المبحث الأول: الأحاديث المعلولة في الجامع الصحيح.
المبحث الثاني: التفرد وأثره في التعليل.
المبحث الثالث: المخالفة وأثرها في التعليل
المبحث الرابع: زيادات الثقات.
[ ٢١١ ]
المبحث الأول: الأحاديث المعلولة في الجامع الصحيح
المطلب الأول: تعريفا لعلة وبيان مواضعها، وحكمها ودلائها.
المطلب الثاني: الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري وتصنيفها.
المطلب الأول: تعريف العلة وبيان مواضعها وحكمها ودلائلها
تمهيد:
إن الجامع الصحيح للإمام البخاري من أصح الكتب في الحديث بل أصحها، ومع ذلك فهو جهد بشري ليس كاملًا ولا معصومًا، ومن هنا نجد بعض الأئمة الحفاظ قد تكلموا على بعض الأحاديث في هذا الكتاب، وبينوا فيها عللًا تجعلها قاصرة على رتبة الصحة، وقبل الخوض في ذكر هذه الانتقادات وتقويمها يجدر بنا أن نعرف العلة ومواضعها ودلائلها، ثم نتعرض إلى الأحاديث المنتقدة في جامع الصحيح، ومناهج هؤلاء الأئمة في انتقاداتهم وكذلك طريقة من حاول الدفاع عن الصحيح والرد على هذه الانتقادات.
[ ٢١٣ ]
تعريف العلة:
١- لغة:
قال الفيروزآبادي:
" العلة بالكسر: المرض، عل، يعل، واعتل، وأعله الله تعالى، فهو معل، وعليل، ولا نقول معلول " (١) ويرى كثير من العلماء أن معلول خلاف القياس، لأن القياس أن يقال معل من أعل قال ابن الصلاح: "ويسميه أهل الحديث: المعلول، وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس العلة والمعلول. مرذول عند أهل العربية واللغة " (٢) .
وتبعه على ذلك النووي: إنه لحن، وتبعه السيوطي أيضًا (٣) .
لكن قال الفيومي: "العلة المرض الشاغل، والجمع علل مثل سدرة وسدر، وأعله الله فهو معلول، قيل: من النوادر التي جاءت على غير قياس، وليس كذلك، فإنه من تداخل اللغتين، والأصل، أعله الله فعل، فهو معلول، فيكون على القياس، وجاء معل على القياس، ولكنه قليل الاستعمال" (٤) .
وأورد الحافظ العراقي في "التقييد والإيضاح" استعمال معلول عن عدد من أهل اللغة منهم قطرب، وابن القوطية، والمطرزي والجوهري (٥) .
وجاء في مختار الصحاح: "والعلة: المرض، وحدث يشغل صاحبه عن وجهه كأن تلك العلة صارت شغلًا ثانيًا منعه عن شغله الأول؛ واعتل: أي: مرض، فهو عليل، ولا أعلك الله أي لا أصابك بعلة" (٦) .
_________________
(١) القاموس المحيط: ج٤ ص٢١.
(٢) علوم الحديث ص٨١.
(٣) التقريب مع شرحه التدريب: ج١ ص٢٥١.
(٤) المصباح المنير ص٤٢٦.
(٥) التقييد والإيضاح ص٩٦.
(٦) مختار الصحاح ص٢٩١.
[ ٢١٤ ]
وأصل الخلاف في هذه المسألة هل هذا الفعل ثلاثي مجرد أم مزيد. قال السخاوي ﵀:
" نص جماعة كابن القوطية في الأفعال على أنه ثلاثي فإنه قال: عل الإنسان علة مرض والشيء أصابته علة ولكن الأعرف أن فعله من الثلاثي المزيد نقول: أعله الله فهو معل، ولا يقال: تعلل، فإنهم يستعملونه من علة بمعنى ألهاه بالشيء وشغله به، ومنه تعليل الصبي بالطعام، وما يقع في استعمال أهل الحديث له حيث يقال علله فلان، على طريق الاستعارة" (١) .
ومما سبق نستطيع أن نلخص معاني هذا الفعل واستعمالاته على هذا النحو:
فعل علّ يعلّ بالكسر والضم: علا، يستعمل متعديًا ولازمًا، ومعناه سقاه السقية الثانية، ومنه العلل وهو الشرب الثاني، يقال علل بعد نهل (٢) .
وأما علله فهو في اللغة بمعنى ألهاه وشغله، واستعمال المحدثين لهذا الفعل قليل، واستعمالهم له على سبيل الاستعارة أي كأن المحدث شغل بالنظر في علة الحديث عما هو أهم من ذلك، والله أعلم.
ويرى العراقي أن الأحسن استعمال لفظ معلّ بدلًا من معلول (٣) .
ومما تقدم يتبين لنا أن استعمال لفظ معلول لا إشكال فيه لغة، كما أنه المستعمل بكثرة في كلام المحدثين كالبخار، والترمذي والحاكم والدارقطني وغيرهم.
_________________
(١) فتح المغيث، ج١ ص٢٤٤.
(٢) مختار الصحاح ص٢٩١.
(٣) التقييد والإيضاح ص٩٦.
[ ٢١٥ ]
ب- تعريف العلة اصطلاحًا:
قال ابن الصلاح "هي عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة (١) .
فالعلة عبارة عن سبب غامض يدل على وهم الراوي سواء أكان الراوي ثقة أم ضعيفًا. سواء أكان الوهم فيما يتعلق بالإسناد أم فيما يتعلق بالمتن (٢)، وقد تطلق العلة على الأسباب الظاهرة التي تقدح في صحة الحديث كما نبه على ذلك ابن الصلاح فقال: "ثم اعلم أنه قد تطلق العلة على غير ما ذكرنا من باقي الأسباب القادحة في الحديث، المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به على مقتضى لفظ العلة في الاصل" (٣) .
مواضع العلة وحكمها:
قال ابن الصلاح "ثم قد تقع العلة في إسناد الحديث وهو الأكثر وقد تقع في متنه، ثم ما يقع في الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن جميعًا كما في التعليل بالإرسال والوقف، وقد يقدح في صحة الإسناد خاصة من غير قدح في صحة المتن" (٤) .
والقدح هنا لفظ مجمل إن أريد به القدح في صحة الحديث، ففي العلل ما هو قادح ومنها ما هو غير قادح، وعلى هذا يحمل كلام ابن الصلاح وغيره من العلماء.
وإن أريد بالقدح، القدح في صحة ما قاله الراوي عمن فوقه فالعلة على هذا الاعتبار كلها قادحة لأن العلة كما سبق هي الوهم والخطأ فما كان وهمًا لا يكون صحيحًا (*) .
_________________
(١) علوما لحديث ص٨١.
(٢) الدكتور حمزة عبد الله المليباري: الحديث المعلول قواعد وضوابط - دار الهدى عين مليلة. الجزائر ص١٣.
(٣) المصدر السابق.
(٤) علوم الحديث ص٨٢ (*) انظر لمزيد من التفصيل في هذه المسألة "الحديث المعلول" ص٢٢.
[ ٢١٦ ]
دلائل العلة:
تعرف العلة بالتفرد من الراوي أو مخالفته لغيره من قرائن أخرى.
قال ابن الصلاح: "ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك، تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك فيحكم به أو يتردد فيوقف فيه" (١) .
وقال السخاوي:
"تدرك بعد جمع الطرق، والفحص عنها، بالخلاف من راوي الحديث لغيره، ممن هو أحفظ، وأضبط وأكثر عددًا، أو عليه، والتفرد بذلك، وعدم المتابعة عليه مع قرائن قد يقصر التعبير عنها " (٢) .
ولأهمية التفرد والمخالفة جعلتهما محور الدراسة في هذا الفصل، فتناولت منهج التعليل عند الإمام البخاري من خلال موقفه من صور المخالفة وموقفه من التفرد، ثم موقفه من زيادات الثقات، وهي حالة من حالات المخالفة، لكن أفردتها لأهميتها وغموضها.
المطلب الثاني: الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري
لقد أعل بعض الحفاظ جملة من الأحاديث في صحيح البخاري، ومن هؤلاء الحافظ الدارقطني وأبو علي الغساني في جزء العلل من كتابه "تقييد المهمل" (*) .
_________________
(١) المصدر نفسه ص٨٣.
(٢) فتح المغيث، ج١ ص٢٤٤-٢٤٥. (*) لقد حقق هذا الجزء بعنوان "التنبيه على الأوهام الواقعة في الصحيحين" من قبل الرواة "قسم البخاري" من طرف محمد صادق آيدان - رسالة ماجستير في كلية أصول الدين. جامعة محمد بن سعود الإسلامية - نوقشت عام ١٤٠٤هـ
[ ٢١٧ ]
أما الحافظ الدارقطني فقد انتقد البخاري ومسلمًا في كتابه" التتبع لما في الصحيحين"، وقد طبع هذا الكتاب بتحقيق الشيخ مقبل بن هادي - حفظه الله -، ويعتبر كتابه أوسع مصدر في هذا الموضوع، وقد رد على الدارقطني الحافظ أبو مسعود الدمشقي في جزء صغير ذكر فيه أربعة وعشرين حديثًا مما انتقد فيه الدارقطني مسلمًا، وقد لزم فيه الإنصاف فهو يصوب الدارقطني فيما يرى أنه أصاب فيه، ويرد عليه إن رأى أنه أخطأ، كما نبه على أوهام وقع فيها الدارقطني (١) .
كما ورد على الدارقطني الإمام النووي في شرح لصحيح مسلم.
ورد عليه أيضًا الحافظ ابن حجر في "هدي الساري" وفي فتح الباري عند كلامه على الأحاديث المنتقدة.
والذي يلاحظ على رد النووي أنه رد مختصر مبني على قاعدة قبول زيادة الثقة مطلقًا. كان هو مذهب الأصوليين والفقهاء وعلماء الكلام، كما أنه لم يجب على بعض الأحاديث.
وأما الحافظ ابن حجر فكان رده موسعًا مبنيًا على تتبع الطرق وذكر المتابعات والشواهد، دون التمسك بقاعدة قبول زيادة الثقة على إطلاقها، كما أنه التزم فيه العدل والإنصاف بحيث يصوب الدارقطني في مواضع كثيرة ويبين وجاهة انتقاده، ولكن يلاحظ أنه في بعض الأحاديث يكتفي بالاحتمالات والتجويزات العقلية المجردة.
وقد ذكر ابن حجر أن عدة ما في "صحيح البخاري" من الأحاديث المنتقدة مائة وعشرة أحاديث منها ما انفرد بتخريجه وهي ثمانية وسبعون حديثًا، والباقي شاركه مسلم في تخريجها (٢) .
_________________
(١) انظر مقدمة تحقيق "الإلزامات والتتبع" ص٥٨-٥٩.
(٢) هدي الساري ص٣٦٤.
[ ٢١٨ ]
وقد قسم الحافظ الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري إلى ستة أقسام وذكر الرد الإجمالي على كل قسم منها ثم ذكر الأحاديث المنتقدة حديثًا حديثًا وأجاب عنها، وهذه الأقسام هي:
القسم الأول: ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد.
فإن أخرج صاحب الصحيح الطرق المزيدة وعلله الناقد بالطريق الناقصة فهو تعليل مردود، لأن الراوي إن كان سمعه فالزيادة لا تضر لأنه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه، ثم لقيه فسمعه منه، وإن كان لم يسمعه في الطريق الناقصة فهو منقطع والمنقطع من قسم الضعيف والضعيف لا يعل الصحيح.
وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة وعلله الناقد بالطريق المزيدة تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيًا أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكًا بينًا أو صرح بالسماع إن كان مدلسًا من طريق أخرى فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك، وإن لم يوجد وكان الانقطاع فيه ظاهرًا فمحصل الجواب عن صاحب الصحيح أنه إنما أخرج مثل ذلك في باب ما له متابع أو عاضد أو حفته قرينة في الجملة تقوية ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع. وربماعلل بعض النقاد أحاديث أدعي فيها الانقطاع لكونها غير مسموعة كما في الأحاديث المروية بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من يسوغ الرواية بالإجازة، بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل على صحة الرواية بالإجازة عنده.
القسم الثاني: ما تختلف الرواة فيه بتغير رجال بعض الإسناد.
فالجواب عنه إن أمكن الجمع بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي على الوجهين جمعيًا، فأخرجهما المصنف، ولم يقتصر على أحدهما حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلين في الحفظ والعدل،وإن امتنع بأن يكون المختلفون غير متعادلين بل متقاربين في الحفظ، والعدد فيخرج المصنف الطريق الراجحة، ويعرض عن الطريق المرجوحة أو يشير إليها فالتعليل
[ ٢١٩ ]
بمجرد ذلك من أجل مجرد الاختلاف غير قادح إذا لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف فينبغي الإعراض أيضًا عما هذا سبيله.
القسم الثالث: ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددًا أو أضبط ممن لم يذكرها.
فهذا لا يؤثر التعليل به إلا إذا كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع، أما إذا كانت الزيادة لا منافاة فيها بحيث تكون كالحديث المستقل فلا، اللهم إن وضح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته فما كان من هذا القسم فهو مؤثر.
القسم الرابع: ما تفرد به بعض من ضعف من الرواة.
وليس في الصحيحين من هذا القبيل غير حديثين (١) .
القسم الخامس: ما حكم يه بالوهم على بعض رجاله، فمنه ما يؤثر ذلك الوهم قدحًا، ومنه لا يؤثر.
القسم السادس: ما اختلف فيه بتغير بعض ألفاظ المتن.
فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح لإمكان الجمع في المختلف من ذلك أو الترجيح، على أن الدارقطني وغيره من أئمة النقد لم يتعرضوا لاستيفاء ذلك من الكتابين كما تعرضوا لذلك في الإسناد.
ومن خلال هذه الأقسام التي ذكرها ابن حجر يتضح أن الإمام البخاري يخرج الأحاديث الصحيحة وقد يتبعها أحيانًا بالأحاديث المعلولة أو يشير إليها، وإذا لم يكن الترجيح بين الرواة المختلفين باعتبار العدد أو
_________________
(١) الحديث الأول هو حديث أبي بن العباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده قال: كان للنبي ﷺ فرس يقال له اللحيف، وقد سبق تخريجه. الحديث الثاني حديث إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر استعمل مولى له يدعى هنيا على الحمى أورده البخاري في كتاب الجهاد، باب إذا أسلم قوم في دار الحرب ولهم مال وأرضون فهي لهم حديث رقم (٣٠٥٨) ج٦ ص٢٠٢ مع الفتح.
[ ٢٢٠ ]
الحفظ أو غيرها من المرجحات أو القرائن فإن البخاري يخرج الوجهين وكذلك يصنع الإمام مسلم - ﵀ - وقد أشار الإمام الذهبي إلى هذا فقال: "وإن تساوى العدد واختلف الحافظان، ولم يترجح الحكم لأحدهما على الآخر، فهذا الضرب يسوق البخاري ومسلم الوجهين منه في كتابيهما وبالأولى سوقهما لما اختلف في لفظه إذا أمكن جمع معناه" (١) .
أي أن الشيخين يخرجان ما اختلف فيه الحافظ المتساوون في العدد والحفظ إذا لم يمكن الترجيح بينهما سواء أكان الخلاف في سياق المتن أم في السند.وسيأتي مزيد توجيه لهذا في "مبحث المخالفة" من هذه الرسالة.
وفي ضوء هذا الواقع نستطيع أن نفهم منهج الإمام الدارقطني في كتابه "التتبع" لأن كثيرًا من الناس يرى أن الدارقطني قص انتقاد الشيخين في جميع ما يذكره، وقد أوضح الإمام الدارقطني منهج كتابه وموضوعه حيث يقول في مستهله "ابتداء ذكر أحاديث معلولة اشتمل عليها كتاب البخاري ومسلم أو احدهما بينت عللها والصواب منها" (٢) .
وهذا النص واضح جدًا أن موضوع الكتاب هو ذكر أحاديث معلولة اشتمل عليها كتاب البخاري ومسلم أو أحدهما مع بيان عللها والصواب منها، وأنه لم يلمح فيه أن الانتقاد سوف يوجه صوب صنيع الشيخين في صحيحهما على أساس أن كلًا منهما قد أخل في شرط كتابه، لأنه قال "اشتمل عليها" ولم يوضح على أي وجه اشتمل عليها، وهو شامل لجميع أنواع الأحاديث، سواء اشتمل عليها على وجه الاحتجاج أم على وجه الاستناس والاحتياط والاستشهاد أم على وجه التبع وشرح العلل، ولم يقل - ﵀ - "ذكر أحاديث معلولة احتج بها الشيخان وهي مخالفة لشروطهما".
والذي يبدو عند إمعان النظر في كتاب "التتبع" أن الأحاديث التي بين عللها تصنف على أنواع:
_________________
(١) الموقظة ص٥٢.
(٢) الإلزامات والتتبع ص١٢٠.
[ ٢٢١ ]
منها الأحاديث التي احتج بها البخاري ومسلم.
ومنها ما أورده كل منهما في المتابعات.
ومنها ما أورده كل منهما على سبيل الاحتياط والاستئناس.
ومنها ما أورده كل منهما على سبيل التبع وبيان العلل.
ومنها ما ذكره مسلم في المقدمة.
أما النوع الأول فعدده قليل جدًا بالنسبة إلى الأنواع الأخرى إلا النوع الأخير. والذي يصلح فيه القول أن الشيخين قد أخلا فيه بشروطهما والتزامهما بها هو النوع الأول دون سواه، فإن الأنواع الأخرى كلها خارج الأصول، ولم يذكر شيئًا منها إلا على سبيل الاعتضاد أو الاحتياط أو الاستئناس أو التتبع وشرح العلة. وغاية ما يقال بالنسبة إلى هذه الأنواع أن الإمام الدارقطني أوضح السبب الذي كان يدفع كلًا من البخاري ومسلم إلى أن يذكر الأحاديث على ذلك النحو هو وجود العلة فيها، وفي نفس الوقت فإن الغمام الدارقطني يفدنا من خلال تتبعه لأحاديث الصحيحين دقة الشيخين في تصحيح الأحاديث وتعليلها ووضعها في مواضعها اللائقة بها من الصحيح، أما البخاري فكثيرًا ما يرويها معلقة بينما مسلم يوردها في أواخر الباب غالبًا (١) .
ومن هنا نستطيع أن نقسم الأحاديث التي انتقدها الدارقطني في صحيح البخاري ومسلم إلى ثلاثة أقسام هي:
الأول: القسم المتفق عليه، وأعني به الأحاديث التي أعلها الدارقطني وقد أشار البخاري أو مسلم - رحمهما الله - إلى علتها بما يفهمه أهل المعرفة، وفي كثير منها يذكر الدارقطني الخلاف ولا يحكم بشيء.
ومن هذا القسم الأحاديث التي ذكرها الدارقطني وبين أنها مكاتبة
_________________
(١) انظر: الدكتور حمزة المليباري: عبقرية الإمام مسلم في ترتيب أحاديث مسنده الصحيح.
[ ٢٢٢ ]
أو إجازة لأنه صرح بأن مثل هذه الأحاديث حجة في قبول الإجازة والمكاتبة وكأنه يرد على بعض ما لا يصحح العمل بالمكاتبة (*) .
الثاني: القسم الذي انتقده الدارقطني ويترجح فيه قول الشيخين.
الثالث: القسم الذي انتقده الدارقطني ويترجح فيه قول.
ولو قيست هذه الأحاديث التي يترجح فيها قول الدارقطني بمجموع أحاديث الصحيحين فإنها لا تتجاوز نسبة ١% إذ إن مجموع الأحاديث المنتقدة في البخاري ومسلم مائتين وعشرة من أكثر من ستة عشر ألف حديث، وهذه الأحاديث المنتقدة بعضها متفق عليه والبخاري ومسلم قد أشارا إلى العلة فيه والبعض الآخر يترجح فيه موقف الشيخين، فلنفترض أن الدارقطني قد اصاب في نصفها أي في مائة حديث وهي نسبة ضئيلة جدًا، وهي مما يؤكد صحة هذين الكتابين.
_________________
(١) (*) انظر هذه الاحاديث في التتبع: الأرقام التالية (١١٠) و(١١١) و(١١٩) و(١٤٣) و(١٥٢) .
[ ٢٢٣ ]
المبحث الثاني: التفرد وأثرها في التعليل
المطلب الأول: مقدمات نظرية (حقيقة التفرد، أنواعه، مراتبه، حكمه) .
المطالب الثاني: الأحاديث التي استنكرت في صحيح البخاري.
المطالب الثالث: الأحاديث التي أعلها الإمام البخاري بالتفرد.
المطلب الأول: مقدمات نظرية
أ- حقيقة التفرد:
هو أن يروي شخص من الرواة حديثًا دون أن يشاركه الآخرون، وهو ما يقول فيه المحدثون النقاد "حديث غريب" أو "تفرد به فلان" أو "هذا حديث لا يعرف إلا من هذا الوجه" أو "لا نعلمه يروي عن فلان إلا من حديث فلان" (١) .
فالحديث الذي يتفرد به الراوي ولا يشاركه فيه غيره يسمى غريبًا ويقابله المشهور.
_________________
(١) الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين ص١٤.
[ ٢٢٤ ]
قال الحافظ ابن منده، فيما نقله عنه ابن الصلاح:
" الغريب من الحديث كحديث الزهري وقتادة وأشباههما من الأئمة ممن يجمع حديثهم إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث يسمى غريبًا، فإذا روى عنهم رجلان أو ثلاثة واشتركوا في حديث سمى عزيزًا، فإذا روى الجماعة عنهم حديثًا سمي مشهورًا" (١) .
ويسمى بعضهم الحديث الذي ينفرد به الراوي ولا يشاركه فيه غيره فردًا، وبعض العلماء جعلهما مترادفين وبعضهم غاير بينهما، ويرى الحافظ ابن حجر أنهما مترادفين لغة واصطلاحًا، إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الغريب النسبي (٢) .
ب- أنواعه:
للتفرد نوعان: تفرد مطلق، وتفرد نسبي (٣) .
فالفرد المطلق ما كانت الغرابة ي أصل سنده.
ويمكن أن نقول أيضًا: هو ما ينفرد به واحد عن كل أحد.
والفرد النسبي، وهو ما يقع فيه التفرد في أثناء سنده، وسمي النسبي لأن التفرد ليس مطلقًا، وإنما هو بالنسبة إلى جهة معينة، ومن هنا كانت له أنواع مختلفة، باعتبار جهة التفرد منها:
١- تفرد ثقة برواية حديث.
٢- تفرد راو معين عن راو معين.
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص٢٤٣.
(٢) نزهة النظر ص١٧.
(٣) انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ٨٠-٨١، والنكت ص٢٩١ - ٢٩٥، ونزهة النظر ص١٧ - ١٨، وتيسير مصطلح الحديث ص١٧.
[ ٢٢٥ ]
٣- تفرد أهل بلد أو أهل جهة.
٤- تفرد أهل بلد أو جهة عن أهل بلد أو جهة.
ج- مراتب التفرد:
عند إمعان النظر في صنيع المحدثين يتبين لنا أن التفرد على مرتبتين:
١- تفرد في الطبقات المتقدمة.
٢- تفرد في الطبقات المتأخرة.
أولًا: التفرد في الطبقات المتقدمة:
إن تفرد الراوي بحديث في طبقة من شأنها عدم شهرته وعدم تعدد رواته في الغالب، فهذا النوع من التفرد مقبول ومحتج به بشرط أن يكون الراوي ثقة معروفًا.
لأن التفرد في هذه الطبقات لا يثير في نفس الناقد تساؤلًا حول كيفية التفرد، ولا ريبة في مدى ضبطه لما تفرد به حيث إن تداخل الأحاديث والآثار بالنسبة إليه احتمال يكون معدومًا، ونظرًا لمحدودية الأسانيد التي يتداولها هو ومعاصروه وقصرها.
وأما إذا خالف ما ثبت واشتهر، أو كان متنه لا يعرف إلا من روايته، ولم يجر العمل بمقتضاه سابقًا، فإنه عندئذ يصبح شاذًا غريبًا ويرفض الناقد قبوله.
وأما إذا كان الراوي المتفرد به ضعيفًا فأمره بين، فلا خلاف بينهم في رد حديثه، وكذا إذا كان مجهولا، فإنه يرد عند الجمهور من النقدة (١) .
_________________
(١) الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين ص٢٦ - ٢٧ ملخصًا.
[ ٢٢٦ ]
ثانيًا: التفرد في الطبقات المتأخرة:
أما التفرد برواية حديث في طبقة من شأنها أن يكون الحديث فيها مشهورًا ومتعدد الطرق، كالمدارس الحديثية المشتهرة في جهات مختلفة من الأقطار الإسلامية، والتي يشترك في نقل أحاديثها جماعة كثيرة من مختلف البلاد لبالغ حرصهم على جمعها من مخارجها الأصلية بحيث لا يفوت لهم شيء منها إلا نادرًا، وقد تهيأ لهم ذلك من خلال تنقلهم الواسع بين البلدان الإسلامية.
فهذا النوع من التفرد يدعو الناقد إلى ضرورة النظر إلى أسبابه، فينظر في علاقة صباحه مع المروي عنه عمومًا، وكيفية تلقيه ذلك الحديث الذي تفرد به خصوصًا، كما ينظر في حال ضبطه لأحاديث شيخه بصفة عامة، ولهذا الحديث خصوصًا ن ثم يحكم عليه حسب مقتضى دراسته وبحثه.
فليس هناك حكم مطرد بقبول تفرد الثقة أورد تفرد الضعيف بل تتفاوت أحكامه (١) .
حكم التفرد وضابطه:
لقد استقرت كتب المصطلح منذ ابن الصلاح إلى يومنا هذا على أن الحكم على التفرد يكون بحسب أحوال الرواة فإذا كان الراوي ثقة قبل حديثه، وإن كان ضعيفًا رد حديثه، وإن كان متوسطًا اعتبر حديثه حسنًا (٢)، وهذا الحكم أخذ كضابط كلي مطرد في كل تفرد.
وعند تتبع كلام النقاد والنظر في صنيعهم يتجلى لنا أن ما لخصه ابن الصلاح - رحمه الله تعالى - ينبغي تخصيصه فإن مقاييس القبول والرد في مجال التفرد ليست أحوال الرواة المتمثلة في الثقة والضعف فحسب، بل بتوافر القرائن الدالة على ذلك.
_________________
(١) المصدر نفسه ص٢٧ - ٢٨،وقد أشار إليه الذهبي في الموقظة ص٧٧.
(٢) انظر علوم الحديث ص٧٠ - ٧١.
[ ٢٢٧ ]
فمن أفراد الثقات، وغرائبهم ما يرد ومنها ما يقبل، ولهذا وضع في تعريف الصحيح قيدًا مهمًا وهو الخلو من الشذوذ والعلة في فلو كان القبول لازمًا لأحاديث الثقات لأصبح ذكر هذا القيد لغوًا في التعريف (١) .
يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي: "وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد وإن لم يرو الثقات خلافه: "إنه لا يتابع عليه " ويجعلون ذلك علة فيه اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفرد الثقات الكبار، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه" (٢) .
الغرائب والأفراد في نظر الأئمة:
يقول ابن رجب: "وقد كان السلف يمدحون المشهور من الحديث ويذمون الغريب منه في الجملة.
ومنه قول ابن المبارك: "العلم هو الذي يجيئك من ههنا ومن ههنا" يعني المشهور وعن علي بن الحسين: "ليس العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن".
وعن مالك: "شر العلم الغريب وخير العلم الظاهر الذي رواه الناس".
وعن الأعمش: "كانوا يكرهون غريب الحديث وغريب الكلام ".
وعن أبي يوسف: "من طلب غرائب الحديث كذب ".
وذكر مسلم في مقدمة كتابه من طريق حماد بن زيد أن أيوب قال لرجل: لزمت عمرًا؟ قال: نعم إنه يجيئنا بأشياء غرائب قال يقول له أيوب: إنما نفر أو نفر من تلك الغرائب قال رجل لخالد بن الحارث: اخرج لي حديثا الأشعث لعلي أجد فيه شيئًا غريبًا.
_________________
(١) الوازنة ص٢٧ - ٢٨ وانظر أيضًا "الحديث المعلول" ص١٢٢-١٢٥.
(٢) شرح العلل ص٢٠٨.
[ ٢٢٨ ]
فقال: لو كان فيه شيء غريب لمحوته، وعن أحمد: تركوا الحديث وأقبلوا على الغرائب ما أقل الفقه فيهم، وعنه أيضًا: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء (١) .
أهمية التفرد في معرفة علل الأحاديث:
لقد اعتنى أئمة الحديث ونقاده بالتفرد عناية كبيرة.. إذ إن له علاقة قوية بتعليل الأحاديث فهو أحد وسائل الكشف عما يكمن الأحاديث من أوهام وأخطاء في هذا يقول ابن الصلاح - ﵀ -:
" ويستعان على إدراكها (أي العلة) بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم
إلى ذلك" (٢) .
فلا يمكن تعليل الأحاديث أو تصحيحها إلا بعد معرفة حالة التفرد أو حالة المشاركة في كل طبقة من طبقات الإسناد.
المطلب الثاني: الأحاديث التي استنكرت أو استغربت
في الجامع الصحيح
لقد تكلم بعض الأئمة في جملة من الأحاديث صحيح البخاري ووصفوها بالغرابة أو النكارة وهي وإن كانت قليلة، ومحدودة العدد، فليس غرض هنا إحصاؤها، وإنما القصد دراسة نماذج للوقوف على منهج البخاري ووجهة نظره في إخراج هذه الأحاديث، ومعرفة الأسس التي بنى عليها هؤلاء الأئمة نقدهم لتلك الأحاديث.
وقبل الشروع في دراسة بعض النماذج لابد من الإشارة إلى حقيقة علمية مهمة وهي:
_________________
(١) المصدر نفسه ص٢٣٤ - ٢٣٥.
(٢) علوم الحديث ص٨١.
[ ٢٢٩ ]
إن وجود الغرائب والأفراد في الصحيحين هو أمر نادر، ولم يكن من قصد الشيخين -رحمها الله- أن يكون كتاباهما مجمعًا للغرائب والأفراد كما قصد بعض الأئمة من مصنفاتهم، وإنما قصدهما ذكر الأحاديث الصحيحة المشهورة التي تداولها أهل العلم فيما بينهم كما صرح به مسلم في مقدمة صحيحه (١) .
