف في مرويات شيوخه.
٣. أن يكون بعض الشيوخ ضعيفًا، فإنّ جمع الشيوخ في هذه الصورة يؤدي إلى حمل حديث الضعيف على حديث الثقة.
وقد كان الإمام أحمد ينتقد على الرواة جمعهم بين الشيوخ في الأسانيد، وتكلم فيهم من أجل ذلك، والظاهر أن ذلك راجع إلى هذه المحاذير. وهذا أحد أوجه جرحه لمحمد بن عمر الواقدي وتركه لحديثه. قال إبراهيم الحربي: "سمعت أحمد - وذكر الواقدي - فقال: ليس أُنكر عليه شيئًا إلا جمعه الأسانيد ومجيئه بمتن واحد على سياقة واحدة عن جماعة، وربما اختلفوا. قال إبراهيم: ولم؟ وقد فعل هذا ابن إسحاق، كان يقول: حدثنا عاصم بن عمر، وعبد الله بن أبي بكر، وفلان، وفلان، والزهري أيضًا قد فعل هذا"، وفي رواية أخرى ذكر معهم حماد بن سلمة أيضًا (^٢). وما ذكره الحربي من الاستدراك
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٦٦.
(٢) تاريخ بغداد ٣/ ١٦.
[ ١ / ٣٧٤ ]
بمحمد بن إسحاق وحماد بن سلمة، فقد ورد عن الإمام أحمد إنكاره عليهم بالعلة نفسها كما سيأتي، وأما الزهري فقد تقدم أنه بلغ من الحفظ والاتقان ما يسوغ له ذلك.
ومن هؤلاء الرواة أيضًا محمد بن إسحاق إمام المغازي. قال المروذي: "سألته يعني الإمام أحمد عن محمد بن إسحاق، كيف هو؟ قال: هو حسن الحديث، ولكنه إذا جمع عن رجليْن. قلت: كيف؟ قال: يحدّث عن الزهري ورجل آخر، فيحمل حديث هذا على هذا " (^١). فإذا جمع بين الرجلين فقد يكون الرجل الآخر ضعيفًا، أو يكون في نفسه ثقة لكن بين حديثه وحديث الزهري مثلًا تفاوتًا فيحمل حديث أحدهما على الآخر بلا تمييز، ويقع بسبب ذلك في الوهم والغلط.
وروى الخطيب من طريق أيوب بن إسحاق بن سافري قال: "سألت أحمد بن حنبل فقلت: يا أبا عبد الله! ابن إسحاق إذا انفرد بحديثه تقبله؟ قال: لا والله! إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا" (^٢).
وقال ابن هانئ عن الإمام أحمد أنه سمعه يقول: "إبراهيم بن سعد من أحسن الناس حديثًا عن محمد بن إسحاق، فإذا جمع بين رجلين، يقول: حدثني فلان وفلان، لم يحكمه" (^٣). يقصد ابن إسحاق إذا جمع بين رجلين، ولا يقصد إبراهيم بن سعد، إذ لم يرد عن الإمام أحمد تضعيفه بحال. وقوله: "لم يحكمه" يدل بمفهومه على أن من يُحكم هذا الجمع لما له من مزيد الضبط والاتقان يكون ذلك منه مقبولًا.
فهذه من الأمور التي اعتمدها الإمام أحمد لتقرير خفة ضبط ابن إسحاق
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ٦١ رقم ٥٥.
(٢) تاريخ بغداد ١/ ٢٣٠.
(٣) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٢٥ رقم ٢٢٢٦.
[ ١ / ٣٧٥ ]
عنده، حيث لم يكن يحكم أن يميز بين ألفاظ الشيوخ إذا اشتركوا في رواية حديث واحد، فمن أجل ذلك لم يكن يحتج به إذا انفرد بالحديث، وإنما يحتج به في المغازي، ولم يكن يحتج به في السنن كما قال عبد الله (^١).
ولم أقف على حديث لابن إسحاق أعله من أجل جمعه للشيوخ في الإسناد.
وذكر منهم أيضًا أبا بكر بن عبد الله أبي مريم الحمصي الغساني:
قال عبد الله: "سئل أبي عن حريز وأبي بكر بن أبي مريم، فقال: أبو بكر ضعيف، كان يجمع فلان وفلان" (^٢).
قال ابن هانئ: "وسئل: أيما أحب إليك: صفوان أو أبو بكر بن أبي مريم؟ قال: صفوان أحب إليّ، وهو صالح الحديث، وأبو بكر ضعيف، كان يجمع الرجال فيقول: حدثني فلان، وفلان، وفلان" (^٣).
فضعفه الإمام أحمد من أجل جمعه للشيوخ لأنه ليس له من الحفظ ما يضبط هذا.
وكذلك قال في حماد بن سلمة، مع أنه ثقة عنده كما تقدم، فقال كما في رواية الأثرم: "في حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، وقتادة، عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة الخشني، عن النبي ﷺ في آنية المشركين: قال أحمد: هذا من قبل حماد، كان لا يقوم على مثل هذا يجمع الرجال، ثم يجعله إسنادًا واحدًا، وهم يختلفون" (^٤).
وهذا الحديث عن حماد بن سلمة رواه الترمذي من طريق عبيد الله بن محمد القرشي، عن حماد، عن أيوب وقتادة به، ولفظه: "قال أبو ثعلبة الخشني:
_________________
(١) تاريخ بغداد ١/ ٢٣٠، وانظر: الجرح والتعديل ٧/ ١٩٣.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٩ رقم ١٤٨٤.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٢٢٩ رقم ٢٢٥٨.
(٤) شرح علل الترمذي ٢/ ٨١٥.
[ ١ / ٣٧٦ ]
[يا رسول الله إنا بأرض أهل الكتاب فنطبخ في قُدورهم ونشرب في آنيتهم؟ فقال رسول الله ﷺ: "إن لم تجدوا غيرها فارحَضوها بالماء" ثم قال: يا رسول الله! إنا بأرض صيدٍ فكيف نصنع؟ قال: "إذا أرسلتَ كلبَك المُكلَّب وذكرت اسم الله فقتل فكُلْ، وإن كان غير مُكلّب فذُكِّي فكُلْ، وإذا رميت بسهمك وذكرتَ اسم الله فقتل فكُل"، وقال الترمذي: حسن صحيح (^١). ورواه الطبراني (^٢)، والدارقطني في العلل (^٣). ورواه حماد بن سلمة عن أيوب وحده، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة به. أخرجه أحمد (^٤)، وابن أبي عاصم (^٥)، والحاكم (^٦). ولم أر من تابع حمادًا عن قتادة إلا ما ذكره الدارقطني في العلل تعليقًا أن أبا حنيفة رواه عن قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة - ليس بينهما أبو أسماء (^٧).
وقد خولف حماد بن سلمة عن أيوب: خالفه شعبة (^٨)، ومعمر (^٩)، وحماد ابن زيد (^١٠)، وسعيد بن أبي عروبة (^١١)، وابن جريج (^١٢)، وعبد الوهاب الثقفي (^١٣)،
_________________
(١) الجامع ٤/ ٢٥٥ ح ١٧٩٧.
(٢) المعجم الكبير ٢٢/ ٢١٧ ح ٥٨٠.
(٣) علل الدارقطني ٦/ ٣٢١.
(٤) المسند ٢٩/ ٢٨٤ ح ١٧٧٥٠.
(٥) الآحاد والمثاني ٥/ ٨٩ ح ٢٦٣١.
(٦) المستدرك ١/ ١٤٤ بذكر الآنية فقط.
(٧) علل الدارقطني ٦/ ٣٢٢.
(٨) وحديثه عند الترمذي الجامع ٤/ ١٠٩ ح ١٥٦٠، وأحمد المسند ٢٩/ ٢٦٦ ح ١٧٧٣١، وابن الجعد ص ١٨٤ ح ١١٩٣، والحاكم المستدرك ١/ ١٤٣.
(٩) وحديثه عند عبد الرزاق المصنف ٤/ ٤٧١ ح ٨٥٠٣، وأحمد المسند ٢٩/ ٢٧٣ ح ١٧٧٣٧.
(١٠) وحديثه عند أبي داود الطيالسي مسند الطيالسي ص ١٣٦ ح ١٠١٤، والحاكم المستدرك ١/ ١٤٣.
(١١) وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير ٢٢/ ٢٣٠ ح ٦٠٤.
(١٢) وحديثه عند الطبراني أيضًا المعجم الكبير ٢٢/ ٢٣١ ح ٦٠٥.
(١٣) ذكره الدارقطني تعليقًا علل الدارقطني ٦/ ٣٢١.
[ ١ / ٣٧٧ ]
وابن عيينة (^١)، فكلهم رووه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة، لم يذكروا فيه أبا أسماء.
وتابع هشيمٌ حمادَ بن سلمة في ذكر أبي أسماء، فرواه عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن أبي ثعلبة. أخرج حديثه الحاكم، والبيهقي (^٢). ولكن الثوري خالفه، فرواه عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة، كرواية الجماعة عن أيوب. أخرجه الطبراني (^٣)، والحاكم (^٤).
ورجح الدارقطني قول من أرسل الحديث عن أبي قلابة، عن أبي ثعلبة بدون ذكر أبي أسماء.
ووجه إعلال الإمام أحمد للحديث هو من حيث جمع حماد بن سلمة للإسنادين، الأول عن أيوب، والثاني عن قتادة، فجعلهما إسنادًا واحدًا وحمل أحدهما على الآخر، والواقع أنهما مختلفان، فإسناد حديث أيوب وقع عنده بذكر أبي أسماء، وأما إسناد قتادة فتدل رواية أبي حنيفة أنه بدون ذكر أبي أسماء، فحيث جعل الإسنادين واحدًا وقع في الغلط فحمل إسناد قتادة على إسناد أيوب والواقع أن بينهما اختلافًا، فلذلك قال أحمد: "كان لا يقوم على مثل هذا يجمع الرجال ثم يجعله إسنادًا واحدًا وهم يختلفون"، كما تقدم.
وهذا يدل على أن الجمع بين الرواة في الأسانيد لا يقبله الإمام أحمد من كل أحد، حتى ولو كان ثقة.
وقد ذكر الخليلي أن سبب تجنب البخاري لحديث حماد بن سلمة هو من
_________________
(١) ذكره الدارقطني تعليقًا أيضًا الموضع نفسه.
(٢) المستدرك ١/ ١٤٤، والسنن الكبرى ١/ ٣٣.
(٣) المعجم الكبير ٢٢/ ٢٣٠ ح ٦٠٣.
(٤) المستدرك ١/ ١٤٣.
[ ١ / ٣٧٨ ]
أجل هذه العلة - أعني جمعه للرجال في إسناد واحد. قال الخليلي: "ذاكرتُ يومًا بعضَ الحفاظ فقلت: البخاري لم يخرج حماد بن سلمة في الصحيح، وهو زاهد ثقة؟ فقال: لأنه جمع بين جماعة من أصحاب أنس، فيقول: حدثنا قتادة، وثابت، وعبد العزيز بن صهيب، وربما يخالف في بعض ذلك! فقلت: أليس ابنُ وهب اتفقوا عليه، وهو يجمع بين أسانيد فيقول: حدثنا مالك، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، والأوزاعي بأحاديث، ويجمع بين جماعة غيرهم (^١)؟ فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه، وأحفظ له" (^٢).
وحتى كبار الحفاظ البارزين في الحفظ والاتقان قد يقعون في الخطأ والغلط من جراء هذا الصنيع، ومن ذلك ما ذكره الترمذي عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، وشعبة - غير مرة - عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان، عن النبي ﷺ: "خيركم من تعلم القرآن وعلّمه" (^٣). فحكم الحفاظ على يحيى القطان بالوهم في هذا الحديث. قال ابن عدي: "وذِكرُ سعد بن عبيدة في هذا الإسناد عن الثوري غيرُ محفوظ، وإنما يُذكر هذا عن يحيى القطان، جمع بين الثوري وشعبة فذكر عنهما جميعًا في الإسناد في هذا الحديث: سعد بن عبيدة، وسعد إنما يذكره شعبة،
_________________
(١) وقد يجمع بين الثقة والضعيف كما روى البخاري من طريقه في كتاب الاعتصام عن عبد الرحمن بن شريح وغيره، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عبد الله بن عمرو حديث: "إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعًا" الحديث. فالغير هنا هو عبد الله بن لهيعة، أبهمه البخاري لضعفه فتح الباري ١٣/ ٢٨٢ - ٢٨٣. ونبه الحافظ على أنه ليس بين معنى حديثهما كبير أمر، وهو ما يسوغ مثل هذا الصنيع. وذكر السخاوي عدة أمثلة أخرى للجمع بين الثقة والضعيف خصوصًا عن ابن وهب انظر: فتح المغيث ٣/ ٢١٠.
(٢) الإرشاد في معرفة علماء الحديث ١/ ٤١٧ - ٤١٨.
(٣) الجامع ٥/ ١٦٠.
[ ١ / ٣٧٩ ]
والثوري لا يذكره، فحمل يحيى حديث شعبة على حديث الثوري، فذكر عنهما جميعًا سعدًا، ويقال: لا يُعرف ليحيى بن سعيد خطأ غيره" (^١).
_________________
(١) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١٢٣٤، وانظر: فتح الباري ٩/ ٧٥. واهتديت إلى هذا المثال من كتاب الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات للشيخ طارق بن عوض الله ص ٢٦٥.
[ ١ / ٣٨٠ ]
المطلب السادس: سوء الحفظ المقيد برواية الراوي حين يروي بالمعنى.
درج كثير من رواة الآثار من لدن عهد الصحابة على رواية الأحاديث بالمعنى، ولم يروا ضرورة الالتزام باللفظ المسموع في الرواية إذا كان المعنى المؤدّى صحيحًا، قال الإمام الشافعي: "وقد قال بعض التابعين: لقيت أناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاجتمعوا في المعنى، واختلفوا عليّ في اللفظ، فقلت لبعضهم ذلك، فقال: لا بأس ما لم يُحيل المعنى" (^١)، أي يُعدله عن وجهه. وعن ابن سيرين بإسناد صحيح قال: "كنت أسمع الحديث من عشرة، المعنى واحد واللفظ مختلف" (^٢).
وذهب معظم أهل العلم إلى جواز ذلك، لكن اشترطوا في الذي يروي بالمعنى أن يكون عالمًا بمدلولات الألفاظ ومقاصدها، وما يحيل معناها (^٣). قال الإمام الشافعي في بيان من تقوم بخبره الحجة: "إذا حدّث به أي الحديث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه، لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام" (^٤).
وكان الإمام أحمد ممن ذهب إلى جواز الرواية بالمعنى، ويستدل لذلك بفعل السلف، قال: "ما زال الحفاظ يحدّثون بالمعنى، وإنما يجوز ذلك لمن هو عالم بلغات العرب، بصير بالمعاني، عالم بما يحيل المعنى وما لا يحيله" (^٥). ومما يدل على تقريره للرواية بالمعنى إذا لم تحصل الإحالة في المعنى ما ذكره أبو داود في مسائله قال: "سمعت أحمد بن محمد بن حنبل قال: قال عبد الرحمن: سألت سفيان عنه - يعني عن حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ: "للفارس
_________________
(١) الرسالة ص ٢٧٥/ ٧٥٥.
(٢) جامع بيان العلم وفضله ١/ ٣٤٤ رقم ٤٦٤، ٤٦٥.
(٣) انظر: شرح علل الترمذي ١/ ٤٢٧، وفتح المغيث ٣/ ١٣٧ - ١٣٨.
(٤) الرسالة ص ٣٧٠ - ٣٧١.
(٥) شرح علل الترذي ١/ ٤٢٧.
[ ١ / ٣٨١ ]
ثلاثة أسهم" فقال: خالفوني فيه. قال أحمد: وإنما قالوا: للفرس سهمان، أي بأنه ليس اختلاف، لأن للفرس سهمين، ولفارسه سهم فذلك ثلاثة أسهم" (^١). فلم ير هناك اختلافًا بين من روى الحديث بلفظ: [أن رسول الله ﷺ جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا] (^٢)، وباللفظ الذي رواه سفيان والذي وقع السؤال عليه، لأن المعنى واحد.
وكذلك قال لما سأله الأثرم عن حديث ابن أبي زائدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ "بادروا الصبح بالوِتر" (^٣)، قال: "هذا أُراه اختصره من حديث "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة" (^٤)، وهو بمعناه. قال: فقلت له: رواه أحد غيره؟ قال: لا" (^٥).
ومع تجويزه للرواية بالمعنى فقد كان يفضل اتباع اللفظ والتقيد به، ويقدم رواية من كان يلتزم اللفظ على رواية من كان يروي بالمعنى، لأن احتمال دخول الخطأ والغلط في الرواية بالمعنى أقوى منه من الرواية باللفظ إذا قورنت بها. وهذا الاعتبار كان أحد أوجه تقديم حفظ الكتاب على حفظ الصدر عند الإمام
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٤٤٤/ ٢٠٢٩. وحديث سفيان رواه ابن حبان الإحسان ١١/ ١٣٩ - ١٤٠ ح ٤٨١١، والدارقطني ٤/ ١٠٢، والبيهقي ٦/ ٣٢٥ كلهم من طرق عن سفيان الثوري، عن عبيد الله بن عمر به بلفظ: [أن رسول الله ﷺ أسهم للرجل ثلاثة أسهم، للرجل سهم ولفرسه سهمان]. ولم أقف على رواية ابن مهدي عن الثوري.
(٢) رواه غير واحد عن عبيد الله. انظر: صحيح البخاري ٦/ ٦٧ ح ٢٨٦٣، ٧/ ٤٨٤ ح ٤٢٢٨ مع فتح الباري، صحيح مسلم ٣/ ١٣٨٣ ح ١٧٦٢، ومسند الإمام أحمد ٨/ ١١ ح ٤٤٤٨. وقد وافق أبو معاوية سفيان في اللفظ الذي رواه بعض الرواة عنه كما في مسند الإمام أحمد.
(٣) أخرجه أبو داود ح ١٤٣٦، والترمذي الجامع ٢/ ٣٣١ ح ٤٦٧، وأحمد المسند ٩/ ١٧ ح ٤٩٥٢، وابن خزيمة ٢/ ١٤٦ ح ١٠٨٧، وابن حبان ٦/ ١٩٨ ح ٢٤٤٥، والحاكم المستدرك ١/ ٣٠١.
(٤) هذا حديث عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر. أخرجه مسلم ١/ ٥١٧ ح ١٤٨ وغيره.
(٥) فتح الباري لابن رجب ٦/ ٢٣٧.
[ ١ / ٣٨٢ ]
أحمد كما سيأتي في موضعه إن شاء الله، فإن الاعتماد على الكتاب في التحمل والأداء من أفضل أسباب التزام الراوي باللفظ دون المعنى عند الرواية، ومن ثمّ يقل أوجه احتمال دخول الخلل عليه في مروياته. ومن أجل هذا أيضًا كان ﵀ يقدّم عبد الرحمن بن مهدي على وكيع عند اختلافهما. قال صالح بن أحمد: "قلت لأبي: عبد الرحمن أثبت عندك أو وكيع؟ قال: عبد الرحمن أقل سقطًا من وكيع في سفيان، قد خالفه وكيع في ستين حديثًا من حديث سفيان، وكان عبد الرحمن يجيء بها على ألفاظها … " (^١).
قال حنبل بن إسحاق: قال أبو عبد الله: "إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن فعبد الرحمن أثبت، لأنه أقرب عهدٍ بالكتاب" (^٢).
وقال الأثرم: "قيل لأبي عبد لله: كان عبد الرحمن حافظًا؟ فقال: كان حافظًا، وكان يتوقى كثيرًا، وكان يحب أن يحدث بالألفاظ" (^٣).
وأما وكيع فلم يكن صاحب كتاب حتى قال الإمام أحمد: "ما رأيت مع وكيع كتابًا قط ولا رقعة" (^٤). وقال أيضًا: "من حدّث من كتاب لا يكاد يكون سقط كثير شيء، وكان وكيع يحدث من حفظه، ولم يكن ينظر في كتاب، وكان له سقط، كم يكون حفظ الرجل! " (^٥).
وقد كان الإمام أحمد حريصًا على التزام باللفظ في خاصة نفسه عند الرواية حتى إنه ليميز اختلاف الرواة في حرف من متن الحديث وإن كان لا
_________________
(١) الجرح والتعديل ٥/ ٢٨٩.
(٢) تاريخ بغداد ١٠/ ٢٤٣.
(٣) الكفاية في علم الرواية ص ٢٥٩.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ١٥٢ رقم ٥٨.
(٥) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٩٧.
[ ١ / ٣٨٣ ]
يتغير به المعنى، وما ذكر عن الإمامين مسلم وأبي داود من عنايتهما باللفظ والتزامهما به فعن الإمام أحمد أخذا ذلك، فإنه كان شيخهما، ومن أمثلة ذلك ما ذكره السخاوي (^١) من صنيعه ﵀ في المسند أنه قال: حدثنا يزيد، وعباد بن عباد، قالا: أخبرنا هشام بن أبي هشام - قال: عباد: ابن زياد - عن أمه، عن فاطمة ابنة الحسين، عن أبيها الحسين بن علي، عن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم ولا مسلمة يُصاب بمصيبة، فيذكرها، وإن طال عهدُها - قال: عباد: قدُم عهدُها - فيُحدث لذلك استرجاعًا، إلا جدّد الله له عند ذلك، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب بها" (^٢). فلا فرق في المعنى بين: "طال عهدُها"، و"قدُم عهدُها"، لكنه ﵀ اعتنى بذكر الاختلاف بين اللفظين اتباعًا للفظ، ولم يكتف بالإشارة بناءً على حصول التوافق في المعنى.
والرواية بالمعنى أحد أسباب دخول الخلل في أحاديث الثقات، خاصة في متونها، ويكون ذلك من أحد وجهين:
الأول: أن يقع الخطأ عند الرواية بالمعنى بسبب حمل ألفاظ الأحاديث على آراء فقهية للراوي، وهذا في الغالب يقع من الفقهاء المعتنين بالرأي، فإنهم يروون الأحاديث بالمعنى ويخالفون في ألفاظه حتى يغلب على الظن أنهم يحملون ألفاظ الأحاديث على الألفاظ الفقهية المتداولة بينهم.
الثاني: أن يتصرف الراوي في اللفظ فيخطئ المعنى، وهذا غالبًا ما يقع بسبب نوع من الخفاء في المعنى ولا يهتدي إليه الراوي - كما سيأتي من خلال
_________________
(١) فتح المغيث ٣/ ١٤١.
(٢) المسند ٣/ ٢٥٦ ح ١٧٣٤، وهو حديث ضعيف، فإن هشام بن أبي هشام، وهو هشام بن زياد ضعيف الحديث عند الإمام أحمد وغيره العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥٠٨ رقم ٣٣٤٤، تهذيب الكمال ٣٠/ ٢٠٢. وأمه مجهولة.
[ ١ / ٣٨٤ ]
الأمثلة التي ذكرها الإمام أحمد - وكثيرًا ما يقع من الرواة الذين لم يشتهروا بالفقه وإن كانوا حفاظًا عندما يتركون الرواية باللفظ إلى المعنى.
فالوجه الأول: هو الذي أشار إليه الحافظ ابن رجب ﵀ في القاعدة التي ذكرها ضمن قواعده في العلل حيث قال: "الفقهاء المعتنون بالرأي حتى يغلب عليهم الاشتغال به لا يكادون يحفظون الحديث كما ينبغي، ولا يقيمون أسانيده ولا متونه، ويخطئون في حفظ الأسانيد كثيرًا، ويروون المتون بالمعنى، ويخالفون الحفاظ في ألفاظه، وربما يأتون بألفاظ تشبه ألفاظ الفقهاء المتداولة بينهم" (^١). وأشار إليه ابن حبان من قبل في الجنس الخامس من أجناس أحاديث الثقات التي لا يجوز الاحتجاج بها، لكن قصر وجه رد الأحاديث في أخطائهم في الأسماء والأسانيد فقال: "الفقيه إذا حدث من حفظه وهو ثقة في روايته لا يجوز عندي الاحتجاج بخبره، لأنه إذا حدث من حفظه فالغالب عليه حفظ المتون دون الأسانيد … فإذا حدث الفقيه من حفظه ربما صحّف الأسماء، وقلب الأسانيد، ورفع الموقوف، وأوقف المرسل، وهو لا يعلم لقلة عنايته به، وأتى بالمتن على وجهه، فلا يجوز الاحتجاج بروايته إلا من كتاب، أو يوافق الثقات في الأسانيد" (^٢). فاستدرك عليه ابن رجب فقال: "هذا إن كان الفقيه حافظًا للمتن، فأما من لا يحفظ متون الأحاديث بألفاظها من الفقهاء، وإنما يروي الحديث بالمعنى فلا ينبغي الاحتجاج بما يرويه من المتون، إلا بما يوافق الثقات في المتون، أو يحدث به من كتاب موثوق به" (^٣).
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٣٤.
(٢) المجروحين ١/ ٩٣ - ٩٤.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٣٦.
[ ١ / ٣٨٥ ]
فهذه القاعدة التي ذكرها ابن رجب تقتضي أن الراوي الفقيه الذي لا يحفظ متون الأحاديث بألفاظها وإنما يروي بالمعنى فإنه يوصف بسوء الحفظ في حالة روايته بالمعنى، فيتوقف عن الاحتجاج بما يرويه من المتون حتى يوجد له موافق أو يثبت أنه حدّث من كتاب لا من حفظ. ولم أجد من كلام الإمام أحمد سواء في الرجال أو في الأحاديث ما يصلح أن يستنبط له منهجًا في هذا. وموقفه من معلى بن منصور أبي يعلى الرازي قد يصلح أن يكون من أدلة هذه القاعدة، فإنه قال عنه: "كان يحدث بما وافق الرأي، وكان كل يوم يخطئ في حديثين أو ثلاثة" (^١). وكان معلى فقيهًا من أصحاب الرأي، وكان من كبار أصحاب أبي يوسف ومحمد بن الحسن (^٢)، فأشار الإمام أحمد إلى أنه كان يحمل الأحاديث على ما يوافق رأيه في الفقه، وهذا إنما يحصل بسبب الرواية بالمعنى.
وموقف الإمام أحمد من سائر أصحاب الرأي من عدم الرواية عنهم، يحتمل أن يكون ناتجًا عن هذا السبب، فيكون دليلًا آخر على هذه القاعدة وبالتالي يعتبر مقتضى تلك القاعدة منهجًا للإمام أحمد، لكن ذكر ابن هاني عن أحمد أنه قال: "تركنا أصحاب الرأي، وكان عندهم حديث كثير، فلم نكتب عنهم، لأنهم معاندون للحديث … " (^٣)، فهذا يدل على أن تركه لأحاديث أهل الرأي هو من أجل معاندتهم للحديث عنده، أي مخالفتهم له. وحمله القاضي أبو يعلى على أهل الرأي من المتكلمين كالقدرية وغيرهم، ورده أبو المحاسن والد شيخ الإسلام
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٣/ ١٨٩.
(٢) المصدر نفسه ١٣/ ١٨٨، ١٩١. وقد وثق معلى بن منصور ابن معين - في رواية الدارمي - ويعقوب بن شيبة، وقال عنه ابن سعد، وأبو زرعة، وأبو حاتم: صدوق. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس بحديثه لأني لم أجد له حديثًا منكرًا فأذكره الجرح والتعديل ٨/ ٣٣٤، الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٣٧٢، تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٩٤ - ٢٩٥.
(٣) مسائل الإمام أحمد - رواية ابن هانئ ٢/ ١٦٨ رقم ١٩٣٠.
[ ١ / ٣٨٦ ]
ابن تيمية فذكر أنه نوع من الهجر، بدليل أنه قد صرّح بتوثيق بعض من ترك الرواية عنه - يعني من أصحاب الرأي - كأبي يوسف ونحوه (^١)، يعني إن ترك الإمام أحمد لأحاديث أهل الرأي كان من أجل هجرة المخالف للسنة، وليس من أجل ضعف حديثهم، وعليه فلا يؤخذ من موقفه هذا دليل على سوء حفظ أهل الاختصاص بالفقه والرأي (^٢).
وأما من حيث الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد بهذا الوجه من وجهي دخول الخطأ من أجل الرواية بالمعنى، فلم أقف إلا على حديث واحد ذكره ابن رجب في شرحه على صحيح البخاري (^٣) عند الكلام على حديث هشام ابن عروة، عن أبيه عن عائشة في حديثها عن حجها وفيه: قالت عائشة: وكنت أنا ممن أهلّ بعمرةٍ، فأدركني يومُ عرفةَ وأنا حائضٌ فشكوتُ إلى النبي ﷺ فقال: "دعي عمرتَك وانقُضي رأسَك وامتَشِطي وأهلِّي بحَجٍّ" (^٤) فقال أحمد: "من رواه [انقُضي عمرتَك] فقد أخطأ، ورواه بالمعنى الذي فهمه".
ولم أقف على تلك الرواية التي أشار إليها الإمام أحمد، لكن الظاهر أنه من بعض من يرى رأي أهل الكوفة. قال ابن رجب: وذلك أن قول أبي حنيفة
_________________
(١) المسودة في أصول الفقه ص ٢٣٩.
(٢) وحتى موقف الإمام أحمد من معلى بن منصور الذي ذُكر أنه يصلح مثالًا أو دليلًا عن أحمد لهذه القاعدة قد ورد ما يدل على أن تركه له كان أيضًا من باب هجران المخالف لا من باب الضعف في الرواية، فقد روى أبو زرعة الرازي قال: رحم الله أحمد بن حنبل، بلغني أنه كان في قلبه غصص من أحاديث ظهرت عن المعلى بن منصور، كان يحتاج إليها، وكان المعلى أشبه القوم - يعني أصحاب الرأي - بأهل العلم، وذلك أنه كان طلابة للعلم، ورحل وعُني به فتصبّر أحمد عن تلك الأحاديث، ولم يسمع منه حرفًا، وأما علي بن المديني وأبو خيثمة وعامة أصحابنا فسمعوا منه، المعلى صدوق تاريخ بغداد ١٣/ ١٨٩.
(٣) فتح الباري لابن رجب ١/ ٤٧٨.
(٤) أخرجه البخاري صحيح البخاري ١/ ٤١٧ ح ٣١٧، ومسلم ٢/ ٨٧٢ ح ١٢١١.
[ ١ / ٣٨٧ ]
والكوفيين أن المرأة الحائض إذا أهلت بعمرة وخافت فوات الحج فإنها ترفُض العمرة، ثم تُحرم بالحج، ثم تقضي العمرة بعد الحج، وتأولوا حديث عائشة على ذلك. ا. هـ (^١).
ومثل ابن رجب لتلك الأحاديث برواية شريك القاضي لحديث أنس: [أن النبي ﷺ كان يتوضأ برطلين من ماء]. أخرجه أبو داود (^٢) - واللفظ له - والترمذي (^٣)، وأحمد (^٤)، وابن أبي شيبة (^٥). قال ابن رجب: رواه بالمعنى الذي فهمه، فإن لفظ الحديث: [أنه كان يتوضأ بالمد] والمد عند أهل الكوفة رطلان (^٦). يشير إلى رواية الجماعة لحديث أنس: أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، أخرجاه من حديث عبد الله بن عبد الله بن جبر عن أنس (^٧).
الوجه الثاني: وهو الذي يقع بسبب تصرف الراوي في اللفظ وفيه نوع من الخفاء في المعنى فيروي الراوي بالمعنى الذي فهمه فيقلبه، فهذا لم يسلم منه حتى الرواة الثقات، حتى إن ابن حبان اعتبر هذا جنسًا من أحاديث الثقات التي لا يجوز الاحتجاج بها، قال ﵀: "الثقة الحافظ إذا حدث من حفظه وليس بفقيه، لا يجوز عندي الاحتجاج بخبره، لأن الحفاظ الذين رأيناهم أكثرهم كانوا يحفظون الطرق والأسانيد دون المتون … فإذا كان الثقة الحافظ لم يكن فقيهًا
_________________
(١) انظر: فتح الباري لابن رجب الموضع نفسه.
(٢) سنن أبي داود ١/ ٧٢ ح ٩٥.
(٣) الجامع ٢/ ٥٠٧ ح ٦٠٩.
(٤) المسند ٢٠/ ٢١٦ ح ١٢٨٣٩، ٢٠/ ٢١٨ ح ١٢٨٤٣.
(٥) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٦٨ ح ٧٣٥.
(٦) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٣٤.
(٧) صحيح البخاري ١/ ٣٠٤ ح ٢٠١ - مع فتح الباري، صحيح مسلم ١/ ٢٥٨ ح ٣٢٥ (٥١).
[ ١ / ٣٨٨ ]
وحدث من حفظه، فربما قلب المتن، وغيّر المعنى حتى يذهب الخبر عن معنى ما جاء فيه، ويقلب إلي شيء ليس منه وهو لا يعلم، فلا يجوز عندي الاحتجاج بخبر من هذا نعته إلا أن يحدث من كتاب، أو يوافق الثقات فيما يرويه من متون الأخبار" (^١). وهذا لا يؤخذ على إطلاقه كما قال ابن رجب، وإنما يختص بمن عرف منه عدم حفظ المتون وضبطها، لأن الظاهر من حال الحافظ المتقن حفظ الإسناد والمتن، إلا أن يوقف منه على ذلك (^٢)، أي فلا يقبل منه إلا ما وافقه الثقات على لفظه أو كان تحديثه به من كتابه.
والنماذج التي وقفت عليها من إعلال الإمام أحمد للأحاديث من أجل الرواية بالمعنى ترجع إلى هذا الوجه الثاني، وهي كما يلي:
١. قال عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: حدثني عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن صفوان بن عَسال قال: قال رجل من اليهود: انطلق بنا إلى هذا النبي، قال: لا تقل النبي، فإنه لو سمعها كان له أربعة أعين … وقصّ الحديث، فقالا: نشهد أنك رسول الله ﷺ. سمعت أبي يقول: خالف يحيى بن سعيد غيرُ واحدٍ، قالوا: نشهد أنك نبي. قال أبي: لو قالوا: نشهد أنك رسول الله كانا قد أسلما، ولكن يحيى أخطأ فيه خطأً قبيحًا (^٣).
حديث يحيى بن سعيد هذا أخرجه أحمد في المسند (^٤)، والطحاوي (^٥)، عنه عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلِمة، عن صفوان بن عسَال، ولفظه
_________________
(١) المجروحين ١/ ٩٣.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٣٧.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٨٣ - ٨٤ رقم ٤٢٨٦.
(٤) المسند ٣٠/ ٢٢ ح ١٨٠٩٧.
(٥) شرح مشكل الآثار ح ٦٣.
[ ١ / ٣٨٩ ]
كما في المسند: [قال رجل من اليهود لآخر: انطلِق بنا إلى هذا النبي، قال: لا تقل هذا، فإنه لو سمعها كان له أربعة أعين، قال: فانطلقا إليه فسألاه عن هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] قال: "لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق، ولا تَسرِقوا، ولا تَزنوا، ولا تَفِرُّوا من الزَّحف، ولا تسحَروا، ولا تأكلوا الرِّبا، ولا تُدلُوا ببريءٍ إلى ذي سُلطان ليقتُلَه، وعليكم خاصة يهود أن لا تعتدوا في السَّبت"، فقال: نشهد أنك رسول الله ﷺ].
وخالف يحيى بنَ سعيد غيرُ واحد من أصحاب شعبة، والذين وقفت عليهم هم:
١. غندر محمد بن جعفر، وحديثه عند أحمد (^١)، ومن طريقه الحاكم (^٢)، والمقدسي (^٣)، ورواه الطبري أيضًا من طريق غندر (^٤).
٢. عبد الرحمن بن مهدي، وحديثه عند الطبري في التفسير (^٥).
٣. يزيد بن هارون، وحديثه عند أحمد (^٦)، والترمذي (^٧).
٤. أبو داود الطيالسي (^٨)، وأخرج الحديث من طريقه الترمذي (^٩)، والطبري (^١٠)، والطحاوي (^١١)، والبيهقي (^١٢).
_________________
(١) المسند ٣٠/ ١٢ ح ١٨٠٩٢.
(٢) المستدرك ١/ ٩.
(٣) الأحاديث المختارة ٨/ ٢٩.
(٤) جامع البيان ١٥/ ١٧٢.
(٥) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ١٥/ ١٧٣.
(٦) الموضع السابق مقرونًا بغندر.
(٧) الجامع ٥/ ٢٨٦ ح ٣١٤٤ مقرونًا بغير يزيد.
(٨) والحديث في مسنده ص ١٦٠ ح ١١٦٤.
(٩) الموضع السابق.
(١٠) جامع البيان ١٥/ ١٧٣.
(١١) شرح معاني الآثار ٣/ ٢١٥.
(١٢) السنن الكبرى ٨/ ١٦٦.
[ ١ / ٣٩٠ ]
٥. أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وحديثه عند الترمذي (^١)، وابن أبي عاصم (^٢)، وابن قانع (^٣)، والعقيلي (^٤)، والطبراني (^٥)، ومن طريقه المقدسي (^٦).
٦. عبد الله بن إدريس، وحديثه عند الترمذي (^٧)، والنسائي (^٨).
٧. أبو أسامة حماد بن أسامة، وحديثه عند الترمذي (^٩).
٨. وهب بن جرير، وحديثه عند الحاكم (^١٠).
٩. آدم بن أبي إياس، وحديثه عند الحاكم أيضًا (^١١).
١٠. عمرو بن مرزوق، وحديثه عند الطحاوي (^١٢).
١١. حجاج بن محمد المصيصي، وحديثه عند الطحاوي أيضًا (^١٣).
١٢. سهل بن يوسف، وحديثه عند الطبري (^١٤).
وكلهم قالوا: [نشهد أنك نبي]. وقال الطحاوي: هذا الحرف: [نشهد أنك رسول الله] لم يقله أحد من أصحاب شعبة إلا يحيى بن سعيد. ا. هـ (^١٥).
_________________
(١) الموضع السابق، مقرونًا بأبي داود الطيالسي، ويزيد بن هارون.
(٢) الآحاد والمثاني ٤/ ٤١٤ ح ٢٤٦٥.
(٣) معجم الصحابة ٢/ ١١.
(٤) الضعفاء ٢/ ٦٥٧.
(٥) المعجم الكبير ٨/ ٦٩ ح ٧٣٩٦.
(٦) الأحاديث المختارة ٨/ ٢٨ وقال: إسناده صحيح.
(٧) الجامع ٥/ ٧٢ ح ٢٧٣٣.
(٨) السنن ٧/ ١١١، وفي الكبرى ٢/ ٣٠٦ ح ٣٥٤١، ٥/ ١٩٨ ح ٨٦٥٦.
(٩) الجامع ٥/ ٧٢ ح ٢٧٣٣.
(١٠) المستدرك ١/ ٩.
(١١) الموضع نفسه، مقرونًا بوهب بن جرير.
(١٢) شرح معاني الآثار ٣/ ٢١٥.
(١٣) الموضع نفسه.
(١٤) جامع البيان ١٥/ ١٧٣.
(١٥) شرح مشكل الآثار ١/ ٦٤.
[ ١ / ٣٩١ ]
وجه إعلال الإمام أحمد للحديث:
أعله الإمام أحمد بأن يحيى القطان قد أخطأ في رواية الحديث حيث رواه بالمعنى، وذلك أنه قال مكان "نبي": "رسول الله"، واللفظان يختلف مدلولهما، قال شيخ الإسلام ابن تيمية "النبى هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أُنبأ به فإن أُرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليُبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسله هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول" (^١).
فأوضح الإمام أحمد بأنهم لو قالوا: [نشهد أنك رسول الله] كما قال يحيى كانا قد أسلما، لأن ذلك يتضمن شهادتهم بصدق بعثته وقبول رسالته، بخلاف ما لو قالوا: نشهد أنك نبي، فإن ذلك لا يدل إلا على شهادتهم بأنه منبَّأ ومُوحى إليه، ولا يقتضي إقرارهم برسالته، ولا يدخلون في الإسلام بمجرد ذلك. وفي الحديث أنهما لم يُسلما، لأنه ورد في رواية الجماعة: "فما يمنعكما أن تتبعاني؟ " قالا: إن داود ﵇ دعا أن لا يزال من ذريته نبيٌّ، وإنا نخشى إن أسلمنا أن يقتلَنا يهود (^٢)، فدل على خطأ لفظة: [نشهد أنك رسول الله] التي ذكرها القطان، وهذا ما نص عليه الإمام أحمد. وفي هذا الإعلال من الإمام أحمد نكتة بديعة، وهي أن الشخص لا يحكم بدخوله في الإسلام بالإقرار بنبوته ﷺ فحسب، بل لا بد أن ينضم إلى ذلك الإقرار برسالته ﵊، ولم أهتد إلى مزيد بيان حول هذه المسئلة في كتب العقيدة، وهي تحتاج إلى مزيد بحث في مسائل العقيدة.
واستبدال النبي بالرسول في هذا الموضع ليس مثل ما وقع في حديث
_________________
(١) النبوات ٢/ ٧١٤.
(٢) المسند ٣٠/ ١٣.
[ ١ / ٣٩٢ ]
البراء بن عازب في الصحيحين (^١): "وبرسولك الذي أرسلت"، فرده ﵊ على البراء فقال: "لا، وبنبيك الذي أرسلت"، لأن الحكمة في رده ﵊ استبدال أحد اللفظين بالآخر هنا هي كون ألفاظ الأذكار توقيفية (^٢)، وأما في حديث يحيى هذا فالرد كان من أجل اختلاف مدلول اللفظين وما يقتضي كل واحد منهما من الأحكام، فلا يسوغ معه الاستبدال والحالة هذه عند الرواية بالمعنى.
وهذا الحديث قد صححه الترمذي، والحاكم، والضياء (^٣). وقال النسائي: هذا حديث منكر، وذكر أنه حكي عن شعبة أنه قال: سألت عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة فقال: تعرف وتنكر. ا. هـ (^٤). وقال أحمد عن عبد الله بن سلمة هذا رواية عن شعبة أنه قال: كان قد كبر، فكان يحدثنا فتعرف وتنكر (^٥). وقال البخاري: عبد الله بن سلمة أبو العالية الهمداني، ولا يتابع في حديثه (^٦)، وذكر
_________________
(١) صحيح البخاري ١١/ ١٠٩ ح ٦٣١١ - مع فتح الباري، وصحيح مسلم ٤/ ٢٠٨١ ح ٢٧١٠.
(٢) انظر: فتح الباري ١١/ ١١٢.
(٣) انظره في مواضع التخريج.
(٤) السنن الكبرى ٢/ ٣٠٧. وذهب النسائي إلى أن عبد الله بن سلمة في هذا الحديث هو الأفطس، وقال أنه متروك، والصواب أنه غيره. فالذي روى هذا الحديث هو عبد الله بن سلمة الهمداني أبو العالية. قال أحمد: عبد الله بن سلمة كنيته أبو العالية، ما أعلم حدّث عنه غير عمرو بن مرة، وأبي إسحاق الهمداني العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤٨٢ رقم ١١٠٦. وقد جعل غير الإمام أحمد عبد الله بن سلمة الذي روى عنه عمرو بن مرة غير الذي روى عنه أبو إسحاق السبيعي، أجمل ابن حجر ذكر هذا الاختلاف في تهذيب التهذيب ٥/ ٣٤٢، وانظر أيضًا: موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٣٣٢ - ٣٣٥. والذي يهم في هذا الموقع أن الذي روى هذا الحديث هو الراوي عن عمرو بن مرة، وهو الذي قال فيه شعبة هذا القول الذي ذكره النسائي.
(٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ١٤٧ رقم ١٨٢٤.
(٦) التاريخ الكبير ٥/ ٩٩.
[ ١ / ٣٩٣ ]
العقيلي أنه يقصد هذا الحديث (^١). وقد وثقه العجلي ويعقوب بن شيبة (^٢). وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به (^٣). فالحديث ضعيف لحالة عبد الله بن سلمة، فإنه وإن كان صدوقًا إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وقد تفرد بالحديث، والله أعلم.
٢. في حديث عمران بن حصين: [دخلتُ على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال: اقبَلوا البشرى يا بني تميم، قالوا: بشرتنا فأعطنا - مرتين - ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال: "اقبلوا البشرى يا أهل اليمن أنْ لم يَقبلْها بنوا تميم"، قالوا: قد قبِلنا يا رسول الله. قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر. قال: "كان اللهُ ولم يكن شيءٌ غيرَه وكان عرشُه على الماءِ، وكَتب في الذِّكر كلَّ شيء، وخلق السماوات والأرضَ" (^٤)، رواه الطبراني من طريق محمد ابن عبيد، عن الأعمش، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن عمران ابن حصين عن النبي ﷺ، وزاد فيه: "وخلق الذكر". قال أبو القاسم: هذا الحرف كان محمد بن عبيد يخطئ فيه وينهاه أحمد بن حنبل أن يحدث به، والصواب ما روى أبو بكر بن عياش وغيره: "وكتب الذكر". ا. هـ (^٥).
هذا الحديث سيأتي في مطلب الإعلال باختلاط الراوي (^٦)، وكل من رواه من أصحاب الأعمش قال: "وكتب في الذكر كلَّ شيء"، وجاءت رواية محمد ابن عبيد - وهو الطنافسي - عن الأعمش فقال: "وخلق الذكر"، فأنكره عليه الإمام أحمد وكان ينهاه عنه كما نقل ذلك الطبراني، ووجه ذلك أنه رواه بالمعنى
_________________
(١) الضعفاء ٢/ ٦٥٧.
(٢) تهذيب الكمال ١٥/ ٥٢.
(٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٤٨٧.
(٤) هذا لفظ البخاري صحيح البخاري مع فتح الباري ٦/ ٢٨٦ ح ٣١٩١، ١٣/ ٤٠٣ ح ٧٤١٨.
(٥) المعجم الكبير للطبراني ١٨/ ٢٠٤.
(٦) ص ٣٥٥.
[ ١ / ٣٩٤ ]
وأخطأ فيه، فإن قوله: خلق الذكر، يختلف في المعنى عن: كتب الذكر، لأن الأول يقتضي أن القرآن مخلوق، لأن القرآن هو الذكر، وقد احتج بهذه الرواية على خلق القرآن بعضُ من ناظر الإمام أحمد أمام المعتصم زمن المحنة، فقال أحمد: هذا خطأ، حدثنا غير واحد: "إن الله كتب الذكر". ا. هـ (^١).
٣. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن حُميد، عن أنس أن بني سلِمة أرادوا أن يتحولوا من ديارهم إلى قُرب المسجد، فكره رسول الله ﷺ أن يُعرى المسجدُ، فقال: "يا بني سلِمة، ألا تحتسبون آثاركم؟ " فأقاموا. قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: أخطأ فيه يحيى بن سعيد، وإنما هو: أن تُعرى المدينةُ، فقال يحيى: المسجد، وضرب عليه أبي هاهنا، وقد حدثنا به في كتاب يحيى بن سعيد (^٢).
هذا الحديث رواه الإمام أحمد من غير حديث يحيى بن سعيد القطان، فرواه من حديث محمد بن أبي عدي (^٣)، ومن حديث عبد الله بن بكر السهمي (^٤)، وهو عند البخاري (^٥)، وابن ماجه (^٦)، وابن أبي شيبة (^٧)، والبيهقي (^٨)، كلهم بلفظ: "فكره أن تُعرى المدينة".
وجه إعلال الإمام أحمد للحديث:
أعلّ الإمام أحمد رواية شيخه يحيى بن سعيد القطان لهذا الحديث حيث
_________________
(١) حلية الأولياء ٩/ ١٩٩، سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٤٥.
(٢) المسند ٢٠/ ٢٣٨ - ٢٣٩ ح ١٢٨٧٦. وذكر عبد الله هذه الرواية في العلل أيضًا ٣/ ٨٢ - ٨٣ رقم ٤٢٨٠، ٤٢٨٣.
(٣) المسند ١٩/ ٩٠ ح ١٢٠٣٣.
(٤) المسند ٢١/ ٢٩٦ ح ١٣٧٧٠.
(٥) صحيح البخاري مع فتح الباري ٢/ ١٣٩ ح ٦٥٥، ٦٥٦، ٤/ ٩٩ ح ١٨٨٧.
(٦) سنن ابن ماجه ١/ ٢٥٨ ح ٧٨٤.
(٧) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٢٢ ح ٦٠٠٧.
(٨) السنن الكبرى ٣/ ٦٤.
[ ١ / ٣٩٥ ]
قال: "فكره رسول الله ﷺ أن يُعرى المسجد" مكان: "أن تعرى المدينة"، وهذا يحتمل أن يكون الخطأ يرجع إلى الرواية بالمعنى، فإن معنى كراهية أن تعرى المدينة هو أن تُترك خالية، لأن العراء هي الفضاء من الأرض (^١)، فكأنه حرص أن تبقى جهات المدينة عامرة بساكنها (^٢). وهذا المعنى لا يوجد في "أن يعرى المسجد". ويحتمل أن يكون هذا مجرد وهم من يحيى في لفظ الحديث حيث قال: المسجد مكان: المدينة، وليس من أجل الرواية بالمعنى، والله أعلم.
اختصار الحديث:
وهو رواية بعض الحديث الواحد دون بعض (^٣)، وهو من فروع الرواية بالمعنى، فمَن منعها أطلق المنع على الاختصار، ومن أجازها أجازه بالشرط الذي اشترطه في الرواية بالمعنى. قال الخطيب: "وإن كان النقصان من الحديث شيئًا لا يتغير به المعنى كحذف بعض الحروف والألفاظ، والراوي عالم واعٍ محصل لما يغير المعنى وما لا يغيره من الزيادة والنقصان، فإن ذلك سائغ له على قول من أجاز الرواية على المعنى دون من لم يجز ذلك" (^٤). ومن أجل الإخلال بهذا الشرط يقع بعض الرواة في الخطأ عند اختصار الحديث، فيكون ذلك سببًا لإعلال حديثهم، وقد أنكر إسماعيل بن علية على شعبة اختصاره للحديث الذي رواه عنه، قال إسماعيل بن علية: "روى عني شعبة حديثًا واحدًا، فأوهم فيه، حدثتُه عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: أن النبي ﷺ نهى أن يتزعفر الرجل (^٥)، فقال
_________________
(١) النهاية ٣/ ٢٢٦.
(٢) فتح الباري ٢/ ١٤٠.
(٣) تدريب الراوي ٢/ ١٠٣.
(٤) الكفاية في علم الرواية ص ٢٩٣.
(٥) أخرجه مسلم ٣/ ١٦٦٣ ح ٢١٠١، وأبو داود ٤/ ٤٠٤ ح ٤١٧٩، والنسائي ٥/ ١٤١ ح ٢٧٠٥، وأحمد المسند ١٩/ ٤٠ ح ١١٩٧٨.
[ ١ / ٣٩٦ ]
شعبة: إن النبي ﷺ نهى عن التزعفر (^١) " (^٢)، فشعبة لماّ اختصر الحديث أوهم أن النهي فيه عام، والواقع أنه خاص بالرجال، ووقع في هذا الوهم من أجل الاختصار. وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى أن شعبة اختصر الحديث، لكنه جوز أن يكون ابن علية اختصره لما حدّثه به (^٣)، ولعله لم يستحضر إنكار ابن علية على شعبة، وهو ينفي هذا الاحتمال الذي ذكره الحافظ.
ووجه دخول الخطأ على الاختصار هو عين وجه دخوله على الرواية بالمعنى، أي التصرف في اللفظ الذي يؤدي إلى تخطئة المعنى بسبب نوع من الخفاء فيه.
قال إسحاق بن هانئٍ: وسئل عن حديث وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قصة الحيض؟ قال: هذا باطل (^٤).
وحديث عائشة الذي رواه وكيع أخرجه ابن ماجه في "باب الحائض كيف تغتسل" قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد، قالا: ثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها، وكانت حائضًا: "انقضي شعرك واعتسلي" (^٥)، وهو عند ابن أبي شيبة (^٦).
_________________
(١) أخرجه النسائي ٥/ ١٤١ ح ٢٧٠٦، وفي الكبرى ٢/ ٣٤١ ح ٣٦٨٧، والترمذي ٥/ ١١٢، وابن حبان الإحسان ١٢/ ٢٧٨ ح ٥٤٦٤، وأبو عوانة مسند أبي عوانة ٥/ ٢٧١ ح ٨٧٠٠، والطحاوي شرح معاني الآثار ٢/ ١٢٨،
(٢) المحدث الفاصل ص ٣٨٩، والكفاية في علم الرواية ص ٢٦٠.
(٣) فتح الباري ١٠/ ٣٠٤.
(٤) مسائل الإمام أحمد - رواية ابن هانئ ٢/ ٢٤٠ رقم ٢٣٣١.
(٥) سنن ابن ماجه ١/ ٢١٠ ح ٦٤١.
(٦) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٧٨ ح ٨٦٥.
[ ١ / ٣٩٧ ]
وجه إعلال الإمام أحمد للحديث:
جاء توضيح ذلك في رواية المروذي كما نقلها ابن رجب، قال: "وقد ذُكر هذا الحديث للإمام أحمد، عن وكيع فأنكره، قيل له: كأنه اختصره من حديث الحج؟ قال: ويحل له أن يختصر؟ نقله عنه المروذي" (^١). قال ابن رجب: هذا الحديث يوهم أنه - أي النبي ﷺ قال لها ذلك في غسلها من الحيض، وهذا مختصر من حديث عائشة الذي خرجه البخاري. ا. هـ (^٢).
وحديث عائشة في الحج أخرجه غير واحد عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بلفظ: [خرجنا مع رسول الله ﷺ مُوافين لهلال ذي الحجة فقال رسول الله ﷺ: "من أحبّ أن يُهلّ بعمرةٍ فليُهلّ، ومن أحبّ أن يُهلّ بحجةٍ فليُهلّ، فلولا أني أهديتُ أهللت بعمرة". قالت: فمنهم من أهلّ بعمرة، ومنهم من أهل بحجة، وكنت ممن أهلّ بعمرة، فحِضتُ قبل أن أدخل مكة، فأدركني يومُ عرفة وأنا حائضٌ، فشكوْتُ ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "دعي عمرتَك وانقُضي رأسَك وامتشطي، وأهَلّي بالحج" ففعلتُ، فلما كانت ليلةُ الحَصبة أَرسلَ معي عبدَ الرحمن إلى التّنعِيم فأَردفها فأهلّت بعمرة مكانَ عمرتها فقضى الله ﷿ حجَّها وعمرتَها ولم يكن في شيء من ذلك هديٌ ولا صومٌ ولاصدقةٌ]. هكذا رواه يحيى القطان عن هشام، أملاه عليهم هشام إملاءً (^٣). والحديث عند الشيخين وغيرهما من طرق عن هشام به (^٤).
_________________
(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب ١/ ٤٧٦.
(٢) الموضع نفسه.
(٣) المسند ٤٢/ ٣٧٦ ح ٢٥٥٨٧. وإنما سقت هذه الرواية لتنصيص القطان على أن تحملهم للحديث عن هشام كان بإملاء منه، لأنه أرفع أقسام طرق تحمل الحديث عند الجماهير كما قال النووي التقريب مع تدريب الراوي ٢/ ٨.
(٤) انظر: صحيح البخاري ١/ ٤١٧ ح ٣١٧ مع فتح الباري، وصحيح مسلم ٢/ ٨٧٢ ح ١٢١١ (١١٥).
[ ١ / ٣٩٨ ]
ولما اختصره وكيع أوهم أن يكون قال لها ذلك في غسلها من الحيض، بينما قال لها ذلك وهي في الحيض، ولماّ ينقطع عنها، ولكن أمرها أن تغتسل للإحرام في حال الحيض، فأخل الاختصار بمعنى أصل الحديث، واستدل به على حكم لا يدل عليه، وهو امتشاط المرأة ونقضها شعرها عند غسلها من الحيض. فالإمام أحمد أنكر مثل هذا الاختصار الذي يخل بالمعنى أويحيله، قال الخلال: "إنما أنكر أحمد مثل هذا الاختصار الذي يُخل بالمعنى، لا أصل الاختصار" (^١).
والدليل على أن وكيعًا هو الذي اختصر الحديث وليس أبو بكر بن أبي شيبة الراوي عنه كما ذهب إليه أبو بكر الخلال (^٢)، كون ابن أبي شيبة قد توبع عن وكيع بمثل هذا اللفظ المختصر، فتابعه علي بن محمد وهو الطنافسي عند ابن ماجه كما تقدم، وتابعه أيضًا إبراهيم بن مسلم الخوارزمي في "كتاب الطهور" كما قال ابن رجب (^٣). وقد رواه الإمام أحمد، وأبو كريب كلاهما عن وكيع بدون اختصار (^٤). وكذلك نقل المروذي عن الإمام أحمد يدل على أن إنكاره هذا الاختصار كان موجهًا إلى وكيع.
فهذا الاختصار المخل بالمعنى هو وجه بطلان الحديث عند الإمام أحمد وإنكاره على راويه، وإنما وقع فيه الراوي بتصرفه في اللفظ وحمله على المعنى الذي فهمه. فالإمام أحمد ﵀ يعتبر مثل هذا الاختصار سببا من أسباب إعلال الأحاديث.
فالخلاصة أن الرواية بالمعنى أحد أسباب وقوع العلل في الروايات، وإنما
_________________
(١) فتح الباري لابن رجب ١/ ٤٧٧.
(٢) انظر: الموضع السابق.
(٣) الموضع السابق.
(٤) مسند الإمام أحمد ٤٢/ ٣٧٨ ح ٢٥٥٨٨، صحيح مسلم ٢/ ٨٧٢ ح ١٢١١ (١١٧).
[ ١ / ٣٩٩ ]
يقع ذلك عند وجود الاختلاف في الألفاظ، فإن لم يؤد ذلك الاختلاف إلى اختلاف في المعنى، دل على أن بعض الرواة تصرف في الألفاظ فروى بالمعنى، وأنه قد أصاب فلا وجه لإعلال ما رواه، مثل ما وقع من الاختلاف بين الثوري ومن خالفه في حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر في سهم الفارس والراجل من الغنيمة كما تقدم. وإن أدى الاختلاف إلى اختلاف في المعنى كان ذلك موردًا من موارد الإعلال، فينظر في الذي ينفرد بلفظ مخالف لرواية أكثر أو أحفظ الرواة فيحكم عليه بالخطأ، ويُرجع سبب الخطأ إلى الرواية بالمعنى إن وجدت قرائن تدل عليها (^١)، ثم إن كان المتفرد من الفقهاء المعتنين بالرأي فيقوى الظن بأنه حمل لفظ الحديث على رأيه الفقهي، أو كان ممن يحدث من حفظه لا سيما إذا لم يشتهر بالفقه، يقوى الظن بأنه تصرف في اللفظ فأخطأ وأحال المعنى. ولا شك أن الذي يكثر منه الوقوع في الخطأ من أجل الرواية بالمعنى تتأثر بذلك منزلته في الجرح والتعديل من حيث الضبط، وعليه يحمل ترك الإمام أحمد لمعلى بن منصور الذي كان يحدث بما يوافق الرأي ويقع في الأخطاء. وأما ما ورد عن أهل الإتقان من الخطأ بسبب الرواية بالمعنى كيحيى القطان، ووكيع فيحمل على الأوهام والأخطاء التي لا يسلم منها أحد مهما بلغ في الحفظ والإتقان إلا المعصوم، ولا يحكم عليهم بسوء الحفظ، والله أعلم.
_________________
(١) قد يقع الاختلاف في اللفظ والمعنى ولا يكون ذلك بسبب الخطأ في الرواية بالمعنى، ويكون بسبب مجرد الوهم أو مطلق سوء الحفظ حيث بدل الراوي لفظة بأخرى، كما يحتمله حديث يحيى القطان في كراهية أن يعرى المسجد بدل أن تعرى المدينة.
[ ١ / ٤٠٠ ]
المبحث الثاني: الإعلال بسوء الحفظ الطارئ على الراوي.
المطلب الأول: الإعلال باختلاط الراوي لكبر سِنِّه.
الاختلاط في اللغة فساد العقل. قال ابن المنظور: واختلط فلان أي فسد عقله، ورجل خِلْطٌ بيّن الخَلاطة: أحمق مخالِط العقل … وقد خُولط في عقله خِلاطًا واختلط، ويقال: خُولط الرجل فهو مخالِط، واختلط عقله فهو مختلِط إذا تغير عقله (^١).