ومن هنا كانت هذه الأحاديث المستغربة أو المستنكرة من قبل الأئمة قليلة بالنسبة إلى الأحاديث الصحيحة المشهورة.
ومن أدعى أن كل ما في الصحيحين مشهور وليس ليها شيء من الغرائب، فقد خالف الواقع، وخالف الحقيقة العلمية التي قررها الأئمة النقاد، وممن أدعى ذلك الإمام الحكم لنيسابوري - ﵀ - وقد رد عليه الحافظ حجر بقوله (٢):
"وأما قوله: إن الغرائب الأفراد ليس في الصحيحين منها شيء، فليس كذلك، بل فيها قدر مائتي حديث قد جمعها الحافظ ضياء الدين المقدسي (٣) في جزء مفرد" (٤) .
ومعلوم أن هذا العدد في مقابل متون أحاديث الصحيحين التي لا تقل عن ثمانية آلاف حديث مقدار ضئيل جدًا لا يتعدى ٢.٥%.
والأمر الثاني الذي يجدر التنبه إليه هو أن الغرابة أمر نسبي، فقد يكون حديث ما غريبًا عند إمام ناقد، بينما لا يوافقه غيره من الأئمة على
_________________
(١) انظر مقدمة صحيح مسلم ص٣.
(٢) المدخل في أصول الحديث ص١٥٤.
(٣) هو الإمام الحجة ضياء أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الصالحي الحنبلي: حافظ متقن ثبت ثقة عالم بالحديث وأحوال الرجال، له مؤلفات وتخريجات كثيرة من أشهرا "الأحاديث المختارة" ولم تكمل، وكان أعلم أهل عصره بالحديث والرجال: توفي سنة (٦٤٣هـ) . ترجمة في: شذرات الذهب ج٥ ص٢٢٤، وتذكرة الحافظ ج٤ ص١٤٠٥.
(٤) النكت ص١١٠.
[ ٢٣٠ ]
ذلك الحكم لوقوفهم على متابعات وشواهد تدفع عن الحديث وصوف الغرابة أو النكارة.
فهذه جملة من الأمور تتضح تفاصيلها من الأمثلة المدروسة.
المثال الأول:
حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه (١) ".
فهذا الحديث تفرد بإخراجه البخاري من دون أصحاب الكتب الستة، خرجه عن محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال حدثنا شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، فذكر الحديث بطوله وزاد في آخره: "وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفسي المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته".
قال الحافظ ابن رجب: "وهو من غرائب الصحيح تفرد به ابن كرامة عن خالد، ليس هو في مسند أحمد، مع أن خالد بن مخلد القطواني تكلم يه أحمد وغيره، وقالوا: له مناكير وقد روي هذا الحديث من وجوه أخرى لا تخلو كلها من مقال" (٢) .
_________________
(١) أخرجه البخاري، في كتاب الرقاق، باب التواضع حديث رقم (٦٥٠٢)، ج١١ ص٣٤٨ (مع الفتح)، وأبو نعيم في الحيلة: ج١ ص٤، والبيهقي في "الزهد" (٦٩٠) و"السنن): ج٣ ص٣٤٦ وج١٠ ص٢١٩، والبغوي في "شرح السنة" (١٢٤٨) .
(٢) جامع العلوم والحكم - تحقيق شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس - دار الهدى عين مليلة. الجزائر، ج٢ ص٣٣٠ - ٣٣١.
[ ٢٣١ ]
ثم ذكر - ﵀ - تلك الطرق وتكلم عليها.
وقال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث:
" وساق الذهبي في ترجمة خالد من الميزان بعد أن ذكر قول أحمد فيه: "له مناكير، وقول أبي حاتم لا يحتج به، وأخرج ابن عدي عشرة أحاديث من أحاديث استنكرها، هذا الحديث من طريق محمد بن مخلد عن محمد بن عثمان بن كرامة شيخ البخاري فيه، قال:
هذا حديث غريب جدًا، ولولا هيبة الصحيح لعدوه في منكرات خالد بن مخلد، فن هذا المتن لم يرو إلا بهذا الإسناد، ولا خرجه من عدا البخاري، ولا أظنه في مسند أحمد، قلت (القائل ابن حجر): ليس هو في مسند أحمد جزمًا، وإطلاق أنه لم يرو إلا بهذا الإسناد مردود، ومع ذلك شريك شيخ شيخ خالد فيه مقال أيضًا، وهو راوي حديث المعراج الذي زاد يه ونقص، وقدم وأخر، وتفرد بأشياء لم يتابع عليها، ولكن للحديث طرق أخرى يدل مجموعها على أنه لا أصل" (١) ثم ساق تلك الطرق وتكلم عليها.
والسبب في استنكار هذا الحديث من قبل هؤلاء الأئمة هو تفرد محمد بن عثمان بن كرامة به عن خالد بن مخلد القطواني.
أما محمد بن عثمان بن كرامة فهو ثقة من شيوخ البخاري (٢) .
أما خالد ن مخلد فهو أيضًا من شيوخ البخاري، يروي عنه مباشرة ويروي عنه بالواسطة كما في الحديث، وقد اختلف فيه كلام أئمة الجرح والتعديل (٣) .
قال العجلي: ثقة فيه تشيع.
_________________
(١) فتح الباري: ج١١ ص٣٤٩.
(٢) التقريب ص٤٩٦
(٣) انظر: هدي الساري ص٤٢١.
[ ٢٣٢ ]
وقال ابن سعد: كان متشيعًا مفرطًا.
وقال صالح جزرة: ثقة إلا أنه كان متهمًا بالغلو ي التشيع.
وقال أحمد بن حنبل: له مناكير.
وقال أبو داود: صدوق إلا أنه يتشيع.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.
قال الحافظ - ﵀ -:
" أما التشيع فقد قدمنا أنه إذا كان ثبت الأخذ والأداء لا يضره لا سيما ولم يكن داعية إلى رأيه، وأما ما مناكيره فقد تتبعها أبو أحمد بن عدي من حديثه، وأوردها في كاملة، وليس فيها شيء مما أخرجه البخاري، بل لم أرَ له عنده من أفراده سوى الحديث واحد، وهو حديث أبي هريرة ﵁: "من عادى لي وليًا" وروى له الباقون سوى أبي داود" (١) .
وقد لخص الحافظ حاله في التقريب فقال: "صدوق يتشيع ن وله أفراد" (٢) .
(والبخاري لم يرو عن أحد إلا وهو يرى أنه يمكنه تمييز صحيح حديثه من سقيمه، وهذا يقتضي أن يكون الراوي على الأقل صدوقًا في الأصل) (٣) .
فالبخاري لما ترجع عنده صدق خالد بن مخلد القطواني أخرج له، فإن قيل إنما يعرف صدقه وصحة حديثه بموافقة الثقات له، وخالد له مناكير، ومنها هذا الحديث الذي تفرد به ولم يتابعه عليه الثقات، فكيف يكون صحيحًا؟
(إن معرفة البخاري لصحة حديث الراوي من شيوخه لا تحصل بمجرد موافقة الثقات، وإنما تحصل بأحد أمرين: إما أن يكون الراوي ثقة ثبتًا
_________________
(١) هدي الساري ص٣٢١.
(٢) التقريب ص١٩٠.
(٣) التنكيل: ج١ ص٣٢١.
[ ٢٣٣ ]
فيعرف صحيح حديثه بتحديثه، وإما أن يكون صدوقًا يغلط ولكن يمكن معرفة ما لم يغلط فيه بطرق أخرى، كأن يكون له أصول جيدة، وكأن يكون غلطه خاص جهة معينة) (١) .
وخالد بن مخلد من شيوخ البخاري فهذا يقتضي معرفة حديثه وحاله عنده.
فلما علم البخاري صدق خالد بن مخلد، ورأى أن هذا المتن الذي انفرد به ليس فيه شيء يخالف القرآن أو السنة المشهورة أو أصول الشريعة ووجدت له شواهد (٢) وإن كانت ضعيفة ولكنها كثيرة يصلح منها نوع قوة مما يدل على أن للحديث أصلا لهذا كله صححه الإمام البخاري هذا الحديث.
ويمكن القول أيضًا: إن البخاري تساهل في رواية هذا الحديث لأنه في الرقاق وفضائل الأعمال وليس في أصول التحريم والتحليل، والله أعلم.
المثال الثاني:
ما رواه البخاري في صحيحه قال: "حدثنا عبد القدوس بن محمد حدثني عمرو بن عاصم الكلابي، حدثنا همام بن يحيى حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقمه علي، قال ولم يسأله عنه، قال وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي ﷺ فلما قضى النبي ﷺ، قام إليه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقم في كتاب الله، قال: "أليس قد صليت معنا؟ " قال: نعم. قال: "فإن الله قد غفر لك ذنبك - أو قال: حدك" (٣) .
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) انظر هذه الشواهد في: جامع العلوم والحكم: ج٢ ص٣٣١ - ٣٣٣، وفتح الباري: ج١١ ص٣٤٩، وسلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم (١٦٤١) .
(٣) الجامع الصحيح، كتاب الحدود، باب إذا أقر بالحد ولم يبين، هل للإمام أن يستر عليه، حديث رقم (٦٨٢٣)، ج١٢ ص١٣٦.
[ ٢٣٤ ]
رواه مسلم أيضًا عن الحسن بن علي الحلواني عن عمرو بن عاصم به (١) .
فهذا الحديث استنكره بعض النقاد كالبرديجي (٢)، وأبو حاتم - ﵏ -.
قال الحافظ البرديجي: "هذا عندي حديث منكر، وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم" (٣) .
ونقل ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال: "هذا الحديث باطل بهذا الإسناد" (٤) .
وقد أجاب بعض الحفاظ المتأخرين، على كلام البرديجي وأبي حاتم - رحمهما الله - ومن هؤلاء الإمام الناقد ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي، والحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث من الفتح، وسأنقل فيما يلي كلامهما.
قال ابن رجب: "ولعل أبا حاتم والبرديجي نما أنكر الحديث لأن عمرو بن عاصم ليس هو عندهما، في محل من يحتمل تفرده بمثل هذا الإسناد (٥) ".
وقال الحافظ ابن حجر - بعد نقله كلام البرديجي:
" لم يبين (أي البرديجي) وجه الوهم، وإما إطلاقه كونه منكرًا
_________________
(١) كتاب التوبة، باب إن الحسنات يذهبن السيئات، حديث رقم (٢٧٦٤)، ج٤ ص٢١١٧.
(٢) هو الإمام الحافظ الثبت، أبو أحمد بن هارون بن روح البرديجي، نزيل بغدد، له مصنفات منها الأسماء المفردة وقد طبع، وكتاب معرفة المتصل من الحديث والمرسل والمقطوع وبيان الطرق الصحيحة، مات سنة (٣٠١هـ)، ترجمته في الأنسا ج٢ ص١٤٨، وتذكرة الحافظ: ج٢ ص٧٤٦.
(٣) شرح العلل ص٢٥٣.
(٤) المصدر نفسه: وانظر أيضًا "علل الحديث" لابن أبي حاتم: ج٢ ص٤٥٤.
(٥) شرح العلل ص٢٥٣.
[ ٢٣٥ ]
فعلى طريقته في تسمية ما ينفرد به الراوي منكرًا، إذا لم يكن له متابع، ولكن يجاب بأنه وإن لم يوجد لهمام ولا لعمرو بن عاصم فيه متابع فشاهده حديث أبي أمامة، الذي أشرت إليه، ومن ثم أخرجه مسلم عقبه، والله أعلم " (١) .
نلاحظ أن الحافظ ابن رجب علل إطلاق البرديجي وأبي حاتم النكارة على هذا الحديث بناء على حال الراوي المتفرد به، وهو عمرو بن عاصم.
وعمرو ثقة أخرج حديثه الجامعة (٢)، لكن يحتمل أن يكون ضعيفًا عند البرديجي وأبي حاتم ومن ثم يكون حديثه الذي ينفرد به منكرًا، وهذا التوجيه، إنما يصح بناء على ما استقر عليه اصطلاح المتأخرين من أن الحديث المنكر هو: الفرد المخالف لما رواه.
الثقات، والفرد الذي ليس في روايه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده (٣) .
ومما يدل على ضعف هذا التوجيه أن الحافظ ابن رجب نفسه، فسر كلام الحافظ البرديجي في تعريفه للمنكر (المنكر هو الذي يحدث به الرجل عن الصحابة أو التابعين عن الصحابة لا يعرف ذلك الحديث، وهو متن الحديث إلا من طريق الذي رواه فيكون منكرًا) .
قال ابن رجب: "ذكر هذا الكلام في سياق إذا انفرد شعبة وسعيد بن أبي عروبة أو هشام الدستوائي بحديث عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ، وهذا كالتصريح بأنه كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق فهو منكر" (٤) .
_________________
(١) فتح الباري: ج١٢ ص١٣٧.
(٢) عمرو بن عاصم بن عبيد الهل الكلابي القيسي، أبو عثمان البصري، صدوق في حفظه شيء، من صغار التاسعة، مات سنة (٢١٣هـ)، التقريب ص٤٢٣، والتهذيب: ج٦ ص٥٨.
(٣) انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص٧٢، واختصارًا علوم الحديث ص٥٥، والتقريب للنووي مع شرحه تدريب الراوي: ج١ ص٢٣٩، وشرح العراقي لألفيته: ج١ ص١٩٧.
(٤) شرح العلل ص٢٥٢.
[ ٢٣٦ ]
فواضح أن الحافظ البرديجي يطلق المنكر على الحديث الذي ينفرد به راويه ولو كان ثقة حافظًا كشعبة وابن أبي عروبة وهشام الدستوائي ونحوهم.
إذن فهذا التقرير من الحافظ ابن رجب يوهن توجيهه السابق لاستنكار البرديجي وابن أبي حاتم للحديث السابق.
وأما الحافظ ابن حجر فقد وجه نقد البرديجي للحديث على أساس أنه يسمى ما ينفرد به الراوي منكرًا إذا لم يكن له متابع، ومقتضى هذا أن النكارة لا تزول على الحديث إلا بمعرفته من وجه آخر، وقد صرح بهذا الحافظ ابن رجب حيث قال معلقًا على استنكار يحيى القطان لحديث "لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام" (١) " وهذا الكلام يدل على أن النكارة عند يحيى القطان لا تزول إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر، وكلام أحمد قريب من ذلك " (٢) .
وقد حقق شيخنا حمزة المليباري هذه المسألة جيدًا جمع فيها بين أقوال هؤلاء النقدة وصنيعهم من خلال ممارستهم النقدية، قال - حفظه الله -: "والحق الذي أميل إليه أن الإمام أحمد ويحيى والبرديجي لا يستنكرون الحديث لمجرد تفرد ثقة من الثقات، وإنما يستنكرونه إذا لم يعرف من مصادر أخرى، إما براوية ما يشهد له من معنى الحديث أو بالعمل بمقتضاه، ومما يمكن الاستئناس به لتقرير قول الحافظ البرديجي: (إذا روى الثقة من طريق صحيح الواحد، لم يضره أن لا يرويه غيره إذا كان متن الحديث معروفًا ولا يكون منكرًا ولا معلولًا) (٣) .
وقول أحمد: (شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها) (٤) .
_________________
(١) رواه مسلم: في الحج رقم ٤١٢: ج٢ ص٩٧٥ ورقم ٤١٤ و٤١٧: ج٢ ص٩٧٥-٩٧٦، ورواه الترمذي عن أبي سعيد: السنن: ج٣ ص٤٧٣.
(٢) شرح العلل ص٢٥٤.
(٣) المصدر نفسه ص٢٥٣.
(٤) الكفاية ص١٧٢.
[ ٢٣٧ ]
أما إطلاق المنكر على كل ما تفرد به ثقة عن ثقة فلا أظن أنه وقع ذلك في كلامهم، وإن كان بعض ما نقل عنهم يوهم خلاف ذلك، فإنه ينبغي حمله على أن ذلك على حدود معرفتهم لتفادي التناقض بين التصريح والعمل" (١) .
ثم ذكر حديث عمرو بن عاصم السابق، وكلام البرديجي وأبي حاتم فيه، وتوجيه ابن رجب له ثم قال: "والذي أميل إليه أن ذلك الاستنكار إنما هو على حدود اطلاعهما، لأنه إذا كان الحديث معروفًا من جهة أخرى فليس بمنكر حسب تصريحي الحافظ البرديجي حتى ولو كان الراوي المتفرد من الشيوخ الذين هم دون مرتبة الثقات يقول البرديجي: (فأما أحاديث قتادة التي يرويها الشيوخ مثل حماد بن غير طريقهم عن النبي ﷺ، أو عن أنس بن مالك من وجه آخر، ولم يدفع.
وإن كان لا يعرف عن أحد عن النبي ﷺ إلا من طريق عن أنس (*) إلا من رواية هذا الذي ذكرت لك كان منكرًا) (٢) .
وحديث عمرو بن عاصم الذي أنكره البرديجي وأبو حاتم كان مرويًا معناه من طري أخرى كما سبق" (٣) .
أما الرواية التي تشهد لحديث أنس فقد أخرجها الإمام مسلم في صحيحه عقيب حديث أنس مباشرة لتكون شاهدًا له، قال - ﵀ -:
" حدثنانصر بن علي الجهضمي، وزهير بن حرب (واللفظ لزهير) قالا حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد، حدثنا أبو أمامة قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد ونحن قعود معه، إذا جاء رجل فقال:
_________________
(١) الحديث المعلول ص٩٧.
(٢) هكذا وردت هذه العبارة في شرح العلل وهكذا نقلها شيخنا، وهي مضطربة ويظهر لي أنها على هذا النحو " "ولا من طريق آخر عن أنس إلا من رواية.." والله أعلم. () شرح العلل ص٢٥٣.
(٣) المصدر السابق ص٩٨ - ٩٩.
[ ٢٣٨ ]
يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقمه علي فسكت عنه، وأقيمت الصلاة، فلا أنصرف نبي الله ﷺ قال أبو أمامة: فاتبع الرجل رسول الله حين انصرف، واتبعنا رسول الله ﷺ. انظر ما يريد على الرجل، فلحق الرجل رسول الله ﷺ: أرأيت حين خرجت من بيتك أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء، قال بلى يا رسول الله، قال: ثم شهدت الصلاة معنا، فقال: نعم يا رسول الله، قال: فقال رسول الله ﷺ: فإن الله قد غفر لك حدك - أو قال - ذنبك" (١) .
مما سبق نلخص إلى أن هذا الحديث صحيح وإطلاق النكارة عليه من قبل بعض الأئمة كان في حدود اطلاعهم، والله أعلم.
المثال الثالث:
حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ قال: نهى النبي ﷺ عن بيع الولاء وهبته" (٢) .
فهذا الحديث تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر، ثم اشتهر عنه، حتى قال مسلم لما أخرجه في صحيحه: الناس كلهم عيال على عبد الله بن دينار في هذا الحديث.
وقال الترمذي بعد تخريجه: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار، رواه عنه شعبة وسفيان ومالك.
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ حديث رقم (٢٧٦٥) ج٤ ص٢١١٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العتق، باب بيع الولاء وهبته، رقم (٢٥٣٦) ج٥ ص١٨٩ (مع الفتح)، وفي كتاب الفرائض، باب إثم من تبرأ من مواليه رقم (٦٧٥٦)، ج١٢ ص٤٣ (مع الفتح)، ومسلم في كتاب الفتن، باب النهي عن بيع الولاء وهبته، رقم (١٦)، وأبو داود (٢٩١٩) وابن ماجه (٢٧٤٧) والترمذي (١٢٣٦ و٢١٢٦) والنسائي ج٧ ص٣٠٦، ومالك في الموطأ، كتاب العتق، باب مصير الولاء لمن أعتق ج٢ ص٧٨٠، والحميدي في مسنده (٦٣٩)، وأحمد في مسنده ج٢ ص٩ و٧٩.
[ ٢٣٩ ]
قال الحافظ - ﵀ -: "وقد اعتنى أبو نعيم الأصبهاني بجمع طرقه عن عبد الله بن دينار فأورده عن خمسة وثلاثين نفسًا ممن حدث به عن عبد الله بن دينار" (١) .
فهذا الإسناد (أي عبد الله بن دينار عن ابن عمر) مشهور تروى به أحاديث كثيرة، لكن هذا المتن لم تصح روايته إلا بهذا الإسناد.
ومن رواه من طريق أخرى غير هذه الطريق فقد وهم وغلط ن ومن هذه الروايات الخاطئة:
رواية يحيى بن سلمي عن عبيد الله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وهبته" (٢) .
قال أبو عيسى: "والصحيح: عن عبد الله بن دينار، وعبد الله بن دينار قد تفرد بهذا الحديث عن ابن عمر، ويحيى بن سليم أخطأ في حديثه" (٣) .
وقال الترمذي في جامعة بعد روايته لهذا الحديث: " هذا حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار عن بن عمر، والعمل على هذا عند أهل العلم.
وقد روى يحيى بن سليم هذا الحديث عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الولاء وهبته، وهو وهم وهم فيه يحيى بن سليم وقد روى عبد الوهاب الثقفي، وعبد الله بن نمير، وغير واحد عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ وهذا أصح من حديث يحيى بن سليم" (٤) .
ووجه الوهم هنا ينحصر في تغير لفظ نافع إلى لفظ عبد الله بن دينار، وإن كان المتن واحدًا في الروايتين لان هذا الحديث لا يعرف من رواية نافع
_________________
(١) فتح الباري: ج١٢ ص٤٤.
(٢) أخرجه مسندًا ابن ماجه في سننه (٢٧٤٨) .
(٣) العلل الكبير للترمذي ص١٨٢.
(٤) جامع الترمذي (مع التحفة): ج٢ ص٢٣٨.
[ ٢٤٠ ]
عن ابن عمر، ودليل خطئه مخالفته لأصحاب عبيد الله بن عمر، فكلهم يجعله من رواية بن دينار عن ابن عمر قال ابن رجب -﵀- وهو يتكلم على حديث عبد الله بن دينار " وهو معدود من غرائب الصحيح، فإن الشيخين خرجاه، ومع هذا تكلم فيه الإمام أحمد وقال: لم يتابع عبد الله بن دينار عليه، وأشار إلى أن الصحيح ما روى نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "الولاء لمن أعتق" (١) لم يذكر النهي عن بيع الولاء وهبته.
قلت: وروى نافع عن ابن عمر من قوله: النهي عن بيع الولاء عن هبته غير مرفوع وهذا مما يعلل به حديث عبد الله بن دينار والله أعلم" (٢) .
فالإمام أحمد استند في تعليله لهذا الحديث على جملة من الأمور:
أولًا: تفرد عبد الله بن دينار عن ابن عمر بهذا الحديث دون سائر أصحاب ابن عمر كنافع وسالم وغيرهما.
ثانيًا: بعض أصحاب ابن عمر كنافع يروى في هذا الموضوع متنًا مغايرًا لما يرويه ابن دينار وهو قول النبي ﷺ: "إنما الولاء لمن أعتق" ولم يذكر النهي عن بيع الولاء وهبته.
ثالثًا: روى نافع عن ابن عمر "النهي عن بيع الولاء وهبته" لكن جعله موقوفًا على ابن عمر ولم يرفعه للنبي ﷺ ومعلوم أن نافعًا أحفظ أصحاب ابن عمر وقد ميز الموقوف من المرفوع، يكون حديثه أصح، هذه أهم الأمور التي استند عليها الإمام أحمد في تعليل حديث ابن دينار.
ويفهم من كلام أحمد أن عبد الله بن دينار روى هذا الحديث بالمعنى ولم يلتزم باللفظ، وبهذا صرح أبو بكر بن العربي ﵀ حيث قال في عارضة الأحوذي: "تفرد بهذا الحديث عبد الله بن دينار، وهو من الدرجة الثانية من الخبر، لأنه لم يذكر لفظ النبي ﷺ وكأنه نقل معنى قول
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الفرائض، باب لولاء لمن اعتق رقم (٦٧٥٢) ج١٢ ص٤٠ (مع الفتح) .
(٢) شرح العلل ص٢٣٨ - ٢٣٩.
[ ٢٤١ ]
النبي ﷺ لمن اعتق" (١) .
هذه هي الأسس والقرائن التي اعتمد عليها الإمام أحمد في استنكار هذا الحديث وتعليله. إذن ما هي الأسس التي اعتمد عليها البخاري ومن تبعه كمسلم والترمذي وغيرهم في تصحيح هذا الحديث؟
هذه الأسس والقرائن التي اعتمد عليها هؤلاء الأئمة في تصحيح الحديث يمكن حصرها فيما يلي:
١- إن هذا المتن الذي انفرد به عبد الله بن دينار لا يعارض غيره من الأحاديث التي وردت في هذا الموضوع سواء عن ابن عمر نفسه أو غيره كعائشة وما ورد في هذا الباب هو قول النبي ﷺ: "إنما الولاء (*) لمن أعتق" وهو يفيد حصر الولاء في العتق، دون غيره من أسباب التمليك كالبيع والهبة. وقد أشار البخاري - ﵀ - إلى تداخل الحديثين واتفاقهما في المعنى، حيث ترجم في كتاب العتق، "باب بيع الولاء وهبته"، فأورد فيه حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر، ثم أورد فيه حديث عائشة، قال اشتريت بريرة. فاشترط أهلها ولاءها فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: أعتقيها: فإن الولاء لمن أعطى الورق".
قال الحافظ: ووجه دخوله في الترجمة من قوله في أصل الحديث: "فإن الولاء لمن أعتق" وهو وإن كان لم يسقه هنا بهذا اللفظ، فكأنه أشار إليه كعادته، ووجه الدلالة منه حصره في المعتق فلا يكون لغيره معه منه شيء" (٢) .
٢- إن مضمون هذا الحديث قد عمل به أهل العلم من فقهاء الصحابة والتابعين والأئمة ﵃ وهذا يعتبر شاهدًا لصحته.
وإلى هذا أشار الإمام الترمذي في جامعه، فإن قال بعد روايته لهذا
_________________
(١) نقله الحافظ ابن حجر في الفتح: ج١٢ ص٤٥. (*) الولاء بالفتح والمد: حق ميراث المعتق من المعتق، (الفتح: ج٥ ص١٩٨) .
(٢) الفتح: ج٥ ص١٩٨.
[ ٢٤٢ ]
الحديث: "هذا حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم" (١) .
وقال ابن عبد البر: اتفق الجامعة على العمل بهذا الحديث إلا ما روي عن ميمونة أنها وهبت ولاء سليمان يسار لابن عباس وروى عبد الرزاق ابن جريج عن عطاء: يجوز للسيد أن يأذن لعبده أن يوالي من شاء (٢) .
وقال ابن بطال وغيره: جاء عن عثمان جواز بيع الولاء وكذا عن عروة، وجاء عن ميمون جواز هبته الولاء وكذا عن ابن عباس، ولعلهم لم يبلغهم الحديث (٣) .
٣- ومما يدل أيضًا على صحة حديث عبد الله بن دينار في النهي عن بيع الولاء وهبته أنه ورد من طريق شعبة ومالك بن أنس وسفيان الثوري، وحديث عبد الله بن دينار إذا ورد من طريق هؤلاء فهو صحيح.
قال أبو جعفر العقيلي (٤):
" روى شعبة والثوري ومالك وابن عيينة عن عبد الله بن دينار أحاديث متقاربة عند شعبة نحو عشرين، وعند الثوري نحو الثلاثين، وعند مالك نحوها، وعند ابن عيينة بضعة عشر حديثًا، فأما رواية المشايخ عنه فيها اضطراب" (٥) .
وقال البريديجي:
_________________
(١) جامع الترمذي (مع التحفة): ج٢ ص٢٣٨.
(٢) الفتح: ج١٢ ص٤٥.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) هو الإمام الحافظ أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حمدا العقيلي، صاحب كتاب الضعفاء وهو مطبوع في أربعة مجلدات يشمل على (٢١٠١) ترجمة وعلى أكثر من (١٥٠٠) حديث صحيح وضعيف ومعلول. توفى سنة (٣٢٢هـ) ترجمته في تذكرة الحافظ: ج٣ ص٩٤٠.
(٥) شرح العلل ص٢٦١.
[ ٢٤٣ ]
"أحاديث عبد الله بن دينار صحاح من حديث شعبة ومالك، وسفيان الثوري" (١) .
ويمكن أن يقال أن الإمام أحمد تقيد بحرفية الحديث، وأما الآخرون فنظروا إلى معنى الحديث فوجوده خاليًا من التغاير عن مضمون الحديث الذي رواه نافع فصححوه.
وهنا نجد ما يتفاضل به نافع عن عبد الله بن دينار من جهة التقيد بحرفية الحديث الذي يحدث به ابن عمر.
المثال الرابع:
حديث عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الإيمان ضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان" (٢) .
أخرجه البخاري عن عبد الله بن محمد عن أبي عامر العقدي عن سليمان بن بلال به.
وأخرجه مسلم عن عبد الله بن سعد، وعبد بن حميد عن العقيد به.
ورواه أيضًا زهير عن جرير بن حازم عن سهيل بن عبد الله عن ابن دينار به.
رواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن حماد عن سهيل به.
رواه الترمذي عن أبي كريب عن وكيع عن سيان عن سهيل به، وقال حسن صحيح.
_________________
(١) المصدر نفسه ص٢٦٢.
(٢) رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان، حديث رقم ٩ ن ج١ ص٦٧ (مع الفتح) ومسلم في الإيمان أيضًا، باب عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها.. رقم (٥٧) (٥٨) ج١ ص٦٣، وأبو داود في كتاب السنة، باب في رد الإرجاء ج٢ ص٢٦٨ - ط دار الكتاب العربي، والترمذي في كتاب الإيمان، ج٣ ص٣٥٨ (مع التحفة)، والنسائي، في كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان (٥٠١٩) و(٥٠٢٠) و(٥٠٢١) ج٨ ص٤٨٣ طبعة دار المعرفة، وابن ماجة في مقدمة سننه، باب في الإيمان رقم (٥٧) ج١ ص٢٢.
[ ٢٤٤ ]
ورواه النسائي عن محمد بن عبد الله المحرمي عن أبي عامر العقدي به.
وعن أحمد بن سليمان عن أبي داود الحفري وأبي نعيم كلاهما عن سفيان به.
وعن يحيى بن حبيب، عن خالد بن الحارث عن ابن عجلان ببعضه "الحياء من الإيمان".
ورواه ابن ماجه عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع به، وعن عمرو بن نافع بن جرير به.
وعن أبي بكر بن شيبة عن أبي جمالا الأحمر عن ابن عجلان نحوه.
وهذا الحديث معدود من غرائب الصحيح، فإنه تفرد به عبد الله بن دينار، عن أبي صالح ولم يتابعه عليه أحد، ثم اشتهر عن عبد الله بن دينار، ورواه عن جماعة من أصحابه كسهيل بن ابي صالح، ومحمد بن عجلان، وسليمان بن بلال، وهؤلاء كلهم رواياتهم في الكتاب الستة، كما سبق بيانه.
وذكر ابن رجب عن العقيلي - وهو يتكلم عن أصحاب عبد الله بن دينار -:
" وأما رواية المشايخ عنه ففيها اضطراب، ثم ذكر منهم: يحيى بن سعيد، وعبد العزيز بن الماجستون، وسهيلًا بن عجلان (*) ويزيد بن الهاد، وهؤلاء الثلاثة رووا عن عبد الله بن دينار عن ابي صالح عن أبي هريرة، حديث الإيمان بضع وسبعون شعبة قال: ولم يتابعهم أحد ممن سمينا من الأثبات ولم تابع عبد الله بن دينار عن أبي صالح عليه أحد" (١) .
وقد فسر الحافظ ابن رجب المراد من كلام العقيلي فقال:
_________________
(١) لم أجد في الرواة من أسمه سهيل بن عجلان، وأظنه تصحيفًا، والصواب سهيلًا وابن عجلان. () شرح العلل ص٢٦٢.
[ ٢٤٥ ]
" وقوله العقيلي: لم يتابع عليه ن يشبه كلام القطان، وأحمد والبرديجي في أن الحديث إذا لم يتابع روايه عليه فإنه يتوقف فيه أو يكون منكرًا" (١) .
فالحافظ العقيلي يستنكر هذا الحديث، وهذا الاستنكار مبني على جملة من الأمور هي:
١- تفرد عبد الله بن دينار بالحديث، إذ لم يتابعه عليه أحد.
٢- إن هذا الحديث إنما يرويه الشيوخ (*) من أصحاب عبد الله بن دينار، ولم يتابعهم عليه الحافظ.
٣- وجود الاختلاف والاضطراب في رواية هؤلاء الشيوخ، عن عبد الله بن دينار.
أما بالنسبة لتفرد عبد الله بن دينار الحديث فلا يضر إذ يضر إذ إن التفرد كان في الطبقات المتقدمة، والتفرد في هذه الطبقات لا يضر إذ من شأن الحديث ألا ينشر كثيرًا ولا تتعدد مخرجه، وقد تقدم تفصيل هذا في المطلب الأول من هذا المبحث.
أما بالنسبة للنقطة الثانية: وهي تفرد الشيوخ بهذا الحديث.
نعم لم يرو الحافظ من أصحاب عبد الله بن دينار هذا الحديث، كشعبة ومالك وسفيان وإنما رواه الشيوخ من أصحابه وهم:
سهيل بن عبد الله، وسيهل بن ابي صالح، ومحمد بن عجلان، وسليمان بن بلال، ويزيد بن الهاد.
فأما سهيل بن عبد الله فهو ضعيف، روى عنه الجماعة (٢) .
وسهيل بن أبي صالح: صدوق تغير حفظه بآخره، روى له البخاري
_________________
(١) المصدر نفسه. (*) الشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة الحفاظ وقد يكون فيهم الثقة وغيره (شرح العلل ص٢٥٦) .
(٢) التقريب ص٢٥٩.
[ ٢٤٦ ]
مقرونًا، وتعليقًا، وروى له بقية الجماعة (١) .
ومحمد بن عجلان: صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة (٢) .
وسليمان بن بلال: ثقة روى عنه الجماعة (٣) .
ويزيد بن عبد الله بن الهاد: ثقة مكثر، روى عنه الجماعة (٤) .
فهؤلاء الشيوخ فيهم الضعيف والصدوق والثقة، حتى ولو سلمنا بأن هؤلاء جميعًا في مرتبة الشيوخ بالنسبة إلى ابن دينار، فقد رووا جميعًا هذا الحديث عن عبد الله بن دينار عن أبي هريرة، فيدل ذلك على أنهم قد حفظوا هذا الحديث.
وأما بالنسبة للنقطة الثالثة: وهي وجود الاضطراب في رواية هؤلاء الشيوخ فما وجه هذا الاضطراب؟ وهل يقدح في صحة هذا الحديث أم لا؟
قد ذكر العلامة العيني اختلاف الروايات في هذا الحديث، وحاصله ما يلي:
- اختلاف في العدد: فبعض الرواة قال بضع وستون، أو بضع وسبعون على الشك، وبعضهم قال: بضع وسبعون، وقال آخر: بعض وستون.
- اختلاف في بعض الألفاظ: بعضهم قال: بضع وسبعون بابًا، وفي بعضها شعبة، وورد في بعض الروايات: أرفعها وورد في روايات أخرى أفضلها (٥) .
_________________
(١) المصدر نفسه ص٢٥٩.
(٢) المصدر نفسه ص٤٩٦.
(٣) المصدر نفسه ص٢٥٠.
(٤) المصدر نفسه ص٦٠٢.
(٥) عمدة القاري: ج١ ص١٣٥.
[ ٢٤٧ ]
فهذا الاضطراب لا يقدح في صحة أصل الحديث وإن كان يقدح في ثبوت العدد، ولهذا نظائر وأمثلة في صحيح البخاري منها: حديث الواهبة نفسها.
الذي يرويه أبو حازم عن سهل بن سعد ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله: إني قد وهبت لك نفسي فقال رجل زوجنيها قال: زوجناكها بما معك من القرآن" (١) .
فقد اختلف الرواة على أبي حازم فقال مالك وجماعة: فقد زوجناكها، وقال ابن عيينة: أنكحتكها، وقال ابن أبي حازم، ويعقوب بن عبد الرحمن: ملكتكها، وقال الثوري: أملكتكها، وقال أبو غسان: أمكناكها.
قال الحافظ: "المقطوع به أن النبي ﷺ لم يقل هذه الألفاظ كلها مرة واحدة تلك الساعة، فلم يبق إلا أن يقال: إن النبي ﷺ قال لفظًا وعبر عنه بقية الرواة بالمعنى والله أعلم " (٢) .
فهذا الاختلاف لم يضر في ثبوت الحديث.
فكذلك الاختلاف الواقع في حديث "الإيمان بضع وسبعون " لا يقدح في صحته. وإن كان الإمام البخاري - ﵀ - قد اختار ورجح رواية "بضع وستون " فما هو الأساس الذي اعتمده في ترجيح هذه الرواية؟ قد أشار إليه الحافظ بقوله: "ورجع البيهقي رواية البخاري لان سليمان لم يشك، وترجيح رواية بضع وسبعون شعبة لكونها زيادة ثقة. كما ذكره الحليمي ثم عياض - لا يستقيم إذ الذي زادها لم يستمر على الجزم بها، لا سيما مع اتحاد المخرج، وبهذا يتبين شفوف نظر البخاري وقد رجح ابن الصلاح رواية الأقل لكونه المتيقن" (٣) .
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الوكالة باب وكالة المرأة الإمام في النكاح: ج٤ ص٥٦٧ رقم (٢٣١٠)، ثم كرره في مواضع كثيرة من صحيحه.
(٢) النكت ص٣٤٥.
(٣) فتح الباري: ج١ ص٦٧.
[ ٢٤٨ ]
والذي يظهر لي إضافة إلى ما قاله الحافظ، هو أن سليمان بن بلال أوثق ممن خالفه، فهذه القرائن كلها مجتمعة ترجح رواية البخاري - ﵀ -.
ومما يدل على صحة هذا الحديث في الجملة، أنه لا يعارض القرآن ولا السنة، بل يوافقهما لذا نجد الإمام البخاري ذكر قبل هذا الحديث آيتين في نفس معناه، وهما قول تعالى: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وأتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وأتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ (١) .
وقوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأمناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾ (٢) .
قال الحافظ: "وكأن المؤلف (أي البخاري) أشار على إمكان عد الشعب من هاتين الآيتين وشبههما" (٣) .
وأما الأحاديث في هذا المعنى فهي كثيرة جدًا قد أوردها الأئمة في مصنفاتهم في أبواب الإيمان والسنة.
مما سبق نستخلص أن البخاري لا يرى أن كل حديث تفرد هـ رواية منكرًا، بل يراه صحيحًا مقبولًا إذا توفرت فيه الشروط التالية كلها أو بعضها:
١- أن يكون الراوي المتفرد بالحدي ثقة حافظ.
٢- أن يكون التفرد في الطبقات المتقدمة ثم يشتهر في الطبقات المتأخرة.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.
(٢) سورة المؤمنون، الآيات: من ١ إلى ١١.
(٣) الفتح: ج١ ص٦٦.
[ ٢٤٩ ]
٣- أن لا يعارض الحديث الثابت المشهور عن النبي ﷺ.
٤- أن تكون له شواهد من القرآن الكريم أو الأحاديث المرفوعة.
٥- أن يكون ما تضمنه الحديث معمولًا به عند أهل العلم ولا يكون مجهورًا غير مستعمل.
وحسب وضوح هذه القرائن وكثرتها يكون الحكم على الحديث بالنكارة أو بالشهرة.
وهنا تختلف أحكام الأئمة النقاد حسب اجتهادهم واطلاعهم، ومن خلال هذه الأمثلة المدروسة نطمئن إلى الأحاديث الواردة في صحيح البخاري، ونعلم أنها منتقاة بدقة كبيرة.
قال ابن رجب بعد أن نقل الإمام أحمد أنه يستنكر ما تفرد به بريد بن عبد الله بن أبي بردة، ويزيد بن أنسية، وإبراهيم التيمي.
قال ابن رجب بعد أن نقل الإمام أحمد أنه يستنكر ما تفرد به بريد بن عبد الله بن أبي بردة، وزيد من أنسية، وإبراهيم التيمي.
" وأما تصرف الشيخين والأكثرين فيدل على خلاف هذا، وان ما رواه الثقة عن الثقة إلى منتهاه وليس له علة فليس بمنكر، وقد خرجا في الصحيحين حديث بريد بن عبد الله بن أبي بردة، وحديث محمد بن إبراهيم التيمي وحديث زيد بن أبي أنسية (١) .
ثم نقل عن الإمام مسلم قوله في مقدمة صحيحه:
"حكم أهل العلم والذي يعرف من مذهبهم، في قول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل الحفظ في بعض ما رواه، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئًا، ليس عند أصحابه، قبلت زيادته، فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحافظ المتقنين لحديث وحديث غيره أو كمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل اعلم مبسوط مشترك وقد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على اتفاق منهم، في الكثرة، فيروي عنهما أو عن
_________________
(١) شرح العلل، ص٢٥٥.
[ ٢٥٠ ]
أحدهما العدد من الحديث ممن لا يعرف أحد من أصحابهما، وليس قد شاركهم في الصحيح الذي عندهم فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس والله أعلم" (١) .
المطلب الثالث: نماذج لأحاديث أعلها الإمام البخاري بالتفرد
رأينا في النماذج السابقة أن التفرد من دلائل العلة، ولكن قد يكون الحديث صحيحًا لقرائن أخرى تنضم إليه، كما سبق تفصيله.
وفي هذا المطلب اذكر نماذج أخرى لما يتفرد به الراوي، وتنضم إليه قرائن أخرى يكون الحديث معلولًا عند الإمام البخاري - ﵀ -.
المثال الأول:
حديث النبي ﷺ " الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد" (٢) . فمتن هذا الحديث معروف عن النبي ﷺ من وجوه متعددة، وقد خرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ومن حديث ابن عمر عن النبي ﷺ بطرق مختلفة. لكن هذا الحديث رواه كريب عن أبي أسامة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال:"الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معي واحد" (٣) .
_________________
(١) المصدر نفسه انظر مقدمة صحيح مسلم ص٧.
(٢) رواه البخاري، في كتاب الأطعمة، باب المؤن يأكل في معي واحد، ج٩ ص٤٤٦-٤٤٧ (مع الفتح)، ورواه مسلم، في كتاب الأشربة، باب المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء، ج٣ ص١٦٣١.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه: ج٣ ص١٦٣٦، وابن ماجه في سننه، حديث رقم (٣٢٥٨) من رواية أبي كريب، وأخرجه الترمذي في العلل الصغير: ج٥ ص٧٦٠ (مع الجامع)، والعلل الكبير ص٣٠٣.
[ ٢٥١ ]
وقد استغربه غير واحد من هذا الوجه، وذكر أن أبا كريب تفرد به منهم البخاري وأبو زرعة، وظاهر كلام أحمد يدل على استنكار هذا الحديث أيضًا (١) .
إذا علمنا أن أبا كريب (٢) المتفرد بالحديث ثقة حافظ روى له الجماعة فهل يتسنى لنا الاستدراك على هؤلاء الأئمة ونقول: إنه ثقة حافظ فلا يضر تفرده أم نبحث عن القرائن التي انضمت إلى هذا التفرد، فجعلتهم يحكمون على الحديث بالغرابة ويستنكرونه.
وهذه القرائن هي:
١- تفرد أبي كريب به عن أبي أسامة.
٢- تفرد أبي أسامة به عن بريد ز
٣- رواية أبي كريب هذا الحديث عن أبي أسامة حال المذاكرة.
وقد أشار البخاري - ﵀ - إلى هذا القرائن فيما نقله عنه الترمذي، حيث قال بعد رواية هذا الحديث من طريق أبي كريب:
" وسألت محمدًا بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث أبي كريب عن أبي أسامة، فقلت: حدثنا غير واحد عن أبي أسامة بهذا فجعل يتعجب ويقول: ما علمت أن أحدًا حدث بهذا غير أبي كريب، قال محمد: وكنا نرى أن أبا كريب أخذ هذا الحديث عن أبي أسامة في المذاكرة" (٣) .
والذين رووا هذا الحديث عن أبي أسامة غير أبي كريب هم: أبو هشام الرفاعي وأبو السائب والحسين الأسود.
_________________
(١) شرح العلل ص٢٤٨.
(٢) هو محمد بن العلاء بن كريب الهمذاني، أبو كريب الكوفي، مشهور بكنيته، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة (٥٢٤٧) وهو ابن تسع وثمانين سنة، ترجمته في التقريب ص٥٠٠.
(٣) العلل الصغير (مع الجامع): ج٥ ص٧٦٠، والعلل الكبير ص٣٠٣.
[ ٢٥٢ ]
فلماذا لم يعتد النقاد بهؤلاء ويعتبروا حديثهم متابعة لأبي كريب تدفع عنه وصف التفرد بهذا الحديث؟
لم يعتد النقاد بهذه الطرق، لأنهم علموا عدم صحة سماع هؤلاء لهذا الحديث من أبي أسامة مباشرة، وإنما سمعوه من أبي كريب وأضافوه إلى أبو أسامة.
قال الحافظ ابن رجب:
" وذكر لأبي زرعة من رواه عن أبي غير أبي كريب، فكأنه أشار إلى أنهم أخذوه منه، وحسين بن الأسود (١)، كان يهتم بسرقة الحديث، وأبو هشام (٢) فيه ضعف" (٣) .
وكذلك تعجب الإمام البخاري لما قال له الترمذي حدثنا غير واحد عن أبي أسامة بهذا وقال: ما علمت أحدًا حدث بهذا غير أبي كريب.
وأما القرينة الأخرى، وهي أخذ أبي كريب لهذا الحديث حال المذاكرة فقد وضحها الحافظ ابن رجب يقول: "وما حكاه الترمذي عن البخاري هاهنا أنه قال: كنا نرى أن أبا كريب أخذ هذا عن أبي أسامة في المذاكرة، فهو تعليل للحديث، فإن أبا أسامة لم يرو هذا الحديث عنه أحد من الثقات غير أبي كريب، والمذاكرة يحصل فيها تسامح بخلاف حال السماع والإملاء" (٤) .
_________________
(١) الحسين بن علي بن الأسود العجلي الكوفي، صدوق يخطئ كثيرًا، مات سنة ٥٢٥٤، ترجمته في: التقريب ص١٦٧، والتهذيب ج٢ ص٣٤٣، والميزان: ج١ ص٥٤٣.
(٢) محمد بن يزيد بن محمد بن كثير العجلي، أبو هشام الرفاعي الكوفي، قاضي بغداد، ضعفه البخاري والنسائي وغيرهما، مات سنة ٥٢٤٨، ترجمة في: الضعفاء الصغير ٢٣٦، الميزان ج٤ ص٦٨.
(٣) شرح العلل ص٢٤٨.
(٤) المصدر نفسه ص٢٤٩.
[ ٢٥٣ ]
المثال الثاني:
حديث النهي عن الانتباذ في الدباء والمزقت (١) .
هو حديث صحيح ثابت عن النبي ﷺ مشهور من رواية جماعة من الصحابة: ابن عباس وابن عمر وابن سعيد وأنس وأبي هريرة.
ولكن ورد من رؤية شبابة عن شعبة عن بكير عن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر أن النبي ﷺ نهى عن الدباء ولمزقت (٢) .
(فهذا الحديث بهذا الإسناد غريب جدًا وقد أنكره على شبابه طوائف من الأئمة منهم -أحمد والبخاري وأبوحاتم وبن عدي) (٣) والترمذي أيضًا (٤) .
وقد بين الترمذي بعض الجوانب التي من أجلها أعل النقاد فقال: بعد روايته له من طري شبابة.
"هذا حديث غريب من قبل إسناد ولا يعلم أحد حدث به عن شعبة غير شبابه، وقد روى عن النبي ﷺ من أوجه كثيرة أنه نهى أن ينتبذ في الدباء والمزقت، وحديث شبابه إنما يستغرب لأنه تفرد هـ عن شعبة، وقد روى شعبة وسفيان الثوري بهذا الإسناد عن بكير بن عطاء بن روى شعبة وسفيان الثوري بهذا الإسناد عن بكير بن عطاء بن عبد الرحمن بن يعمر عن النبي ﷺ أنه قال: "الحج عرفة" فهذا الحديث المعروف عند أهل الحديث بهذا الإسناد" (٥) وتمثل هذه القرائن يما يلي:
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الإيمان: باب أداء الخمس من الإيمان، رقم (٥٣) ج١ ص١٥٧ (مع الفتح)، عن ابن عباس ورواه في كتب العلم، والمواقيت، والأثرية عن ابن عمر، ورواه مسلم في كتاب الإيمان، ج١ ص٤٦ - ٥٠ عن ابن عباس وأبي سعيد، ورواه في الاثرية: ج٣ ص١٥٧٧-١٥٨٥ عن أنس وأبي هريرة وعلي وعائشة وغيرهم.
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه رقم (٣٤٠٤٩) والنسائي: ج٨ ص٣٠٥، وأخرجه الترمذي على العلل الصغير: ج٥ ص٧٦١ (مع الجامع) والعلل الكبير ص٣٠٩.
(٣) شرح العلل ص٢٤٩.
(٤) العلل الصغير: ج٥ ص٧٩١، والعلل الكبير ص٣٠٩.
(٥) العلل الصغير: ج٥ ص٧٦٠.
[ ٢٥٤ ]
١- تفرد شبابة بهذا الحديث دون سائر أصحاب شعبة.
٢- شهرة هذا الحديث بغير هذا الإسناد.
٣- وجود حديث آخر عن شعبة روي بهذا الإسناد الذي تفرد به شبابه.
وفيما يلي تفصيل هذه النقاط:
إن تفرد شبابه عن شعبة بهذا الحديث بهذا الإسناد دون سائر أصحاب شعبة الحافظ الإثبات يثير ريبة في نفس الناقد، نعم إن شبابه بن سوار ثقة (١) . لكنه ليس من أثبت أصحاب شعبة، كيحيى القطان وابن مهدي ومعاذ بن معاذ، وخالد بن الحارث وغندر (محمد بن جعفر) (٢) .
هؤلاء كلهم لم يرووه من هذا الطري الذي رواه به شبابه.
ولو نظرنا في الصحيحين نجد أن الثقات من أصحاب شعبة رووه من طرق عدة، ليس فيهما طريق شبابة.
فأما البخاري فإنه يروي هذا الحديث في مواضع متعددة من صحيحه من طريق شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس، حدث عن شعبة بذلك: علي بن الجعد (٣)، وغندر (٤)، والنضر بن شميل (٥) .
وأما الإمام مسلم فإنه توسع في ذكر طرق هذا الحديث عن شعبة (٦) .
فقد أورده ن طريق شعبة عن الأعمش عن إبراهيم التيميي عن الحارث بن سويد عن علي حدث بذلك عن شعبة محمد بن جعفر.
_________________
(١) شبابه بن سوار الفزاري: ثقة، رمي بالإرجاء. مات سنة ٢٥٤ ترجمته في تهذيب التهذيب: ج٤ ص٣٠٠.
(٢) انظر: سؤالات ابن بكير للداقطني ص٤٣ وشرح العلل ص٢٨٦ - ٢٨٨.
(٣) حدث رقم (٥٣) ج١ ص١٥٧.
(٤) حديث رقم (٨٧) ج١ ص٢٢١.
(٥) حديث رقم (٧٢٦٦ ج١٣ ص٢٥٦.
(٦) صحيح مسلم: ج٣ ص١٥٧٨ - ١٥٨٦.
[ ٢٥٥ ]
وأورده من طريق شعبة عن نصور وسليمان وحماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة حدث عن شعبة ذلك يحيى القطان.
وأورده أيضًا من طريق شعبة عن يحيى العمراني عن ابن عباس، حدث عن شعبة بذلك عبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن جعفر.
وأورده من طريق شعبة عن محارب بن دثار عن ابن عمر حدث عنه بذلك محمد بن جعفر.
وأورده من طري شعبة عن عمر بن مرة عن زاذان عن ابن عمر حدث بذلك أبو داود ومعاذ بن معاذ.
فهذه اشهر الطرق لهذا الحديث عن شعبة التي تداولها الثقات من أصحابه، أما طريقة شبابة عن شعبة فلم يشتهر فيتداوله الثقات.
أما بالنسبة للنقطة الثالثة وهي وجود حديث آخر عن شعبة بهذا الإسناد وهو "الحج عرفة" (١) فهذا المتن هو الذي يعرف عن شعبة عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر عن النبي ﷺ أي أن الحديث السابق انقلب إسناده على شبابة بن سوار فجعل إسناد هذا الحديث للحديث السابق.
فهذه القرائن مجتمعة جعلت النقاد يحكمون على هذا الحديث بالنكارة وليس لمجرد التفرد.
والنتائج التي نستخلصها مما سبق تتمثل فيما يلي:
١- يعد التفرد من الدلائل القوية لعرفة علل الأحاديث.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في مسنده، ج٤ ص٣٠٩ و٣٣٥، والترمذي: ج١ ص٨٨٥ وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم في المستدرك والبيهقي.
[ ٢٥٦ ]
٢- لا يكتفي النقاد بمجرد التفرد للحكم على الحديث بالنكارة أو الشذوذ، بل لابد من وجود القرائن.
٣- إن هذه القرائن تختلف باختلاف الأحاديث، وليس منحصرة.
٤- ليس للنقاد عمل مطرد في تفرد الراوي، فلا يقبلونه مطلقًا، ولا يردونه مطلقًا، فهنالك بعض تفردات الرواة صححها البخاري وغيره وهذا النوع يسمى بغرائب الصحيح، كما سبق بيانه في المطلب السابق وهناك تفردات حكم عليها البخاري بالنكارة كما بينته في هذا المطلب.
٥- قد تختلف أحكام النقاد على الأحاديث التي وقع فيها التفرد، وهذا بناء على مدى إطلاعهم على طرق الحديث والقرائن المرجحة، وليس اختلافًا في المنهج.
[ ٢٥٧ ]
المبحث الثالث: المخالفة وأثرها في التعليل
مدخل: مقدمات نظرية (تعريف المخالفة، أسبابها، ضابطها، وصورها، أحكامها، أثرها) .
القسم الأول: الاختلاف في سياق الإسناد.
المطلب الأول: الاختلاف في الوصول والإرسال.
المطلب الثاني: الاختلاف في الرفع والوقوف.
المطلب الثالث: الاختلاف في تسمية شيخ الراوي.
المطلب الرابع: الاختلاف في زيادة راو في الإسناد وحذفه.
القسم الثاني: الاختلاف في سياق المتن.
المطلب الأول: الاختصار.
المطالب الثاني: الرواية بالمعنى.
المطلب الثالث: الإدراج.
[ ٢٥٨ ]
مقدمات نظرية:
تعريف المخالفة وذكر أسبابها:
لم أجد لها تعريفًا، وقد اجتهدت في تعريفها حسب ممارستي لكتب الحدي ولعلي، فأقول:
"هي أن يروي الرواة عن شيخهم حديثًا ما، فيقع بينهم تغاير (١) في سياق إسناده أو متنه".
وسبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثيرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحيانًا يكون سببه الوهم والغلط.
وتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الاختلاف في حديثه، وكلما قل أصحابه وتلاميذه قل الاختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضابط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها.
ضابطها:
حتى يكون الاختلاف معتبرًا يعين فيه أن يكون المخرج واحدًا ز
قال ابن الصلاح - ﵀ -: "وينبغي في التعارض أن يكون المخرج واحدًا وإلا فتعد الوجوه المختلفة طرقًا مستقلة" (٢) .
قال الحافظ: "وقد فسر ابن العربي الحديث بأن يكون من رواية راو قد اشتهر برواية حديث أهل بلده، كقتادة في البصريين وأبي إسحاق السبيعي في الكوفيين وعطاء في المكيين، وأمثالهم، فإن حديث البصريين مثلًا إذا
_________________
(١) لم اعتبر بالتعارض كما هو مستعمل عند بعض العلماء لأن التغاير أعم وأشمل، والتعارض أخص، ومن الاختلاف ما ليس فيه تعارض
(٢) انظر مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح ص٩٤ وص١١٧. ط: دار الكتاب العربي. بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان.
[ ٢٥٩ ]
جاء عن قتادة ونحوه كان مخرجه معروفًا، وإذا جاء عن غير قتادة نحوه كان شاذًا والله أعلم" (١) .
صور المخالفة:
يقع الاختلاف بين الرواة في أمور كثيرة غير محصورة فيها ما يؤثر في القبول وفيها ما لا يؤثر فيه، كاختلافهم في العبارات والألفاظ بحيث لا يغير المعنى المقصود وكذا في التقديم والتأخير، وصيغ التلقي مثل حدثنا وأخبرنا ونحوهما.
وجدير بالذكر أن الاختلاف في صيغ التلقي يؤثر أحيانًا في الصحة والقبول، كالاختلاف في التصريح بالسماع بالنسبة إلى رواية من وصف بالتدليس أو الإرسال (٢) .
وأما الاختلاف المؤثر فتارة يكون في السند وتارة يكون في المتن، فالذي في السند يتنوع أنواعًا:
تعارض الوصول والإرسال، وتعارض الوقف مع الرفع، وتعارض الاتصال والانقطاع، وتعرض في شيخ الراوي، مثلًا: أن يروي الحديث قوم عن رجل عن تابعي عن صحابي، ويرويه غيرهم عن ذلك الرجل عن تابعي آخر عن الصحابي نفسه، وتعارض في زيادة رجل في أحد الإسنادين، وتعارض في اسم الراوي ونسبة إن كان مترددًا بين ثقة وضعيف، وتعارض في الجمع والإفراد في الرواية، مثلًا: أن يروي الحديث قوم عن رجل عن فلان وفلان ويرويه غيرهم عن ذلك الرجل من فلان منفردًا.
وأما الاختلاف في المتن فيتنوع أنواعًا: منها تعارض الإطلاق والتقييد، وتعارض العموم والخصوص، وتعارض الزيادة والنقص (٣) .
_________________
(١) النكت: تحقيق ربيع بن هادي: ج١ ص٤٠٥.
(٢) الحديث المعلول ص٣٦.
(٣) المصدر السابق: ج٢ ص٧٧٧ - ٧٧٨.
[ ٢٦٠ ]
أحكامها:
لقد اعتبر كثير من المتأخرين - عند وقوع الاختلاف بين الرواة في الوصول والإرسال والرفع والوقوف - أن الحكم للزائد إذا كان ثقة فيرجع الرفع على الوقف، والوصل على الإرسال باعتبار أن كلًا من الرفع والوصل زيادة.
وقد ذكر ابن الصلاح - ﵀ - الخلاف في هذه المسألة، وحاصله ما يلي:
إذا تعارض الوصل والإرسال فالحكم للمرسل وقيل الحكم للأكثر، وقيل الحكم للأحفظ، سواء أكان المخالف واحدًا أم جماعة وصحح الخطيب البغدادي القول الأخير (١) .
ونقل الحافظ العلائي عن شيخه ابن الزملاكاني أنه فرق بين مسألتي تعارض الوصل والإرسال والرفع والوقف بأن الوصل في السند زيادة من الثقة فتقبل وليس الرفع زيادة في المتن فتكون علة (٢) .
وهذه الأحكام العامة بالقبول أو الرد غير مسلمة في منهج المحدثين النقاد، فإن مذهبهم ليس القبول مطلقًا أو الرد مطلقًا، بل بحسب القرائن.
قال الحافظ - ﵀ -: "إن تعليلهم الموصول بالمرسل أو المنقطع، والمرفوع بالموقف أو المقطوع، ليس على إطلاقه، بل ذلك دائر على غلبة الظن بترجيح أحدهما على الآخر بالقرائن التي تحفه" (٣) .
وقال ابن دقيق العيد:
" من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا تعارض رواية مرسل ومسند أو رافع وواقف أو ناقص أو زائد أن الحكم للزائد فلم يصب في
_________________
(١) انظر علوم الحديث ص٦٤ - ٦٥.
(٢) النكت ص٢٨٦.
(٣) المصدر نفسه ص٣١٤.
[ ٢٦١ ]
هذا الإطلاق، فإن ذلك ليس قانونًا مطردًا، وبمراجعة أحكامهم الجزئية يعرف صواب ما نقول" (١) .
وقد جزم الحافظ العلائي فقال:
" كلام الأئمة المقدمين في هذا الفن كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل والبخاري وأمثالهم يقتضي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في كل حديث" (٢) .
ويقول الحافظ السخاوي:
" إنه لا يحكم في تعارض الوصل والرفع مع الإرسال والوقف بشيء معين، بل إن كان من أرسل أو أوقف من الثقات أرجح قدم وكذا بالعكس" (٣) .