وهو في عرف المحدثين سوء الحفظ الطارئ على الراوي إما لكبره، أو لذهاب بصره، أو لاحتراق كتبه، أو عدمها بأن كان يعتمدها فرجع إلى حفظه فساء (^٢).
فالاختلاط إذًا من أسباب الطعن في رواية الراوي الراجع إلى خلل في الضبط، وعليه فلا يعلّ من روايته إلا ما تُحقّق عدم ضبطه فيه أو اشتبه الأمر فيه، فحديث المختلط لا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: ما ثبت أنه حدّث به قبل الاختلاط، وله صورتان:
الأولى: ما جاء من طريق مَن تحمّل عنه قبل الاختلاط فقط كقدماء أصحابه والرواة الذين لم يدركوا زمن اختلاطه، أو أدركوه ولم يرووا عنه في تلك الحالة.
الثانية: ما جاء من طريق من تحمّل عنه في الحالتين - قبل الاختلاط وبعده - لكنهم ميزوا هذا من ذاك.
_________________
(١) لسان العرب ٧/ ٢٩٤ - ٢٩٥ مادة "خلط".
(٢) نزهة النظر ص ٥١.
[ ١ / ٤٠١ ]
الحالة الثانية: ما ثبت أنه حدّث به بعد الاختلاط.
الحالة الثالثة: ما اشتبه الأمر فيه، وهو ما رواه من طريق من لم يُعرف زمنُ تحمّله عنه، أهو قبل الاختلاط أم بعده، وكذلك مَن تحمّل عنه في الحالتين ولم يتميز هذا من ذاك.
وإنما تُردّ روايةُ المختلط في الحالتين الثانية والثالثة دون الأولى، وهذا أيضًا بشرط ألا يوجد له متابع أو شاهد معتبر. قال ابن حبان: "وأما المختلطون في أواخر أعمارهم مثل الجُريري، وسعيد بن أبي عروبة وأشباههما فإنا نروي عنهم في كتابنا هذا ونحتج بما رووا إلا أنا لا نعتمد من حديثهم إلا على ما روى عنهم الثقات من القدماء الذين نعلم أنهم سمعوا منهم قبل اختلاطهم، أو ما وافقوا الثقات في الروايات التي لا نشك في صحتها وثبوتها من جهة أخرى، لأن حكمهم - وإن اختلطوا في أواخر أعمارهم، وحُمل عنهم في اختلاطهم بعد تقدّم عدالتهم - حكمُ الثقة إذا أخطأ أن الواجب ترك أخطائه إذا علم والاحتجاج بما نعلم أنه لم يخطئ فيه، وكذلك حكم هؤلاء: الاحتجاج بهم فيما وافقوا الثقات وما انفردوا مما روى عنهم القدماء من الثقات الذين سماعهم منهم قبل الاختلاط سواء" (^١).
وأما في الحالة الأولى - بكلا صورتيها - فلا وجه لردها. وقد قال يحيى ابن معين لوكيع بن الجراح: "تحدّث عن سعيد بن أبي عروبة وإنما سمعت منه في الاختلاط؟ قال: رأيتَني حدّثت عنه إلا بحدث مستوٍ؟ " (^٢).
وقال وكيع: كنا ندخل على سعيد بن أبي عروبة فنسمع، فما كان من صحيح حديثه أخذناه، وما لم يكن صحيحًا طرحناه (^٣).
_________________
(١) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١/ ١٦١.
(٢) الكفاية في علم الرواية ص ٢١٧.
(٣) تهذيب الكمال ١١/ ١٠.
[ ١ / ٤٠٢ ]
فهذا يوضّح أن حديث المختلط عندهم إذا كان معروفًا ومستويًا فهو مقبول وإن حدّث به في حال الاختلاط. ولذلك قال السخاوي - بعد أن ذكر قول وكيع المتقدم - إذا حدّث في حال اختلاطه بحديث واتفق أنه كان حدّث به في حال صحته فلم يخالفه أنه يقبل، فليحمَل أطلاقهم عليه (^١).
ولتمييز هذه الحالات اهتمّ الأئمة الحفاظ بمعرفة زمن اختلاط المختلط بالتحديد لكي يجعلونه ضابطًا يميِّزون به بين التحمّل في الصحة والتحمّل بعد الاختلاط، فقسموا الرواة عن المختلط أقسامًا:
١. من كان سماعه قبل الاختلاط.
٢. من كان سماعه بعد الاختلاط.
٣. من كان سماعه قبل الاختلاط وبعده وتميّز الأول من الثاني.
٤. من كان سماعه قبل الاختلاط وبعده ولم يتميّز الأول من الثاني.
٥. من لا يعرف زمن تحمله عنه.
وكذلك اهتم الحفاظ في هذا الباب بأمور أخرى منها:
١. التفريق بين الاختلاط والتغيّر: قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبي قال: سألتُ ابن عليّة عن الجُريري فقلت له: يا أبا بِشر أكان الجُريري اختلط؟ قال: لا، كبر الشيخ فرقّ (^٢). وجاء ما يدل على اعتماد الإمام أحمد هذا فقد ذكر له علة حديث بأن سماع راويه من الجريري بعد الاختلاط فلم يجب، وقال: لا أدري (^٣). وهذا يدل على أن الاختلاط والتغير أمران متباينان، فالتغير
_________________
(١) فتح المغيث ٤/ ٣٧١.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ٣٠٢/٥٣٤٢.
(٣) المنتخب من العلل للخلال ص ١٦٦.
[ ١ / ٤٠٣ ]
هو رقة في الحفظ كما يحصل من أجل الشَّيْخُوخة وكِبَر السِّن، ولازم هذا التفريق أن الذي أصابه التغير لا يعامل معاملة المختلط، ووجه ذلك أن التغير لا يؤثِّر على مرويات الرَّاوي لقلة ما يحصل بسببه من الأوهام والأغلاط، حاله حال الثقة الذي قد يهم، فيُتَجنَّب ما تُحُقِّق أنه وهِم فيه وأخطأ، ويقبل باقي حديثه ولا يتوقف في قبولها، بخلاف الاختلاط الذي يجعل المتصف به لا يعقل ما يحدّث به، فيُجيب فيما سُئل، ويحدِّث كيف شاء فيختلط حديثه الصحيح بحديثه السقيم (^١). وقال الذهبي في ترجمة هشام بن عروة: "أحد الأعلام، حجة إمام، لكن في الكِبَر تناقَص حفظُه، ولم يختلط أبدًا، ولا عبرة بما قاله أبو الحسن بن القطّان من أنه وسُهيل بن أبي صالح اختلطا وتغيرا، نعم الرجلُ تغيّر قليلًا ولم يبق حفظُه كهو في حال الشَّبيبة فنسِيَ بعضَ محفوظِه أو وهم فكان ماذا؟ أهو معصوم من النسيان؟ ولما قدم العراق في آخر عمره حدّث بجملة كثيرة من العلم في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجودها، ومثل هذا يقع لمالك، ولشعبة، ولوكيع، ولكبار الثقات، فدعْ عنك الخَبْط وذَرْ خَلط الأئمة الأثبات بالضعفاء والمُخلِّطين" (^٢) وكأن الإمام أحمد لاحظ هذا الفرق واعتمده في الجريري فلم يهتمّ بتمييز الرواة عنه ولا بذكر ضابطٍ للسَّماع الصَّحيح من السماع المختلط كما فعل مع سائر المختلطين.
٢. قد يختلط الراوي ولا يؤثر ذلك على مروياته، وذلك لأحد أمرين:
الأول: أن يكون لم يحدّث بشيء حال اختلاطه، كما حصل لعبد الوهاب الثقفي، وجرير بن حازم. قال أبو داود: "جرير بن حازم وعبد الوهاب الثقفي تغيرا فحُجِب الناس عنهما" (^٣).
_________________
(١) انظر: ما ذكره ابن حبان عن المختلطين المجروحين ١/ ٦٨.
(٢) ميزان الاعتدال ٥/ ٤٢٦ - ٤٢٧ النص ٩٢٣٣.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٤٩.
[ ١ / ٤٠٤ ]
الثاني: أن لا يُؤْثَر عنه حديثٌ منكرٌ، كما قال ابن عدي في أبان بن صمعة أنه مع اختلاطه لم يجد له حديثًا منكرًا (^١) وأشار الإمام أحمد إلى أن أبان بن صمعة وإن تغير بأخرة فهو صالح الحديث كما سيأتي في آخر المطلب.
وسأذكر في هذا المطلب جمعًا من الرواة نص الإمام أحمد على أنهم اختلطوا، وحيث وجد أذكر ما أعلّه من حديثهم، وهم كأنموذج يتبين من خلاله أن الإمام أحمد يعتبر الاختلاط في الأحوال التي ترد بها الرواية علةً يُعتلّ بها ما يستنكر من رواية المختلطين، وأقتصر في هذا المطلب على من اختلط لكبر سنّه وذلك لكثرتهم، وأما من كان اختلاطه لأسباب أخرى كالعمى، واحتراق الكتب وغيرهما فسأفردهم بالذكر في مطلب خاص إن شاء الله.
١ - صالح مولى التوأمة ت (١٢٥) هـ:
هو صالح بن نبهان مولى التوأمة بنت أمية بن خلف أبو محمد المدني قال عنه الإمام أحمد: صالح الحديث (^٢).
وقد وردت عن الإمام أحمد روايات تشير إلى اختلاط صالح، منها:
قال عبد الله: قلت لأبي إن بشر بن عمر زعم أنه سأل مالك بن أنس عن صالح مولى التوأمة فقال: ليس بثقة. قال أبي: مالك كان قد أدرك صالحًا وقد اختلط أو هو كبير، ما أعلم به بأسًا من سمع قديمًا وقد روى عنه أكابر أهل المدينة (^٣).
وقال عبد الله أيضًا: قال أبي: صالح مولى التوأمة ما أرى به بأسًا من سمع
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٥٠.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٢/ ٣٩١/٣٢٣٤.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٢/ ٣١١/٢٣٨٢.
[ ١ / ٤٠٥ ]
منه قديما (^١).
وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن صالح مولى التوأمة فقال: قال مالك: قد رأيته مختلِطًا، ولم يحمل عنه. ثم قال: من سمع قبل الاختلاط فكأنه (^٢).
وقال البخاري: كان أحمد يقول: من سمع من صالح قديما فسماعه حسن ومن سمع منه أخيرًا فكأنه يضعف سماعه (^٣).
وقال أبو داود: قلت لأحمد: صالح مولى التَّوْأَمة؟ قال: لقيه مالك - زعموا - بعد ما كبر. قلت لأحمد: هو مُقارِب الحديث؟ قال: أما أنا فأحتمله وأروي عنه، وأما أن يقوم موضع مجد فلا؟ (^٤).
فهذه الرويات عن الإمام أحمد أثبتت أن صالح مولى التوأمة كان قد اختلط، وذكرت التمييز بين سماع من سمع منه قديمًا ومن سمع منه بأخرة، وهذا التفصيل لا يكون إلا في راوٍ مختلطٍ. ولم تبين الروايات زمن الاختلاط ولم تنص على أعيان من سمع منه قبله، ولكن نصت على أن الإمام مالكًا ممن سمع منه بعد الاختلاط. ولا يمكن أن يؤخذ من هذا ضابطًا للسماع الصحيح من السماع في حالة الاختلاط.
ما أعله الإمام أحمد من حديثه:
وقد ورد عن الإمام أحمد إعلال حديث رواه صالح مولى التوأمة، إلا أنه لم يتبين تمامًا هل أعله بإختلاط صالح فيكون شاهدًا للباب، أو أعله بأمر آخر.
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ١١٥/٤٤٧٩.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ٦٩/ ٦٩.
(٣) علل الترمذي الكبير بترتيب القاضي ١/ ٣٤ ط بيروت بتحقيق صبحي سامرائي وليس هذا النص في طبعة دار الأقصى بتحقيق حمزة ديب مصطفى.
(٤) سؤالات أبي داود للإمام أحمد ص ٢٠٨ - ٢٠٩/م ١٥٩.
[ ١ / ٤٠٦ ]
فروى ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من صلّى على جنازة في المسجد فليس له شيءٌ" (^١).
قال عبد الله: سألت أبي عن حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له" فقال: حديث عائشة: أن النبي ﷺ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد ثم قال: حتى يثبت حديث صالح مولى التوأمة، كان عنده ليس يثبت أو ليس صحيحًا (^٢).
وهذه الرواية ليست صريحة في إعلال الحديث باختلاط صالح، إذ غاية ما فيها التنصيص على عدم ثبوت الحديث، ويحتمل أن يكون الحديث قد رواه قبل الاختلاط لكنه تفرد به وهو ممن لا يحتمل تفرده خاصة مع مخالفته لحديث عائشة ﵂. ويؤيد هذا الوجه ما نقله الحافظ ابن عبد البر قال: وسئل أحمد بن حنبل - وهو إمام أهل الحديث والمتقدم في معرفة علل النقل فيه - عن الصلاة على الجنازة في المسجد فقال: لا بأس بذلك، وقال بجوازه، فقيل: فحديث أبي هريرة؟ فقال: لا يثبت أو قال: حتى يثبت. ثم قال: رواه صالح مولى التوأمة، وليس بشيء فيما انفرد به. ا. هـ (^٣). وذكر النووي عن الإمام أحمد أنه قال: هذا حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف (^٤). واعتمد ابن عبد الهادي
_________________
(١) رواه أبو داود السنن ٣/ ٥٣١/٣١٩١، وابن ماجه السنن ١/ ٤٨٦/١٥١٧، وأبو داود الطيالسي ٣٠٤/ ٢١٣١، وعبد الرزاق المصنف ٣/ ٥٢٧/٦٥٧٩، وأحمد المسند ٢/ ٤٤٤ - ١٥/ ٤٥٤/٩٧٣٠، ٢/ ٤٥٥ - ١٥/ ٥٣٥/٩٨٦٥، ٢/ ٥٠٥ - ١٦/ ٣٣٠/١٠٥٦١، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٤٩٣، والبيهقي السنن الكبرى ٤/ ٥٢ بألفاظ متقاربة، إلا أبا دواد رواه بلفظ: فلا شيء عليه.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية عبد الله ٢/ ٤٨١ - ٤٨٢.
(٣) الاستذكار ٨/ ٢٧٣.
(٤) شرح صحيح مسلم ٧/ ٤٠.
[ ١ / ٤٠٧ ]
هذا النقل عن النووي (^١)، واعتماد ابن عبد الهادي هذا النقل عن النووي يدل على عدم وقوفه على رواية عن الإمام أحمد في المسئلة من طريق أصحابه.
ويؤيد أن علة الحديث هو اختلاط صالح ما ذكره أبو الحسن ابن القطان قال: "حكى الترمذي عن البخاري عن أحمد بن حنبل قال: سمع ابن أبي ذئب من صالح أخيرًا وروى عنه منكرًا" (^٢). وهذا الحديث من رواية محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة، فحيث كان سماعه من صالح أخيرًا تحمل نكارته على اختلاط صالح. لكن هذا النقل مخالف لما في نسخة "علل الترمذي الكبير" التي بأيدينا وما نقله البيهقي من الكتاب نفسه، وفيه: "قال قلت كيف صالح مولى التوأمة؟ قال - أي البخاري - قد اختلط في آخر أمره، من سمع منه قديمًا سماعه مقارب وابن أبي ذئب ما أرى أنه سمع منه قديمًا يروي عنه مناكير" (^٣). وفي موضع آخر: قال: "قال محمد: وابن أبي ذيب سماعه منه أخيرًا، يروي عنه مناكير" (^٤). فالظاهر أن القائل بأن سماع ابن أبي ذيب في زمن الاختلاط هو البخاري ولم ينسبه إلى الإمام أحمد، ولذلك استغرب الحافظ ابن حجر نقل ابن القطان هذا (^٥). وقد نص جمع من الأئمة على أن سماع ابن أبي ذيب من صالح مولى التوأمة قبل الاختلاط (^٦)، ولم يَرِد عن الإمام أحمد شيءٌ عن سماع ابن أبي ذيب من صالح إلا هذا النقل من ابن القطان، والله أعلم.
_________________
(١) تنقيح التحقيق ٢/ ١٤٤.
(٢) بيان الوهم والإيهام ٤/ ٢٥٧. ونقله ابن حجر في تهذيب التهذيب ٤/ ٤٠٦. وقال الحافظ ابن حجر: حكاه ابن القطان عن الترمذي هكذا.
(٣) علل الترمذي بترتيب القاضي ١/ ٢٩٢.
(٤) علل الترمذي بترتيب القاضي ١/ ٣٤. وانظر: نقل البيهقي في معرفة السنن والآثار ٥/ ٣١٩ - ٣٢٠.
(٥) انظر: تهذيب التهذيب ٤/ ٤٠٦.
(٦) انظر: الكواكب النيرات ص ٢٦١.
[ ١ / ٤٠٨ ]
فإيراد هذا الحديث مما أعله الإمام أحمد بعلة اختلاط صالح مولى التوأمة هو على الاحتمال فقط.
٢ - عطاء بن السائب ت (١٢٦) هـ:
هو عطاء بن السائب بن مالك الثقفي أبو السائب الكوفي.
قال عبد الله: سمعت أبي يقول: عطاء بن السائب ثقة ثقة رجل صالح (^١).
وقال المروذي: قيل له - أي أحمد بن حنيل: عطاء بن السائب أحب إليك أو حصين؟ فقال: كلاهما ثبتان (^٢).
وقال عبد الله: سألته عن عطاء بن السائب فقال: صالح، من سمع منه يعني قديمًا وقد تغير فإنه ليس بذاك إنه ليرفع إلى بن عباس (^٣).
وقال أبو طالب: سألت أحمد يعني ابن حنبل عن عطاء بن السائب قال: من سمع منه قديمًا كان صحيحًا، ومن سمع منه حديثًا لم يكن بشيء، سمع منه قديمًا شعبة، وسفيان، وسمع منه حديثًا جرير، وخالد بن عبد الله، وإسماعيل يعني ابن علية، وعلي بن عاصم، فكان يرفع عن سعيد بن جبير أشياء لم يكن يرفعها، وقال وهيب: لما قدم عطاء البصرة قال: كتبتُ عن عَبيدة ثلاثين حديثًا ولم يسمع من عَبيدة شيئًا، فهذا اختلاط شديد (^٤).
وقال أبو داود: قلت لأحمد: عطاء بن السائب - أعني كيف حديثه؟ قال: من سمع منه بالبصرة فسماعه مضطرب، قلت: وُهيْب؟ قال: نعم (^٥).
_________________
(١) الجرح والتعديل ٦/ ٣٣٤.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ٥١/ ٣٣. وحصين هو ابن عبد الرحمن السلمي.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ٤١٤/٨٨٢.
(٤) الجرح والتعديل ٦/ ٣٣٣ - ٣٣٤.
(٥) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٣٨٣/ ١٨٥١.
[ ١ / ٤٠٩ ]
فهذه النصوص عن الإمام أحمد أثبتت الأمور التالية:
١. إن عطاء بن السائب قد تغيّر في الآخر، وأن هذا التغيّر ليس بتغيّر خفيف، بل هو اختلاط شديد، حيث إنه يزعم أنه سمع من عَبيدة ثلاثين حديثًا والواقع أنه لم يسمع منه شيئًا، وبالتالي اعتبر الإمام أحمد سماع من سمع منه في زمن التغيّر لا شيء.
٢. إن عطاءَ بن السائب قبل التغيّر ثقةٌ صالحٌ صحيحُ الحديث عند الإمام أحمد.
٣. ضابط التمييز بين السماع قبل الاختلاط وبعده: الظاهر من رواية أبي داود عن أحمد أن ذلك يرجع إلى مكان السماع، فمن سمع منه بالكوفة فهو قبل الاختلاط، ومن سمع منه بالبصرة فهو بعد الاختلاط (^١). فكأن قدومه البصرة كان في آخر حياته.
٤. ذكرُ من سمع من عطاء قبل الاختلاط ومن سمع منه بعده، فذكر ممن سمع منه قبل الاختلاط: شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري. ومما يدل على صحة سماعهما ما ذكره أبو داود قال: قلت لأحمد: يُشاكل أحدٌ سفيانَ وشعبةَ في عطاء؟ قال: لا، قلما يختلف عنه سفيان وشعبة (^٢). وهذا يدل على ضبط عطاء لحديثه حال الصحة حيث قل أن يختلف عنه هذان الحافظان.
ومنهم أيضًا سفيان بن عيينة:
قال أبو داود: سمعتُ أحمد قال: سماعُ ابن عيينة عنه مقاربٌ - يعني من
_________________
(١) وانظر أيضًا: شرح علل الترمذي لابن رجب ٢/ ٧٣٧. وممن وافق الإمام أحمد على هذا الحافظ أبو حاتم الرازي، فيرى أن حديث البصريين عن عطاء فيه تخاليط كثيرة لأنه قدم عليهم في آخر عمره الجرح والتعديل ٦/ ٣٣٤.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٣٨٢/ ١٨٤٩.
[ ١ / ٤١٠ ]
عطاء بن السائب، سمع بالكوفة (^١).
وذكر ممن سمع منه بعد الاختلاط: جرير بن عبد الحميد الضبي، وخالد ابن عبد الله الطحان، وإسماعيل بن عُليّة، وعلي بن عاصم، ووُهيْب بن خالد.
وذكر أن أبا عوانة ممن سمع منه قبل وبعد الاختلاط، فقال أبو داود: سمعت أحمد قال: أبو عوانة سمع منه بالكوفة وبالبصرة جميعًا - يعني من عطاء (^٢)، والظاهر أنه لم تتميز أحدها عن الآخر كما قال هو في نفسه أن ذلك اختلط عليه (^٣).
٥. إن من مظاهر العلة في حديث عطاء بن السائب والناشئة من الاختلاط رفعه أشياء إلى ابن عباس وهي في الواقع موقوفة على سعيد بن جبير. قال أبو داود: قال أحمد: هذا الذي يروي خالد الطحّان، عن سعيد، عن ابن عباس في التفسير إنما هو عن سعيد - يعني خالد عن عطاء بن السائب (^٤).
وقال عبد الله: سئل أبي عن عطاء بن السائب وسماك قال: ما أقربَهما وسماك يرفعها عن عكرمة عن ابن عباس، وعطاء عن سعيد عن ابن عباس، ما أقربَهما (^٥).
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٣٨٢/ ١٨٤٧. وفي المعرفة والتاريخ للبسوي ٢/ ٧٠٨ قال سفيان في حديث ابن عمر مرفوعًا: "إن استلام الركنين يحط الخطايا كما تتحات ورق الشجر" قال سفيان: حدثني بهذا عطاء وأنا وهو في الطواف قال: فكأنه لم يرني أعجبت به فقال: أتزهد في هذا يا ابن عيينة؟ … وقال أيضًا: سمعت عطاء يكثر التلبية في الطواف، وكان يحرم من الكوفة، وسمعت منه قديمًا ثم قدم علينا قدمة فسمعته يحدث بعض ما كنت سمعت منه فيخلط فيه فاتقيته واعتزلته. ا. هـ. فلعل سماعه القديم كان بالكوفة كما قال الإمام أحمد ولما قدم عطاء مكة كان قد اختلط ومن أجل ذلك لم يعجب ابن عيينة بما حدثه به من حديث ابن عمر، والله أعلم.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٣٨٣/ ١٨٥٠.
(٣) قال أبو عوانة: كتبت عن عطاء قبل وبعد فاختلط علي كتاب الضعفاء للعقيلي ٣/ ١٠٩٥.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٣٨٢/ ١٨٤٨.
(٥) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ٣٩٥/٧٩٢.
[ ١ / ٤١١ ]
ما أعله الإمام أحمد من حديث عطاء بن السائب بالاختلاط:
قال الخلال: أخبرني أحمد بن أصرَم الُمزني أن أبا عبد الله سُئل عن حديث شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضُّحى، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، قال: [بينهن نبيٌّ كنبيكم، ونوحٌ كنوحكم، وآدمُ كآدمِكم]. قال أبو عبد الله: هذا رواه شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس لا يذكر هذا، إنما يقول: [يتنزّل العلمُ والأمرُ بَيْنهنّ] وعطاء بن السائب اختلط، وأنكر أبو عبد الله الحديث. وعن قتادة قال: [في كل سماءٍ وكل أرضٍ خلقٌ من خلقه، وأمر من أمره، وقضاءٌ من قضائه] (^١).
هذا الأثر رواه الحاكم (^٢)، ومن طريقه البيهقي (^٣)، وقد أنكره الإمام أحمد وجعل علته اختلاط عطاء بن السائب، والراوي عنه شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، ولم ينص على زمن سماعه من عطاء، وإعلال الإمام أحمد الحديث باختلاط عطاء يدل على احتمال أن يكون شريك عنده ممن سمع من عطاء بعد الاختلاط، أو ممن لم يعرف وقت سماعه منه، أو ممن سمع منه قبل وبعد الاختلاط، إذ هذه هي حالات الإعلال بالاختلاط.
وقد قوّى إعلاله للحديث بأن شعبة خالفه، فرواه عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس بغير هذا اللفظ، وبما رُوي عن قتادة في تفسير الآية. وهذا التفسير عن قتادة رواه ابن جرير في التفسير (^٤).
ولم أقف على رواية شعبة هذه التي أعل بها الإمام أحمد رواية عطاء بن السائب،
_________________
(١) المنتخب من العلل للخلال ١٢٥/ ٥٨.
(٢) المستدرك ٢/ ٤٩٣، وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) الأسماء والصفات ٣٨٩.
(٤) جامع البيان ٢٨/ ١٥٤.
[ ١ / ٤١٢ ]
وصحة الإعلال باختلاط عطاء متوقف على ثبوت تلك الرواية عن شعبة.
وقد روى ابن جرير من طريق غندر، والحاكم من طريق آدم بن أبي إياس، كلاهما عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس في قوله ﷿: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. قال: [في كل أرض مثل إبراهيم ونحو ما على الأرض من الخلق]. وقال ابن المثنى عن غندر: في كل سماء إبراهيم (^١). فهذا اللفظ ظاهره نحو لفظ عطاء بن السائب، مما يدل على أنه توبع من قبل شعبة، وقد صحح البيهقي الإسناد إلى ابن عباس وقال: إلا أنه شاذ بمرة ولا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا والله أعلم اه (^٢) والظاهر من صنيع البيهقي أنه لا يرى أن العلة فيه اختلاط عطاء بن السائب لمتابعة شعبة له، كأنه لم يقف على رواية شعبة التي ذكرها الإمام أحمد المخالفة لروايةِ عطاء والمخالفة لروايةِ غندر وآدم بن أبي إياس عن شعبة التي ذكرت آنفًا.
٣ - أبو إسحاق السَّبِيعي ت (١٢٦) هـ:
وهو عمرو بن عبد الله بن عبيد الهمداني، أبو إسحاق السَّبِيعي. قال أحمد: أبو إسحق رجل ثقة صالح، لكن هؤلاء الذين حملوا عنه بأخرة (^٣).
فهذه إشارة إلى أن أبا إسحاق تغير بأخرة. وأصرح من ذلك ما رواه الميموني:
_________________
(١) جامع البيان ٢٨/ ١٥٣، المستدرك ٢/ ٤٩٣.
(٢) الأسماء والصفات ٣٩٠. وقد اعتمد السيوطي كلام البيهقي هذا فذكر هذا الحديث مثالًا للحديث الشاذ عند الحاكم - وهو ما سماه بما انفرد به ثقة وليس له أصل بمتابع وينقدح في نفس الناقد أنه غلط ولا يقدر على إقامة الدليل عليه - تدريب الراوي ١/ ٢٣٣. ولمحمد بن عبد الحي اللكنوي رسالة في تصحيح الحديث سماها: "زجر الناس عن إنكار أثر ابن عباس" ذكرها الشيخ أبو غدة في تحقيقه على الرفع والتكميل ص ١٨٨. ولم أطلع عليها.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٢/ ٣٦٣/٢٦١١، الجرح والتعديل ٦/ ٢٤٣.
[ ١ / ٤١٣ ]
قال: قلت: لأبي عبد الله: وكان أبو إسحاق قد تأخّر؟ قال: إي والله، هؤلاء الصغار زهير وإسرائل يزيدون في الإسناد وفي الكلام (^١).
فذكر من آثار هذا التغيرّ الزيادة في الإسناد، وذلك برفع الموقوف، ووصل المرسل، وزيادة رجل في الإسناد، وبمثل هذا ينحط الثقة عن رتبة الاحتجاج به كما قال الذهبي (^٢). إلا أن هذا الصنيع ليس من قبل هؤلاء الرواة عن أبي إسحاق، بل كان من قبل أبي إسحاق نفسه، وهو دليل على اختلاطه.
قال أبو داود: سمعت أحمد قال: زهير، وزكريا، وإسرائيل ما أقربهم في أبي إسحاق، في حديثهم عنه لين، ولا أراه إلا من أبي إسحاق، هو السَّبيعي. قال: قلت لأحمد: شريك منهم؟ قال: شريك سمع قديمًا (^٣).
وقال صالح عن أحمد: زهير، وإسرائيل، وزكريا في حديثهم عن أبي إسحاق لين، سمعوا منه بأخرة، وشريك كان أثبت في أبي إسحاق منهم، سمع قديمًا. وزهير فيما روى عن المشايخ ثبت بخ بخ (^٤).
وقال أبو داود أيضًا: قلت لأحمد: إسرائيل أحب إليك أو زهير في أبي إسحاق؟ قال: ما فيهما بحمد الله إلا يُخطئ، وما أراه إلا من أبي إسحاق (^٥).
وقال في رواية عبد الله: وفي حديث إسرائيل اختلاف عن أبي إسحاق، أحسب ذاك من أبي إسحاق (^٦).
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧١٠.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٥١٣.
(٣) سؤالات أبي داود للإمام أحمد بن حنبل ص ٣١٠/ ٤٠٥ أ.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٢/ ٤٥٧/١١٥٨.
(٥) سؤالات أبي داود للإمام أحمد بن حنبل ص ٣١٠/ ٤٠٥ ب.
(٦) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ٥٥٩/١٣٣٥.
[ ١ / ٤١٤ ]
فنصّ ﵀ في هذه الروايات على أن ما في حديث هؤلاء الحفاظ عن أبي إسحاق - وهم زهير بن معاوية الجعفي، وزكريا بن أبي زائدة، وإسرائيل ابن يونس بن أبي إسحاق - من الخطأ والاختلاف إنما هو من قبل أبي إسحاق وليس من قبلهم، وأن ذلك راجع إلى كونهم سمعوا منه بأخرة. وقدّم شريكًا عليهم في أبي إسحاق مع أنه دونهم في الحفظ والإتقان، لأنه أقدم سماعًا منهم.
وقد أنكر الذهبي أن أبا إسحاق اختلط، وقال: كبر وتغيَّر حفظُه تغيُّرَّ السن، ولم يختلط (^١).
ومما يدل على أن أبا إسحاق اختلط ما رواه أبو زرعة الدمشقي قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن عبيد الله بن عمرو قال: جئت محمد بن سوقة معي شفيعًا عند أبي إسحاق فقلت لإسرائيل: استأذن لنا الشيخ، فقال لنا: صلى بنا الشيخ البارحةَ فاختلط قال: فدخلنا عليه، فسلمنا وخرجنا (^٢).
وقال الفسوي: قال سفيان بن عيينة: حدثنا أبو إسحاق في مسجده، ليس معنا ثالث. فقال بعض أهل العلم: كان قد اختلط فإنما تركوه مع ابن عيينة لاختلاطه (^٣).
وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن زهير بن معاوية فقال: ثقة إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط (^٤).
وقال الذهبي: ما اختلط أبو إسحاق أبدًا، وحمل كلام أبي زرعة هذا على التغيُّر ونقص الحفظ (^٥). وقد تقدم من كلام الإمام أحمد أن تغير أبي إسحاق كان
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٥/ ٣٩٥.
(٢) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٦٩.
(٣) المعرفة والتاريخ ٣/ ٧٥.
(٤) الجرح والتعديل ٣/ ٥٨٩.
(٥) انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٢٣٣.
[ ١ / ٤١٥ ]
من آثاره أن وقعت أخطاء في مرويات من روى عنه بأخرة من زيادة في الأسانيد والمتون، والتغير إذا تضمن مثل هذا فلا يقال فيه إنه تغير يسير، بل الظاهر أنه من الاختلاط. وقد تقدم مثل هذا عن عطاء بن السائب أن من آثار اختلاطه أنه كان يرفع إلى ابن عباس ما كان موقوفًا على سعيد بن جبير (^١). وذكر ابن حبان عن عبد الله بن عبد العزيز الليثي أنه كان ممن اختلط بأخرة حتى كان يقلب الأسانيد وهو لا يعلم، ويرفع المراسيل من حيث لا يفهم (^٢).
وإذا ثبت أن أبا إسحاق اختلط، فقد سمع منه قبل الاختلاط على ما ذكره أحمد: سفيان، وشعبة، وشريك. قال الميموني: قلت لأبي عبد الله: من أكبر في أبي إسحاق؟ قال: ما أجد في نفسي أكبر من شعبة فيه، ثم الثوري، وشعبة أقدم سماعًا من سفيان (^٣).
وقال عبد الله: سمعت أبي يقول: قال شريك عن أبي إسحاق فقال: كان ثبتًا فيه (^٤). وقد تقدم أنه قال إنه قديم السماع من أبي إسحاق.
وذكر الإمام أحمد أربعة ممن سمع من أبي إسحاق بأخرة، وهم: زهير، وزكريا، وإسرائيل، وزائدة بن قدامة. قال في حديث زائدة عن أبي إسحاق: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبال أن لا تسمعه من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق (^٥).
ولم يرد عن الإمام أحمد ضابط التمييز بين السماع القديم والسماع المتأخر.
_________________
(١) انظر: ص ٤١١. وانظر: العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ٤١٤/٨٨٢.
(٢) المجروحين ٢/ ٨.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٧١٠.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ٢٥١/٣٤٨.
(٥) الكواكب النيرات ص ٣٥٠.
[ ١ / ٤١٦ ]
ما أعله من حديث أبي إسحاق بالاختلاط:
قال أبو داود: قلت لأحمد: كُدير الضبي له صحبة؟ فقال: لا، قلت: زهير يقول: إنه أتى النبيَّ ﷺ أو إن أعرابياًّ أتى النبيَّ ﷺ، أعني في حديث زهير، عن أبي إسحاق، عن كدير الضبي؟ فقال: زهير سمع من أبي إسحاق بأخرة (^١).
هذا الحديث سيأتي في مسئلة ما يقدح في ثبوت الصحية، وسيأتي هناك أن رواية زهير عن أبي إسحاق، عن كُدير الضبي أنه أتى النبيَّ ﷺ فأتاه أعرابي فقال: [يا رسول الله، ألا تحدّثني عما يُقربّني من الجنة ويُباعدني من النار؟ قال: "تقول العدلَ، وتُعطي الفضلَ" …] الحديث. أخرجه أبو القاسم البغوي (^٢)، وعنه ابن قانع (^٣). وظاهر هذه الرواية أن لكُدير الضبي وفادةً على النبي ﷺ فتَثبُتُ له صحبة، وأنكر الإمام أحمد أن تكون له صحبة، لأن الرواية التي تفيد ذلك جاءت من طريق زهير بن معاوية الجعفي، عن أبي إسحاق، وسماعه من أبي إسحاق كان بأخرة، فرد الرواية من أجل هذا.
وقد روى الحديث القدماء من أصحاب أبي إسحاق مخالفًا لرواية زهير، فروى شعبة عن أبي إسحاق، سمعت كدير الضبي منذ خمسين سنة قال: أتى النبيَّ ﷺ أعرابي فذكر الحديث. أخرجه أبو داود الطيالسي (^٤). وهذه الرواية لا تقتضي أن لكدير الضبي صحبةً. وتابع شعبةَ الثوري، والأعمش، ومعمر، وفطر ابن خليفة، وإسرائيل، وزيد بن أبي أنيسة كلهم عن أبي إسحاق كما سيأتي. ومخالفة زهير لهؤلاء ليست من أجل عدم ضبطه لحديث أبي إسحاق فإنه كان ثقة ثبتًا متقنًا،
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٤١٠/ ١٩٢٥.
(٢) معجم الصحابة ٥/ ١٦٤.
(٣) معجم الصحابة ٢/ ٣٨٤.
(٤) مسند أبي داود الطيالسي ١٩٤/ ٣٦١.
[ ١ / ٤١٧ ]
بل ذلك راجع إلى اختلاط أبي إسحاق، فسمع هذا الحديث منه على الوجه الخطأ.
فقد ظهر من هذا المثال أن لسماع زهير من أبي إسحاق أثرًا في وقوع الخطأ في روايته عن أبي إسحاق، وذلك الخطأ تضمن وصل حديث مرسل، واقتضى ذلك اعتبارَ منْ ليس بصحابي صحابياًّ، وهذا مما يقوي أن إبا إسحاق كان قد اختلط، ولم يكن ما أصابه من قبل التغير اليسير، وأن الاختلاط من أسباب ردّ رواية الراوي.
٤ - سعيد بن أبي عروبة ت (١٥٦) هـ:
هو سعيد بن أبي عروبة - واسمه مهران - العدوي مولاهم البصري، يكنى أبا النضر.
قال أحمد: لم يكن لسعيد بن أبي عروبة كتب (^١)، إنما كان يحفظ ذلك كله (^٢)، وذكر عن سعيد أنه كان يقول: دقَّك بالمنحاز حبَّ الفُلْفُل، وذلك لما قدم الكوفة، قال أحمد: يعني بذلك شدة الحفظ (^٣).
وأثبت الإمام أحمد أن سعيد اختلط. قال عبد الله: قلت لأبي: كان سعيد اختلط؟ قال: نعم (^٤) وكذلك روى المروذي عنه (^٥).
_________________
(١) أي لم يكن يكتب حديثه، وإلا فقد كان له مصنفات رويت عنه. قال الذهبي: كان أول من صنف السنن النبوية سير أعلام النبلاء ٦/ ٤١٢. وكان الإمام أحمد يعلل بعض أحاديثه بأنها مخالفة لما في كتبه انظر على سبيل المثال مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٤٠٠/ ١٨٩٣. وقال الذهبي عن ابن عدي: روى جميع مصنفات سعيد بن أبي عروبة عبد الوهاب الخفاف سير أعلام النبلاء ٦/ ٤١٧.
(٢) الجرح والتعديل ٤/ ٦٥.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ٤٣٨/٩٧٨، ٣/ ١٤٨/٤٦٥٣. والمنحاز هو ما يدقّ فيه، وهذه العبارة مثل يضرب في الإلحاح على الشحيح لسان العرب، مادة: "نحز" ٥/ ٤١٥، القاموس المحيط، المادة نفسها ص ٦٧٧، فكأن سعيد بشدة إحاحه على الحفظ ما كان يترك شيئًا إلا حفظه.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ١٦٣/٨٦.
(٥) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ٥٧ - ٥٨/ ٤٧.
[ ١ / ٤١٨ ]
وأما حالته قبل الاختلاط فعلى ما ذكر من قوة حفظه.
ضابط التمييز بين السماع الجيد والسماع بعد الاختلاط:
وأما ضابط التمييز بين السماع الجيد والسماع بعد الاختلاط فقد كان الإمام أحمد يحدد ذلك بالهزيمة، ويعني بها هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الذي خرج على أبي جعفر، وكانت سنة خمس وأربعين ومائة.
قال عبد الله: قال أبي: كانت الهزيمة في سنة خمس وأربعين ومائة، قال: ومن سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الهزيمة فسماعه جيد، ومن سمع بعد الهزيمة كان أبي ضعّفهم (^١).
وكان هذا مذهب يحيى بن سعيد القطان أيضًا قال عبد الله: سمعت أبي يقول: كان يحيى بن سعيد يوقِّت فيمن سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الهزيمة فسماعه صالح، والهزيمة كانت سنة خمس وأربعين ومائة. قال: قال أبي: وهذه هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن حسن الذي كان خرج على أبي جعفر (^٢).
وقال المروذي: قال أحمد: أما يحيى فكان يقول: من سمع قبل سنة خمس وأربعين (^٣).
ولعل الإمام أحمد أخذ هذا الضابط عن يحيى بن سعيد فإنه كان شيخَه وكان قد لقي ابن أبي عروبة.
من سمع من ابن عروبة قبل الاختلاط:
ذكر الإمام أحمد أن من سمع من سعيد بالكوفة فسماعه جيد.
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ١٦٣/٨٦.
(٢) المصدر نفسه ١/ ٣٥٥/٦٧٧.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ٥٩/ ٤٧. وانظر الخلاف في ضابط السماع الجيد من السماع بعد الاختلاط في فتح المغيث ٤/ ٣٧٦.
[ ١ / ٤١٩ ]
قال المروذي: قلت: سعيد بن أبي عروبة حين قدم الكوفة سمعوا منه وهو مختلط؟ قال: لا، سماعهم جيد، لم يكن مختلطًا (^١).
قال عبد الله: قال أبي: من سمع منه - يعني سعيد بن أبي عروبة - بالكوفة مثل محمد بن بشر وعبْدَة فهو جيد، ثم قال: قدم سعيد الكوفة مرتين قبل الهزيمة (^٢).
وقال المروذي: قد كان ابن بشر جيد الكتاب عن سعيد، سماعهم متقدم (^٣).
فذكر ممن سمع منه بالكوفة محمد بن بشر العبدي أبو عبد الله الكوفي (^٤)، وعبدة بن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي (^٥).
وذكر منهم أيضًا أسباط بن محمد القرشي مولاهم أبو محمد الكوفي (^٦).
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي: أسباط بن محمد أحب إليك في سعيد أو الخفاف (^٧)؟ فقال: أسباط أحب إليّ، لأنه سمع منه بالكوفة (^٨).
وذكر منهم أيضًا عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي (^٩).
قال أبو داود: قلت لأحمد: سماع عيسى من ابن أبي عروبة؟ قال: سماعه جيد بالكوفة (^١٠).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ١٤٣/ ٢٥٤.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ١٦٣/٨٦.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ٥٧/ ٤٧.
(٤) ثقة حافظ ع تقريب التهذيب ٥٧٩٢.
(٥) ثقة ثبت ع تقريب التهذيب ٤٢٩٧.
(٦) ثقة، ضعف في الثوري، ع تقريب التهذيب ٣٢٢.
(٧) هو عبد الوهاب بن عطاء الخفاف البصري.
(٨) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ٣٠٢/٥٣٤٣.
(٩) ثقة مأمون ع تقريب التهذيب ٥٣٧٦.
(١٠) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٣٨٢/ ١٧٤٥.
[ ١ / ٤٢٠ ]
ومن أهل البصرة يحيى بن سعيد، وهذا ظاهر لاعتماد الإمام أحمد على ما ذكره من ضابط التمييز بين السماع الصحيح من السماع بعد الاختلاط، فلو لم يكن يحيى سمع منه قبل الاختلاط لما أدرك هذا الضابط.
ومنهم يزيد بن زريع. قال أبو طالب عن أحمد بن حنيل: كل شيء رواه يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة فلا تُبال أن لا تسمعه من أحدٍ، سماعُه من سعيد قديم، وكان يأخذ الحديث بنية (^١).
وقال ابن رجب عن الإمام أحمد: قد أكثر الأئمة السماع منه - يعني سعيد بن أبي عروبة - قبل الاختلاط منهم يزيد بن زريع (^٢).
ومنهم محمد بن بكر البرساني البصري (^٣).
قال عبد الله: قال أبي: قلت لمحمد بن بكر البرساني: متى سمعتَ من سعيد بن أبي عروبة؟ قال: قبل الهزيمة (^٤).
ومنهم إسماعيل بن عليّة. قال عبد الله: حدثني أبي قال: قلت لإسماعيل ابن علية: متى جالستَ سعيدًا؟ أو سمعت من سعيد قبل الطاعون وبعده؟ قال: نعم. قلت: وقبل الهزيمة؟ قال: نعم، قلت: وبعد الهزيمة؟ ثم قال: لا أدري لا أدري، إلا أني كنت آتيه أنا وأصحاب لي فيُملي علينا أو عليّ، وكان لا يفعل ذلك بكل أحد. قال أبي: "والطاعون قبل الهزيمة بأربع عشرة سنة، فسماع ابن علية من سعيد قديم" (^٥).
_________________
(١) تهذيب الكمال ٣٠/ ١٢٧ - ١٢٨، وانظر: الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١٢٣٠.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٤٣.
(٣) صدوق قد يخطئ ع تقريب التهذيب ٥٧٩٧.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ١٤٨/٤٦٥٣.
(٥) المصدر نفسه ٣/ ٢٩٥/٥٣١٤.
[ ١ / ٤٢١ ]
ومنهم عبد الله بن بكر بن حبيب السَّهمي البصري (^١). قال عبد الله: حدثني أبي: قال: قلت للسَّهمي: متى جالستَ سعيد بن أبي عروبة؟ قال: قبل الهزيمة بسنتين أو ثلاث (^٢).
وذكر ابن رجب عن الإمام أحمد أنه قال: السهمي فوق هؤلاء، يعني فوق محمد بن بكر وغيره في سماعه من سعيد (^٣).
ومنهم روح بن عبادة. قال عبد الله: وجدتُ في كتاب أبي بخط يده قال: قلت لروح بن عبادة: متى سمعت التفسير من سعيد، قبل الهزيمة؟ قال: إي والله (^٤). وقال ابن رجب عن الإمام أحمد قال: وروح حديثه عنه صالح (^٥).
ومنهم محمد بن سواء السدوسي، فقد سأل عبد الله الإمام أحمد عن محمد ابن سواء وروح بن عبادة في سعيد بن أبي عروبة فقال: ما أقربهما (^٦)، مما يدل على أن سماعه من ابن عروبة قريب من سماع روح بن عبادة عنه، أي كان ذلك قبل الهزيمة.
فهؤلاء الذين وقفت على تنصيص الإمام أحمد على سماعهم من سعيد قبل الاختلاط.
من سمع من ابن عروبة بعد الاختلاط:
فمنهم شعيب بن إسحاق البصري ثم الدمشقي (^٧). قال أبو داود:
_________________
(١) ثقة حافظ ع تقريب التهذيب ٣٢٥١.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ٢٩٦/٥٣١٥.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٤٤.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ٣٢١/٥٤٢٧. وكذلك قال أبو داود إن سماع روح من سعيد قبل الهزيمة سؤالات الآجري أبا داود السجستاني ص ٢٢٤.
(٥) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٤٤.
(٦) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٧٢ رقم ٣٠٩٣.
(٧) ثقة رمي بالإرجاء خ م د س ق تقريب التهذيب ٢٨٠٨.
[ ١ / ٤٢٢ ]
ذكرت لأحمد عن شعيب بن إسحاق، عن ابن أبي عروبة، قال: شعيب سمع منه بآخر رمق (^١).
ومنهم محمد بن أبي عدي وهو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي أبو عمرو البصري (^٢). قال عبد الله: قال أبي: كان يحيى بن سعيد يقول: جاء ابن أبي عدي إلى سعيد بن أبي عروبة - يعني وهو مختلط (^٣).
من سمع من ابن عروبة في الحالتين أو توقف الإمام أحمد في زمن سماعه منه:
فمنهم يزيد بن هارون الواسطي، قال عبد الله: قال أبي: سماع يزيد بن هارون من سعيد بن أبي عروبة في الصحة إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة (^٤) وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله ذكر سماع يزيد بن هارون من سعيد بن أبي عروبة فضعفه وقال: كذا وكذا حديث خطأ (^٥).
والظاهر أن عبد الوهاب بن عطاء الخفّاف (^٦) ممن سمع قبل الاختلاط عند
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٣٨٢/ ١٧٤٤. وخالفه في هذا ابن حبان فقال: كان سماع شعيب بن إسحاق منه سنة أربع وأربعين ومائة قبل أن يختلط بسنة الثقات ٦/ ٣٦٠. ويؤيد ما ذكره ابن حبان ما رواه هشام بن عمار عن شعيب بن إسحاق أنه قال: سمعت من سعيد بن أبي عروبة سنة أربع وأربعين ومائة التقييد والإيضاح ص ٣٩٩. وجمع بينهما العراقي بأن ابتداء سماعه من سعيد قبل الاختلاط ثم إنه سمع منه بآخر رمق الموضع نفسه. ويؤيد هذا الجمع أن وكيعًا لما سئل عن شعيب بن إسحاق عرفه فقال: الأشقر الضخم، رأيته عند ابن عروبة الجرح والتعديل ٤/ ٣٤١. وسماع وكيع من ابن عروبة كان بعد الاختلاط. قاله ابن عمار الموصلي انظر: فتح المغيث ٤/ ٣٧٧. فدل على أن شعيب بن إسحاق قد سمع من سعيد في حال الاختلاط. والرمق - محركة - بقية الحياة القاموس المحيط الرمق ص ١١٤٦.
(٢) ثقة ع تقريب التهذيب ٥٧٣٣.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ٣٥٣/٦٧١.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ٣٠٢/٥٣٤١.
(٥) تاريخ بغداد ١٤/ ٣٣٨، وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧٤٦.
(٦) صدوق ربما أخطأ عخ م ٤ تقريب التهذيب ٤٢٩٠.
[ ١ / ٤٢٣ ]
الإمام أحمد. سئل أبو داود عن السهمي والخفاف في حديث ابن أبي عروبة فقال: عبد الوهاب أقدم، فقيل له عبد الوهاب سمع في زمن الاختلاط فقال: من قال هذا؟ سمعت أحمد بن حنيل سئل عن عبد الوهاب في سعيد بن أبي عروبة فقال: عبد الوهاب أقدم (^١). فظاهر هذا أنه سمع قبل الاختلاط.
وأما ما ورد عنه أنه سُئل عن الموازنة بين أسباط بن محمد والخفاف في سعيد بن أبي عروبة فقال: أسباط أحب إليّ، لأنه سمع منه بالكوفة (^٢) حيث قدم أسباطًا لأن سماعه بالكوفة ينفي احتمال كونه سمع من سعيد في حال الاختلاط بخلاف الخفاف الذي كان سماعه بالبصرة، فإنه يحتمل أن يكون سمع في الصحة والاختلاط، فلو تمحض سماع الخفاف قبل الاختلاط لما قدّم الإمام أحمد أسباطًا عليه، وخاصة أنه كان يقول في الخفاف: كان من أعلم الناس بحديث سعيد بن أبي عروبة (^٣)، فهذا يقوّي احتمال كون الخفاف سمع من سعيد في الصحة والاختلاط عند الإمام أحمد، ويتعارض مع الرواية الصريحة المتقدمة والتي تنفي سماعه في الاختلاط. وهناك احتمال آخر للجمع بين القولين، وهو أقوى الاحتمالين، وهو أن تقديم الإمام أحمد لأسباط بن محمد في سعيد على الخفاف مبنى على مطلق قدم سماعه من سعيد، فإن قدم سماع الراوي من شيخه من عوامل تقديم الرواة بعضهم على بعض عند الأئمة، فهذا يجمع بين القولين وهو أولى من ترجيح الرواية الثانية على الرواية الأولى الصريحة في نفي الإمام أحمد لسماع الخفاف من ابن أبي عروبة في الاختلاط، والله أعلم.
وتوقف الإمام أحمد في سماع خالد بن الحارث أبي عثمان البصري (^٤). فروى
_________________
(١) سؤلات الآجري أبا داود ص ٢٢٣.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ٣٠٢/٥٣٤٣.
(٣) تاريخ بغداد ١١/ ٢٢ ذكره من رواية أبي طالب عن أحمد.
(٤) ثقة ثبت ع تقريب التهذيب ١٦٢٩.
[ ١ / ٤٢٤ ]
ابن رجب: قيل لأحمد: يقولون سماع خالد منه بعد الاختلاط قال: لا أدري (^١).
وكذلك توقف في سماع عباد بن العوام الكلابي مولاهم أبو سهل الواسطي (^٢). قال أبو داود عن أحمد قال: عند عباد عن سعيد غير حديث خطأ، فلا أدري سمعه منه بآخرة أم لا؟ (^٣).
ما أعله الإمام أحمد من حديث سعيد بن أبي عروبة بالاختلاط:
قال أبو داود: سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنّا نمسح ونحن مع نبينا؟ قال: أسأل الله العافية. فقلت: شعيب بن إسحاق؟ قال: شعيب سمع بآخر رمق. قال الحسين: يعني أن شعيب بن إسحاق سمع من سعيد بن أبي عروبة هذا الحديث بآخر رمق (^٤).
لم أقف على رواية شعيب بن إسحاق هذه، وقد روى ابن ماجه (^٥)، وابن خزيمة (^٦)، كلاهما من طريق محمد بن سواء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه [رأى سعد بن مالك وهو يمسح على الخُفين فقال: إنكم لتفعلون ذلك؟ فاجتمعا عند عمر فقال سعدٌ لعمر: أفتِ ابن أخي في المسح على الخفيْن فقال عمر: كنا ونحن مع رسول الله ﷺ نمسح على خِفافنا لا نرى بذلك بأسًا، فقال ابن عمر: وإن جاء من الغائط؟ قال نعم].
ورواه أحمد عن عبد الرزاق، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به، وعنده:
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٤٤.
(٢) ثقة ع تقريب التهذيب ٣١٥٥.
(٣) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٤٠٠/ ١٨٩٣.
(٤) سؤالات أبي داود للإمام أحمد م ٢.
(٥) السنن ١/ ١٨١/٥٤٦.
(٦) صحيح ابن خزيمة ١/ ٩٣/١٨٤.
[ ١ / ٤٢٥ ]
[فقال ابن عمر: وإن جاء من الغائط والبول؟ قال عمر: نعم، وإن جاء من الغائط والبول. قال نافع: فكان ابن عمر بعد ذلك يمسح عليهما ما لم يَخلعْهما، وما يوقِّت لذلك وقتًا. قال عبد الرزاق: فحدثتُ به معمرًا فقال: حدثنيه أيوب عن نافع مثله" (^١). وهو في مصنف عبد الرزاق (^٢). فهذه متابعة قاصرة لمحمد بن سواء.
ورواه مالك عن نافع وعبد الله بن دينار أنهما أخبراه أن عبد الله بن عمر قدم الكوفة على سعد بن أبي وقاص وهو أميرها فرآه عبد الله بن عمر يمسح على الخفين فأنكر ذلك عليه، فقال له سعد: سل أباك إذا قدمت عليه، فقدم عبد الله فنسي أن يسأل عمرَ عن ذلك حتى قدم سعد، فقال: أسألت أباك؟ فقال: لا، فسأله عبد الله، فقال عمر: إذا أدخلت رجليك في الحفين وهما طاهرتان فامسح عليهما. قال عبد الله: وإن جاء أحدنا من الغائط؟ فقال عمر: نعم، وإن جاء أحدكم من الغائط (^٣). هكذا رواه غير مرفوع عند عمر.
وقول الإمام أحمد في سؤال أبي داود: "أسأل الله العافية" نوع إنكار منه للحديث، ووجه ذلك أن رواية شعيب بن إسحاق جعلت الحديث من مسند ابن عمر، فأنكر الإمام أحمد ذلك، إذ كيف يكون عند ابن عمر علم بأنهم كانوا يمسحون مع النبي ﷺ ثم ينكر المسح على سعد كما جاءت بذلك بقية الروايات؟ ثم علّل ذلك ﵀ بأن شعيب بن إسحاق سمع من ابن عروبة في آخر حياته - يعني في حال اختلاطه، وهو مظان أن يروي الخطأ منْ تحمّل عن شيخه في تلك الحالة، ومما يؤكد أن شعيب بن إسحاق روى الخطأ أنه قد خولف عن شيخه سعيد بن أبي عروبة:
_________________
(١) المسند ١/ ٣٥٧/٢٣٧.
(٢) مصنف عبد الرزاق ١/ ١٩٧٦/٧٦٣، ووقع فيه: عن عبد الله بن عمر مكان عبيد الله بن عمر، فإن لم يكن خطأ من الناسخ فالأولى ما في المسند لأن أحمد مقدم في عبد الرزاق على الدبري راوية المصنف المطبوع، الله أعلم.
(٣) الموطأ ١/ ٣٦/٤٢.
[ ١ / ٤٢٦ ]
خالفه محمد بن سواء بن عنبر السدوسي. قال فيه الإمام أحمد: هو أحلى من الخفاف - يعني عبد الوهاب بن عطاء الخفاف - إلا أن الخفاف أقدم سماعًا (^١)، وسأله عبد الله عن محمد بن سواء وروح بن عبادة في سعيد بن أبي عروبة، فقال: ما أقربهما (^٢). وقد تقدم عن الإمام أحمد أن روح كتب التفسير عن ابن أبي عروبة قبل الهزيمة، أي قبل الاختلاط، وأن حديثه عن سعيد صالح، فهذا يدل على أن سماع محمد بن سواء أيضًا قبل الهزيمة، فروايته عن سعيد مقدمة على رواية شعيب ابن إسحاق. ثم إنه قد توبع محمد بن سواء متابعة قاصرة كما تقدم: تابعه عبد الرزاق، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، وعن معمر، عن نافع، كما تابعه مالك عن نافع.
ففي هذه المسألة إعلال الإمام أحمد الحديث بسماع الراوي عن المختلط في حال اختلاطه.
حديث آخر:
قال أبو داود: ذكرتُ لأحمدَ حديثَ عباد بن العواّم، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس: [أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه] فلم يعرفْه، وقال: عند عباد عن سعيد غير حديث خطأ، فلا أدري سمعه منه بآخرة أم لا؟ يعني عن سعيد، عن قتادة، عن أنس قصة أم سليم، وإنما هي في كتب سعيد، عن عكرمة، يعني عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة. ويحدث عكرمة، عن الفضل بن عباس (^٣)، وذكر شيئًا، وإنما هو في كتب سعيد: عن رجل، عن الحكم (^٤).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٢/ ٣٥٦/٢٥٧٦.
(٢) المصدر نفسه ٢/ ٤٧٢/٣٠٩٣.
(٣) هكذا ذكره، وهكذا هو في نسخة مطبعة المنار ص ٢٩٩، ولعل الصواب: وبحديث حتى تستقيم الجملة، والله أعلم.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠٠ رقم ١٨٩٣.
[ ١ / ٤٢٧ ]
ذكر في هذه المسألة ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول: حديث أنس أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه.
هذه رواية عباد بن العوام، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن أنس. رواه النسائي (^١)، والترمذي في الشمائل (^٢)، وأبو يعلى (^٣)، وأبو الشيخ (^٤) من طريق محمد بن عيسى بن الطباع، عن عباد به. ورواه ابن عبد البر (^٥) من طريق موسى بن داود، عن عباد به، وزاد: [ونقشه: محمد رسول الله].
وقد رُوي عن خالد بن عبد الله الواسطي، عن سعيد بن أبي عروبة به مثله. رواه عنه ابنه محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي، أخرجه ابن عدي (^٦). وقال: هذا إنما يعرف من رواية عباد بن العوام، عن سعيد، ويرويه عن عباد موسى بن داود، وأما عن خالد، عن سعيد فمنكر، لا يرويه عن خالد غيرُ محمد ابنه هذا. ا. هـ (^٧)، ومحمد بن خالد بن عبد الله الواسطي قال عنه ابن معين: لا شيء، وأنكر روايته عن أبيه، عن ابن أبي عروبة، والأعمش (^٨). وقال أبو حاتم: هو على يديْ عدلٍ، أي قريب من الهلاك (^٩).
_________________
(١) السنن ٨/ ١٩٣/٥٢٩٨، وفي الكبرى ٥/ ٤٥١/٩٥١٩.
(٢) مختصر الشمائل برقم ٨٣.
(٣) المسند ٣/ ٢٨٤/٣١٠٧.
(٤) أخلاق النبي ﷺ ص ١٣٢.
(٥) التمهيد ١٧/ ١١٠.
(٦) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٢٧٦.
(٧) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٢٧٦.
(٨) التاريخ الكبير ١/ ٧٤. وانظر: تهذيب الكمال ٢٥/ ١٤٢.
(٩) تهذيب التهذيب ٩/ ١٤٢.