أثر المخالفة في التعليل:
تعدّ المخالفة من الدلائل القوية التي تدرك بها العلة وقد سبق أن نقلت كلام ابن الصلاح في ذلك، وأكرره هنا لأهميته، قال - ﵀ -:
"ويستعان على إدراكها (أي العلة) بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك" (٤) .
ولا يمكن الوصول إلى العلة والكشف عنها إلا بجمع طرق الحديث المختلفة في سياق واحد، والنظر في كل راو من طبقات الإسناد هل تفرد أم خالف، قال الخطيب - ﵀ -:
"السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في
_________________
(١) المصدر نفسه ص٢٣٦ وقد نقله الصنعاني في توضيح الأفكار: ج١ ص٣٤٣.
(٢) المصدر نفسه ص٢٣٧ وقد نقله الصنعاني في توضيح الأفكار: ج١ ص٣٤٤.
(٣) فتح المغيث: ج١ ٢١٨.
(٤) علوم الحديث ص٨١ - ٨٢.
[ ٢٦٢ ]
اختلاف رواته ويعتبر بمكانهم في الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط" (١) .
والناظر في كتب العلل يلاحظ اشتمالها على ذكر طرق الحديث المختلفة، والمقارنة بينها وذكر اختلاف الرواة فيما بينهم.
وقد اهتم الأئمة النقاد بهذه المسألة وأصبحت من أهم معايير نقد الحديث والحكم على الرجال عندهم، قال الإمام مسلم - ﵀ -:
" وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى، خالفت روايته روايتهم أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله، ولا مستعمله" (٢) .
وقال أيضًا: "فبجمع هذه الروايات، ومقابلة بعضها ببعض يتميز صحيحها من سقيمها، ويتبين رواة ضعاف الأخبار من أضداد هم من الحفاظ، ولذلك أضعف أهل المعرفة بالحديث عمر بن عبد الله بن أبي خثعم وأشباههم من نقلة الأخبار لروايتهم الأحاديث المستنكرة التي تخالف روايات الثقات المعروفين من الحفاظ" (٣) .
لهذا يحرص علماء الحديث ونقاده على استيعاب طرق الحديث ورواياته من أجل الوقوف على الأخطاء التي فيها والأوهام.
قال ابن معين: "لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه" (٤) .
وقال أحمد: "الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا" (٥) .
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) مقدمة صحيح مسلم ص٧.
(٣) التمييز ص١٦٢.
(٤) الخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ج٢ ص٢١٢.
(٥) المصدر نفسه.
[ ٢٦٣ ]
وقال ابن المديني: "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه" (١) .
ولأهمية هذه المسألة جعلتها المحور الثاني لهذا الفصل، وسأحرص على أخذ أحكامهم من خلال الواقع النقدي عند الإمام البخاري - ﵀ - وقد قسمت هذا المبحث إلى قسمين:
القسم الأول: الاختلاف في سياق الإسناد، ويشمل المطالب التالية: الاختلاف في الوصل والإرسال، الاختلاف في الرفع والوقف، الاختلاف في تسمية شيخ الراوي، الاختلاف في زيادة راو واحد وحذفه.
القسم الثاني: الاختلاف في سياق المتن: ويشمل المطالب التالية: الاختصار، الرواية بالمعنى، الإدراج.
_________________
(١) المصدر نفسه.
[ ٢٦٤ ]
القسم الأول: الاختلاف في سياق الإسناد
المطلب الأول: الاختلاف في الوصل والإرسال
المثال الأول:
قال البخاري - ﵀ -: "حدثنا محمد بن خالد حدثنا محمد بن وهب بن عطية الدمشقي حدثنا محمد بن حرب حدثنا محمد بن الوليد الزبيدي أخبرنا الزهري عن عروة بن الزبير عن زيد بن سلمة عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: "استرقوا لها فإن بها النظرة".
وقال عقيل عن الزهري: أخبرني عروة عن النبي ﷺ، تابعه عبد الله بن سالم عن الزبيدي" (١) .
ورواه مسلم أيضًا قال: حدثني أبو الربيع سليمان بن داود حدثنا محمد بن حرب قال محمد بن الوليد به سندًا ومتنًا (٢) .
_________________
(١) كتاب الطب، باب رقية العين، حديث رقم (٥٧٣٩) ج١٠ ص٢١٠ (مع الفتح) .
(٢) كتاب السلام، باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة حديث رقم (٢١٩٨) ج٤ ص١٧٢٥.
[ ٢٦٥ ]
وقد ذكر الدارقطني هذا الحديث في كتابه التتبع وحكى الاختلاف في سنده وصلًا وإرسالًا ولم يحكم فيه بشيء (١) .
والاختلاف في الوصل والإرسال دائر بين محمد بن الوليد الزبيدي (٢) فقد وصل الحديث وعقيل (٣) فقد رواه مرسلًا، والإمام البخاري هنا قد رجح الموصول وأشار المرسل وكذلك الإمام مسلم.
فما هي القرائن التي اعتمد عليها الشيخان في ترجيح الطريق الموصولة على المرسلة؟ .
لقد أشار الحافظ - ﵀ - إلى هذه القرائن في شرحه لهذا الحديث فقال:
"واعتمد الشيخان في هذا الحديث على رواية الزبيدي لسلامتها من الاضطراب، ولم يلتفتا إلى تقصير عقيل (٤) فيه، وقد روى الترمذي من طريق الوليد مسلم أنه سمع الأوزاعي يفضل الزبيدي على جميع أصحاب الزهري، يعني في الضبط، وذلك أنه كان يلازمه كيرًا حضرًا وسفرًا ن وقد تمسك بهذا من رغم أن العمدة لمن وصل على من أرسل لاتفاق الشيخين على تصحيح الموصول هنا، والتحقيق أنهما ليس لهما في تقديم الوصل عمل مطرد بل هو دائر مع القرينة، فمهما ترجح بها اعتمداه، وإلا فكم حديث أعرضا عن تصحيحه للاختلاف في وصله وإرساله" (٥) .
_________________
(١) التتبع ص٢٤٧ - ٢٤٨.
(٢) هو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي أبو الهذيل الحمصي القاضي، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. مات سنة ١٣٦ أو ١٤٧، وكان من الحفاظ المتقنين، أقام مع الزهري عشر سنين، له ترجمة في التاريخ الكبير قسم ١ ج١ ص٢٥٤ وتهذيب التهذيب: ج٩ ص٥٠٢.
(٣) ورد في الأصل يونس وهو خطأ ظاهر والصواب ما أثبته.
(٤) الفتح م ج١٠ ص٢١٣.
[ ٢٦٦ ]
وتتمثل هذه القرائن فيما يلي:
١- سلامة رواية الزبيدي من الاضطراب وذلك لأنها وردت من طريق محمد بن حرب وهو حافظ، وتابعه عليها عبد الله بن سالم الحمصي، وهو حافظ أيضًا.
٢- إضافة إلى ذلك يعدّ الزبيدي من أثبت أصحاب الزهري - ﵀ - وقد سئل الدارقطني عن اثبت أصحاب الزهري قال: "مالك، وشعيب بن أبي حمزة وابن عيينة، ويونس بن يزيد وعقيل والزبيدي" (١)، وإنما عد الزبيدي من اثبتهم لأنه كان طويل الملازمة للزهري سندًا وحفظًا.
٣- إن تقصير عقيل في إسناد هذا الحديث يمكن أن يكون سببه الوهم والنسيان، ويمكن أن يكون سببه الشك وهذا الأخير أرجح وذلك أن الحفاظ المتقنين إذا شكوا قصورا في الأسانيد.
المثال الثاني:
قال البخاري - ﵀ -: "حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر قال: يا رسول الله ﷺ وحدثني محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵁ قال: لما قلنا من حنين سأل عمر النبي ﷺ ن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكاف، فأمره النبي ﷺ بوفاته.
وقال بعضهم: حماد عن أيوب نافع عن ابن عمر.
ورواه جرير بن حازم وحماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ" (٢) .
_________________
(١) سؤالات ابن بكير للدارقطني ص٤٩ - ٥٠.
(٢) كتاب المغازي، باب قول الله تعالى: ﴿ويوم حنين﴾ حديث رقم (١٤٣٢٠) ج١ ص٦٤٠ (مع الفتح) .
[ ٢٦٧ ]
وقد ذكر الدارقطني – ﵀ – هذا الحديث في كتابه التتبع وذكر الاختلاف فيه، ولم يحكم فيه بشيء قال ﵀: "وأخرجه البخاري عن أبي النعمان عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر قال: نذرت نذرًا مرسلًا ووصله حماد بن سلمة وجرير بن حازم ومعمر عن أيوب.
ووصله عبد الله عن نافع" (١) .
فهذا الحديث فيه اختلاف بين أصحاب أيوب فقد أرسله حماد بن زيد، ووصله حماد بن سلمة وجرير بن حازم ومعمر.
والبخاري – ﵀ -: "إنما أورد طريق حماد بن زيد المرسلة للإشارة إلى أن رواية مرجوحة لأن جماعة من أصحاب شيخه أيوب خالفوه فوصلوه، بل بعض أصحاب حماد بن زيد رواه موصولًا كما أشار إليه البخاري هنا " (٢) .
والقرائن التي اعتمد عليها البخاري في ترجيح الرواية المتصلة على المرسلة تتمثل فيما يلي:
١- وجود الاضطراب في رواية حماد بن زيد فقد رواه عنه أبو النعمان، مرسلًا كما هو عند البخاري، وكذا أورده الإسماعيلي من طريق سليمان بن حرب، وأبي الربيع الزهراني، وخلف بن هشام كلهم عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر كان عليه اعتكاف في الجاهلية (٣) .
ويرويه بعض أصحاب حماد بن زيد موصلًا، وهو أحمد بن عبيد الضبي، كما هو في رواية الإسماعيلي وعند مسلم – ولم يسق لفظه (٤) – وعند ابن خزيمة (٥) .
_________________
(١) التتبع ص٢٥٣.
(٢) الفتح: ج٧ ص٦٣٠.
(٣) الفتح: ج٧ ص٦٣٠.
(٤) صحيح مسلم: ج٣ ص١٢٧٨.
(٥) المصدر السابق.
[ ٢٦٨ ]
فأصحاب حماد بعضهم يرويه مرسلًا وبعضهم يرويه موصولًا، وهذا مما يوهن رواية حماد بن زيد.
٢- إذا سلمنا أن هذه الطريق إنما وردت عن حماد بن زيد مرسلة لكثرة من رواها كذلك فهي معارضة برواية غيره ممن رواه عن أيوب مسندًا وهم أكثر عددًا ممن رواه موصولًا، وهذه الروايات المعارضة لرواية حماد بن زيد هي:
١- رواية جرير بن حازم أشار إليها البخاري وقد وصلها مسلم وغيره من رواية ابن وهب عن جرير بن حازم أن أيوب حدثه أن نافعًا حدثه أن عبد الله بن عمر حدثه أن عمرًا سأل رسول الله ﷺ
٢- رواية حماد بن سلمة وقد أشار إليه البخاري أيضًا ووصله مسلم من طريق حجاج بن منهال قال حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب مقرونة برواية محمد بن إسحاق كلاهما عن نافع عن ابن عمر (١) .
٣- رواية معمر وقد وصلها البخاري ومسلم (٢) .
٤- رواية سفيان الثوري وقد وصلها النسائي (٣) .
فتكون رواية هؤلاء الجماعة أرجح، لا لكونهم جماعة ولكن بانضمام القرائن، وهي في رواية حماد بن زيد والقرينة الثالثة.
٣- إن حماد صاحب حفظ وليس صاحب كتاب، ومن عادته أنه ينقص من الحديث إذا طرأ له شك.
٤- القرينة الرابعة التي ترجح الطريق الموصولة على المرسلة هي كون الحديث محفوظًا عن نافع موصولًا وقد تابع أيوب على وصله عبيد بن
_________________
(١) صحيح مسلم ج٣ ص١٢٧٧.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) كتاب الإيمان والنذر، باب إذا نذر ثم أسلم قبل أن يفيء رقم (٣٨٢٩) و(٣٨٣٠) ج٧ ص٢٠ دار المعرفة.
[ ٢٦٩ ]
عمر وقد اخرج روايته البخاري وغيره (١) .
المثال الثالث:
حديث " لا نكاح إلا بولي " الذي يرويه أبو إسحاق السبيعي (٢) .
هذا الحديث اختلف في وصله وإرساله، فقد رواه إسرائيل بن يونس (٣) في آخرين: عن جدة أبي إسحاق السبيعي عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري عن الرسول ﷺ مسندًا متصلًا.
ورواه سفيان الثوري (٤) وشعبة (٥) عن أبي إسحاق عن بردة عن النبي ﷺ مرسلًا وسئل البخاري – ﵀ – عن هذا الحديث، فحكم لمن وصله وقال: الزيادة من الثقة مقبولة (٦) .
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الاعتكاف باب الاعتكاف ليلًا رقم (٢٠٣٢) ج٣ ص٣٢١، ورواه مسلم في الإيمان، باب نذر الكفار وما يفعل فيه إذا اسلم رقم (٢٣٧) وأخرجه أبو داود في الإيمان والنذور، باب من نذر في الجاهلية ثم أدرك الإسلام (٣٣٢٥) والترمذي في النذور والإيمان، باب ما جاء في وفاء النذر (١٥٣٩) والنسائي في الإيمان والنذور، باب إذا نذر ثم أسلم قبل أن يفي (٣٨٣٠) وابن ماجه في الصيام، باب في اعتكاف يوم وليلة (١٧٧٢) وفي الكفارات، باب الوفاء بالنذر (٢١٢٩) وأحمد في مسنده ج٢ ص٢ وص٨٢.
(٢) هو عمرو بن عبد الله بن عبيد، أبو إسحاق الكوفي من أعلام التابعين، ثقة مكثر عابد، اختلط بآخرة. مات سنة (١٢٩هـ) له ترجمة في: تذكرة الحفاظ: ج١ ص١١٤، تاريخ الإسلام: ج٥ ص١١٦، التقريب ص٤٢٣.
(٣) هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أبو يوسف الكوفي، حفيد أبي إسحاق ثقة، تكلم فيه بلا حجة، روى له الجماعة، مات سنة (١٦٠هـ) ترجمته في التقريب ص١٠٤ وروايته أخرجها أحمد ج٤ ص٣٩٤ و٤١٣ وأبو داود (٢٠٨٥)، والترمذي (١١٠١) والدرامي (٢١٨٨) والبراز (كشف الأستار ١٤٢٢)، وأبن حبان (٤٠٧٠) والدارقطني ج٤ ص٢٠٨، والبيهقي ج٧ ص١٠٧.
(٤) رواية سفيان الثوري عن أبي إسحاق أخرجا عبد الرزاق في المصنف حديث رقم (١٠٤٧٥) .
(٥) رواية شعبة أخرجها الترمذي.
(٦) أورد هذه القصة الخطيب البغدادي بالسند في الكفاية، باب القول فيما روى من الأخبار مرسلًا ومتصلًا ص٤٥٢.
[ ٢٧٠ ]
وقد احتج الخطب البغدادي بهذا على أنه إذا ورد الحديث مرسلًا ومتصلًا فالحكم لمن أوصله إذا كان ثقة وتبعه على ذلك ابن الصلاح في مقدمته، محتجًا بصنيع الإمام البخاري في ترجيح الموصول على المرسل هنا، مع أن من أرسله شعبة وسفيان، وهما جبلان لهما من الحفظ والإتقان الدرجة العالية (١) .
فهل يصح أن نأخذ من هذا حكمًا كليًا ننسبه إلى الإمام البخاري ونعده منهجًا له كما فعل الخطيب ﵀ وتبعه على ذلك ابن الصلاح وكثير من المتأخرين؟
لقد تعقب الحفاظ ابن رجب الخطيب في هذه المسألة وتبين أنها لا تأخذ كحكم كلي مطرد وهذا من خلال الاستقراء لصنيع الإمام البخاري في كتابه التاريخي الكبير فقال: "وهذه الحكاية إن صحت فإنما مراده الزيادة في هذا الحديث، وإلا فمن تأمل كتاب تاريخ البخاري، تبين له قطعًا أنه لم يكن يرى أن زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة" (٢) .
وبين ابن رجب أن هذا ليس منهجًا للبخاري فحسب بل هو منهج غيره من الأئمة النقاد فقال: "وهكذا الدارقطني يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة، ثم يرد في اكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات، ويرجح الإرسال على الإسناد فدل على أن مرادهم زيادة في تلك المواضع الخاصة وهي إذا كان الثقة مبرزًا في الحفظ" (٣) .
فالحافظ رد على الخطيب ومن تبعه ردًا مجملًا مبينًا أن قبول زيادة الوصل إنما هو لقرائن خاصة في مواضع خاصة ولم يفصل في ذكر تلك القرائن في هذا الحديث.
وقد رد أيضًا على الخطيب ومن تبعه كابن الصلاح، الحافظ ابن حجر –﵀- فقال:
_________________
(١) علوم الحديث ص٦٥.
(٢) شرح العلل ص٢٤٤.
(٣) المصدر نفسه.
[ ٢٧١ ]
"لكن الاستدلال بأن الحكم للواصل دائمًا على العموم من صنيع البخاري في هذا الحديث الخاص ليس بمستقيم، لأن البخاري لم يحكم فيه بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنما حكم عليه بالاتصال لمعان أخرى رجحت عناه حكم الوصل" (١) .
ثم ذكر هذه القرائن فقال:
"منها: أن يونس ابن أبي إسحاق (٢) وابنيه إسرائيل (٣) وعيسى (٤) رووه عن ابن إسحاق موصولًا، ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيره.
ووافقهم على ذلك أبو عوانة (٥) وشريك النخعي (٦) وزهير بن
_________________
(١) النكت ص٢٣٨.
(٢) هو يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أبو إسرائيل الكوفي، صدوق يهم قليلًا، من الخامسة، مات سنة (١٥٢) (التقريب ص٦١٣)، وقد ضعف الإمام أحمد حديثه عن أبيه (الضعفاء للعقيلي ج٤ ت٢١١١) وروايته أخرجها الترمذي (١١٠١) والبيهقي ج٧ ص١٠٩.
(٣) تقدمت ترجمته، وروايته.
(٤) هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أخو إسرائيل، كوفي نزل الشام مرابطًا، ثقة مأمون، مات سنة (١٨٧هـ) وقيل (١٩١هـ) روى له الجماعة (التقريب ص٤٤١)، ولم أقف على روايته مع طول البحث.
(٥) هو وضاح اليشكري الواسطي البزار، أبو عوانة مشهور بكنيته، ثقة ثبت، مات سنة (٧٥هـ) أو (٧٦هـ) روى له الجماعة، قال يحيى القطان: أبو عوانة من كتابه أحب إلى من شعبه من حفظه. وقال يحيى القطان: ما أشبه حديثه بحديث سفيان وشعبة، وقال عفان: هو عندنا أصح حديثًا من شعبة: التقريب ص٥٨٠، والشذرات: ج١ ص٢٨٧، وروايته أخرجها ابن ماجه (١٨٨١) والترمذي (١١٠١) والبيهقي ج٧ ص١٠٧.
(٦) شريك بن عبد الله النخعي الكوفي، القاضي بواسط، ثم الكوفة، أبو عبد الله، صدوق، يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع. مات سنة (١٧٧هـ) أو (١٨٧هـ) . روى له البخاري تعليقًا ومسلم وبقية الجامعة. (التقريب ص٢٦٦) وروايته أخرجها الدارمي (٢١٨٩) والترمذي (١١٠١) وابن حبان (٤٠٦٦) و(٤٠٧٨) والبيهقي: ج٧ ص١٠٨.
[ ٢٧٢ ]
معاوية (١) وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق، مع اختلاف مجالسهم في الأخذ وسماعهم إياه من لفظه.
وأما رواية من أرسله وهما شعبة وسفيان، فإنما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد، فقد رواه الترمذي فقال:
حديث محمود بن غيلان، ثنا أبو داود ثنا شعبة قال: سمعت سفيان يسأل أبا إسحاق سمعت أبا بردة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: "لا نكاح إلا بولي" فقال: نعم (٢) .
فشعبة وسفيان إنما أخذاه معًا في مجلس واحد، كما ترى، ولا يخفى رجحان ما أخذ من لفظ المحدث في مجلس متعددة على ما أخذ عنه عرضًا في مجلس واحد.
هذا إذا قلنا حفظ سفيان وشعبة في مقابل عدد الآخرين، مع أن الشافعي ﵁ يقال: "العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد".
فبين أن ترجيح البخاري لوصل هذا الحديث على إرساله لم يكن لمجرد أن الواصل معه زيادة ليست مع المرسل بل لما يظهر من قرائن الترجيح، ويزيد ذلك ظهورًا تقديمه للإرسال في مواضع أخرى (٣) .
ثم ذكر حديثًا قال فيه البخاري: الصواب قول مالك مع إرساله، ثم قال عقبه: "فصوب الإرسال هنا لقرينة ظهرت له فيه، وصوب المتصل هناك لقرينة ظهرت له فيه، فتبين أنه ليس له عمل مطرد في ذلك والله أعلم" (٤) .
وممن صحح الوصل ي هذا الحديث الترمذي – ﵀ – في جامعه وعلله، وصححه أيضًا ابن حبان والحاكم.
_________________
(١) هو زهير بن معاوية بن حديج الجعفي الكوفي نزيل الجزيرة، ثقت ثبت، مات سنة (١٧٣هـ) (التقريب ص٢١٨) وروايته أخرجها ابن حبان (٤٠٦٥)، والبيهقي: ج٧ ص١٠٧.
(٢) كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي: ج٢ ص١٧٦ (مع التحفة) .
(٣) النكت ص٢٣٩.
(٤) المصدر نفسه.
[ ٢٧٣ ]
وأسند الحاكم من طريق علي ابن المديني ومن طريق البخاري والذهلي وغيرهم أنهم صححوا حديث إسرائيل (١) وقال الحافظ، بعد أن ذكر كلام الترمذي على هذا الحديث:
"ومن تأمل ما ذكرته عرف أن الذين صححوا وصله لم يستندوا في ذلك إلى كوه زيادة ثقة فقط، بل للقرائن المذكورة المقتضية لترجيح رواية إسرائيل على غيره" (٢) .
سبق أن ذكرت أن الإمام الترمذي قد صحح وسل هذا الحديث في جامعة وعلله الكبير معتمدًا على القرائن السابقة التي فصلها الحافظ – ﵀ – لكن محقق العلل الكبير تحامل على الترمذي ومن وافقه من الأئمة في تصحيح الطريق الموصولة على المرسلة ورماهم بالتعصب المذهبي واتباع الهوى قال: "قد حاول كثيرون تصحيح هذا الحديث ووصله وسلكوا في ذلك كل مسلك لحاجة في أنفسهم أساسها التعصب المذهبي والعياذ بالله" (٣) .
وقال أيضًا: "ما صحح هذا الحديث أحد إلا لهوى في نفسه والعياذ بالله" (٤) .
وما حجته في ذلك إلا مجرد أن هؤلاء الذين خالفوا شعبة وسفيان فيهم بعض الضعف واللين، وأما الثقات منهم فقد رووا عن أبي إسحاق لما تغير، وأن إسرائيل ومن تابعه على وصل الحديث ولو كان معهم أمثالهم لا يقفون بجانب شعبة وحده، فكيف ومعه سفيان الثوري.
هذه هي حجته، ويا ليته كف لسانه عن الخوض في أعراض هؤلاء الأئمة والطعن في نياتهم، ورواءه الطعن في علمهم ومنهجهم.
_________________
(١) الفتح ج٩ ص٨٩.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) العلل الكبير ص١٥٦ (مع التحفة) .
(٤) المصدر نفسه.
[ ٢٧٤ ]
أقول: إن الترمذي ومن معه من الأئمة الأعلام كالبخاري والحاكم وابن المديني والذهلي وغيرهم ممن صحح وصل هذا الحديث قد علموا أن شعبة والثوري أحفظ من هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث، وهذا قد صرح به الترمذي نفسه في جامعه (١) لكن شريك وإسرائيل هما من اثبت أصحاب أبي إسحاق بعد شعبة والثوري (٢) .
فهؤلاء الحفاظ النقاد الذين لا شك في صدقهم وأمانتهم على الدين، لما صحوا هذا الحديث لم يكن بناء على ظاهر الإسناد وأحوال الرواة لأن الثقة قد يخطئ كما أن الضعيف قد يصيب فكيف لو كانوا عشرة أو أكثر فيهم الثقات والضعفاء وسمعوا في مجالس متعددة وأوقات مختلفة. نعم منهم من روى عن أبي إسحاق بعد الاختلاط والتغير ولكن اتفاقهم على وصل هذا الحديث مع كثرة عددهم وأخذهم في أوقات ومجالس متعددة مما يدل على أن أبا إسحاق كان يروي هذا الحديث موصولًا، ويمكن أن يكون أرسله أحيانًا فسمعه منه شعبة وسفيان فروياه كما سمعاه، فيكون الحكم لمن أوصله، وهو العلم والعدل، وليس هو التعصب والهوى.
ثم قال: "وقد أراح البخاري ومسلم نفسيهما وأراحا الناس بعدم ذكر مثل هذا الحديث في كتابيهما" (٣) .
نعم لم يذكر البخاري هذا الحديث في كتابه مسندًا ولكن ترجم لما يدل عليه صراحة فقال في كتاب النكاح: "باب من قال لا نكاح إلا بولي" وذكر فيه آيات وأحاديث تدل على اشتراط الولي في النكاح، قال الحافظ – ﵀ – في شرحه لهذه الترجمة:
"استنبط المصنف هذا الحكم من الآيات والأحاديث التي ساقها لكون الحديث الوارد بلفظ الترجمة ليس على شرطه" (٤) .
_________________
(١) الجامع: ج٢ ص١٥٦ (مع التحفة) .
(٢) العلل الكبير ص١٥٦.
(٣) العلل الكبير (الحاشية) ص١٥٧.
(٤) الفتح: ج٩ ص٩٨.
[ ٢٧٥ ]
والظاهر أن المعلق لم يدرك أن النقاد إذا حكموا بترجيح الموصول على المرسل أو العكس، فإن ذلك لا يقتضي صحة الحديث في نفس الأمر، وإنما هو حكم بما هو الصواب المطابق للواقع، أي كيف حدث هذا الراوي المختلف عليه في الحديث، ثم الحكم على الحديث بعد ذلك قوة أو ضعفًا متوقف على النظر في كل شروط الصحة الأخرى.
ولعل البخاري لم يخرج هذا الحديث مسندًا، لضعف بعض رواته، أو لوجوه الاختلاف فيه، وإخراج ما هو مجمع على صحته أولى، إذا كان في نفس معناه، كما هو الحال في هذه المسالة فقد أورد فيها الإمام البخاري ثلاث آيات وأربعة أحاديث صحيحة.
وعلى العموم حديث " لا نكاح إلا بولي " أقل أحواله أن يكون حسنًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ لكثرة شواهده وقد أشار إليها الترمذي بقوله: "وفي الباب عن عائشة وابن عباس وأبي هريرة وعمران بن حصين وأنس" (١) والجمهور على العمل به ومنهم سفيان الثوري ﵀ ولم يخالف في ذلك إلا أبو حنيفة – ﵀ -.
أمثلة لأحاديث رجح فيها الإمام البخاري الإرسال على الوصل:
ذكرت في الأمثلة السابقة أحاديث رجح فيها الإمام البخاري الوصل على الإرسال وقد نقلت من أقوال الحافظ المتأخرين ما يدل على أن هذا ليس عملًا مطردًا للإمام البخاري، وادعم تلك النقول بهذين المثالين مما رجح فيه البخاري الإرسال على الوصل بالرغم من أن الواصل ثقة.
المثال الأول:
ما رواه الثوري عن محمد بن أبي بكر بن حزم عن عبد الملك بن
_________________
(١) جامع الترمذي: ج٢ ص١٧٥، وانظر تخريجها في التحفة في نفس الموضوع.
[ ٢٧٦ ]
أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أم سلمة ﵂ قالت: أن النبي ﷺ قال: "إن شئت سبعت لك" (١) .
ورواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أبيه، أن رسول الله ﷺ حين تزوج أم سلمة وأصبحت عنده قال لها: "ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت" فقالت: ثلث (٢) .
فالخلاف بين مالك والثوري، فالثوري أوصله، ومالك أرسله، والثوري ثقة إمام حافظ ومع ذلك قال الإمام البخاري في تاريخه:
"الصواب قول مالك مع إرساله" (٣) .
ويظهر أن الثوري سلك فيه الجادة، والله أعلم.
المثال الثاني:
حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي ﷺ: "قضى باليمين مع الشاهد" فهذا الحديث اختلف فيه على جعفر بن محمد.
قال عبد الوهاب الثقفي: عن جعفر عن أبيه، عن جابر، أن النبي ﷺ: "قضى باليمين مع الشاهد" (٤) وتابعه إبراهيم بن أبي حية (٥) .
_________________
(١) أخرجه ملم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب قدر ما تستحقه البكر والثبت من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف رقم (٤١) ج٢ ص١٠٨٣، وأبو داود (٢١٢٢)، وابن ماجه (١٩١٧)، وغيرهم.
(٢) رواه مالك في الموطأ كتاب النكاح، باب الإقامة عند البكر والأيم رقم (١٤) ج٢ ص٥٢٩، ورواه مسلم أيضًا، في نفس الكتاب والباب.
(٣) انظر النكت ص٢٣٩.
(٤) أخرجه أحمد ج٣ ص٣٠٥، وابن ماجه (٢٣٦٩) والترمذي (١٣٤٤) والدارقطني ج٤ ص٢١٢ والبيهقي ج١٠ ص١٧٠.
(٥) عند البيهقي ج١٠ ص١٧٠.
[ ٢٧٧ ]
وقال يحيى بن سليم وعبد العزيز بن سلمة، رواية شبابة بن سوار عنه، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي، عن النبي ﷺ "قضى باليمين والشاهد" (١) .
قال الترمذي – ﵀ -:
" سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقلت: أي الروايات أصح؟ فقال: أصحه حديث جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ ومرسلًا" (٢) .
وقد تبع الإمام الترمذي البخاري في هذا الحكم، فقد قال في جامعه بعد روايته هذا الحديث وذكر الاختلاف فيه "حدثنا علي بن حجر ثنا إسماعيل بن جعفر ثنا جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ قضى باليمين والشاهد الواحد، قال: وقضى بها على فيكم، وهذا أصح، وهكذا روى سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلًا" (٣) .