[ ١ / ٤٢٨ ]
وجه علة الحديث:
ذكر الإمام أحمد أنه لم يعرف الحديث، وهذه إشارة إلى تفرد عباد بن العوام بالحديث عن سعيد، ثم ذكر أن عند عباد عن سعيد غيرَ حديث خطأ، وهي إشارة منه إلى خطأ هذه الرواية، وهذا الخطأ يرجع عند الإمام إلى عدم معرفة هل كان سماع عباد بن العوام من سعيد بآخرة أم لا؟ وهذا أحد أوجه عدم قبول رواية الراوي عن المختلط. وبالرجوع إلى رواية سائر الرواة عن سعيد لهذا الحديث يتبين وجه الخطأ بوضوح. فقد روى الحديث جمعٌ من الرواة عن سعيد، منهم من سمع منه قديمًا قبل الاختلاط، ومنهم من سمع في الحالتين. فممن رواه وكان سماعه من سعيد قبل الاختلاط:
١. يزيد بن زريع: أخرج روايته البخاري في الصحيح (^١). وقد نص الإمام أحمد كما تقدم (^٢) على أن سماع يزيد بن زريع من سعيد قديم وقبل الاختلاط.
٢. عيسى بن يونس بن أبي إسحاق: أخرج روايته أبو داود (^٣)، وابن حبان (^٤). وقال الإمام أحمد: سماع عيسى بن يونس من سعيد جيد بالكوفة (^٥).
٣. محمد بن بشر العبدي: أخرج روايته أحمد (^٦). وتقدم أن الإمام أحمد قال: سماع محمد بن بشر من سعيد متقدم (^٧).
_________________
(١) صحيح البخاري مع فتح الباري ١٠/ ٣٢٣/٥٨٧٢.
(٢) ص ٤٢١.
(٣) السنن ٤/ ٤٢٣/٤٢١٤.
(٤) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ١٤/ ٣٠٣/٦٣٩٢.
(٥) انظر: ص ٤٢٠.
(٦) المسند ٢٠/ ٣٤٢/١٣٠٤٦.
(٧) ص ٤٢٠.
[ ١ / ٤٢٩ ]
٤. محمد بن بكر البرساني: أخرج روايته أحمد (^١). تقدم أيضًا عن الإمام أحمد أنه سمع من سعيد قبل الهزيمة (^٢).
ورواه ممن سمع من سعيد في الحالتين، أو لا يعرف وقت سماعه جمعٌ أيضًا، منهم:
١. عبد الوهاب بن عطاء الخفاف: أخرج روايته ابن سعد (^٣)، والطحاوي (^٤)، وابن عبد البر (^٥). وسماع عبد الوهاب الخفاف من سعيد في الحالتين كما تقدم عن الإمام أحمد (^٦).
٢. خالد بن الحارث: أخرج روايته أبو يعلى (^٧). وقد تقدم أن الإمام أحمد ذكر أنه لا يدري عن وقت سماعه من سعيد (^٨). وذكر غيره أنه سمع منه في الصحة (^٩).
٣. محمد بن عبد الله الأنصاري: أخرج روايته ابن سعد (^١٠) لم أجد التنصيص على وقت سماعه من سعيد.
٤. محمد بن جعفر غندر: أخرج روايته أحمد (^١١). لم أجد عن الإمام أحمد التنصيص على وقت سماعه من سعيد. وقد ذكر ابن مهدي أن سماعه منه بعد
_________________
(١) المسند ٢٠/ ١٥١/١٢٧٣٨.
(٢) ص ٤٢١.
(٣) الطبقات ١/ ٤٧١.
(٤) شرح معاني الآثار ٤/ ٢٦٤.
(٥) التمهيد ١٧/ ١٠٥.
(٦) انظر: ص ٤٢٣.
(٧) المسند ٣/ ٢٩٣/٣١٤٢.
(٨) انظر: ص ٤٢٤.
(٩) انظر: فتح المغيث ٤/ ٣٧٦.
(١٠) الطبقات ١/ ٤٧١.
(١١) المسند ٢٠/ ١٥١/١٢٧٣٨.
[ ١ / ٤٣٠ ]
الاختلاط، وأنكر ذلك الفلاس (^١).
٥. خالد بن عبد الله الطحان الواسطي: أخرج روايته أبو داود (^٢). ولم أجد من نص على وقت سماعه.
٦. عبد الرحمن بن حماد (^٣): أخرج روايته ابن عبد البر (^٤).
فهؤلاء - وعددهم عشرة، منهم أربعة سمعوا من سعيد قبل الاختلاط - كلهم رووا الحديث بلفظ: [أن رسول الله ﷺ أراد أن يكتب إلى ناس من الأعاجم فقيل: إنهم لا يقبلون كتابًا إلا بخاتم، فاتخذ رسول الله ﷺ خاتَمًا من فضة ونقش فيه: محمد رسول الله. فكأني أنظر إلى بصيصه أو وبيصه في يد رسول الله ﷺ]. هكذا رووه بدون تعيين اليد التي فيها الخاتم.
وتابعهم شعبة وهشام الدستوائي، عن قتادة به. رواه البخاري (^٥) ومسلم (^٦) من حديث شعبة، ومسلم (^٧) من حديث هشام الدستوائي. ولفظ حديث شعبة كما رواه البخاري: [لما أراد النبي ﷺ أن يكتب إلى الروم قيل له: إنهم لن يقرءوا كتابك إذا لم يكن مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضة ونقشه: محمد رسول الله. فكأنما أنظر إلى بياضه في يده]. ولفظ حديث هشام: [أن نبي الله ﷺ
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٤٤.
(٢) السنن ٤/ ٤٢٤/٤٢١٥. جاء في السنن: عن خالد، مهملًا وصرح المزي بأنه الطحان. انظر: تحفة الأشراف ١/ ٣١٢.
(٣) قال عنه الحافظ: صدوق ربما أخطأ تقريب التهذيب ٣٨٧٠. أخرج له البخاري مقدمة فتح الباري ص ٤١٧.
(٤) التمهيد ١٧/ ١٠٦.
(٥) صحيح البحاري - مع فتح الباري ١/ ١٥٥/٦٥، ٦/ ١٠٨/٢٩٣٨، ١٠/ ٣٢٥/٥٨٧٦.
(٦) صحيح مسلم ٣/ ١٦٥٧/ ٢٠٩٢ (٥٦).
(٧) صحيح مسلم ٣/ ١٦٥٧/٢٠٩٢ (٥٧).
[ ١ / ٤٣١ ]
كان أراد أن يكتب إلى العجم، فقيل له: إن العجم لا يقبلون إلا كتابًا عليه خاتم، فاصطنع خاتمًا من فضة. قال: كأني أنظر إلى بياضه في يده]. وهؤلاء الثلاثة
ـ سعيد، وشعبة، وهشام - هم الحفاظ من أصحاب قتادة. قال البرديجي: إذا أردت أن تعلم صحيح حديث قتادة فانظر إلى رواية شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي، فإذا اتفقوا فهو صحيح، وإذا اختلفوا في حديث واحد فإن القول فيه قول رجلين من الثلاثة إلخ (^١). فرواية شعبة، وهشام، وكذلك رواية الجماعة عن سعيد بن أبي عروبة ليس فيها ذكر موضع الخاتم من يده، هل كان في يده اليسرى أو اليمني كما أفادت رواية عباد بن العوام عن سعيد بن أبي عروبة، وتفرده عنهم يقضي بخطئه، ولو جوزنا أن يكون ممن يحتمل منه التفرد عن الحافظيْن المكثريْن - أعني ابن عروبة، وقتادة - إلا أن عدم ثبوت كون سماعه من سعيد في حال الصحة يقضي بعدم صحة روايته.
ولا يعترض على هذا بأنه روي عن شعبة أيضًا بتعيين اليد، فتكون متابعة قاصرة لعباد، لأن تلك الرواية خطأ. قال ابن عدي: "وقد روي عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، يرويه عن شعبة سلم بن قتيبة، وعن سلم الحسن بن عيسى البسطامي، وقد اختلف على الحسين بن عيسى، عن سلم بن قتيبة في هذا الحديث، فرواه عنه الجرجانيون فحدثناه عنه أبو زرعة محمد بن عبد الوهاب فقال فيه: [فكأني أنظر إلى بياض خاتمه في يده اليسرى]، وثناه عبد الرحمن بن سليمان بن عدي
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٩٥، ٦٩٧. وقد تابعهم عن قتادة: خالد بن قيس عند مسلم ٣/ ١٦٥٧/٢٠٩٢ (٥٨)، وسعيد بن بشير عند ابن عبد البر في التمهيد ١٧/ ١٠٥، وقرة بن خالد عند النسائي في الكبرى ٥/ ٤٥١/٩٥٢٢، كلهم بمثل لفظ الجماعة إلا أن سعيد بن بشير زاد: [ولبس أبو بكر خاتم النبي ﷺ فلما توفي أبو بكر لبس الخاتم عمر، فلما توفي عمر لبس الخاتم عثمان فسقط من عثمان في بئر بالمدينة].
[ ١ / ٤٣٢ ]
الجرجاني بمكة عن الحسين بن عيسى فلم يقل فيه يسار ولا يمين، وهو الصواب، وقال الجرجاني علي بن أحمد رواه عن الحسين بن عيسى فقال: [كان النبي ﷺ بتختم في يمينه] (^١) فنص ابن عدي على أن الصواب عدم تعيين اليد كما رواه غير واحد عن سعيد، وشعبة، وهشام، وغيرهم عن قتادة".
الحديث الثاني: قصة أم سليم، وقد روى المروذي المسألة بأصرح من هذا:
قال المروذي: وذكرتُ حديثَ عباد، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس أن صفية حاضت بعد ما طافت، فقال: أخطأ فيه عباد، إنما هو عن قتادة، عن عكرمة (^٢).
هذا الحديث رواه أبو يعلى (^٣) من هذا الوجه، قال: حدثنا زهير، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أم سُليم أنها حاضت بعد ما أفاضتْ يومَ النحر، فأمرها النبي ﷺ أن تنفر. رواه الطحاوي عن ابن أبي داود، عن سعيد بن سليمان به (^٤).
وجه علة الحديث:
قال الإمام أحمد في رواية المروذي: أخطأ فيه عبّاد، إنما هو عن قتادة، عن عكرمة. وقال في رواية أبي داود: إنما هو في كتب سعيد، عن عكرمة، يعني عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة. أي إن الرواية الصحيحة عن سعيد كما هي في أحاديثه المحفوظة في كتب أصحابه: عن قتادة، عن عكرمة، وليس عن قتادة عن أنس. هكذا رواه روح بن عبادة - وهو ممن سمع من سعيد قبل الاختلاط كما
_________________
(١) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ٨٨٢.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ١٤٩/ ٢٦٥.
(٣) مسند أبي يعلى ٣/ ٢٧٥/٣٠٧١.
(٤) شرح معاني الآثار ٢/ ٢٣٣.
[ ١ / ٤٣٣ ]
تقدم عن الإمام أحمد - وكذلك محمد بن جعفر غندر - وهو ممن سمع من سعيد قبل الاختلاط عند الفلاس. أخرج حديثهما الإمام أحمد قال: حدثنا محمد بن جعفر، وورح المعنى قالا: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة أنه كان بين ابن عباس وزيد بن ثابت في المرأة تحيض بعدما تطوف يومَ النحر مقاولةٌ في ذلك، فقال زيد: لا تنفر حتى يكون آخرُ عهدِها بالبيت، وقال ابن عباس: إذا طافت يوم النحر وحلّت لزوجها نفرَتْ إن شاءت، ولا تنتظر. فقالت الأنصار: يا ابنَ عباس إنك إذا خالفت زيدًا لم نتابعك فقال ابن عباس: سلُوا أم سليم، فسألوها عن ذلك فأخبرت أن صفية بنت حُييّ ابن أخطب أصابها ذلك فقالت عائشة: الخيبة لك حبستنا، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فأمرها أن تنفر، وأخبرت أم سليم أنها لقيت ذلك فأمرها رسول الله ﷺ أن تنفر (^١) ورواه البيهقي من حديث روح وحده (^٢).
وتابعهما عبدة بن سليمان عن سعيد عند إسحاق بن راهويه (^٣). وسماع عبدة بن سليمان من سعيد كان جيدًا، سمع منه بالكوفة (^٤) وذكر الحافظ ابن حجر أن عبد الأعلى - وهو بن عبد الأعلى السامي - أيضًا رواه عن سعيد بن أبي عروبة هكذا، وهو في كتاب المناسك من طريق محمد بن يحيى القطعي (^٥).
وقد تابعهم هشام الدستوائي متابعة قاصرة عن قتادة، عن عكرمة بمثله. رواه أحمد (^٦)، والطحاوي (^٧). كما تابعهم أيوب، وخالد الحذاء عن عكرمة به.
_________________
(١) المسند ٤٥/ ٤١٥/٢٧٤٢٧.
(٢) السنن الكبرى ٥/ ١٦٤.
(٣) مسند إسحاق بن راهوية ١/ ٧٩؟
(٤) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ١٦٣/٨٦.
(٥) فتح الباري ٣/ ٥٨٨.
(٦) المسند ٤٥/ ٤١٩/٢٧٤٣٢.
(٧) شرح معاني الآثار ٢/ ٢٣٣.
[ ١ / ٤٣٤ ]
رواه البخاري (^١) وغيره.
وقد نسب الإمام أحمد عباد بن العوام إلى الخطأ في روايته لهذا الحديث مخالفًا لما ثبت في كتب سعيد، وهذا من القرائن الدالة على قوة احتمال كون سماعه من سعيد بآخرة. وتردد الإمام أبو حاتم الرازي فقال لما سأله ابنه: الخطأ ممن هو؟ قال: لا أدري من عباد هو أو من سعيد (^٢). وحكم على خطأ الرواية بناء على رواية هشام، ولعله لو استحضر ﵀ رواية من رواه عن سعيد بمثل رواية هشام كما فعل الإمام أحمد لما تردد في نسبة الخطأ إلى عباد، والله أعلم.
الحديث الثالث: حديث عكرمة عن الفضل بن عباس، وقال: وإنما هو في كتب سعيد: عن رجل، عن الحكم.
لم أهتد إلى هذا الحديث، ولم أقف على رواية لسعيد عن عكرمة، عن الفضل بن العباس، ولعل سقطًا وقع هنا عند قوله: وذكر شيئًا.
وقد اختلف على سعيد في حديث رواه عن رجل عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي: "أردتُ أن أفرّق بين امرأة وولدها - وفي لفظ: أن أبيع غلامين أخوين - فنهاني رسول الله ﷺ عن ذلك". أورده الدارقطني، إلا أنه لم يذكر لعباد بن العوام رواية لهذا الحديث عن سعيد (^٣)، لعل الإمام أحمد عنى هذا الحديث، وأن عباد بن العوام كان ممن رواه عن سعيد، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى بدون واسطة، وهو مخالف لما في كتب سعيد، لأن عبد الوهاب الخفاف - وكان راوية لكتب سعيد بن أبي عروبة - رواه عن سعيد، عن رجل، عن الحكم به. أخرجه أحمد في المسند (^٤).
_________________
(١) صحيح البخاري مع فتح الباري ٣/ ٥٨٦/١٧٥٨، ١٧٥٩.
(٢) علل ابن أبي حاتم ١/ ٢٧٤/٨٠٩.
(٣) علل الدارقطني ٣/ ٢٧٢.
(٤) المسند ٢/ ٣٠٨/١٠٤٥.
[ ١ / ٤٣٥ ]
وهذه الأخطاء - وغيرها - من عباد بن العوام في حديثه عن سعيد ابن أبي عروبة هي التي جعلت الإمام أحمد يقول في رواية الأثرم: عباد بن العوام مضطرب الحديث عن سعيد بن أبي عروبة (^١). وهذا يوحي في ظاهره أن عباد كان ضعيفًا في سعيد بن أبي عروبة لعدم ضبطه لحديثه فيكون الاضطراب من قبله هو لا من قبل سعيد وهو أمر محتمل، لكن رواية أبي داود المتقدمة التي ذكر فيها الإمام أحمد عدم معرفة وقت سماع عباد من سعيد تقوي احتمال كون ذلك الضعف راجعًا إلى عدم معرفة هل كان سماعه من سعيد في الصحة أو في الاختلاط. ولم يخرج الشيخان شيئًا من رواية عباد بن العوام عن سعيد بن أبي عروبة (^٢).
٥ - عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي (١٦٠) هـ:
هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي.
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن أبي عُميس (^٣) والمسعودي أيهما أحب إليك؟ قال: كلاهما ثقة، المسعودي عبد الرحمن أكثرهما حديثًا (^٤).
قال الميموني: قال أبو عبدالله: المسعودي صالح الحديث ومن أخذ عنه أولُ فصالح الأخذ (^٥).
وقال الميموني أيضًا عن أبي عبد الله أنه قال: والمسعودي من سمع منه بأخرة يُطعن في سماعهم منه (^٦).
فهذا إشارة منه ﵀ إلى أن المسعودي اختلط.
_________________
(١) الجرح والتعديل ٦/ ٨٣.
(٢) تهذيب الكمال ١٤/ ١٤١، هدي الساري ص ٤١٢.
(٣) هو أخوه، واسمه عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ١٣٤/١٣.
(٤) تهذيب الكمال ١٧/ ٢٢٢.
(٥) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ٢٠٤/ ٣٧٢.
(٦) المصدر نفسه ٢٤٥/ ٤٩٠.
[ ١ / ٤٣٦ ]
وأما ضابط التمييز بين السماع الجيد والسماع بعد الاختلاط فعن الإمام أحمد كما رواه عبد الله قال: سمعت أبي يقول: كل من سمع المسعودي بالكوفة فهو جيد، مثل وكيع وأبي نعيم، وأما يزيد بن هارون وحجاج ومن سمع منه ببغداد وهو في الاختلاط إلا من سمع منه بالكوفة (^١).
وقال عبد الله أيضًا: سمعت أبي يقول: سماع وكيع من المسعودي بالكوفة قديمًا، وأبو نعيم أيضا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالبصرة والكوفة فسماعه جيد (^٢).
فهذا يدل على أن سماع من سمع منه ببغداد كان بعد الاختلاط، وأما من سمع قبل ذلك بالكوفة أو بالبصرة فهو قبل الاختلاط. وقد قدِم المسعودي بغداد في آخر حياته وبها كانت وفاته (^٣).
ونصّ الإمام أحمد على أن وكيعًا وأبا نعيم سمعا منه قبل الاختلاط، وأن يزيد بن هارون، وحجاج بن محمد المصيصي سمعا منه بعد الاختلاط.
وسمع منه بعد الاختلاط أيضًا عاصم بن علي، وأبو النضر هاشم بن القاسم البغدادي. قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله يقول سماع أبي النضر وعاصم وهؤلاء من المسعودي بعد ما اختلط إلا أنهم احتملوا السماع منه فسمعوا (^٤).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ٥٠/٤١١٤.
(٢) المصدر نفسه ١/ ٣٢٥/٥٧٥.
(٣) تاريخ بغداد ١٠/ ٢١٨.
(٤) تهذيب الكمال ١٧/ ٢٢٣.
[ ١ / ٤٣٧ ]
ما أعله من حديث المسعودي بالاختلاط:
قال عبد الله: سألت أبي عن حديث عمرانَ بن حُصين أن قومًا قدِموا على النبي ﷺ فقالوا: [قد بشّرتنا فأعْطِنا …] فإن الأعمش، وسفيان جميعًا يقولان عن جامع بن شدّاد، عن صَفوان بن مُحرز، عن عمران بن حُصين، ورواه يزيد ابن هارون، عن المسعودي، عن جامع، عن ابن بُريدة بن حُصيب، عن أبيه. قلت: أيما الصواب؟ فقال: الصواب ما رواه الأعمش وسفيان، وسماع يزيد من المسعودي بأخرة. قال أبي: وقال يحيى بن معين: لم أسمعه من أبي معاوية. قال أبي: وإنما حدثناه أبو معاوية ببغداد، وكان يحيى ربما فاته الشيء (^١).
هذا الحديث رواه البخاري من حديث سفيان الثوري من طريق محمد ابن كثير، وأبي نعيم الفضل بن دُكين كلاهما عن الثوري، عن جامع بن شداد، عن أبي ضمرة صفوان بن مُحرِز، عن عمران بن حُصين، ولفظه: [جاء نفرٌ من بني تميم إلى النبي ﷺ فقال: "يا بني تميم أبشروا"، فقالوا: بشّرتَنا فأعطنا، فتغيّر وجهُه. فجاءه أهلُ اليمن، فقال: "يا أهلَ اليَمن اقبَلوا البُشرى إذْ لم يقبلْها بنو تميم". قالوا: قبِلنا، فأخذ النبي ﷺ يحدِّث بدء الخلق والعرش، فجاء رجل فقال: يا عمران، راحلتك تفلّتتْ، ليتني لم أقم] (^٢). ورواه الترمذي (^٣) وأحمد (^٤)، وابن حبان (^٥) من طرق عن الثوري به.
ورواه الإمام البخاري أيضًا من حديث الأعمش من طريق حفص بن غياث،
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ٣٠٢/٥٣٤٥ - ٥٣٤٧.
(٢) صحيح البخاري - مع فتح الباري ٦/ ٢٨٦/٣١٩٠، و٨/ ٨٣/٤٣٦٥.
(٣) الجامع ٥/ ٦٨٨/٣٩٥١.
(٤) المسند ٣٣/ ١١٦/١٩٨٨٦، ٣٣/ ١٤١/١٩٩١٠.
(٥) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ١٦/ ٢٨١/٧٢٩٢.
[ ١ / ٤٣٨ ]
وأبي حمزة السكري كلاهما عن الأعمش، عن جامع بن شداد به (^١) ورواه أحمد (^٢) عن أبي معاوية، وابنُ حبان (^٣) من طريق شيبان النحوي، وأبو الشيخ في العظمة (^٤) عن أبي كريب، عن أبي معاوية، والطبراني من طريق أبي بكر ابن عياش (^٥)، ومن طريق محمد بن عبيد (^٦)، ومن طريق أبي إسحاق الفزاري (^٧)، والطبري من طريق أبي معاوية (^٨)، والبيهقي من طريق شيبان النحوي (^٩) كلهم عن الأعمش به. ولفظه كما هو في البخاري عن عمران بن حصين: [دخلتُ على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال: "اقبَلوا البشرى يا بني تميم"، قالوا: بشرتنا فأعطنا - مرتين - ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال: "اقبلوا البشرى يا أهل اليمن أنْ لم يَقبلْها بنوا تميم"، قالوا: قد قبِلنا يا رسول الله. قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر. قال: "كان اللهُ ولم يكن شيءٌ غيرَه وكان عرشُه على الماءِ، وكَتب في الذِّكر كلَّ شيء، وخلق السماوات والأرضَ"، فنادى منادٍ: ذهبتْ ناقتُك يا ابن الحُصين، فانطلقتُ فإذا هي يقطع دونها السرابُ، فوالله لَوَدِدتُ أني كنتُ تركتُها].
_________________
(١) صحيح البخاري - مع فتح الباري ٦/ ٢٨٦ ح ٣١٩١، ١٣/ ٤٠٣ ح ٧٤١٨.
(٢) المسند ٣٣/ ١٠٧/١٩٨٧٦.
(٣) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ١٤/ ١٠ ح ٦١٤٢.
(٤) العظمة ٢/ ٥٧١ ح ١٨.
(٥) المعجم الكبير ١٨/ ٢٠٣ ح ٤٩٧.
(٦) المعجم الكبير ١٨/ ٢٠٤ ح ٤٩٨.
(٧) المعجم الكبير ١٨/ ٢٠٤ ح ٥٠٠.
(٨) التاريخ ١/ ٣١.
(٩) السنن الكبرى ٩/ ٢.
[ ١ / ٤٣٩ ]
وجه علة الحديث:
ذكر عبد الله بن الإمام أحمد في هذه المسألة أن يزيد بن هارون روى الحديث عن المسعودي، عن ابن بريدة بن حصيب، عن أبيه. رواه أبو الشيخ من هذا الوجه (^١). فأعل الإمام أحمد هذه الرواية بأنها خطأ، وأنها مما روى المسعودي بعد الاختلاط، وذلك أن راويها عنه - وهو يزيد بن هارون - كان سماعه منه بأخرة كما تقدم.
ومما يؤيد أن علة هذا الإسناد هو اختلاط المسعودي أن القدماء من أصحاب المسعودي رووا الحديث عنه بمثل رواية سفيان والأعمش التي حكم عليها الإمام أحمد بأنها الصواب. وهذا يدل إلى أن المسعودي كان يُحدِّث بالحديث في الصحة على الصواب، وإنما حدّث بالخطأ لما أصابته علة الاختلاط. فروى خالد بن الحارث البصري، عن المسعودي، عن جامع بن شدّاد، عن صفوان بن محرز، عن عمران بن الحصين - بمثل رواية الثوري والأعمش. أخرج حديثه النسائي (^٢) من طريق محمد بن عبد الأعلى عنه به. وكذلك رواه النضر بن شُميل البصري، عن المسعودي بمثل رواية خالد بن الحارث. أخرج حديثَه الطبري في التفسير (^٣) عن خلاد بن أسلم عنه به. وقد نصّ الإمام أحمد فيما تقدم على أن من سمع من المسعودي بالبصرة والكوفة فسماعُه جيد، وكلٌّ من خالد بن الحارث، والنضر بن شميل بصري، ولم يُذكر لهما ترجمةٌ في تاريخ بغداد، مما يدل على عدم دخولهما مدينة السلام حيث طرأ الاختلاط على المسعودي، فيكون احتمال سماعهما منه بالبصرة قوياًّ جدًا، وقد ذكرهما الأبناسي
_________________
(١) كتاب العظمة ٢/ ٥٧٥ ح ١٩.
(٢) السنن الكبرى ٦/ ٣٦٣ ح ١١٢٤.
(٣) جامع البيان ١٢/ ٤.
[ ١ / ٤٤٠ ]
من الذين سمعوا من المسعودي بالبصرة (^١).
وقد روى الحديث بمثل رواية يزيد بن هارون - التي حُكم بخطئها - عبد الله بن يزيد المقرئ، عن المسعودي، عن جامع بن شداد، عن رجل، عن بريدة ابن الحصيب، فذكره، فقال في موضع "ابن بريدة الأسلمي": "رجل". أخرج روايته أبو الشيخ (^٢). ورواه روح بن عبادة، عن المسعودي، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز عن بريدة الأسلمي. أخرج روايته ابن خزيمة (^٣) والحاكم (^٤). وكل من عبد الله بن يزيد المقرئ، وروح بن عبادة لم يتميز وقتُ سماعهما من المسعودي، ويغلب على الظن أن سماعهما بعد الاختلاط، أما روح بن عبادة فهو من أهل البصرة، وقدم بغداد وحدث بها مدة طويلة، ثم انصرف إلى البصرة ومات بها كما قال الخطيب (^٥). وأما المقرئ فأصله بصري ثم انتقل إلى مكة. ولم يذكرهما ابن الكيال في الكواكب النيرات، وروايتهما لهذا الحديث على الوجه المعلول قرينة على احتمال كون تحملهما من المسعودي بعد الاختلاط، إذ لو كان الاضطراب من المسعودي في وقت الصحة لما رواه القدماء من أصحابه على الصواب كما تقدم في رواية خالد بن الحارث والنضر بن شميل، والله أعلم.
_________________
(١) الكواكب النيرات ٢٩٣ - ٢٩٥.
(٢) العظمة ٢/ ٥٧٧ ح ٢٢.
(٣) كتاب التوحيد ٢/ ٨٨٤. وتصرف المحقق حفظه الله، فقال موضع بريدة: عمران بن الحصين، مع أن في النسخ الخمس التي اعتمد عليها في تحقيق الكتاب والمطبوع من الكتاب قديما ص ٣٧٦: بريدة بن الحصيب، ولم يذكر مستنده في التصحيح. والخطأ في ذكر بريدة ليس من الناسخ، بل هو من الرواية، والحديث معلول. وقد ذكر الحديث الحافظ ابن حجر في إتحاف المهرة ٢/ ٥٦٢ في مسند بريدة وذكر أنه معلول، وأن الصواب عن صفوان، عن عمران بن حصين، وهذا أيضًا يدل على أن المثبت في كتاب التوحيد هو بريدة بن الحصيب.
(٤) المستدرك ٢/ ٣٤١.
(٥) تاريخ بغداد ٨/ ٤٠١.
[ ١ / ٤٤١ ]
٦ ـ أبان بن صمعة البصري ت (١٥٣) هــ:
قال عبد الله: سألته - أي أبا عبد الله - عن أبان بن صمعة فقال: صالح، فقلت له: أليس تغير بأخرة؟ قال نعم (^١).
فهذا يدل على أن الإمام أحمد يرى أن أبان بن صمعة كان قد تغيّر، ولم يرد عنه تحديد زمن اختلاطه (^٢)، ولا ضابط التمييز بين السماع الصحيح من السماع بعد الاختلاط، وقد أخرج حديثه في المسند من رواية وكيع، ويحيى بن سعيد القطان، وروح بن عبادة عنه (^٣).
ويحتمل أن يكون اختلاط أبان بن صمعة لم يؤثر في روايته، وهو وجه يحتمله سؤال عبد الله للإمام أحمد وردّه له، فكأنه يقول: أبان بن صمعة وإن تغيّر بآخره فهو مع ذلك صالح الحديث. ويؤيد هذا الوجه ما ذكره ابن عدي من أن أحاديث أبان، وهي قليلة، كلها مستقيمة غير منكرة (^٤)، وكذلك لم أقف على إعلال من الإمام أحمد لشيء من حديثه. وهذا الوجه إن ثبت يدل على أن الراوي قد يختلط ثم لا يؤثر ذلك في شيء من روايته.
وهناك أمر متعلق بالإعلال بالاختلاط وهو فرع لهذا المطلب:
فرع: إذا كان الراوي صحيحَ السماع من المختلط ووجد الخطأ في روايته عنه كان وجهُ الخطأ سببًا آخر غير الاختلاط.
يدل على هذا الضابط ما رواه أبو بكر الأثرم عن الإمام أحمد:
قال أبو بكر الأثرم: قلتُ لأبي عبد الله أجد في حديث سعيد عن قتادة عن
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٢/ ٤٩٨/٣٢٩٢.
(٢) وجاء عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قبل موته بزمان الجرح والتعديل ٢/ ٢٩٧.
(٣) انظر: المسند ٣٣/ ١٤، ٤٣/ ٢٥٤.
(٤) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٣٨٣، وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧٥٠.
[ ١ / ٤٤٢ ]
أبي المليح عن أبيه أن رجلًا أعتق شِقصًا قال فيه أحد: عن أبيه فقال: قاله السهمي وما أُراه محفوظًا، روى عدةٌ منهم إسماعيل وغيره ليس فيه عن أبيه، وأظن هذا من حفظ سعيد، وأثنى أبو عبد الله على السهمي خيرًا، قيل لأبي عبد الله: أين سماعُه عندك من سماع محمد بن بكر عن سعيد؟ فقال أبو عبد الله: هو عندي فوق هؤلاء كلِّهم، قلت لأبي عبد الله: السهمي فوق هؤلاء؟ فقال: نعم، قال أبو عبد الله: قال السهمي: سمعتُ من سعيد سنة اثنتين أو إحدى وأربعين (^١).
هذا الحديث الذي وقع عليه سؤال الأثرم أخرجه الإمام أحمد (^٢)، ومن طريقه وأبو نعيم (^٣)، والمقدسي (^٤) عن عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا سعيد، عن قتادة عن أبي المليح، عن أبيه أن رجلًا من قومه أعتَقَ شَقيصًا له من مملوكٍ فرُفع ذلك إلى النبي ﷺ فجعل خَلاصَه عليه في ماله وقال: [ليس لله شريكٌ].
وأعلّ الإمام أحمد هذه الروايةَ بأنها غيرُ محفوطة، واعتلّ برواية من روى الحديث مرسلًا، منهم إسماعيل بن عليّة وغيره، فرووه عن سعيد، عن قتادة، عن أبي المليح عن النبي ﷺ، ليس فيه: عن أبيه. ورواية إسماعيل بن عليّة أخرجها النسائي (^٥)، والطحاوي (^٦). وتابعه عباد بن العوّام عن سعيد، أخرج روايته ابن أبي شيبة (^٧)، والبيهقي (^٨).
_________________
(١) تاريخ بغداد ٩/ ٤٢١، وانظر: تهذيب الكمال ١٤/ ٣٤٣.
(٢) المسند ٣٤/ ٣١٤ رقم ٢٠٧٠٩.
(٣) معرفة الصحابة برقم ٧٧٦.
(٤) الأحاديث المختارة ٤/ ١٩٤ رقم ١٤٠٩.
(٥) السنن الكبرى ٣/ ١٨٦ رقم ٤٩٧١.
(٦) شرح مشكل الآثار برقم ٥٣٧٣.
(٧) المصنف ٤/ ٣٢٩ رقم ٢٠٧٠٤.
(٨) السنن الكرى ١٠/ ٢٧٤.
[ ١ / ٤٤٣ ]
وجه إعلال الإمام أحمد للحديث:
حكم الإمام أحمد على رواية السهمي عن سعيد الموصولة بأنها خطأ، وأن الصحيح رواية ابن علية وغيره عن سعيد المرسلة، وجعل هذا الخطأ من حفظ سعيد وليس من السهمي، بمعنى أن سعيدًا لما كان يعتمد على حفظه ولم يكن له كتاب يسهل عليه أن يقع في الخطأ، ووجه ذلك أن كلًا من ابن علية وعبد الله بن بكر السهمي ممن سمع من سعيد في الصحة، فانتفى أن يكون الخطأ راجعًا إلى اختلاط سعيد، وكلًا منهما ثقة، فإذا اختلافا توجه أن يكون الخطأ من شيخهما إذ المترجّح أن كلًا منهما حافظٌ لما رواه لثقته فتعين أن يكون من حدّثهما هو المخطئ، وإن ترجّح أن الخطأ من سعيد فرواية السهمي ليست بأولى بالخطأ من رواية ابن علية، فما وجه ترجيح رواية ابن علية إذًا؟ أشار الإمام أحمد إلى ذلك بأن غير ابن علية روى الحديث بالإرسال وأنهم عدةٌ، والظاهر أنه لا يقصد عباد بن العوام الذي روى الحديث عن سعيد، فإن روايته لا تؤثر في الترجيح لكونها عن سعيد نفسه، وإنما عنا بذلك رواية هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي المليح عن النبي ﷺ، ورواية بهز بن أسد، ومحمد بن كثير كلاهما عن همام، عن قتادة به مرسلًا أيضًا. فرواية هشام الدستوائي أخرجها النسائي من طريق أبي عامر العقدي عنه (^١)، ورواية بهز بن أسد عن همام أخرجها الإمام أحمد في المسند (^٢)، وأخرج أبو داود (^٣) رواية محمد بن كثير عن همام. فهتان الروايتان عن قتادة ترجحان رواية سعيد الموافقة لهما. وقد وافق الإمامَ أحمد على ترجيح رواية الإرسال الإمامُ النسائي (^٤).
_________________
(١) السنن الكبرى للنسائي ٣/ ١٨٦ رقم ٤٩٧٢.
(٢) المسند ٣٤/ ٣١٥ رقم ٢٠٧١٠
(٣) السنن ٤/ ٢٥١ رقم ٣٩٣٣.
(٤) انظر: السنن ٤/ ١٩٥.
[ ١ / ٤٤٤ ]
فالشاهد أن عبد الله بن بكر السهمي لو كان ممن سمع من سعيد بعد الاختلاط لكان المتبادر إلى الذهن أن الخطأ راجع إلى سماعه من سعيد بعد الاختلاط، وأما حيث إنه ممن سمع قبل الاختلاط توجه أن يكون الخطأ راجعًا إلى سبب آخر غير اختلاط شيخه، وذلك السبب هو حفظ شيخه، وقد قيل للإمام أحمد: روى الكوفيون عن سعيد غيرَ شيءٍ خلافِ ما روى عنه البصريون، فقال: هذا من حفظ سعيد، كان يحدّث من حفظه (^١).
مثال آخر:
قال عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن عَرفَجة قال كنا عند عُتبة بن فَرقَد فذكروا شهرَ رمضانَ فقال: ما سمعتم رسول الله ﷺ يقول: "تفتح فيه أبواب الجنة وتُغلق فيه أبوابُ النار وتُغلُّ فيه الشياطيُن ويُنادِي منادٍ: يا باغيَ الخير هلمَّ، ويا باغيَ الشر أَقصِر". سمعت أبي يقول: كان سفيان يخطئ في هذا الحديث لم يسمعه عُتبة من النبي ﷺ، رجل حدّث عتبة عن النبي ﷺ (^٢).
هذا الحديث الذي ذكره الإمام أحمد رواه النسائي (^٣)، وعبد الرزاق (^٤)، ومن طريقه الطبراني (^٥). والرواية التي أشار أنها هي الصحيحة رواها النسائي أيضًا: أخبرنا محمد بن بشّار، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا شعبة، عن عطاء بن السائب، عن عَرفَجة قال: كنتُ في بيتٍ فيه عُتبة بن فَرقَد فأردتُّ أن أحدّث بحديث وكان
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٤٦.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ١٦٥ رقم ٤٧٣٨.
(٣) السنن ٤/ ١٢٩ رقم ٢١٠٦.
(٤) المصنف ٤/ ١٧٦ رقم ٧٣٨٦.
(٥) المعجم الكبير ١٧/ ١٣٢ رقم ٣٢٥.
[ ١ / ٤٤٥ ]
رجلٌ من أصحاب النبي ﷺ كأنه أولى بالحديث مني، فحدّث الرجلُ عن النبي ﷺ قال في رمضان: تُفتح فيه أبوابُ السماء وتُغلق فيه أبوابُ النار ويُصفّد فيه كلُّ شيطانٍ مَريدٍ ويُنادي منادٍ كلَّ ليلة: يا طالبَ الخير هلمَّ، ويا طالبَ الشر أَمسك (^١). ورواه في الكبرى أيضًا (^٢)، ورواه أحمد (^٣)، وابن أبي شيبة (^٤) وتابع شعبة على رواية الحديث من هذا الوجه:
١. إسماعيل بن علية فقال: أخبرنا عطاء، عن عرفجة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ (^٥).
٢. حماد بن سلمة، رواه عن عطاء بن السائب، عن عرفجة: كنا عند عتبة بن فرقد وهو يحدثنا عن رمضان إذ دخل علينا رجل من أصحاب النبي ﷺ، أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (^٦).
٣. محمد بن فضيل، أخرج حديثه ابن أبي شيبة (^٧) وابن أبي عاصم (^٨).
٤. إبراهيم بن طهمان، أخرج حديثه الحارث في مسنده (^٩).
٥. عبيدة بن حُميد، عن عطاء بن السائب، عن عرفجة: كنت عند عتبة بن فرقد وهو يحدّثنا عن فضل رمضان فدخل علينا رجلٌ من أصحاب النبي ﷺ فسكت
_________________
(١) السنن ٤/ ١٣٠ رقم ٢١٠٧.
(٢) السنن الكبرى ٢/ ٦٧ رقم ٢٤١٨.
(٣) المسند ٣١/ ٩١ رقم ١٨٧٩٤.
(٤) المصنف ٢/ ٢٧٠ رقم ٨٨٦٨.
(٥) المسند ٣٨/ ٤٧٦ رقم ٢٣٤٩١.
(٦) ٣/ ٣٠٢ رقم ٣٦٠١.
(٧) المصنف ٢/ ٢٧٠ رقم ٨٨٦٨.
(٨) الآحاد والمثاني ٥/ ٣٠٥ رقم ٢٩٢٨.
(٩) بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ١/ ٤١١ رقم ٣٢٠.
[ ١ / ٤٤٦ ]
عتبة وكأنه هابه … الحديث. أخرجه أحمد (^١).
وتابع ابن عيينة على روايته عبد السلام بن حرب، وهو وإن وُثق إلا أنه له ما ينكر. قال أحمد: كنا ننكر من عبد السلام شيئًا (^٢) أخرج حديثه الطبراني (^٣).
وجه علة الحديث:
حكم الإمام أحمد على رواية سفيان بن عيينة عن عطاء بن السائب بأنها خطأ، حيث جعل الحديث من مسند عتبة بن فرقد، وإنما هو من رواية رجلٌ من الصحابة حدّث به في مجلس فيه عتبة بن فرقد، وقد خالف ابن عيينة جمعًا من الرواة عن عطاء بن السائب ومن بينهم من كان حديثه عن عطاء مقدمًا على حديث غيره، وهما شعبة، وحماد بن سلمة (^٤)، والعدد أولى بالحفظ من واحد، ثم إن ابن عيينة بروايته الحديث على الوجه الذي رواه قد سلك الجادة - وهي رواية الصحابي عن النبي ﷺ وفي رواية غيره زيادة علم يدلّ على ضبطهم للحديث.
ولما كان سماع ابن عيننة من عطاء في زمن الصحة (^٥) لم يحمّل الإمام أحمد الخطأ على اختلاط عطاء وإنما حمّله ابنَ عيينة، وهو الأمر المطلوب الاستشهاد له في ذكر هذا المثال.
_________________
(١) المسند ٣١/ ٩٣ رقم ١٨٧٩٥.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٣/ ٤٨٥/٦٠٧٥. وقال ابن حجر: ثقة حافظ له مناكير تقريب التهذيب ص ٦٠٨.
(٣) المعجم الكبير ١٧/ ١٣٢ رقم ٣٢٦.
(٤) قاله ابن معين انظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧٣٥.
(٥) تقدم هذا عن الإمام أحمد ص ٣١١، وانظر: مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ٣٨٢/ ١٨٤٧.
[ ١ / ٤٤٧ ]
فرع آخر: ما حدث به المختلط من كتاب لا يدخله الإعلال بالاختلاط:
إن الذي يعل من حديث المختلط هو ما حدّث به المختلط حفظًا من غير كتاب، أما ما ثبت أنه في كتبه فلا يدخله الإعلال بالاختلاط، مثل ما جاء من طريق من أجاز له رواية أصوله المضبوطة (^١) لأن الخلل الذي يأتي بسبب الاختلاط لا يؤثر إلا فيما حدث به المختلط حفظًا دون ما في كتابه. ويدل على ذلك أن الإمام أحمد يعتمد رواية الراوي المختلط الثابتة في كتبه، ويخطأ بها ما خالفها مما رواه عنه الراوي الثقة عنه وإن كان ممن سمع منه قبل الاختلاط، مما يدل على اعتمادها عنده.
قال عبد الله: قرأت على أبي: عبدة بن سليمان الكلابي قال: حدثنا سعيد، عن مطر، عن عطاء، عن ابن عمر قال: [عدة الأمة إذا طُلّقت حيضتان، فإن كانت لا تحيض فشهر ونصف]، قرأت على أبي: عبدة قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن علي مثله. سمعت أبي يقول: هذا خطأ، إنما هو سعيد، عن حبيب، عن عطاء، عن عمر، وحبيب، عن الحسن عن علي، في الكتب كذا هو يعني كتب سعيد بن أبي عروبة (^٢).
روى عبدة هذا الأثر عن ابن عمر، وعن علي، كلاهما من طريق سعيد ابن أبي عروبة، وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة (^٣)، عن عبدة، عن سعيد، عن مطر، عن عطاء، عن ابن عمر به. فحكم الإمام أحمد بخطأ عبدة لأن أثر ابن عمر هو في كتب سعيد بن أبي عروبة عن حبيب المعلم، عن عطاء عن عمر، وليس هو عن مطر، عن عطاء، عن ابن عمر؛ وأثر علي هو عن حبيب المعلم، عن الحسن، عن
_________________
(١) الحافظ الذهبي يرى أن الراوي إذا اختلط وخرف فإنه يمتنع من أخذ الإجازة منه، ولا بأس بذلك حال تغيره قبل اختلاطه، لأن أصوله ما تغيرت، وإنما فقد وعي ما أجاز الموقظة ص ٦٦.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٢٨ رقم ٢٨٩١، ٢٨٩٢.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ١٤٦ ح ١٨٧٧٤.
[ ١ / ٤٤٨ ]
علي، وليس هو عن قتادة، عن الحسن، عن علي كما رواه عبدة في الموضعين. وقد تابع سعيدًا أبو إسحاق الشيباني في رواية أثر علي، فرواه الشيباني عن حبيب المعلم، عن الحسن، عن علي: رواه ابن أبي شيبة عن علي بن مسهر عنه (^١). وخطّأ الإمام أحمد رواية عبدة بن سليمان عن سعيد مع أن سماع عبدة من سعيد كان جيدًا وقبل اختلاط سعيد (^٢) لمخالفته لما في كتب سعيد بن أبي عروبة.
وهذا يدل على أن حديث المختلط الثابت روايته في كتابه لا يدخله الإعلال بالاختلاط.
_________________
(١) المصدر السابق ٤/ ١٤٦ ح ١٨٧٦٨.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ١٦٣ رقم ٨٦.
[ ١ / ٤٤٩ ]
المطلب الثاني: ما يلحق بالاختلاط من أسباب سوء الحفظ الطارئ على الراوي - ذهاب بصر الراوي
هناك أمورٌ أخرى غيُر كبر السن تكون سببًا لطروءِ سوء الحفظ على الراوي الثقة فيقع تخليط في حديثه، فيلتحق من هذا الوجه بالمختلطين لكبر السن الذين طرأ عليهم سوء الحفظ. وهؤلاء الرواة صنفان:
الصنف الأول: من عمي في آخر عمره.
الصنف الثاني: من ذهبت كتبه باحتراق أو غيره.
وفي هذا المطلب ستتناول الدراسة الصنف الأول، ويأتي الصنف الثاني في المطلب الذي بعده إن شاء الله.
مما يطرأ على الراوي الثقة من أسباب سوء الحفظ ذهاب بصره، حيث كان قبل ذلك يعتمد على كتابه ولا يحفظ جيدًا فيحدّث بعد تلك العلة من حفظه فيغلط، أو يُلقّن فيتلقّن، فمثل هذا يجري في حديثه الذي حدّث به بعد العلة مثل ما يجري في حديث المختلِط بكبر السن: يُقبل ما حدّث به قبل ذَهاب بصره، ويُتوقف عما حدّث به بعد ذلك أو أشكل أمره. فهو إذًا سبب يُعلّ به حديث المتصِّف به لاقتضائه وجود خللٍ في ضبطه.
ولا يَدخل في هذا الصنف من ذهب بصرُه ولكنه كان قبل ذلك يحفظ مثل وُهيب بن خالد الباهلي مولاهم، أحد ثِقات البصريين. قال ابن سعد: كان وُهيب قد سُجن فذهب بصرُه، وكان ثقة كثير الحديث حجة، وكان يُملي حفظًا (^١). وكذلك من كان له شخص أمين يعتني بمسموعاته فيلقّنه إياها من كتابه مثل يزيد بن هارون، فقد قال أبو خيثمة: كان يُعاب على يزيد حيث ذهب
_________________
(١) الطبقات الكبرى ٧/ ٢٨٧.
[ ١ / ٤٥٠ ]
بصره أنه ربّما سُئل عن الحديث لا يعرفه فيأمرُ جاريةً له تُحفِّظه إياه من كتابه (^١). قال الذهبي: ما بهذا الفعل بأسٌ مع أمانة من يُلقِّنه، ويزيد حجّة بلا مثْنَويَّة (^٢).
ومن الرواة الذين تكلم الإمامُ أحمد فيهم ممن ذهب بصرُه وأعلّ حديثَهم بهذه العلة:
عبد الرزاق بن همام الصنعاني:
أحد أئمة الحديث المشهورين وعالم اليمن.
قال إسحاق بن هاني: سألت أبا عبد الله: من سمع من عبد الرزاق سنةَ ثمانٍ؟ - يعني سنة ثمانٍ ومائتين - قال: لا يُعبأُ بحديث من سمِع منه وقد ذهب بصرُه، كان يُلقّن أحاديثَ باطلةً، وقد حدّث عن الزهري أحاديث كتبناها من أصل كتابه وهو يَنظُر جاءو بخلافها. ا. هـ (^٣).
وقال أبو زرعة الدمشقي: أخبرني أحمد بن حنبل قال: "أتينا عبدَ الرزاق قبل المائتين وهو صحيح البصر، ومن سمع منه بعد ما ذهب بصرُه فهو ضعيفُ السَّماع" (^٤).
ونقل الحافظ ابن حجر عن الأثرم عن أحمد: "من سمع من عبد الرزاق بعد ما عمِي فليس بشيء، وما كان في كتبه فهو صحيح، وما ليس في كتبه فإنه كان يُلقّن فيَتلقَّن" (^٥).
وقيل لأحمد إن معمرًا روى عن ابن أخي عمرو بن دينار فسأل من رواه
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٤/ ٣٣٧ - ٣٣٨، وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧٥٢.
(٢) سير أعلام النبلاء ٩/ ٣٦٣.
(٣) مسائل الإمام أحمد - برواية إسحاق بن هاني ٢/ ٢٣٣ رقم ٢٢٨٥.
(٤) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٥٧ رقم ١١٦٠.
(٥) هدي الساري مقدمة فتح الباري ص ٤١٩.
[ ١ / ٤٥١ ]
فقيل له عبد الرزاق فقال: ليس بشيء كانوا يلقنونه بعد ما ذهب بصره (^١).
فهذه الأقوال عن الإمام أحمد تدل على أمرين:
١. أن عبد الرزاق قد كفّ بصره وأصبح يقبل التَّلقين، وسماع من سمع منه بعد ذلك لا شيء.
٢. يتميز حديثه الصحيح من الذي فيه علة بأحد أمرين:
الأول: أن يكون من رواية من سمع منه قبل ذهاب بصره، وضابطه أن يكون سماعه منه قبل سنة مائتين.
الثاني: أن يكون الحديث ثابتًا في أصل كتبه (^٢).
ما أعله الإمام أحمد من حديثه بكونه من رواية من سمع منه بعد ما عمي
قال الأثرم: سمعت أبا بعد الله يُسال عن حديث: النار جبار، فقال: هذا باطل، ليس من هذا شيء، ثم قال: من يُحدِّث به عن عبد الرزاق؟ قلت: حدثني أحمد بن شبويه. قال: هؤلاء سمعوا بعد ما عمي، كان يُلقّن فلقِّنه، وليس هو في كتبه، وقد أسندوا عنه أحاديث ليست في كتبه، كان يُلقَّنُها بعد ما عمي (^٣).
_________________
(١) مسائل الإمام - برواية إسحاق بن هانئ ٢/ ٢٠٤ رقم ٢١٠٦.
(٢) وهذا وجه التفصيل الذي ذكره ابن حجر في حديث الدبري عن عبد الرزاق، وكان سماعه منه بعد الاختلاط قال: المناكير الواقعة في حديث الدبري إنما سببها أنه سمع من عبد الرزاق بعد اختلاطه، فما يوجد من حديث الدبري عن عبد الرزاق في مصنفات عبد الرزاق فلا يلحق الدبري منه تبعة إلا إن صحّف أو حرّف، وقد جمع القاضي محمد بن أحمد بن مفرج القرطبي الحروف التي أخطأ فيها الدبري وصحفها في مصنف عبد الرزاق، إنما الكلام في الأحاديث التي عند الدبري في غير التصانيف فهي التي فيها المناكير، وذلك لأجل سماعه منه في حال اختلاطه فتح المغيث ٤/ ٣٨٣، فمفاده أن الأحاديث التي في تصانيف عبد الرزاق ليس فيها الكلام، وهذا ما أفاده قول الإمام أحمد: ما كان في كتبه فهو صحيح، وما ليس في كتبه فإنه كان يلقّن فيتلقّن.
(٣) تهذيب الكمال ١٨/ ٥٧، وانظر: سير أعلام النبلاء ٩/ ٥٦٨، وشرح علل الترمذي ٢/ ٧٥٢.
[ ١ / ٤٥٢ ]
وقال ابن هانئ: وسمعت أبا عبد الله يقول: حديث عبد الرزاق حديث أبي هريرة: [النار جُبار] إنما هو: [البئر جُبار] وإنما كتبنا كتبه على الوجه، وهؤلاء الذين كتبوا عنه سنة ست ومائتين، إنما ذهبوا إليه وهو أعمى فلقِّن فقبله ومرّ فيه (^١).
وقال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول في حديث عبد الرزاق في حديث أبي هريرة: والنار جبار، ليس بشيء لم يكن في الكتب، باطل ليس هو بصحيح (^٢).
حديث [النار جبار] رُوي عن عبد الرزاق مِن حديث معمر، عن همام ابن مُنبِّه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ. وذكر الأثرم أنه حدّث به عن عبد الرزاق على هذا الوجه أحمدُ بن شبُّوَيه، وهو أحمد بن محمد بن ثابت الخزاعي المروزي، وثقه النسائي وغيره (^٣). ولم أقف على من أخرج الحديث من طريقه من أصحاب الكتب المصنفة.
ورواه غير أحمد بن شبُّوَيه من هذا الوجه عن عبد الرزاق، منهم: الحسن بن أبي الربيع الجرجاني (^٤)، وأحمد بن يوسف السلمي (^٥) كلاهما رواه بلفظ: "العَجْماء جُرحها جبار، والمَعْدِن جبار، والنَّار جبار، وفي الرِّكاز الُخمس".
ورواه مختصرًا عن عبد الرزاق أيضًا: محمد بن المتوكِّل العسقلاني (^٦)،
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية إسحاق بن هاني ٢/ ٢٠٢ رقم ٢١٠١.
(٢) سنن الدارقطني ٣/ ١٥٣، السنن الكبرى للبيهقي ٨/ ٣٤٤.
(٣) انظر: تهذيب الكمال ١/ ٤٣٥، تهذيب التهذيب ١/ ٧١.
(٤) وحديثه عند أبي عوانة في مسنده ٤/ ١٥٨ رقم ٦٣٦٥ مقرونا بأحمد بن يوسف السلمي.
(٥) وحديثه عند أبي عوانة الموضع نفسه، والبيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٣٤٤. وقال أبو عوانة: لم يذكر السلمي: النار وهي مثبتة عند البيهقي.
(٦) حديثه عند أبي داود في السنن ٤/ ٧١٦ رقم ٤٥٩٤.
[ ١ / ٤٥٣ ]
وأحمد بن منصور الرمادي (^١)، وأحمد بن سعيد الرباطي أبو عبد الله المروزي (^٢)، وأبو الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري (^٣)، ومحمد بن إسحاق بن شبويه (^٤)، وزهير بن محمد بن قُمير المروزي (^٥)، محمد بن عبيد الله الماسوراباذي (^٦)، ولفظه عند هؤلاء كلهم: [النار جبار]، إلا أحمد بن سعيد المروزي وأبا الأزهر - عند ابن ماجه - فزادا: [والبئر جبار].
وفيما يلي تراجم هؤلاء الرواة العشرة:
أحمد بن محمد بن شبويه، وثقه النسائي وغيره كما تقدم، وتوفي سنة (٢٢٩) هـ (^٧). ونص الإمام أحمد على أنه سمع من عبد الرزاق سنة (٢٠٦) هـ يعني بعد ما عمي.
الحسن بن أبي الربيع الجرجاني، سكن بغداد، قال عنه أبو حاتم: شيخ، وقال ابنه: صدوق. وتوفي سنة (٢٦٣) هـ. وقد بلغ ثلاثًا وثمانين سنة (^٨).
أحمد بن يوسف السلمي أبو الحسن النيسابوري، وثقه مسلم، وأخرج حديثه عن عبد الرزاق، وكذلك وثقه الدارقطني، وقال عنه النسائي: ليس به بأس. وتوفي سنة (٢٦٤) هـ، وقيل (٢٦٣) هـ. وقد جاوز الثمانين (^٩). وهو راوية
_________________
(١) حديثه عند الدارقطني في السنن ٣/ ١٥٢، ومن طريقه البيهقي السنن الكبرى ٨/ ٣٤٤.
(٢) حديثه عند النسائي في السنن الكبرى ٣/ ٤١٣ رقم ٥٧٨٩.
(٣) وحديثه عند ابن ماجه في السنن ٢/ ٨٩٢ رقم ٢٦٧٦، وأبي عوانة في مسنده ٤/ ١٥٨ رقم ٦٣٦٦ مقرونًا بغيره.
(٤) حديثه عند أبي عوانة مقرونًا بأبي الأزهر مسند أبي عوانة ٤/ ١٥٨ رقم ٦٣٦٦.
(٥) حديثه عند الدارقطني مقرونًا بالرمادي السنن ٣/ ١٥٢.
(٦) حديثه في تاريخ جرجان ١/ ٣٧٨ رقم ٦٣٢.
(٧) تهذيب الكمال ١/ ٤٣٥.
(٨) الجرح والتعديل ٣/ ٤٤، تهذيب الكمال ٦/ ٣٣٥.
(٩) تهذيب الكمال ١/ ٥٢٣ - ٥٢٥.
[ ١ / ٤٥٤ ]
صحيفة همام بن منبه المطبوعة، والحديث في الصحيفة بهذا اللفظ (^١).
محمد بن المتوكل العسقلاني، هو ابن أبي السري. وثقه ابن معين (^٢). وقال عنه أبو حاتم: لين الحديث (^٣). وقال ابن عدي: كثير الغلط (^٤)، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مات سنة (٢٣٨) هـ (^٥). وقال الذهبي: له أحاديث تستنكر (^٦).
أحمد بن منصور الرَّمادي، هو أحمد بن منصور بن سيار البغدادي، كان أبو حاتم يوثقه (^٧)، وكذلك وثقه الدارقطني. وقال ابن حبان: مستقيم الأمر في الحديث. وتوفي سنة (٢٦٥) هـ، وقد استكمل (٨٣) سنة (^٨). وذكر الرمادي في تاريخه أنه سمع من عبد الرزاق سنة (٢٠٤) هـ (^٩).
أحمد بن سعيد الرباطي أبو عبد الله المروزي: وثقه النسائي، وابن خراش، والخطيب. مات سنة (٢٤٣) هـ (^١٠).
أبو الأزهر أحمد بن الأزهر بن منيع النيسابوري، قال عنه أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي والدارقطني: لا بأس به، وتوفي سنة (٢٦١) هـ. وقيل بعد ذلك (^١١). وفي ترجمة عبد الرزاق في "سير أعلام النبلاء" (^١٢) حكاية تدلّ على أن أبا الأزهر
٤٤٦ الإعلال بالطعن في الراوي بما يخل بضبطه
_________________
(١) صحيفة همام بن منبه ٦٧٩ رقم ١٣٨.
(٢) تهذيب الكمال ٢٦/ ٣٥٨.
(٣) الجرح والتعديل ٨/ ١٠٥.
(٤) تهذيب الكمال ٢٦/ ٣٥٨.
(٥) الثقات ٩/ ٨٨.
(٦) ميزان الاعتدال ٥/ ١٤٩ ترجمة ٨١١٤.
(٧) الجرح والتعديل ٢/ ٧٨.
(٨) انظر: الثقات لابن حبان ٨/ ٤١، تاريخ بغداد ٥/ ١٥٣، تهذيب الكمال ١/ ٤٩٣.
(٩) سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٩٠.
(١٠) تهذيب الكمال ١/ ٣١١ - ٣١٢.
(١١) انظر: الجرح والتعديل ٢/ ٤١، تهذيب الكمال ١/ ٢٥٨.
(١٢) ٩/ ٥٧٦.
[ ١ / ٤٥٥ ]
أدركه وهو بصير.
محمد بن إسحاق بن شبويه السجزي. قال ابن أبي حاتم: صدوق من العُبَّاد (^١). قال ابن عدي: ضعيف، يُقلِّب الأحاديث ويَسرقها، وذكر له أحاديث عن عبد الرزاق، عن معمر والثوري وقال: كلها غير محفوظة (^٢). وذكر ابن حجر أنه روى صحيفة همّام بن مُنبّه (^٣).
زهير بن محمد بن قُمير المروزي، وثقه السرّاج، والخطيب، وقال ابن أبي حاتم: كان صدوقًا، مات سنة (٢٥٠) هـ (^٤).
محمد بن عبيد الله الماسوراباذي، له ترجمة في تاريخ جرجان (^٥) ولم أقف على حاله من حيث الجرحُ والتعديلُ.
وقد خالف هؤلاء كلَّهم الإمامُ أحمدُ بن حنبل فرواه عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همَّام بن منبِّه، عن أبي هريرة - وهو آخر حديث في صحيفة همام بن منبه كما رواها الإمام أحمد عن عبد الرزاق - بلفظ: "العجماء جُرحها جُبار، والمعدن جُبار، والبئر جُبار، وفي الرِّكاز الخمس" (^٦)، ليس فيه ذكر: [النار جبار].
وجه علة الحديث:
أعل الإمام أحمد هذا الحديث من وجهين:
الأول: أن الذين رووه عن عبد الرزاق إنما سمعوا منه سنة (٢٠٦) هـ بعد ما عمي فلقّنوه وقبل ومرّ في الحديث. وقد بيّن ﵀ كيف وقع التلقين، فروى
_________________
(١) الجرح والتعديل ٧/ ٢٦٠.