وقد وافقهم على ترجيح الإرسال في هذا الحديث الإمامان أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان –رحمهما الله تعالى- قال ابن أبي حاتم: "وسألتهما عن حديث رواه عبد الوهاب الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي ﷺ قضى بشاهد ويمين، فقالا: أخطأ عبد الوهاب في هذا الحديث، إنما هو عن جعفر عن أبيه، أن النبي ﷺ: مرسلًا" (٤) .
فلماذا رجح البخاري وغيره من الأئمة الإرسال في هذا الحديث بالرغم من أن الذي وصله ثقة فإن عبد الوهاب الثقفي الذي وصله ثقة روى له البخاري وسائر الجماعة (٥) .
_________________
(١) أخرجه الترمذي، في كتاب الأحكام، باب ما جاء في اليمين مع الشاهد ج٢ ص٢٨١ (مع التحفة) والبيهقي ج١٠ ص١٦٩ و١٧٣.
(٢) العلل الكبير ص٢٠٢.
(٣) جامع الترمذي: ج١ ص١٨٠ (مع التحفة) .
(٤) علل الحديث رقم ١٤٠٢.
(٥) التقريب ص٣٦٨.
[ ٢٧٨ ]
وقد تابعه على الوصل جماعة هم:
السري بن عبد الله السلمي، وعبد النور بن عبد الله بن سنان، وحميد بن الأسود، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير وغيرهم (١) .
وقال الترمذي بعد روايته لهذا الحديث عن عبد الوهاب الثقفي، وتابعه إبراهيم بن أبي حية (٢) ولم يصح هنا أن تقبل زيادة عبد الوهاب الثقفي ومن تابعه في وصل هذا الحديث، لأنهم خالفوا من هو أوثق وأثبت منهم في هذا.
وهم: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وابن جريج، والدراوردي، وإسماعيل بن جعفر، وعبد الله بن جعفر، فكل هؤلاء رووه مرسلًا (٣) .
تنبيه: لقد خالف بعض الأئمة النقاد في هذا الحكم ورجحوا الرواية المتصلة على المرسلة فمن هؤلاء الدارقطني – ﵀ – فقد قال بعد روايته طريق الثقفي ومن تابعه:
"والحكم يوجب أن يكون القول قولهم، لأنهم زادوا وهم ثقات وزيادة الثقة مقبولة" (٤) .
وقال الشافعي والبيهقي: "عبد الوهاب وصله وهو ثقة" (٥) .
ولقد صحح حديث جابر الموصول أبو عوانة وابن خزيمة أيضًا (٦) .
وليس المقام هنا مقام مناقشة هؤلاء الأئمة فيها ذهبوا إليه، وإنما القصد بيان أنه ليس لإمام البخاري طريقة مطردة في ترجيح الوصل على الإرسال أو العكس، وإنما الأمر تابع للقرائن دون مجرد الاكتفاء بالنظر في ظاهر الإسناد وأحوال الرجال.
_________________
(١) العلل للدارقطني: ج٣ ص٩٤ – ٩٨.
(٢) العلل الكبير ص٢٠٢.
(٣) المصدر السابق.
(٤) المصدر نفسه.
(٥) تحفة الأحوذي: ج٢ ص٢٨١.
(٦) المرجع نفسه.
[ ٢٧٩ ]
وإن كنت أميل إلى ما رجحه البخاري والترمذي وأبو حاتم وأبو زرعة بتصويب الحكم بالإرسال ي هذا الحديث على الوصل، للقرائن السابقة والكل مأجور على اجتهاده، والله أعلم.
المطلب الثاني: الاختلاف في الرفع والوقف
قد يختلف الرواة فيما بينهم فيرفع أحدهم حديثًا ويقفه الآخر أو العكس. وقد سبق في كلام الأئمة ما يفيد أنه لا يحكم في هذه المسألة بحكم كلي مطرد من تقديم الرفع على الوقف على اعتبار أن الرفع زيادة من الثقة فتقبل كما ذهب إليه كثير من المتأخرين، وإنما الأمر دائر مع القرائن والمرجحات فتارة يرجع الوقف وتارة يرجح الرفع، وهذه أمثلة من صنيع الإمام البخاري توضح هذا الأمر.
أمثلة لأحاديث رجح فيها البخاري الرفع على الوقف:
المثال الأول:
قال الإمام البخاري "حدثنا أحمد بن يونس حديثنا ابن أبي ذنب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إنكم ستحرصون على الإمارة وتكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة".
وقال محمد بن بشار: حدثنا عبد الله بن حمران حدثنا عبد الحميد بن جعفر بن سعيد المقبري عن عمر بن الحكم عن أبي هريرة قوله" (١) .
وقد ذكر الإمام الدارقطني - ﵀ - هذا الحديث في كتابه "التتبع" فقال:
_________________
(١) الجامع الصحيح، كتاب الأحكام، باب ما يكره من الحرص على الإمارة حديث رقم (٧١٤٨) ج١٣ ص١٣٣.
[ ٢٨٠ ]
"وأخرج البخاري حديث ابن أبي ذنب عن سعيد عن أبي هريرة: "سترحصون على الإمارة وتكون خزي وندامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة".
وقد رواه عبد الحميد بن جعفر بن سعيد المقبري عن عمر بن الحكم عن أبي هريرة موقوفًا غير مرفوع" (١) .
فالدارقطني – ﵀ – ذكر الخلاف الذي ذكره البخاري ولم يحكم بشيء.
والخلاف هنا بين ابن أبي ذنب (٢) وعبد الحميد بن جعفر (٣) فقد اختلفا عن شيخهما سعيد المقبري قابن أبي ذنب يرفع الحديث إلى النبي ﷺ وعبد الحميد زاد فيه رجلًا ووقفه على أبي هريرة.
والإمام البخاري رجح هنا رواية ابن أبي ذنب على رواية عبد الحميد بن جعفر لأنه روى الأولى مسندة تامة، ثم عقبها بالرواية الثانية.
قال الحافظ – ﵀ -:
"وابن أبي ذئب أتقن من عبد الحميد وأعرف بحديث المقبري منه، فروايته هي المعتمدة، وعقبه البخاري بطريق عبد الحميد إشارة منه إلى إمكان تصحيح القولين" (٤) .
فالترجيح هنا رواية ابن أبي ذنب باعتبار أنه أتقن واثبت وأعرف بحديث المقبري من عبد الحميد بن جعفر.
_________________
(١) التتبع ص١٣٥ – ١٣٦.
(٢) ابن أبي ذنب: هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة ن أبي ذنب، أبو الحارث المدني العامري، أحد فقهاء الأمة. مات بالكوفة سنة (٥١٥٩) ترجمته في التذكرة ج١ ص١٩١ وتهذيب التهذيب: ج٩ ص٣٠٣، والتقريب ص٤٩٣.
(٣) عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصار، أي صدوق رمي بالقدر، وربما وهم، مات سنة ثلاث وخمسين. روى له البخاري تعليقًا ومسلم وسائر الجماعة (التقريب ص٣٣٣) .
(٤) الفتح: ج١٣ ص١٣٤.
[ ٢٨١ ]
قال ابن معين: "أثبت الناس في سعيد ابن أبي ذئب" (١) .
وقال ابن المديني: "الليث وابن أبي ذئب ثبتان في حديث سعيد المقبري" (٢) .
وقد مال الحافظ إلى أن البخاري يشير إلى إمكان تصحيح الروايتين معًا، وذكر لذلك أوجهًا كلها مبنية على مجرد الاحتمال والتجويز العقلي.
قال – ﵀ -: "فلعله كان عند سعيد عن عمر بن الحكم عن أبي هريرة موقوفًا، على ما رواه عبد الحميد، وكان عنده عن أبي هريرة بغير واسطة مرفوعًا، إذ وجدت عند كل من الروايتين عن سعيد زيادة، ورواية الوقف لا تعارض رواية الرفع لأن الراوي قد ينشط فيسند وقد لا ينشط فيقف" (٣) .
إن احتمال وجود هذا الحديث عن سعيد مرفوعًا وموقوفًا احتمال ضعيف، لأن مبنى هذا الاحتمال على رواية هذا عبد الحميد وهي مخالفة لرواية من هو أثبت وأتقن وأعرف منه بحديث سعيد، فتكون روايته خاطئة وشاذة، ومما يقوي الخطأ في روايته أنه زاد فيها رجلًا لم يذكره ابن أبي ذنب.
وقول الحافظ " إذا وحدت عند كل من الروايتين زيادة" لا يبرر قبول زيادة عبد الحميد في الإسناد رجلًا، والواقع أن ابن أبي ذئب حدث كما سمع ولم يزد شيئًا وإنما عبد الحميد هو الذي زاد ونقص.
وعلى التسليم بقبول زيادة ابن أبي ذنب الرفع في هذا الحديث، لا يبرر قبول زيادة عبد الحميد رجلًا في الإسناد، لأنه ليس عنده من الوثاقة والحفظ ما يرشحه لقبول زيادته، وخاصة وقد خالف فيها من هو أثبت منه وأحفظ.
_________________
(١) تهذيب التهذيب: ج٤ ص٤٠.
(٢) شرح العلل ص٢٦٣.
(٣) الفتح: ج١٣ ص١٣٤.
[ ٢٨٢ ]
وقول الحافظ: "ورواية الرفع لا تعارض رواية الوقف".
كلا بل الوقف يعارض الرفع، لأن الوقف معناه أن الحديث من قول الصحابي، والرفع معناه من قول النبي ﷺ فكيف يكون الحديث الواحد بالإسناد الواحد قولًا للصحابي وقولًا للرسول ﷺ في آن واحد.
ثم قال الحافظ: "لأن الراوي قد ينشط فيسند، وقد لا ينشط فيقف". ليس هذا فحسب بل هناك أسباب أخرى منها:
- أن الراوي قد يخطئ ويهم، فيرفع ما يقفه غيره، أو يقف ما يرفعه غيره.
- ومنها أن الراوي قد يشك فيقف الحديث وهذا دأب كثير من الثقات فإنهم إذا شكوا في الحديث وقفوا أو أرسلوه، والظاهر هنا في هذا الحديث أن عبد الحميد أخطأ في وقفه، والله تعالى أعلم.
المثال الثاني:
قال البخاري – ﵀ -:
" حدثنا مطر بن الفضل حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا العوام، حدثنا إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي قال: سمعت أبا بريدة واصطحب هو يزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بريدة: سمعت أبا موسى مرارًا يقول: قال رسول الله ﷺ: "إذ مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا" (١) .
وقد ذكر الحافظ الدارقطني هذا الحديث في "التتبع" وبين الاختلاف في رفعه ووقفه فقال: "وأخرج البخاري حديث العوام بن حوشب عن إبراهيم السكسكي عن أبي بريدة عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "إذا
_________________
(١) الجامع الصحيح، كتاب الجهاد والسير، باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة حديث رقم (٢٩٩٦) ج٢ ص١٥٨ (مع الفتح) .
[ ٢٨٣ ]
مرض العبد أو سافر كتب له مثل يعمل صحيحًا مقيمًا" لم يسنده غير العوام، وخالفه مسعر: رواه عن إبراهيم السكسكي عن أبي بردة قوله ولم يذكر أبا موسى ولا النبي ﷺ (١) .
وقد أجاب الحافظ عن انتقاد الدارقطني وبين القرائن التي من أجلها رجح البخاري رواية العوام المسندة المرفوعة على رواية مسعر الموقوفة فقال:
"مسعر أحفظ من العوام بلا شك، إلا أن مثل هذا لا يقال بالرأي فهو في حكم المرفوع، وفي السياق قصة تدل على أن العوام حفظه، فإن فيه اصطحب يزيد بن أبي كبشة، وأبو بردة في سفر فكان يزيد يصوم في السفر فقال له أبو بردة: أفطر فإني سمعت أبا موسى مرارًا فذكره. وقد قال أحمد بن حنبل: إذا كان في الحديث قصة دل على أن رواية حفظه، والله أعلم" (٢) .
فالقرائن المعتمدة في ترجيح الرفع هي ما يلي:
١- إن هذا الحديث ليس من بل الرأي فيعطي حكم الرفع ز
٢- في الحديث قصة تدل على أن العوام حفظ الرفع في هذا الحديث.
فالترجيح لم يكن لمجرد أحوال الرجال لأن مسعرًا (٣) أحفظ من العوام (٤) فلو كان الترجيح لمجرد حال الإسناد لكان الحكم لرواية مسعر لكن لوجود هذه القرائن رجحت رواية العوام وإن كان دون مسعر في الحفظ.
_________________
(١) التتبع ص١٦٥.
(٢) هدي الساري ص٣٨٢.
(٣) العوام بن حوشب بن يزيد الشيباني، أبو عيسى الواسطي، ثقة ثبت فاضل، مات سنة (١٤٨هـ) رواه له الجماعة، ترجمته في التقريب ص٤٣٣.
(٤) مسعر بن كدام، بكسر أوله وتخفيف ثانيه، ابن ظهر الهلالي، أبو سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل، مات سنة (١٥٣هـ) روى له الجماعة، ترجمته في التقريب ص٥٢٨.
[ ٢٨٤ ]
أمثلة لأحاديث رجح فيها البخاري الوقف على الرفع:
هناك أمثلة كثيرة لأحاديث رجح فيها الإمام البخاري الوقف على الرفع، لقرائن معتبرة منها الأحفظية أو كثرة العدد أو غيرها، وفيما يلي مثالين على ذلك:
المثال الأول:
ما رواه أبو كريب، حدثنا يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل" (١) .
قال الترمذي في علله الكبير:
" سألت محمد عن هذا الحديث فقال: رواه إسرائيل عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا" (٢) .
وقال الترمذي في جامعة:
" وحديث أبي حصين، عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ غريب" (٣) .
فهذا الحديث اختلف فيه أبو بكر بن عياش (٤) مع إسرائيل (٥) فالأول رفعه إلى النبي ﷺ والثاني وقفه على أبي هريرة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي، في أبواب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة في مرابض الغنم وأعطان الإبل رقم (٣٤٩) ج١ ص٢٨٢ (مع التحفة)، ورواه ابن خزيمة رقم (٧٩٦) .
(٢) العلل الكبير ص٨٧.
(٣) المصدر السابق.
(٤) أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي المقرئ، مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه، واختلف في اسمه على عشرة أقوال، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح. مات سنة (١٩٤هـ) روى له الجماعة، ترجمته في التقريب ص١٠٤.
(٥) هو إسرائيل بن يوسف بن إسحاق السبيعي تقدمت ترجمته.
[ ٢٨٥ ]
وقد رجح البخاري – ﵀ – رواية إسرائيل الموقوفة، على رواية أبي بكر بن عياش المرفوعة مما يخشى أن يكون أبو بكر بن عياش وهم فيه لأنه لما كبر ساء حفظه.
المثال الثاني:
ما رواه إبراهيم بن سعيد، حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ رخص في الحجامة للصائم (١) .
قال الترمذي – ﵀ -:
" سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: حديث إسحاق الأزرق، عن سفيان هو خطأ" (٢) .
وهذا يبين أنا الإمام الترمذي حكم على الرواية المرفوعة بالوهم.
ثم قال الترمذي: "وحديث أبي المتوكل عن أبي سعيد موقوفًا أصح، هكذا روى قتادة وغير واحد عن أبي المتوكل عن أبي سعيد قوله.
حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا ابن علية، عن حميد (وهو الطويل) عن أبي المتوكل عن أبي سعيد مثله ولم يرفعه" (٣) .
وقال البزار: لا نعلم أحدًا رفعه إلا إسحاق (٤) عن الثوري.
_________________
(١) أخرجه البزار (كشف الأستار عن زوائد البزار ١٠١٢)، وابن خزيمة رقم (١٩٧٦) و(١٩٦٨) و(١٩٦٩) و(٢٠٠٥) .
(٢) العلل الكبير ص١٢٦.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) هو إسحاق بن يوسف بن مرداس المخزومي الواسطي، المعروف بالأزرق، ثقة من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين وله ثمان وسبعون (التقريب ١٠٤) .
[ ٢٨٦ ]
وقال ابن خزيمة: إنما هو من قول أبي سعيد الخدري لا عن النبي ﷺ فهذا الحديث قد رواه قتادة (١) وحميد الطويل (٢) وغيرهما من الثقات عن أبي المتوكل عن أبي سعيد موقوفًا عليه.
فالإمام البخاري حكم على الرواية المرفوعة بالخطأ لأنها مخالفة لرواية جامعة من الحفاظ.
ولم يتفرد الإمام البخاري بهذا الحكم فقد تبعه عليه كل من الإمام الترمذي –﵀- والبزار وابن خزيمة وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين.
قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن حديث رواه معتمر ابن سليمان عن حميد الطويل عن أبي المتوكل عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ كان يرخص في الحجامة والمباشرة للصائم.
فقال (أبو حاتم، وأبو زراعة): هذا خطأ إنما هو عن أبي سعيد قوله، رواه قتادة وجماعة من الحفاظ عن حميد عن أبي المتوكل عن أبي سعيد قوله.
قلت: إن إسحاق الأرزق، رواه عن الثوري عن حميد عن أبي المتوكل عن أبي سعيد عن النبي ﷺ.
قالا: وهم إسحاق في الحديث.
قلت: قد تابعة معتمر.
قالا: وهم فيه أيضًا معتمر" (٣) .
في الأمثلة السابقة أمكن ترجيح الرفع على الوقف أو العكس حسب القرائن والمرجحات، لكن هناك أحاديث تختلف في الرفع والوقف، فيرجح
_________________
(١) رواية قتادة أخرجها البزار من طري شعبة "كشف الأستار" ج١ ص٤٧٦ – ٤٧٧.
(٢) رواية حميد الطويل أخرجها أيضًا البزار من طريق حماد بن سلمة "كشف الأستار" (١٠١٣) وأوردها الترمذي في علله الكبير من طريق ابن علية ص١٢٦.
(٣) علل الحديث: رقم (٦٧٦) .
[ ٢٨٧ ]
بعض النقاد الوقف، بعضهم يرجع الرفع ويرجح آخرون صحة الطرفين معًا.
وأضرب لذلك مثلًا من صنيع الإمام البخاري – ﵀ -.
حديث الزهري عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ: "من باع عبدًا " فهذا الحديث اختلف فيه على ابن عمر. فسالم يرويه هكذا: "من باع عبدًا، وله مال، فماله للمبتاع، ومن باع نخلًا مؤبرًا فتمره للبائع إلا أن يشترط المبتاع" (١) .
بينما نافع يقول عن ابن عمر قال: "من باع عبدًا، وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترطه المباع " (٢) فقد اتفقنا – ﵄ – على رفع ما جاء في النخل أما ما جاء في العبد فقد اختلفا في رفعه ووقفه فرفعه سالم، ووقفه نافع.
وقد ذكر الترمذي أنه سأل البخاري عن هذا الحديث فقال: "سألت محمدًا عن هذا الحديث وقلت له: حديث الزهري عن سالم عن أبيه، عن النبي ﷺ: "من باع عبدا " وقال نافع ابن عمر عن عمر، أيهما اصح.
فقال: إن نافع يخالف سالمًا في أحاديث، وهذا من تلك الأحاديث. وروى سالم عن أبيه عن النبي ﷺ وقال نافع عن ابن عمر عن عمر كأنه رأى الحديثين صحيحين، أنه يحتمل عنهما جميعًا" (٣) .
فهذا النص من الإمام الترمذي يفيد إمكان صحة الحديثين جمعيًا عند الإمام البخاري، لكن ذكر الترمذي في جامعه عند رواية هذا الحديث.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الشرب والمساقاة، بل الرجل يكون أن ممرًا أو شرب في حائط أو في نخل، حديث رقم (٢٣٧٩) ج٥ ص٦٠ (مع الفتح)، ومسلم في صحيحه ج٥ ص١٧، وأبو داود (٣٤٣٣) وابن ماجه (٢٣١١) والنسائي (٤٦٥٠) .
(٢) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب من باغ نخلًا قد أبرت رقم (٢٢٠٣) ج٤ ص٤٦٩، ورواه ملك في الموطأ وعبد الرزاق في مصنفه (١٤٦٢٣) .
(٣) العلل الكبير ص١٨٥.
[ ٢٨٨ ]
" وقال محمد بن إسماعيل البخاري، حديث الزهري، عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ أصح" (١) .
فهذا النص يفيد أن البخاري يرجح رواية سلالم وهو معارض للنص الأول الذي يفيد صحة الروايتين معًا.
والذي يظهر لي أن الإمام البخاري كان يرى صحة طريق سالم كما يراه بعض الأئمة كما سيأتي ثم تراجع عن ذلك ورأي صحة الطريقين معًا، ومما يزيد هذا الاحتمال أن النص الذي يفيد صحة الطريقين، جاء في "العلل الكبير" ومعلوم أن الترمذي ألفه بعد جامعه، بل جرده وأفرده منه حتى إن كثيرًا من العلماء يسميه بـ "العلل المفردة".
أما بالنسبة لصنيع الإمام البخاري في صحيحه فلا يستبعد منه أيضًا أنه يرى صحة الطريقين معًا، إذا إنه ذكر رواية سالم مسنده مرفوعة في كتاب الشرب والمساقاة (٢) ثم ذكر عقبه: وعن مالك عن نافع عن ابن عمر في العبد.
وأما رواية نافع عن ابن عمر فقد أخرجها في كتاب البيوع، باب إذا باع نخلًا قد أبرت (٣) وباب بيع النخل بأصله (٤) في كتاب الشروط باب إذا باع نخلًا قد أبرت (٥) .
فهذا الحديث قد اختلف فيه نظر النقاد فمنهم من رجح رواية سالم، ومنهم من رجح رواية نافع، ومنه من يرى صحة الطرفين معًا.
وهو أحد الأحاديث الأربعة التي اختلفت فيها نافع مع سالم، وقفها
_________________
(١) كتاب البيوع، باب ما جاء ي ابتياع النخل بعد التأبير، والعبد وله مال: ج٢ ص٢٤٣ (مع التحفة) .
(٢) الجامع الصحيح (مع الفتح): ج٥ ص٦٠.
(٣) المصدر نفسه ج٤ ص٤٦٩.
(٤) المصدر نفسه ج٤ ص٤٨١.
(٥) المصدر نفسه ج٥ ص٣٦٩.
[ ٢٨٩ ]
نافع ورفعها سالم (١) فمن الأئمة من رجح أحدهما على الآخر فيها ومنهم من لم يرجح أحدهما على الآخر ومن هؤلاء الإمام أحمد فقد سئل – فيما نقله عنه المروزي – إذا اختلف فلأيهما تقضي؟ قال: كلاهما ثبت، ولم ير أن يقضي لأحدهما على الآخر (٢) ونقل عثمان الدرامي عن ابن معين نحوه (٣) .
أما بالنسبة لخصوص هذا الحديث فقد رجح جماعة من العلماء رواية نافع منهم مسلم والنسائي (٤) .
والإمام أحمد رجح في هذا الحديث قول نافع فيما نقله عنه المروزي (٥) .
وكذلك رجح الدارقطني رواية نافع، قال – ﵀ – بعد أن ساق رواية سالم وقال نافع:
" قال النسائي: سالم أجل في القلب والقول قول نافع" (٦) .
ومقتضى هذا أن رواية سالم في رفع العبد وهم عندهم.
وأما القرائن التي رجح بها هؤلاء النقاد رواية نافع وحكموا على سالم بالوهم، فتمثل فيما يلي:
١- إن نافعًا ميز بين المرفوع والموقوف مما يدل على حفظه.
٢- إن سالمًا سلك فيه الجادة.
قال الحافظ السخاوي – ﵀ -: "وكان سبب حكمهم عليه بذلك (أي بالوهم) كون سالم أو من دونه سلك الجادة، فإن العادة في الغالب أن
_________________
(١) انظر هذه الأحاديث في شرح العلل ص٢٥٩.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) نقل عنهم ذلك البيهقي في سننه (٥/٣٣٥) والحافظ في الفتح (٤/٤٧٠) .
(٥) شرح العلل ص٢٥٩.
(٦) التتبع ص٢٩٤.
[ ٢٩٠ ]
الإسناد إذا انتهى إلى الصحابي قيل بعده عن رسول الله ﷺ فلما جاء هنا بعد الصحابي ذكر صحابي آخر والحديث من قوله كان ظنًا غالبًا على أن ضبطه هكذا أتقن ضبطًا" (١) .
وهناك من النقاد من رجح رواية سالم من هؤلاء:
ابن المديني فيما حكاه الترمذي في جامعه وابن عبد البر (٢) .
وكذلك صححها بعض المتأخرين كالنووي والداودي وغيرهما.
قال النووي: "لم تقع هذه الزيادة في حديث نافع عن ابن عمر، ولذلك لا يضر فإن سالمًا ثقة، بل هو أجل من نافع فزيادته مقبولة" (٣) .
ونقل ابن التين عن الداودي: "هو وهم من نافع والصحيح ما رواه سالم مرفوعًا في العبد والثمرة" (٤) .
قال ابن التين معقبًا على قول الداودي: "لا أدري من أين أدخل الوهم على نافع، مع إمكان عمر أن يكون قال ذلك على جهة الفتوى مستندًا إلى ما قاله النبي ﷺ وقد سبق نقل الترمذي عن البخاري تصحيح الطريقين معًا (٥) .
وعلى كل ليس القصد الخروج بحكم فاصل في هذا الحديث – وإن كنت أميل إلى إمكان تصحيح الروايتين معًا – ولكن القصد بيان أن نقاد الحديث قد تختلف أنظارهم واجتهاداتهم في ترجيح الوقف على الرفع أو العكس أو تصحيح الطريقين معًا.
_________________
(١) فتح المغيث: ج١ ص٢٤٧.
(٢) انظر الفتح: ج٤ ص٤٧٠، والاستذكار: ج١٩ ص٢٩.
(٣) نقله الحافظ في الفتح: ج٥ ص٦٣.
(٤) الفتح: ج٥ ص٦٣.
(٥) العلل الكبير ص١٨٥. ود وهم الحافظ في الفتح (٥/٦٣) فذكر أن الترمذي نقل في الجامع عن البخاري تصحيح الروايتين، ونقل عنه في "العلل" ترجيح قول سالم، والصواب أنه نقل تصحيح الروايتين في "العللط وترجيح قول سالم في الجامع، وقد نقل كلام الحافظ هنا الشيخ مقبل في تعليقه على التتبع (ص٢٩٥) ولم ينبه عليه والله أعلم.
[ ٢٩١ ]
بل قد يحصل أن الناقد الواحد يختلف اجتهاده من حين إلى آخر، كما وقع للبخاري في هذا الحديث.
والنتيجة التي نستخلصها في هذا المطلب أنه ليس للإمام البخاري حكم مطرد في مسالة اختلاف الرفع والوقف فتارة يرجح الوقف وتارة يرجح الرفع، وتارة يصحح الطرفين معًا، بحسب القرائن ظهورًا وخفاءً والله أعلم.
المطلب الثالث: الاختلاف في تسمية شيخ الراوي
قد يختلف الرواة فيما بينهم في تسمية من روى عنه شيخهم، أو من فوقه فيكون الترجيح بينهم خاضعًا للقرائن بغض النظر عن أحوالهم.
مثال ذلك، ما رواه البخاري في صحيحه قال: "حدثنا عياش بن الوليد أخبرنا عبد الأعلى حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج" قالوا: يا رسول الله أيما هو؟ قال: "القتل القتل".
وقال شعيب، ويونس، والليث، وابن أخي الزهري، عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة" (١) .
وقد ذكر الإمام الدارقطني هذا الحديث في كتابه "التتبع" وأشار إلى ترجيح رواية من خالف معمرًا فقال:
"أخرج البخاري حديث عبد الأعلى عن معمر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يتقارب الزمان، ويلقى الشح،
_________________
(١) كتاب الفتن، باب ظهور الفتن، حديث رقم (٧٠٦١) ج١٣ ص١٦ (مع الفتح)، ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شبية عن عبد الأعلى به ج١٦ ص٣٢٢ (مع شرح النووي) .
[ ٢٩٢ ]
وتظهر الفتن، ويكثر الهرج" وقد تابع حماد بن زيد عبد الأعلى، وقد خالفهما عبد الرزاق فلم يذكر أبا هريرة وأرسله.
ويقال إن معمرًا حدث به بالبصرة من حفظه بأحاديث وهم في بعضها، وقد خالفه فيه شعيب، ويونس، والليث بن سعد، وابن أخي الزهري، رووه عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة، وقد أخرجا جميعًا حديث حميد أيضا" (١) .
وقال الحافظ ابن حجر مبينًا قول البخاري: (وقال شعيب، ويونس والليث وابن أخي الزهري عن حميد عن أبي هريرة) .
" يعني أن هؤلاء الأربعة خالفوا معمرًا في قوله عن الزهري عن سعيد فجعلوا شيخ الزهري حميدًا لا سعيدًا، وصنيع البخاري يقتضي أن الطريقين صحيحان، فإنه وصل طريق معمر هنا، ووصل طريق شعيب في كتاب الأدب، وكأنه رأى أن ذلك لا يقدح لأن الزهري صاحب حديث فيكون عنده عن شيخين، ولا يلزم من ذلك اطراده في كل من اختلف عليه في شيخه، إلا أن يكون مثل الزهري في كثرة الحديث والشيوخ، ولولا ذلك لكانت رواية يونس، ومن تابعة أرجح. وليست رواية معمر مدفوعة عن الصحة لما ذكرته" (٢) .
فواضح مما سبق ذكره من كلام الدارقطني: أن معمرًا يروي هذا الحديث عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وهذا الطريق محفوظ عنه إذ رواه اثنان من أصحابه هما: حماد بن زيد، وعبد الأعلى.
ويعتبر طريق عبد الرزاق المرسل وهم منه، إذ إنه خالف فيه من هم أكثر وأحفظ. أي أن معمرًا كان يروي هذا الحديث مسندًا غير مرسل، والإرسال وهم يلزق بعبد الرزاق.
إذن لم يكن معمر يسنده تارة ويرسله تارة، كما فهم ذلك الشيخ مقبل
_________________
(١) التتبع ص١٢١.
(٢) فتح الباري: ج١٣ ص١٨.
[ ٢٩٣ ]
–حفظه الله- في تعليقه على التتبع (١) وجعل هذا قرينة لتعليل رواية معمر، أي أنه اضطرب فيه فتارة كان رسله وتارة يسنده.
ومن القرائن التي اعتمد عليها أيضًا لتعليل رواية معمر، وهو أن معمرًا كان تارة يحدث به عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وتارة يحدث به عن همام عن أبي هريرة (٢) .
وهذه القرينة – فيما أرى – غير صحيحة، وذلك لأن الحديث الذي يرويه معمر عن همام عن أبي هريرة، هو حديث آخر مخالف لهذا الحديث في نصه.
وهذا نصه كما في صحيح مسلم: "حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى تقتل فئتان عظيمتان، وتكون مقتلة عظيمة دعواهما واحدة" (٣) .
فهذا كما ترى حديث آخر مختلف عن الأول في متنه وسنده، فلا يصح أن نقول إن معمرًا كان يرويه تارة عن سعيد عن أبي هريرة، وتارة يرويه عن همام عن أبي هريرة، إذن فما هي القرائن التي تفيد ترجيح رواية شعيب ومن معه على رواية معمر؟
هذه القرائن أشار إليها الدارقطني – ﵀ – وهي:
١- إن معمرًا حدث بهذا الحديث بالبصرة، وكان قد وهم في بعض أحاديثه التي حدث بها هناك، لأنه كان يحدثهم بالبصرة من حفظه.
٢- ومما يقوي أن الوهم من معمر أنه خالف هذا العدد من الرواة، وكلهم من الثقات وهم: شعيب، ويونس، والليث، وابن أخي
_________________
(١) التتبع ص١٢٢ (مع الحاشية) .
(٢) المصدر نفسه.
(٣) كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب إذا تواجه المسلمان بسيفهما، حديث رقم (٢٢١٤) ج٤ ص١٥٧.
[ ٢٩٤ ]
الزهري، وهؤلاء كلهم قد اتفقوا في سنده، ويروونه عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة، فهذا العدد أولى بالحفظ من الراوي المنفرد، ولو كان ثقة.
ثم قال الدارقطني: وقد أخرجا جميعًا حديث حميد".
يشير بذلك إلى أن حديث حميد متفق على صحته، إذا أخرجه البخاري ومسلم.
أما حديث سعيد فقد رواه البخاري وأشار إلى علته، وكذلك صنع الإمام مسلم في صحيحه، فقد أورد طرق هذا الحديث في كتاب العلم من صحيحه (١) .
١- قال: حدثنا حرملة بن يحيى أخبرنا بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يتقارب الزمان".
٢- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يتقارب الزمان ويقبض العلم" ثم ذكر مثل حديثهما.
فواضح أن الإمام مسلم لما ذكر طرق هذا الحديث عن الزهري قدم حديث يونس ثم حديث شعيب لأنهما الأصح ثم ذكر في آخر الباب حديث معمر إشارة إلى تعليمه، لأن هؤلاء أحفظ واتفقوا على سنده.
_________________
(١) كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضة وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، ج٤ ص٢٠٥٧.
[ ٢٩٥ ]
وقد صرح الإمام الدارقطني أيضًا في علله، بتعليل حديث معمر حيث قال: "حديث يتقارب الزمان يرويه الزهري، واختلف عنه:
فرواه معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
وخالفه يونس بن يزيد وإسحاق بن يحيى: فروياه عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.
وكذلك قال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة، والمحفوظ حديث حميد" (١) .
إذًا تأكدنا من خلال هذه القرائن من صحة حديث شعيب ويونس ومن وافقهما، وخطأ حديث معمر.
لكن هل البخاري يصحح الطريقين معًا؟ كما نص عليه الحافظ لما قال: "وصنيع البخاري يقتضي أن الطريقين صحيحان، فإنه وصل طريق معمر هنا، ووصل طريق شعيب في كتاب الأدب ".
الظاهر أن الإمام البخاري ذكر طريق معمر معللًا لها، ولا يقتضي أنه لما وصلها أنه يصححها لأنه ذكر الخلاف عقبها، فهذا الخلاف مع انضمام القرائن السابقة يقدح في صحة رواية معمر أما طريق شعيب فلا غبار على صحتها سواء أوصلها أم أشار إليها.
وقول الحافظ: "كأنه ذلك لا يقدح لأن الزهري صاحب حديث، فيكون عنده عن الشيخين ".
هذا كله مبني على التجويز العقلي المجرد، والقرائن السابقة تدل على بطلانه.
_________________
(١) علل الدارقطني: ج٣ ص٨٠.
[ ٢٩٦ ]
المطلب الرابع: الاختلاف في زيادة راو في الإسناد وحذفه
قد يجئ الحديث الواحد من طريقين، ولكن في أحدهما زيادة راو، ليس هو في الطريق الأخرى، فتارة يحكم النقاد على أن الزيادة راجحة، بكثرة الراوين لها أو بضبطهم وإتقانهم أو غيرها من القرائن، وتارة يحكم بأن راوي الزيادة وهم فيها، تبعًا للقرائن والمرجحات، وأحيانًا يظهر صواب الطريقين، وصحة الوجهين الزائد والناقص على حد سواء، وفي أحيان أخرى يتوقف الناقد في ترجيح إحدى الطريقين على الأخرى أو الحكم بصحتها معًا.
فالأئمة النقاد ليس لهم عمل مطرد في الحكم على هذا النوع من الاختلاف من الرواة.
وسأذكر فيما يلي نماذج وشواهد من صنيع الإمام البخاري توضح كل حالة من الحالات الأربع السابقة.
الحالة الأول: ترجيح الناقصة والحكم على الزيادة بالوهم.
المثال الأول:
حديث خزيمة بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ: "في الاستطابة ثلاثة أحجار ليس فيه رجيع".
رواه عبده عن هشام بن عروة، عن عمرو بن خزيمة المدني، عن عمارة بن خزيمة عن خزيمة بن ثابت (١) .
وقال وكيع عن هشام، عن أبي خزيمة، عن عمارة بن خزيمة (٢)، عن خزيمة بن ثابت (٣) .
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده: ج٥ ص٢١٣ و٢١٤، والدرامي (٦٧٧)، وأبو داود (٤١) .
(٢) هو عمرو بن خزيمة، مقبول من السادسة، د ق (التقريب ص٤٢١) .
(٣) أخرجه الحميدي (٤٣٣) وأحمد: ج٥ ص٢١٣، وابن ماجه (٣١٥) .
[ ٢٩٧ ]
وقال أبو معاوية عن هشام بن عروة، عن عبد الرحمن بن سعد، عن عمر بن خزيمة، عن خزيمة بن ثابت (١) .
قال الترمذي: "سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: الصحيح، ما روى عبدة ووكيع، وأبو معاوية أخطأ في هذا الحديث إذ زاد عن عبد الرحمن بن سعد" (٢) .
وقال أبو زرعة – ﵀ -: "الحديث حديث وكيع وعبدة" (٣) .
فهذا الحديث يرويه عبدة ووكيع، وأبو أسامة وابن نمير (٤) كلهم يقولون هشام بن عروة عن عمر بن خزيمة عن عمارة بن خزيمة عن خزيمة بن ثابت.
إلا أن أبا معاوية خالفهم في روايته إذ زاد عبد الرحمن بن سعد بين هشام بن عروة وعمرو بن خزيمة.
إلا أن أبا معاوية خالفهم في روايته إذ زاد عبد الرحمن بن سعد بين هشام بن عروة وعمرو بن خزيمة.
وقد حكم البخاري على رواية أبي معاوية بالوهم والخطأ وذلك لما يلي:
١- أبو معاوية ضعيف في هشام بن عروة.
قال الأثرم قلت لأبي عبد الله (أي الإمام أحمد): أبو معاوية صحيح الحديث عن هشام؟ قال: لا ما هو بصحيح الحديث عنه (٥) .
٢- خالف من هو أكثر وأحفظ وأثبت في هشام.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٣٧٢٤) .
(٢) العلل الكبير ص٢٦.
(٣) علل الحديث: رقم (١٣٩) .
(٤) روايتي أبي أسامة وابن نمير أشار إليهما أبو داود في سننه: ج١ ص٧ حديث رقم (٤١) .
(٥) شرح العلل ص٢٧١.
[ ٢٩٨ ]
قال الدارقطني – ﵀ -: "أثبت الرواة عن هشام بن عروة: الثوري، ومالك، ويحيى القطان، وعبد الله بن نمير، والليث بن سعد" (١) .
٣- لأبي معاوية رواية (٢) يوافق فيها الحفاظ الأثبات عن هشام بن عروة مما يدل على وهمه في الرواية المخالفة لهم.
لهذه القرائن حكم الإمام البخاري وغيره من النقاد على رواية أبي معاوية الزائدة بالوهم.
المثال الثاني:
حديث أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله ﷺ:"لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها".
هذا الحديث يرويه الوليد بن مسلم (٣)، وعيسى بن يونس (٤)، وصدقة بن خالد (٥) كلهم عن بسر بن عبد الله عن واثلة بن الأسقع عن أبي مرثد.
وخالفهم عبد الله بن المبارك فزاد يه أبا إدريس الخولاني بين بسر وواثلة (٦) وقد رجح الإمام البخاري الطريق الناقصة على الزائدة.
قال الترمذي: "سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: حديث الوليد بن مسلم أصح، وهكذا روى غير واحد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن
_________________
(١) سؤالات ابن بكير للدارقطني.
(٢) سنن أبي داود: ج١ ص٧ حديث رقم (٤١) .
(٣) أخرجه أحمد: ج٤ ص١٣٥، ومسلم: ج٣ ص٦٢، والترمذي (١٠٥١) والنسائي: ج٢ ص٦٧ وابن خزيمة (٧٩٣) .
(٤) أخرجها أبو داود في سننه (٣٢٢٩) .
(٥) ذكر ذلك ابن أبي حاتم في علله حديث رقم (٢١٣) .
(٦) أخرجه أحمد: ج٤ ص١٣٥، ومسلم: ج٣ ص٦٣، والترمذي (١٠٥٠) وابن خزيمة (٧٩٤) .
[ ٢٩٩ ]
جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن واثلة بن الأسقع.
قال محمد: "ويسر بن عبيد الله سمع من واثلة، وحديث ابن المبارك خطأ إذ زاد فيه عن أبي إدريس الخولاني" (١) .
ولم ينفرد البخاري بهذا الحكم فقد وافقه فيه نقاد آخرون كأبي حاتم الرازي والدارقطني وغيرهما.
قال ابن أبي حاتم: "قال أبي: يرون أن ابن المبارك، وهم في هذا الحديث، أدخل أبا إدريس الخولاني بين بسر بن عبيد الله وبين واثلة.
ورواه عيسى بن يونس وصدقة بن خالد، والوليد بن مسلم، عن ابن جابر، عن بسر بن عبيد الله، قال: سمعت واثلة يحدث عن أبي مرثد الغنوي عن النبي ﷺ.
قال أبو حاتم بسر قد سمع واثلة، وكثيرًا ما يحدث بسر عن أبي إدريس، فغلط ابن المبارك فظن أن هذا مما روي عن أبي إدريس عن واثلة، وقد سمع هذا الحديث بسر من واثلة نفسه، لأن أهل الشام أعرف بحديثهم" (٢) .
الحالة الثانية: ترجيح الطريق الزائدة والحكم على الناقصة بالوهم:
المثال الأول:
حديث ابن عباس قال: مر رسول الله على قبرين فقال: "إنهما ليعذبان" (٣) .
_________________
(١) العلل الكبير ص١٥١.
(٢) علل الحديث رقم (٢١٣) .
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطهارة، باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله رقم (٢١٦) ج١ ص (٣٧٩) مع الفتح، وانظر الأرقام التالية (٢١٧) و(١٣٦١) و(١٣٧٨) و(٦٠٥٢) و(٦٠٥٥)، ومسلم ج١ ص١٢٦ وأبو داود (٢٠) وابن ماجه (٣٤٧) والترمذي (٧٠) والنسائي (٣١) وابن خزيمة (٥٦) وأحمد في مسنده ج١ ص٢٢٥، والدرامي (٧٤٥) .
[ ٣٠٠ ]
هذا الحديث قد ورد من طريقين:
الطريق الأولى: منصور عن مجاهد عن عباس.
الطريق الثانية: الأعمش عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس.
فالطريق الأخيرة فيها زيادة طاووس فهل هذه الزيادة صحيحة أم لا؟
قال الترمذي:
"سالت محمدًا عن حديث مجاهد، عن طاووس، عن ابن عباس مر رسول الله على قبرين.
فقال: الأعمش يقول عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس.
ومنصور يقول: عن مجاهد عن ابن عباس، ولا يذكر فيه: عن طاووس.
قلت أيهما أصح. قال: حديث الأعمش" (١) .
لكن الإمام البخاري خرج حديث منصور أيضًا في صحيحه فهل تغير اجتهاده أم أخرجه ليبين علته.
ذهب الحافظ ابن حجر إلى أنه يصح الطريق معًا، قال:
"وإخراجه له على الوجهين يقتضي صحتهما عندما، فيحمل على أن مجاهدًا سمعه من طاووس عن ابن عباس ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس" (٢) .
وقد ذكر الدارقطني هذا الحديث في كتابه التتبع وحكى الخلاف فيه، ولم يحكم بشيء (٣) .
_________________
(١) العلل الكبير ص٤٢.
(٢) فتح الباري: ج١ ص٣٧٩.
(٣) التتبع ص٣٣٤ – ٣٣٥.
[ ٣٠١ ]
والظاهر من صنيع البخاري في صحيحه أنه كان يرى صحة الطريين إذ إنه أخرج طريق منصور الناقصة في كتاب الطهارة، باب الكبائر أن لا يستتر من بوله معتمدًا عليه وحده، ورواه أيضًا في كتاب الأدب، باب من الكبائر، معتمدًا عليه وحده.
وأما طريق الأعمش فلا شك في صحتها لإطباق الشيخين على تخريجها وباقي الأئمة الستة، ثم حكم البخاري لطريق الأعمش، وذلك لتصريحه الذي نقله عنه الترمذي في علله الكبير، وكتاب العلل أصله مأخوذ من كتاب الجامع للترمذي، أي أنه صنف الجامع أولًا، وكان يسأل فيه البخاري عن العلل ثم أفرده عن الجامع، ولذلك يسميه البعض بـ"العلل المفردة" وجامع الترمذي كان بعد تصنيف صحيح البخاري، فيكون هذا النص متأخرًا وهو يقتضي ترجيح رواية الأعمش الزائدة.
المثال الثاني:
حديث أبي هريرة – ﵁ – قال: قال النبي ﷺ "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب".
قال البخاري – ﵀ -:
"حدثنا عبد الله ابن يوسف: حدثنا الليث عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أنه سمعه يقول: قال النبي ﷺ: "إذا زنت الأمة، فتبين زناها، فليلدها ولا يثرب، ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر".
تابعه إسماعيل بن أمية عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ" (١) .
وقد وقع في هذا الحديث اختلاف بين الرواة على أبي سعيد المقبري.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب لا يثرب على الأمة إذا زنت ولا تنفي، رقم (٦٨٣٩) ج١٢ ص١٧١ (مع الفتح) .
[ ٣٠٢ ]
وحاصل هذا الاختلاف ما يلي:
الليث يقول: عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وقد وافقه على زيادة "أبيه" محمد بن إسحاق" (١) .
وإسماعيل بن أمية يقول: عن سعيد عن أبي هريرة، وقد وافقه على حذف "أبيه" عبيد الله بن عمر العمري (٢) وأيوب بن موسى (٣) وأسامة بن زيد (٤) ومحمد بن عجلان، وعبد الرحمن بن إسحاق (٥) فأي الطريق اصح، الطريق الزائدة أم الناقصة، وما هي قرائن الترجيح.
لقد انتقد هذا الحديث الحافظ الدارقطني في "التتبع" وذكر الخلاف ولم يحكم فيه بشيء.
والظاهر عند تأمل صنيع البخاري – ﵀ – أنه يرجح طريق الليث الزائدة وذلك لأنه أوردها متصلة معتمدًا عليها في أول الباب، ثم أورد طريق إسماعيل بن أمية تعليقًا، وهذه قاعدة منهجية عند الإمام البخاري، نبه إليها الحافظ – ﵀ – فقال:
" من عادة البخاري إذا كان في بعض الأسانيد التي يحتج بها خلاف على بعض رواتها، ساق الطريق الراجحة عنده مسندة متصلة، وعلق الطريق الأخرى إشعارًا بأن هذا الاختلاف يضر.
إما أن يكون للراوي فيه طريقان فيحدث فيه تارة عن هذا، وتارة عن هذا، فلا يكون ذلك اختلافًا يلزم منه اضطراب يوجب الضعف.
_________________
(١) روايته أخرجها الإمام مسلم في صحيحها كتاب الحدود، باب رجم اليهود وأهل الذمة في الزنى ج٣ ص١٣٢٨.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) المصدر نفسه.
(٥) عزاها الحافظ في الفتح (ج١٢ ص١٧٢) إلى النسائي ولم أحدها في السنن الصغرى ولعلها في الكبرى.
[ ٣٠٣ ]
وإما أن لا يكون له فيه إلا طريق واحدة، والذي أتى عنه بالطريق الأخرى واهم عليه، ولا يضر الطريق الصيحة الراجحة، وجود الطريق الضعيفة المرجوحة" (١) .
وكذلك بالنسبة لصنيع الإمام مسلم في صحيحه فالظاهر منه أن يرجح طريق الليث الزائد على الطريق الناقصة. وذلك لأنه أوردها أولًا مصدرًا بها الباب ومعتمدًا عليها، ثم أورد بعدها الطريق الناقصة ليشير إلى الخلاف، ويبين العلة. وهذه الطريقة – ﵀ – في صحيحه فقد قال: "ثم إنا إن شاء الله مبتدئون في تخريج ما سألت وتأليفه على شريطة سوف اذكرها لك وهو أن نعتمد إلى جملة ما اسند من الأخبار عن رسول الله ﷺ فنقسمها على ثلاثة أقسام ثلاثة طبقات من الناس على غير تكرار إلا أن يأتي موضع لا يستغني فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى، أو إسناد يقع إلى جنب إسناد، لعلة تكون هناك" (٢) .
ولم ينفرد الشيخان بهذا، فقد سبقهما إلى تعليل الطريق الناقصة وترجيح الطريق الزائدة –الإمام ابن المديني ﵀ – حيث قال:
"حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها" رواه إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة.
رواه عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد، قال: سمعت أبا هريرة، فنظرت فإذا سعيد لم يسمعه من أبي هريرة.
ورواه إسحاق والليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة.
ورواه أيوب بن موسى عن سعيد عن أبي هريرة.
_________________
(١) النكت ص١٠٧.
(٢) مقدمة صحيح مسلم ص٤.
[ ٣٠٤ ]
والحديث عندي حديث سعيد عن أبيه عن أبي هريرة.
وحديث عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد قال: سمعت أبا هريرة يقول:.
وهم وأخاف ألا يكون حفظه" (١) .
فالخلاف في هذا الحديث على سعيد المقبري، والنقاد رجحوا رواية الليث بناء على أنه أثبت أصحابه وأحفظ لحديثه فيقدم عند الخلاف.
قال الإمام أحمد: "اصح الناس عن سعيد المقبري: ليث بن سعد، يفصل ما روى عن أبي هريرة، وما رواه عن أبي عن أبي هريرة، وهو ثبت في حديثه جدًا" (٢) .
وقال ابن المديني: "الليث وابن أبي ذنب: ثبتان في حديث سعيد المقبري" (٣) .
فلكون الليث اثبت أصحاب سعيد المقبري وخاصة أنه يميز بين ما رواه سعيد المقبري عن أبي هريرة مباشرة، وما يرويه عن أبي هريرة بواسطة "أبيه" قدم النقاد روايته المتصلة على الطريق الناقصة.
الحالة الثالثة: ما يحكم فيه بصحة الطريقين معًا الزائدة والناقصة:
أحيانًا يرد الحديث من طريقين إحداهما زائدة، والأخرى ناقصة من حيث السند، فيظهر عند الراوي بالوجهين ظهورًا بينًا، بتصريحه بذلك ونحوه، وتارة يكون الحكم بصحة الطريقين معًا بحسب الظن القوي الذي يكون عند الناقد، وفيما يلي أمثلة توضح ما ذكرت، من صنيع الإمام البخاري.
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال ص٩٨ – ٩٩.
(٢) شرح العلل ص٢٦٣.
(٣) المصدر نفسه.
[ ٣٠٥ ]
المثال الأول:
حديث المسيء صلاته، يرويه أبو هريرة، وهو يدور على الطرق التالية:
١- يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة (١) .
٢- عبد الله بن نمر عن عبد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة (٢) .
٣- أبو أسامة بن عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة (٣) .
٤- ابن وهب عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة (٤) .
٥- عيسى ابن يونس عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة (٥) .
_________________
(١) أخرجه البخاري، في كتاب الأذان، باب الوجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها..، رقم (٧٥٥) ج٣ ص٢٧٦ (مع الفتح)، ومسلم في كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة رقم (٣٩٤) ج١ ص٢٩٥، والنسائي في سننه ج٢ ص١٢٤ وأبو داود ج١ ص٢١٨، مع (عون المعبود) والترمذي ج١ ص٢٤٨ مع التحفة، وأحمد ج٣ ص١٢٤ (مع الفتح الرباني)، وأبو عوانة في صحيحه (٢/١٠٣) وابن حبان (٣/٨٣ مع الإحسان) والبيهقي أيضًا في جزء القراءة (ص١٣) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/٢٣٣) وأبو نعيم في الحلية (٨/٣٨٢) .
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب من رد فقال: عليك السلام، رقم (٦٢٥١)، ج١١ ص٣٨ (مع الفتح)، ومسلم (٣٩٧)، والترمذي (٣/٦٨٥) مع التحفة، وابن ماجه (١٠٦٠) والبيهقي في السنن الكبرى (٢/١٥) .
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان (٦٦٦٧) ج١١ ص٥٥، ومسلم (٣٩٧) وابن أبي شبية في مصنفه (١/٢٨٧) .
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/٣٧٣) .
(٥) ذكره الدارقطني في "التتبع" ص١٣٢، حديث رقم (٩) .
[ ٣٠٦ ]
نلاحظ أن هذه الطرق كلها – ما عدا الأولى – تتفق في أن الحديث عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة.
بينما الطريق الأولى عن يحيى تجعل الحديث عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة فأي الطريقين اصح، أم كلاهما صحيح؟
لقد حكم الأئمة النقاد بصحة الطريقين معًا، ومن هؤلاء الإمام الدارقطني –﵀- قال: "قد خالف يحيى أصحاب عبيد الله كلهم، منهم: أبو أسامة، وعبد الله بن نمير، وعيسى بن يونس، وغيرهم، رووه عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة، فلم يذكروا أباه، ورواه معتمر عن عبيد الله عن سعيد مرسلًا عن النبي ﷺ، ويحيى حافظ ويشبه أن يكون عبيد الله حدث به على الوجهين" (١) .
وقال الحافظ بعد أن نقل كلام الدارقطني السابق:
" وقال البزار: لم يتابع يحيى عليه، ورجح الترمذي رواية يحيى.
قلت: لكل من الروايتين وجه مرجح، أما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ، وأما الرواية الأخرى فللكثرة، ولأن سعيدًا لم يوصف بالتدليس وقد ثبت سماعه من أبي هريرة، ومن ثم أخرج الشيخان الطريقتين" (٢) .
يستخلص من كلام الحافظ أن النقاد قد اختلفوا في الحكم على هذا الحديث:
- فالإمام البزار يرجح رواية الجماعة، ويرى أن يحيى خالف هؤلاء الحافظ بشيء لم يتابع عليه.
- والإمام الترمذي يرجح رواية يحيى على رواية غيره، قال في جامعة – بعد روايته للحديث من طريق يحيى.
"وروى ابن نمير هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر عن سعيد
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) فتح الباري، ج٢ ص٣٢٤.
[ ٣٠٧ ]
المقبري، عن أبي هريرة، ولم يذكر فيه عن أبيه عن أبي هريرة، ورواية يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر أصح، وسعيد قد سمع من أبي هريرة، وروى عن أبيه عن أبي هريرة" (١) .
ووجه ترجيح رواية يحيى أنه حافظ وقد زاد فتقبل زيادته.
ويرى البخاري ومسلم والدار قني صحة الطريقين معًا، للقرائن التي أشار إليها الحافظ –﵀ -.
المثال الثاني:
حديث أبي هريرة "قيل يا رسول الله من أكر الناس؟ ".
هذا الحديث رواه البخاري بإسنادين ناقص وزائد.
قال: "حدثنا إسحاق بن إبراهيم سمع المعتمر عن عبيد الله عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قيل للنبي ﷺ من أكرم الناس " (٢) .
وقال "حدثني عبد الله بن إسماعيل عن أبي أسامة عن عبيد الله قال: أخبرني سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة ﵁ – قال: سئل رسول الله ﷺ بهذا" (٣) .
ورواه أيضًا من طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة – ﵁ الله عنه – قال: قيل يا رسول الله من أكرم الناس" (٤) .
_________________
(١) جامع الترمذي: ج١ ص٢٤٩ مع التحفة.
(٢) رواه البخاري في كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت﴾ رقم (٣٣٧٤) ج٦ ص٤٧٧.
(٣) رواه البخاري في كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿لقد كان في يوسف واخوته آيات للسائلين﴾ رقم (٤٦٨٩) ج٨ ص٢١٢ وفي كتاب التفسير رقم (٤٦٨٩) ج٨ ص٢١٢.
(٤) رواه البخاري في كتاب المناقب، باب قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ رقم (٣٤٩٠) ج٦ ص٦٠٧.
[ ٣٠٨ ]
وحاصل الاختلاف في هذا الحديث ما يلي:
- أبو أسامة، وعبده ومعتمر يروونه عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة.
- ويحيى القطان خالفهم ورواه عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، فزاد عن "أبيه".
والظاهر من صنيع الإمام البخاري تصحيح الطريقين معًا، وقد أشار إلى هذا الحافظ ابن حجر (١) والحافظ العلائي (٢) أيضًا.
لكن الإمام الدارقطني مال في علله إلى ترجيح طريق يحيى، فقال بعد أن ذكر اختلاف الرواة: "ويحيى يقول، والقول قول يحيى" (٣) .
وقد ذكر في التتبع وبين الخلاف ولم يرجح شيئًا (٤) .
الحالة الرابعة:
وهو ما لا يترجح فيه إحدى الطريقين على الأخرى، ولا يغلب على الظن صحتها معًا، لكن يحتمل أن تكون صحيحتين معًا.
قال – ﵀ -: "حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا شعبة قال: أخبرني علقمة بن مرثد سمعت سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان – ﵁ الله عنه – عن النبي ﷺ قال: " خيركم من تعلم القرآن وعلمه".
وحدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن عن عثمان بن عفان – ﵁ – قال: قال النبي ﷺ "إن أفضلكم من
_________________
(١) هدي الساري ص٣٨٢.
(٢) جامع التحصيل ص١٣٥.
(٣) العلل للدار قطني: ج٣ ص١٤.
(٤) التتبع ص١٣٢.
[ ٣٠٩ ]
تعلم القرآن وعلمه" (١) .
وقد ذكر الدارقطني هذا الحديث في كتاب التتبع، وبين الخلاف فيه وحاصله ما يلي:
أن هذا الحديث يرويه شعبة عن علقمة عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان، وقد تابع شعبة على زيادة سعد بن عبيدة بين علقمة وأبي عبد الرحمن كل من: عبيد الله بن عيسى، ومحمد بن جحادة، وموسى بن قيس الحضرمي، والنصر بن إسحاق السلمي، ومحمد بن جابر وغيرهم عن علقمة.
رواه سفيان الثوري عن علقمة عن أبي عبد الرحمن بإسقاط سعد بن عبيدة، وقد تابعه علي روايته على كل من: عمرو بن قيس، ومسعر، وأبو اليسع، وعمر بن النعمان، ومحمد بن طلحة، وأبو حماد، وحفص بن سليمان، وأيوب بن جابر، وسلمة الأحمر، وغياث (٢) .
فما موقف الحفاظ من هذين الطريقين؟ وهل كلاهما صحيح، أم يرجح أحدهما على الآخر، أم يحتمل أن يكون كلاهما صحيح؟
لقد مال بعض الحفاظ المتأخرين إلى احتمال صحة الطريقين معًا، ومن هؤلاء الحافظ العلائي.
قال بعد أن ساق اختلاف سفيان وشعبة فيه: "أخرجه البخاري من الطريقين، وهو لا يكتفي بمجرد إمكان اللقاء، وقد تابع كلًا من شعبة وسفيان جماعة على ما قال: فيحتمل أن يكون الحديث عند علقمة على الوجهين، ويحتمل أن يكون أرسله عن إسقاط سعد بن عبيدة" (٣) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه رقم (٥٠٢٧) و(٥٠٢٨) ج٨ ص٦٩٢.
(٢) جامع التحصيل ص١٣٦.
(٣) جامع التحصيل ص١٣٦.
[ ٣١٠ ]
وقال الحافظ: "إن مثل هذا يخرجه البخاري على الاحتمال، لأن رواية الثوري عند جماعة من الحفاظ هي المحفوظة، وشعبة زاد رجلًا فأمكن أن يكون علقمة سمعه من سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن ثم لقي عبد الرحمن فسمعه منه" (١) .
فاحتمال صحة الطريقين غير مستبعد، لأن كلًا من سفيان وشعبة قد تابعها جماعة من الثقات، ولم تقم قرينة على ترجيح أحدهما على الآخر.
وفي تمام هذا المطلب نخلص إلى أن الترجيح بين الرواة إذا اختلفوا في زيادة راو في إسناد وحذفه، لا يلزم حالة واحدة مطردة بل يدور مع القرائن والمرجحات، فتارة يكون الحكم للزائد، وتارة يكون الحكم للناقص، وتارة يكون كلا الطرفين صحيحًا، وتارة لا يستطيع الناقد أن يرجح أحد الطريقين على الآخر مع احتمال كونهما صحيحين معًا.