(٢) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٢٨٣ - ٢٢٨٤.
(٣) لسان الميزان ٥/ ٦٧.
(٤) تهذيب الكمال ٩/ ٤١٠ - ٤١١.
(٥) تاريخ جرجان ١/ ٣٧٨ رقم ٦٣٢.
(٦) المسند ١٣/ ٥٤٧ رقم ٨٢٥٢.
[ ١ / ٤٥٦ ]
الدارقطني عن محمد بن مخلد، عن إسحاق بن إبراهيم بن هانئ قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أهل اليمن يكتبون النار: النير، ويكتبون البير يعني مثل ذلك، وإنما لقن عبد الرزاق النار جبار (^١). قال البيهقي: يعني فهو تصحيف (^٢).
الثاني: أن الحديث ليس في أصل كتب عبد الرزاق، ودليل ذلك أن الإمام أحمد كتب كتب عبد الرزاق على الوجه وهو بصير، فحيث جاء شيءٌ مخالفٌ لما عنده فلا بد أن يكون مما أُدخل على عبد الرزاق وليس هو من حديثه. ويؤيد ذلك أن الحديث لا يوجد في مصنفه المطبوع، فالدبري - وهو راوية كتابه المصنف - روى الحديث من طريق آخر عن عبد الرزاق، عن معمر وابن جريج، عن الزهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "العجماءُ جبار والبئر جبار، والمعدن جرحه جبار، وفي الرِّكاز الخمس" (^٣). وتابعه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي عن عبد الرزاق، عن معمر وحده، عن الزهري، به (^٤) وليس فيه "النار جبار". وإسحاق بن إبراهيم - وهو ابن راهويه - ممن سمع من عبد الرزاق قبل الاختلاط (^٥).
وأولئك الرواة الذين رووا هذا الحديث عن عبد الرزاق منهم من لا يعتد بروايته لضعفه، كمحمد بن المتوكل الذي كان يغلط وله من الحديث ما يستنكر، وكمحمد بن إسحاق بن شبويه الذي وصفه ابن عدي بأنه يسرق الحديث وأن
_________________
(١) سنن الدارقطني ٣/ ١٥٣.
(٢) السنن الكبرى ٨/ ٣٤٤.
(٣) المصنف ١٠/ ٦٦ رقم ١٨٣٧٣.
(٤) أخرجه النسائي في السنن ٥/ ٤٥ رقم ٢٤٩٤.
(٥) الكواكب النيرات ص ٢٧٦. واعتمده الشيخان فيما روياه عن عبد الرزاق. انظر: تهذيب الكمال ١٨/ ٥٤.
[ ١ / ٤٥٧ ]
أحاديثه عن عبد الرزاق غير محفوظة؛ ومنهم من ثبت أن سماعه من عبد الرزاق كان بعد ذهاب بصره كأحمد بن شبويه، وأحمد بن منصور الرمادي؛ والباقون لم يتبيّن زمنُ تحمّلهم من عبد الرزاق فيتوقف فيما رووه، إلا أن كون الحديث ليس في أصول عبد الرزاق مما يُرجِّح جانبَ الردّ، فردَّه الإمامُ أحمد وقال: هو باطل وليس بصحيح.
وقد يُقال إن عبد الرزاق قد تُوبع عن معمر في رواية هذا اللفظ. قال الخطابي: "لم أزل أسمعُ أصحابَ الحديث يقولون غلِط فيه عبدُ الرزاق: إنما هو البئر جبار حتى وجدته لأبي داود عن عبد الملك الصنعاني عن معمر، فدل على أن الحديث لم ينفرد به عبد الرزاق" (^١)، يشير إلى رواية أبي داود للحديث عن زيد ابن المبارك، حدثنا عبد الملك الصنعاني - مقرونًا بعبد الرزاق - عن معمر به بلفظ: النار جبار (^٢). وعبد الملك الصنعاني هو عبد الملك بن محمد الصنعاني الحميري من صنعاء الشام. قال عنه أبو حاتم: يُكتب حديثه (^٣). وقال ابن حبان: كان يُجيب فيما يُسأل عنه ينفرد بالموضوعات لا يجوز الاحتجاج بروايته (^٤). وقال الأزدي: ليس بالمرضي في حديثه (^٥). وقال الذهبي: ليس بحجة (^٦). وقال ابن حجر: ضعيف (^٧).
فهذا الراوي ممن يصح الاعتبارُ به، فيستفاد من ذلك أن الخطأ وقع ممن فوق عبد الرزاق. ولعل هذا مستند ابن معين حيث قال: إن الذي صحّف هذا الحرف
_________________
(١) معالم السنن بهامش سنن أبي داود ٤/ ٧١٦.
(٢) سنن أبي داود ٤/ ٧١٦ رقم ٤٥٩٤.
(٣) الجرح والتعديل ٥/ ٣٦٩.
(٤) المجروحين ٢/ ١٣٦.
(٥) تهذيب التهذيب ٦/ ٤٢٢.
(٦) الكاشف ١/ ٦٦٩.
(٧) فتح الباري ١١/ ٥٤٤.
[ ١ / ٤٥٨ ]
هو معمر. نقله ابن عبد البر عنه (^١). لكن قد بيّن معمر أن هذا الحرف وهم، فروى الدارقطني (^٢) من طريق أحمد بن منصور الرمادي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همّام بن منبِّه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "النار جبار". قال الرمادي: قال عبد الرزاق: قال معمر: لا أراه إلا وهمًا. فهذا يدل على أمرين:
١. إن صح هذا فنسبة التصحيف إلى معمر ضعيف.
٢. فيه تأييد لما قاله الإمام أحمد أن عبد الرزاق لُقَّن هذا الحرف، وإلا فكيف يرويه وعنده علم بأنه وهم! وهذا ما يبين وجه عدم وجود الحديث في أصول عبد الرزاق كما رواها الإمام أحمد.
إذا ثبت هذا فيقال في الجواب على الاعتراض برواية عبد الملك بن محمد الذي تابع عبد الرزاق: إن معمرًا قد حدث بالحديث لكنه نصّ على أنه يراه وهمًا، وحفظ ذلك عبد الرزاق، فلم يذكر الحديث في كتبه كما رواها القدماء من أصحابه، ولم يحفظه عبد الملك بن محمد إما لضعفه أو لقلة ملازمته لمعمر. فمن روى الحديث عن عبد الرزاق على أنه من حديثه من دون بيان أنه وهم كما فعله الرمادي يتعين أنه أخطأ، والله أعلم.
حديث آخر:
جاء في حديث محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق: أنا ابنُ جُريْج، عن سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إذا طلعَ الفجرُ فقد ذهب كلُّ صلاةِ الليل والوِترُ، فأَوتِروا قبل طلوعِ الفجر" (^٣):
فقال المرّوذي عن أحمد أنه قال: لم يسمعه ابن جريج من سليمانَ بن موسى
_________________
(١) التمهيد ٧/ ٢٦.
(٢) السنن ٣/ ١٥٣.
(٣) الجامع ٢/ ٣٣٢ رقم ٤٦٩.
[ ١ / ٤٥٩ ]
إنما قال: "قال سليمان" قيل له: إن عبد الرزاق قد قال: عن ابن جريج: أنا سلميان؟ فأنكره وقال: نحن كتبنا من كتب عبد الرزاق، ولم يكن بها، وهؤلاء كتبوا عنه بأخرة (^١).
الحديث أخرجه الترمذي من هذا الوجه، وهو في المصنف لعبد الرزاق (^٢)، ورواه ابن حزم (^٣) من طريق الدبري عن عبد الرزاق، ورواه أيضًا ابن عدي من طريق محمد بن مسعود العجمي عن عبد الرزاق به (^٤).
وجه علة الحديث:
أنكر الإمام أحمد رواية من روى هذا الحديث بالتصريح بالخبر بين ابن جريج وشيخه سليمان بن موسى، واعتلّ لذلك بأن تلك الرواية لم تكن في كتب عبد الرزاق، والذين رووها عن عبد الرزاق من هذا الوجه إنما كتبوا عنه بأخرة، يعني في زمن الاختلاط بعد ذهاب بصره. ولم أقف على هؤلاء الرواة الذين أشار إليهم الإمام أحمد، فرواية الترمذي جاءت بالعنعنة، وكذلك الرواية التي في المطبوع من مصنف عبد الرزاق، وفي المحلى من طريق الدبري عن عبد الرزاق، وفي الكامل لابن عدي كما تقدم، فلعلّ الإمامَ أحمد يشير إلى غير هؤلاء ممن روى عن عبد الرزاق أيضًا بأخرة.
وقد جاءت رواية عن عبد الرزاق فيها التصريح بالتحديث بين ابن جريج وسليمان بن موسى، لكنّ لفظها مغاير للفظ هذا الحديث. فروى الإمام أحمد عن عبد الرزاق وابن بكر - وهو محمد بن بكر البرساني - قالا: أخبرنا ابن جريج،
_________________
(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن رجب ٦/ ٢٣٧ - ٢٣٨.
(٢) مصنف عبد الرزاق ٣/ ١٣ رقم ٤٦١٣.
(٣) المحلى ٣/ ١٠١.
(٤) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١١١٦.
[ ١ / ٤٦٠ ]
حدثني سليمان بن موسى، حدثنا نافع أن ابن عمر كان يقول: من صلى بالليل فليجعل آخرَ صلاته وِترًا، فإن رسول الله ﷺ أمر بذلك، فإذا كان الفجرُ فقد ذهبتْ كلُّ صلاة لليل والوترُ، فإن رسول الله ﷺ قال: "أَوْتِروا قبلَ الفجر" (^١). وتابعه محمد بن رافع عن عبد الرزاق وحده عند ابن خزيمة (^٢). ومحمد بن رافع هو النيسابوري، وثقه مسلم والنسائي وغيرهم، (^٣) وقال أبو رزعة: كان رَحَلَ مع أحمد ابن حنيل. ا. هـ (^٤). يعني إلى عبد الرزاق فقد كان هو وأحمد، وإسحاق بن راهويه عند عبد الرزاق في وقت واحد (^٥).
ورواه عن ابن جريج على هذا الوجه حجاج بن محمد المصيصي، وهو عند أبي عوانة في مسنده (^٦)، وابن الجارود في المنتقى (^٧)، والحاكم (^٨)، والبيهقي (^٩) كلهم من طرق عن حجاج قال: قال ابن جريج: حدثني سليمان بن موسى: نا نافع به بمثل هذا اللفظ.
فهذه الرواية تفيد أن قوله: "إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر" قول ابن عمر، وليس بمرفوع، وأما قوله: "أوتروا قبل الفجر" فمرفوع إلى النبي ﷺ. فرواية ابن جريج عن سليمان بن موسى بالعنعنة أدخلت الموقوف في
_________________
(١) المسند ١٠/ ٤٣٨ رقم ٦٣٧٢.
(٢) صحيح ابن خزيمة ٢/ ١٤٨ رقم ١٠٩١.
(٣) تهذيب التهذيب ٩/ ١٦١ - ١٦٢.
(٤) الجرح والتعديل ٧/ ٢٥٤.
(٥) انظر: القصة التي رواها الحاكم في سير أعلام النبلاء ١٢/ ٢١٦، وفيها قال محمد بن رافع: كنت مع أحمد بن حنبل وإسحاق عند عبد الرزاق.
(٦) مسند أبي عوانة ٢/ ٣١٠.
(٧) المنتقى ١/ ٢٤٠ رقم ٢٧٤ غوث المكدود.
(٨) المستدرك ١/ ٣٠٢.
(٩) السنن الكبرى ٢/ ٤٧٨.
[ ١ / ٤٦١ ]
المرفوع، بينما هذه الرواية التي فيها التصريح بالتحديث بينهما قد ميّزتْ بين اللفظيْن: الموقوف والمرفوع، فهي أولى لأمور:
١. من رواها عن عبد الرزاق كان من قدماء الرواة عنه.
٢. تابع عبدَ الرزاق حجاجُ بن محمد المصيصي، وكان يقال إنه أثبت أصحاب ابن جريج (^١).
٣. التمييز بين الموقوف والمرفوع يشعر بزيادة علم راويها وحفظه.
فبالنظر في هاتين الروايتين وكلام الإمام أحمد يظهر أن الرواية التي جاءت بالعنعنة والتي فيها إدخال الموقوف في الموفوع مدلّسة - لأن ابن جريج معروف بالتّدليس عن المجهولين - ومن أجل ذلك أنكر الإمام أحمد على من روى الحديث من هذا الوجه بالتصريح بالخبر بين ابن جريج وسليمان بن موسى، فإن مقتضى ذلك أن يلتصق الخطأ بسليمان دون الواسطة - المُسقَطة بالتَّدليس - بينه وبين ابن جريج، والرواية التي ميّزت بين الموقوف والمرفوع، قد برّأت ساحة سليمان بن موسى من الخطأ (^٢)، لأن ابن جريج قد صرح بالتحديث من سليمان.
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٨٢.
(٢) وقد لمّح ابن رجب بأن الخطأ من سليمان بن موسى لأنه مختلف في توثيقه كما قال ابن رجب فتح الباري لابن رجب ٦/ ٢٣٨. وسليمان بن موسى هو الأشدق القرشي الشامي. وثقه ابن معين في الزهري. ووثقه دحيم مطلقًا. وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب. وقال البخاري: عنده مناكير. وقال النسائي: ليس بالقوي في الحديث. وقال ابن عدي: هو عندي ثبت صدوق. وقال الذهبي: والغرائب التي تستنكر له يجوز أن يكون حفظها. وقال ابن حجر: صدوق فقيه في حديثه بعض لين وخولط قبل موته بقليل. انظر: الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١١١٩، تهذيب الكمال ١٢/ ٩٦ - ٩٧، ميزان الاعتدال ترجمة ٣٥٢١، تقريب التهذيب ص ٤١٥ ترجمة ٢٦٣١. =
[ ١ / ٤٦٢ ]
فالشاهد من هذا أن الإمام أحمد أنكر على من روى هذا الحديث - في الرواية التي جعلت قول ابن عمر مرفوعًا - بالتصريح بالخبر بين ابن جريج وشيخه سليمان بن موسى بناء على كون سماعهم من عبد الرزاق بأخرة بعد ما عمي، وبناء على عدم وجود تلك الرواية في كتب عبد الرزاق كما رواها من رواها عنه إذ كان بصيرًا، وهذا مما يدل على أن الأخطاء وقعت في المرويات التي رُويت عن عبد الرزاق وهي ليست في كتبه كما رواها القدماء من أصحابه، بل جاءت من طريق من تحمّل عنه بعد ذهاب بصره.
وقد تقدم في مطلب إثبات الوضع بقرائن تعود إلى حال المروي أن الإمام أحمد أنكر حديث علي الذي روي من طريق عبد الرزاق بلفظ: "إن النبي ﷺ مسح على الجبائر"، وقال: إنه باطل، وسأل عمّن حدّث به عن عبد الرزاق - منكِرًا عليه - فقيل له: محمد بن يحيى الذهلي (^١)، وقد قال الإمام أحمد في الذهلي: إنه قدم على عبد الرزاق مرتين: إحداهما بعدما عمي (^٢). فلعل هذا مما سمعه في القدمة الثانية.
_________________
(١) = وأما أحمد شاكر فقال: يحتمل أن يكون سليمان بن موسى وهم فأدخل الموقوف من كلام ابن عمر في المرفوع، ويتحمل أن يكون حفظ، وأن ابن عمر يذكره مرة هكذا ومرة هكذا تعليقه على جامع الترمذي ٢/ ٣٣٣. والاحتمال الأول الذي ذكره ﵀ بعيد، فكيف ينسب سليمان بن موسى إلى الوهم في إدخال الموقوف في المرفوع وقد ميّز بينهما في الرواية التي صرّح ابن جريج بالسماع منه، إلا إذا حكمنا برجحان الرواية التي ليس فيها التمييز، وقد تقدم وجه كونها مرجوحة. ثم حتى وإن حكمنا برجحانها فكونها وردت بالعنعنة من مدلس يقوي احتمال وجود واسطة بين سليمان وابن جريج وأن تلك الواسطة هي التي لم تميز بين اللفظين، فبرأ سليمان بن موسى، والله أعلم. وأما الاحتمال الثاني فإنما يقبل لو صحت الرواية التي جعلت اللفظ الموقوف مرفوعًا، لأن الجمع فرع عن التصحيح، وحيث لم تصح فلا وجه لهذا الجمع.
(٢) انظر: ص ١٤٠.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٥٢.
[ ١ / ٤٦٣ ]
ومن الرواة الذين ذهب بصرهم فأثّر ذلك في ضبطهم لحديثهم:
علي بن مسهر:
وهو القرشي الكوفي أبو الحسن قاضي الموْصل. قال عنه الإمام أحمد: صالح الحديث صدوق (^١). وروى العقيلي بإسناده عن الأثرم أنه قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أما علي بن مسهر فلا أدري كيف أقول، ثم قال: إن علي بن مسهر قد ذهب بصره وكان يحدثهم من حفظه (^٢).
وذكر الحافظ ابن رجب (^٣) أن الإمام أحمد أنكر عليه حديثه عن هشام عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع المؤذن يتشهد قال: "وأنا وأنا". وقال: "إنما هو عن هشام، عن أبيه مرسل. وقال: علي بن مسهر له مفاريد".
وهذا الحديث أخرجه أبو داود (^٤)، عن إبراهيم بن مهدي، عن علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ فذكره. ومن طريقه أخرجه البيهقي (^٥)، وابن عبد البر (^٦). ولم أقف على رواية الإرسال التي أعلّ بها الإمام أحمد روايةَ الوصل. ولم ينفرد علي بن مسهر برواية الحديث موصولًا، فقد تابعه حفص بن غياث عند ابن حبان (^٧)، والحاكم (^٨)، وأبي الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (^٩)، والقزويني (^١٠). وتابعه أيضًا أبو معاوية ووكيع
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٢/ ٤٧٧/٣١٣٢.
(٢) الضعفاء للعقيلي ٢/ ٩٧١ رقم ١٢٥٢. وذكره ابن رجب في شرح علل الترمذي ٢/ ٧٥٥.
(٣) شرح علل الترمذي الموضع نفسه.
(٤) السنن ١/ ٣٦١ رقم ٥٢٦.
(٥) السنن الكبرى ١/ ٤٠٩.
(٦) التمهيد ١٠/ ١٤١.
(٧) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٤/ ٥٨٠ رقم ١٦٨٣.
(٨) المستدرك ١/ ٣٢١.
(٩) ٢/ ١٢٠.
(١٠) التدوين في أخبار قزوين ٢/ ٢٨.
[ ١ / ٤٦٤ ]
كلاهما عند ابن أبي شيبة (^١). فهؤلاء الثلاثة ثقات أثبات، إلا أبا معاوية فقد تكلّم الإمامُ أحمدُ في حديثه عن غير الأعمش، وخاصةً في أحاديثه عن هشام بن عروة فقال - لما سئل عنها: فيها أحاديث مضطربة يرفع منها أحاديث إلى النبي ﷺ. ا. هـ (^٢). وكلهم رووا الحديث عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة موصولًا كما رواه علي بن مسهر. ولم أقف على رواية الإرسال حتى يظهر وجه إعلال الإمام أحمد للحديث بعد الموازنة بين الروايتين - الموصولة والمرسلة.
ومن هؤلاء الرواة الذين كُف بصرهم فتأثّر ضبُطهم:
أبو حمزة السكري:
وهو محمد بن ميمون المرزوي. قال ابن رجب: ثقة مشهور من أهل مرو (^٣).
قال أبو داود: سمعت أحمد قال: من سمع من أبي حمزة السكري - وهو مروزي - قبل أن يذهب بصره فهو صالح، سمع منه علي بن الحسن قبل أن يذهب بصره، وسمع عتاب بن زياد بعد ما ذهب بصره (^٤).
وقال في رواية ابن هانئ: كان قد ذهب بصرُه، وكان ابنُ شقيق قد كتب عنه وهو بصير، قال: وابن شقيق أصح حديثًا ممن كتب عنه مِن غيره (^٥).
ولم أر له حديثًا أنكره الإمام أحمد.
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢٠٦ رقم ٢٣٦٢.
(٢) تهذيب التهذيب ٩/ ١٣٩.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٥٤.
(٤) سؤالات أبي داود للإمام أحمد ١/ ٣٥٩ رقم ٥٦١.
(٥) انظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧٥٤. وقد ذكر النسائي أيضًا مثل ما ذكره أحمد في أبي حمزة السكري، فقال في السنن الكبرى ٢/ ١٢٢: محمد بن ميمون مروزي لا بأس به إلا أنه كان ذهب بصره في آخر عمره فمن كتب عنه قبل ذلك فحديثه جيد. ا. هـ. وذكر الحافظ ابن حجر أن البخاري لم يخرج له إلا من رواية عبدان عنه وهو من قدماء أصحابه هدي الساري ص ٤٤٢.
[ ١ / ٤٦٥ ]
المطلب الثالث: ما يلحق بالاختلاط من أسباب سوء الحفظ الطارئ على الراوي - ذهاب كتب الراوي بسبب من الأسباب
هؤلاء قوم ثقات ذهبت أصولهم التي كانوا يحدثون منها، فحدثوا من حفظهم فوقعت الأخطاء في مروياتهم بسبب ذلك، أو تلقنوا ما لقّن لهم مما ليس من حديثهم، وهذا خلل طرأ عليهم في ضبطهم أُعلّ بسببه بعضُ مروياتهم.
قال أبو حاتم ابن حبان تحت أنواع الجرح في الضعفاء: "ومنهم من كتب الحديث ورحَل فيه إلا أن كتبه قد ذهبت، فلما احتيج إليه صار يحدث من كتب الناس من غير أن يحفظها كلها أو يكون له سماع فيها كابن لهيعة وذويه" (^١).
فهؤلاء أمرهم يجري على تفصيل ما سبق في الصنف الذي قبل هذا: من سمع منهم قديمًا قبل ذهاب كتبهم فحديثه صحيح، ومن سمع منهم بعد ذلك فحديثه ليس بذاك.
ومن هذا الصنف من ذهبت كتبه عن جميع المشايخ، ومنهم من ذهبت كتبه عن بعض المشايخ، فذكر الإمام أحمد من الصنف الأول: عبد الله بن لهيعة، ومحمد ابن عبد الله ابن المثني الأنصاري، وعبد الله بن رجاء المكي. ومن الصنف الثاني: الإمام الأوزاعي.
١ - عبد الله بن لهيعة الغافقي المصري ت (١٧٤) هـ:
أثنى عليه الإمام أحمد وقال: من كان بمصر يشبه ابن لهيعة في ضبط الحديث وكثرته وإتقانه (^٢).
ونقل الإمام أحمد خبر احتراق كتبه ومتى كان ذلك.
_________________
(١) المجروحين ١/ ٧٥.
(٢) سؤالات أبي داود للإمام أحمد ص ٢٤٦.
[ ١ / ٤٦٦ ]
قال عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا إسحاق بن عيسى الطَّبَّاع قال: أُحرقتْ كتبُ ابن لهيعة سنةَ تسعٍ وستين، قال: ولقيتُه أنا سنةَ أربع وستين يعني ابن لهيعة. قال إسحاق: ومات ابن لهيعة في سنةِ أربعٍ وسبعين أو ثلاثٍ وسبعين (^١).
قال أبو داود: سمعت أحمد قال: قال ابن المبارك سنةَ تسع وسبعين: من سمع ابن لهيعة منذ عشرين سنة فإن سماعه صالح. وسمعته قال: احترقتْ كتبُ ابن لهيعة - زعموا - في سنة أربع وستين (^٢).
فهذا اختلاف في تحديد زمن احتراق كتبه (^٣).
وقد اعتمد الإمام أحمد حادثة احتراق كتب ابن لهيعة (^٤) فأصبح يُميّز بين حديثه القديم وحديثه بعد الاحتراق، فقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله وسئل عن ابن لهيعة فقال: من كتب عنه قديمًا فسماعه صحيح (^٥).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٢/ ٦٧ - ٦٨ رقم ١٥٧٢.
(٢) سؤالات أبي داود للإمام أحمد ص ١٧٠
(٣) وقال البخاري عن ابن بكير: احترق منزل ابن لهيعة وكتبه سته سبعين ومائة التاريخ الكبير ٥/ ١٨٣. وهذا ما ذهب إليه ابن حبان المجروحين ٢/ ١١، وهو قريب من قول إسحاق ابن الطباع الذي ذكره الإمام أحمد.
(٤) وقد أنكر بعض الناس أن تكون كتب ابن لهيعة احترقت، وهو سعيد بن أبي مريم، تهذيب الكمال ١٥/ ٤٩٣. لكن ابن مريم كان سيئ الرأي في ابن لهيعة كما قال يحيى بن معين تهذيب الكمال ١٥/ ٤٩٨. ولعله هو الذي عناه يحيى بن معين حين قال: قال أهل مصر: ما احترق لابن لهيعة كتاب قط، وما زال ابن وهب يكتب عنه حتى مات سؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين رقم ٤٩٩، وكأن يحيى اعتمد هذا فاعتبر سماع القدماء والآخرين من ابن لهيعة سواء، وضعفه مطلقًا سؤالات ابن الجنيد رقم ٥٠٢، وانطر: تهذيب الكمال ١٥/ ٤٩٨ - ٤٩٩ الموضع نفسه. ويعارض هذا ما رواه العقيلي عن كتاب أبي الوليد بن أبي الجارود عن ابن معين قال: ابن لهيعة يكتب عنه ما كان قبل احتراق كتبه ضعفاء العقيلي ٢/ ٦٩٦. وكذلك أنكر عثمان بن صالح السهمي أن تكون أصوله احترقت وقال: إنما احترق بعض ما كان يقرأ منه تهذيب الكمال ١٥/ ٤٩٦.
(٥) المعرفة والتاريخ ١/ ١٨٥.
[ ١ / ٤٦٧ ]
وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن ابن لهيعة فليّن أمرَه وقال: من سمع منه متقدمًا (^١).
وإنما ميّز الإمام أحمد بين حديث ابن لهيعة القديم من حديثه المتأخر لأنه كان بعد احتراق كتبه يقبل التلقين. قال أبو داود: سمعت أحمد قال: احترقت كتب ابن لهيعة - زعموا - كان رشدين بن سعد قد سمع منه كتبه، فكانوا يأخذون كتبه، فلا يأتونه بشيء إلا قرأ (^٢).
وقال الميموني: سمعت أحمد يقول: ابن لهيعة كانوا يقولون احترقت كتبه فكان يؤتى بكتب الناس فيقرأها (^٣).
وروي عن الإمام أحمد أنه قال: سماع العبادلة من ابن لهيعة عندي صالح، عبد الله بن وهب، وعبد الله بن يزيد المقرئ، وعبد الله بن المبارك (^٤).
وممن نصّ الإمام أحمد على صحة حديثه عن ابن لهيعة عبد الله بن يزيد المقرئ. قال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله يقول: ما أصحَّ حديثه - يعني المقرئ - عن ابن لهيعة (^٥).
ومنهم قتيبة بن سعيد. قال جعفر بن محمد الفريابي: سمعت بعض أصحابنا يذكر أنه سمع قتيبة يقول: قال لي أحمد بن حنبل: أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح. قال: قلت: لأنَّا كنَّا نكتب من كتاب عبد الله بن وهب ثم نسمعه من ابن لهيعة (^٦). وهذا الإسناد فيه جهالة الواسطة بين الفريابي وقتيبة. على أنه
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ص ٧١ رقم ٧٦.
(٢) سؤالات أبي داود للإمام أحمد ص ٢٥٦.
(٣) كتاب الضعفاء للعقيلي ٢/ ٦٩٦.
(٤) شرح علل الترمذي ١/ ٤٢٠.
(٥) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٩٢.
(٦) تهذيب الكمال ١٥/ ٤٩٤.
[ ١ / ٤٦٨ ]
قد ذكر الأثرم عن الإمام أحمد أن قتيبة هو آخر من سمع من ابن لهيعة (^١). فإن ثبت ما نقله الفريابي دل ذلك على أن صحة حديث قتيبة عن ابن لهيعة كان من أجل اعتماده على كتاب ابن وهب فلم يتأثر باختلاط ابن لهيعة.
وقد قال حنبل بن إسحاق سمعت أبا عبد الله يقول: ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتب كثيرًا مما أكتب أعتبر به، وهو يقوي بعضُه ببعض (^٢).
وقال حرب بن إسماعيل الكرماني: سألت أحمد بن حنبل عن ابن لهيعة فضعفه (^٣).
وهذا محمول على ما جاء من طريق من سمع منه بأخرة، بدليل أنه صحح حديث بعض تلاميذ ابن لهيعة كقتيبة بن سعيد. وأيضًا لما ليّن أمر ابن لهيعة كما في رواية المروذي استثنى من سمع منه متقدمًا.
ومما يدل على أن حديثه في الآخر قد دخله تخليط ما رواه عبد الله عن الإمام أحمد:
قال عبد الله: حدثني أبي قال حدثنا خالد بن خداش قال: قال لي ابن وهب - ورآني لا أكتب حديث ابن لهيعة - إني لستُ كغيري في ابن لهيعة فأكتبَها، وقال لي: حديثه عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: "لو كان القرآن في إهاب ما مسَّتْه النَّارُ" ما رفعه لنا ابن لهيعة قط أوَّلَ عُمُرِهِ (^٤).
هذا الحديث أخرجه أحمد (^٥)، والدارمي (^٦)،
_________________
(١) تهذيب الكمال ٢٣/ ٥٢٨، وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧٥٦.
(٢) تهذيب الكمال ١٥/ ٤٩٣.
(٣) الجرح والتعديل ٥/ ١٤٧.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ٢/ ١٣١ رقم ١٧٨٤.
(٥) المسند ٢٨/ ٦٢٧ رقم ١٧٤٠٩.
(٦) سنن الدارمي ٢/ ٥٢٢ رقم ٣٣١٠.
[ ١ / ٤٦٩ ]
وأبو يعلى (^١)، وجعفر الفريابي في فضائل القرآن (^٢) كلهم من طريق عبد الله ابن يزيد المقرئ (^٣)؛ وأبو عبيد في "فضائل القرآن" (^٤)، ومن طريقه القزويني في أخبار قزوين (^٥) عن أبي الأسود المصري (^٦)، وأحمد (^٧) عن أبي سعيد (^٨)؛ والفريابي (^٩)، ومن طريقه ابن عدي (^١٠) عن قتيبة بن سعيد (^١١)؛ والطبراني (^١٢) من طريق يحيى بن كثير الناجي (^١٣)، وسعيد بن عفير (^١٤)؛
_________________
(١) المسند ٢/ ٣٠٧ رقم ١٧٣٩.
(٢) كتاب فضائل القرآن وما جاء فيه من الفضل وفي كم يقرأ والسنة في ذلك ص ١١٠ رقم ٢.
(٣) عبد الله بن يزيد القرشي أيو عبد الرحمن المقرئ. ثقة كثير الحديث، وثقه غير واحد انظر: تهذيب الكمال ١٦/ ٣٢٣. وقال الإمام أحمد: إلا أنه كان يحدث من كتب الناس المعرفة والتاريخ ٢/ ١٩٢. وتقدم عن الإمام أحمد أنه قال في حديثه عن ابن لهيعة: ما أصحَّهُ.
(٤) كتاب فضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلاّم الهروي ص ٥٤.
(٥) التدوين في أخبار قزوين ١/ ٢٢٥.
(٦) النضر بن عبد الجبار المرادي مولاهم أبو الأسود المصري. ثقة التقريب رقم ١٠٠٢ رقم ٧١٩٣. وقال ابن معين: كان راوية عن ابن لهيعة تهذيب الكمال ٢٩/ ٣٩٢. وقال أحمد بن صالح المصري: ظننت أن أبا الأسود كتب - يعني حديث ابن لهيعة - من كتاب صحيح فحديثه صحيح يشبه حديث أهل العلم المعرفة والتاريخ ٢/ ١٨٤ - ١٨٥.
(٧) المسند ٢٨/ ٥٩٥ رقم ١٧٣٦٥.
(٨) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبيد، أبو سعيد مولى بني هاشم. وثقه أحمد وابن معين. وعن أحمد: كان كثير الخطأ. وقال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ الجرح والتعديل ٥/ ٢٥٤، ضعفاء العقيلي ٢/ ٧٥١، التقريب ص ٥٨٦ رقم ٣٩٤٣.
(٩) كتاب فضائل القرآن ص ١٠٩ رقم ١.
(١٠) الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٤٦٠.
(١١) وثقه غير واحد. وتقدم أن الإمام أحمد قال هو آخر من سمع من ابن لهيعة، وأنه رأى حديثه عن ابن لهيعة وقال إنها صحيحة انظر: تهذيب الكمال ٢٣/ ٥٢٨.
(١٢) المعجم الكبير ١٧/ ٣٠٨ رقم ٨٥٠.
(١٣) لم أقف عليه.
(١٤) هو سعيد بن كثير بن عفير - بالمهملة والفاء. قال الدارقطني: كان من الحفاظ الثقات العلل ١/ ١٨٢. وقال أبو حاتم: لم يكن بالثبت، كان يقرأ من كتب الناس، وهو صدوق الجرح والتعديل ٤/ ٥٦. وقال ابن حجر: صدوق التقريب ٣٨٦ رقم ٢٣٩٥.
[ ١ / ٤٧٠ ]
والروياني (^١) من طريق موسى بن داود (^٢)، وأبو الشيخ (^٣) من طريق مجاشع ابن عمرو (^٤)، كلهم عن ابن لهيعة، عن مِشْرَح بن هاعان (^٥)، عن عقبة بن عامر الجهني، أن النبي ﷺ قال: فذكره.
فهؤلاء الرواة - وعددهم ثمانية - كلهم رووا الحديث عن ابن لهيعة على هذا الوجه مرفوعًا. وقال ابن وهب: ما رفع ابنُ لهيعة الحديثَ قط أول عمره. فهذه علة هذا الحديث، لأن كون ابن وهب حفظ أن ابن لهيعة كان لا يرفع الحديث في أول عمره دليل على قدم سماعه من ابن لهيعة، وقد قال أحمد: من سمع منه قديمًا فسماعه صحيح. وقال أحمد عن ابن وهب: كان صحيح الكتب عن مشايخه الذين روى عنهم (^٦)، وكان هو وابن المبارك يتتبعان أصول ابن لهيعة
_________________
(١) مسند الروياني ١/ ١٧٢ رقم ٢١٦.
(٢) الضبي أبو عبد الله الطرسوسي الحُلْقاني. وثقه ابن نمير، وابن سعد، وابن عمار الموصلي، والعجلي، والذهبي. وقال أبو حاتم: شيخ في حديثه اضطراب. وقال ابن حجر: صدوق فقيه زاهد له أوهام انظر: تهذيب الكمال ٢٩/ ٥٩ - ٦٠، الكاشف ٢/ ٣٠٣ رقم ٥٦٩٢، التقريب ص ٩٧٩ رقم ٧٠٠٨.
(٣) طبقات المحدثين بأصبهان ٣/ ٥٩٤.
(٤) قال ابن معين: قد رأيته، أحد الكذابين. قال العقيلي: حديثه منكر غير محفوظ الضعفاء ٤/ ١٤٠٣. قال ابن حبان: كان ممن يضع الحديث على الثقات، ويروي الموضوعات عن قوم ثقات لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه … المجروحين ٣/ ١٨.
(٥) مشرح بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وتخفيف الراء وفتحها الإكمال لابن ماكولا ٧/ ١٩٤. وهو مشرح بن هاعان المعافري أبو مصعب المصري. حدث عن عقبة بن عامر، وروى عنه الليث، وابن لهيعة، والوليد بن المغيرة. قال الإمام أحمد: معروف. ووثقه ابن معين في رواية الدارمي وكذلك الذهبي. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. قال ابن حبان: عداده في أهل مصر يروي عن عقبة بن عامر أحاديث مناكير لا يتابع عليها روى عنه ابن لهيعة والليث وأهل مصر والصواب في أمره ترك ما انفرد من الروايات والاعتبار بما وافق الثقات. وقال ابن حجر: مقبول الكامل في ضعفاء الرجال ٦/ ٢٤٦٠، المجروحين ٣/ ٢٨، تهذيب الكمال ٢٨/ ٧، الكاشف ٢/ ٢٦٥ رقم ٥٤٥٦، التقريب ص ٩٤٤ رقم ٦٧٢٤.
(٦) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٨٣.
[ ١ / ٤٧١ ]
فيكتبان منه كما قال أبو زرعة الرازي (^١). فالصحيح في رواية الحديث أنه موقوف، وهذا يدل على اعتماد ما رواه ابن لهيعة في أول عمره وتقديمه على غيره. وإن قيل إن ممن رواه عن ابن لهيعة مرفوعًا عبد الله بن يزيد المقرئ، وقتيبة بن سعيد، وأبا الأسود المصري وقد قيل بصحة حديث كل واحد منهم عن ابن لهيعة، فالجواب أن ابن وهب حفظ وجه الحديث عند ابن لهيعة في أول عمره، وأما أولئك الرواة فيحتمل أن يكون سماعهم للحديث كان في أخر عمر ابن لهيعة خارج كتبه الأصول، فلا يترك حفظُ من حفِظ لأمر محتمل.
٢ - محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري (^٢).
ذكر الإمام أحمد أن كتبه ذهبت فكان بعدُ يحدِّث من كتب غلامه، وعدّ ﵀ هذا سببًا للوهم الذي وقع فيه فأدخل إسناد حديث في حديث آخر.
قال الأثرم: وسمعت أبا عبد الله ذكر الحديث الذي رواه الأنصاري - محمد
ابن عبد الله بن المثنى بن أنس بن مالك - عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون، عن
ابن عباس "أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم" فضعفه وقال: كانت ذهبتْ للأنصاري كتبٌ فكان بعدُ يحدّث من كتب غلامه أبي حكيم، أُراه قال: فكان هذا من تلك (^٣).
هذا الحديث رواه الترمذي (^٤)، والنسائي (^٥)، وأحمد (^٦)، والطحاوي في
_________________
(١) الجرح والتعديل ٥/ ١٤٧.
(٢) وثقه ابن معين، وأبو حاتم وغيرهما. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو داود: تغير تغيرًا شديدًا. وقال الساجي: رجل جليل عالم لم يكن عندهم من فرسان الحديث مثل يحيى القطان ونظرائه، غلب عليه الرأي الجرح والتعديل ٧/ ٣٠٥، تهذيب الكمال ٢٥/ ٥٤٢.
(٣) تاريخ بغداد ٥/ ٤١٠.
(٤) الجامع ٣/ ١٤٧ رقم ٧٧٦.
(٥) السنن الكبرى ٢/ ٢٣٥ رقم ٣٢٣١ بلفظ: هو محرم صائم.
(٦) المسند ٥/ ٦٨ رقم ٢٨٨٨ بلفظ: احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم.
[ ١ / ٤٧٢ ]
شرح معاني الآثار (^١)، والطبراني (^٢)، والخطيب (^٣) كلهم من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري بالإسناد الذي ذُكر في السؤال. وقال الخطيب: لم يروه عن حبيب هكذا غير الأنصاري.
إنما روي بهذا الإسناد حديث آخر، فأخرج أبو داود (^٤)، وأحمد (^٥)، والدارمي (^٦)، وابن الجارود (^٧)، وأبو يعلى (^٨)، والطحاوي (^٩)، وابن حبان (^١٠)، والطبراني (^١١)، والدارقطني (^١٢)، والبيهقي (^١٣) كلهم من طرق عن حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة قالت: "تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلال بعد ما رجعنا من مكة". وهذا لفظ أحمد. وقد روى الأنصاري هذا الحديث أيضًا من هذا الوجه بهذا الإسناد، قاله الخطيب (^١٤)، والذهبي (^١٥).
_________________
(١) شرح معاني الآثار ٢/ ١٠١.
(٢) المعجم الأوسط ٣/ ٤٨ رقم ٢٤٣٤.
(٣) تاريخ بغداد ٥/ ٤٠٩.
(٤) السنن ٢/ ٤٢٢ رقم ١٨٤٣.
(٥) المسند ٤٤/ ٣٩٥ رقم ٢٦٨١٥ و٤٤/ ٤١٩ رقم ٢٦٨٤١.
(٦) السنن ٢/ ٣٨.
(٧) المنتقى ١/ ١١٧ رقم ٤٤٥، ١/ ١٧٤ رقم ٦٩٥.
(٨) مسند أبي يعلى ٦/ ٣٢١ رقم ٧٠٧٠.
(٩) شرح معاني الآثار ٢/ ٢٦٩.
(١٠) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٩/ ٤٤٣ رقم ٤١٣٧.
(١١) المعجم الكبير ٢٤/ ٢٠ رقم ٤٤، وفي المعجم الأوسط ٨/ ٣٧٢ رقم ٨٩٠٧.
(١٢) السنن ٣/ ٢٦١.
(١٣) السنن الكبرى ٧/ ٣١٠.
(١٤) تاريخ بغداد ٥/ ٤١٠
(١٥) ميزان الاعتدال ٥/ ٤٧ ترجمة ٧٧٦٥.
[ ١ / ٤٧٣ ]
وتابعه سفيان بن حبيب (^١)، عن حبيب بن الشهيد به، إلا أنه أرسله عن يزيد بن الأصم بدون ذكر ميمونة. أخرجه النسائي في الكبرى (^٢).
فالأنصاري أراد أن يحدث بحديث زواج النبي ﷺ بميمونة فحدث بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ احجم وهو صائم محرم، وركب إسناد الحديث الأول له، فدخل عليه هذا في ذاك، وبيّن الإمام أحمد السبب في ذلك، وهو كون الأنصاري قد ذهبت كتبه فصار يعتمد على كتب غلامه، وليس ذلك عن سوء الحفظ. ولم يرد عن الإمام أحمد ولا عن غيره من الأئمة ما يدل على اطّراح الأنصاري بهذا السبب، والظاهر أن ذلك راجع إلى قلة ما وقع له من الخطأ بسبب هذه الآفة، فيقتصر على ردّ ما تبين أنه أخطأ فيه من الأحاديث (^٣).
وقد وافق الإمامَ أحمدَ غيرُه من الأئمة على إعلال هذا الحديث وإنكاره على الأنصاري وبيان أنه دخل عليه حديث في حديث، منهم معاذ بن معاذ، ويحيى القطان، فروى عبد الله بن الإمام أحمد قال: قال أبي وقال أبو خيثمة أنكر معاذ - يعني ابن معاذ العنبري - ويحيى بن سعيد - يعني القطان - حديث الأنصاري - يعني محمد بن عبد الله - عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران،
_________________
(١) البصري. وثقه الفلاس، وأبو حاتم. وقال يعقوب بن شبية والنسائي: ثقة ثبت تهذيب الكمال ١١/ ١٣٨.
(٢) السنن الكبرى ٢/ ٢٣٦ رقم ٣٢٣٢. وليس هذا مجال الكلام حول الاختلاف على حبيب ابن الشهيد بالوصل والإرسال في رواية هذا الحديث.
(٣) قال الذهبي: ما ينبغي أن يتكلم في مثل الأنصاري لأجل حديث تفرد به فإنه صاحب حديث. وروى الفسوي عن الأنصاري أنه قال: كتبت عن داود بن أبي هند أحاديث كثيرة وسمع مني بعض أصحابنا وأخذ كتابي أو غاب عني غيبة طويلة، فلم أر أن أحدث منها بشيء المعرفة والتاريخ ٢/ ٦٥٣. ولم يذكر المزي داود بن أبي هند ضمن شيوخ الأنصاري، مما يقوي ما ذكر من أنه لم يحدث عنه بعد ما ذهبت كتبه بشيء، وهذا يدل على تثبته. ولعل ما ذكره الإمام أحمد من ذهاب كتبه وتحديثه من كتب غلامه كان في آخر عمره ولأجل ثقته بغلامه ذاك. ولم أر لغلامه أبي حكيم ترجمة فيما وقفت عليه من الكتب.
[ ١ / ٤٧٤ ]
عن بن عباس: احتجم النبي ﷺ وهو محرم وصائم (^١).
وقال مهنّا: وسألت أحمد عن حديث حبيب بن الشهيد، عن ميمون ابن مهران، عن ابن عباس "أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم"، فقال: ليس بصحيح، قد أنكره يحيى بن سعيد الأنصاري (^٢)، إنما كانت أحاديث ميمون ابن مهران عن ابن عباس نحو خمسة عشر حديثًا (^٣).
وقال يعقوب الفسوي: سُئل علي بن المديني عن حديث الأنصاري عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم، قال: ليس من ذاك شيء، إنما أراد حديث حبيب عن ميمون عن يزيد بن الأصم: تزوج النبي ﷺ ميمونة محرمًا. ا. هـ (^٤).
وقال النسائي - بعد روايته لحديث الأنصاري في الحجامة: هذا منكر، ولا أعلم رواه عن حبيب غير الأنصاري، ولعله أراد أن النبي ﷺ تزوج ميمونة (^٥).
٣ - عبد الله بن رجاء المكي (^٦):
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: تحفظ عن عبد الله بن رجاء، عن عبيد الله،
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١/ ٣٢٠ رقم ٥٥٦.
(٢) كذا قال، وإنما هو القطان كما تقدم في رواية عبد الله.
(٣) زاد المعاد ٢/ ٥٩.
(٤) المعرفة والتاريخ ٣/ ٧ - ٨. وهكذا جاءت الرواية: محرمًا، وهكذا وقتعت في تاريخ بغداد ٥/ ٤١٠ من طريق الفسوي، وأما الذهبي فرواها من طريق الفسوي فلم يذكر هذه اللفظة، وهو يشعر بأنها وقعت عنده أيضًا هكذا وأن ذكرها خطأ، لأن حديث يزيد بن الأصم في تزويج النبي ﷺ بميمونة وهو حلال.
(٥) السنن الكبرى ٢/ ٢٣٦.
(٦) هو أبو عمران البصري سكن مكة. حسّن الإمام أحمد أمره ووثقه ابن معين، والفسوي. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال أبو زرعة: شيخ صالح. وقال الساجي: عنده مناكير، اختلف أحمد ويحيى فيه، قال أحمد: زعموا أن كتبه ذهبت فكان يكتب من حفظه فعنده مناكير. مات في حدود التسعين ومائة انظر: تاريخ ابن معين - رواية الدوري - ٢/ ٣٠٦، المعرفة التاريخ ٣/ ٥٢، ١٤٠، الجرح والتعديل ٥/ ٥٤ - ٥٥، تهذيب التهذيب ٥/ ٢١١.
[ ١ / ٤٧٥ ]
عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "الحلال بيِّنٌ والحَراَم بيِّنٌ … "؟ فقال: هذا حديث منكر، ما أرى هذا بشيء، وقال لي أبو عبد الله: ابن رجاء هذا زعم أن كتبه كانت ذهبت فجعل يكتب من حفظه، ولعله توهَّم هذا (^١).
هذا الحديث أخرجه الطبراني (^٢)، والعقيلي (^٣)، والرامهرمزي (^٤)، كلهم من طريق إبراهيم بن محمد بن الشافعي (^٥)، عن عبد الله بن رجاء المكي، عن عبيد الله ابن عمر به. وأخرجه البيهقي (^٦) من طريق أحمد بن شبيب بن سعيد (^٧) عن عبد الله ابن رجاء به. قال الطبراني: لم يروه عن عبيد الله بن عمر إلا عبد الله بن رجاء، وقد رواه عبد الله بن رجاء عن عبد الله بن عمر. ورواية عبد الله بن رجاء عن عبد الله ابن عمر - وهو العمري - رواها أيضًا أحمد بن شبيب بن سعيد. قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي حدثنا عن أحمد بن شبيب بن سعيد، عن عبد الله بن رجاء المكي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "الحلال بين والحرام بين … " الحديث. قال أبي: ثم كتب إلينا أحمد بن شبيب بن سعيد: اجعلوا هذا الحديث عن عبد الله بن عمر" (^٨). وقال أبو زرعة في هذا الحديث: هكذا حدثنا أحمد من حفظه، ثم رجع أحمد بن شبيب عنه فقال: عن عبد الله بن عمر،
_________________
(١) الضعفاء للعقيلي ٢/ ٦٤٨، وانظر: ميزان الاعتدال ٣/ ١٣٥ ترجمة ٤٣٠٨.
(٢) المعجم الصغير ١/ ٤١ رقم ٣٢.
(٣) كتاب الضعفاء للعقيلي ٢/ ٦٤٨.
(٤) أمثال الحديث ١/ ١٦ رقم ٤.
(٥) أحسن الإمام أحمد الثناء عليه، ووثقه النسائي، والدارقطني، والذهبي تهذيب التهذيب ١/ ١٥٤، الكاشف ١/ ٢٢١ رقم ١٩١.
(٦) كتاب الزهد الكبير ٢/ ٣٢١ رقم ٨٦٦.
(٧) قال عنه أبو حاتم: ثقة الجرح والتعديل ٢/ ٥٥. وقال ابن حجر: صدوق التقريب ص ٩٠ ترجمة ٤٦. وقال الأزدي: منكر الحديث غير مرضي. ورد عليه الذهبي بتوثق أبي حاتم له ميزان الاعتدال ١/ ١٠٣ ترجمة ٤٠٤. وذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمته.
(٨) علل ابن أبي حاتم ٢/ ١٣٢ رقم ١٨٨٧.
[ ١ / ٤٧٦ ]
وهو الصحيح. ا. هـ (^١).
فعاد الحديث إلى حديث عبد الله بن عمر العمري وضعفه مشهور، وتفرده بالحديث عن حافظ مكثر مثل نافع مما يزيد الحديث ضعفًا.
وجه إعلال الإمام أحمد للحديث:
أنكر الإمام أحمد هذا الحديث أن يكون من رواية عبيد الله بن عمر، وحمّل الخطأ على عبد الله بن رجاء لذهاب كتبه واعتماده على حفظه. ويؤيد هذا الإعلال رجوع أحمد بن شيبب عن ذكر عببيد الله بن عمر في الإسناد، واستبداله بعبد الله بن عمر العمري، وأن ذلك كان لأجل تحديثه بالحديث في أول الأمر من حفظه. وإنما لم يُحمَّل أحمدُ بن شيبب هذا الخطأَ لأن إبراهيم بن محمد الشافعي قد تابعه على ذكر عبيد الله بن عمر، فدل على أن عبد الله بن رجاء كان هو الذي حدث به هكذا، ثم رجع أحمد بن شيبب إلى الكتب فتبين له الخطأ فعاد إلى الصواب، وهذا يدل أيضًا على أن عبد الله بن رجاء قد حدث به سابقًا على الصواب - والظاهر أن الصواب كان هو المثبت في كتبه - ثم لما حدّث بالحديث من حفظه وقع في الخطأ، وهذا ما أشار إليه الإمام أحمد من أن كتبه قد ذهبت فصار يحدث من حفظه فتوهمّ.
وممن ذهبت كتبه عن بعض مشائخه فتُكلِّم في حديثه عن أولئك المشايخ:
٤. عبد الرحمن بن عمروالأوزاعي الإمام ت (١٥٧) هـ:
ذهبت كتبُه عن يحيى بن أبي كثير فتكلم الإمام أحمد في حديثه عنه.
قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: زعموا أن كتبه - يعني الأوزاعي - عن يحيى بن أبي كثير ضاعت" (^٢).
_________________
(١) المصدر نفسه ٢/ ١٤٢ رقم ١٩٢٣.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤١٩ رقم ١٩٥٢. وكان ضياعها بسبب احتراق. قال أبو عوانة: حدثنا محمد بن عوف، قال: سمعت هاشم بن عمار يقول: سمعت الوليد بن مسلم يقول: احترقت كتب الأوزاعي من الرجفة ثلاث عشر قنداقًا مسند أبي عوانة ١/ ٣٢١. وقال الفسوي: سمعت عباس بن الوليد بن مزيد يذكر عن شيوخهم قالوا: قال الأوزاعي: فجالسته - أي يحيى بن أبي كثير - وكتبت عنه أربعة عشر كتابًا أو ثلاثة عشر فاحترق كله المعرفة والتاريخ ٢/ ٤٠٩.
[ ١ / ٤٧٧ ]
وقال مهنّا: "سألت أحمد عن حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال أحمد: كان كتاب الأزواعي عن يحيى بن أبي كثير قد ضاع منه، فكان يحدّث عن يحيى بن أبي كثير حفظًا" (^١).
وقال يعقوب بن شيبة: "قال أحمد بن حنبل: حديث الأوزاعي عن يحيى مضطرب" (^٢).
وكلام الإمام أحمد في حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير لا يعني تضعيفه في يحيى، ولا يعني إلحاقه بسائر من ذهبت كتبه عن شيخه فضعِّف بسببه عن ذلك الشيخ، بل كلام الإمام أحمد كان لبيان أن له أحاديث عن يحيى ابن أبي كثير أخطأ فيها بسبب ذهاب كتبه، وهو أمر غير مستغرب، لأن الأوزاعي كان من المكثرين عن يحيى بن أبي كثير، فلا يستغرب أن تقع بعض الأخطأ في حديثه عنه (^٣). والدليل على ما ذكرت أن الإمام الأوزاعي كان يحفظ، وذهاب كتب الراوي عن شيخ معين إنما يؤثر على حديثه عن ذلك الشيخ إذا كان ممن لا يحفظ وكان جلّ اعتماده عليها قبل ذهابها أو أصبح بعد ذهابها يقبل التلقين، وكلا الأمرين منفي عن الأوزاعي. قال ابن عدي عن الإمام أحمد - وذَكر أصحابَ يحيى بن أبي كثير - فقال: "هشام يرجع إلى كتاب، والأوزاعي حافظ" (^٤). وقد
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٩٩.
(٢) مسند يعقوب بن شيبة ص ٦٨ بواسطة كتاب الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم ص ٦٤.
(٣) انظر ما ذكره د. صالح بن حامد الرفاعي في الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم ص ٦٥.
(٤) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ١٠٠.
[ ١ / ٤٧٨ ]
قال الوليد بن مسلم: "احترقتْ كتبُ الأوزاعي فقيل له: يا أبا عمرو، نسختُها عند ابن الأسود؟ فقال: نتحدّث بما حفِظنا منها" (^١).
وإذا كان الأمر كذلك فكلام الإمام أحمد في حديث الأوزاعي عن يحيى ابن أبي كثير محمول على ما عرف من منهجه من تقديم حفظ الكتاب على حفظ الصدر كما سيأتي، ومن أجل ذلك جعل أثبت الناس في يحيى بن أبي كثير هشام الدستوائي وأخّر الأوزاعي، فقال كما روى أبو داود: "ليس أحدٌ أثبت في يحيى ابن أبي كثير من هشام الدَّستوائي" (^٢). وقال أبو زرعة الدمشقي: "سألت أحمد ابن حنبل عن أصحاب يحيى بن أبي كثير فقال: هشام، قلت: ثم من؟ قال: ثم أبان، قلت: ثم من؟ فذكر آخر، قلت: له فالأوزاعي؟ قال: الأوزاعي إمام" (^٣). وقال صالح: قال أحمد: "وحرب بن شداد، وأبان، وشيبان ثبت في كل المشايخ، وهمام. قلت: الأوزاعي؟ قال: هؤلاء أثبت من الأوزاعي" (^٤). وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: "شيبان أحب إلي من الأوزاعي في يحيى بن أبي كثير وهو صاحب كتاب صحيح، حديثه صالح" (^٥).
وعلى هذا فيجتنب تلك المواضع التي أخطأ فيها الأوزاعي في حديث يحيى بن أبي كثير، وإذا خالفه غيره ممن هو أثبت منه في يحيى فإنه يُقدم عليه (^٦).
وممن اتخذ مثل موقف الإمام أحمد في حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤١٩ - ٤٢٠، وانظر: مسند أبي عوانة ١/ ٣٢١.
(٢) سؤالات أبي داود السجستاني للإمام أحمد بن حنبل ص ٣٣٤ رقم ٤٨٩.
(٣) الكامل في ضعفاء الرجال ١/ ١٠٠.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٣/ ٤٢ م ١٢٩٨، ١٢٩٩.
(٥) الجرح والتعديل ٤/ ٣٥٦.
(٦) وهذا صنيع الشيخين في إخراجهما لحديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير كما يظهر للمتتبع لها.
[ ١ / ٤٧٩ ]
الإمام أبو زرعة الرازي فقال ابن أبي حاتم: "سألت أبا زرعة قلت: في حديث يحيى بن أبي كثير من أحب إليك، هشام أو الأوزاعي؟ قال: هشام أحب إليّ، لأن الأوزاعي ذهبت كتبه" (^١).
ولم يتميّز من سمع من الأوزاعي حديثه عن يحيى قبل احتراق كتبه من الذين سمعوا منه بعد ذلك حتى يعامل حديثه معاملة حديث مَنْ تقدم من الرواة من هذا الصنف فيقبل حديث من سمع قبل ذهاب الكتب ويتوقف في حديث من سمع بعد ذلك، ومقتضى عدم هذا التمييز أن ينزل جميع الرواة عن الأوزاعي منزلة واحدة من حيث زمن السماع منه، وهو الذي يظهر من صنيع الإمام أحمد في إعلاله لحديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، من دون تفصيل بين حالة الراوي عنه، والله أعلم.
ما أعله الإمام أحمد من حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير.
قال المرُّوذي: قلتُ له: فتعرف عن الوليد عن الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "متى كنتَ نبياًّ؟ "، قال: هذا منكر، هذا من خطأ الأوزاعي، هو كثيرًا ما يخطئ عن يحيى بن أبي كثير، كان يقول: أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلّب (^٢).
حديث "متى كنتَ نبياًّ" أخرجه الترمذي (^٣)، وابن حبان في مقدمة كتابه الثقات (^٤)، والحاكم (^٥)، وأبو نعيم (^٦)، والخطيب البغدادي (^٧) من طرق عن
_________________
(١) الجرح والتعديل ٩/ ٦١.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - رواية المروذي وغيره ص ١٥٠ - ١٥١ رقم ٢٦٨.
(٣) الجامع ٥/ ٥٤٥ رقم ٣٦٠٩. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. وأما المزي فقال عن الترمذي: حديث حسن غريب تحفة الأشراف ١١/ ٧٤.
(٤) الثقات ١/ ٤٧.
(٥) المستدرك ٢/ ٦٠٩.
(٦) أخبار إصبهان ٢/ ١٩٧.
(٧) تاريخ بغداد ٣/ ٧٠، ١٠/ ١٤٦.
[ ١ / ٤٨٠ ]
الوليد بن مسلم به. ولفظه كما عند الترمذي: متى وجبت لك النبوة؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد" (^١).
والحديث أنكره الإمام أحمد وجعله من خطأ الأوزاعي. والظاهر إنما أنكره من حديث يحيى بن أبي كثير، إذ لم يروه عنه غيره (^٢)، كأنه لم يعتدّ بتفرد الأوزاعي بالحديث عن يحيى بن أبي كثير للعلة التي تقدم ذكرها من احتراق كتبه عن يحيى واعتماده على حفظه.
وأما ما ذكره الإمام أحمد من خطأ الأوزاعي في اسم أبي المهلب حيث يقول فيه: أبو المهاجر فقد وقع ذلك في عدة أحاديث. قال الإمام البخاري: "وروى الأوزاعي أيضًا أحاديث عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، ولا يصح من أبي قلابة عن أبي المهاجر شيء" (^٣). وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه الأحاديث في ترجمة أبي المهاجر في تهذيب التهذيب (^٤) فقال: "أبو المهاجر عن بريدة الأسلمي حديث: "بكّروا بالصلاة في الغيم" (^٥)، وعن عمرو بن أمية الضمري حديث: "انتظروا
_________________
(١) قال إسحاق بن راهويه: أي قبل أن تنفخ فيه الروح السنة للخلال ١/ ١٨٨.
(٢) ولما سأل الترمذي الإمام البخاري عن الحديث لم يعرفه. وأما الترمذي فاستغربه من حديث الوليد بن مسلم، وقال: رواه رجل واحد من أصحاب الوليد علل الترمذي الكبير ٢/ ٩٢٦. وقد رواه أربعة آخرين عن الوليد، فزالت الغرابة عن الوليد.
(٣) التاريخ الكبير ٦/ ٤٤٩.
(٤) تهذيب التهذيب ١٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩. وانظر أصل الكلام للمزي في تهذيب الكمال ٣٤/ ٣٢٥ - ٣٢٦.