وأما ما يسلكه كثير من الفقهاء والأصوليين والمتكلمين ومتأخري المحدثين من ترجيح الرواية الزائدة على الناقصة دائمًا اعتمادًا على أن الراوي الثقة إذا زاد تقبل زيادته، واحتمال أنه سمع من الشيخ بالواسطة ثم سمع منه مباشرة، كل هذا مخالف لمنهج النقاد القائم على النظر في الواقع الحديثي المدعوم بالقرائن والدلائل، ويحصل بالاتساع في الرواية والحفظ والفهم، وليس بالاحتمالات والتجويزات العقلية المجردة.
_________________
(١) هي الساري ص٣٩٣.
[ ٣١١ ]
القسم الثاني: الاختلاف في سياق المتن
قد سبق بيان الاختلاف الذي يقع بين الرواة في إسناد حديث من الأحاديث وأوجه هذا الاختلاف، وكيفية الحكم في كل حالة.
وفي هذا المبحث نتعرض للاختلاف في المتن ونذكر أسباب هذا الاختلاف، مما يكون له أثر كبير في الحكم على الحديث صحة وتعليلًا، وتتمثل هذه الأسباب فيما يلي:
الاختصار والرواية بالمعنى، والإدراج، وسأتناول هذه القضايا بأمثلة تطبيقية من صنيع الإمام البخاري.
المطلب الأول: الاختصار وأثره في تغيير سياق المتن
قد يختلف الرواة فيما بينهم في سياق متن حديث ما، ويكون سبب هذا الاختلاف أن بعض الرواة ساق الحديث مختصرًا، والآخر ساقه بتمامه، فهذا الاختلاف لا يقدح في الطريق التامة، وأما الطريق المختصرة فأحيانًا تكون هي أيضًا صحيحة، وقد تكون خاطئة إذا كان الاختصار سببًا لتغيير معنى الحديث وفيما يلي أمثلة توضح ذلك.
[ ٣١٢ ]
قال الإمام البخاري في صحيحه:
"حدثنا أحمد بن أبي رجاء حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا جرير بن حازم، سمعت قتادة قال: حدثني النضر بن أنس بن مالك عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال النبي ﷺ: "من أعتق شقيصًا من عبد ".
حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة – ﵁ – أن النبي ﷺ قال: "من أعتق نصيبًا أو شقيصًا في مملوك فخلاصة عليه، إن كان له مال وإلا قوم عليه فاستسعى به غير مشقوق عليه".
تابعه حجاج بن حجاج، وأبان، وموسى بن خلف عن قتادة اختصره شعبة" (١) .
وقد انتقد الإمام الدارقطني هذا الحديث فقال بعد أن ساق هذا الحديث من صحيح البخاري:
"وقد روى هذا الحديث شعبة وهشام وهما أثبت من روى عن قتادة، ولم يذكرا في الحديث الاستسعاء، ووافقهما همام، وفصل الاستسعاء من الحديث فجعله من رواية قتادة" (٢) .
فهذا الحديث قد اختلف فيه على قتادة.
يرويه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وذكر فيه الاستسعاء، وتابعه على ذلك كل من: جدير بن حازم، وحجاج بن حجاج، وأبان، وموسى بن خلف.
ورواه شعبة، وهشام الدستوائي، ولم يذكرا فيه الاستسعاء، ووافقهما همام، فقد فصل الاستسعاء من الحديث فلم يرفعه، ووقفه على قتادة.
_________________
(١) كتاب العتق، باب إذا أعتق نصيبًا في عبد وليس له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه، على نحو الكتابة رقم (٢٥٢٦) ج٥ ص١٨٥ (مع الفتح) .
(٢) التتبع ص١٥٠.
[ ٣١٣ ]
وقد اختلفت أنظار النقاد في الحكم على هذا الحديث.
وقد نقل الإمام النووي بعض أقوال من رجح رواية شعبة وهشام لموافقة همام لهما فقال:
" قال أبو بكر النيسابوري: ما أحسن ما رواه همام وضبطه ففصل قول قتادة عن الحديث.
وقال ابن عبد البر: الذين لم يذكروا السعاية أثبت من الذين ذكروها" (١) .
وقال أبو مسعود الدمشقي:
"حديث همام حسن عندي، إنه لم يقع للبخاري ولا مسلم، ولو وقع لهما حكمًا بقوله" (٢) .
وقال الحاكم – بعد أن ساق الحديث بسنده عن سعيد عن قتادة، وذكر فيه الاستسعاء-: "حديث العتق ثابت صحيح وذكر الاستسعاء فيه من قول قتادة، وقد وهم من أدرجة في كلام رسول الله ﷺ " (٣) ثم ذكره من حديث همام مفصلًا ثم قال: "فهذا أظهر من الأول أن القول الزائد المبين المميز، وقد ميز همام، وهو ثبت" (٤) .
وقد ذكر الحافظ أيضًا بعض من رجح رواية هشام وشعبة، فقال:
"ونقل الخلال في العلل عن أحمد أنه ضعف رواية سعيد في الاستسعاء، وضعفها أيضًا الأثرم عن سليمان بن حرب.
_________________
(١) شرح النووي لصحيح مسلم: ج١٠ ص١٩٧.
(٢) نقله الشيخ مقبل بن هادي في تعليقه على "التتبع" ص١٤٩.
(٣) معرفة علوم الحديث ص٤٠.
(٤) المصدر نفسه.
[ ٣١٤ ]
فقال النسائي: بلغني أن همامًا رواه فجعل هذا الكلام (أي الاستسعاء) من قول قتادة.
وقال الإسماعيلي: قوله (ثم استسعى) ليس في الخبر مسندًا، وإنما هو قول قتادة مدرج في الخبر على ما رواه همام.
وقال ابن المنذر والخطابي: هذا الكلام الأخير من فتيا قتادة ليس في المتن" (١) .
فهؤلاء الحافظ يرون أن ذكر الاستسعاء مدرج في الحديث من قبل سعيد، وليس هو بمرفوع، وإنما هو قول قتادة.
والقرائن التي استند إليها هؤلاء النقاد هي:
- مخالفة سعيد لمن هو أحفظ منه وهما: شعبة وهشام.
- تفرد سعيد بهذا الحديث.
- اختلاط سعيد في آخر عمره.
- قد ورد هذا الحديث من طريق همام مفصلًا، فجعل الحديث مرفوعًا، وجعل ذكر الاستسعاء فيه من قول قتادة، وهمام ثقة.
وقد أجاب الحافظ ابن حجر على هذه التعليلات (٢)، ونلخصها فيما يلي:
١- سعيد بن أبي عروة، أعرف بحديث قتادة لكثرة ملازمته له، وكثرة أخذه عنه من همام وغيره، وهشام وشعبة وإن كانا أحفظ من سعيد لكنهما لم ينفيا ما رواه، وإنما اقتصر من الحديث على بعضه (٣) وليس
_________________
(١) الفتح: ج٥ ص١٨٨.
(٢) فتح الباري: ج٥ ص١٨٨.
(٣) حديث شعبة عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "في المملوك بين رجلين" فيعتق أحدهما قال: "يضمن"، وفي رواية أخرى لشعبة: "من أعتق شقيصًا من مملوك، فهو حر من ماله" أخرجه مسلم ٥/٩٦، وأبو داود (٣٩٣٥)، والدارقطني ٤/١٢٥، وأما رواية هشام الدستوائي، فأخرجها أحمد ٢/٥٣١، وأبو داود (٣٩٣)، والدارقطني ٤/١٢٦.
[ ٣١٥ ]
المجلس متحدًا حتى يتوقف في زيادة سعيد، فإن ملازمة سعيد لقتادة كانت أكثر منهما فسمع منه ما لم يسمعه غيره.
٢- سعيد لم ينفرد بهذا الحديث فقد تابعه عليه جرير بن حازم، وحجاج بن حجاج، وموسى بن خلف، وحجاج بن أرطأه (١) .
٣- أما تعليل الحديث بكون سعيد بن أبي عروبة اختلط فلا يصح الاعتماد عليه لأن هذا الحديث في الصحيحين وغيرهما من رواية من سمع منه قبل الاختلاط كيزيد بن زريع.
٤- أما بالنسبة لرواية همام المفصلة، فهمام قد انفرد بهذا التفصيل، وخالف الجميع في القدر المتفق على رفعه، فإنه جعله واقعة عين (٢) وهم جعلوه حكمًا عامًا فدل على أنه لم يضبطه كما ينبغي.
هذه أهم الردود على القرائن التي اعتمد عليها من أعل حديث سعيد.
ولكن الإمام البخاري لم يعل هذا الحديث، ورأى صحة الطريقين معًا، كما نقل عنه الإمام الترمذي قال: "وسألت محمدًا عن هذا الحديث (يعني حديث السعاية) فقلت أي الروايتين أصح؟ فقال: الحديثنا جميعًا صحيحان، والمعنى فيه قائم، وذكر فيه عامتهم عن قتادة السعاية إلا شعبة، وكأنه قوى حديث سعيد بن أبي عروبة، في أمره بالسعاية" (٣) .
وقد ذكر الحافظ بعض القرائن التي اعتمد عليها البخاري في تصحيح رواية سعيد فقال:
_________________
(١) انظر تخريج هذه الروايات في الفتح: ج٥ ص١٨٨.
(٢) رواية همام أخرجها أبو داود في سننه (٣٩٣٤)، والدارقطني ٤/١٢٧، ولفظه: "أن رجلًا أعتق شقيصًا من غلام، فأجاز النبي ﷺ عتقه، وغرمه بقية ثمنه، وهكذا ورد من رواية محمد بن كثير عن همام عن قتادة، وقد رواه اعبد الله بن يزيد المقرىء عن همام عن قتادة، وزاد: وقال قتادة: إن لم يكن له مال استسعى العبد" رواه هكذا الإسماعيلي، وابن المنذر، والدارقطني، والخطابي، والحاكم، والبيهقي، والخطيب. انظر الفتح ٥/١٨٨.
(٣) العلل الكبير ص٢٠٤ – ٢٠٥.
[ ٣١٦ ]
" وكأن البخاري خشي من الطعن في رواية سعيد بن أبي عروبة، أشار إلى ثبوتها بإشارات خفية كعادته، فإنه أخرجه من رواية يزيد بن زريع وهو من أثبت الناس فيه وسمع منه قبل الاختلاط.
ثم استظهر له برواية جرير بن حازم بمتابعته لينفي عنه التفرد.
ثم أشار إلى أن غيرهما تابعهما.
ثم قال: اختصره شعبة، وكأنه جواب على سؤال مقدر وهو أن شعبة أحفظ الناس لحديث قتادة، فكيف لم يذكر الاستسعاء (*) فأجاب بأن هذا لا يؤثر فيه ضعفًا لأنه أورده مختصرًا، وغيره ساقه بتمامه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد" (١) .
والمقصود هنا بيان أن هذا الاختلاف الذي وقع بين أصحاب قتادة: شعبة وهشام من جهة، وسعيد بن أبي عروبة، ومن تابعه من جهة أخرى، ليس سببه الوهم والخطأ المحتمل من أحد الجانبين، وإنما سببه أن بعض الرواة اختصر الحديث فخالف من ساقه بتمامه فلا تكون روايته سببًا في تعليل رواية من ساق الحديث بتمامه، ولو كان الذي اختصره أثبت وأحفظ إن كان اختصاره لا يغير معنى الحديث أي أنه يقتصر على بعضه ويترك بعضه، وأما إذا اختصر الراوي الحديث بحيث يتغير عن المعنى الأصلي، فإنه يكون سببًا لتعليل الرواية المختصرة، وإليك مثلًا من صنيع الإمام البخاري.
قال البخاري – ﵀ -: "حدثني محمود حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة بمائة امرأة، تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله فقال له الملك:
_________________
(١) معنى الاستسعاء أ، العبد يكلف الاكتساب والطلب حتى يحصل قيمة الشريك الآخر. فإذا دفعها إليه عتق. هكذا فسره جمهور القائلين بالاستسعاء، وقال بعضهم: هو أن يخدم سيده الذي لم يعتق بقدر ماله فيه من الرق ولا يكلف ما يشق عليه. وقد اختلف العلماء في مشروعيته. انظر: (الفتح ٥/١٨٩ – ١٩١، وتحفة الأحوذي ٢/٢١٢) . () الفتح: ج٥ ص١٨٩.
[ ٣١٧ ]
قل إن شاء الله فلم يقل ونسي. فأطاف بهن، ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان، قال النبي ﷺ "لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان أرجى لحاجته" (١) .
وقد رواه غير البخاري عن محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا محمد على ابن طاوس عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: "من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث" (٢) .
فهذا المتن مغاير للمتن الأول، فأيهما الصحيح؟
قال الترمذي: "حدثنا محمد بن غيلان، حدثنا عبد الرزاق عن معمر ابن طاوس، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "م حلف فقال إن شاء الله لم يحنث".
سألت محمد عن هذا الحديث فقال: جاء مثل هذا من قبل عبد الرزاق وهو غلط إنما اختصره عبد الرزاق من حديث معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن النبي ﷺ في قصة سيمان بن داود حين قال: "لأطوفن الليلة على سبعين امرأة" (٣) .
فالحديث المحفوظ بهذا الإسناد هو الحديث الوارد في قصة سليمان – ﵇ – وعبد الرزاق كان يرويه تارة تامًا كما سمعه وتارة يختصره. فلما اختصره جاء بمتن مخالف ومغاير في سياقه للحديث الأصلي، ورفعه للنبي ﷺ، وهو قوله: "من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث" فهذا المتن بهذا الإسناد لا يصح عن النبي ﷺ.
_________________
(١) كتاب النكاح، باب قول الرجل: لأطوفن الليلة على نسائي. حديث رقم (٥٢٣٢) ج٩ ص٢٥٠.
(٢) أخرجه أحمد ٣٠٩١٢ وابن ماجه (٢١٠٤) والترمذي (١٥٣٢) والنسائي (٧/٢٠) .
(٣) العلل الكبير ص٢٥٢.
[ ٣١٨ ]
نعم قد ورد هذا الكلام بغير هذا السند في حديث نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من حلف فقال إن شاء الله فلا حنث عليه" (١) .
واختلف في وقفه ورفعه والأرجح الوقف (٢) .
ولقد اعترض ابن العربي على الحكم على عبد الرزاق بالخطأ بسبب اختصاره لهذا الحديث وذلك لأن ما جاء به عبد الرزاق في هذه الرواية لا يناقض غيرها لأن ألفاظ الحديث تختلف باختلاف أقوال النبي ﷺ في التعبير عنها، أي يخاطب كل قوم بما يكون أوصل لأفهامهم، وإنما ينقل الحديث على المعنى (٣) .
قال الحافظ: "وأجاب شيخنا، في شرح الترمذي بأن الذي جاء به عبد الرزاق في هذه الرواية ليس وافيًا بالمعنى الذي تضمنته الرواية التي اختصره منها، فإنه لا يلزم من قوله ﷺ: "لو قال سليمان إن شاء الله لم يحنث " أن يكون الحكم كذلك في حق كل أحد غير سليمان وشرط الرواية بالمعنى عدم التخالف، وهنا تخالف بالخصوص والعموم" (٤) .
المطلب الثاني: الرواية بالمعنى وأثرها في التعليل
كثيرًا ما تختلف متون الأحاديث النبوية بسبب الرواية بالمعنى، وأحيانًا لا يؤثر ذلك الاختلاف ولا يقدح في صحة الحديث، وأحيانًا يؤثر في صحة
_________________
(١) أخرجه الحميدي (٦٩٠) وأحمد ٢/١٠ و٦٨ و١٢٦ و١٢٧ والدرامي (٢٣٤٧) و(٢٣٤٨) وأبو داود (٣٢٦٢) و(٣٢٦٢) وابن ماجه (٢١٠٥) و(١١٠٦) والترمذي (١٥٣١) والنسائي ٧/١٢ و٢٥.
(٢) انظر المصدر السابق ص٢٥٣.
(٣) فتح الباري: ج١١ ص٦١٣.
(٤) المصدر نفسه.
[ ٣١٩ ]
الحديث ويكون سببًا لتعليله، وأضرب لذلك أمثلة من صنيع الإمام البخاري - ﵀ -.
أمثلة لما تكون فيه الرواية بالمعنى سببًا للتعليل:
المثال الأول:
قال البخاري: "حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن شهاب عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد - ﵄ - أن النبي ﷺ قال: (لا يرث مسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" (١) .
فهذا الحديث يرويه مالك (٢) وابن جريح (٣) وابن عيينة (٤)، ويونس (٥) ومعمر (٦) كلهم عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد عن النبي ﷺ "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم".
إلا أن هشيمًا رواه عن الزهري بالإسناد المذكور بلفظ: "لا يتوارث أهل ملتين" (٧) .
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم رقم (٦٧٦٤)، ج١٢ ص٥١ (مع الفتح) .
(٢) رواية مالك في الموطأ، كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الملل رقم (١٠) ص٥١٩.
(٣) رواية ابن جريج سبق تخريجها.
(٤) رواية ابن عيينة أخرجها مسلم في أول كتاب الفرائض رقم (١٦١٤) ج٣ ص١٢٣٣، وأبو داود في كتاب الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر ج٢ ص١٩، والترمذي في كتاب الفرائض، باب إبطال الميراث بين المسلم والكافر، ج٣ ص١٨٣ (مع التحفة) وابن ماجه، في كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك رقم (٢٧٢٩)، ج١ ص٩١١.
(٥) رواية يونس أخرجها البخاري في كتاب الحج، باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها، رقم (١٥٨) ج٣ ص٥٢٦، وابن ماجه في كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك رقم (٢٨٣٠)، ج٢ ص٩١٢.
(٦) رواية معمر أخرجها أبو داود، في كتاب الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر، ج٢ ص١٩.
(٧) عزاها الحافظ في الفتح إلى النسائي، ولم أجدها فيه مع طول البحث، والسنن الصغرى ليس فيها كتاب الفرائض أصلًا، فلعلها في الكبرى.
[ ٣٢٠ ]
قال الحافظ: " وقد حكم النسائي وغيره على هشيم بالخطأ فيه، وعندي أنه رواه من حفظه بلفظ ظن أنه يؤدي معناه، فلم يصب، فإن اللفظ الذي أتى به أعم من اللفظ الذي سمعه، وسبب ذلك أن هشيمًا سمع من الزهري بمكة أحاديث ولم يكتبها وعلق بحفظه بعضها فلم يكن من الضابطين عنه، ولذلك لم يخرج الشيخان عنه شيئًا" (١) .
فالبخاري ومسلم لم يخرجا هذا الحديث لأنه معلول، وظهرت علته بمخالفة هشيم لسائر أصحاب الزهري ليست قوية، لأنه لم يكتب الأحاديث التي سمعها من الزهري، وإنما اعتمد على حفظه فكان أحيانًا يروي على سبيل التوهم، أي يروي الشيء ويظن أنه يؤديه بالمعنى فيقع في الوهم والخطأ.
وينبغي التنبيه هنا إلى أن هذا المتن " لا يتوارث أهل ملتين" قد ورد من غير هذا الطريق (فقد رواه الترمذي من حديث جابر (٢)، ورواه أبو يعلى من حديث عائشة، ورواه أصحاب السنن الأربعة (٣) من طريقة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وسند أبي داود فيه إلى عمر صحيح" (٤) .
المثال الثاني:
قال البخاري: "حدثنا حفص بن عمر قال: حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس: "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر – ﵄ " كانوا يستفتحون
_________________
(١) النكت ص٢٧٥.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه في كتاب الفرائض، باب إبطال ميراث المسلم من الكافر، وقال عقبه: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي ليلي ج٣ ص١٨٣ (مع التحفة) وابن أبي ليلى قال فيه الحافظ في التقريب: صدوق سيء الحفظ جدًا.
(٣) رواه أبو داود في سننه، كتاب الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر ج٢ ص١٩، وسنده صحيح إلى عمرو، ورواه ابن ماجه في كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك (٣٧٣١) ج٢ ص٩١٢، وفي سنده عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف.
(٤) فتح الباري: ج٥ ص٥٢.
[ ٣٢١ ]
الصلاة بالحمد لله رب العالمين" (١) .
فهذا الحديث رواه أنس جماعة من الرواة منهم: قتادة (٢)، وحميد الطويل (٣)، وإسحاق بن أبي طلحة (٤) وغيرهم بهذا اللفظ.
وفي رواية لمسلم من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون باسم الله الرحمن الرحيم، في أول القراءة، ولا في آخرها" (٥) .
فهذه الرواية مخالفة للرواية الأولى في سياق متنها، إذ في الأولى إخبار بأن افتتاح القراءة كان بالحمد لله رب العالمين دون تعرض لنفي قراءة البسملة أو إثباتها، أما الرواية الثانية فهي نافية لرواية قراءة البسملة.
فرواية الأوزاعي: من طريق الوليد بن مسلم مخالفة لرواية غيره كشعبة وأيوب وأبي عوانة وقد حكم كثير من الأئمة على رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي بالوهم.
_________________
(١) الجامع الصحيح، كتاب الآذان، باب ما يقول بعد التكبير، رقم (٧٤٣) ج٢ ص٢٦٥ (مع الفتح) .
(٢) رواية قتادة أخرجها البخاري، ومسلم (٥٠) من طريق شعبة، ج١ ص٢٩٩، والترمذي من طريق أبي عوانة، في كتاب الصلاة، باب افتتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين ج١ ص٢٠٥ (مع التحفة)، والنسائي، في كتاب الافتتاح، باب البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة (٩٠١) ج٢ ص٤٧٠. ط دار المعرفة، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها (٨١٣) ج١ ص٢٦٧.
(٣) أخرجها مالك في الموطأ موقوفة، كتاب الصلاة باب العمل في القراءة (٣٠) ج١ ص٨١.
(٤) ساق مسلم سندها ولم يسق لفظها ج١ ص٣٠٠، وساقها البخاري في جزء القراءة خلف الإمام رقم (١٢٠) ص٣٢ من طريق الوليد بن مسلم وليس فيه زيادة (لا يذكرون باسم الله) .
(٥) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب من قال لا يجهر بالبسملة (٥٢)، ج١ ص٢٩٩.
[ ٣٢٢ ]
قال الدارقطني: "إن المحفوظ عن قتادة وغيره عن أنس أنهم كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، ليس فيه تعرض لنفي البسملة" (١) .
وقال البيهقي: "إن أكثر أصحاب قتادة رووه عن قتادة كذلك، وهكذا رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وثابت البناني عن أنس" (٢) .
وقال ابن عبد البر، بعد أن روى هذا الحديث من طريق أيوب وشعبة، وهشام الدستوائي وشيبان بن عبد الرحمن وسعيد بن أبي عروبة، وأبي عوانة "فهؤلاء حافظ أصحاب قتادة ليس في روايتهم لهذا الحديث ما يوجب سقوط باسم الله الرحمن الرحيم من أول فاتحة الكتاب" (٣) .
فهذه الرواية معلولة لأنها مخالفة للروايات الأخرى، مع قرائن انضمت إلى ذلك، وقد أشار إلى هذه القرائن بعض المتأخرين.
قال العراقي: "إن رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي التي أخرجها مسلم معلولة لأن الوليد يدلس تدليس تسوية" (٤) .
وقد تعقبه الحافظ ابن حجر في ذلك، بأنه قد ورد تصريح الوليد بن مسلم بالسماع في طريق أخرى، وبين أن الأقوى تعليله بأن قتادة ولد أكمه، وهو لا يكتب، فيكون قد أمر غيره بالكتابة له وحينئذ فذلك الغير مجهول الحال عندنا، ولو كان قتادة يثق به، فلا يكفي ذلك في ثبوت عدالته إلا عند من يقبل التزكية على الإبهام" (٥) .
وقال السيوطي: "إن لحديث مسلم السابق (حديث الوليد بن مسلم عن الأوزاعي) تسع علل: المخالفة من الحفاظ والأكثرين، والانقطاع، وتدليس التسوية من الوليد، والكتابة، وجهالة الكاتب، والاضطراب في
_________________
(١) سنن الدارقطني: ج١ ص٣١٦.
(٢) السنن الكبرى: ج٢ ص٥١.
(٣) نقله العراقي في التقييد والإيضاح ص٩٩.
(٤) المصدر نفسه ص١٠٠.
(٥) النكت ص٣١٩.
[ ٣٢٣ ]
لفظه، والإدراج، وثبوت ما يخالفه عن صحابه، ومخالفة لما رواه عدد التواتر" (١) .
إذن فرواية الوليد بن مسلم وهم، والسبب في وقوع هذا الوهم هو أن الراوي روى هذا الحديث بالمعنى الذي فهمه (فالراوي ظن حين سمع قول أنس – ﵁ – صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان – ﵃ – فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، نفيها بذلك فنقله مصرحًا بما فهمه، وقال ايذكون باسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها، وفي لفظ فلم يكونوا يفتتحون القراءة ببسم الله، وصار بمقتضى ذلك حديثًا مرفوعًا، والراوي لذلك مخطئ في ظنه" (٢) .
وممن صرح بأن سبب الوهم من الراوي هو روايته لهذا الحديث بالمعنى، الإمام ابن الصلاح (٣) والحافظ ابن حجر (٤) .
فهذا المعنى الذي فهمه الراوي خطأ، والمعنى الصحيح هو كما بينه الشافعي –﵀- قال: "معناه: أنهم كانوا يبتدئون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، وليس معناه أنهم لا يقرؤون باسم الله الرحمن الرحيم" (٥) .
وقد ورد في رواية مسلم من طريق شعبة عن قتادة فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ باسم الله الرحمن الرحيم (٦) ولا يلزم من نفي السماع عدم الوقوع، بخلاف الرواية المتقدمة (٧) .
ومن القرائن التي ذكرها الإمام ابن الصلاح وغيره من العلماء على أن
_________________
(١) تدريب الراوي:ج١ ص٢٥٥.
(٢) فتح المغيث ج١ ص٢٤٩.
(٣) علوم الحديث ص٨٣.
(٤) النكت ص٣٢٤.
(٥) نقله الترمذي في جامعه: ج١ ص٢٠٦ (مع التحفة) .
(٦) صحيح مسلم كتاب الصلاة، باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة (٥٠) ج١ ص٢٩٩.
(٧) التقيد والإيضاح ص١٠٠.
[ ٣٢٤ ]
رواية الوليد بن مسلم وقع فيها وهم (أنه ثبت عن أنس أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئًا عن رسول الله ﷺ) (١) .
وهكذا يتضح لنا كيف تكون الرواية بالمعنى سببًا لوقوع الراوي في الوهم، فيكون حديثه معلولًا، لذا نرى أن الإمام البخاري تجنب رواية هذا الحديث في صحيحه.
أما بالنسبة للإمام مسلم فإنه أورد هذا الحديث من طريق شعبة أولًا، مما يدل على أنه الأصح عنده ثم أورد حديث قتادة من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي.
أمثلة لما لا تكون فيه الرواية بالمعنى سببًا للتعيل:
هنا أحاديث رويت بالمعنى، ولم تتطرق إليها العلة، وذلك أن الرواية بالمعنى لم تغيرها عن سياقها، وهذا النوع الذي يختلف فيه الرواة، ولا يكون فيه تغيير للمعنى، وإثبات لحكم جديد، يورده الإمام البخاري في صحيحه، وفيما يلي أمثلة لذلك:
المثال الأول:
حديث ابن عمر – ﵁ – أنه كان نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية فسأل النبي ﷺ فأمره ﷺ أن يفي بنذره، وفي رواية اعتكاف يوم، وهذه روايات هذا الحديث ي صحيح البخاري.
قال البخاري:
" حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله أخبرني نافع عن ابن عمر – ﵁ – أن عمر سأل النبي ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: أوف بنذرك" (٢) .
_________________
(١) علوم الحديث ص٧٣.
(٢) كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف ليلًا (٢٠٣٦)، ج٤ ص٣٢١.
[ ٣٢٥ ]
وقال أيضًا:
"حدثنا عبد الله بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر أن عمر نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام قال: أراه قال ليلة فقال له رسول الله ﷺ أوف بنذرك" (١) .
وقال البخاري أيضًا:
" حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن، أخبرنا عبد الله أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر قال: يا رسو الله إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: أوف بنذرك" (٢) .
وقال أيضًا:
"حدثنا أبو النعمان حدثنا محمد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر بن الخطاب – ﵁ – قال: يا رسول الله إنه كان علي اعتكاف يوم في الجاهلية، فأمره أن يفي به.
ورواه معمر عن أيوب عن ابن عمر في النذر، ولم يقل (يوم) " (٣) .
وحديث معمر هذا أورده البخاري في صحيحه قال:
"حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر –﵁ – قال: لما قفلنا من حنين سأل عمر النبي ﷺ عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكاف، فأمره النبي ﷺ بوفائه" (٤) .
_________________
(١) كتاب الاعتكاف أيضًا، باب إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم (٢٠٣٤)، ج٤ ص٣٣٣.
(٢) كتاب الإيمان والنذور، باب إذا نذر أو حلف أن لا يكلم إنسانًا في الجاهلية، ثم أسلم (٦٦٩٧)، ج١١ ص٥٩٠.
(٣) كتاب الخمس، باب كان يعطي النبي ﷺ المؤلفة قلوبهم من الخمس ونحوه (٣١٤٤) .
(٤) كتاب المغازي، باب قوله تعالى: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم﴾ (٤٣٢٠، ج٧ ص٦٣٠.
[ ٣٢٦ ]
فقد اختلف على نافع في هذا الحديث، فعبيد الله بن عمر يقول: اعتكاف ليلة، وأيوب يقول: اعتكاف يوم في رواية حماد بن زيد عنه.
أما معمر في روايته عن أيوب مجملة لم يذكر مدة الاعتكاف وهو اختصار لا يضر بأصل الحديث وكل من أيوب، وعبيد الله بن عمر من ثقات أصحاب نافع.
وقد سئل الدارقطني عن اثبت أصحاب نافع فقال:
"عبيد الله بن عمر، ومالك، وأيوب السخيتاني" (١) .
فلما كان المختلفان حافظين ساق البخاري رواية كل منهما لأنه لا تعارض في المعنى بينهما. وبين الحافظ ابن حجر كيفية الجمع بين هاتين الروايتين فقال:
"والتحقيق في الجمع بين هاتين الروايتين أن عمر – ﵁ – كان عليه نذر اعتكاف يوم بليلته فسال النبي ﷺ عنه فأمره بالوفاء به، فعبر بعض الرواة بيوم وأراد بليلته، وعبر بعضهم بليلته، وأراد يومها.