(٥) حديث بريدة أخرجه ابن ماجه في السنن ١/ ٢٢٧ رقم ٦٩٤، وأحمد في المسند ٣٨/ ١٥٧ رقم ٢٣٠٥٥، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٣٠١ رقم ٣٤٤٩، ٢/ ٤٦ رقم ٦٢٩٠، ٦/ ١٦٧ رقم ٣٠٣٩٩، وابن المنذر في الأوسط ٢/ ٣٨١ رقم ١٠٦٧، ٢/ ٣٦٦ رقم ١٠٢٦، وابن حبان في صحيحه ٤/ ٣٣٢ رقم ١٤٧٠، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤٤٤ من طرق عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن بريدة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فقال: "بكّروا بالصلاة في اليوم الغيم، فإنه من فاتته صلاة العصر حبط عمله". هذا لفظ ابن ماجه ووقع في تفسير الطبري ٢/ ٥٦٧ من طريق أيوب بن سويد فقال: عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن بريدة فذكر الحديث. فظاهر هذه الرواية وجود متابع للأوزاعي، وليس كذلك فإن الإسناد وقع فيه سقط حيث أسقط الأوزاعي، ويحيى بن أبي كثير، فإن أيوب بن سويد معروف بالرواية عن الأوزاعي، ولا يمكن أن يروي عن أبي قلابة الجرمي انظر: تهذيب الكمال ٣/ ٤٧٤ - ٤٧٧. وللحديث علة أخرى سيأتي ذكرها إن شاء الله.
[ ١ / ٤٨١ ]
الغداء" (^١)، وعن عمران بن الحصين حديث الجهنية التي أقرت بالزنا (^٢)، وعنه أبو قلابة الجرمي، كذا يقول الأوزاعي في هذه الأحاديث الثلاثة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة، فأما حديث بُريدة فرواه هشام الدستوائي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، عن بريدة، وهو المحفوظ، وأما حديث أبي أمية فاختلف فيه على الأوزاعي (^٣)، وأما حديث عمران فرواه هشام وغير واحد عن يحيى بن أبي كثير،
_________________
(١) أخرجه النسائي في السنن ٤/ ١٧٩ رقم ٢٢٦٨، ٢٢٦٩، وفي الكبرى ٢/ ١٠٢ رقم ٢٥٧٨، ٢٥٧٩، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٣/ ١٥٥ رقم ١٤٨٦، ١٤٨٧، والطبراني في المعجم الكبير ٢٢/ ٣٦١ رقم ٩٠٧ من طرق عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن أبي أمية الضمري قال: "قدمت على رسول الله ﷺ من سفر فسلمت عليه فلما ذهبت لأخرج قال: "انتظر الغداء يا أبا أمية"، قلت: إني صائم يا نبي الله، قال: "تعال أخبرك عن المسافر، إن الله وضع عنه الصيام ونصف الصلاة". هذا لفظ النسائي.
(٢) أخرجه من هذا الوجه ابن ماجه في السنن ٢/ ٨٥٤ رقم ٢٥٥٥، والنسائي في السنن الكبرى ٤/ ٢٨٦ رقم ٧١٨٨، ٧١٩٥، وابن حبان في صحيحه الإسحان ١٠/ ٢٥٠ - ٢٥١ رقم ٤٤٠٣ وقال فيه: عن أبي قلابة عن عمه، وابن عبد البر في التمهيد ٢٤/ ١٢٩ كلهم من طرق عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن عمران بن الحصين قال: اشتكت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًا فأقمه عليه … الحديث إلى آخره.
(٣) ذكر هذا الاختلاف على الأوزاعي النسائيُ في السنن وفي الكبرى المواضع السابقة. والذين اختلفوا عليه ثقات، وهم: محمد بن شعيب شابور قال أبو داود: هو ثبت في الأوزاعي. تهذيب الكمال ٢٥/ ٣٧٤، والوليد بن مسلم، وأبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولاني وثقه العجلي والدارقطني، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس. تهذيب الكمال ١٨/ ٢٣٩، ومحمد بن حرب الخولاني وثقه النسائي وغيره. تهذيب الكمال ٢٥/ ٤٦. واختلاف الثقات على الراوي مشعر باضطرابه في تلك الرواية.
[ ١ / ٤٨٢ ]
عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران (^١)، وهو المحفوظ".
وممن ذكر أن الإمام الأوزاعي أخطأ على يحيى بن أبي كثير في قوله أبي المهاجر، يحيى بنُ معين، فقال: "الذي يروي الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر إنما هو أبو المهلب، ولكن الأوزاعي قلب كنيته، والذي يروي عن أبي المهلب أثبت من الأوزاعي" (^٢).
وقال النسائي: "لا نعلم أحدًا تابع الأوزاعي على قوله: عن أبي المهاجر، إنما هو أبو المهلب" (^٣). وقال أيضًا: "أبو المهاجر خطأ، والصواب أبو المهلب" (^٤).
وقال ابن حبان: "وهم الأوزاعي في كنية عم أبي قلابة، إذ الجواد يعثر فقال: عن أبي قلابة، عن عمه أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلب، اسمه عمرو ابن معاوية بن زيد الجرمي من ثقات التابعين وسادات أهل البصرة" (^٥).
وقد أعلّ الإمام أحمد الحديث الأول من تلك الأحاديث التي قال فيها الأوزاعي عن أبي المهاجر من وجه آخر في الإسناد والمتن، والحديث هو
_________________
(١) أخرجه من هذا الوجه مسلم ٣/ ١٣٢٤ رقم ١٦٩٦ من طريق هشام الدستوائي عن يحيى، ومن طريق أيان بن يزيد العطار عن يحيى مثله. وأخرجه أبو داود في السنن ٤/ ٥٨٧ رقم ٤٤٤٠ من طريق هشام وأبان مقرونين، والنسائي في السنن ٤/ ٦٣ رقم ١٩٥٦ من طريق هشام، والترمذي في الجامع ٤/ ٣٣ رقم ١٤٣٥ من طريق معمر، وأحمد في المنسد ٣٣/ ٩٣ رقم ١٩٨٦١ من طريق معمر، وفي ٣٣/ ١٥٢ رقم ١٩٩٢٦ من طريق هشام، وفي ٣٣/ ١٧٣ رقم ١٩٩٥٤ من طريق أبان العطار، والدارقطني في السنن ٣/ ١٠٢ من طريق علي بن المبارك، أربعتهم - وهم هشام الدستوائي، ومعمر، وأبان العطار، وعلي بن المبارك - عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن الحصين.
(٢) التاريخ - برواية الدوري ٤/ ٤٦٧.
(٣) السنن الكبرى ٤/ ٢٨٤.
(٤) المصدر السابق ٤/ ٢٨٥.
(٥) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١٠/ ٢٥٢.
[ ١ / ٤٨٣ ]
حديث بريدة السالف الذكر، حيث رواه الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن بريدة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فقال: "بكّروا بالصلاة في اليوم الغيم، فإنه من فاتته صلاة العصر حبط عمله" ورواه هشام الدستوائي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المليح قال: كنا مع بُريدة في غزوة في يوم ذي غيمٍ فقال: بكّروا بصلاة العصر، فإن النبي ﷺ قال: "من ترك العصر فقد حبط عمله" (^١).
فقال الإمام أحمد في رواية مهنّا عن هذا الحديث - كما قال ابن رجب: "هو خطأ من الأوزاعي، والصحيح حديث هشام الدستوائي، وذكر أيضًا أن أبا المهاجر لا أصل له، إنما هو أبو المهلب عم أبي قلابة، كان الأوزاعي يسميه أبا المهاجر خطأً، وذِكرُه في هذا الإسناد من أصله خطأ، فإنه ليس من روايته، إنما هو من رواية أبي المليح، كذا قاله الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله" (^٢).
ثم قال ابن رجب: "وقيل: عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المليح كما رواه هشام عن يحيى. وخرجه من هذا الوجه الإسماعيلي في "صحيحه". وقيل عن الأوزاعي، عن يحيى، عن ابن بريدة. وقيل عن الثوري، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن بُريدة بغير واسطة بينهما. وهذا كله يدل على اضطراب الأوزاعي فيه، وعدم ضبطه للحديث. وأما متنه فقال الأوزاعي فيه: إن بريدة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فقال: "بكّروا بالصلاة في اليوم الغيم فإنه من فاتته صلاةُ العصر فقد حبط عملُه". كذلك خرجه الإمام أحمد وابن ماجه والإسماعيلي وغيرهم. فخالف هشامًا في ذلك، فإن هشامًا
_________________
(١) أخرجه البخاري ٢/ ٣١ رقم ٥٥٣ مع فتح الباري، والنسائي السنن ١/ ٢٣٦ رقم ٤٧٣، وأحمد في المسند ٣٨/ ٥٤ رقم ٢٢٩٥٧.
(٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن رجب ٣/ ١٢٦.
[ ١ / ٤٨٤ ]
قال في روايته: إن أبا المليح قال: كنا مع بريدة في غزوة في يوم غيم فقال: بكروا بصلاة العصر، فإن رسول الله ﷺ قال: "من ترك صلاة العصر فقد حبط عملُه". فلم يرفع منه غير هذا القدر، وجعل الذين كانوا معه في الغزوة في يوم الغيم، والذي أمر بالتبكير بصلاة العصر هو بُريدة، وهو الصحيح" (^١).
وقد تابع هشام الدستوائي على ذكر أبي المليح ورفع القدر المذكور من الحديث كل من شيْبان النحوي (^٢)، ومعمر (^٣).
وممن ذهبت كتبه يوسف بن أسباط بن واصل الشيباني الكوفي من خيار أهل زمانه من عباد أهل الشام وقرائهم (^٤). قال شعيب بن حرب: ما أقدّم على يوسف بن أسباط أحدًا (^٥).
قال أبو داود: "قلت لأحمد: يوسف بن أسباط؟ قال: ثقة. قلت: فدفن كتبه؟ قال: قد علمت يُقال، ثم قال: ومن مثل يوسف! " (^٦).
وذكر غيرُ واحد خبرَ دفنِ كتبه (^٧).
وله أحاديث أخطأ فيها (^٨)، وحُمل سببُ وقوع تلك الأخطاء على ذهاب كتبه. ولم أقف على كلام الإمام أحمد في حديثه بل أطلق القول بتوثيقه وأثنى عليه ثناء حسنًا، وهذا الثناء راجع إلى فضله في زهده وعبادته، والله أعلم.
_________________
(١) المصدر السابق ٣/ ١٢٧.
(٢) وحديثه عند أحمد في المسند ٣٨/ ٥٧ رقم ٢٢٩٥٩.
(٣) وحديثه عند أحمد أيضًا المسند ٣٨/ ١٥٢ رقم ٢٣٠٤٥. لكن زاد معمر: متعمدًا.
(٤) الثقات لابن حبان ٧/ ٦٣٨.
(٥) سير أعلام النبلاء ٩/ ١٧٠.
(٦) سؤالات أبي داود للإمام أحمد ص ٢٨٦ رقم ٣٣٠.
(٧) انظر: التاريخ الكبير ٢/ ٢٦٥، الجرح والتعديل ٩/ ٢١٨، الكامل في ضعفاء الرجال ٧/ ٢٦١٤، كتاب الضعفاء للعقيلي ٤/ ١٥٥٦.
(٨) انظر: علل ابن أبي حاتم ٢/ ٢٨٥، والضعفاء للعقيلي ٤/ ١٥٥٦، والكامل في ضعفاء الرجال ٧/ ٢٦١٤.
[ ١ / ٤٨٥ ]
المبحث الثالث: الإعلال بالطعن في الراوي بشدة الغفلة وعدم التيقظ.
هذا الصنف من الرواة هم الذين كان الغالب على حديثهم المنكر والغلط، وذلك لشدة غفلتهم، فليس لهم من التيقط ما يميزون به الصواب من الخطأ. وقد عرف الحميدي الغفلة التي ترد بها حديث الرضا الذي لا يعرف بكذب فقال: "هو أن يكون في كتابه غلط فيقال له في ذلك فيترك ما في كتابه ويحدث بما قالوا، أو يغيره في كتابه بقولهم، لا يعقل فرق ما بين ذلك، أو يصحف ذلك تصحيفًا فاحشًا يقلب المعنى لا يعقل ذلك، فيكف عنه" (^١).
وقد قال الإمام أحمد في أبي قتادة الحراني عبد الله بن واقد: "ما كان به بأس، رجل صالح يشبه أهل النسك والخير، إلا أنه ربما أخطأ"، فقيل له: إنهم يقولون: لم يكن يفصل بين سفيان ويحيى بن أبي أُنيسة. فقال: "باطل، لعله اختلط، أما هو فكان ذكيًا" (^٢) فنفى الإمام أحمد الغفلة لفطنته، فدل على أن الغفلة سببها قلة الفطنة.
وقد كان الإمام أحمد لا يرى الكتابة عمن هذا حاله. قال لأبي طالب أحمد بن حميد: "لا تكتب عن أبان بن أبي عياش شيئًا، فقال له: كان له هوى؟ قال: كان منكر الحديث" (^٣) وأبان بن عياش كما قال أحمد في موضع آخر: "متروك الحديث، ترك الناس حديثه مُذ دهر من الدهور" (^٤).
_________________
(١) الكفاية في علم الرواية ص ٢٣٣.
(٢) الجرح والتعديل ٥/ ١٩١.
(٣) الجرح والتعديل ٢/ ٢٩٥.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٤١٢ رقم ٨٧٢.
[ ١ / ٤٨٧ ]
وقال أبو طالب: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: "الحسن بن عمارة متروك الحديث، قلت: كان له هوى؟ قال: لا، ولكن كان منكر الحديث، أحاديثه موضوعة ولا يُكتب حديثه" (^١) وقوله أحاديثه موضوعة ليس بمعنى أنه كذاب، بل هو من إطلاق الموضوع على حديث المتروك لثبوت الخطأ فيه كما تقدم توضيح ذلك في مصطلحات الإمام أحمد في مبحث الإعلال بكذب الراوي (^٢)، فالغالب على حديث الحسن بن عمارة مناكير، وقد قال شعبة: "أفادني الحسن بن عمارة عن الحكم - قال: أحسب - سبعين حديثًا فلم يكن لها أصل" (^٣).
فأحاديث هؤلاء الرواة عند الإمام دومًا معلولة، لأن الغالب على حديثهم الخطأ والغلط، فمن أجل ذلك كان ينهى عن الرواية عنهم والتحديث بحديثهم. وقد ذكر الإمام أبو عيسى الترمذي قال: "سمعت أحمد بن الحسن يقول: كنا عند أحمد بن حنبل فذكروا من تجب عليه الجُمعة، فذكروا فيه عن بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم، فقلت: فيه عن النبي ﷺ حديث. فقال: عن النبي ﷺ؟ قلت: نعم. حدثنا أحمد بن الحسن، حدثنا حجاج بن نُصير، حدثنا المبارك بن عباد، عن عبد الله بن سعيد المقبُري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الجُمعة على من آواه الليل إلى أهله". قال: فغضب أحمد بن حنبل وقال: استغفر ربَّك، استغفر ربَّك، مرتين" (^٤).
قال الترمذي: "وإنما فعل هذا أحمد بن حنبل لأنه لم يصدِّق هذا عن النبي ﷺ لضعف إسناده، لأنه لم يعرفه عن النبي ﷺ. والحجاج بن نُصير يضعّف في
_________________
(١) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٧٠٠.
(٢) ص ٢١٢.
(٣) المصدر نفسه ٢/ ٦٩٨.
(٤) جامع الترمذي كتاب العلل، ٥/ ٦٩٧.
[ ١ / ٤٨٨ ]
الحديث، وعبد الله بن سعيد المقبري ضعفه يحيى بن سعيد القطان جدًا" (^١).
وقول أحمد في عبد الله بن سعيد هو أنه منكر الحديث، متروك الحديث (^٢).
فلما كان الحديث مما تفرد به هذا الراوي، ولم يسمع به أحمد إلا بهذا الإسناد، عظُم ذلك عنده واشتد نكيره على الذي حدثه به، فدل على أن ما تفرد به الراوي الموصوف بشدة الغفلة لا يجوز الاحتجاج به ولا يجوز التحديث به.
قال الترمذي معلِّقًا على هذا الموقف من الإمام أحمد: "فكل من رُوي عنه حديث ممن يتهم، أو يضعّف لغفلته وكثرة خطئه، ولا يُعرف ذلك الحديثُ إلا من حديثه فلا يُحتج به" (^٣).
_________________
(١) الموضع نفسه.
(٢) الجرح والتعديل ٥/ ٧١.
(٣) جامع الترمذي الموضع نفسه.
[ ١ / ٤٨٩ ]
المبحث الرابع: ما يُخل بضبط الراوي بسبب طريقته في التحمّل.
أرفع أقسام طرق نقل الحديث السماع من لفظ الشيخ، وهو أن يملي الشيخ أو يحدث من غير إملاء سواء من حفظه أو من كتابه، وتليه القراءة على الشيخ وهو المسمى عرضًا، وهذا بناء على ما صححه ابن الصلاح من تقديم السماع على العرض (^١). وكل ما عدا هذين الطريقين من طرق التحمل - من إجازة، ومناولة، ومكاتبة، وإعلام، ووصية، ووِجادة - لا تخلو من دخول الخلل على مرويات من اعتمدها في الرواية، وكلام من تكلم من الأئمة في بعض الرواة بسبب طرق تحملهم عائد إلى ذلك الخلل. قال الذهبي: "ولا ريب أن الأخذ من الصحف وبالإجازة يقع فيه الخلل، ولا سيما في ذلك العصر حيثُ لم يكن بعدُ نقطٌ ولا شكلٌ فتتصحَّف الكلمة بما يُحيلُ المعنى، ولا يقع مثل ذلك في الأخذ من أفواه الرجال" (^٢). وقد تكلم الإمام أحمد في بعض الرواة بسبب طريقة نقلهم لأحاديث بعض شيوخهم أذكرهم على اختلاف طرق تحملهم:
من روى عن شيخه بالإجازة:
الإجازة إذن في الرواية لفظًا أو كتابة تفيد الإخبار الإجمالي في العرف (^٣)، وأرفعها أن يجيز لمعين في معين، كأن يقول: أجزت لك الكتاب الفلاني، وهذا في الإجازة المجردة عن المناولة، ومع كونها دون السماع والعرض لأنهما أبعد منها عن التصحيف والتحريف (^٤)، يتوقف الاحتجاج بها على ثقة المجيز وإتقانه
_________________
(١) انظر: علوم الحديث ص ١٤٠، ١٤٢.
(٢) سير أعلام النبلاء ٧/ ١١٤.
(٣) فتح المغيث ٢/ ٢١٤.
(٤) فتح المغيث ٢/ ٢١٦.
[ ١ / ٤٩١ ]
وتثبته، وضبط الكتاب المجاز وإتقانه، وثقة الراوي المجاز له (^١). وقد تكلم الإمام أحمد في بعض الرواة رووا عن شيوخهم بالإجازة واحتج بروايتهم لبعض الاعتبارات. فمن ذلك:
من روى عن شيخه بالإجازة ولم يكن من أهل الحديث، ومنهم:
بشر بن شعيب عن أبيه:
تقدم أن الإمام أحمد روى عن بشر بن شعيب نحوًا من سبعين حديثًا مع أنه لم يكن بصاحب حديث، ولا كان سماعه من أبيه أمرًا محَقّقًا لدى الإمام أحمد، والمنقول عن الإمام أحمد أن روايته عن أبيه كانت بالإجازة.
قال أبو حاتم الرازي: ذُكر لي أن أحمد بن حنبل سأله - يعني بشر ابن شعيب - سمعت من أبيك شيئًا؟ قال: لا، قال فقرئ عليه وأنت حاضر؟ قال: لا، قال: فقرأت عليه؟ قال: لا، قال: فأجاز لك؟ قال نعم. وكتب عنه على معنى الاعتبار ولم يحدث عنه" (^٢). هكذا ذكرها أبو حاتم بصيغة التمريض. فهذه الرواية تفيد أن بشر بن شعيب أخذ عن أبيه إجازة، وأن رواية الإمام أحمد عنه كان للاعتبار به ولم يكن يحدث عنه. لكن قال الذهبي: هذه القصة ليست بصحيحة، فإن أبا حاتم رواها بلا سماع من أحمد بل قال: ذُكر لي أن أحمد سأله. ا. هـ (^٣). وتعقب الحافظ ابن حجر قول أبي حاتم أن الإمام أحمد لم يحدث عنه وإنما كتب عنه على معنى الاعتبار بأن حديثه عنه ثابت في المسند (^٤).
_________________
(١) أشار إلى هذه الشروط الحافظ الذهبي سير أعلام النبلاء ٧/ ١٩٠.
(٢) الجرح والتعديل ٢/ ٣٥٩.
(٣) ميزان الاعتدال ١/ ٣١٨.
(٤) تهذيب التهذيب ١/ ٤٥٢.
[ ١ / ٤٩٢ ]
وقال أبو زرعة الرازي: قال لي محمد بن عوف الحمصي (^١): "قال لي أحمد ابن حنبل عند ما قدم علينا: تأتي بشر بن شعيب فتسأله أن يخرج إلي كتب أبيه، فأتيته فعرفته مكان أحمد، وعظّمت مكانه عنده فقلت له: إنه يسألك أن تخرج إليه كتب أبيك للنظر فيها. فقال لي: أنا لم أسمع من أبي شيئًا، فأتيت أحمد فأخبرته فردّني إليه وقال: هؤلاء يرون الإجازة سماعًا ويروونه، فأنا أرى احتماله والسماع منه. فأتيت بشرًا فسألته أن يخرج ذلك إليه وأعلمته أني قد أعلمته أنك لم تسمع من أبيك شيئًا. فقال لي بشر: فليس الرجل إذًا كما وصفت، ولو كان كما وصفت لم ير الكتابة عني لأني لم أسمع من أبي شيئًا، فأعلمته ما احتج به أحمد وذهبت إليه حتى نظر في كتبه وسمع منه" (^٢).
فالإمام أحمد تبين عنده أن تحمل بشر من أبيه كان بالإجازة ومع ذلك اعتمدها، وذلك بناء على أمرين:
الأول: ما ذكره في رواية أبي زرعة هذه من أن عادة أهل الشام أنهم يرون الإجازة سماعًا فلا يتهاونون بها.
الثاني: ما ذكره الإمام أحمد في رواية أبي داود: "كتبت عنه قدر سبعين حديثًا، ولم يكن صاحب حديث ولكن كتب أبيه كانت عنده" (^٣)، فذكر علة روايته عنه، وهي كون كتب أبيه كانت عنده، وما دام المقصود من الرواية العلم بصحة نسبة المروي إلى المروي عنه فبأي صفة من صفات الأداء حصل هذا العلم حصل المطلوب، وكتب شعيب كانت معروفة ومضبوطة وكانت عند بشر كما قال الإمام أحمد: نظرت في كتب شعيب، كان ابنه يخرجها إليّ ا. هـ (^٤).
_________________
(١) أبو جعفر الحمصي. قال عنه الحافظ ابن حجر: ثقة حافظ تقريب التهذيب ٦٢٤٢.
(٢) سؤالات البرذعي ضمن كتاب "أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية" ٢/ ٧٤٧ - ٧٤٨.
(٣) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٦٦ رقم ٣٠٦ ج.
(٤) تهذيب الكمال ١٢/ ٥١٨.
[ ١ / ٤٩٣ ]
وموقف الإمام أحمد هذا من أن رواية بشر عن أبيه كانت بالإجازة موافق لما قاله يحيى بن معين (^١)، وأبو زرعة الرازي. وقال أبو زرعة: سماع بشر بن شعيب بن أبي حمزة كسماع أبي اليمان إنما كان إجازة (^٢).
وأما ما ذكره أبو اليمان، من أن بشر بن شعيب قد سمع من أبيه كتبه، وذلك بشهادة أبيه كما رواه أبو زرعة الدمشقي: "أخبرني الحكم بن نافع قال: كان شعيب بن أبي حمزة عسرًا في الحديث، فدخلنا عليه حين حضرته الوفاة قال: هذه كتبي قد صححتها فمن أراد أن يأخذها فليأخذها، ومن أراد أن يعرض فليعرض، ومن أراد أن يسمعها من ابني فليسمعها فقد سمعها مني" (^٣)، وقريب منه ما رواه الفسوي عن أبي اليمان أيضًا (^٤)، فيمكن أن يجاب عنه بما ذكره الإمام أحمد من أن أهل الشام كانوا يرون الإجازة سماعًا، فتعبير شعيب عن تحمل ابنه بأنه سماع محمول على هذا جمعًا بينه وبين ما تقدم عن الإمام أحمد عن سماع بشر من أبيه.
من روى عن شيخه بالإجازة مع عدم إحضار الكتاب المجاز، منهم:
أبو اليمان الحكم بن نافع البهراني الحمصي وروايته عن شعيب بن أبي حمزة:
قال أحمد عن أبي اليمان: صالح، وقد أكثر عنه (^٥). واختلفت أقوال الإمام أحمد في طريقة تحمله عن شيخه شعيب بن أبي حمزة، وهي راجعة إلى ثلاث روايات:
_________________
(١) ذكره عنه العلائي في جامع التحصيل ص ١٤٦.
(٢) الجرح والتعديل ٢/ ٣٥٩.
(٣) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٣٤ رقم ١٠٥٥.
(٤) انظره في سير أعلام النبلاء ٧/ ١٩٠.
(٥) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٧٧ رقم ٣٠٦/أ.
[ ١ / ٤٩٤ ]
الأولى: قال المروذي: "قال أبو عبد الله: شعيب بن أبي حمزة كان لا يكاد يحدث، فلما حضرته الوفاة قال: اجمعوا لي فلانًا وفلانًا، فاجتمع بقية، ويقولون أبو اليمان، وقد ذكروا علي بن عياش، فلا أدري كان أم لا؟ فقال: هذه كتبي ارووها عني، فكان أبو اليمان يقول: حدثني شعيب، ولا أدري كان معهم أم لا؟ " (^١).
ومثل هذا رواية ابنه عبد الله (^٢). وفي رواية أخرى لعبد الله: "قلت كيف سماع أبي اليمان منه؟ قال: كان يقول: أخبرنا شعيب. قلت: فسماع ابنه؟ قال: كان يقول: حدثني أبي. قلت سماع بقية؟ قال شيء يسير … " (^٣).
فهتان الروايتان تفيدان أن شعيبًا أجاز للجماعة الحاضرين رواية كتبه الحاضرة وقت الإجازة، وهذه أعلى أنواع الإجازة المجردة من المناولة - أي إجازة لمعين في معين (^٤) - إلا أن الإمام أحمد نفى علمه بكون أبي اليمان مع هؤلاء الجماعة أم لا، كأنه لم يثبت عنده نقل الذين ذكروا أن أبا اليمان حضر ذلك المجلس. واختلف عنه في الصيغة التي يذكرها أبو اليمان عند الرواية عن شعيب: هل هي حدثنا أو أخبرنا؟
الثانية: قال أبو بكر الأثرم: "سمعت أبا عبد الله وسُئل عن أبي اليمان، وكان الذي سأله قد سمع منه، فقال له: أي شيء تنبش على نفسك؟ ثم قال أبو عبد الله: هو يقول أخبرنا شعيب، واستحل ذلك بشيء عجيب. قال أبو عبد الله: كان أمر شعيب في الحديث عسرًا جداًّ، وكان علي بن عيّاش سمع منه، وذكر
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٣٢ رقم ٢٣٣.
(٢) المصدر نفسه ١/ ٩٩ رقم ٢٢٩.
(٣) المصدر نفسه ٢/ ٤٩٦ رقم ٣٢٧٧.
(٤) علوم الحديث ص ١٥١.
[ ١ / ٤٩٥ ]
قصة لأهل حمص أُراها أنهم سألوه أن يأذن لهم أن يرووا عنه، فقال لهم: لا ترووا هذه الأحاديث عني. قال أبو عبد الله: ثم كلموه وحضر ذلك أبو اليمان، فقال لهم: ارووا تلك الأحاديث عني. قلت لأبي عبد الله: مناولة؟ فقال: لو كان مناولة، لم يعطهم كتبًا ولا شيئًا، إنما سمع هذا فقط، فكان ابن شعيب يقول: إن أبا اليمان جاءني فأخذ كتب شعيب مني بعد، وهو يقول: أخبرنا، فكأنه استحل ذلك بأن سمع شعيبًا يقول لقوم ارووه عني" (^١).
فهذه الرواية تفيد أن أهل حمص كلموا شعيبًا في أن يأذن لهم أن يرووا عنه كتبه في مجلسين، وحضور أبي اليمان كان في المجلس الثاني، حيث أذن لهم، وليس هناك مناولة للكتب وإنما أحال على كتبه التي سألوه في المجلس الأول الذي لم يحضره أبو اليمان، لكن لما كانت الكتب معروفة أخذها أبو اليمان من بشر بن شعيب فكان يرويها بالإجازة، وهذه الإجازة ظاهرها أنها في غير معين في حق أبي اليمان، وهذا وجه إنكار الإمام أحمد على أبي اليمان، فإن قوله: واستحل ذلك بشيء عجيب قاله على وجه الإنكار كما قال ابن رجب (^٢).
الثالثة: قال صالح بن أحمد بن حنبل قال: سمعت القاسم بن أبي صالح يقول: سمعت إبراهيم بن الحسين - وهو ابن ديزيل - يقول: "سمعت أبا اليمان الحكم بن نافع يقول: قال لي أحمد بن حنبل كيف سمعت الكتب من شعيب بن أبي حمزة؟ قلت: قرأت عليه بعضه، وبعضه قرأه عليّ، وبعضه أجازه لي، وبعضه مناولة، فقال: قل في كله: أخبرنا شعيب" (^٣).
_________________
(١) تهذيب الكمال ٧/ ١٤٩.
(٢) شرح علل الترمذي ١/ ٥٢٤.
(٣) الكفاية ص ٤٧٦، تهذيب الكمال ٧/ ١٥٠. ورواها الخطيب من وجه آخر عن إبراهيم ابن الحسين بن ديزيل.
[ ١ / ٤٩٦ ]
فهذه الرواية تفيد أن الإمام أحمد شافه أبا اليمان بالسؤال عن كيفية سماعه لكتب شعيب، فذكر أنه سماع، وعرض، وإجازة، ومناولة. ويؤيدها ما رواه أبو زرعة الدمشقي قال: "أخبرني الحكم بن نافع قال: كان شعيب بن أبي حمزة عسرًا في الحديث، فدخلنا عليه حين حضرته الوفاة قال: هذه كتبي قد صححتها فمن أراد أن يأخذها فليأخذها، ومن أراد أن يعرض فليعرض، ومن أراد أن يسمعها من ابني فليسمعها فقد سمعها مني" (^١).
وهذه الرواية تقضي على بقية الروايات لأنها من صاحب القصة، وغيرها أخذها الإمام أحمد بواسطة عن صاحب القصة، ثم إنها في الظاهر هي المتأخرة بدليل أنه لا يستقيم من الإمام أحمد سؤاله لأبي اليمان عن كيفية سماعه من شعيب إلا وقد تقدم منه عدم علمه بذلك، وقد كان يقول لا يدري هل كان أبو اليمان حاضرًا في مجلس إجازة شعيب أم لا؟ كما في الرواية الأولى فناسب أن تتأخر هذه - أي الثالثة - عنها. وكذلك ما ورد عنه في الرواية الثانية من إنكاره لأبي اليمان قوله: أخبرنا فيما تحمله من شعيب بإجازة مع عدم حضور الكتب المجازة، وكونه ما أخذ الكتب إلا من بشر بن شعيب، إنما جاء ذلك قَبل مشافهته أبا اليمان بالسؤال عن كيفية سماعه من شعيب أيضًا.
فاتضح أن إنكار الإمام أحمد حين أنكر على أبي اليمان موجه إلى روايته عن شعيب بالإجازة التي لم يصحبها إحضار الكتاب المجاز، ثم تبين له بعدُ أن أبا اليمان قد كان بعض تحمله من شعيب سماعًا، وبعضه عرضًا إلخ كما تقدم.
وأما الحافظ ابن رجب فأجاب بأن حديث شعيب كان معروفًا عندهم، وأذن لهم في روايته عنه، فلا حاجة إلى إحضاره ومناولته، وحديث أبي اليمان عن
_________________
(١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٣٤ رقم ١٠٥٥.
[ ١ / ٤٩٧ ]
شعيب متفق على تخريجه في الصحيحين (^١)، فظاهر ما ذهب إليه ابن رجب أن أبا اليمان لم يسمع من شعيب، كأنه لم يعتبر ما رواه ابن ديزيل عن أحمد من أن أبا اليمان قد سمع بعض حديث شعيب منه سماعًا وبعضه عرضًا، ويؤيد كونه سمع منه تصريح أبي اليمان بالتحديث في بعض ما يرويه عن شعيب (^٢).
من روى عن شيخه مكاتبة:
والمكاتبة من أقسام التحمل، وهي أن يكتب الشيخ حديثه بخطه أو يأذن لمن يثق به بكتبه ويرسله بعد تحريره إلى الطالب أو يكتب له ذلك وهو حاضر، وقد تكون مقرونة بالإجازة وقد تكون مجردة عنها، وأما الأولى فتشبه المناولة المقرونة بالإجازة - أي لا يتقدمها من صفات التحمل إلا السماع والعرض، وأما الثانية فقد أجازها كثير من المتقدمين والمتأخرين والقول بالجواز هو المشهور عند أهل الحديث (^٣). وهذه الصفة في التحمل يدخلها الخلل من الجهة التي يدخل على سائر صفات التحمل ما عدا السماع والعرض، وهو كثرة وقوع التصحيف بها، لأن الكتب كانت في الأولى غير منقوطة ولا مشكولة. ثم هي وإن قيل فيها إنها تشبة المناولة إلا أنها دونها في الحقيقة لأن اليقين غير حاصل في المكتابة بكون الكتاب كتاب المحدث، فقد يكون الخط غير خط المحدث ولا خط من كتبه بحضرته، لأن الخطوط تتشابه، فكلما قوي اليقين بكون الخط خطَ المحدث قوي اعتمادها، وكلما ضعُف هذا اليقين ضعُف الاعتماد. ومن ثم اشترط لصحة الرواية بها معرفة المكتوب إليه أن هذا كتاب فلان بمعرفة خط الكاتب تحقيقًا أو
_________________
(١) شرح علل الترمذي ١/ ٥٢٤.
(٢) انظر أمثلة ذلك فيما حرره د. صالح الرفاعي في مسئلة سماع أبي اليمان من شعيب الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم ص ١٣٢ - ١٣٣.
(٣) علوم الحديث ص ١٦٥، فتح الباري ١/ ١٥٤، فتح المغيث ٣/ ٣ - ٦.
[ ١ / ٤٩٨ ]
على الظن الراجح (^١).
وقد روى الإمام أحمد بالمكاتبة خارج المسند (^٢)، أما في المسند فلم أقف عليه واحتج أصحاب أحمد لصحة الرواية بها بأن أبا مسهر وأبا توبة كتبا إليه بأحاديث وحدث بها (^٣). وقد أشار إلى بعض الرواة بأن سماعهم من شيوخهم بالمكاتبة من غير سماع، وجعل هذا سبب وقوع المنكرات في مرويات بعض هؤلاء.
وممن ذكر الإمام أحمد أنه روى عن شيخه بالمكاتبة بلا سماع:
١. يزيد بن أبي حبيب عن الزهري:
قال عبد الله: قال أبي: ولم يسمع يزيد بن أبي حبيب من الزهري، إنما كتب إليه بكتاب، وكان يقول: كَتَب إليّ الزهري (^٤). وقال أحمد أيضًا: يزيد بن أبي حبيب عن الزهري كتاب، إلا ما سمى بينه وبين الزهري (^٥) أي إلا ما رواه عنه بواسطة.
وقد روى الإمام أحمد في المسند من حديث يزيد بن أبي حبيب عن الزهري، وهو حديث كعب بن مالك "أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يُسافر، لا يسافر إلا يوم الخميس" (^٦)، وقد تابعه يونس عن الزهري (^٧). ولم أقف على غيره.
وقد أخرج مسلم ليزيد بن أبي حبيب من حديثه عن الزهري، ولم يخرج له البخاري (^٨).
_________________
(١) المسودة ص ٢٥٩، شرح الكوكب المنير ٢/ ٥١٧.
(٢) انظر من أمثلة ذلك في العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله رقم ١١٤٣، ١٦٩٥.
(٣) شرح الكوكب المنير ٢/ ٥١٦.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١٥١ رقم ٤٦٧١.
(٥) المصدر نفسه ١/ ٥٣٨ رقم ١٢٧٣.
(٦) المسند ٤٥/ ١٥٩ ح ٢٧١٧٨.
(٧) انظر: المسند ٢٥/ ٥٩ ح ١٥٧٨١. وهو عند البخاري فتح الباري ٦/ ١١٣ ح ٢٩٤٩.
(٨) انظر: تهذيب الكمال ٣٢/ ١٠٤.
[ ١ / ٤٩٩ ]
ولم أقف عن الإمام أحمد أنه نسب يزيد بن أبي حبيب إلى رواية المناكير عن الزهري، فأثر تنصيص الإمام أحمد أنه روى عن الزهري مكاتبة يظهر عند الاختلاف بينه وبين سائر أصحاب الزهري، فرواية من روى عنه سماعًا أو عرضًا مقدمة على روايته (^١).
٢. محمد بن كثير المصيصي (^٢) عن معمر:
قال صالح بن أحمد بن حنبل: "قال أبي: محمد بن كثير لم يكن عندي ثقة، بلغنى أنه قيل له: كيف سمعت من معمر؟ قال: سمعت منه باليمن، بعث بها إلي إنسان من اليمن" (^٣).
وقال عبد الله: ذكر أبي محمد بن كثير المصيصي، فضعّفه جداًّ وقال: سمع من معمر ثم بعث إلى اليمن فأخذها فرواها، وضعف حديثه عن معمر جداًّ، وقال: هو منكر الحديث أو قال: يروى أشياء منكرة" (^٤).
وأنكر الإمام البخاري له حديثًا وقال: "وكان أحمد بن حنبل يحمل على
_________________
(١) وقد خطّأ أبو زرعة رواية ليزيد بن أبي حبيب عن الزهري خالف فيها رواية ابن المبارك عن يونس عن الزهري، فرجح رواية ابن المبارك عليه انظر: علل ابن أبي حاتم ١/ ١٣٠.
(٢) ضعفه أحمد، وضعفه في معمر جدًا، وقال البخاري: لين جدًا، وقال أبو داود: لم يكن يفهم الحديث. ووثقه ابن معين، وابن سعد. وقال ابن عدي: له روايات عن معمر والأوزاعي خاصة عداد لا يتابعه عليها أحد تهذيب الكمال ٢٦/ ٣٣١ - ٣٣٣. وذكر أبو زرعة الرازي أنه دُفع إليه كتاب الأزواعي في كل حديث كان مكتوب حدثنا محمد بن كثير، فقرأه إلى آخره يقول: حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، وهو محمد بن كثير الجرح والتعديل ٨/ ٧٠. علق الذهبي على هذه الحكاية فقال: هذا تغفيل يسقط الراوي به ميزان الاعتدال ٥/ ١٤٤. وقال الذهبي: مختلف فيه صدوق اختلط بآخره الكاشف ٢/ ٢١٢ رقم ٥١٢٦. وقال ابن حجر: صدوق كثير الغلط تقريب التهذيب ٦٢٩١.
(٣) الجرح والتعديل ٨/ ٦٩.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٥١ رقم ٥١٠٩.
[ ١ / ٥٠٠ ]
محمد بن كثير، ويقول: كتب إلى اليمن حتى حُمل إليه كتاب معمر فرواه" (^١).
وعن أحمد أيضًا: "ليس بشيء، يحدث بأحاديث مناكير ليس لها أصل" (^٢).
فهذه الروايات عن أحمد تدل على أن المصيصي سمع من معمر، ثم اعتمد في الرواية عنه ما بعث إليه من حديث معمر مكاتبة، فالنظر فيمن كتب له كُتب معمر، وهل صُححت بعد نقلها، وهل الذي حملها إليه ثقة يعتمد عليه في عدم العبث بها بالزيادة أو التغيير؟ وحيث إنه ليس له من الحفظ ما يجعله يميز صحيح حديث معمر فقد وقعت له مناكير وروايات لا أصل لها من حديث معمر، وذلك بسبب اعتماده على المكاتبة في نقله لحديث معمر مع ضعف اعتمادها في مثل هذه الحالة بسبب عدم معرفة الناقل والواسطة، والله أعلم.
ولم أقف عن الإمام أحمد على إعلال لحديث رواه المصيصي عن معمر.
من روى عن شيخه بالوصية:
والرواية بها غير جائزة لأنها ليست بتحديث لا إجمالًا ولا تفصيلًا، ولا تتضمن الإعلام لا صريحًا ولا كناية (^٣)، إلا أن يروي بها على سبيل الوِجادة - يقول وجدت بخط فلان - أو يكون تقدمت من العالم إجازة لمن صارت الكتب له بالوصية (^٤). ومن الرواة الذين ذكر الإمام أحمد أنهم رووا عن بعض شيوخهم بالوصية:
_________________
(١) علل الترمذي الكبير ٢/ ٨١٨، وانظر: التاريخ الكبير ١/ ٢١٨.
(٢) تهذيب الكمال ٢٦/ ٣٣١.
(٣) فتح المغيث ٣/ ١٩ - ٢٠.
(٤) الكفاية في علم الرواية ص ٥٠٤.
[ ١ / ٥٠١ ]
عبد العزيز بن أبي حازم فيما رواه عن سليمان بن بلال:
وصفه الإمام أحمد بالفقه وقال: لم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه، ولم يكن يعرف بطلب الحديث إلا كتب أبيه فإنهم يقولون إنه سمعها (^١)، وقال عنه: أرجو أنه لا بأس به، وقيل له: هو أحب إليك أو الدراوردي؟ فقال: لا، بل هو أحب إليّ، ولكن الدراوردي أعرف منه. ا. هـ (^٢).
أما ما يتعلق بروايته بالوصية فقال أبو داود: قال أحمد: "له بلية أخرى - يعني ابن أبي حازم - لم يكن بكثير الحديث، فلما مات سليمان بن بلال أوصى إليه فدفعت كتبه إليه، فأخرج أحاديث كثيرة للناس" (^٣). وقال في رواية أبي طالب: يقال إن كتب سليمان بن بلال وقعت إليه ولم يسمعها، وقد روى عن أقوام لم يكن يعرف أنه سمع منهم. ا. هـ (^٤).
وقال العقيلي عن الأثرم: "قال سمعت أبا عبد الله يُسأل عن عبد العزيز ابن أبي حازم فقيل: كيف هو؟ قال: أما روايته فيرون أنه سمع من أبيه، وأما هذه الكتب التي عن غير أبيه فيقولون: إن كتب سليمان بن بلال صارت إليه. قلت: وكان يُدلّسها؟ قال: ما أدري أخبرك" (^٥).
فتلخص من هذه الروايات أن عبد العزيز بن أبي حازم إنما عرف بالسماع من أبيه، أما غير أبيه فلم يكن يعرف بالسماع منه لأنه لم يكن معروفًا بطلب الحديث، فلما أخذ يحدث عن شيوخ لم يكن معروفًا بالسماع منهم، وكان سليمان بن بلال قد
_________________
(١) تهذيب الكمال ١٨/ ١٢٣.
(٢) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٢١ رقم ١٩٧.
(٣) الموضع نفسه.
(٤) الجرح والتعديل ٥/ ٣٨٢ - ٣٨٣. وانظر: المعرفة والتاريخ ١/ ٤٢٩.
(٥) الضعفاء للعقيلي ٣/ ٧٧٤.
[ ١ / ٥٠٢ ]
أوصى إليه كتبه دلّ ذلك على أنه روى عنهم من تلك الكتب الموصاة له، والرواية بالوصية غير صحيحة، فمن هذا الوجه وصف الإمام أحمد أمره بأنه بلية. لكن مستند الإمام فيما ذكره عن ابن أبي حازم هو بلاغ، ولذلك أجاب بلا أدري لسؤال الأثرم: هل كان ابن أبي حازم يروي تلك الأحاديث على سبيل التدليس؟
والسماع الذي نفاه الإمام أحمد قد أثبته غيره، والمثبت مقدّم على النافي. فروى ابن أبي خيثمة: "قيل لمصعب الزبيري: ابن أبي حازم ضعيف إلا في حديث أبيه؟ فقال: أو قد قالوها؟ أما هو فسمع مع سليمان بن بلال، فلما مات سليمان أوصى إليه بكتبه، فكانت عنده فقد بال عليها الفأر، فذهب بعضها فكان يقرأ ما استبان له ويدَع ما لا يعرف منها، أما حديث أبيه فكان يحفظه" (^١). فهذا مصعب الزبيري وهو بلدي ابن أبي حازم يثبت أن ابن أبي حازم سمع مع سليمان بن بلال من المشايخ، فحديثه عنهم بعد موت سليمان بن بلال مما سمع معه من هؤلاء الشيوخ لكن حفظه من كتب سليمان، فروايته لهذه الكتب ليست رواية لما لم يسمع، وحالته كحالة أيوب مع كتب أبي قلابة، فإنه أوصى بها له فجيئ بها إليه فسأل ابن سيرين: هل يرويها؟ قال له نعم، ثم قال بعد ذلك: لا آمرك ولا أنهاك (^٢) قال الخطيب: إن أيوب كان قد سمع تلك الكتب غير أنه لم يحفظها فلذلك استفتى محمد بن سيرين عن التحديث منها. ا. هـ (^٣).
وقد احتج الجماعة برواية ابن أبي حازم عن غير أبيه كما قال ابن حجر (^٤).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٦٣، ميزان الاعتدال ٣/ ٣٤٠.
(٢) الكفاية في علم الرواية ص ٥٠٣ - ٥٠٤.
(٣) الموضع نفسه.
(٤) هدي الساري ص ٤٣٠.
[ ١ / ٥٠٣ ]
من روى عن شيخه بالوجادة:
وهو رواية الراوي ما وجده من كتاب شخص فيه أحاديث يرويها بخطه ولم يلقه هو أو لقيه ولكن لم يسمع منه ذلك الذي وجده، ولا له منه إجازة ولا نحوها. قال ابن الصلاح: وهو من باب المنقطع والمرسل غير أنه أخذ شوبًا من الاتصال بقوله وجدت بخط فلان. ا. هـ (^١). فالرواية بها يدخلها ما يدخل المنقطعات من الآفة، ثم قد يكون ما وجده في كتاب الشيخ بخطه ليس هو من حديثه، وإنما ذوكر به ولو أخذ منه سماعًا لتبين له هل هو من حديثه أم لا؟ وقد أنكر يحيى بن معين مرة على علي بن عاصم حديثًا، وقال: ليس هذا من حديثك، إنما ذوكرت به فوقع في قلبك فظننت أنك سمعته ولم تسمعه، وليس هو من حديثك (^٢). وقال وكيع: لا ينظر الرجل في كتاب لم يسمعه، لا يأمن أن يعلق قلبه منه (^٣)، أي فيظنه من حديثه.
وقد أعلّ الإمام أحمد حديثًا رواه راوٍ ثقة وعلته كونه أخذه الراوي من كتاب شيخه بلا سماع.
قال الأثرم: "قلت لأبي عبد الله: تحفظ عن قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يزور البيت كل ليلة؟ فقال: كتبوه من كتاب معاذ ولم يسمعوه منه. قلت: ههنا إنسان يزعم أنه قد سمعه من معاذ، فأنكر ذلك. قال: من هو؟ قلت: إبراهيم بن عرعرة، فتغير وجهُه ونفض يدَه، وقال: كذب وزور، سبحان الله ما سمعوه منه! إنما قال فلان: كتبناه من كتابه، ولم يسمعه، سبحان الله واستعظم ذلك منه" (^٤).
_________________
(١) علوم الحديث ص ١٦٨.
(٢) شرح علل الترمذي ١/ ٥٣٤.
(٣) الكفاية في علم الرواية ص ٥٠٥.
(٤) تاريخ بغداد ٦/ ١٤٩، تهذيب الكمال ٢/ ١٨٠.
[ ١ / ٥٠٤ ]
هذا الحديث رواه الطبراني (^١) من طريق المعمري، والرامهرمزي (^٢) من طريق سليمان بن أيوب الكحال، كلاهما عن إبراهيم بن عرعرة ثنا معاذ بن هشام قال: وجدت في كتاب أبي عن قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يزور البيت كل ليلة من ليالي منى. وهو حديث غريب من حديث قتادة.
وقد أعله الإمام أحمد بأن الذين رووا الحديث عن معاذ بن هشام رووه وجادة من كتاب معاذ بن هشام، ولم يسمعوه، ومن هذا الوجه دخلته النكارة، واعتُرض على هذا الإعلال بأن إبراهيم بن عرعرة قد رواه عن معاذ سماعًا، كما صرّح بالتحديث في رواية الطبراني والرامهرمزي، فلم يقبل الإمام أحمد هذا الاعتراض لأن غير ابن عرعرة قد خالفه وقال: كتبناه من كتاب معاذ أي من غير سماع، ولم يسم هذا الغير ولم أقف على من رواه عن معاذ على الوجه الذي ذكره الإمام أحمد.
وقد مال علي بن المديني إلى نحو هذا الإعلال قال: "روى قتادة حديثًا غريبًا لا يحفظ عن أحد من أصحاب قتادة إلا من حديث هشام، فنسخته من كتاب ابنه معاذ وهو حاضر، لم أسمعه منه عن قتادة. وقال لي معاذ: هاته حتى أقرأه، قلت: دعه اليوم، قال: حدثنا أبو حسان، عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يزور البيت كل ليلة ما أقام بمنى. قال: وما رأيت أحدًا واطأه عليه. قال علي بن المديني: هكذا هو في الكتاب" (^٣).
فذكر أنه نسخه من كتاب معاذ وهو حاضر، ولم يسمعه، وأشار إلى غرابته، ولعل ابن المديني لم يحرص على سماعه من معاذ لأن معاذًا نفسه إنما رواه
_________________
(١) المعجم الكبير ١٢/ ٢٠٥ رقم ١٢٩٠٤.
(٢) المحدث الفاصل ص ٤٩٩ في باب من قال: وجدت في كتاب فلان.
(٣) تاريخ بغداد ٦/ ١٤٩.
[ ١ / ٥٠٥ ]
عن أبيه وجادة، فإنه يقول: وجدت في كتاب أبي، ولم يذكر سماعًا.
وقد اعترض الخطيب على إنكار عدم سماع ابن عرعرة لهذا الحديث من معاذ قال: وما الذي يمنع أن يكون إبراهيم بن محمد بن عرعرة سمع هذا الحديث من معاذ مع سماعه منه غيره؟ (^١). ووافقه الذهبي وقال: صدق أبو بكر، وإبراهيم من كبار طلبة الحديث المعنيين به (^٢).
ويندفع هذا الاعتراض ويتأيد ما ذهب إليه الإمام أحمد بأن البيهقي قد روى عن المعمري - أحد من روى الحديث عن ابن عرعرة - من غير طريق الطبراني، فقال فيه: ثنا ابن عرعرة قال: دفع إلينا معاذ بن هشام كتابًا، وقال: سمعته من أبي ولم يقرأه قال: فكان فيه عن قتادة … فذكره (^٣). فظهر أن ابن عرعرة لم يسمع الحديث من معاذ، وإنما أخذه من كتابه كما قال الإمام أحمد، فاستقام وجه إعلاله للحديث، والله أعلم.
وقد روي مثلُ متنِ الحديث من مرسل طاووس، رواه ابن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه أن النبي ﷺ كان يزور البيت كل ليلة (^٤)، وذكره البيهقي أنه في جامع الثوري عن ابن طاووس به مرسلًا أيضًا (^٥). وقد رواه الطبراني من طريق عمر بن رياح، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: [كان رسول الله ﷺ يزور البيت كل ليلة من ليالي منى، ثم يطوف ويصلي ركعتين لطوافه، ويرجع إلى منى قبل أن يدركه الصبح] (^٦).
_________________
(١) الموضع نفسه.
(٢) سير أعلام النبلاء ١١/ ٤٨٢.
(٣) السنن الكبرى ٥/ ١٤٦.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٢٨٨ ح ١٤٢٨٤.
(٥) الموضع السابق.
(٦) المعجم الأوسط ٦/ ١٩٧ ح ٦١٧٦.
[ ١ / ٥٠٦ ]
وعمر بن رياح قال فيه الفلاس دجال، وقال ابن عدي: يروي عن ابن طاووس بالبواطيل ما لا يتابعه أحد عليه (^١). فالصحيح أنه مرسل.
ومثال آخر ما تقدم عن الإمام أحمد فيما رواه عنه أبو زرعة الدمشقي:
قال أبو زرعة: قلت له - يعني أحمد بن حنبل ـ: فحديث عطاء بن يسار، عن ميمونة - حدثت به أبا عبد الله - أعني في المسح أيضًا؟ قال: ذاك من كتاب. قلت لأبي عبد الله: أي شيء ذهب أهل المدينة في المسح أكثر من ثلاث ويوم وليلة؟ قال: لهم فيه أثر، وقال لي أبو عبد الله أحمد بن حنبل: حديث خُزيمة بن ثابت مما لعله أن يدل على - يعني حجة لهم، قوله: ولو استزدته لزادني" (^٢).
وحديث عطاء بن يسار رواه أبو بكر الحنفي، عن عمر بن إسحاق بن يسار
ـ أخي محمد بن إسحاق بن يسار - قال: قرأت كتابًا لعطاء بن يسار مع عطاء بن يسار قال: سألت ميمونة زوج النبي ﷺ عن المسح، قالت: قلت: يا رسول الله! كل ساعة يمسح الإنسان على الخُفين ولا يخلعهما؟ قال: "نعم". أخرجه الدارقطني (^٣).
وهذا الحديث لم يقبله الإمام أحمد لأنه من كتاب، أي هو وجادة، وإن كان قرئ بحضرة صاحب الكتاب، لكن ليس فيه أنه أجازه له، فقد يكون أصل الحديث أخذه مذاكرة فلم ير أن يجيز للحاضرين روايته. ففي صنيع الإمام أحمد هذا رد لما رواه الراوي بطريق الوجادة، وهو الشاهد.
_________________
(١) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ١٧٠٧.
(٢) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٦٣١ رقم ١٨٢٤، ١٨٢٦ - ١٨٢٧. وانظر: الإمام في أحاديث الأحكام ٢/ ١٩٤، تنقيح التحقيق ١/ ١٨٨ - ١٨٩. وتقدم في ص ١٣١.
(٣) السنن ١/ ١٩٩.
[ ١ / ٥٠٧ ]
وممن تكلم في حديثه عن شيخه بأنه كتاب بلا سماع:
١. الحكم بن عُتيبة عن مِقسم:
جعله الإمام أحمد أثبت الناس في إبراهيم (^١)، وفي سماعه من مِقسم مولى ابن عباس كلام. قال عبد الله: سمعت أبي يقول: "الذي يصحح الحكم عن مقسم أربعة أحاديث ثم ذكرها. قال عبد الله: فما روى غير هذا؟ قال: الله أعلم، يقولون كتاب، أرى حجاجًا روي عنه عن مقسم عن ابن عباس نحوًا من خمسين حديثًا" (^٢).
وقال أبو داود: "ثنا أحمد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: لم يسمع الحكمُ حديثَ مِقسم في الحجامة في الصيام - يعني حديث شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم" (^٣). قلت لأحمد: رواية الحكم عن مِقسم عمّن أخذه؟ قال: يقولون عن كتاب" (^٤).
وقال عبد الله: "حدثني أبي قال: سمعت يحيى قال: قال شعبة: لم يسمع
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٣٥٢ رقم ٥٥٥٧.
(٢) المصدر نفسه ١/ ٥٣٦ رقم ١٢٦٩.
(٣) أخرجه النسائي السنن الكبرى ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥ ح ٣٢٢٦، ٣٢٢٧، والطيالسي ص ٣٥٣ ح ٢٦٩٨، وابن الجعد مسند ابن الجعد ٦٢ ح ٣١٨، وأحمد المسند ٤/ ٧١ ح ٢١٨٦، ٤/ ٣٢٤ ح ٢٥٣٦، ٤/ ٣٥٨ ح ٢٥٩٤، ٥/ ٢٧٩ ح ٣٢١١، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٠٨ ح ٩٣١٤، وابن الجارود ٢/ ٣٧ ح ٣٨٨. وتابعه يزيد بن أبي زياد عن مقسم، عن ابن عباس به. رواه النسائي السنن الكبرى ٢/ ٢٣٤ ح ٣٢٢٥، ٣٢٢٦، وأحمد المسند ٤/ ٢٥٦ ح ٢٥٨٩، والطحاوي شرح معاني الآثار ٢/ ١٠١، والطبراني المعجم الكبير ١١/ ٤٠٢ ح ١٢١٣٧. قال النسائي: يزيد بن أبي زياد لا يحتج به والحكم لم يسمعه من مقسم. وفي بعض الروايات عن الحكم وعن يزيد زيادة: محرم، أي وهو صائم محرم. ولفظ الحديث ثابت من طريق آخر عن ابن عباس: أخرجه البخاري من حديث أيوب عن عكرمة عن ابن عباس فتح الباري ٤/ ١٧٤ ح ١٩٣٨، ١٩٣٩.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٦ رقم ٢٠٣٠.
[ ١ / ٥٠٨ ]
الحكم حديث مِقسم في الحجامة في الصيام عن مِقسم" (^١).
فهذا الحديث رواه الحكم عن مِقسم من كتاب، ولم يسمعه منه. وله عنه غير هذا الحديث كلها أخذها من كتاب ما عدا الأربعة التي ذكرها شعبة (^٢)، وقد تقدم عن الإمام أحمد أن حجاج بن أرطاة روى عن الحكم عن مقسم نحوًا من خمسين حديثًا، وخرّج عددًا منها أحمد في المسند (^٣) من طريق حجاج ومن طريق غيره عن الحكم.
ومع رواية الحكم لها وجادة فقد قدمه الإمام أحمد على يزيد بن أبي زياد في مِقسم لثقته وإتقانه.
قال أبو داود: "قلت لأحمد: يزيد - يعني ابن أبي زياد أحب إليك عن مِقسم أو الحكم؟ قال: الحكم في كل شيء. قلت لأحمد: ذكرتَ أن الحكم في
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٩٣ رقم ٤٣٣٣.
(٢) وقد ذكرها الإمام أحمد العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥٣٦ رقم ١٢٦٩. وذكر علي بن المديني، عن القطان، عن شعبة قال: لم يسمع الحكم من مِقسم إلا خمسة أحاديث جامع الترمذي ٢/ ٤٠٦.
(٣) انظر: ح ١٩٥٩: ذكر الأرنؤوط ما يشهد له، ح ١٩٦٦: تفرد به من طريق حجاج عنه، وضعفه الأرنؤوط، ح ٢٠٥١: توبع عن ابن عباس متابعة قاصرة، ح ٢٠٧٩: تابعه منصور عن مقسم، ح ٢٠٩٩: توبع عن ابن عباس متابعة قاصرة، ح ٢١٨٥: له طرق عن ابن عباس ذكرها الأرنؤوط، ح ٢٢٢٧: توبع عن ابن عباس أيضًا، ح ٢٢٣٠: تفرد به وضعفه الأرنؤوط، ح ٢٢٣١: وله شواهد، ح ٢٢٣٢: ولم يتابع، ح ٢٢٥٣: له شاهد، ح ٢٢٥٥: تابع الحكم فيه ميمون بن مهران عن مقسم، ح ٢٢٨٤: تابع الحكم حسين بن عبد الله الهاشمي عن عكرمة عن ابن عباس ح ٢٣٥٧، ح ٢٣٠٦: توبع من طريق عطاء عن ابن عباس ح ٢٧٠١، ح ٢٣١٦: وله شواهد، ح ٢٥٠٧: توبع الحكم في بعضه من طريق سلمة بن كهيل عن الحسن العرني عن ابن عباس ح ٢٠٨٢، وفي رواية الحكم هذه تصحيف وهو من آثار الرواية من الصحف، ح ٢٦٢٠: وله شاهد، ح ٢٨٩٩: توبع الحكم انظر: ح ٢٠٩٥، ح ٣٢٨٦، ح ٣٢٨٨: وكلا الإسنادين مقرون بغيرهما، ح ٣٣٤٧: توبع في ح ٢٦٣٩.
[ ١ / ٥٠٩ ]
مقسم أحب إليك منه - يعني من يزيد، والحكم سمع من مِقسم أحاديث؟ قال: أربعةً سمع منه. قلت: فكيف تختار الحكم عليه؟ فقال: الحكم لا يُقاس إليه، يزيد يختلف عنه جداًّ" (^١).
ولعل وجه تقديم الإمام أحمد للحكم على يزيد بن أبي زياد في مقسم مع كون روايته عنه كتاب وليست بسماع أن معظم أحاديث الحكم عن مِقسم لها أصل عن ابن عباس أو غيره، وما ذلك إلا لثقته وإمامته.
ولم يخرج الشيخان شيئًا من حديث الحكم بن عتيبة عن مقسم (^٢).
٢. أبو الأحوص سلاّم بن سُليم الحنفي عن أبي إسحاق السبيعي:
وأبو الأحوص وثقه الإمام أحمد، قال عبد الله: كان أبي إذا رضي عن إنسان وكان عنده ثقة حدّث عنه وهو حي، فحدثنا عن أبي الأحوص وهو حي. ا. هـ (^٣). وربما قال: هو أثبت من عبد الرحمن بن مهدي في حديث شعبة (^٤).
وذكر الأثرم: "قلت لأبي عبد الله: وروى - أي محمد بن معاوية المكي - عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله عن النبي ﷺ: "بدأ الإسلام غريبًا" فتبسّم كالمتعجب، ثم قال: إنما هذا زعموا أن حفصًا رواه عن الأعمش، عن أبي إسحاق، وأرى الأعمش أخطأ فيه، وأبو الأحوص إنما هو كتاب عن أبي إسحاق، من أين يحتمل مثل هذا؟ " (^٥).
هذا الحديث رواه حفص بن غياث عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن
_________________
(١) الموضع نفسه.
(٢) انظر: تهذيب الكمال ٧/ ١١٥.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٢٣٨ رقم ٣١٠.
(٤) المصدر نفسه ٢/ ٣٦٢ رقم ٢٦٠٧.
(٥) تاريخ بغداد ٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣.
[ ١ / ٥١٠ ]
أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة الجشمي، عن عبد الله بن مسعود. أخرجه الترمذي (^١)، وابن ماجه (^٢)، وأحمد (^٣)، وابن أبي شيبة (^٤)، والدارمي (^٥)، وأبو يعلى (^٦)، والبزار (^٧)، والطبراني (^٨) وغيرهم من طرق عن حفص به، ولفظه: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء"، قيل ومن الغرباء؟ قال "النزاع من القبائل".
وقال أحمد في رواية حنبل إن هذا الحديث منكر (^٩)، ولم يبين وجه النكارة. والرواية المسوقة هنا عن الأثرم وضحت ذلك حيث قال: "وأُرى الأعمش أخطأ فيه"، فجعل الخطأ من الأعمش، وذلك أنه تفرد به من بين أصحاب أبي إسحاق، وليس من المعروفين بكثرة الرواية عنه، وقد قال ابن المديني: الأعمش يضطرب في حديث أبي إسحاق (^١٠).
وإنما جعل الإمام أحمد الخطأ من الأعمش ولم يجعله من حفص بن غياث، لأن حفصًا قد توبع عن الأعمش: تابعه أبو خالد الأحمر (^١١)، ويوسف بن خالد على ما ذكره البزار. قال البزار: هذا الحديث لا نعلم رواه عن أبي إسحاق، عن
_________________
(١) الجامع ٥/ ١٨ ح ٢٦٢٩.
(٢) السنن ٢/ ١٣٢٠ ح ٣٩٨٨.
(٣) المسند ٦/ ٣٢٥ ح ٣٧٨٤.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة ٧/ ٨٣ ح ٣٤٣٦٦.
(٥) سنن الدارمي ٢/ ٣١١.
(٦) مسند أبي يعلى ٥/ ٨ ح ٤٩٥٤.
(٧) مسند البزار ٥/ ٤٣٣ ح ٢٠٦٩.
(٨) المعجم الكبير ١٠/ ٩٩ ح ١٠٠٨١.
(٩) المنتخب من العلل للخلال ص ٥٧ رقم ١١.
(١٠) شرح علل الترمذي ٢/ ٧١١.
(١١) أخرجه ابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١١٣٠، والسهمي تاريخ جرجان ١/ ٢١٦.
[ ١ / ٥١١ ]
أبي الأحوص مسندًا إلا الأعمش، ورواه عن الأعمش أبو خالد ويوسف بن خالد وغيرهما. ا. هـ (^١).
وأما رواية أبي الأحوص سلام بن سليم عن أبي إسحاق فهي متابعة للأعمش، لكن أعلها الإمام أحمد بأن رواية أبي الأحوص عن أبي إسحاق إنما هي كتاب، فدل على أن التحمل من كتاب بدون سماع قد يعتبر علة عند الإمام أحمد. وهذا الإعلال إنما يستقيم على فرض صحة الرواية عن أبي الأحوص، فإن الراوي عنه - وهو محمد بن معاوية النيسابوري المكي سئل الإمام أحمد عنه فقال: "نعم الرجل يحيى بن يحيى"، يُورِّي ولا يريد التصريح بالطعن. وعن الأثرم: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل وذُكر محمد بن معاوية النيسابوري فقال: رأيت أحاديثه أحاديث موضوعة. ا. هـ (^٢).
والشاهد أن الإمام أحمد نص على أن رواية أبي الأحوص عن أبي إسحاق إنما هي كتاب، وأن هذه قضية يمكن أن تعلّ بها الروايات التي جاءت من هذا الطريق. ولم أر هذا لغير الإمام أحمد، بل في صحيح البخاري تصريح أبي الأحوص بالتحديث من أبي إسحاق (^٣).
وقد أخرج الشيخان حديث أبي الأحوص عن أبي إسحاق كما رمز لذلك المزي (^٤).
٣. عمرو بن شعيب عن أبيه:
وقال عبد الملك بن عبد الحميد: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: عمرو
_________________
(١) مسند البزار ٥/ ٤٣٣.
(٢) الجرح والتعديل ٨/ ١٠٣ - ١٠٤.
(٣) انظر: صحيح البخاري ١٣/ ٤٦٢ ح ٧٤٨٨، ٦/ ١٦٠ ح ٣٠٣٤ - مع فتح الباري.
(٤) تهذيب الكمال ١٢/ ٢٨٣.
[ ١ / ٥١٢ ]
ابن شعيب له أشياء مناكير، إنما نكتب من حديثه نعتبره، فأما أن يكون حجة فلا" (^١).
وقال البخاري: "رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن عبد الله، والحميدي، وإسحاق بن إبراهيم يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه" (^٢).
وقال أبو داود: "سمعت أحمد قال: ما أعلم أحدًا ترك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قلت لأحمد: يُحتج بحديث عمرو بن شعيب ما كان عن غير أبيه؟ قال: لا أدري" (^٣).
فنفى الإمام أحمد الاحتجاج به، ثم نقل عنه ما يفيد الاحتجاج به، وهذا يدل على تردده فيه، وقد جاء هذا التردد صريحًا في رواية الأثرم:
قال الأثرم: "سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل سئل عن عمرو بن شعيب فقال: أنا أكتب حديثه، وربما احتججنا به، وربما وجس في القلب منه، ومالك يروي عن رجل عنه" (^٤). فالتردد في الاحتجاج به واضح، وفي هذه الرواية تقوية الإمام أحمد لعمرو بن شعيب بدليل رواية مالك عن رجل عنه، وهو من قرائن تقوية الرواة عنده (^٥).
وقال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر له عمرو بن شعيب فقال: أصحاب الحديث إذا شاؤوا احتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وإذا شاؤوا تركوه" (^٦).
_________________
(١) الضعفاء للعقيلي ٣/ ٩٩١.
(٢) التاريخ الكبير ٦/ ٣٤٢ - ٣٤٣.
(٣) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٣١ رقم ٢١٨.
(٤) الجرح والتعديل ٦/ ٢٣٨.
(٥) شرح علل الترمذي ١/ ٩٧٧.
(٦) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٣٠ رقم ٢١٦.
[ ١ / ٥١٣ ]
قال الذهبي معلقًا على هذه الرواية: هذا محمول على أنهم يترددون في الاحتجاج به، لا أنهم يفعلون ذلك على التشهي. ا. هـ (^١).
وأما ما يتعلق بسماعه من أبيه فروي عن الإمام أحمد روايتين:
أولاهما: قال أبو داود: "قلت لأحمد: عمرو بن شعيب عن أبيه، يقال كتاب؟ قال: نعم" (^٢). فهذه تفيد أن روايته عن أبيه وجادة.
الثانية: قال محمد بن علي الجوزجاني الورّاق: "قلت لأحمد بن حنبل: عمرو بن شعيب سمع من أبيه شيئًا؟ قال: يقول: حدثني أبي. قلت: فأبوه سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: نعم، أُراه سمع منه" (^٣). فهذه تفيد أنه قد سمع من أبيه، ولكنها لا تنفي أن بعض حديثه عن أبيه وجادة. فيجمع بين الروايتين بأن حديثه عن أبيه بعضه سماع وبعضه وِجادة، فحيث صرّح بالتحديث فهو مما سمع، وحيث روى بـ "عن" احتمل أن يكون من الصحيفة (^٤).
وهذا الجمع هو ما ذهب إليه أبو زرعة الرازي حيث قال: "روى عنه الثقات مثل أيوب السخيتاني، وأبي حازم، والزهري، والحكم بن عتيبة، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه عن جده وقال: إنما سمع أحاديث يسيرة وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها، وقال: ما أقل ما نصيب عنه مما روى عن غير أبيه عن جده من المنكر، وعامة هذه المناكير الذي كذا يروى عن عمرو بن شعيب إنما هي عن المثنى بن الصباح، وابن لهيعة والضعفاء" (^٥).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٥/ ١٦٨.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٤٧ رقم ٢٠٣٣.
(٣) تهذيب الكمال ٢٢/ ٦٨ - ٦٩.
(٤) انظر: تهذيب التهذيب ٨/ ٥١.
(٥) الجرح والتعديل ٦/ ٢٣٩. وتعقب الذهبي كلامه الأخير بأنه يأتي الثقات عنه أيضًا بما ينكر سير أعلام النبلاء ٥/ ١٦٩.
[ ١ / ٥١٤ ]
وقد ذهب جمع من الحفاظ إلى أن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه وجادة، منهم: ابن معين في رواية عباس عنه قال: إذا حدّث - أي عمرو بن شعيب - عن أبيه عن جده فهو كتاب، ويقول أبي عن جدي فمن هنا جاء ضعفه أو نحو هذا القول فإذا حدث عن سعيد بن المسيب، أو عن سليمان بن يسار، أو عن عروة فهو ثقة عن هؤلاء أو قريب من هذا الكلام (^١). لكن روى عنه ابن أبي خيثمة أنه أثبت له السماع بدليل حديث رواه أيوب عنه (^٢).
ومنهم علي بن المديني: قال ابن أبي شيبة: وسألت عليًا عن عمرو بن شعيب، فقال: ما روى عنه أيوب، وابن جريج فذلك كله صحيح، وما روى عمرو، عن أبيه، عن جده فذلك كتاب وجده، فهو ضعيف (^٣).
ومع كون روايته عن أبيه وجادة إلا أنهم ذكروا أن كتابه صحيح، وهو كتاب عبد الله بن عمرو بن العاص المسمي الصحيفة الصادقة (^٤)، فقد روى الساجي عن ابن معين: "عمرو بن شعيب ثقة في نفسه، وما روى عن أبيه، عن جده لا حجة فيه، وليس بمتصل، وهو ضعيف من قبيل أنه مرسل، وجَد شعيب كتب عبد الله بن عمرو فكان يرويها عن جده إرسالًا، وهي صحاح عن عبد الله بن عمرو غير أنه لم يسمعها" (^٥). وما نفاه من سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو قد أثبته الإمام أحمد في رواية محمد بن علي الجوزجاني حيث
_________________
(١) تاريخ ابن معين - برواية الدوري ٢/ ٤٤٦.
(٢) انظر: تهذيب التهذيب ٨/ ٥٣.
(٣) سؤالات ابن أبي شيبة لعلي بن المديني ص ١٠٤.
(٤) انظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ١٧٦.
(٥) تهذيب التهذيب ٨/ ٥٤.
[ ١ / ٥١٥ ]
قال: أُراه سمع منه. وقد جاءت أحاديث ووقائع صريحة في أن شعيب قد سمع جده عبد الله، ذكرها الذهبي (^١)، وابن حجر (^٢). لكن الخلاف قائم في هل سمع منه جميع ما روى عنه أم سمع بعضه والباقي صحيفة، والوجه الثاثي هو الذي أظهره ابن حجر (^٣).
وممن ذكر أن كتابه صحيح علي بن المديني. قال ابن حجر: فإذا ثبت أن كتبه صحاح غير أنه لم يسمعها، وصح سماعه لبعضها فغاية الباقي أن يكون وجادة صحيحة وهو أحد وجوه التحمل والله أعلم. ا. هـ (^٤).
ومع صحة كتبه واعتبار تحمله وجادة صحيحة فقد انحط حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده لدى الحفاظ عن ربتة مطلق الاحتجاج من أجل الوجادة، لأن الرواية بالوجادة بلا سماع يدخلها التصحيف فإن الصحف في ذلك العصر لم تكن مشكولة ولا منقوطة، بخلاف الأخذ من أفواه الرجال، وقد تكون المناكير التي أشار إليها الإمام أحمد في حديثه راجعة إلى هذا أيضًا، والله أعلم.
ولم أقف على حديث لعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أعله الإمام أحمد من أجل الوجادة، كما لم أقف على شيء من مناكيره التي أشار إليها.
مخرمة بن بكير عن أبيه:
قال أبو طالب: "سألته - يعني أحمد بن حنبل - عن مخرمة بن بكير بن عبد الله ابن الأشج، قال: هو ثقة، لم يسمع من أبيه شيئًا، إنما روى من كتاب أبيه" (^٥).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٥/ ١٧٠ - ١٧٤.
(٢) تهذيب التهذيب ٥/ ٥١ - ٥٢.
(٣) المصدر نفسه ٥/ ٥٢.
(٤) الموضع نفسه.
(٥) المراسيل ٨٣١.
[ ١ / ٥١٦ ]
فروايته عن أبيه وِجادة، أو على أرفع الأحوال وصية. ولم أقف على حديث له عن أبيه أعله الإمام أحمد بأن سماعه من أبيه وجادة (^١).
إذا كان الشيخ يحدث من كتاب غيره وهو غير حافظ لحديثه:
الأصل في المحدث إذا رام أداء شيء مما تحمله بالسماع أو القراءة أو غيرهما أن يروي من أصله الذي تحمل منه أو من الفرع المقابَل المقابَلَة المتقَنَة (^٢)، وأما إذا حدث من كتاب غيره وهو غير حافظ لحديثه فقد اختلفوا، فروي عن أيوب أن جرير بن حازم كان يقرأ عليه كتابًا لأبي قلابة، والنسخة ليست نسخة أيوب بل هي لجرير، وكان أيوب يقول: فيه ما أحفظه وفيه ما لا أحفظه؛ ولما أخذ اللصوص كتب محمد بن بكر البرساني نسخ كتب محمد بن عمرو بن جبلة، وكذلك روي عن ابن جريج والإسماعيلي جوازه (^٣). وذكر الخطيب أن عامة أصحاب الحديث يمنعون من ذلك وإن كان كتاب الغير أصلًا لشيخه لكن ليس فيه سماعه، أو كان نسخة تسكن نفسه إلى صحتها. وذهب الخطيب إلى جوازه إذا
_________________
(١) لكن وقع عند النسائي في السنن الكبرى ٢/ ١٦٦ حديثًا أخطأ فيه، والخطأ راجع إلى نوع من التصحيف، وهو من آثار الرواية من الكتب. قال النسائي: بلغني عن ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت سليمان بن يسار أنه سمع الحكم الزرقي يقول: حدثتني أمي "أنهم كانوا مع رسول الله ﷺ بمنى فسمعوا راكبًا يصرخ يقول: ألا، لا يصومنّ أحدٌ فإنها أيام أكْلٍ وشُربٍ". قال أبو عبد الرحمن: ما علمت أن أحدًا تابع مخرمة على هذا الحديث: عن الحكم الزُّرَقي والصواب: مسعود بن الحكم. ثم قال النسائي: أنبأ أحمد بن الهيثم، قال: حدثنا حرملة، قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو، أن بكيرًا حدثه عن سليمان بن يسار، أن مسعود بن الحكم حدثه عن أمه أنها قالت: "مرّ بنا راكب ونحن بمنى مع رسول الله ﷺ ينادي في الناس: لا تصومن هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب، فقالت أختي: هذا علي بن أبي طالب قلت أنا: بل هو فلان].
(٢) فتح المغيث ٣/ ١٣٤.
(٣) الكفاية في علم الرواية ص ٣٧٧ - ٣٧٨.
[ ١ / ٥١٧ ]
عرف الراوي أن الأحاديث التي تضمنتها النسخة هي التي سمعها من الشيخ وسكنت نفسه إلى صحة النقل بها وسلامتها من دخول الوهم فيها (^١).
أما الإمام أحمد فقد رُوي عنه أنه قال: ينبغي للناس أن يتقوا هذا (^٢).
وقد أنكر على بعض الرواة تحديثهم من كتب غيرهم، من ذلك ما ذكره المروذي: "سمعت أبا عبد الله قال: ما بالكوفة مثل هنّاد بن السّري، وهو شيخهم، فقيل له: هو يحدث من كتب وراّقه. فحعل يسترجع ثم قال: إن كان هكذا لم يُكتب عن هنّاد شيء" (^٣).
وكذلك أنكر على عبد العزيز الدراوردي تحديثه من كتب الناس:
قال أبو طالب: "سُئل أحمد بن حنبل عن عبد العزيز الدراوردي فقال: كان معروفًا بالطلب، وإذا حدّث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدّث من كتب الناس وهِم، كان يقرأ من كتبهم فيخطئ، وربما قلَب حديث عبد الله العمري يرويه عن عبيد الله بن عمر" (^٤). ويظهر أن هذا الذي وقع منه من قلب حديث عبيد الله العمري منشأه تحديثَه من كتب غيره، فإن تصحيف عبد الله بعبيد الله سهل، فهذا من الآثار السيئة للتحديث من كتب الغير.
وكذلك ترك حفص بن سليمان الأسدي المقرئ، لأنه كان يستعير كتب الناس فينسخها. قال عبد الله: سمعت أبي يقول: حفص بن سليمان - يعني أبا عمرو القارئ - متروك الحديث (^٥). وروى حنبل مثل ذلك عنه (^٦). ويظهر أن دليل تركه
_________________
(١) الموضع نفسه.
(٢) الموضع نفسه، وانظر: شرح علل الترمذي ١/ ٥١٣.
(٣) شرح علل الترمذي ١/ ٥١٣.
(٤) الجرح والتعديل ٥/ ٣٩٥ - ٣٩٦، المعرفة والتاريخ ١/ ٤٢٩.
(٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٨٠ رقم ٢٦٩٨.
(٦) تاريخ بغداد ٨/ ١٨٧.
[ ١ / ٥١٨ ]
لحديثه هو ما رواه عن يحيى بن سعيد أن شعبة أخبره قال: أخذ مني حفص ين سليمان كتابًا فلم يرده، قال: وكان يأخذ كتب الناس فينسخها (^١).
تتمة:
قد يكون الراوي موصوفًا بسوء الأخذ عن مشايخه لكن لعدم وجود المناكير في أحاديثه لا يؤثر ذلك في حديثه ولا في ضبطه فلا تعل مروياته بسبب طريقته في التحمل، وموقف الإمام أحمد من عبد الله بن وهب ومن حديثه يعتبر نموذجًا لهذا الأمر، فقد كان عبد الله بن وهب موصوفًا بسوء الأخذ، يدل على ذلك عدة أمور، منها:
١. أنه كان يعرض له على ابن عيينة وهو نائم، فمن أجل ذلك تركه الإمام أحمد ولم يكتب عنه. وهذا النوع من التساهل في التحمل يجعل رواية المتصف به غير مقبولة (^٢). قال عبد الله: "قال أبي: ورأيت عبد الله بن وهب بمكة رأيته رجلًا خفيفَ اللحية، قال أبي: فذكرتُ أنه كان يعرض له على ابن عيينة وهو نائم فتركته. قال أبي: وبلغني أنه كان لا يدخل في مصنفه من ذاك العرض شيئًا قال أبي: ثم كتبت بعدُ عن رجل عنه" (^٣).
وقد روى الحميدي مثل هذا في طريقة أخذ ابن وهب عن جرير بن حازم الرازي فقال الحميدي: "رأيت ابن وهب عند جرير الرازي وجرير يحتبي نائم مثقل، وابن وهب نائم مثقل، وكاتبه الأصبغ بن فرج يقرأ على جرير ويمر مر السهم في القراءة وجرير نائم وابن وهب نائم" (^٤).
_________________
(١) الجرح والتعديل ١/ ١٤٠، وانظر: العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٧٧ رقم ٤٢٥٧.
(٢) انظر: فتح المغيث ٢/ ٩٩.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ١٣٠ رقم ٤٥٥٦.
(٤) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٨٣.
[ ١ / ٥١٩ ]
٢. أنه كان يروي بالإجازة بدون إحضار الكتاب المجاز وبدون اطلاع المجيز على المجاز. قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: بلغني أن ابن وهب جاء إلى ابن عيينة فقال: يا أبا محمد! ما عرض عليك ابن أختي أول من أمس هو لي سماع" (^١). ومثله للمروذي: قال أحمد: "وأخبرني بعض أصحابنا أنه رأى ابن وهب عند ابن عيينة فقال له: الكتب التي عرضها عليك ابن أخي أرويها عنك؟ " (^٢).
والذي أخبر الإمام أحمد هو يحيى بن معين، فقد ذكر أنه حضر القصة (^٣)، وذكر ابن أبي يحيى أنه سمع رجلًا يقول ليحيى بن معين: إن أحمد حدث عنك أنك رأيت ابن عيينة أتاه ابن وهب بكتب فقال: أحدث بها عنك؟ فقال برأسه أي نعم ولم يتكلم. وفي رواية: قال له: يا أبا محمد الذي عرض عليك أمس فلان أجزها لي قال: نعم. وفي رواية أخرى أن ابن معين قال: يا شيخ هذا والريح بمنزلة، ادفع إليه الجزء حتى ينظر في حديثه. ا. هـ (^٤).
٣. أنه كان يأخذ الكتاب مما لم يسمعه، قاله المروذي عن أحمد (^٥). وهذه إذا كان هناك إذن بالرواية فهي إجازة وإلا فهي وجادة.
فهذه الروايات عن أحمد وغيره تدل على نماذج من طريقة ابن وهب في التحمل والتي عيبت عليه، والتساهل واضح في مثل هذا التحمل، وهذا الذي أدّى الإمام أحمد إلى عدم الرواية عن ابن وهب، ثم لما تبين له أمره واستقامة حديثه، وأنه في هذا التساهل كان ماشيًا على مذهب أهل بلده في تجويزهم قول:
_________________
(١) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٤٥ رقم ٢٥٥.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٤٩ رقم ٢٧.
(٣) التاريخ له - برواية الدوري ٢/ ٣٣٦.
(٤) أخرج الروايات كلها ابن عدي في الكامل ٤/ ١٥١٨.
(٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٦٢ رقم ٢٨١.
[ ١ / ٥٢٠ ]
ثنا من غير صحة السماع (^١) روى عن رجل عنه.
وقال أحمد في رواية أبي طالب الفضل بن زياد: "عبد الله بن وهب صحيح الكتب عن مشايخه الذين روى عنهم، يفصل السماع من العرض، ما أصح حديثه وأثبته! قيل له: أليس كان يسيء الأخذ؟ قال: كان سيءَ الأخذ الحق، ولكن إذا نظرت في حديثه وما روى عن مشايخه وجدته صحيحًا" (^٢).
فهذا يدل على أن طريقته في التحمل لم تؤثر في حديثه حيث لم توجد مناكير عنه، ولعل ذلك راجع إلى كونه لم يُدخل في مصنفه من العرض السيئ شيئًا كما ذكره أحمد بلاغًا، قال عبد الله: "قال أبي: وبلغني أنه كان لا يدخل في مصنفه من ذاك العرض شيئًا" (^٣). وأيضًا كان يقول فيما لم يسمعه: قال حيوة، قال فلان (^٤)، فيميزه من السماع.
وفي هذا المعنى يقول الحافظ الذهبي في ترجمة ابن وهب: "وقد تمَعقَل بعضُ الأئمة على ابن وهب في أخذه للحديث، وأنه كان يترخص في الأخذ، وسواء ترخص ورأى ذلك سائغًا، أو تشدّد، فمن يروي مئة ألف حديث ويَندُر المنكرُ في سعة ما روى فإليه المتنهى في الإتقان" (^٥). وذلك أن أبا زرعة قال: نظرت في نحو ثمانين ألف حديث من حديث ابن وهب بمصر فلا أعلم أني رأيت حديثًا له لا أصل له (^٦). وقال ابن عدي: لا أعلم له حديثًا منكرًا إذا حدث عنه ثقة من الثقات (^٧).
_________________
(١) قاله الإسماعيلي عن أهل مصر فتح الباري لابن رجب ٥/ ٤٨٠، وانظر: فتح المغيث ٢/ ٩٩.
(٢) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٨٣، الجرح والتعديل ٥/ ١٨٩.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله الموضع نفسه
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره الموضع نفسه.
(٥) سير أعلام النبلاء ٩/ ٢٢٨.
(٦) الجرح والتعديل ٥/ ١٩٠.
(٧) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ١٥٢١.
[ ١ / ٥٢١ ]
المبحث الخامس: الإعلال بالطعن في الراوي بما يخل بضبطه لكتابه.
المطلب الأول: أهمية حفظ الكتاب وتقديمه على حفظ الصدر عند الإمام أحمد.
حرص رواة الحديث على كتابة مروياتهم وعولوا على تدوينها في الصحف خشية ضياعها ونسيانها خاصة بعد أن انتشرت الروايات وطالت الأسانيد، وكثرت أسماء الرجال وكناهم وأنسابهم، واختلفت ألفاظ الروايات، فاشتدت حاجتهم إلى تقييد هذه الأمور لصعوبة حفظها على القلوب (^١)، فشاعت لديهم الكتابة، وشجعوا تلاميذهم على تقييد المرويات وتدوينها، وحثوهم على ضبط ما دونوه وتحقيقه بما يُؤمَن معه اللبس وحثوها على صيانته من أن يدخله تغيير، كل هذا عناية بالسنن والآثار وحرصًا على حفظها من الضياع أو التبديل. ولحفظ المرويات في الكتاب أهمية أخرى، وهي أنه يتمكن معه صاحبه من معاهدة محفوظه بمطالعة الكتاب والنظر فيه، كما يمنعه من الوقوع في الوهم والغلط عند التحديث إذا كان يحدث منه ويعتمده وقت التحديث.
ولهذا الاعتبار كان من منهج الإمام أحمد تقديم حفظ الكتاب على حفظ الصدر، سواء في حالة التحمل أو الأداء، فالرواة الذين يضبطون مسموعاتهم في الكتاب وقت التحمل مقدمون عنده على الذين يعتمدون على حفظ صدورهم. قال محمد بن مسلم بن وارة: "قلت لأحمد بن حنبل: أبو الوليد أحب إليك في شعبة أو أبو النضر؟ قال: إن كان أبو الوليد يكتب عند شعبة فأبو الوليد" (^٢). فلم يقدم الإمام أحمد أبا الوليد على أبي النضر إلا بشريطة أن يكون ممن يكتب عند شعبة
_________________
(١) هذا تعليل الخطيب لإباحة كتابة العلم انظر: تقييد العلم ص ٦٤.
(٢) تهذيب الكمال ٣٠/ ٢٢٩.
[ ١ / ٥٢٣ ]
مع أنه قد قال في أبي الوليد: إنه أتقن حديث شعبة (^١)، لأن أبا النضر كان قد كتب عن شعبة إملاءً كما قال الإمام أحمد (^٢)، فلا يتقدم عليه أبو الوليد مع مزيد إتقانه إلا إذا كان يضبط ما تحمله عن شعبة في كتاب كما كان يفعله أبو النضر، فحيث استويا في الوصفين يحق لأبي الوليد التقدم لما له من مزيد الإتقان، وأما حيث كانت المسئلة الإتقان في مقابل حفظ الكتاب فلا يحق في هذه الحالة تقديم الإتقان على حفظ الكتاب.
وقال حنبل: قال أبو عبد الله: "إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن فعبد الرحمن أثبت، لأنه أقرب عهد بالكتاب" (^٣). فكلٌ من وكيع وعبد الرحمن من الحفاظ المتقنين، بل إن وكيعًا أحفظ من عبد الرحمن عند الإمام أحمد، فقد قال في وكيع: ما رأيت أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع (^٤)، لكنه قدم عليه عبد الرحمن بن مهدي لأنه كان يتعاهد كتابه، لأنه صاحب كتاب.
ووجه تقديم الإمام أحمد لحفظ الكتاب على حفظ الصدر أن صاحب الكتاب أسلم من الوقوع في الغلط والوهم من الذي يعتمد على حفظه مهما بلغ في الحفظ. قال الأثرم: "سمعت أبا عبد الله يقول: كان شعبة يحفظ، لم يكتب إلا شيئًا قليلًا، وربما وهم في الشيء" (^٥)، فكأنه يجعل علة وهمه اعتماده على الحفظ وكونه لم يكتب من حديثه إلا شيئًا قليلًا.
وكان يرُجع سبب أوهام بعض الرواة إلى كونهم لم يكونون يكتبون عند
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٦٩ رقم ٢٦٤١.
(٢) تاريخ بغداد ١٤/ ٦٥.
(٣) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ص ١١.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٢٣ رقم ٥٦٧.
(٥) تاريخ بغداد ٩/ ٢٥٩.
[ ١ / ٥٢٤ ]
التحمل، وإنما كانوا يحفظون.
قال الميموني: سئل أحمد عن الحكم بن عطية فقال: لا أعلم إلا خيرًا، فقال له رجل: حدثني فلان عنه، عن ثابت، عن أنس قال: [كان مهر أم سلمة متاعًا قيمته عشرة دراهم] (^١)، فأقبل أبو عبد الله يتعجب، وقال: هؤلاء الشيوخ لم يكونوا يكتبون، إنما كانوا يحفظون، ونُسبوا إلى الوهم، أحدهم يسمع الشيء فيتوهمّ فيه (^٢).
وقد ذكر الأثرم هذا الحديث للإمام أحمد فقال: "هؤلاء الشيوخ يخطئون على ثابت، وإنما يريد الحديث الذي رواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن ابن عمر بن أبي سلمة، فقلت له: نعم، وسليمان أيضًا يرويه، فقال: نعم، ولكن حماد بن سلمة أحسن له حديثًا، قلت: وأسنده حماد ولم يسنده سليمان. قال: نعم" (^٣). ولم أقف على حديث ابن عمر بن أبي سلمة الذي أشار إليه أحمد. فهذا الراوي أخطأ في هذا الحديث، وروى حديثًا آخر عن ثابت أنكره الإمام
_________________
(١) هذا الحديث رواه أبو داود الطيالسي عن الحكم بن عطية ص ٢٧٠ ح ٢٠٢٣، ومن طريق أبي داود رواه الطبراني المعجم الكبير ٢٣/ ٢٤٧ ح ٤٩٨، وابن عدي الكامل ٢/ ٦٧٣، والخطيب موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٢١٣. وهذا مما عناه الإمام أحمد حيث قال في الحكم بن عطية: لا بأس به إلا أن أبا داود الطيالسي روى عنه أحاديث منكرة الجرح والتعديل ٣/ ١٢٦. وقال في رواية الأثرم: صالح حتى وجدت له غرائب عن ثابت عن أنس فذكر هذا الحديث موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٢١٨. وقد وثق الحكم بن عطية يحيى بن معين، وقال فيه أبو حاتم: يكتب حديثه وليس بمنكر الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي. وضعفه أبو الوليد الطيالسي ولا يحتج به، وكذلك ضعفه الخطيب البغدادي انظر: الجرح والتعديل، والكامل لابن عدي، وموضح أوهام الجمع والتفريق - المواضع السابقة من الكتب.
(٢) تهذيب التهذيب ٢/ ٤٣٦.
(٣) موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٢١٨، ورواها العقيلي أيضًا لكن وقع نقص في النسخة المخطوطة، أشار إلى ذلك محقق الكتاب الضعفاء للعقيلي ١/ ٢٧٩.
[ ١ / ٥٢٥ ]
أحمد أيضًا (^١)، وذكر أن سبب وقوع هذه المنكرات في رواياته كونه يعتمد على الحفظ ولم يكن يكتب.
وهناك وجه آخر لتقديمه لحفظ الكتاب على حفظ الصدر، وهو كون صاحب الكتاب يأتي بالحديث أتم، ولا يقع منه الخلل الذي يقع ممن يكون تحمل من شيوخه حفظًا ويضطر آحيانًا إلى حفظ المعنى دون اللفظ أو عدم ذكر الإخبار في موضعه، وإن كان صاحب الكتاب دونه في الحفظ. قال عبد الله: "كان أبي يتبع حديث قطبة بن عبد العزيز (^٢)، وسليمان بن قرم (^٣)، ويزيد بن عبد العزيز بن سياه (^٤) وقال: هؤلاء قوم ثقات، وهم أتم حديثًا من سفيان وشعبة، هم أصحاب كتب، وإن كان سفيان وشعبة أحفظ منهم" (^٥).
وكان الإمام أحمد يقدم من كان يعتمد على كتابه وقت التحديث على من كان يحدث حفظًا، ولم يكن يُحمد فعل من كان يحدث من غير كتاب، والأفضل أن يكون المحدث أصله بيده أو بيد ثقة ضابط وقت التحديث وإن كان حافظًا لما
_________________
(١) وهو حديث [أن النبي ﷺ كان يدخل المسجد وفيه المهاجرون والأنصار ما منهم أحد يرفع رأسه ولا يحل حبوته إلا أبو بكر وعمر، يتبسم إليهم ويتبسمان إليه] موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٢١٨.
(٢) وثقه أحمد في رواية عبد الله العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٧٣ رقم ٣٠٩٩. ووثقه ابن معبن، والترمذي تهذيب الكمال ٢٥/ ٦٠٨. وقال البزار: صالح وليس بالحافظ تهذيب التهذيب ٨/ ٣٧٩.
(٣) قال أحمد: لا أرى به بأسًا، ولكنه كان يفرط في التشيع الضعفاء للعقيلي ٢/ ٥٠٢. وضعفه ابن معين، والنسائي. وقال أبو زرعة: ليس بذاك. وقال أبو جاتم: ليس بالمتين. وقال ابن حجر: سيء الحفظ يتشيع تهذيب التهذيب ٤/ ٢١٣، تقريب التهذيب ٢٦١٥.
(٤) وثقه أحمد أيضًا وجعله في التثبت مثل قطبة الموضع السابق. ووثقه ابن معين، وأبو داود، وابن حجر وغيرهم تهذيب التهذيب ١١/ ٣٤٧، تقريب التهذيب ٧٨٠١.
(٥) تهذيب الكمال ٢٥/ ٦٠٩ - ٦١٠.
[ ١ / ٥٢٦ ]
يحدث به، وكان الإمام أحمد قد وصّى يحيى بن معين عندما طلب منه الوصية: "لا تحدّث المسند إلا من كتاب" (^١).
ومن النصوص المنقولة عنه في هذا المعنى ما رواه الفضل بن زياد قال: قال أحمد بن حنبل: "ما كان أقلَّ سقطًا من ابن المبارك، كان رجلًا يحدّث من كتابه، ومن حدّث من كتاب لا يكاد يكون له سقط كثير شيء، وكان وكيع يحدث من حفظه، ولم يكن ينظر في كتاب، وكان له سقط، كم يكون حفظ الرجل! " (^٢).
وقال الميموني للإمام أحمد: قد كره قوم كتاب الحديث بالتأويل، قال: "إذًا يخطئون إذا تركوا كتاب الحديث، وقال: حدثونا قوم من حفظهم، وقوم من كتبهم، فكان الذين حدثونا من كتبهم أتقن" (^٣).
ولم يُحمد الإمام أحمد على أمية بن خالد الأزدي تحديثه من غير كتاب. قال ابن هانئ: "سمعت أبا عبد الله يُسأل عن أمية بن خالد فلم يُحمده في الحديث، وقال: إنما كان يُحدث من حفظه، لا يخرج كتابًا" (^٤).
وإذا روى الراوي الثقة عن شيخه ما يخالف ما في كتاب الشيخ فالمرجح عند الإمام أحمد هو ما ثبت في كتاب الشيخ، وهذا وجه آخر لتقديمه لحفظ الكتاب على حفظ الصدر.
قال عبد الله: قرأت على أبي: عبدة بن سليمان الكلابي قال: حدثنا سعيد، عن مطر، عن عطاء، عن ابن عمر قال: [عدة الأمة إذا طُلّقت حيضتان، فإن كانت لا تحيض فشهر ونصف]، قرأت على أبي: عبدة قال: حدثنا سعيد، عن
_________________
(١) تهذيب الكمال ١/ ١٦٥.
(٢) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٩٧.
(٣) تقييد العلم ص ١١٥.
(٤) الضعفاء للعقيلي ١/ ١٤٦.
[ ١ / ٥٢٧ ]
قتادة، عن الحسن، عن علي مثله. سمعت أبي يقول: هذا خطأ، إنما هو سعيد، عن حبيب، عن عطاء، عن عمر، وحبيب، عن الحسن عن علي، في الكتب كذا هو يعني كتب سعيد بن أبي عروبة (^١).
روى عبدة هذا الأثر عن ابن عمر، وعن علي، كلاهما من طريق سعيد ابن أبي عروبة، وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة (^٢)، عن عبدة، عن سعيد، عن مطر، عن عطاء، عن ابن عمر به. فحكم الإمام أحمد بخطأ عبدة لأن أثر ابن عمر هو في كتب سعيد بن أبي عروبة عن حبيب المعلم، عن عطاء، عن عمر، وليس هو عن مطر، عن عطاء، عن ابن عمر؛ وأثر علي هو عن حبيب المعلم، عن الحسن، عن علي، وليس هو عن قتادة، عن الحسن، عن علي كما رواه عبدة في الموضعين. وقد تابع سعيدًا أبو إسحاق الشيباني في رواية أثر علي، فرواه الشيباني عن حبيب المعلم، عن الحسن، عن علي: رواه ابن أبي شيبة عن علي بن مسهر عنه (^٣). وخطّأ الإمام أحمد رواية عبدة بن سليمان عن سعيد مع أن سماع عبدة من سعيد كان جيدًا وقبل اختلاط سعيد (^٤) لمخالفته لما في كتب سعيد بن أبي عروبة، مما يدل على ترجيحه لحفظ الكتاب على حفظ الصدر.
وقد كان الإمام أحمد ينكر دفن الكتب وكان يرى عدم جدواها، قال ﵀: "لا أعلم لدفن الكتب معنى" (^٥).
ومع تقديم الإمام أحمد لحفظ الكتاب على حفظ الصدر، فقد كان يعل بعض
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٢٨ رقم ٢٨٩١، ٢٨٩٢. وتقدم مثله في آخر مطلب الإعلال بالاختلاط ص ٣٦٤.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ١٤٦ ح ١٨٧٧٤.
(٣) المصدر السابق ٤/ ١٤٦ ح ١٨٧٦٨.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ١٦٣ رقم ٨٦.
(٥) تقييد العلم ص ٦٣.
[ ١ / ٥٢٨ ]
أحاديث الرواة أصحاب الكتب إذا وجد ما يخل بضبطهم لكتابهم، فمن ذلك:
١. أن يكون الكتاب غير منقوط ولا مشكول.
٢. أن يوقف على لحق في الكتاب.
٣. أن يترك الراوي كتابه عند الأداء ويحدث من حفظه.
٤. أن يسافر الراوي إلى بلد آخر ولا يصطحب معه كتبه فيحدث في ذلك البلد من حفظه.
فهذه الأمور يأتي بحثها في المطالب الآتية.
[ ١ / ٥٢٩ ]
المطلب الثاني: من كانت كتبه غير منقوطة ولا مشكولة.
إن من تمام ضبط الراوي لكتابه عنايته بضبط ما كتبه شكلًا ونقطًا وبخاصة في الملتبس من الألفاظ والأسماء، ويتأكد ذلك في الأسماء بالذات لأنها لا تستدرك بالقياس ولا بالسياق. قال ابن الصلاح: "ثم إن على كتبة الحديث وطلبته صرف الهمة إلى ضبط ما يكتبونه أو يحصلونه بخط الغير من مروياتهم على الوجه الذي رووه شكلًا ونقطًا، يؤمن معهما الالتباس، وكثيرًا ما يتهاون بذلك الواثق بذهنه وتيُّقظه، وذلك وخيم العاقبة، فإن الإنسان مُعرَّض للنسيان، وأول ناسٍ أول الناس، وإعجام المكتوب يمنع من استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله" (^١). وصاحب الكتاب الذي لا يعتني بهذا الجانب من الضبط لا يسلم من الوقوع في الأخطاء، وأكثر الأخطاء التي تعقب مثل هذا التفريط هو التصحيف.
وقد كان الإمام أحمد يقدّم الرواة أصحاب الشكل والتقييد لكتبهم على غيرهم، ويلحقهم بأهل الضبط والإتقان، كما تكلم في بعض الرواة الذين كانت كتبهم غير منقوطة ولا مشكولة، وكلامه فيهم وإن لم يقتض تضعيفًا لهم أو لمروياتهم إلا أنه جعلهم دون غيرهم من أهل الإتقان، وهذا يقتضي تأخيرهم عند الاختلاف والترجيح.
فمن ذلك رفعه لأمر شعيب بن أبي حمزة كما روى أبو زرعة الدمشقي قال: "وأخبرني أحمد بن حنبل قال: رأيت كتب شعيب، فرأيت كتبًا مضبوطة مقيّدة، ورفع من ذكره، فقلت: فأين هو من يونس بن يزيد؟ قال: فوقه، قلت، فأين هو من عقيل بن خالد؟ قال: فوقه. قلت: فأين هو من الزَّبيدي؟ قال: مثله" (^٢).
_________________
(١) علوم الحديث ص ١٧١ وانظر أيضًا عن ضبط الكتاب وتحقيقه: فتح المغيث ٣/ ٤٠ - ٤٧، تدريب الراوي ٢/ ٦٨ - ٧٠.
(٢) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/ ٤٣٣ رقم ١٠٥٢.
[ ١ / ٥٣٠ ]
وقال الأثرم: "قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: نظرت في كتب شعيب، أخرجها إليّ ابنه، فإذا بها من الحسن والصحة والشكل ونحو هذا" (^١).
وقال أبو زرعة: "حدثني أحمد بن حنبل قال: رأيت كتب شعيب بن أبي حمزة كتبًا مقيدة مضبوطة، ورفع من ذكره" (^٢).
فقد جعل الإمام أحمد شعيب بن أبي حمزة مع أهل الإتقان من أصحاب الزهري، وهو محمد بن الوليد الزبيدي، وقدمه على يونس وعقيل، وكلاهما من أهل المعرفة بحديث الزهري، وما ذلك إلا لصحة كتبه وجودتها.
ومن أجل صحة كتب شعيب وإتقانها صحح المحققون الرواية عنه بالإجازة. قال الذهبي: "ومن روى شيئًا من العلم بالإجازة عن مثل شعيب بن أبي حمزة في إتقان كتبه وضبطه فذلك حجة عند المحققين، مع اشتراط أن يكون الراوي بالإجازة ثقة ثبتًا أيضًا، فمتى فُقد ضبطُ الكتاب المُجاز وإتقانُه وتحريره، أو إتقان المجيز أو المجاز له، انحط المروي عن رتبة الاحتجاج به، ومتى فقدت الصفات كلُّها لم تصح الرواية عند الجمهور" (^٣). بل قال الذهبي رواية كتب شعيب بالوجادة كافٍ في الحجة، لأنها بالغة في الحسن والإتقان والإعراب.
وهذا وجه كتابة الإمام أحمد عن بشر بن شعيب بن أبي حمزة لأحاديث أبيه مع أنه لم يكن عنده بصاحب حديث، ولا كان سماعُه من أبيه بأمر متحقّق عنده، ولكنّه كتب عنه لأن كتُبَ أبيه كانت عنده، وحسن ضبطها وجودتها كافيان في جبر هذا النقص الواقع في صفة تحمّله لها. قال أبو داود: "سألت أحمد عن بشر مرة أخرى فقال: كتبت عنه قدر سبعين حديثًا، لم يكن صاحب حديث، ولكن
_________________
(١) الجرح والتعديل ٤/ ٣٤٥، وانظر: سير أعلام النبلاء ٧/ ١٨٩.
(٢) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ٢/ ٧١٥ رقم ٢٢٧٧.
(٣) سير أعلام النبلاء ٧/ ١٩٠.
[ ١ / ٥٣١ ]
كتب أبيه كانت عنده، وسمعت أحمد سئل عن كتب شعيب، هل سمعها بشر من أبيه؟ قال: ما يدريني؟ " (^١).
وقد أكثر الأمام أحمد أيضًا عن أبي اليمان كما قال لأبي داود أيضًا (^٢)، وأبو اليمان اختلف في طريقة تحمّله عن شعيب هل هو بالإجازة أم مناولة. قال المروذي: "قال أبو عبد الله: شعيب بن أبي حمزة كان لا يكاد يحدث، فلما حضرته الوفاة قال: اجمعوا لي فلانًا وفلانًا، فاجتمع بقية، ويقولون أبو اليمان، وقد ذكروا علي بن عياش، فلا أدري كان أم لا؟ فقال: هذه كتبي ارووها عني، فكان أبو اليمان يقول: حدثني شعيب، ولا أدري كان معهم أم لا؟ " (^٣). فقد أجاز شعيب الجماعة الحاضرين له في هذه الحادثة، فروايتهم عنه مناولة مقرونة بالإجازة، والإمام أحمد يتوقف في كون أبي اليمان معهم أم لا، ومع ذلك يروي عنه ويكثر من حديثه عن شعيب، وما ذلك إلا لجودة الكتب وإتقانها.
وكذلك اعتبر جماعة من محدثي أهل البصرة في درجة أهل التثبت لأن كتبهم كانت منقوطة ومشكولة.
قال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - يقول: "من يُفلت من التصحيف؟ كان يحيى بن سعيد يُشكل الحرف إذا كان شديدًا، وغير ذاك لا، وكان هؤلاء أصحاب الشكل والتقييد: عفان، وبهز، وحبان" (^٤).
وهؤلاء الثلاثة هم أهل التثبت عند الإمام أحمد. قال حنبل: "سألت أبا عبد الله عن عفان، فقال: عفان، وحبان، وبهز، هؤلاء المتثبِّتون … قلت له:
_________________
(١) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٢٦٦ رقم ٣٠٦. وانظر تعليق المحقق على سماع بشر بن أبيه واختلاف النقل عن أحمد مع ترجيحه في الحاشية رقم ٧ من الصفحة.
(٢) الموضع نفسه.
(٣) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ١٣٢ رقم ٢٣٣.
(٤) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ٢٧٠.
[ ١ / ٥٣٢ ]
فإذا اختلفوا في الحديث يرجع إلى من منهم؟ قال: إلى قول عفان، هو في نفسي أكبر، وبهز أيضًا، إلا أن عفان أضبط للأسامي، ثم حبان" (^١). وقال في بهز: "بهز بن أسد إليه المنتهى في التثبت" (^٢). وقال في حبان أيضًا: "حبّان بن هلال إليه المنتهى في التثبت بالبصرة" (^٣). وجعلهم الإمام أحمد من أهل التثبت لصحة كتبهم وحسن تقييدهم لها.
وعلى العكس من ذلك لما قيل لأبي عبد الله: "كان أبو الوليد ثبتًا؟ قال: لا، ما كان كتابه منقوطًا ولا مشكولًا، ولكنه في حديث شعبة متقن، وقال مرة: أتقن حديث شعبة" (^٤). وأبو الوليد هو هشام بن عبد الملك الطيالسي، لم يجعله الإمام أحمد في طبقة أهل التثبت لأن كتبه لم تكن منقوطة ولا مشكولة، إلا في حديث شعبة الذي كان قد أتقنه لقدرته على الحفظ، ومع ذلك لم يقدمه الإمام أحمد في حديثه عن شعبة على أبي النضر الذي كان يكتب عن شعبة إملاء، إلا بشرط أن يكون ممن يكتب عند شعبة كما تقدم (^٥)، وقد ثبت أن أبا الوليد لم يكن يكتب عند شعبة؛ شهد بذلك ابن وارة للإمام أحمد قال: "سمعت أبا الوليد يقول: بينا أكتب عند شعبة إذ بصُر بي فقال: وتكتب؟ فوضعت الألواح من يدي وجعلت أنظر إليه".
ولعدم تشكيل كتبه وتنقيطه أُثر عن أبي الوليد تصحيف في غير شيء وبخاصة في حديثه عن شيخه أبي عوانة. قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: هما كثيرا الكتاب عن أبي عوانة: يحيى بن حماد، وهشام بن عبد الملك، إلا أن يحيى بن حماد كان أروى منه. قلت له: هشام كان ثبتًا؟ قال: في حديث شعبة، وقال: هشام
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٢/ ٢٧٣.
(٢) الجرح والتعديل ٢/ ٤٣١.
(٣) الجرح والتعديل ٣/ ٢٩٧.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٦٩ رقم ٢٦٤١.
(٥) المطلب الأول من هذا المبحث ص ٥٢٣.
[ ١ / ٥٣٣ ]
صحّف في شيء من حديث أبي عوانة" (^١). وقد حدث أبو الوليد لجماعة فيهم الإمام أحمد فأخطأ أو صحّف، قال أحمد: "فرددنا عليه فرجع إلى ما قلنا له" (^٢).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣١٥ رقم ٢٣٩٦، ووقع فيه: هشام صح في شيء … والتصويب من طبعة مؤسسة الكتب الثقافية بعناية محمد حسام بيضون ١/ ٣٠٧ رقم ٢٣٠٦.
(٢) انظر: المصدر نفسه ٢/ ٣٦٩ رقم ٢٦٤٢.
[ ١ / ٥٣٤ ]
المطلب الثالث: من وُقف على لحق في كتابه.
اللَّحَق - بفتح الحاء - هو تخريج الساقط في الحواشي (^١). فإذا كان الإلحاق لما كان معلومًا جاز، كأن يكون في الأصل حديثٌ محفوظ معروف وقد سقط من إسناده رجل جاز أن يلحق بمكانه ويكتب في موضعه، لكن مع كلمة يعني ليشعر بالإلحاق، وعليه حُمل ما رواه الإمام أحمد عن وكيع: أنا أستعين على الحديث بـ "يعني" (^٢). وكذلك يجوز إلحاق ما درس من كتابه من بعض الإسناد أو المتن من كتاب غيره إذا عرف صحته وسكنت نفسه إلى أن ذلك هو الساقط من كتابه، لكن من المحدثين من لا يستجيز ذلك وإن كان ما درس معروفًا ومحفوظًا (^٣). فيفهم من هذا أن المستنكر من اللحق هو إلحاق الراوي في أصله ما ليس منه مما لم يكن معروفًا ولا محفوظًا، فإن ذلك ينبئ عن إخلال الراوي بضبطه لكتابه، لأن معنى ضبط الكتاب صيانته لديه منذ سمع منه وصحّحهُ إلى أن يُؤدِّي منه (^٤).
والذي ورد عن الإمام أحمد من إنكاره اللحق على الراوي وتضعيفه لحديثه من أجله هو من قبيل هذا اللحق المستنكر. قال عبد الله: "سئل عن محمد بن جابر، وأيوب بن جابر فقال: محمد بن جابر يروي أحاديث مناكير، وهو معروف بالسماع، يقولون: رأو في كتُبهِ لحقًا، حديثه عن حماد فيه اضطراب" (^٥). وقال في رواية
_________________
(١) علوم الحديث ص ١٧٧.
(٢) الكفاية في علم الرواية ص ٣٧١ - ٣٧٢، علوم الحديث الموضع نفسه.
(٣) الكفاية في علم الرواية ص ٣٧٣، وعلوم الحديث الموضع نفسه.
(٤) ضوابط الجرح والتعديل ص ١٣.
(٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٦٢ رقم ٤١٧٦.
[ ١ / ٥٣٥ ]
ابن هانئ: "أحاديثه عن حماد مضطربة، في كتبه لحوق" (^١). ويشهد لهذا ما رواه
ابن حبان بإسناده عن محمد بن عيسى بن الطباع قال: قال لي أخي إسحاق بن عيسى: "ذاكرتُ محمد بن جابر ذات يوم بحديث شريك، عن أبي إسحاق فرأيتُه في كتابه قد ألحقه بين السطرين كتابًا طرياًّ" (^٢). فهذا يدل على أن إلحاقه كان لأحاديث ليست في أصوله ولا هي من حديثه.
ولما أنكر الإمام أحمد حديث جرير بن عبد الله البجلي: "تبنى مدينة بين دجلة والدُّجَيل" (^٣) قال له ابنه عبد الله: إن لُوينًا حدثناه عن محمد بن جابر، فقال: "كان محمد بن جابر ربما ألحق في كتابه أو يلحق في كتابه - يعني الحديث وقال: هذا حديث ليس بصحيح، أو قال: كذب" (^٤).
والظاهر أن هذا الصنيع يُسقط الراوي، ولعل هذا وجه ترك عبد الرحمن ابن مهدي لمحمد بن جابر، فقد قال الإمام أحمد: كان عبد الرحمن بن مهدي يُحدث عن محمد بن جابر ثم تركه بعدُ (^٥). وفي هذا المعنى يقول الخطيب: إسحاق بن الحسن الحربي كتب الناس عنه ثم كرهوه لإلحاقات بين السطور في المراسيل ظاهرة الصنعة لطراوتها. ا. هـ (^٦).
ومثل هذا في الرد من غُير كتبه ولم يكن له علمٌ بذلك واستمر يحدث منها، فقد قال الإمام أحمد في الوليد بن محمد المُوقَّري (^٧): ما أظنه، أي بثقة، ولم أره
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٣٠ رقم ٢٢٦٢.
(٢) المجروحين ٢/ ٢٧٠.
(٣) تقدم في الوضع ص ١٩٧ - ١٩٨.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٧٠ رقم ٢٦٤٤.
(٥) المصدر نفسه ٢/ ٦٠ رقم ٤١٧٠.
(٦) تاريخ بغداد ٦/ ٣٨٢.
(٧) قال ابن حجر: متروك تقريب التهذيب ٧٥٠٣.
[ ١ / ٥٣٦ ]
يحمده (^١). وبليته أنه غُيّر له في كتبه ولم يكن يعلم بذلك فهو يحدث بأحايث مناكير وهو لا يعلم، قال أبو بكر الأثرم: "سمعت أبا عبد الله سئل عن الوليد بن محمد الموقري فقال: ما أُخبره، إلا أنهم زعموا أن العسكر لما دخل الشام أتاه قوم فأفسدوا حديثه، فهو يروي أحاديث، كأنه يريد مناكير. قلت لأبي عبد الله: المُوقّري يكتب حديثه؟ فقال: ما أدري أخبرك، إلا أنه له أحاديث مناكير وما أخبره" (^٢).
وقال حنبل بن إسحاق: "سألت أبا عبد الله أحمد عن المُوقري قال: ما رأيت أحدًا يحدث عنه، قلت له: كيف حديثه؟ قال: لا أدري. قلت: فهو في بدنه؟ قال: لا أدري، إلا أن رجلًا قدم عليه فغير كتبه وهو لا يعلم فمن ذلك" (^٣).
وقال عبد الله: قلت لأبي: المُوقري يجيء عنه - يعني عن الزهري - بعجائب؟ قال: ليس ذاك بشيء. ا. هـ (^٤).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٤٨٦ رقم ٣١٩٧.
(٢) تهذيب الكمال ٣١/ ٧٨.
(٣) المصدر نفسه ٣١/ ٧٧.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٣٤٩ رقم ٢٥٤٣.
[ ١ / ٥٣٧ ]
المبحث السادس: من لا يحدّث من كتابه فيَهِم في حديثه.
مما يخل بضبط الراوي لكتابه أن يدع الكتاب عند الأداء ويحدث من حفظه، وتوضيح ذلك أن الراوي عند الأداء إما أن يملي أو يحدث من حفظ أو من كتاب، أو يقرأ عليه غيرُه من حفظ أو من كتاب وهو يسمع، سواء كان حافظًا أم لا إذا كان كتابه بيده أو بيد ثقة عنده، والأرجح أن يحدث من كتاب ولا يتكل على حفظه لأن الحفظ خوّان (^١)، ولذلك قال الخطيب: "الاحتياط للمحدث والأولى به أن يروي من كتابه ليسلم من الوهم والغلط ويكون جديرًا بالبعد من الزلل" (^٢). وقال علي بن المديني: "عهدي بأصحابنا وأحفظهم أحمد بن حنبل، فلما احتاج أن يحدث لا يكاد يحدث إلا من كتاب" وقال ابن المديني أيضًا: "قال لي سيدي أحمد: لا تحدثني إلا من كتاب" (^٣). وقد حدث بعض المحدثين وهم أصحاب كتب، واتكلوا على حفظهم ولم يراجعوا كتبهم فوقعوا في أوهام، ودخل الخلل في بعض مروياتهم وضُعفت بسبب ذلك تلك المرويات. وقد كشف الإمام أحمد عن هذا الجنس من الرواة وذكر بعض الأحاديث التي وهموا فيها بسبب روايتهم لها من حفظهم دون كتابهم، فمنهم:
١. إبراهيم بن سعد الزهري أبو إسحاق المدني:
أحد الأعلام، وثقه أحمد في عدة روايات (^٤)، وأنكر على يحيى بن سعيد
_________________
(١) وهذان طريقان من طرق تحمل الحديث، وهما السماع والعرض انظر: تدريب الراوي ٢/ ٨، ١٢، فتح المغيث ٣/ ١٢٧.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ١٠.
(٣) المصدر نفسه ٢/ ١٢.
(٤) انظر: مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٣/ ١٥٥ رقم ١٥٥١، سؤالات أبي داود للإمام أحمد ص ٢٢٤ رقم ٢٠٢، تاريخ بغداد ٦/ ٨٣، تهذيب الكمال ٢/ ٩٠.
[ ١ / ٥٣٩ ]
القطان تضعيفه له (^١). لكن قال مهناّ عن أحمد: إبراهيم إنما كان يخطئ إذا حدّث من حفظه، فأما كتبه فكانت صحيحة (^٢). وذكر ابن رجب عن أحمد أنه قال: كان يحدث من حفظه فيخطئ، وفي كتابه الصواب (^٣).
وقد أنكر عليه الإمام أحمد بعض الأحاديث وجعل سبب خطئه فيها روايته لها من حفظه دون كتابه. وفيما يلي ذكرها:
ما أعله الإمام أحمد من حديثه:
١. قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يُسأل عن حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أنس عن النبي ﷺ قال: "الأئمة من قُريش" قال: ليس هذا في كتب إبراهيم، لا ينبغي أن يكون له أصلٌ (^٤).
هذا الحديث رواه ثلاثة من الرواة عن إبراهيم بن سعد، وهم:
١. أبو داود الطيالسي، وهو في مسنده (^٥)، ومن طريقه البزار (^٦)، وأبو نعيم (^٧).
٢. الحسنُ بن إسماعيل، رواه من طريقه أبو يعلى (^٨)، وعنه الضياء المقدسي (^٩).
٣. عمرو بن مرزوق، رواه من طريقه البيهقي (^١٠).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥١٩ رقم ٣٤٢٢.
(٢) المنتخب من العلل للخلال ص ١٩٧.
(٣) شرح علل ابن رجب ٢/ ٧٦٣.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٨٦ رقم ١٨٦٠، والكامل في ضعفاء الرجال ١/ ٢٤٦، ونقله المقدسي في الأحاديث المختارة ٦/ ١٤٣.
(٥) مسند أبي داود الطيالسي ص ٢٨٤ رقم ٢١٣٣.
(٦) كشف الأستار ٢/ ٢٢٨ رقم ١٥٧٨.
(٧) حلية الأولياء ٣/ ١٧١.
(٨) مسند أبي يعلى ٣/ ٤٥٩ رقم ٣٦٣٢.
(٩) الأحاديث المختارة ٦/ ١٤٣ رقم ٢١٣٨.
(١٠) السنن الكبرى ٨/ ١٤٤.
[ ١ / ٥٤٠ ]
وقد رواه البخاري تعليقًا (^١) عن إبراهيم بن سعد.
وجه إعلال الإمام أحمد للحديث:
أعله الإمام أحمد من حديث إبراهيم بن سعد، ونفى أن يكون له أصل من حديثه، واستدل لذلك بعدم وجوده في كتب إبراهيم، مما يدل على أنه ما حدث به إلا من حفظه، ومن هذا الوجه دخل الخطأ عليه، لأنه كان يحدث من حفظه فيخطئ، فما حدث به ولم يوجد له أصل في كتابه يغلب على الظن أنه مما أخطأ فيه، خاصة مع التفرد. وقد أشار البزار إلى تفرد سعد به عن أنس، قال البزار: لا نعلم أسند سعد عن أنس إلا هذا. ا. هـ (^٢)، وقال أبو نعيم: لم يروه عن سعد إلا ابنه إبراهيم. ا. هـ (^٣).
وقد روي الحديث من وجوه أخرى عن أنس وغيره من الصحابة، وقد جمع الحافظ ابن حجر طرقه في مصنف خاص (^٤)، وإنما أنكر الإمام أحمد الحديث من طريق إبراهيم بن سعد، ومعنى هذا أن الطريق لا تصلح للاعتبار بها في المتابعات والشواهد.
٢. قال صالح بن أحمد بن حنبل: حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: "إن كان في الأمم محدّثون، فإن يكن في أمتي فعمر بن الخطاب، كان يُلهم الشيء من الحق". وقوله: "السكينة تنطق على لسان عمر"، إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي هريرة، وابن عجلان يقول: عن سعد، عن أبي سلمة، عن عائشة فقال: هو في كتابه عن أبيه مرسل، وإنما حدّث به من حفظه، وهو عن عائشة (^٥).
_________________
(١) التاريخ الكبير ٢/ ١١٢.
(٢) كشف الأستار ٢/ ٢٢٨.
(٣) حلية الأولياء ٣/ ١٧١.
(٤) سماه لذة العيش بطرق الأئمة من قريش، ذكره في فتح الباري ٦/ ٥٣٠.
(٥) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٣/ ١٦١ - ١٦٢ رقم ١٥٧١.
[ ١ / ٥٤١ ]
هذا الحديث اختلف على إبراهيم بن سعد فيه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة (^١)، عن أبي هريرة: رواه من هذا الوجه البخاري عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي (^٢)، وعن يحيى ابن قزعة (^٣) كلاهما عن إبراهيم بن سعد. وتابعهما: أبو داود الطيالسي (^٤)، وسليمان ابن داود الهاشمي عند النسائي (^٥)، وفزارة بن عمر عند أحمد (^٦)، ومحمد بن عثمان أبو مروان العثماني عند القطيعي في زياداته على فضائل الصحابة (^٧)، ويعقوب ابن حميد عند ابن أبي عاصم في السنة (^٨)، وأبو مصعب الزهري عند العقيلي في الضعفاء (^٩)، وإبراهيم بن حمزة عند البغوي (^١٠)، وعباس بن الفضل البصري، ذكره الدارقطني في العلل (^١١)، وعبد الله بن وهب من طريق ابن أخيه أحمد ابن عبد الرحمن بن وهب عنه، وهو عند الطحاوي (^١٢)، فكل هؤلاء - وعددهم أحد عشر - رووه عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
ويؤيد هذا الوجه ما رواه زكريا بن أبي زائدة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ذكره البخاري تعليقًا بصيغة الجزم (^١٣)، ووصله
_________________
(١) وسقوطه في سؤال صالح خطأ، فإنه ثابت كما في مصادر التخريج.
(٢) صحيح البخاري ٦/ ٥١٢ ح ٣٤٦٩ - مع فتح الباري.
(٣) صحيح البخاري ٧/ ٤٢ ح ٣٦٨٩ - مع فتح الباري.
(٤) مسند الطيالسي ص ٣٠٨ ح ٣٢٤٨. وأخرجه من طريقه اللاكائي في كرامات الأولياء ٩٨ ح ٤١.
(٥) السنن الكبرى ٥/ ٤٠ ح ٨١٢٠، وفي فضائل الصحابة له ص ٨ ح ١٩.
(٦) المسند ١٤/ ١٧٦ ح ٨٤٦٨.
(٧) فضائل الصحابة للإمام أحمد ١/ ٣٦١ ح ٥٢٩.
(٨) السنة لابن أبي عاصم ٢/ ٥٨٣ ح ١٢٦١.
(٩) كتاب الضعفاء للعقيلي ٢/ ٦٥١.
(١٠) شرح السنة ح ٣٨٧٣.
(١١) علل الدارقطني ج ٥ ق ٨٥.
(١٢) شرح مشكل الآثار ح ١٦٥٠.
(١٣) صحيح البخاري ٧/ ٤٢ - مع فتح الباري.
[ ١ / ٥٤٢ ]
الحافظ ابن حجر من طريق أبي بكر الإسماعيلي، وأبي نعيم (^١). وقد اختلف على هذا الطريق بالوصل الإرسال أيضًا (^٢).
الوجه الثاني: إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن عائشة: رواه الإمام مسلم (^٣) من هذا الوجه عن أبي الطاهر أحمد بن أبي سرح، عن عبد الله ابن وهب، عن إبراهيم بن سعد به. وتابعه: يزيد بن عبد الله بن الهاد برواية شعيب ابن الليث بن سعد عن أبيه عنه، عن إبراهيم بن سعد به، الطحاوي (^٤)، والحاكم (^٥). وتابعه أيضًا الحكم بن أسلَم، ذكره الدراقطني في العلل (^٦). ورواه من هذا الوجه أيضًا عبد الله بن زياد بن سمعان، عن إبراهيم بن سعد، وهو عند العقيلي (^٧)، لكن ابن سمعان متهم فلا يعتبر بروايته (^٨). وفي هذه المتابعات استدراك لما قاله أبو مسعود: لا أعلم أحدًا تابع ابن وهب في قوله: عن إبراهيم ابن سعد عن عائشة، والمشهور من رواية إبراهيم بن سعد، عن أبي هريرة. ا. هـ (^٩).
ويؤيد هذا الوجه ما رواه مسلم (^١٠) من طريق محمد بن عجلان، عن سعد بن إبرهيم، عن أبي سلمة عن عائشة. وللحديث أصل من حديث عائشة من
_________________
(١) تغليق التعليق ٤/ ٦٤.
(٢) ذكره الدارقطني في علله ج ٥ ق ٧٥. فرواه موصولًا: داود بن عبد الحميد، ورواه مرسلًا يزيد بن هارون، وإسحاق الأزرق.
(٣) صحيح مسلم ٤/ ١٨٦٤ ح ٢٣٩٨.
(٤) شرح مشكل الآثار ح ١٦٥٢.
(٥) معرفة علوم الحديث ص ٢٢٠.
(٦) علل الدراقطني الموضع السابق.
(٧) كتاب الضعفاء ٢/ ٦٥١.
(٨) تقريب التهذيب ٣٢٤٦.
(٩) هدي الساري مقدمة فتح الباري ص ٣٦٦، وانظر: فتح الباري ٧/ ٥٠.
(١٠) صحيح مسلم الموضع السابق. وهو عند الإمام أحمد المسند ٤٠/ ٣٢٩ ح ٢٤٢٨٥ وغيره.
[ ١ / ٥٤٣ ]
وجه آخر عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة. أخرجه ابن أبي عاصم (^١)، والقطيعي في زياداته على فضائل الصحابة (^٢). وفي الإسناد عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو صدوق لكن تغير حفظه لما قدم بغداد (^٣)، ولا يضر هذا في الاعتبار به.
الوجه الثالث: إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة عن النبي ﷺ مرسلًا: رواه الإمام أحمد (^٤) من هذا الوجه عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد به. وذكر الدارقطني (^٥) أن ابن الهاد، ويعقوب وسعد أبناء إبراهيم، وأبو صالح كاتب الليث وغيرهم رووه عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة قال: بلغني أن رسول الله ﷺ. ا. هـ. ولم أقف على هذه الطرق غير طريق يعقوب ابن إبراهيم بن سعد.
وجه إعلال الإمام أحمد للحديث:
ذكر الإمام أحمد أن الحديث في كتاب إبراهيم بن سعد عن أبيه مرسل، وأن تحديثه للحديث عن أبيه، عن أبي سلمة، عن عائشة إنما كان ذلك من حفظه، وأما الوجه الأول من رواية الحديث - وهو إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - فلعله داخل أيضًا في الإعلال حيث إنه مخالف لما في كتاب إبراهيم بن سعد، فيكون قد أعل كلا الوجهين - الأول والثاني - بالإرسال، وصنيعه هذا مثل صنيع الدارقطني حيث استدرك على الشيخين اللذين رويا الحديث - البخاري من حديث أبي هريرة، وهو الوجه الأول، ومسلم من حديث عائشة، وهو الوجه الثاني - بالرواية المرسلة وقال: المشهور عن
_________________
(١) السنة ٢/ ٥٦٩ ح ١٢٦٢.
(٢) فضائل الصحابة للإمام أحمد ١/ ٣٥٥ ح ٥١٨.
(٣) تفريب التهذيب ٣٨٨٧.
(٤) المسند ١٤/ ١٧٧ ح ٨٤٦٩.
(٥) الإلزامات والتتبع ص ١٦٧.
[ ١ / ٥٤٤ ]
إبراهيم، عن أبيه، عن أبي سلمة مرسلًا. والإمام أحمد تفرد بالإشارة إلى وجه هذه العلة حيث أوضح أن رواية الإرسال هي الثابتة في أصل إبراهيم، وأما رواية الوصل فهي مما حدث به من حفظه. وقد ثبت أن لرواية الوصل أصلًا من حديث أبي هريرة، ومن حديث عائشة، ولذلك لم يتردد كل واحد من صاحبا الصحيح من إخراج إحداهما. وكلام الإمام أحمد ليس صريحًا في الإعلال، وإن كان ذكر أن إبراهيم إذا حدث من حفظه فإنه كان يخطئ، أما كتبه فهي صحيحة، فقد يحدث من حفظه ويكون صحيحًا خاصة إذا لم يخالف، وهنا لم يخالف، فقد وافقه على ذكر أبي هريرة زكريا بن أبي زائدة، ووافقه على ذكر عائشة محمد بن عجلان، كما وافقه أيضًا على رواية الإرسال اثنان من أصحاب زكريا بن أبي زائدة كما تقدم، فلعل الحديث كان يحدث به سعد أو أبو سلمة على هذه الأوجه الثلاثة، والله أعلم.
٣. قال أبو داود: سمعت أحمد قال: شهدتُ إبراهيم بن سعد وذَكر عن الزهري: ﴿الْمَاعُونَ﴾: المال بلسان قريش، قيل له: إنك حدثتنا به عن الزهري، عن سعيد، قال: لا، وأنكره، إنما هو عن الزهري، قال أحمد: رواه عنه غير واحد عن سعيد، قال أحمد: ربما حدّث بالشي من حفظه (^١).
هذه المسئلة روى عبد الله مثلها قال: "حدثني أبي قال: سمعت إبراهيم ابن سعد يُحدث عن ابن شهاب قال: الماعون بلسان قريش المالُ، فقال له ابنُه سعدٌ: كنتَ حدّثت عن سعيد - يعني ابن المسيّب، فأبى وقال: لا، كأنه مِن رأي ابن شهاب. قال أبي: وهو الصواب" (^٢).
وهذا التفسير رواه ابن جرير الطبري في التفسير (^٣) من طريق موسى
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠٥ رقم ١٩٠٨.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٢/ ٥٣٣ رقم ٣٥٢٢.
(٣) جامع البيان ٣٠/ ٣١٩.
[ ١ / ٥٤٥ ]
ابن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب. وتقدم عن الإمام أحمد أنه قال: رواه عنه غير واحد على هذا الوجه، وأن الصواب في هذا التفسير أنه من رأي الزهري، وهي الرواية التي استقر عليها بأخرة وأنكر غيرها. وقد رواه ابن أبي ذئب عن الزهري، أخرجه ابن أبي شيبة (^١)، والطبري (^٢) كلاهما من طريق وكيع، عن ابن أبي ذئب عن الزهري.
وفي قول الإمام أحمد: إن إبراهيم ربما حدث بالشيء من حفظه، إشارة إلى وجه دخول الخطأ في روايته لهذا التفسير عن سعيد بن المسيب، أي حينما رواه عن الزهري عن ابن المسيب ربما حدث به من حفظه فوقع في الخطأ، وهو وجه إيراد الأثر في هذا المطلب.
ولم أر لغير الإمام أحمد الكلام في حفظ إبراهيم بن سعد إذا حدث من حفظه دون كتابه.
٢. عبد الله بن يزيد القرشي، أبو عبد الرحمن المقرئ:
أثنى الإمام أحمد على حديثه عن بعض شيوخه، فقال الفضل بن زياد: "سمعت أبا عبد الله يقول: كان حديث المقرئ حسنًا عن سعيد بن أبي أيوب، وعن حيوة بن شُريح، ولكن كان يحدث من كتب الناس، وكان يحفظ حديث موسى ابن أيوب الغافقي، وحرملة بن عمران، وحبان، وما أصح حديثه عن ابن لهيعة" (^٣).
لكنه تلكم في حفظه وقال: كان حفظ المقرئ رديئًا وكنت لا أسمع منه إلا من كتاب، رواه ابنه عبد الله عنه (^٤).
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٤٢١ رقم ١٠٦٣٥.
(٢) جامع البيان ٣٠/ ٣١٩.
(٣) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٩٢.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٤٧٤ رقم ٦٠٢٦.
[ ١ / ٥٤٦ ]
وذكر الإمام أحمد أثرًا رواه من طريقه وعقّب عليه بأنه حدث به من حفظه خلافًا لما في كتابه.
قال عبد الله: وجدت في كتاب أبي بخط يده: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: حدثنا حيوة، قال: أخبرني الحجاج بن راشد الصنعاني، أن أبا صالح سعيد ابن عبد الرحمن الغفاري أخبره أن سُليم بن عتر التجيبي كان يقصُّ على الناس وهو قائم. فقال له صلة بن الحارث الغفاري: وهو من أصحاب النبي ﷺ … قال أبي: كان عندنا فيما قرأ علينا أبو عبد الرحمن من كتابه: سليمان بن عتر، فقال من حفظه: سُليم بن عتر (^١).
هذا الأثر رواه البخاري في ترجمة صلة بن الحارث الغفاري (^٢)، والطبراني (^٣)، ومن طريقه الضياء المقدسي (^٤)، وفيه ذكر تكملة قول صلة بن الحارث: [ما تركنا عهد نبينا ولا قطعنا أرحامنا حتى قمتَ أنت وأصحابك بين أظهرنا]، يشير ﵁ إلى بني أمية، فإن سُليم بن عتر كان قاضيًا لأهل مصر في ولاية عمرو بن العاص (^٥). وذكر الحافظ ابن حجر أن البغوي، ومحمد بن الربيع الجيزي، وابن السكن رووه أيضًا من طريق سعيد بن عبد الرحمن الغفاري (^٦).
وسُليم بن عتر من تابعي أهل مصر وقضاتهم، وكان من النساك، وسمع أبا الدرداء، وقد ترجم له الإمام البخاري (^٧)، وابن أبي حاتم (^٨)،
_________________
(١) المصدر نفسه ٣/ ٤٧٤ رقم ٦٠٢٨.
(٢) التاريخ الكبير ٤/ ٣٢١.
(٣) المعجم الكبير ٨/ ٧٤.
(٤) الإحاديث المختارة ٨/ ٥٢.
(٥) مسند إسحاق بن راهويه ١/ ٣٤٧ رقم ٣٤٤.
(٦) الإصابة في تمييز الصحابة ٢/ ١٩٣.
(٧) التاريخ الكبير ٤/ ١٢٥.
(٨) الجرح والتعديل ٤/ ٢١١.
[ ١ / ٥٤٧ ]
والعجلي (^١)، وابن حبان (^٢)، والأمير ابن ماكولا (^٣)، والحافظ الذهبي (^٤)، ولم يشر أحد منهم إلى أن اسمه سليمان كما ذكر الإمام أحمد أنه هو المثبت في كتاب المقرئ. وقد تابع المقرئ على تسميته سُليمًا عددٌ من الرواة المصريين منهم عبد الله بن وهب، ورشدين بن سعد في أثر عند نعيم بن حماد الخزاعي في الفتن (^٥)، وكذلك عبد الله ابن المبارك في كتاب الزهد له (^٦). فكأن ما حدث به المُقرئ من حفظه هنا أصح مما في كتابه، ولعل هذا وجه عدم تصريح الإمام أحمد بخطأ المقرئ في قوله: سُليم، واكتفى بالإشارة إلى الاختلاف بين ما كان في كتابه وما حدث به من حفظه، والله أعلم.
ولم أر لغير الإمام أحمد إشارة إلى هذه العلة في أحاديث أبي عبد الرحمن المقرئ إلا ما ذكره الخليلي أنه ثقة مخرج في الصحيح، وحديثه عن الثقات يحتج به ويتفرد بأحاديث (^٧)، والتفرد إذا كثر فهو مظنة لوقوع العلل في حديث الراوي، والله أعلم.
٣. عبد الرزاق بن همام الصنعاني:
تقدم في مطلب الاختلاط بسبب ذهاب بصر الراوي أن عبد الرزاق، وكان أحد الثقات الأعلام، بعد ذهاب بصره كان يلقن فيتلقن، وأدى ذلك إلى وجود المناكير في مروياته عن طريق من سمع منه في تلك الفترة. وهناك وجه آخر لدخول المناكير في مروياته، وهو تحديثه من حفظه دون كتابه. وليس هناك عن الإمام أحمد التصريح بإطلاق التضعيف فيما حدث به عبد الرزاق من حفظه
_________________
(١) معرفة الثقات ١/ ٤٢٥ رقم ٦٥٨.
(٢) كتاب الثقات ٤/ ٣٢٩.
(٣) الإكمال ٦/ ٢٩٣.
(٤) سير أعلام النبلاء ٤/ ١٣١.
(٥) الفتن ٢/ ٤٧٤ رقم ١٣٣٢.
(٦) كتاب الزهد ص ١٣٣.
(٧) الإرشاد ١/ ٣٨٣.
[ ١ / ٥٤٨ ]
دون كتابه، لكن أعل بعض أحاديثه بسبب هذه العلة، ومن تلك الأحاديث:
١. قال أبو داود: سمعتُ أحمد ذكر حديثَ عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن النبي ﷺ رأى على عمر ثوبًا جديدًا قال: "لبست جديدًا … "؟ فقال: كان يحدث به عبد الرزاق من حفظه، فلا أدري هو في كتابه أم لا؟ وجعل أبو عبد الله ينكره. قال أبو عبد الله: وكان حديث أبي الأشهب عنده - يعني عبد الرزاق - عن سفيان، وكان يغلط فيه يقول: عن عاصم بن عبيد الله، عن أبي الأشهب (^١).
هذا الحديث ذكر الإمام أحمد أن عبد الرزاق رواه بإسنادين، وكلاهما منكران:
الأول: عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه؛ وهو في منصف عبد الرزاق (^٢)، ورواه النسائي (^٣)، وابن ماجه (^٤)، وأحمد (^٥)، وعبد ابن حميد (^٦)، والبخاري (^٧)، والترمذي (^٨)، والبزار (^٩)، وأبو يعلى (^١٠)، وابن حبان (^١١)، والطبراني (^١٢)، وابن عبد البر (^١٣)، وابن حجر (^١٤) من طرق عن عبد الرزاق،
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٣٥ رقم ٢٠٠٤.
(٢) مصنف عبد الرزاق ١١/ ٢٢٣ ح ٢٠٣٨٢.
(٣) السنن الكبرى ٦/ ٨٥ ح ١٥١٤٣، وعمل اليوم والليلة ص ٢٧٥ ح ٣١١.
(٤) سنن ابن ماجه ٢/ ١١٧٨ ح ٣٥٥٨.
(٥) المسند ٩/ ٤٤٠ ح ٥٦٢٠.
(٦) المنتخب من مسنده ص ٢٣٧ ح ٧٢٣.
(٧) تعليقًا في التاريخ الكبير ٣/ ٣٥٦، وفي التاريخ الأوسط ٢/ ٣٣.
(٨) علل الترمذي الكبير ٢/ ٩٣٧.
(٩) كشف الأستار ٣/ ١٧٥ ح ٢٥٠٤.
(١٠) مسند أبي يعلى ٩/ ٤٠٢ ح ٥٥٤٥.
(١١) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١٥/ ٣٢٠ ح ٦٨٩٧.
(١٢) المعجم الكبير ١٢/ ٢٨٣ ح ١٣١٢٧، وفي الدعاء ح ٣٩٩.
(١٣) الاستيعاب ٣/ ١١٥٧.
(١٤) تنائج الأفكار ١/ ١٣٥.
[ ١ / ٥٤٩ ]
ولفظه كما عند أحمد: رأى النبي ﷺ على عمر ثوبًا أبيض فقال: "أجديد ثوبك أم غسيل؟ " فقال: لا أدري ما رد عليه، فقال النبي ﷺ: "الْبَسْ جديدًا، وعِشْ حميدًا، ومُتْ شهيدًا" أظنه قال: "ويرزقك الله قُرّة عينٍ في الدُّنيا والآخرة".
وجه إعلال الإمام أحمد لهذا الطريق: أنكر الإمام أحمد الحديث من هذا الطريق، وعلّل ذلك بأن عبد الرزاق حدّث به من حفظه، وأنه لا يدري هل هو في كتابه أم لا؟ والذي يُجزم به أن عبد الرزاق قد حدّث به قبل ذهاب بصره بدليل رواية أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه (^١) للحديث عنه، وكلاهما ممن سمع منه قبل ذهاب بصره، فعلى هذا لا يكون سبب علة الحديث قبول عبد الرزاق للتّلقين والذي سبق بحثه في الاختلاط بسبب ذهاب بصر الراوي، وتعين السبب الذي ذكره الإمام أحمد وهو تحديث عبد الرزاق بالحديث من حفظه دون كتابه، بغض النظر عن كون الحديث في أصل كتابه أو لا (^٢).
الثاني: عبد الرزاق، عن الثوري، عن عاصم بن عبيد الله، عن أبي الأشهب. هكذا ذكره الإمام أحمد عن عبد الرزاق، ولم أره لغيره، ورواه حفص بن عمر المهرقاني (^٣)، وأبو مسعود الرازي (^٤)، وزهير بن محمد المروزي (^٥) ثلاثتهم عن
_________________
(١) رواه أبو يعلى من طريقه.
(٢) وقد جزم الشيخ ياسر بن فتحي المصري في تخريجه لأحاديث كتاب "الذكر والدعاء والعلاج بالرقى من الكتاب والسنة" ص ٨١ - ٨٢ أن هذا الحديث لم يكن في كتاب عبد الرزاق مستندًا إلى قول الإمام أحمد في رواية الأثرم أنه قال: هذا كان يحدث به من حفظه ولم يكن في الكتب. ا. هـ، ثم أحال على مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود في موضع هذا السؤال نفسه، والذي ورد في هذا الموضع هو ما تقدم نقله أن الإمام أحمد قال: لا أدري أهو في كتابه أو لا؟ وهو من رواية أبي داود، وأما ما ذكره الإمام أحمد في رواية الأثرم فهو في حديث آخر لعبد الرزاق، وهو حديث [النار جبار] الذي سبق وأن ذكرته في مطلب الاختلاط بسبب ذهاب بصر الراوي انظر: ص ٤٥٢.
(٣) قال فيه أبو زرعة وأبو حاتم: صدوق الجرح والتعديل ٣/ ١٨٤.
(٤) أحمد بن الفرات ثقة حافظ تقريب التهذيب ترجمة ٨٨.
(٥) هو ابن قُمير المروزي، وثقه السراج تهذيب الكمال ٩/ ٤١١.
[ ١ / ٥٥٠ ]
عبد الرزاق، عن الثوري، عن عاصم بن عبيد الله، عن سالم، عن ابن عمر عن النبي ﷺ به. أخرجه الطبراني (^١)، وذكره الإمام البخاري تعليقًا عن عبد الرزاق (^٢).
أما الطريق الذي ذكره الإمام أحمد عن عبد الرزاق، فذكر أنه كان يغلط فيه، ولم يبين وجه الغلط، وأما الطريق الذي رواه الطبراني فقال: وهم فيه عبد الرزاق، وحدث به بعد أن عمي، والصحيح عن معمر، عن الزهري، ولم يحدث به عن عبد الرزاق هكذا إلا هؤلاء الثلاثة. ا. هـ (^٣). والصحيح عن الثوري هو ما رواه أبو نعيم، عن الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي الأشهب، أن النبي ﷺ رأى على عمر ثوبًا جديدًا مرسل. قاله البخاري (^٤)، وقال: وهذا أصح بإرساله. ا. هـ (^٥)، فإن أبا نعيم مقدم على عبد الرزاق في الثوري (^٦)، وقد تابعه ابن سعد، عن ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد به (^٧).
وجه علة هذا الطريق عند الإمام أحمد:
لم يبين الإمام أحمد وجه غلط عبد الرزاق في هذا الحديث ولا وجه دخول الغلط عليه، فأما وجه الغلط فظاهر في مخالفته لأبي نعيم عن الثوري وكذلك لرواية ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد، وأما دخول الغلط عليه فذكر الطبراني أنه وهم فيه لأنه حدّث به بعد ما عمي، يعني حين كان يقبل التلقين، والذي يظهر لي أن هذا ليس وجه دخول الخطأ عليه، لأن الإمام أحمد أثبت أن
_________________
(١) كتاب الدعاء ح ٤٠٠.
(٢) التاريخ الكبير ٣/ ٣٥٦، والتاريخ الأوسط ٢/ ٣٣.
(٣) تنائج الأفكار ١/ ١٣٨.
(٤) علل الترمذي الكبير ٢/ ٩٣٨.
(٥) التاريخ الكبير ٣/ ٣٥٦.
(٦) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٢٢.
(٧) الطبقات الكبرى ٣/ ٣٢٩.
[ ١ / ٥٥١ ]
الحديث عنده عن سفيان، وسماع أحمد من عبد الرزاق كان قبل ذهاب بصره، فليست العلة من أجل قبوله التلقين، وإنما دخل الوهم عليه لأنه كان يضطرب في بعض أحاديثه عن الثوري، وهي التي سمعها بمكة، قال أحمد في رواية الأثرم: "سماع عبد الرزاق بمكة من سفيان مضطرب جدًا" (^١)، فلذلك روي عنه هذا الحديث عن الثوري من ثلاثة أوجه: الأول: ما ذكره أحمد، عن الثوري، عن عاصم بن عبيد الله، عن أبي الأشهب؛ والثاني ما رواه الطبراني عنه عن الثوري، عن عاصم، عن سالم عن أبيه؛ والثالث: أشار إليه ابن حبان بعد روايته للحديث من طريق محمد بن أبي السري عن عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سالم عن أبيه، قال: قال عبد الرزاق: وزاد فيه الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد: "ويعطيك الله قرة العين في الدنيا والآخرة" (^٢). فهذا التلون في رواية الحديث الواحد يدل على الاضطراب مما يقوي الظن بأنه من سماع مكة، والله أعلم.
وقد وافق الإمام أحمد على إنكار هذا الحديث على عبد الرزاق من كلا الطريقين عدد من الحفاظ، فيما يلي أقوالهم:
قال الإمام البخاري: وكلا الحديثين لا شيء، ورجح أن حديث أبي الأشهب من رواية أبي نعيم عن الثوري هو أصح مع إرساله.
قال الإمام أبو حاتم: هذا حديث ليس له أصل من حديث الزهري، ولم يرض عبد الرزاق حتى أتبع هذا بشيء أنكر من هذا فقال: حدثنا الثوري، عن عاصم بن عبيد الله، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بمثله، وليس لشيء من هذين أصل … وإنما هو معمر عن الزهري مرسل أن النبي ﷺ (^٣).
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٧٠. وانظر: الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم ص ٨٧.
(٢) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١٥/ ٣٢١.
(٣) علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٨٧ - ٤٨٨. وانظر الكتاب نفسه ١/ ٤٩٠.
[ ١ / ٥٥٢ ]
وقال الإمام النسائي: هذا حديث منكر، أنكره يحيى بن سعيد القطان على عبد الرزاق، لم يروه عن معمر غير عبد الرزاق … (^١).
وقال حمزة الكناني: لا أعلم أحدًا رواه عن معمر، وما أحسبه بالصحيح (^٢).
٢. ومما ذكره الإمام أحمد من الأحاديث التي حدث بها عبد الرزاق من حفظه خارج كتابه فوهم فيها:
قال أبو داود: سمعت أحمد قال: حديث عُكافٍ (^٣): كان عند عبد الرزاق، عن محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، قال: قال عبد الرزاق - من حفظه - قال: ثنا مَكحول، يعني عن سليمان بن موسى قال: ثنا مكحول، فلما أخرج - يعني الكتاب - لم يكن فيه: "حدثنا" قال: عن مكحول، عن رجل، عن أبي ذر (^٤).
هذا الحديث رواه عبد الرزاق في مصنفه، وهو من رواية الدبري عنه (^٥)، عن محمد بن راشد: قال سمعت مكحولًا يحدث عن رجل، عن أبي ذر قال: [دخل على رسول الله ﷺ رجلٌ يقال له عكاف بن بشر التميمي فقال له النبي ﷺ: "هل لك من زوجة؟ " قال: لا، قال: "ولا جارية؟ " قال: ولا جارية، قال: "وأنت موسرٌ بخير؟ " قال: وأنا موسر بخير، قال: "أنت إذا من أخوان الشياطين، لو كنت من النصارى كنت من رهبانهم، إن سنتنا النكاح، وشراركم عزّابكم، وأراذل موتاكم
_________________
(١) السنن الكبرى ٥/ ٨٦.
(٢) مصباح الزجاجة ٤/ ٨٢.
(٣) عكاف بن وداعة الهلالي، ويقال: ابن بسر التميمي، ذكره ابن قانع في الصحابة، قال ابن عبد البر: يعد في الشاميين، روى عن عطية بن بسر المازني حديثه في الترغيب في النكاح ولا يعرف إلا به، وفي سنده مقال وهو مشهور عند أهل الشام معجم الصحابة ٢/ ٢٨٣، الاستيعاب ٣/ ١٢٤٤، تعجيل المنفعة ص ١٩١.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٥٠ رقم ٢٠٤٧.
(٥) كتاب النكاح من المصنف المطبوع من رواية الدبري عن عبد الرزاق انظر: المصنف ٦/ ١٣٣.
[ ١ / ٥٥٣ ]
عزّابكم، بالشياطين تتمرسون؟ ما للشياطين من سلاح أبلغ في الصالحين من النساء إلا المتزوجين، أوليك المطهّرون المبرّؤون من الخَنا، ويحك، ياعكاف! إنهن صواحب أيّوب، وداود، وكُرسف، ويوسف". فقال له بشر بن عطية: ومن كُرسف يا رسول الله؟ قال: "رجل كان يعبد الله من سواحل البحر ثلاث مئة عام، يصوم النهار ويقوم الليل، ثم إنه كفر بالله العظيم في سبب امرأة عشقها، وترك ما كان عليه من عبادة ربه، ثم استدركه الله ببعض ما كان منه فتاب عليه، ويحك يا عكاف، تزوج! وإلا أنت من المذبذبين، " قال: زوجني يا رسول الله، قال: "فزوجه كريمة ابنةَ كُلثوم الحميري" (^١). فوقع في الإسناد التصريح بالسماع بين محمد بن راشد ومكحول كما ذكر أبو داود في سؤاله هذا للإمام أحمد، وورواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق بالعنعنة بين محمد بن راشد ومكحول (^٢). وذكر الحافظ ابن حجر أن ابن مندة رواه من طريق محمد بن أبي السري عن عبد الرزاق، لكن لم يسق الإسناد حتى تتبين صيغة التحمل فيه، وفيه التصريح بأن الرجل المبهم في الإسناد هو غضيف بن الحارث (^٣).
وجه إعلال الإمام أحمد للحديث:
أعله الإمام أحمد بأن ذكر السماع في الإسناد بين محمد بن راشد ومكحول لم يكن في كتاب عبد الرزاق، وإنما حدث به من حفظه فوهم، ولذلك لما روى الإمام
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق ٦/ ١٧١ رقم ١٠٣٨٧. وورد في الإسناد في سؤال أبي داود أن محمد بن راشد يروي الحديث عن سليمان بن موسى، وذكر سليمان بن موسى هنا خطأ، فلم يذكر في إسناد عبد الرزاق في هذا الموضع ولا في مسند أحمد الذي رواه من طريق عبد الرزاق كما سيأتي، ولا في إتحاف المهرة ١٤/ ٢٣٢. وإنما ورد ذكره في إسناد الحديث كما رواه الشاميون: بقية بن الوليد، ووليد بن مسلم انظر: مسند أبي يعلى ١٢/ ٢٦٠ ح ٦٨٥٦، تاريخ واسط ص ٢١٣.
(٢) مسند الإمام ٣٥/ ٣٥٥ ح ٢١٤٥٠.
(٣) القول المسدد ص ٧٣.
[ ١ / ٥٥٤ ]
أحمد الحديث من طريق عبد الرزاق رواه على الوجه كما هو في أصل عبد الرزاق، لأنه كان لا يأخذ عنه إلا ما كان في أصل كتابه، فهذا يمثل ما كان عليه عبد الرزاق من الوقوع في الوهم إذا حدث من حفظه.
وهذا الحديث رواه أهل الشام من طرق أخرى، وقال الحافظ ابن حجر عن طرق هذا الحديث: كلها لا تخلو من ضعف واضطراب (^١).
٤. عبد العزيز بن محمد الدراوردي:
قال أبو طالب: "سئل أحمد بن حنبل عن عبد العزيز الدراوردي؟ فقال: كان معروفًا بالحديث والطلب، وإذا حدّث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدث من كتب الناس أوهم، وكان يقرأ على الناس من كتبهم فكان يخطئ، وربما قلب حديث عبد الله العمرى يرويه عن عبيد الله بن عمر، قيل له: لعل قد رواها عبيد الله؟ قال: عبيد الله كان أثبت من ذلك، وإذا قرأ في كتبه كان صحيحًا" (^٢).
ذكر الإمام أحمد في هذه الرواية صحة حديث الدراوردي إذا روى من كتابه، وأنه معروف بطلب الحديث، وذكر وجهين آخرين يدخل الضعف في حديثه منهما، وهما: تحديثه من كتب الناس، وأن أحاديثه عن عبيد الله بن عمر مقلوبة.
وأما يتعلق بما حدّث به الدراوردي من حفظه فقال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر الدراوردي فقال: كتابه أصح من حفظه" (^٣).
وعن أحمد قال: "كان الدراوردي إذا حدّث من حفظه يهم، ليس هو
_________________
(١) الإصابة في تمييز الصحابة ٢/ ٤٩٦، وانظر: الضعفاء للعقيلي ٣/ ١٠٦٠، الاستيعاب ٣/ ١٢٤٤، العلل المتناهية ٢/ ٦٠٩ - ٦١٠، تعجيل المنفعة ص ١٩٢.
(٢) المعرفة والتاريخ ١/ ٤٢٩، والجرح والتعديل ٥/ ٣٩٥.
(٣) سؤالات أبي داود للإمام أحمد بن حنبل ٢٢١ رقم ١٩٨.
[ ١ / ٥٥٥ ]
بشيء، وإذا حدث من كتابه فنعم" (^١).
ومما أعله الإمام أحمد من حديث الدراوردي لكونه حدّث به من حفظه وليس في كتابه:
قال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر حديث الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يُستعذب له الماءَ من بيوت السُّقيا؟ فقال: هذا أُواه ريح، وسمعت أحمد ذكر هذا الحديث فقال: ليس هذا - يعني هذا الحديث - في كتاب الدراوردي، وكان يحدّثه حفظًا، فقال أحمد: كتابُه أصح من حفظه (^٢).
هذا الحديث رواه أبو داود (^٣)، وابن سعد (^٤)، وأحمد (^٥)، وإسحاق ابن راهويه (^٦)، وعمر بن شبة (^٧)، وابن حبان (^٨)، وأبو الشيخ (^٩)، والحاكم (^١٠)، وأبو نعيم (^١١)، والبيهقي (^١٢)، والخطيب (^١٣)، والبغوي (^١٤) كلهم من طرق عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٦٦.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤١٨ رقم ١٩٤٨.
(٣) سنن أبي داود ٤/ ١١٩ ح ٣٧٣٥.
(٤) الطبقات الكبرى ١/ ٥٠٦.
(٥) المسند ٤١/ ٢٢٣ ح ٢٤٦٩٣، ٤١/ ٢٨٨ ح ٢٤٧٧٠.
(٦) مسند إسحاق بن راهويه ٢/ ٣١٧ ح ٢٩٨، ٢/ ٣٦٤ ح ٣٦٢، ٣/ ١٠٠١ ح ١١٩٢.
(٧) تاريخ المدينة ١/ ١٥٨.
(٨) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١٢/ ١٤٩ ح ٥٣٣٢.
(٩) أخلاق النبي ﷺ ص ٢٢٧.
(١٠) المستدرك ٤/ ١٣٨.
(١١) تاريخ إصبهان ٢/ ٨٩ في ترجمة الدراوردي.
(١٢) شعب الإيمان ٥/ ١٢٠ ح ٦٠٣٢.
(١٣) تاريخ بغداد ٣/ ١٣٠.
(١٤) شرح السنة ١١/ ٣٨٤ ح ٣٠٤٩.
[ ١ / ٥٥٦ ]
وزاد أبو داود في روايته تفسير قتيبة بن سعيد لبيوت السقيا بأنها عين بينها وبين المدينة يومان. وقال غيره إنها بئر بالمدينة (^١).
وجه إعلال الإمام أحمد للحديث:
أعله الإمام أحمد بقوله: هذا أُراه ريح، وهو إشارة إلى إنكاره للحديث وأنه ليس بشيء عنده، وجعل علة ذلك كون الحديث ليس في كتاب الدراوردي وإنما كان يحدث به من حفظه، وإذا حدث من غير كتابه فإنه ليس بشيء عنده.
وقد توبع الدراوردي عن هشام بن عروة: تابعه عامر بن صالح بن عبد الله ابن عروة بن الزبير عند أبي الشيخ (^٢)، وابن عدي (^٣)، والبيهقي (^٤). وعامر بن صالح متروك الحديث (^٥)، وقال ابن عدي: هذا الحديث يعرف بعبد العزيز الدراوردي. ا. هـ. وخاصة وقد رماه ابن عدي بسرقة الحديث فلا يعتبر به.
وتابعه أيضًا محمد بن المنذر (^٦)، عند
_________________
(١) معجم البلدان ٣/ ٢٢٨.
(٢) أخلاق النبي ﷺ ص ٢٢٧.
(٣) الكامل ٥/ ١٧٣٧.
(٤) شعب الإيمان ٥/ ١٢٠ ح ٦٠٣٣.
(٥) هكذا قال الحافظ ابن حجر فيه وتبع في ذلك الدارقطني. وقد كان يحيى بن معين يرميه بالكذب وكان أحمد يروي عنه، ويقول فيه: ثقة، لم يكن صاحب كذب. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ما أرى به بأسًا. قال الدارقطني: أساء ابن معين القول فيه، ولم يتبين أمره عند أحمد، وهو مدني يترك عندي. وقال ابن عدي: عامة حديثه مسروق من الثقات، وأفراد ينفرد بها. وقال أبو نعيم: روى عن هشام بن عروة مناكير لا شيء. انظر: الجرح والتعديل ٦/ ٣٢٤، تاريخ بغداد ١٢/ ٢٣٤، الكامل لابن عدي ٥/ ١٧٣٨، كتاب الضعفاء لأبي نعيم ص ١٢٤ ترجمة ١٨١، تقريب التهذيب ٣١١٣.
(٦) هو ابن عبيد الله، وليس محمد بن المنذر بن الزبير بن العوام، فإن كل واحد منهما يروي عن هشام، إلا أن الأول يروي عنه عتيق بن يعقوب الزبيري، وهو الراوي عنه في هذا الحديث. وقد قال عنه ابن حبان: كان ممن يروي عن الأثبات الأشياء الموضوعات، لا يحل كتابة حديثه إلا علي سبيل الاعتبار المجروحين ٢/ ٢٥٩.
[ ١ / ٥٥٧ ]
البغوي (^١)، ومحمد بن المنذر أيضًا لا يصلح للاعتبار. قال عنه الحاكم: يروي عن هشام أحاديث موضوعة (^٢)، وقال أبو نعيم: روى عن هشام بن عروة أحاديث منكرة (^٣).
وقد روى هذا الحديث عن الدراوردي نحو أربعةَ عشرَ راويًا من غير اختلاف فيما بينهم، مما يقوي جانب حفظ الدراوردي للحديث وإن كان حدّث به من حفظه، ولعل هذا ما جعل الحافظ ابن حجر يجوّد إسناد الحديث (^٤). أما الإمام أحمد فلم ير قبول تفرد الدراوردي بهذا الحديث لضعفه بسبب العلة التي ذكرها، وقد ذكر يعقوب الحموي بإسناده عن صالح جزرة عن أحمد أنه قال: "عبد العزيز بن محمد الدراوردي ضعيف الحديث، روى عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة … " فذكر هذا الحديث (^٥).
وقد كان يحيى بن معين يذهب إلى مثل ما ذهب إليه الإمام أحمد في الدراوردي، فمع أنه كان يقول فيه: لا بأس به (^٦)، فقد قال في رواية أبي خالد الدقاق: الدراوردي ما روى من كتابه فهو أثبت من حفظه (^٧)، وأعل الحديث الذي رواه - أي الدراوردي - عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، "عن أبي هريرة" (^٨) أن النبي ﷺ قال لعمّار: "تقتلك فئة باغية"، قال ابن معين: "لم يُوجد في كتاب
_________________
(١) شرح السنة ١١/ ٣٨٤ ح ٣٠٥٠.
(٢) لسان الميزان ٥/ ٣٩٤.
(٣) كتاب الضعفاء ص ١٣٩ ترجمة ٢١١.
(٤) فتح الباري ١٠/ ٧٤.
(٥) معجم البلدان ٣/ ٢٢٨.
(٦) تاريخ ابن معين - برواية الدارمي ص ١٧٤.
(٧) من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال - رواية أبي خالد الدقاق ص ٩٣.
(٨) سقطت هذه الجملة من كتاب ابن طهمان، وهي مثبتة عند ابن رجب في شرح علل الترمذي حيث روى القصة عن ابن معين ٢/ ٧٥٨، وكذلك في مواضع تخريج الحديث.
[ ١ / ٥٥٨ ]
الدراوردي، وأخبرني من سمع كتاب العلاء - يعني من الدراوردي - إنما كانت صحيفة، ليس هذا فيها، وكانت قصة واحدة قال رسول الله ﷺ …، والدراوردي حفظه ليس بشيء، كتابه أصح" (^١).
ومن الرواة الذين يجزم بأن سماعهم من الدراوردي كان من أصل كتابه الحميدي عبد الله بن الزبير، صاحب ابن عيينة، فقد روى الفضل بن زياد عن الحميدي قال: "قدمت المدينة فبدأت بعبد العزيز بن محمد الدراوردي فجاء في جماعة من أهل المدينة يلومنني يقولون: تركت شيخنا أن تبدأ به وتأتيه. قال: تلومونني فيما فعلت، إنما أتيت الدراوردي لأسلم عليه وأكتب عنه شيئًا، ويكون اعتمادي على ابن أبي حازم إن شاء الله، وبلغ الدراوردي اجتماع من اجتمع إليّ فلما رجعتُ إليه قال: يا قرشي، قد بلغني الذي كان، وقد عزمتُ أن أُخرج إليك كتبي وأصولي لتكتبها وأقرأها عليك. قال: فأخرج إليّ أصوله، وإذا هي كتبٌ صحاح وأحاديث مستقيمة. قال: وقد كان يُؤتى بالأحاديث فتُقرأ عليه، فإن كان في حديثه الذي حملوا عنه خللًا فإنما جاء مما أعلمتكم أنه كان يقرأ من كتبه الناس، وقد كان يذاكر بالحديث مما ليس عنده فيتهاونون به ويقولون: هذا مما لم يكن في كتبه، ويذاكر بالشيء المرفوع فيقولون: هذا في أصل كتابه منقطع" (^٢). فيؤخذ من هذا أن ما رواه الحيمدي عن الدراوردي فهو من صحيح حديثه.
٥. عبد الأعلى بن عبد الأعلى السَّامي:
قال أبو داود: "سمعت أحمد قيل له: عبد الأعلى السامي؟ قال: ما كان من حفظه ففيه تخليط، وما كان من كتابه فلا بأس به، وكان يحفظ حديث يونس
_________________
(١) من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال - رواية أبي خالد الدقاق ص ١١٣ - ١١٤.
(٢) المعرفة والتاريخ ١/ ٤٢٨.
[ ١ / ٥٥٩ ]
مثل سورة من القرآن" (^١).
ولم أقف على حديث أعلّه الإمام أحمد من هذا الوجه يصلح بأن يكون مثالًا لما ذكره ﵀. ولعل تضعيف من ضعف عبد الأعلى نسبيًا هو من هذا الوجه الذي ذكره الإمام أحمد، والعلم عند الله.
٦. محمد بن بشر العبدي:
قال الإمام أحمد في رواية أبي داود: "محمد بن بشر كان صحيح الكتاب، وربما حدث من حفظه" (^٢). فصحح حديثه إذا حدث من كتابه، وقوله: وربما حدث من حفظه، إشارة أن أنه قد يترك التحديث من الكتاب ويحدث من حفظه، وعليه فيحمل ما وقع في حديثه من الأوهام على أنه كان بسبب اعتماده على الحفظ. وقريب من هذا قول عثمان بن أبي شيبة فيه: "محمد بن بشر ثقة ثبت إذا حدث من كتابه" (^٣)، فإن مفهومه أنه إذا حدث من حفظه فليس بثقة ثبت. ولا يوجد في كلام الإمام أحمد ولا في كلام عثمان بن أبي شيبة ما يدل على تضعيفه مطلقًا إذا حدث من حفظه، بل الذي يفهم من كلامهما أن هذا الراوي أوثق وأثبت حين يحدث من كتابه.
وقد أشار الإمام أحمد إلى حديث حدّث به محمد بن بشر من حفظه خلافًا لما في كتابه، وهو يدل على ما ذكره أحمد عنه:
قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: محمد بن بشر كان صحيحَ الكتاب، وربما حدث من حفظه، فذكرت له: أنه حُدّث عنه بحديث علي بن صالح، عن أبي بكر، أعني حديث علي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن أبي جُحيْفة: قال
_________________
(١) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص ٣٤٦ رقم ٥٣٠.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٣٩٣ رقم ١٨٧٨.
(٣) تهذيب التهذيب ٩/ ٧٥.
[ ١ / ٥٦٠ ]
أبو بكر: أراك قد شِبتَ يا رسول الله، فقال: "شيّبتْني هودٌ وأخواتُها"؟ فقال: قد كتبُه، يعني: عن ابن بشر، عن علي بن صالح، عن أبي جحيفة، وليس فيه: عن أبي بكر، وهو عندي وهمٌ، إنما هو أبو إسحاق، عن عكرمة (^١).
هذا الحديث رواه محمد بن بشر من الطريق الذي ذكره أبو داود - علي ابن صالح، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة، عن أبي بكر - واختلف عليه فيه:
فرواه شهاب بن عباد (^٢)، ومحمد بن المهاجر القاضي (^٣)، عن محمد بن بشر، فذكرا فيه: أبا بكر الصديق، ذكر روايتهما الدارقطني بإسناده في العلل (^٤).
ورواه الإمام أحمد من كتابه كما قال في رواية أبي داود هذه، وكذلك حميد ابن الربيع عند الدارقطني في العلل (^٥)؛ ومحمد بن عبد الله بن نمير عند أبي يعلى (^٦)، والطبراني (^٧)، والدارقطني (^٨)، وأبي نعيم (^٩)، فلم يتجاوزا به أبا جحيفة ولم يذكروا أبا بكر الصديق. وذكر الإمام أحمد أنه كتب الحديث على هذا الوجه عن محمد بن بشر، فدل على أنه لما حدث به على الوجه الآخر حدّث به من حفظه
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود الموضع نفسه.
(٢) العبدي أبو عمر الكوفي، أخرج له الشيخان، ووثقه أبو حاتم وغيره تهذيب الكمال ١٢/ ٥٧٣ - ٥٧٤. وفي الإسناد إليه القاسم بن محمد بن حميد الدلال، ضعفه الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات ٩/ ١٩. وانظر: ميزان الاعتدال ٤/ ٢٩٨ ترجمة ٦٨٣٥.
(٣) ذكر الحافظ ابن حجر أن الخطيب ذكره في المتفق، وهو ضعيف، وهو غير محمد بن المهاجر الطالقاني فذاك وضاع لسان الميزان ٥/ ٣٩٦ - ٣٩٧.
(٤) علل الدراقطني ١/ ٢٠٧.
(٥) علل الدارقطني ١/ ٢٠٦.
(٦) مسند أبي يعلى ٢/ ١٨٤ ح ٨٨٠.
(٧) المعجم الكبير ٢٢/ ١٢٣ ح ٣١٨.
(٨) علل الدارقطني ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٩) حلية الأولياء ٤/ ٣٥٠.
[ ١ / ٥٦١ ]
فأخطأ فزاد في الإسناد.
وذكر الإمام أحمد أن الحديث من رواية أبي جحيفة وهم، وأن الصواب: عن أبي إسحاق، عن عكرمة مرسلًا.
٧. همام بن يحيى العَوْذي:
وثقه الإمام أحمد مطلقًا، فقال صالح بن أحمد بن حنبل: قال أبي: همام ثبت في كل المشايخ (^١).
وسأله الأثرم: أي شيء تقول في همام؟ فقال: كان عبد الرحمن بن مهدي يرضاه (^٢).
وكان يحيى بن سعيد القطان يعترض على همام في كثير من حديثه، فلما قدم معاذ بن هشام نظروا في كتبه فوجدوه يوافق همامًا في كثير مما كان يحيى ينكره، فكف يحيى بعدُ عنه. قاله عمر بن شبة (^٣).
لكن أشار الإمام أحمد إلى أن همامًا كان يخطئ إذا حدّث من حفظه، وأما إذا كان قريبَ عهدٍ بكتابه فقلما كان يخطئ. وكان في آخر أمره يقرب عهده بالكتاب، فسماع من سمع منه بأخرة أجود من غيره.
قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: قال عفان حدثنا يومًا همام، قال: فقلت له: إن يزيد بن زريع حدثنا عن سعيد عن قتادة ذكر خلاف ذلك الحديث، قال: فذهب فنظر في الكتاب، ثم جاء فقال: يا عفان، ألا تراني أخطئ وأنا لا أعلم. قال عفان: وكان همام إذا حدثنا بقرب عهده بالكتاب فقل ما كان يخطئ. قال أبي: ومن سمع من همام بآخره فهو أجود، لأن همامًا كان في آخر عمره أصابته
_________________
(١) الجرح والتعديل ٩/ ١٠٨.
(٢) الموضع نفسه.
(٣) الجرح والتعديل ٩/ ١٠٨.
[ ١ / ٥٦٢ ]
زمانة (^١) فكان يقرب عهده بالكتاب، فقل ما كان يخطئ" (^٢).
وذكر في رواية أبي داود بعض من سمع منه بأخرة.
قال أبو داود: "سمعت أحمد قال: همام يضبط ضبطًا جيدًا. سمعت أحمد يقول سماع من سمع من همام بآخرة هو أصح، وذلك أنه أصابته مثل الزمانة فكان يحدثهم من كتابه، فسماع عفان، وحبان، وبهز أجود من سماع عبد الرحمن، لأنه كان يحدثهم يعني لعبد الرحمن - أي أيامهم - من حفظٍ. سمعت أحمد قال: قال عفان: ثنا همام يومًا بحديث، فقيل له فيه، فدخل فنظر في كتابه فقال: ألا أراني أخطئ وأنا لا أدري، فكان بعد يتعاهد كتابه" (^٣).
وقد أخرج الجماعة لهمام من حديث عفان وحبان بن هلال عنه، وأخرج له مسلم فقط دون البخاري من حديث عبد الرحمن بن مهدي عنه (^٤).
وقد وافق الإمام أحمد على مثل هذا التفصيل في حديث همام بعض الحفاظ، فقال يزيد بن زريع: همام حفظه ردئ وكتابه صالح (^٥).
وسئل أبو حاتم عن همام وأبان العطار من يقدم منهما؟ قال: همام أحب إليّ ما حدث من كتابه، وإذا حدث من حفظه فهما متقاربان في الحفظ والغلط (^٦). فأشارا إلى أنه إذا حدث من كتابه فهو أوثق منه إذا حدث من حفظه.
_________________
(١) الزمانة العاهة، يقال: زمِن يزمَن زَمَنًا وزُمنة وزَمانة لسان العرب، مادة: "ز م ن" ١٣/ ١٩٩.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٥٧ رقم ٦٨٢ - ٦٨٣.
(٣) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ١/ ٣٣٥ - ٣٣٦.
(٤) انظر: تهذيب الكمال ٣٠/ ٣٠٣، ٣٠٤.
(٥) الجرح والتعديل ٩/ ١٠٨.
(٦) الجرح والتعديل ٩/ ١٠٩.
[ ١ / ٥٦٣ ]
٨. أبو عوانة وضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي:
قدّمه الإمام أحمد إذا حدّث من كتابه على جرير الرازي (^١).
وقال الفضل بن زياد: "سئل - يعني أحمد بن حنبل - أبو عوانة أثبت أو شريك؟ فقال: إذا حدّث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإذا حدّث من غير كتابه ربما وهِم" (^٢).
وقال أيضًا: "أبو عوانة كتابه صحيح … وفي جميع حاله أصح حديثًا عندنا من هشيم، إلا أنه بأخرة كان يقرأ من كتب الناس فيقرأ الخطأ، فأما إذا كان من كتابه فهو ثبت" (^٣).
وهذا أيضًا ليس فيه تضعيف لأبي عوانة فيما حدّث به من حفظه، إنما يدل على أن ما حدث به من كتابه أصح مما حدث به من حفظه.
مثال لما حدث به أبو عوانة من حفظه فأخطأ فيه:
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: حديثُ أبي صادقٍ، عن ربيعة بن ناجِذ. رواه أبو عوانة - يعني عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادقٍ، عن ربيعة بن ناجذ، عن عليٍّ أنه قيل له: [بما ورِثت ابنَ عمِّك؟] قال أبو عبد الله: وهذا مما أخطأ فيه، وقال لنا موسى بن إسماعيل: هكذا حدثنا به أبو عوانة من حفظه، وأخطأ فيه، وحدثنا به من كتابه، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن ميسرة الكندي، عن علي (^٤).
_________________
(١) قال ذلك في رواية ابن هانئ مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٠٨ رقم ٢١٣٤، والفضل بن زياد المعرفة والتاريخ ٢/ ١٦٧.
(٢) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٦٨.
(٣) الموضع نفسه.
(٤) المنتخب من العلل للخلال ص ٢٠٧ رقم ١١٩.
[ ١ / ٥٦٤ ]
هذا الحديث رواه النسائي (^١)، وأحمد (^٢)، وابن جرير (^٣)، والمقدسي (^٤)، والمزي (^٥) كلاهما من طريق أحمد كلهم من طريق عفان بن مسلم قال: حدثنا أبو عوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجذ، أن رجلًا قال لعلي: يا أمير المؤمنين لم ورثتَ ابنَ عمك دون عمِّك، قال: [جمع رسول الله ﷺ أو قال: دعا رسول الله ﷺ بني عبد المطلب فصنع لهم مداًّ من طعام، قال: فأكلوا حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو كأنه لم يُمسّ، ثم دعا بغُمَرٍ فشربوا حتى رووا وبقي الشراب كأنه لم يُمسّ أولم يُشرب، فقال: "يا بني عبد المطلب! إني بُعِثتُ إليكم بخاصة، وإلى الناس بعامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما قد رأيتم، فأيُّكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي"، فلم يَقُم إليه أحدٌ، فقمتُ إليه وكنتُ أصغرَ القومِ، فقال: "اجلِس"، ثم قال: ثلاثَ مراتٍ كلَّ ذلك أقوم إليه، فيقول: "اجلس" حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي، ثم قال: "أنت أخي وصاحبي ووارثي ووزيري"، فبذلك ورثت ابنَ عمي دون عمي] وهذا لفظ النسائي وابن جرير. وليس عند أحمد: ووارثي، ولا قوله: لم ورثت ابن عمك دون عمك، وانتهى الحديث عنده بقوله: ضرب بيده على يدي.
وفي هذا الإسناد ربيعة بن ناجذ، قال عنه الذهبي: لا يكاد يعرف (^٦)، ووثقه العجلي، وابن حجر، وذكره ابن حبان (^٧)، وليس له راوٍ سوى
_________________
(١) المسند ٢/ ٤٦٥ ح ١٣٧١، وفي فضائل الصحابة ٢/ ٧١٢ ح ١٢٢٠.
(٢) السنن الكبرى ٥/ ١٢٥ ح ٨٤٥١.
(٣) تاريخ الطبري ١/ ٥٤٣.
(٤) الأحاديث المختارة ٢/ ٧١ - ٧٢.
(٥) تهذيب الكمال ٩/ ١٤٦.
(٦) ميزان الاعتدال ٢/ ٢٣٥.
(٧) انظر: معرفة الثقات ١/ ٣٥٩، وثقات ابن حبان ٤/ ٢٢٩،
[ ١ / ٥٦٥ ]
أبي صادق (^١)، واسم أبي صادق مسلم بن يزيد الأزدي، وثقه يعقوب بن شيبة، وقال عنه أبو حاتم: مستقيم الحديث (^٢).
وأما الإسناد الذي ذكره الإمام أحمد أن موسى بن إسماعيل حدث به عن أبي عوانة من كتابه، فلم أقف عليه. وميسرة الكندي في هذا الإسناد هو ميسرة أبو صالح مولى كندة، روى عن علي وشهد معه قتل الخوارج بالنهروان (^٣)، وذكره ابن حبان في الثقات (^٤).
وقد قال الذهبي عن حديث ربيعة بن ناجذ هذا إنه منكر (^٥)، وقول علي بن المديني: روى عثمان بن المغيرة أحاديث نكرة من حديث أبي عوانة (^٦) لعله يشير إلى هذا الحديث.
والشاهد أن أبا عوانة حدث بالحديث من حفظه خلافًا لما في كتابه وأخطأ.
٩. يونس بن يزيد الأيلي:
وثقه الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد، وذكر كثرة حديثه عن الزهري. قال أحمد: يونس أكثر حديثًا عن الزهري من عُقيل، وهما ثقتان (^٧).
وقال أحمد في رواية أبي داود: عُقيل ويونس يُؤديان الألفاظ (^٨). وهذا ثناء عليهما في حسن الأداء.
_________________
(١) انظر: الكاشف ١/ ٣٩٤ رقم ١٥٥٧.
(٢) الجرح والتعديل ٨/ ١٩٩، تهذيب الكمال ٣٣/ ٤١٢.
(٣) تهذيب الكمال ٢٩/ ١٩٧.
(٤) الثقات ٥/ ٤٢٦، وقال عنه ابن حجر: مقبول تقريب التهذيب ٧٠٨٩.
(٥) ميزان الاعتدال ٢/ ٢٣٥.
(٦) الضعفاء للعقيلي ١/ ١٢٣.
(٧) تهذيب الكمال ٣٢/ ٥٥٥.
(٨) سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ٢٦٩ رقم ٣١٠.
[ ١ / ٥٦٦ ]
لكن ذكر ابن رجب عن أحمد أن يونس إذا حدث من حفظه يخطئ (^١)، ومفهوم ذلك أنه إذا حدث من كتاب فهو أصح. وقد نص على ذلك اثنان من شيوخ الإمام أحمد، وهما ابن المبارك وابن مهدي. قال ابن المديني: سألت عبد الرحمن بن مهدي عن يونس بن يزيد الأيلي فقال: كان ابن المبارك يقول: كتابه صحيح، قال ابن مهدي: وأقول أنا: كتابه صحيح. ا. هـ (^٢)، وذكر ابن رجب عن ابن مهدي أنه قال: لم يكتب حديث يونس بن يزيد إلا عن ابن المبارك، فإنه أخبرني أنه كتبها عنه من كتابه (^٣).
وأعلّ الإمام أحمد حديثًا ليونس، وجعل سبب علته احتمال كونه حدّث به من حفظه.
قال أبو داود: سمعت أحمد ذُكر له حديثُ محمد بن بكر البرساني، عن يونس، عن الزهري، عن أنس بن مالك: "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة"؟ فقال: هذا - يعني الوهم - من يونس، لعله حدثه حفظًا (^٤).
هذا الحديث رواه الترمذي (^٥) من طريق محمد بن بكر البرساني، ورواه ابن ماجه (^٦)، وأبو يعلى (^٧)، والطحاوي (^٨) كذلك. وأعله الإمام أحمد بأن يونس وهم فيه، وذلك حيث جعله من حديث أنس، وإنما هو من حديث الزهري
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٦٥.
(٢) الجرح والتعديل ٩/ ٢٤٨.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٦٥.
(٤) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠٨ رقم ١٩٢٠.
(٥) الجامع ٣/ ٣٣١ ح ١٠١٠.
(٦) سنن ابن ماجه ١/ ٤٧٥ ح ١٤٨٣.
(٧) مسند أبي يعلى ٦/ ٢٩١ ح ٣٦٠٨.
(٨) شرح معاني الآثار ١/ ٤٨٣.
[ ١ / ٥٦٧ ]
مرسلًا. رواه ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن سالم أن عبد الله بن عمر كان يمشي أمام الجنائز، قال: وكان رسول الله ﷺ يفعل ذلك وأبو بكر وعمر وعثمان بن عفان. أخرجه الطحاوي (^١)، وتابعه شبيب بن سعيد من طريق ابنه أحمد بن شبيب، عن يونس به عند الخطيب (^٢). والقائل كان رسول الله ﷺ … هو الزهري، وقد بين ذلك الإمام أحمد في رواية عبد الله كما ذكره عنه الطبراني (^٣) قال: هذا الحديث أن رسول الله ﷺ إنما هو عن الزهري مرسل، وحديث سالم فعل ابن عمر ا. هـ. وهكذا رواه الثقات من أصحاب الزهري - مالك، ومعمر، وعقيل، وغيرهم. وفيه اختلاف آخر على الزهري في الحديث سيأتي بحثه إن شاء الله في الكلام على الإدراج.
فذِكر أنس في هذا الحديث وهم، وجعل الإمام أحمد الوهم من يونس، وأرجع السبب إلى احتمال كونه حدّث به من حفظه، بدليل أن ابن وهب، وشبيب رواياه عنه على الوجه الصحيح.
أما الإمام البخاري فجعل الواهم في هذا الحديث محمد بن بكر البرساني الراوي عن يونس. قال الترمذي - بعد روايته للحديث - سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: "هذا حديث خطأ، أخطأ فيه محمد بن بكر، وإنما يُروى هذا الحديث عن يونس، عن الزهري، أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة. قال الزهري: وأخبرني سالم: أن أباه كان يمشي أمام الجنازة. قال محمد: هذا أصح" (^٤).
_________________
(١) شرح معاني الآثار ١/ ٤٧٩.
(٢) الفصل للوصل المدرج ١/ ٣٣٥.
(٣) المعجم الكبير ١٢/ ٢٨٦.
(٤) الجامع ٣/ ٣٣١، وانظر: علل الترمذي الكبير ١/ ٤٠٦.
[ ١ / ٥٦٨ ]
والصواب ما ذهب إليه الإمام أحمد من أن الواهم هو يونس بن يزيد، بدليل أن البرساني قد توبع على هذه الرواية عن يونس: تابعه أبو رزعة وهب الله بن راشد المؤذن (^١)، وبكر بن مضر (^٢)، وأيوب بن سويد (^٣). فانتفى أن يكون الواهم هو البرساني لمتابعة غيره له عن يونس، وتعين أن يكون يونس هو الواهم.
١٠. عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج:
كان الإمام أحمد يقول: كان ابن جريج من أوعية العلم (^٤)، لكن تكلم فيما حدث به من حفظه. قال محمد بن موسى بن مشيش: قال أحمد بن حنبل: "كان ابن جريج الذي يحدث من كتاب أصح، وكان في بعض حفظه إذا حدّث حفظًا شيء" (^٥).
وقريب من هذا قول يحيى بن سعيد القطان: "لم يكن أحد أثبت في نافع من ابن جريج فيما كتب" (^٦). فجعله أثبت الناس في نافع لكن مقيدًا بما تحمله كتابة لا حفظًا. وقال يحيى القطان أيضًا: "وإن لم يحدثك ابن جريج من كتابه لم ينتفع به" (^٧).
_________________
(١) قال أبو حاتم: محله الصدق. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ. وذكر ابن يونس أن النسائي لم يكن يرضاه الجرح والتعديل ٩/ ٢٧، الثقات ٩/ ٢٢٩، لسان الميزان ٦/ ٢٣٥. وحديثه عند الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٨٤.
(٢) المصري، ثقة ثبت تقريب التهذيب ٧٥٩. وحديثه عند الطبراني في الأوسط ١/ ٤٠ ح ١٠٦، وقال: لم يرو هذا الحديث عن بكر بن مضر إلا محمد بن سفيان، وهو الحضرمي، ولم أجد له ترجمة.
(٣) هو الرملي، قال عنه ابن حجر: صدوق يخطئ تقريب التهذيب ٦٢٠. وحديثه عند ابن حبان في المجروحين ٢/ ٣٠٤.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ٢٤١ رقم ٤٧٩.
(٥) تاريخ بغداد ١٠/ ٤٠٥.
(٦) الموضع نفسه.
(٧) المصدر نفسه ١٠/ ٤٠٤ - ٤٠٥.
[ ١ / ٥٦٩ ]
ووافق قول الإمام أحمد فيه ما نقله ابن أبي مريم عن ابن معين: "ابن جريج ثقة في كل ما روي عنه من الكتاب" (^١).
ولم أقف على حديث يصلح أن يكون مثالًا لما ذكره الإمام أحمد عن ابن جريج.
_________________
(١) الموضع السابق.
[ ١ / ٥٧٠ ]
المبحث السابع: من حدّث في مكان لم تكن معه كتبه فخلط، وحدث في مكان آخر من كتبه فضبط.
من أسباب دخول الأوهام على أحاديث الرواة الذين ضبطوا مروياتهم في الكتب عدم اصطحابهم لكتبهم أو فقدانهم لها في بعض رحلاتهم، فيضطرون للتحديث اعتمادًا على الذاكرة، فيقع الوهم بسبب ذلك في مرويات من سمع منهم في تلك الأماكن، والحفاظ لا يحتجون بهذا الضرب من الأحاديث إلا ما توبع رواتها عليها، والفرق بين هذا الصنف من الرواة والذين تقدموا في المطلب السابق - وهم من لا يحدث من كتابه فيَهم في حديثه - أن هذا الصنف يمكن تحديد الذين سمعوا منهم في الأماكن التي ضعِّف حديثهم فيها بضابط، بخلاف الصنف الآخر الذي لا يمكن الوقوف عليهم إلا بتنصيص من إمام مطلع على من أخذ عن الراوي من حفظه دون كتابه، أو بقرينة أخرى تدل على ذلك.
وقد نبه الإمام أحمد على عدد من الرواة هم أهل حفظ وإتقان لكن حدثوا في بعض البلدان من حفظهم دون كتاب فوقعوا في أوهام، فمنهم:
١. معمر بن راشد الأزدي:
وكان أصله بصريًا ونزل اليمن، وأقام بها عشرين سنة (^١).
قال أحمد في رواية الميموني: "لا تضم إلى معمر أحدًا إلا وجدته يتقدمه في الطلب، كان من أطلب أهل زمانه للعلم" (^٢).
وسأله المروذي عن معمر، كيف هو في الحديث؟ فقال: "هو ثبت إلا أن
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٧/ ٥، ٨.
(٢) تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٠٧.
[ ١ / ٥٧١ ]
في بعض حديثه شيئًا" (^١).
ومن ذلك ما حدث به بالبصرة، فقد جاء في رواية أبي داود قال: "قلت لأحمد: ما حدّث معمرٌ بالبصرة؟ قال: أخطأ بالبصرة في أحاديث" (^٢).
والسبب في ذلك أن كتبه لم تكن معه بالبصرة كما ذكر الأثرم عن الإمام أحمد: "حديث عبد الرزاق عن معمر أحبّ إليّ من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه وينظر، يعني باليمن، وكان يحدثهم بخطأ بالبصرة" (^٣).
وذلك أنه كان يحدثهم بالبصرة من حفظه. قال عبد الله: حدثني أبي قال: "قلت لإسماعيل بن علية: كان معمر يحدثكم من حفظه؟ قال: كان يحدثنا بحفظه" (^٤). وكان إسماعيل بن علية بصريًا. وذكر الذهبي السبب في ذلك وهو أنه قدم البصرة لزيارة أمه بعد أن استقر باليمن، فلم تكن معه كتبه فحدث من حفظه فوقع للبصريين عنه أغاليط (^٥).
وقد ذكر الإمام أحمد أن البصريين الذين سمعوا من معمر بالبصرة هم الغرباء الذين استوطنوها.
قال الفضل بن زياد: "سمعت أبا عبد الله قيل له: عبد الله - يعني
ابن المبارك - سمع من معمر؟ قال: سمع منه بمكة. قيل له: فلم يسمع منه بالبصرة شيئًا؟ قال: لا، لم يكتب عن معمر بالبصرة إلا الغرباء، مثل إسماعيل بن علية، ويزيد بن زريع" (^٦).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٤٩ رقم ٢٥.
(٢) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤٠٩ رقم ١٩٢١.
(٣) تهذيب الكمال ١٨/ ٥٧، شرح علل الترمذي ٢/ ٧٦٧.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٣٠٥ رقم ٥١٣.
(٥) سير أعلام النبلاء ٧/ ١٢.
(٦) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٩٩.
[ ١ / ٥٧٢ ]
فذكر إسماعيل بن علية وكان كوفي الأصل (^١)، ويزيد بن زريع وكان أبوه واليًا على الأبلة (^٢)، فلعله نشأ بها ثم استوطن البصرة.
ووافق الإمام أحمد على إعلال حديث معمر بالبصرة عددٌ من الحفاظ:
قال يعقوب بن شيبة: "سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب، لأن كتبه لم تكن معه" (^٣).
وقال أبو حاتم: "ما حدث معمر بالبصرة فيه أغاليط" (^٤).
قال الذهبي: "ومع كون معمر ثقة ثبتًا فله أوهام، لا سيما لما قدم البصرة لزيارة أمه، فإنه لم يكن معه كتبه، فحدّث من حفظه، فوقع للبصريين عنه أغاليط، وحديث هشام - يعني ابن يوسف - وعبد الرزاق عنه أصح، لأنهم أخذوا عنه من كتبه، والله أعلم" (^٥).
مثال لما أعله الإمام أحمد من حديث معمر بالبصرة:
قال صالح بن أحمد بن حنبل: حديث غيلان: أنه أسلم وله عشر نسوة فقال له النبي ﷺ: "اختر منهن أربعًا"، معمر أخطأ فيه بالبصرة في هذا الإسناد، ورجع باليمن جعله منقطعًا (^٦).
هذا الحديث رواه معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن غيلان بن سلمة
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء ٧/ ١٠٧.
(٢) بالموحدة، بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة وهي أقدم من البصرة معجم البلدان ١/ ٧٧.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٦٧.
(٤) الجرح والتعديل ٨/ ٢٥٧.
(٥) سير أعلام النبلاء ٧/ ١٢.
(٦) مسائل الإمام أحمد - برواية ابنه صالح ٣/ ١٧٩ رقم ١٦٠١، وانظر: شرح علل الترمذي ٢/ ٧٦٨.
[ ١ / ٥٧٣ ]
الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ: "اختر منهنّ أربعًا". هكذا حدث به معمر بالبصرة، ورواه عنه جماعة من أهل البصرة منهم: سعيد بن أبي عروبة (^١)، وإسماعيل بن علية (^٢)، ومحمد بن جعفر غندر (^٣)، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي (^٤)، ويزيد بن زريع (^٥). وكذلك رواه عنه جماعة من غير أهل البصرة منهم: سفيان الثوري (^٦)، وعيسى بن يونس (^٧)، وعبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي (^٨)، ومروان بن معاوية الفزاري (^٩) وأربعتهم من أهل الكوفة؛ ويحيى ابن أبي كثير (^١٠)، وهو يمامي، والفضل بن موسى (^١١)، وهو خراساني.
وتابع معمرًا على هذه الرواية عن الزهري: بحر السقاء (^١٢)، وهو
_________________
(١) روي من طرق عنه: أخرجه الترمذي الجامع ٣/ ٤٣٥ ح ١١٢٣، وأحمد المسند ٩/ ٣٩٢ ح ٥٥٥٨، والدارقطني سنن الدراقطني ٣/ ٢٦٩، والحاكم المستدرك ٢/ ١٩٢، والبيهقي السنن الكبرى ٧/ ١٤٩.
(٢) أخرج حديثه الإمام أحمد المسند ٨/ ٢٢٠ ح ٤٦٠٩، ٨/ ٢٥٣ ح ٤٦٣٢، وابن أبي شيبة مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ٣ ح ١٧١٨٢، وأبو يعلى مسند أبي يعلى ٩/ ٣٢٥ ح ٥٤٣٧، ومن طريقه ابن حبان الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٩/ ٤٦٣ ح ٤١٥٦، والبيهقي السنن الكبرى ٧/ ١٨١.
(٣) أخرج حديثه ابن ماجه سنن ابن ماجه ١/ ٦٢٨ ح ١٩٥٣، وأحمد المسند ٩/ ٦٩ ح ٥٠٢٧، ومقرونًا بإسماعيل بن علية: ٨/ ٢٥٣ ح ٤٦٣٢، والبيهقي مقرونًا أيضًا بابن علية السنن الكبرى ٧/ ١٨١.
(٤) أخرج حديثه الروياني في مسنده ٢/ ٤٠٠ ح ١٣٩٩، والطحاوي شرح معاني الآثار ٣/ ٢٥٢.
(٥) ذكره ابن أبي حاتم تعليقًا علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٠١، والحاكم المستدرك ٢/ ١٩٢.
(٦) أخرج حديثه البيهقي السنن الكبرى ٧/ ١٨٢، وابن عبد البر التمهيد ١٢/ ٥٥.
(٧) أخرج حديثه ابن حبان الإحسان ٩/ ٤٦٦ ح ٤١٥٨، والحاكم المستدرك ٢/ ١٩٣.
(٨) أخرج حديثه الحاكم المستدرك ٢/ ١٩٢.
(٩) أخرج حديثه ابن أبي شيبة مصنفه ٤/ ٣ ح ١٧١٨٢، والدارقطني السنن ٣/ ٢٦٩.
(١٠) أخرج حديثه الحاكم المستدرك ٢/ ١٩٣. وفي سنده أحمد بن محمد بن عمر بن يونس، وهو كذاب، قاله الذهبي في تلخيص المستدرك بهامش المستدرك ٢/ ١٩٣.
(١١) أخرج حديثه ابن حبان الإحسان ٩/ ٤٦٥ ح ٤١٥٧، والحاكم المستدرك ٢/ ١٩٣.
(١٢) أخرج حديثه الطبراني المعجم الكبير ١٨/ ٢١٣ ح ٦٥٨، المعجم الأوسط ٧/ ٢٧٨ ح ٧٤٩٤.
[ ١ / ٥٧٤ ]
ضعيف، وعامة ما يرويه أسانيدها ومتونها مما لا يتابعه عليها أحد (^١). وتابعه أيضًا يحيى بن سلام (^٢)، عن مالك، عن الزهري (^٣). قال ابن عبد البر: "أخطأ فيه يحيى بن سلام على مالك، ولم يتابع عنه على ذلك" (^٤).
وتابعه أيضًا سرار بن مجسّر العنزي (^٥) عن أيوب، عن نافع وسالم، عن ابن عمر به (^٦)، رواه عنه سيف بن عبيد الله الجرمي (^٧). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلا سرار تفرد به سيف. ا. هـ. قال ابن القيم: ومعلوم أن تفرد سيف بهذا مانع من الحكم بصحته، بل لو تفرد به من هو أجل من سيف لكان تفرده علة (^٨). ا. هـ. يشير - ﵀ - إلى أن التفرد عن علَم كثير الحديث مثل أيوب علة يعل الحديث بسببها. فيتلخص أن المتابعات لمعمر في هذا الحديث لا يصح منها شيء.
ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن النبي ﷺ مرسلًا (^٩). لكن رواه أحمد بن يوسف السلمي عن عبد الرزاق بمثل رواية أهل البصرة، أخرجه
_________________
(١) الكامل في ضعفاء الرجال ٢/ ٤٨٧، تهذيب الكمال ٤/ ١٣ - ١٤.
(٢) قال عنه أبو حاتم: صدوق، وقال أبو زرعة: ليس به بأس ربما وهم. وضعفه الدارقطني. الجرح والتعديل ٩/ ١٥٥، سؤالات البرذعي لأبي زرعة ص ٣٤٠، ميزان الاعتدال ٦/ ٥٤.
(٣) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ١٢/ ٥٤.
(٤) الموضع نفسه.
(٥) وثقه أحمد وغيره الجرح والتعديل ٤/ ٣٢٥، تهذيب التهذيب ٣/ ٤٥٥.
(٦) أخرجه الطبراني المعجم الأوسط ٢/ ١٩٠ ح ١٦٨٠، والدارقطني السنن ٣/ ٢٧١، والبيهقي السنن الكبرى ٧/ ١٨٣.
(٧) ذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما خالف ٨/ ٣٠٠، ووثقه عمرو بن يزيد الجرمي تهذيب الكمال ١٢/ ٣٢٣.
(٨) تهذيب السنن ٦/ ٢٣٥.
(٩) رواه عبد الرزاق في مصنفه ٧/ ١٦٢ ح ١٢٦٢١، وأبو داود في المراسيل ص ١٩٨ ح ٢٣٤، والطحاوي شرح معاني الآثار ٣/ ٢٥٣، والدارقطني السنن ٣/ ٢٧٠، والبيهقي السنن الكبرى ٧/ ١٨٢ من طرق عن عبد الرزاق.
[ ١ / ٥٧٥ ]
ابن مندة في معرفة الصحابة (^١). قال الحافظ ابن حجر: استنكره أبو نعيم وقال: الأثبات رووه عن عبد الرزاق مرسلًا. ا. هـ. ويؤيده ما ذكره ابن عبد البر عن يعقوب بن شيبة عن أحمد بن شبويه، عن عبد الرزاق قال: لم يسند لنا معمر حديث غيلان بن سلمة أنه أسلم وعنده عشر نسوة. ا. هـ (^٢). وسماع عبد الرزاق من معمر كان باليمن.
وتابع عبدَ الرزاق ابنُ عيينة عن معمر به (^٣). وهكذا رواه مالك عن الزهري (^٤).
ورواه يونس بن يزيد، وعقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، كلهم عن الزهري: بلغني عن عثمان بن محمد بن أبي سويد أن النبي ﷺ قال لغيلان … الحديث (^٥) وروايتهم وكذلك رواية مالك تؤيد الرواية المرسلة عن معمر.
وجه إعلال الإمام أحمد لهذا الحديث:
أعل الإمام أحمد الرواية الموصولة عن معمر بأنها مما أخطأ معمر فيها بالبصرة، وحكم للرواية المرسلة لأنها هي التي رجع إليها باليمن، بدليل أن عبد الرزاق ذكر أن معمرًا لم يكن يسند لهم هذا الحديث، ومعلوم أن سماعه من معمر كان باليمن. وهذا مثال لما ذكره الإمام أحمد أن معمرًا كان يحدث بخطأ بالبصرة،
_________________
(١) ذكره الحافظ ابن حجر عنه الإصابة ٣/ ١٩١.
(٢) التمهيد ١٢/ ٥٥.
(٣) أخرجه الطحاوي شرح معاني الآثار ٣/ ٢٥٣.
(٤) الموطأ ٢/ ٥٨٦ ح ١٢١٨، وانظر: التمهيد ١٢/ ٥٤.
(٥) رواه الدارقطني من حديث يونس السنن ٣/ ٢٧٠، والطحاوي شرح معاني الآثار ٣/ ٢٥٣، والبيهقي السنن الكبرى ٧/ ١٨٢ من حديث عقيل، والبخاري تعليقًا التاريخ الكبير ٦/ ٢٤٩ - وتصحف شعيب إلى شعبة، وهو خطأ، وانظر أيضًا: جامع الترمذي ٣/ ٤٣٥ من حديث شعيب بن أبي حمزة، لكن قال: عن محمد بن سويد الثقفي. وهكذا قال عثمان بن عمر، عن يونس السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ١٨٢. الرواية الأولى عن يونس جاءت من رواية ابن وهب، والليث.
[ ١ / ٥٧٦ ]
وحديثه باليمن كان أحب إليه لأنه كان يتعاهد كتبه وينظر فيها.
وقد وافق الإمام أحمد على إعلال هذا الحديث بهذه العلة عدد من الحفاظ، منهم: الإمام البخاري، قال: هذا حديث غير محفوظ، إنما روى هذا معمر بالعراق، وقد روي عن معمر، عن الزهري، هذا الحديث مرسلًا، ثم ذكر رواية شعيب بن أبي حمزة المرسلة عن الزهري وقال: وهذا أصح (^١). وكذلك رجح أبو زرعة وأبو حاتم الرواية المرسلة (^٢).
وقال الإمام مسلم فيما رواه البيهقي بإسناده عنه من كتابه "التمييز": "أهل اليمن أعرف بحديث معمر من غيرهم، فإنه حدث بهذا الحديث عن الزهري، عن سالم، عن أبيه بالبصرة، وقد تفرد بروايته عنه البصريون، فإن حدث به ثقة من غير أهل البصرة صار الحديث صحيحًا، وإلا فالإرسال أولى" (^٣). وذكر الحافظ ابن حجر أن ابن حبان، والحاكم، والبيهقي بنوا على قول الإمام مسلم فأخرجوا الحديث من طرق عن معمر من حديث أهل الكوفة، وأهل خراسان، وأهل اليمامة، ثم رده بقوله: "ولا يفيد ذلك شيئًا، فإن هؤلاء كلهم إنما سمعوا منه بالبصرة، وإن كانوا من غير أهلها، وعلى تقدير تسليم أنهم سمعوا منه بغيرها، فحديثه الذي حدّث به في غير بلده مضطرب، لأنه كان يحدث في بلده من كتبه على الصحة، وأما إذا رحل فحدّث من حفظه بأشياء وهم فيها … " (^٤).
_________________
(١) علل الترمذي الكبير ١/ ٤٤٧، وانظر: الجامع ٣/ ٤٣٥.
(٢) علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٠٠ رقم ١١١٩، ١٢٠٠.
(٣) السنن الكبرى ٧/ ١٨٢.
(٤) تلخيص الحبير ٣/ ١٦٨.
[ ١ / ٥٧٧ ]
مثال آخر:
قال عبد الله: حدثني أبي: قال حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ قال: "توضئوا مما غيرت النار". حدثني أبي قال: حدثنا عبد الرزاق قال: قرأت في كتاب معمر، عن الزهري، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن خارجة، عن زيد، عن النبي ﷺ في الوضوء مما غيرت النار (^١).
هذا الحديث لم يحكم فيه الإمام أحمد بشيء، وإنما أشار إلى الاختلاف على معمر بين عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي البصري، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، حيث رواه عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن خارجة بدون واسطة، ورواه عبد الرزاق من أصل كتاب معمر، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن خارجة. وبعد تتبع طرق الحديث ظهر أن عبد الأعلى قد وافقه أهل البصرة عن معمر، فرواه يزيد بن زريع (^٢)، وإسماعيل بن علية (^٣) كلاهما عن معمر بمثل رواية عبد الأعلى ليس فيه عبد الملك بن أبي بكر.
وأما عبد الرزاق فنص الإمام أحمد على أن روايته للحديث من كتاب معمر، ومعلوم أن كتب معمر لم تكن معه في البصرة وإنما حدث بها من حظفه فرواية هي المرجحة على رواية أهل البصرة. ثم إن أصحاب الزهري رووا الحديث عن الزهري بمثل رواية عبد الرزاق عن معمر؛ فرواه عقيل بن خالد (^٤)،
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ٣/ ٢٨٨ رقم ٥٢٨١ - ٥٢٨٢. وحديث عبد الأعلى عند أحمد في المسند ٣٥/ ٥١٢ ح ٢١٦٥٥، وحديث عبد الرزاق عنده أيضًا المسند ٣٥/ ٥٠٧ ح ٢١٦٤٧.
(٢) وحديثه عند الطبراني في المعجم الكبير ٥/ ١٢٩ ح ٤٨٣٩.
(٣) وحديثه عند ابن أبي شيبة في مصنفه ١/ ٥٤ ح ٥٥٣.
(٤) وحديثه عند مسلم ١/ ٢٧٢ ح ٣٥١، وأحمد المسند ٣٥/ ٥٠٤ ح ٢١٦٤٢، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٦٢، والطبراني المعجم الكبير ٥/ ١٢٨ ح ٤٨٣٦.
[ ١ / ٥٧٨ ]
والزبيدي (^١)، وشعيب بن أبي حمزة (^٢)، ويونس بن يزيد الأيلي (^٣)، ومحمد ابن عبد الرحمن بن أبي ذئب (^٤)، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر (^٥)، والأوزاعي (^٦) كلهم عن الزهري، قال: أخبرني عبد الملك بن أبي بكر أن خارجة بن زيد الأنصاري أخبره، أن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ فذكره. واجتماع هؤلاء - وهم من أثبت أصحاب الزهري - على موافقة معمر في الوجه الذي رواه عبد الرزاق عنه يقضي بصوابه وخطأ ما يخالفه، وبخاصة أن الوجه المخالف جاء من الوجه الذي تدخل الأوهام على مرويات معمر، وهي رواية أهل البصرة عنه.
وقد أخرج البخاري لمعمر من رواية جماعة من أهل البصرة منهم: عبد الأعلى ابن عبد الأعلى، ومحمد بن جعفر غندر، ويزيد بن زريع، ومسلم من رواية ابن علية، وعبد الأعلى، ويزيد بن زريع (^٧). قال ابن حجر: لم يخرج له - يعني البخاري - من رواية أهل البصرة عنه إلا ما توبعوا عليه عنه (^٨).
٢. هشام بن عروة:
وهو مدني ودخل العراق ومات ببغداد. قال وهيب: قدم علينا هشام ابن عروة، فكان فينا مثل الحسن وابن سيرين (^٩).
_________________
(١) وحديثه عند النسائي السنن ١/ ١٠٧ ح ١٧٩، والطبراني المعجم الكبير ٥/ ١٢٩ ح ٤٨٤٠.
(٢) وحديثه عند أحمد المسند ٣٥/ ٥٢٣ ح ٢١٦٩٩، والطبراني المعجم الكبير ٥/ ١٢٧ ح ٤٨٣٤.
(٣) وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير ٥/ ١٢٨ ح ٤٨٣٧.
(٤) وحديثه عند أحمد المسند ٣٥/ ٤٧٦ ح ٢١٥٩٨، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٦٢، والطبراني المعجم الكبير ٥/ ١٢٧ ح ٤٨٣٣.
(٥) وحديثه عند الطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٦٢، والطبراني المعجم الكبير ٥/ ١٢٨ ح ٤٨٣٥.
(٦) وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير ٥/ ١٢٨ ح ٤٨٣٨.
(٧) تهذيب الكمال ٢٨/ ٣٠٦ - ٣٠٧.
(٨) هدي الساري ص ٤٤٥، ويشهد لذلك أن الإمام البخاري لما خرج حديث يزيد بن زريع عن معمر في قصر الصلاة، قال: تابعه عبد الرزاق عن معمر فتح الباري ٧/ ٢٦٧ - ٢٦٨.
(٩) تاريخ بغداد ١٤/ ٣٨.
[ ١ / ٥٧٩ ]
قال أحمد في رواية الأثرم: كأن رواية أهل المدينة عنه أحسن، أو قال: أصح. ا. هـ (^١) يعني من رواية أهل العراق عنه. وحمل ذلك ابن رجب على أن كتبه لم تكن معه في العراق فيرجع إليها (^٢).
وذكر ابن خراش أنه بلغه عن مالك أنه نقم على هشام حديثه لأهل العراق (^٣).
ولم أقف على حديث أعله الإمام أحمد مما حدث به هشام بالعراق.
ومما يصلح أن يكون مثالًا لما يقع في حديث العراقيين عن هشام ما رواه أهل العراق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرِها" رواه مسلم (^٤) من حديث عبد الله بن نمير، ووكيع، وعبدة بن سليمان، وأبي أسامة كلهم عن هشام. ورواه الدارمي (^٥)، وأبو عوانة (^٦)، والبيهقي (^٧) من حديث جعفر بن عون؛ وأبو داود (^٨) من حديث وهيب بن خالد؛ والطحاوي (^٩) من حديث شعبة؛ وهؤلاء كلهم من أهل العراق.
وخالفهم مالك، فرواه عن هشام، عن أبيه، عن عائشة بلفظ: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ثم ينصرف، فإذا سمع النداء
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٧٨، ٧٦٩.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٦٩.
(٣) تاريخ بغداد ١٤/ ٤٠.
(٤) صحيح مسلم ١/ ٥٠٨ ح ٧٣٧.
(٥) سنن الدارمي ١/ ٣٧١.
(٦) مسند أبي عوانة ٢/ ٣٢٥.
(٧) السنن الكبرى ٣/ ٢٧.
(٨) سنن أبي داود ٢/ ٣٩ ح ١٣٣٨.
(٩) شرح معاني الآثار ١/ ٢٨٤.
[ ١ / ٥٨٠ ]
بالصبح ركع ركعتين خفيفتين] أخرجه في الموطأ (^١)، ومن طريق مالك أخرجه البخاري (^٢)، وأبو داود (^٣)، والنسائي (^٤). فلم يذكر مالك الوتر بخمس ركعات لا يجلس في شيء إلا في آخرها.
فذكر ابن رجب أنه قد تَكلم في حديث هشام هذا غيرُ واحد (^٥). قال ابن عبد البر عن الرواية المخالفة لرواية مالك: "إنما حدث به عن هشام أهل العراق، وما حدث به هشام بالمدينة قبل خروجه إلى العراق أصح عندهم، ولقد حكى علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان قال: رأيت مالك بن أنس في النوم فسألته عن هشام بن عروة، فقال: أما ما حدّث به عندنا - يعني بالمدينة قبل خروجه، فكأنه يصححه، وأما ما حدث به بعد خروجه من عندنا فكأنه يوهنه" (^٦).
ولعل تخريج الإمام البخاري لحديث هشام من طريق مالك وإعراضه عما يخالفه من رواية أهل العراق عن هشام مبني على هذا الاعتبار.
لكن قد روى الحديث جماعة ممن سمع من هشام بالمدينة بمثل رواية أهل العراق، منهم الليث بن سعد، وحديثه عند أحمد (^٧)، والطحاوي (^٨)؛ ويحيى بن سعيد القطان، وحديثه عند أحمد (^٩)، وابن خزيمة (^١٠)، وكان سماعه من هشام
_________________
(١) الموطأ ١/ ٢٢١ ح ٢٦٤، وانظر: التمهيد ٢٢/ ١١٩.
(٢) فتح الباري ٣/ ٤٦ ح ١١٧٠.
(٣) السنن ٢/ ٣٩ ح ١٣٣٩.
(٤) السنن الكبرى ١/ ١٦٦ ح ٤٢٠.
(٥) فتح الباري لابن رجب ٦/ ١٩٤.
(٦) التمهيد ٢٢/ ١١٩ - ١٢٠.
(٧) المسند ٤٠/ ٤١٧ ح ٢٤٣٥٧.
(٨) شرح معاني الآثار ١/ ٢٨٤.
(٩) المسند ٤٠/ ٢٨٥ ح ٢٤٢٣٩.
(١٠) صحيح ابن خزيمة ٢/ ١٤١ ح ١٠٧٧.
[ ١ / ٥٨١ ]
بالمدينة (^١)؛ ومحمد بن إسحاق، وحديثه عند أحمد (^٢)، فهؤلاء منهم من كان من أهل المدينة - وهو ابن إسحاق - ومنهم من كان من غير أهلها لكن سماعه من هشام بها. فبناء على هذا تزول العلة التي أعل بها الحديث من أنه من رواية أهل العراق عن هشام، فلم يبق إلا الترجيح برواية الأحفظ على رواية الأكثر من حيث العدد، فترجح رواية مالك لمزيد حفظه وإتقانه، على رواية العدد الكثير وخاصة أن معظمهم ممن سمع من هشام بالعراق. وأيضًا لمعارضة روايتهم لحديث ابن عمر مرفوعًا: "صلاة الليل مثنى مثنى". قال ابن عبد البر: هذا من الأحاديث التي لم يختلف في إسنادها ومتنها، وهو حديث ثابت مجمتع على صحته، وهو قاض في الباب على ما كان ظاهره خلافه. ا. هـ (^٣).
وأما الأثرم فأنكر الحديث من وجه آخر، وهو مخالفة هشام لما روي عن عائشة، قال الأثرم: وقد روى هذا الحديث عن عائشة غيرُ واحد، لم يذكروا في حديثهم ما ذكره هشام عن أبيه من سرد الخمس. ا. هـ (^٤).
وقد يعترض عليه بمتابعة محمد بن جعفر بن الزبير (^٥) كما رواه ابن إسحاق عنه، عن عروة عن عائشة: [كان رسول الله ﷺ يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتيه
_________________
(١) هذا مفاد الحكاية التي وردت في المعرفة والتاريخ ٢/ ١٥٠ عن يحيى قال: جرى بيني وبين مالك في حديث نافع شيء، فبلغ ذلك هشام بن عروة، فلما جئت قال: هيه يا عراقي! أي شيء وقع بينك وبين مالك؟ وكان ما بينهما ليس بذاك، فقلت: ما وقع بيني وبينه شيء. ا. هـ. لكن لا يمنع أن يكون سمع منه يحيى بالعراق أيضًا عند ما صار إليها هشام، والله أعلم.
(٢) المسند ٤٣/ ٣٧٧ ح ٢٦٣٥٨ من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، عن هشام ومحمد بن جعفر بن الزبير عن عروة به، والظاهر أنه حمل لفظ حديث هشام على حديث محمد بن جعفر. انظر: لفظ حديث محمد بن جعفر سنن أبي داود ٢/ ٩٦ ح ١٣٥٩، السنن الكبرى للبيهقي ٣/ ٢٨. وبين اللفظين مخالفة ظاهرة، كما سيأتي.
(٣) التمهيد ٢٢/ ١١٩.
(٤) فتح الباري لابن رجب ٦/ ١٩٤.
(٥) وثقه النسائي وغيره تهذيب الكمال ٢٤/ ٥٨٠.
[ ١ / ٥٨٢ ]
قبل الصبح، يصلي ستًا مثنى مثنى، ويوتر بخمس لا يقعد بينهن إلا في آخرهن" (^١). لكن يحتمل أن ابن إسحاق دلسه عن شيخه، وهي على كل حال علة لا تمنع من الاعتبار بالحديث.
وكذلك تابعه عمر بن مصعب بن الزبير، عن عروة، عن عائشة [كان النبي ﷺ يوتر بخمس، لا يقعد بينهن] (^٢). وعمر بن مصعب بن الزبير ذكره البخاري، وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا (^٣)، وذكره ابن حبان في الثقات (^٤)، وقال الذهبي: جاء في إسناد مظلم فيحرر أمره (^٥). فمثل هذا لا بأس به في المتابعات، والله أعلم.
٣. يزيد بن هارون:
قال أحمد في رواية الفضل بن زياد: "ما كان أجمع أمر يزيد! صاحب صلاة، حافظ متقن للحديث، صرامة وحسن مذهب " (^٦).
وقال أحمد في رواية صالح: "يزيد بن هارون من سمع منه بواسط هو أصح ممن سمع ببغداد، لأنه كان بواسط يلقن فيرجع إلى ما في الكتب" (^٧).
وذلك أن يزيد بن هارون ساء حفظه لما كفّ بصره، فلذلك كان يأمر
_________________
(١) أخرجه أبو داود السنن ٢/ ٩٦ ح ١٣٥٩، والطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٢٨٤، والبيهقي السنن الكبرى ٣/ ٢٨. ولم يصرح ابن إسحاق بالسماع عندهم، لكن رواه أحمد من طريقه قال: حدثني هشام بن عروة، ومحمد بن جعفر بن الزبير … فيحتمل أنه يكون سمع منهما جميعًا ويحتمل أنه سمع من هشام بن عروة فقط وهو الظاهر، والله أعلم.
(٢) أخرجه الطبراني المعجم الأوسط ٧/ ٣٥٥ ح ٧٧١٤، والخطيب تاريخ بغداد ١/ ٣٨٨.
(٣) التاريخ الكبير ٦/ ١٩٦، الجرح والتعديل ٦/ ١٣٤.
(٤) الثقات ٥/ ١٤٦.
(٥) المغني في الضعفاء ٢/ ٤٧٤.
(٦) تاريخ بغداد ١٤/ ٣٤٠.
(٧) مسائل الإمام أحمد - برواية صالح ٣/ ١٨١ رقم ١٦٠٥.
[ ١ / ٥٨٣ ]
جارية له فتُلقّنه من كتبه ويحفظ عنها (^١)، ويفهم من كلام أحمد في رواية صالح أن كتبه لم تكن معه ببغداد حتى يحفظ منها، فمن أجل ذلك قدّم من سمع منه بواسط على من سمع منه ببغداد.
ولم أقف على حديث يصلح أن يكون مثالًا لهذه العلة التي ذكرها الإمام أحمد في حديث شيخه يزيد بن هارون.
٤. جزير بن حازم:
من أجلة أهل البصرة، ووثقه الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله (^٢)، وقال في رواية ابن هانئ: كان يحفظ عن العلماء (^٣). وقال في رواية المروذي: كان حافظًا، وقال مرة: كان في بعض حديثه شيء (^٤).
ونقل ابن حجر عن الساجي عن الأثرم عن أحمد أنه قال عن جرير: حدث بمصر أحاديث وهم فيها، ولم يكن يحفظ. ا. هـ (^٥).
وكان جرير قد ارتحل إلى مصر في الكهولة فسمع من المصريين وكتبوا عنه (^٦)، فأوهامه بمصر محمولة على أن كتبه لم تكن معه إذ أغلب أسباب دخول الأوهام على حديث الراوي إذا حدث في غير بلده ترجع إلى عدم وجود كتبه معه.
_________________
(١) ذكر أبو خيثمة أنه كان يعاب على يزيد بن هارون حيث ذهب بصره أنه ربما سئل عن الحديث لا يعرفه فيأمر جارية له فتحفظه من كتابه. ا. هـ تاريخ بغداد ١٤/ ٣٣٨. وأجاب عنه الذهبي بأن هذا الفعل لا بأس به مع أمانة من يلقنه سير أعلام النبلاء ٩/ ٣٦٣، وانظر: الكفاية في علم الرواية ص ٣٧٩، فتح المغيث ٣/ ١٣٢.
(٢) العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله ١/ ٥١٢ رقم ١١٩٧.
(٣) مسائل الإمام أحمد - برواية ابن هانئ ٢/ ٢٢٨ رقم ٢٢٥٠.
(٤) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ٩٥ رقم ١٤٣.
(٥) هدي الساري ص ٣٩٥.
(٦) المعرفة والتاريخ ٢/ ٦٦٦، وسير أعلام النبلاء ٧/ ١٠٠.
[ ١ / ٥٨٤ ]
مثال لما أعله الإمام أحمد من حديث جرير بمصر:
ذكر الحافظ ابن حجر عن الإسماعيلي أنه قال عن أحمد في حديث عبد الله ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن سلمان بن عامر الضبي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دمًا وأميطوا عنه الأذى" قال: حديث جرير بن حازم كأنه على التوهم.
فهذا الحديث أخرجه البخاري (^١) من رواية جرير بن حازم تعليقًا بصيغة الجزم، ووصله الطحاوي (^٢). ورواه البخاري (^٣) مسندًا من طريق أبي النعمان، عن حماد بن زيد، عن أيوب به موقوفًا على سلمان بن عامر، ورواه أحمد (^٤) عن يونس، عن حماد به موقوفًا أيضًا. فخالف جرير بن حازم حماد بن زيد في رفع الحديث عن أيوب، وهذا وجه توهيم الإمام أحمد لجرير، لأن الراوي عنه هو عبد الله بن وهب، وهو ممن سمع من جرير بمصر، قد خالف حماد بن زيد في رفع الحديث عن أيوب، وقد قال أحمد: ما عندي أحد أعلم بحديث أيوب من حماد بن زيد (^٥). لكن قد وافق جرير غيرُه على رفع الحديث عن أيوب، فرواه حماد بن سلمة، عن أيوب، وقتادة، وهشام، وحبيب، عن ابن سيرين، عن سلمان عن النبي ﷺ. علقه البخاري (^٦)، ووصله النسائي (^٧)، وأحمد (^٨). لكن حماد بن سلمة إذا جمع الشيوخ فإنه يضغف كما
_________________
(١) صحيح البخاري ٩/ ٥٩٠ ح ٥٤٧٢ مع فتح الباري.
(٢) شرح مشكل الآثار ح ١٠٤٩، وانظر تغليق التعليق ٤/ ٤٩١.
(٣) الموضع السابق.
(٤) المسند ٢٦/ ١٧٤ ح ١٦٢٣٨.
(٥) العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره ص ٢١٨ رقم ٤١٥ من رواية الميموني عن أحمد.
(٦) الموضع نفسه.
(٧) المجتبى ٧/ ١٦٤ ح ٤٢٢٥، والكبرى ٣/ ١٧٥ ح ٤٥٤٠.
(٨) المسند ٢٦/ ١٧٢ ح ١٦٢٣٦. ورواه أيضًا من طريق حماد بن سلمة عن أيوب وقتادة وحدهما
[ ١ / ٥٨٥ ]
تقدم (^١). ورواه الدبري عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان بن عامر عن النبي ﷺ (^٢)، فخالف أصحاب أيوب في روايته عن حفصة بدل محمد، وهذا يحتمل أن يكون خطأ من الدبري، فإن سماعه من عبد الرزاق بأخرة، وهذه الرواية ليست عند أحمد، وهو ممن كتب عن عبد الرزاق على الوجه، وقد روى حديث سلمان من طريق عبد الرزاق من وجه آخر (^٣).
وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى أن جرير بن حازم تفرد بذكر التحديث بين محمد بن سيرين، وسلمان بن عامر، لأن الذين رووا الحديث رووه بالعنعنة بينهما، وهذا وجه آخر لوهم جرير بن حازم، ولم أقف على من روى الحديث عن جرير من غير أهل مصر حتى نتيقن وهم جرير في هذا الحديث.
وقد ثبت رفع الحديث من طرق أخرى عن سلمان بن عامر. قال البخاري: وقال غير واحد: عن عاصم، وهشام، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر الضبي عن النبي ﷺ (^٤). ثم إن الاختلاف على محمد بن سيرين بالرفع والوقف ليس يضر، لأن ابن سيرين كان يقف الأحاديث كثيرًا ولا يرفعها والناس كلهم يخالفونه ويرفعونها (^٥).
مثال آخر:
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - تحفظه عن يحيى، عن
_________________
(١) = عن ابن سيرين به المسند ٢٦/ ١٧٥ ح ١٦٢٣٩.
(٢) انظر: ص ٣٧٦.
(٣) مصنف عبد الرزاق ٤/ ٣٢٩ ح ٧٩٥٩، ومعجم الطبراني الكبير ٦/ ٢٧٣ ح ٦٢٠٠.
(٤) المسند ٢٦/ ١٦٩ ح ١٦٢٣٢.
(٥) صحيح البخاري ٩/ ٥٩٥ - مع فتح الباري.
(٦) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٠٠.
[ ١ / ٥٨٦ ]
عمرة، عن عائشة: أصبحت أنا وحفصة صائمتين؟ فأنكره، وقال: من رواه؟ قلت جرير بن حازم، فقال: جرير كان يحدث بالتوهم (^١).
هذا الحديث رواه النسائي (^٢)، والطحاوي (^٣)، وابن حبان (^٤)، والطبراني (^٥) من طرق عن ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوِّعتين، فأُهديَتْ لنا هديةٌ، فأكلناها فدخل علينا رسول الله ﷺ قالت عائشة: فبدرتني حفصة - وكانت بنتَ أبيها - فسألتْ رسول الله ﷺ فقال: "لا عليكما، صُوما يومًا مكانَه" وهذا لفظ الطبراني، وهو عند الباقين بأخصر منه. وقال الطبراني: لم ير هذا الحديث عن يحيى ابن سعيد إلا جريرُ بن حازم، تفرد به ابن وهب. ا. هـ (^٦).
وأنكره الإمام أحمد على جرير بن حازم لتفرده به عن يحيى بن سعيد من هذا الوجه، وعلّل ذلك بأنه كان يحدث بالتوهم. وقد ذكر الذهبي هذه القصة عن الأثرم فزاد: قلت القائل الأثرم: أكان يحدثهم بالتوهم بمصر خاصة أو غيرها؟ قال: في غيرها وفيها. وقال أبو عبد الله: أشياء يسندها عن قتادة باطل. ا. هـ (^٧). فظاهر هذه الرواية أن أوهام جرير عند أحمد تعم حديثه بمصر وبغيرها، فإن ثبتت هذه الزيادة في رواية الأثرم فلا اختصاص لرواية أهل مصر
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٢٨١.
(٢) السنن الكبرى ٢/ ٢٤٨ ح ٣٢٩٩. ووقع في المطبوع: عن عروة مكان عمرة، وهو خطأ، والتصويب من تحفة الأشراف ١٢/ ٤٢٧، وكذلك رواية ابن عبد البر للحديث من طريق السنائي التمهيد ١٢/ ٧١.
(٣) شرح معاني الآثار ٢/ ١٠٩.
(٤) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٨/ ٢٨٤ ح ٣٥١٧.
(٥) المعجم الأوسط ٦/ ٢٨٦ ح ٦٤٣٣.
(٦) الموضع السابق.
(٧) سير أعلام النبلاء ٧/ ١٠٣.
[ ١ / ٥٨٧ ]
عن جرير بوقوع الأوهام فيها، ويكون وجه علة هذا الحديث مطلق وهم جرير.
ومما يدل على وهم جرير في هذا الحديث مخالفة حماد بن زيد له فيه، حيث رواه عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن عائشة ليس فيه عمرة، وجعله منقطعًا بين الزهري وعائشة (^١). أخرجه من هذا الوجه الطحاوي (^٢)، والبيهقي (^٣) من طريق الرمادي عن علي بن المديني، عن حماد بن زيد. وقد اعتمد علي بن المديني هذه الرواية في إنكار رواية جرير، قال الرمادي: "قلت لعلي بن المديني: يا أبا الحسن، تحفظ عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة: قلت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين؟ فقال لي: من روى هذا الحديث؟ قلت ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد، قال: فضحك، فقال: مثلك يقول مثل هذا! حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين" (^٤).
وأما الإمام مسلم فأنكره على جرير من وجه آخر، وهو عدم ضبطه لحديث يحيى بن سعيد الأنصاري، قال الإمام مسلم: "وأما حديث يحيى ابن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، فلم يسنده عن يحيى إلا جرير بن حازم، وجرير لم يُعنَ في الرواية عن يحيى، إنما روى من حديثه نزر، ولا يكاد يأتي بها على التقويم والاستقامة، وقد يكون من ثقات المحدثين من يضعف روايته عن بعض رجاله الذي حمل عنهم للتثبت يكون له في وقت … " (^٥).
وممن وافق الإمام أحمد في توهيم رواية جرير بمصر الإمام النسائي، قال
_________________
(١) وقد اختلف أصحاب الزهري في هذا الحديث وأن الصواب عن الزهري مرسلًا عن عائشة، وقد تقدم في جعفر بن برقان عن الزهري في مطلب من ضعف في بعض شيوخه.
(٢) شرح معاني الآثار الموضع السابق.
(٣) السنن الكبرى الموضع السابق.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٢٨١.
(٥) التمييز ص ٢١٧.
[ ١ / ٥٨٨ ]
الحافظ ابن حجر في الاختلاف على حديث علي بن أبي طالب: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستقيظ" بالرفع والوقف، بعد ذكر رواية الرفع من طريق جرير بن حازم، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: أعله النسائي بأن جرير بن حازم حدث بمصر بأحاديث غلط فيها. ا. هـ (^١).
وذكر الذهبي أن أوهام جرير بن حازم اغتفرت له في سعة ما روى (^٢)، وقد روى له من كبار المصريين غير ابن وهب يزيد بن أبي حبيب، والليث بن سعد، ويحيى بن أيوب الغافقي، وعبد الله بن لهيعة، ولم يخرج الشيخان من حديث أهل مصر عنه إلا من طريق ابن وهب عنه (^٣).
٥. الوليد بن مسلم:
قال أحمد: ليس أحد أروى لحديث الشامين من إسماعيل بن عياش، والوليد بن مسلم (^٤). وقال ابن رجب: طاهر كلام الإمام أحمد أنه إذا حدث بغير دمشق ففي حديثه شيء (^٥)، ثم ذكر ما رواه أبو داود عن أحمد:
سمعت أحمد سئل عن حديث الأوزاعي، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: "عليكم بالباءة" قال: هذا من الوليد، نخاف أن يكون ليس بمحفوظ عن الأوزاعي، لأنه حدث به الوليد بحِمص، ليس هو عند أهل دمشق (^٦).
_________________
(١) فتح الباري ١٢/ ١٢١. وحديث جرير بن حازم من رواية ابن وهب عنه انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٨/ ٢٦٨. وقد رواه شعبة، ووكيع، وجرير بن عبد الحميد الضبي عن الأعمش موقوفًا.
(٢) سير أعلام النبلاء ٧/ ١٠٠.
(٣) انظر: تهذيب الكمال ٤/ ٥٢٧.
(٤) المعرفة والتاريخ ٢/ ١٦٥.
(٥) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٧٢.
(٦) مسائل الإمام أحمد - برواية أبي داود ص ٤١٣ رقم ١٩٣٦.
[ ١ / ٥٨٩ ]
ولم أقف على هذا الحديث.
وذكر ابن رجب عن أحمد أيضًا أنه تكلم فيما حدث به الوليد من حفظه بمكة (^١).
_________________
(١) شرح علل الترمذي الموضع السابق.
[ ١ / ٥٩٠ ]
المبحث الثامن: من لم يضبط أهل إقليم حديثه.
المقصود بهم الرواة الذين روى عنهم أهل بلد أو إقليم فلم يقيموا حديثهم. وهؤلاء الرواة أمرهم قريب من أمر الرواة الذين حدّثوا في مكان لم تكن معهم كتبهم فوقعوا في الأوهام، والفرق بينهم أن أولئك عرف في أمرهم مصدر الخطأ، وهو كون كتبهم لم تكن معهم، وأما هؤلاء فقد يكون الخطأ غير راجع إليهم بل إلى تلاميذهم حيث لم يضبطوا عنهم.
فمن هؤلاء الرواة زهير بن محمد الخراساني.
وثقه الإمام أحمد ووصفه بأنه مستقيم الحديث (^١).
وتكلم في رواية أهل الشام عنه. قال الأثرم: "سمعت أبا عبد الله وذكر رواية الشاميين عن زهير بن محمد قال: يروون عنه أحاديث مناكير هؤلاء، ثم قال لي: ترى هذا زهير بن محمد الذي يروون عنه أصحابنا؟ ثم قال: أما رواية أصحابنا عنه فمُستقيمة: عبد الرحمن بن مهدي، وأبو عامر، أحاديث مستقيمة صحاح، وأما أحاديث أبي حفص ذاك التِّنِّيسيّ فتلك بواطيل موضوعة أو نحو هذا، فأما بواطيل فقد قاله" (^٢).
وهنا يستفهم الإمام أحمد استفهام تعجب: هل هذا الذي يروي عنه أهل الشام هو زهير بن محمد الذي روى عنه ابن مهدي وغيره؟ وقد روى البخاري مثل هذا عن أحمد، قال: قال أحمد: كأن الذي روى عنه أهل الشام زهير آخر فقُلب اسمُهُ. ا. هـ (^٣). وقال الترمذي: قال ابن حنبل: "كأن زهير بن محمد الذي
_________________
(١) الجرح والتعديل ٣/ ٥٩٠، تهذيب الكمال ٩/ ٤١٦.
(٢) تهذيب الكمال ٩/ ٤١٧.
(٣) التاريخ الكبير ٣/ ٤٢٧ - ٤٢٨.
[ ١ / ٥٩١ ]
وقع بالشام ليس هو الذي يُروى عنه بالعراق، كأنه رجل آخر قلبوا اسمه، يعني لما يروون عنه من المناكير" (^١).
وهذا الذي قاله الإمام أحمد من أن زهير بن محمد قد يكون رجلًا آخر انقلب اسمه على أهل الشام له ما يشهد له، فروى ابن أبي حاتم قال: سألت أبي عن حديث رواه معاذ بن خالد العسقلاني، عن زهير بن محمد، عن شرحبيل بن سعد، عن جبار ابن صخر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إنا نُهينا أن تُرى عوراتنا" قال أبي: هذا الحديث بعينه حدثنا معاذ بن حسّان قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن شرحبيل عن جبار بن صخر. ا. هـ (^٢). ومعاذ بن خالد العسقلاني قال فيه أبو حاتم: شيخ تُشبه أحاديثه عن زهير بن محمد أحاديث إبراهيم بن أبي يحيى (^٣).
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: سمعت أبي وحدثنا عن محمد بن علي بن عمر العسقلاني، عن معاذ بن خالد، عن زهير بن محمد، عن صفوان بن سليم، عن خشيم بن جبير، عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "لا تظلموا فتدعوا فلا يستجاب لكم، وتستسقوا فلا تُسقوا، وتستنصروا فلا تنصروا" قال أبي: أخاف أن يكون أراد إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى بدل زهير بن محمد. ا. هـ (^٤).
فهذا أحد الرواة الشاميين يرى أبو حاتم أنه ربما قلب عليه إبراهيم بن أبي يحيى فجعله زهير بن محمد، فلا يبعد أن ما يخافه الإمام أحمد من هذا القبيل.
فهذا أحد الاحتمالات في سبب وقوع المناكير في حديث الشاميين عن زهير - أي أنه رجل آخر رووا عنه فقلبوا اسمه وجعلوه زهير بن محمد. والاحتمال الآخر
_________________
(١) جامع الترمذي ٥/ ٣٧٣.
(٢) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٢٧٦ ح ٢٣٢٧.
(٣) الجرح والتعديل ٨/ ٢٥٠.
(٤) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٢٠١ ح ٢٠٩٣.
[ ١ / ٥٩٢ ]
هو ما ذكره أبو حاتم أن العلة من زهير نفسه، فإنه وصفه بسوء الحفظ وجعله سبب نكارة حديث بالشام وقال: ما حدث من كتبه فهو صالح، وما حدث من حفظه ففيه أغاليط (^١). فهذا يلحقه بالنوع الذي تقدم وهو: من حدث في مكان لم تكن معه كتبه فوهم. وهناك احتمال ثالث ذكره ابن عدي، وهو أن أهل الشام لما رووا عنه أخطأوا عليه (^٢)، فجعل الخطأ من الرواة عنه، وهذا يحتمل أن يكون خطؤهم في قلبهم رجلًا آخر به كما قاله أحمد على الاحتمال، ويحتمل أن يكون خطؤهم أنهم لم يحفظوا حديثه، لكن يبعد أن يتطابق أهل إقليم أجمع على عدم الضبط لحديث راوٍ معين، والعلم عند الله.
وممن ذهب إلى إنكار أحاديث أهل الشام عن زهير بن محمد وتصحيح أحاديث أهل العراق عنه الإمام البخاري. قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: "أهل الشام يروون عن زهير بن محمد مناكير، وأهل العراق يروون عنه أحاديث مقاربة" (^٣). وعن البخاري أيضًا: ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح. ا. هـ (^٤).
ولما قال أحمد للأثرم: أحاديث التنيسي عن زهير بواطيل، ذكر له الحديث رواه في التسليمة الواحدة فقال: مثل هذا (^٥)، أي في كونه من بواطيل فهذا منه إنكار للحديث. والحديث هو ما أخرجه الترمذي (^٦) من طريق عمرو بن أبي سلمة التِّنِّيسيّ، عن زُهير بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة
_________________
(١) الجرح والتعديل ٣/ ٥٩٠.
(٢) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١٠٧٨.
(٣) جامع الترمذي ٥/ ٣٧٣.
(٤) تهذيب الكمال ٩/ ٤١٨.
(٥) فتح الباري لابن رجب ٥/ ٢٠٩.
(٦) جامع الترمذي ٢/ ٩٠ ح ٢٩٦.
[ ١ / ٥٩٣ ]
"أن رسول الله ﷺ كان يُسلِّم في الصلاة تسليمة واحدة تِلقاءَ وجهه يَميل إلى الشق الأيمن شيئًا" (^١)، وتابعه عبد الملك بن محمد الصنعاني، رواه ابن ماجه (^٢)، وابن عدي (^٣). وخالفهما الوليد بن مسلم، فرواه عن زهير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة موقوفًا رواه العقيلي (^٤)، وقال الوليد: فقلت لزهير بن محمد: فهل بلغك عن رسول الله ﷺ فيه شيء؟ قال: نعم، أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري أن رسول الله ﷺ كان يسلم تسليمة. ا. هـ.
وله أصل عن عائشة موقوفًا، رواه البيهقي من طريق عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة ﵂ أنها كانت تسلّم في الصلاة تسليمة واحدة قِبَل وجهها: "السلام عليكم" (^٥).
ورجح الحفاظ رواية الوقف منهم أبو حاتم، قال: "هذا حديث منكر، هو عن عائشة موقوف" (^٦). وقال العقيلي: رواية الوليد - أي الموقوفة - أولى (^٧). وقال الدارقطني: الصحيح وقفه، ومن رفعه فقد وهم (^٨). وقال الطحاوي: "هذا حديث أصله موقوف على عائشة ﵂، هكذا رواه الحفاظ، وزهير بن محمد وإن كان ثقة فإن رواية عمرو بن أبي سلمة عنه تضعّف جدًا" (^٩).
_________________
(١) ورواه الطحاوي شرح معاني الآثار ١/ ٢٧٠، وابن حبان ٥/ ٣٣٥ ح ١٩٩٥ الإحسان، والدارقطني السنن ١/ ٣٥٧، والحاكم المستدرك ١/ ٢٣٠، والبيهقي السنن الكبرى ٢/ ١٧٩.
(٢) السنن ١/ ٢٩٧ ح ٩١٩.
(٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ١٠٧٥.
(٤) الضعفاء للعقيلي ٣/ ٩٩٠.
(٥) السنن الكبرى ٢/ ١٧٩.
(٦) علل ابن أبي حاتم ١/ ١٤٨ ح ٤١٤.
(٧) الموضع السابق.
(٨) انظر: فتح الباري لابن رجب ٥/ ٢١٠، وتلخيص الحبير ١/ ٢٧٠.
(٩) شرح معاني الآثار ١/ ٢٧٠.
[ ١ / ٥٩٤ ]
وكون رواية الوليد بن مسلم لهذا الحديث عن زهير هي المحفوظة، والوليد شامي لا يدل على أن المناكير لا تقع إلا في رواية بعض أهل الشام عن زهير، بل المناكير تقع في رواية الوليد بن مسلم عنه كما تقع في رواية غيره من أهل الشام. قال البخاري: "روى عن زهير بن محمد الوليدُ بن مسلم، وعمرُو بن أبي سلمة مناكير عن ابن المنكدر، وهشام بن عروة، وأبي حازم" (^١).
ولزهير بن محمد غير هذا الحديث من رواية أهل الشام أنكره عليه الحفاظ (^٢)
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٧٨.
(٢) وعند ابن أبي حاتم عدد من ذلك، ذكرها في علله بإعلال كل من أبيه وأبي زرعة انظرها: ح ٨٩٥، ١٣٨١، ٢٠٩٣، ٢١٦٧، ٢٣٢٧، ٢٣٧٥ كلها من رواية أهل الشام عن زهير.
[ ١ / ٥٩٥ ]