والتعبير بكل واحد من هذين عن المجموع من المجاز الشائع الكثير من الاستعمال، فالحمل عليه أول من جعل القصة متعددة" (٢) .
وقد ذهب الإمام النووي إلى أنها واقعتان: كان على عمر نذران، ليلة بمفردها، ويومًا بمفرده، فسأل عن هذا مرة، والآخر أخرى (٣) . وقد رد هذا على النووي كل من الحافظ العلائي وابن حجر وحملا ذلك على الرواية بالمعنى (٤)، وهو الصواب – إن شاء الله -.
_________________
(١) سؤالات ابن بكير للدار قطني ص٥٤.
(٢) النكت ص٣٤١.
(٣) شرح النووي لصحيح مسلم: ج١١ ص١٢٤.
(٤) المصدر السابق.
[ ٣٢٧ ]
المثال الثاني:
قال البخاري: "حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر – ﵄ – قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" (١) .
هذا أحد ألفاظ الحديث التي ساقها البخاري.
وساقه بلفظ آخر ونصه كما يلي: " عن نافع أن رجلًا أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عامًا وتعتمر عامًا، وتترك الجهاد في سبيل الله ﷿، وقد علمت ما رغب الله فيه؟ قال: يا ابن أخي بني الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله، والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت " (٢) .
هذه ألفاظ هذا الحديث في صحيح البخاري، ويلاحظ أن فيها تغايرًا في الألفاظ والعبارات كما يلاحظ اختلاف في التقديم والتأخير، حيث قدم الحج على الصوم في الرواية الأولى، بينما آخر في الرواية الثانية، وقدمت الزكاة عن الحج والصوم في الرواية الثانية، بينما أخرت على الصوم وقدمت على الحج في الرواية الثانية.
وأما الإمام مسلم فقد ذكر هذا الحديث من طرق مختلفة:
١- عن أبي ملك الأشجعي عن سعيد بن عبيدة عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمسة: على أو يوجد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج"، فقال رجال: الحج وصيام رمضان، قال: "لا، صيام رمضان والحج" هكذا سمعته من رسول الله ﷺ.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب دعاؤكم إيمانكم، رقم (٨)، ج١ ص٦٤.
(٢) كتاب التفسير، باب ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله..﴾ رقم (٤٥١٤) ج٨ ص٣٢.
[ ٣٢٨ ]
٢- عن سعيد بن طارق قال حدثني: سعد بن عبيدة السلمي، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس على أن يعبد الله ويكفر بما دونه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان".
٣- وعن عاصم (هو ابن محمد بن زيد بن عبيد الله ابن عمر) عن أبيه قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان.
٤- ثم ساقه من رواية عكرمة بن خالد، ولفظه مثل لفظ البخاري (١) .
ونلاحظ أيضًا أن فيها اختلافًا في الألفاظ، واختلافًا في التقديم والتأخير بين الحج والصيام.
وقد حاول الإمام النووي كعادته أن يوفق بين هذه الروايات بتعدد الواقعة أي أن ابن عمر سمع الحديث من النبي ﷺ على الوجهين (٢) .
وقد استبعد الحافظ هذا الحل فقال:
"ولا شك ي أن مثل هذا هنا بعيد جدًا، فإنه لو سمعه على الوجهين، لم ينكر على من قال أحدهما، إلا أن يكون حينئذ ناسيًا أن النبي ﷺ قاله على الوجه الذي أنكره والظاهر القوي أن راوي هذه الطريق قدم فيها الحج على الصيام، ورواه بالمعنى فقدم وآخر ولم يبلغه نهي ابن عمر – ﵁ – عن ذلك محافظة على كيفية ما سمعه من النبي ﷺ فهذا الحمل – وهو رواية بعض الرواة لهذه الطريق على المعنى أولى من تطرق النسيان إلى ابن عمر – ﵁ – أو الإنكار للفظ الذي سمعه النبي ﷺ" (٣) .
_________________
(١) الجامع الصحيح للإمام مسلم: ج١ ص٤٥.
(٢) شرح النووي لصحيح مسلم: ج ص.
(٣) النكت ص٣٤٢.
[ ٣٢٩ ]
وقال الحافظ في الفتح في شرح لحديث ابن عمر من طري حنظلة عن عكرمة:
"ووقع هنا تقديم الحج على الصوم، وعليه بنى البخاري ترتيبه، لكن وقع في مسلم من رواية سعد بن عبيدة، عن ابن عمر، بتقديم الصوم على الحج، قال: فقال رجل والحج وصيام رمضان، فقال ابن عمر: لا، صيام رمضان والحج، هكذا سمعت رسول الله ﷺ.
ففي هذا إشعار بأن رواية حنظلة التي في البخاري مروية بالمعنى، إما أنه لما يسمع رد ابن عمر على الرجل لتعدد المجلس، أو حضر ذلك ثم نسيه، ويبعد ما جوزه بعضهم أن يكون ابن عمر سمعه من النبي ﷺ على الوجهين، ونسي أحدهما عند رده على الرجل.
ووجه بعده أن طرق النسيان إلى الراوي عن الصحابي أولى من تطرقه إلى الصحابي، كيف وفي رواية مسلم من طريق حنظلة بتقديم الصوم على الحج، ولأبي عوانة من وجه آخر عن حنظلة أنه جعل صوم رمضان قبل، فتنويعه دال على أن روى بالمعنى.
ويؤيده ما وقع عند البخاري في التفسير بتقديم الصيام على الزكاة أفيقال إن الصحابي سمعه على ثلاثة أوجه؟ هذا مستبعد - والله أعلم- (١) .
وفي ختام هذا المطلب نخلص إلى ما يلي:
إن الرواية بالمعنى تكون سببا لتعليل الحديث إذا غيرت معناه كليا عن المعنى الأصلي ولا تكون سببا للتعليل إذا لم تخرج عن المعنى الأصلي، وذلك بتغير الألفاظ بمرادفتها، أو التعبير عن اللفظ بما يتجوز عنه به، أو بالتقديم والتأخير، ونحو ذلك.
_________________
(١) فتح الباري: ج ١ ص ٦٥ - ٦٦
[ ٣٣٠ ]
المطلب الثالث: الإدراج وأثره في التعليل
قبل بيان أثر الإدراج في تعليل الأحاديث، نتحدث عن تعريفه لغة واصطلاحًا، ثم دوافعه، ثم نتطرق إلى كيفية تعامل الإمام البخاري مع الأحاديث المدرجة في صحيحه.
تعريف الإدراج لغة:
الإدراج: لف الشيء بالشيء، والدرج لف الشيء، يقال: درجته، وأدرجته، والرباعي أفصحها، ودرج الشيء في الشيء درجًا، وأدرجه: طواه وأدخله (١) .
تعريفه اصطلاحًا:
" هو أن يدخل في كلام رسول الله ﷺ شيئًا من كلام بعض الرواة فيتوهم من سمع الحديث أن هذا كلام رسول الله ﷺ " (٢) .
دوافع الإدراج:
الذي يحمل الرواة على الإدراج أمور كثيرة من أهمها (٣):
١- بيان حكم شرعي.
٢- استنباط حكم شرعي.
٣- شرح لفظ غريب في الحديث.
ويعرف الإدراج بأمور (٤) منها:
_________________
(١) لسان العرب: ج١ ص٢٦٩.
(٢) انظر نزهة النظر ص٥٤.
(٣) تيسير مصطلح الحديث ص١١٥، وانظر تدريب الراوي ص١٧٧.
(٤) النكت ص٣٤٧.
[ ٣٣١ ]
١- أن يستحيل إضافة ذلك النبي ﷺ.
٢- أن يصرح الصحابي أنه لم يسمع تلك الجملة من النبي ﷺ.
٣- أن يصرح بعض الرواة بفصل المدرج عن المتن المرفوع، بإضافة اللفظ المدرج إلى قائله.
فالإدراج إذن سبب لغير سياق الحديث سواء في سنده أو متنه، ويكون سببًا للاختلاف بين الرواة، فبعض الرواة يميز الحديث المرفوع عما فيه من إدراج، والبعض يتوهم أن الألفاظ المدرجة من متن الحديث فيرويه كذلك دون تمييز، فيكون لذلك حديثه معلولًا.
كيفية تعامل الإمام البخاري مع الأحاديث المدرجة في صحيحه:
إن الأحاديث المدرجة نوع من أنواع الأحاديث المعلولة، وبما أن الإمام البخاري قصد من "كتابه" جمع الأحاديث الصحيحة السليمة من العلل على اختلاف أنواعها وأجناسها، فهو من هذا المنطلق يستبعد الأحاديث المعلولة، ومن ذلك الأحاديث المدرجة، ومع ذلك نجد الإمام البخاري يخرج في صحيحه الأحاديث التي وقع فيها الإدراج بكيفيات مختلفة نحصرها فيما يلي:
١- تخريج الحديث المرفوع دون ما وقع فيه من إدراج.
٢- تخريج الحديث من الطريق المميز فيها الإدراج.
٣- تخريج الأحاديث المدرجة لوضوح الإدراج فيها، أو مع الإشارة إليه إذا كان خفيًا.
ونضرب أمثلة لكل حالة من الحالات من صحيح البخاري.
تخريج الحديث المرفوع دون ما فيه من إدراج:
هذا هو الأصل عند الإمام البخاري - ﵀ - في صحيحه هو تخريج الأحاديث الصحيحة دون ما فيها من أوهام سواء أكانت تلك الأوهام
[ ٣٣٢ ]
في الأسانيد أم في المتون، وسواء أكان الوهم بسب الإدراج أم الاختصار، أم الرواية بالمعنى، أم غير ذلك من الأسباب، هنا بأحاديث وقع فيها إدراج، أخرج البخاري الحديث المرفوع منها فقط دون المدرج.
المثال الأول:
حديث أبو مسعود أن النبي ﷺ أخذ بيده يعلمه التشهد: "التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد، محمد عبده ورسوله" (١) .
فهذا الحديث يرويه البخاري وبقية الستة هكذا.
وأخرجه الدرامي وفي آخره " فإذا قلت ذلك فقد تمت صلاتك، فإن شئت فقم، وإن شئت فاقعد" (٢) .
فهذه الزيادة ليست من المرفوع، بين ذلك شبابة بن سوار فيما أخرجه الدارقطني وغيره وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، فيما أخرجه أبو يعلى والطبراني في الأوسط (٣) .
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الأذان، باب التشهد في الأخير رقم (٨٣١) ج٢ ص٣٦٢ ثم كرره في مواضع كثيرة من صحيحه. انظر الأرقام التالية (٨٣٥) و(١٢٠٢) و(٦٢٣٠) و(٦٢٦٥) و(٦٣٢٨) و(٧٣٨١)، وأخرجه مسلم في الصلاة باب التشهد في الصلاة رقم (٥٥) و(٥٦) و(٥٧) و(٥٨)، وأخرجه أبو داود في الصلاة، باب التشهد رقم (٩٢٨) وأخرجه النسائي في التطبيق، كيف التشهد الأول (١١٦٤) و(١١٦٧) وأخرجه ابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيهما، باب ما جاء في التشهد رقم (٨٨٩) .
(٢) ووقعت الرواية المدرجة أيضًا في سنن أبي داود في كتاب الصلاة، باب التشهد رقم (٩٧٠) .
(٣) السيوطي: المدرج إلى المدرج – تحقيق صبحي البدري السامرائي، الدار السلفية لنشر – الجزائر، ص٢٠.
[ ٣٣٣ ]
المثال الثاني:
حديث عثمان – ﵁ – أن النبي ﷺ قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (١) .
هكذا رواه البخاري ومسلم، ورواه الخطيب وزاد في آخره (وفضل القرآن على سائر الكلام تفضل الله على خلقه، وذلك أنه منه) .
فالمرفوع منه إلى قوله " وعلمه " وأما قوله "وفضل القرآن إلى آخره" مدرج من كلام أبي عبد الرحمن السلمي، ميزه جماعة من الرواة منهم: ابن راهويه، وأبو مسعود، وأحمد بن الفرات الرازي، ويحيى بن أبي طالب (٢) .
المثال الثالث:
حديث أبي جحيفة – ﵁ – قال: "رأيت النبي ﷺ وكان الحسن يشبهه" (٣) .
هكذا روى البخاري ومسلم وغيرهما هذا الحديث.
ورواه الخطيب وزاد في آخره وأتى بثوب من النصاب مكتوب عليه صورة شيطان فرمى به وقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وقصة الثوب مدرجة لأن أبا جحيفة هو الذي أتى بالثوب، فقد رواها عنه مفردة إبراهيم بن حميد الرواسي (٤) .
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) المصدر السابق ص٣٢.
(٣) رواه البخاري في كتاب المناقب، باب صفة النبي ﷺ حديث رقم (٣٥٤٣) ج٦ ص٦٥١ (مع الفتح) ومسلم في كتاب الفضائل، باب شبيهه ﷺ حديث رقم (٢٣٤٣) ج٤ ص١٨٢٢، والترمذي رقم (٢٨٢٧) ج٥ ص١٢٩ ورقم (٣٧٧٧) ج٥ ص٦٥٩، وأحمد في مسنده ج٤ ص٣٠٧.
(٤) المدرج إلى المدرج، ص٣٥.
[ ٣٣٤ ]
وقد يخرج البخاري أحيانًا ببعض الأحاديث التي وقع فيها الإدراج من طريق يميز فيها رواتها المرفوع من المدرج. ولذلك أمثلة نذكر منها ما يلي:
المثال الأول:
حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ "من مات وهو يشرك بالله شيئًا دخل النار، ومن مات وهو لا يشرك بالله دخل الجنة" (١) .
هذا الحديث وهم فيه أحمد بن عبد الجبار العطاردي (٢) والمرفوع منه الجملة الأولى فقط، والثانية موقوفة. كذا ميزه جماعة من الرواة منهم الأعمش أخرجه الشيخان والنسائي (٣) .
فهذا الحديث رواه البخاري من طريق الأعمش عن ابن مسعود – ﵁ – قال رسول الله ﷺ: "من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار" وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة" (٤) .
المثال الثاني:
حديث ابن عباس إن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر، فأفطر الناس، فكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ. أخرجه الشيخان.
وقوله فكانوا يأخذون بالأحدث ليس من قول ابن عباس، بل هو
_________________
(١) أخرجه النسائي في السنن الكرى. انظر تحفة الأشراف ج٧ ص٤١.
(٢) هو أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي، وأبو عمر الكوفي، ضعيف، وسماعه للسيرة صحيح، مات سنة ٢٧٢، وله خمس وتسعون سنة، روى له أبو داود: ترجمته في التقريب ص١٨ وميزان الاعتدال: ج١ ص١١٢.
(٣) المدرج إلى المدرج ص١٧.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله رقم (١٢٣٨) ج٣ ص١٣٣.
[ ٣٣٥ ]
مدرج من قول الزهري بينه معمر فيما أخرجه البخاري (١) وابن إسحاق فيما أخرجه أحمد، ورواه ابن خزيمة من طريق ابن عيينة فقال: لا أدري هل هو من قول ابن عباس أو من قوله عبد الله أو من قول الزهري (٢) .
المثال الثالث:
حديث ابن عمر: إن رسول الله نهى عن القران إلا أن يستأذن الرجل أخاه قال الخطيب: الاستثناء بالاستئذان من قول ابن عمر لا مرفوع، بينه آدم بن أبي إياس عن شعبة أخرجه البخاري (٣) وتابع آدم على فصل الوقوف من المرفوع شبابة بن سوار عن شعبة أخرجه الخطيب وعاصم بن علي عن شعبة، أخرجه الطيب، وقد فصله أيضًا عن شعبة سعيد بن عامر الضبعي (٤) .
والحاصل أن أصحاب شعبة اختلفوا فأكثرهم رواه عنه مدرجًا، وطائفة منهم رووا عنه التردد في كون هذه الزيادة مرفوعة أو موقوفة، وشبابة فصل عنه، وآدم جزم عنه بأن الزيادة من قول ابن عمر، وتابعه سعيد بن عامر.
وقد رجح الحافظ أنه لا إدراج في هذا الحديث واستدل لذلك بأن البخاري اعتمد هذه الزيادة وترجم عليها في كتاب المظالم (٥)، وفي الشركة، ولا يلزم من كون ابن عمر ذكر الإذن مرة غير مرفوع، أن لا يكون مستنده فيه الرفع (٦) .
وقد يخرج البخاري الأحاديث التي وقع فيها الإدراج ولا يبينه إذا كان
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة الفتح في رمضان رقم (٤٢٧٦) ج٧ ص٥٩٥ (مع الفتح) .
(٢) المدرج إلى المدرج ص٢٥.
(٣) كتاب الأطعمة باب القرآن في التمر حديث رقم (٥٤٤٦) ج٩ ٤٨٢ (مع الفتح) .
(٤) انظر الفتح: ج٩ ص٤٨٣ والمدرج ص٣١.
(٥) باب إذا أذن إنسان لآخر شيئًا جاز رقم (٢٤٥٥) ج٥ ص١٢٨.
(٦) الفتح: ج٩ ص٤٨٢.
[ ٣٣٦ ]
واضحًا، أو يشير إليه ويصرح به إذا كان خفيًا. وفيما يلي أمثلة على ذلك:
المثال الأول:
حديث عائشة ﵂ في بدء الوحي " وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد " (١) .
فتفسير التحنث ليس من قول عائشة وإنما هو مدرج من كلام الزهري (٢) ولم يصرح البخاري بذلك لوضوح الإدراج فيه.
المثال الثاني:
حدث أبي سعيد أن رسول الله ﷺ نهى عن المنابذة: وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى رجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه. ونهى عن الملامسة، والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه (٣) .
فتفسير المنابذة والملامسة من قول الصحابي (٤) .
المثال الثالث:
حديث ابن عمر، أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة، والمزابنة اشتراء التمر بالتمر كيلًا، وبيع الكرم بالزبيب كيلًا (٥) .
وتفسير المزابنة من كلام الصحابي (٦) .
_________________
(١) كتاب بدء الوحي، باب (٣) ج١ ص٣٠ (مع الفتح) .
(٢) المصدر نفسه ص٣١ والمدرج ص٣٨.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب بيع الملامسة، رقم (٢١٤٤) ج٤ ص٤٢٠.
(٤) أخرجه لبخاري في كتاب البيوع، باب بيع الزبيب بالزبيب والطعام بالطعام رقم (٢١٧١) ج٤ ص٤٤١.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب البيوع / باب بيع بيع الزبيب بالزبيب، والطعام بالطعام رقم (٢١٧١) رقم (٢١٧١) ج٤ ص٤٤١ ورواه مسلم رقم (١٥٤٢) ج٣ ص١١٧١.
(٦) الفتح: ج٤ ص٤٥٠.
[ ٣٣٧ ]
هذه أمثلة لأحاديث كثيرة (١) وقع فيها الإدراج ورواها البخاري في صحيحه دون بيان له لوضوحه وأكثر هذه الأحاديث مما وقع فيه الإدراج لتفسير كلمات غريبة في المتن من الصحابي، أو ممن دونه وأحيانًا يبين الإمام البخاري الإدراج – وهو أمر قليل جدًا – فمن ذلك: ما رواه البخاري في صحيحه قال:
" حدثنا عبد الله بن الصباح حديثنا المعتمر، قال: سمعت عوفًا قال: حدثنا محمد بن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب روؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. وما كان من النبوة، فإنه لا يكذب" قال محمد: وأنا أقول هذه. قال: وكان يقال الرؤيا ثلاث: حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى الله. فمن رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد، وليقم فليصل، قال: وروى قتادة ويونس وهشام، وأبو هلال عن أبي سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وأدرجه بعضهم كله في الحديث عوف أبين.
وقال يونس: لا أحسبه إلا عن النبي ﷺ في القيد (٢) .
فقد أشار البخاري إلى الاختلاف الواقع في هذا الحديث من أصحاب ابن سيرين. فقتادة ويونس بن عبيد وهشام بن حسان، وأبو هلال محمد بن سلم الراسبي رووا أصل الحديث ومنهم من رواه منهم من اقتصر على بعضه. وهشام في روايته عن أدرج الموقوف في المرفوع. وأما عوف الأعرابي فقد ميز في رواته الموقف عن المرفوع (٣) .
_________________
(١) انظر أمثلة في المدرج إلى المدرج للسيوطي ص٣٩ – ٤٣.
(٢) كتاب التعبير، باب القرد في المنام ج١٢ ص٤٢٢.
(٣) انظر تخريج هذه الروايات في الفتح ص٤٢٢.
[ ٣٣٨ ]
المبحث الرابع: زيادات الثقات وموقف البخاري منها
المطلب الأول: موقف العلماء والطوائف من زيادة الثقة.
المطلب الثاني: نماذج لزيادات مقبولة عند الإمام البخاري.
المطلب الثالث: نماذج لزيادات مردودة عند الإمام البخاري.
تمهيد:
إن من أهم المسائل التي لها علاقة مباشرة بتعليل الأحاديث مسألة "زيادة الثقات"، وفي واقع الأمر أن هذه المسألة هي فرع عن مسألة المخالفة، لأن الراوي، إذا خالف غيره، فتارة ينقص عليهم، وتارة يزيد في السند أو في المتن.
وقد اعتنى المحدثون والفقهاء بزيادات الثقات اعتناءً بالغًا، فجمعوا الطرق، وفتشوا الأسانيد والروايات. ليتمكنوا من الوقوف على تلك الزيادات لما لها من آثار مهمة في الفقه والحديث. ولأهمية المسألة أفردتها بمبحث خاص حتى أساهم في الإجابة على إشكال كبير طالما يواجهه المشتغلون بالحديث والتخريج، فكثيرًا ما يجدون في الأحاديث المروية أصولها في الصحيحين زيادات من طرف رواة ثقات ويترت على هذه الزيادات مسائل فقهية مهمة. لكن يفاجؤون لعدم ورودها في الصحيحين، رغم صحة أسانيدها، وأهمية متونها. فيقعون في الحيرة والتذبذب، فمنهم من يبادر إلى
[ ٣٣٩ ]
قبولها بناء على صحة ظاهر الإسناد، وحال الراوي الذي انفرد بتلك الزيادة مدعمين موقفهم هذا بأن الشيخين لم يقصدا استيعاب كل الأحاديث الصحية. ومنهم من يردها ويرتاب في صحتها على أساس عدم ورودها في أصول دواوين الإسلام. ومنهم من يتلون فيقبلها تارة إذا وافقت مذهبه ومشربه ويردها إذا خالفت هواه. ويجد كل واحد من هؤلاء في كتب الحديث ومصطلحه ما يدعم به موقفه من الآراء المختلفة المنقولة عن العلماء. وأصبحت القواعد المقررة في علوم الحديث لا تكفي لرفع الخلاف لأن (القواعد المقررة في مصطلح الحديث، منها ما يذكر فيه خلاف، ولا يحقق الحق فيه تحقيقًا واضحًا. وكثيرًا ما يختلف الترجيح باختلاف العوارض التي تختلف في الجزئيات كثيرًا، وإدراك الحق في ذلك يحتاج إلى ممارسة طويلة لكتب الحديث والرجال والعلل مع حسن الفهم وصلاح النية) (١) .
فمن الصعوبة بمكان الوقوف على قواعد المحدثين في مسألة ما من هذا العلم دون النظر في كتبهم المصنفة في الصحيح والعلل، ودراسة ذلك دراسة متأنية ومتبصرة من غير مقررات مذهبية سابقة تحول دون الوصول إلى تقرير الحق.
وقد أرشد إلى هذا الإمام الحاكم النيسابوري إذ يقول:
" إن الصحيح لا يعرف بروايته فقط. وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل العلم والمعرفة. ليظهر ما يخفى من علة الحديث، فإذا وجد مثل هذه الأحاديث بالأسانيد الصحيحة غير مخرجة في كتابي الإمامين البخاري ومسلم. لزم صاحب الحديث التنقير عن علته، ومذاكرة أهل المعرفة به لتظهر علته" (٢) .
ففي هذه الفقرة من الفوائد العلمية ما يكشف بعض الجوانب عن منهج الأئمة النقاد ونذكر منها ما يلي:
_________________
(١) عبد الرحمن المعلمي: مقدمة تحقيق الفوائد المجموعة ص (ح) .
(٢) علوم الحديث ص٥٩ - ٦٠.
[ ٣٤٠ ]
١- ليس اعتماد المحدثين في تصحيح الأحاديث على ظاهر الأسانيد فقط، بل يضاف إليه النظر فيما يمكن أن يدخل الحديث من أوهام وأخطاء.
٢- إدراك العلل والأوهام في الأحاديث يحتاج إلى سعة الحفظ والاطلاع على مختلف الطرق والروايات للحديث الواحد، مع سلامة الفهم، وحسن القصد.
٣- الاهتمام البالغ بالصحيحين من قبل الأئمة، واعتبارها المعيار الذي تحاكم إليه الأحاديث الأخرى.
٤- لا يفهم من كلام الحاكم أن الأحاديث التي لم تخرج في الصحيحين كلها معلولة، وإنما المراد بذلك الطرق التي تشتمل على زيادات أو تفردات وكان ظاهر إسنادها صحيح.
وهذا الفهم ضروري إذ لو كان المتبادر أن الأحاديث التي خارج الصحيحين كلها سقيمة ومعلولة، ما ساغ للحاكم نفسه أن يصنف "المستدرك على الصحيحين" ولما ساغ أيضًا لمن جاء بعده كابن حبان، وابن خزيمة، وابن السكن وغيرهم أن يسموا كتبهم بالصحيح.
ومن هنا يمكن القول بأن مراده تلك الطرق والزيادات التي يتركها الشيخان، مع معرفتهما بها وحاجتهما إليها. إذ غالبًا ما يتعلق بها فقه عظيم، مع صحة سندها وتخريجهما لأصل الحديث دون تلك الزيادات. فما هي مبررات هذا الترك؟ وهل دائمًا الزيادة التي ينفرد بها الثقة مرفوضة؟ وما هي معايير الرفض والقبول؟
هذا ما سأحاول بمشيئة الله - توضيحيه في هذا المبحث من خلال نماذج مدروسة من صحيح البخاري.
وقبل الإجابة على هذه الأسئلة يحسن بنا أن نذكر بمذاهب العلماء والطوائف حول "زيادة الثقة".
[ ٣٤١ ]
المطلب الأول: موقف العلماء والطوائف من زيادة الثقة
لقد اختلفت أنظار العلماء وتباينت مواقفهم كثيرًا، من زيادات الثقات. واختلطت فيها أقوال المحدثين بأقوال الأصوليين وعلماء الكلام، ونعرض في هذا المطلب لبيان تلك الآراء - على سبيل الاختصار - دون التعرض لذكر الأدلة ومناقشتها.
وبما أن الزيادات قد تكون في الأسانيد كما تكون في المتون. فأقدم الحديث على زيادات الأسانيد وموقف العلماء منها ثم زيادات المتون.
القسم الأول: الزيادة في السند:
تتمثل في اختلاف الوصل والإرسال والرفع والوقف أو زيادة راو في الإسناد وحذفه. وقد اختلف العلماء في هذا النوع على أربعة أقوال:
القول الأول: ترجيح الوصل على الإرسال، والرفع على الوقف:
وإلى هذا الرأي ذهب كثير من الأئمة المتأخرين.
قال الخطيب البغدادي: "وهذا القول هو الصحيح عندما لأن إرسال الحديث ليس بجرح لمن وصله، ولا تكذيب له، ولعله أيضًا مسند عند الذين رووه مرسلًا، أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يقضي على الذاكر وكذا حال راوي الخبر إذا أرسله مرة، ووصله أخرى؛ لا يضعف ذلك إيصاله لأنه قد ينسى فيرسله، ثم يذكر بعد فيسنده، أو يفعل الأمرين معًا عن قصد منه لغرض له فيه" (١) .
وقال ابن الصلاح: "وما صححه - أي الخطيب - هو الصحيح في الفقه والأصول" (٢) .
_________________
(١) الكفاية ص٤٥١.
(٢) علوم الحديث ص٦٥.
[ ٣٤٢ ]
وقال الإمام النووي: "الصحيح بل الصواب الذي عليه الفقهاء والأصوليون ومحققو المحدثين أنه روي الحديث مرفوعًا وموقوفًا، أو موصولًا ومرسلًا حكم بالرفع والوصل لأنها زيادة ثقة، وسواء كان الرافع والواصل أكثر أو أقل في الحفظ والعدد" (١) .
القول الثاني: ترجيح الإرسال على الوصل والوقف على الرفع:
وقد حكاه الخطيب البغدادي عن أكثر أصحاب الحديث. بالنسبة لترجيح الإرسال على الوصل (٢)، وأما ترجيح الوقف على الرفع فهو مثله فيأخذ حكمه.
القول الثالث: الحكم للأكثر:
فإن كان من أرسله أكثر ممن وصله فالحكم للإرسال. وإن كان من وصله أكثر ممن أرسله فالحكم للوصل، وكذا الرفع والوقف.
لأن تطرق السهو والخطأ إلى الأكثر أبعد، وقد حكى هذا القول الحاكم النيسابوري في "المدخل" عن أئمة الحديث (٣) .
القول الرابع:
إن المعتبر ما قاله الأحفظ من وصل أو إرسال. فإذا كان من أرسله أحفظ ممن وصله، فالحكم لمن أرسله. وإن كان من وصل أحفظ، فالحكم له (٤) .
وهذه الأقوال كلها نظرية فقط. وقد سبق أن نقلت في "مبحث المخالفة" أقوال بعض الحفاظ المتأخرين التي تبين أن منهج المحدثين على خلاف هذه الأقوال وبينت بالأمثلة المدروسة أن الترجيح خاضع للقرائن.
_________________
(١) شرح صحيح مسلم: ج٦ ص٢٩.
(٢) الكفاية ص٤٥٠.
(٣) انظر: فتح المغيث ك ج١ ص١٩٣.
(٤) علوم الحديث ص٦٤، وشرح العراقي لألفيته: ج١ ص١٧٧.
[ ٣٤٣ ]
القسم الثاني: الزيادة في المتن:
الخلاف في هذا النوع من الزيادة أكثر من النوع الأول. ولقد نقلت فيه أقوال كثيرة هذه أهمها:
القول الأول:
ذهب الجمهور من الفقهاء وبعض المحدثين كابن حبان والحاكم وجماعة من الأصوليين منهم الغزالي في "المستصفى" وجرى عليه النووي في مصنفاته إلى أن زيادة الثقة مقبولة مطلقًا (١) ".
القول الثاني:
أنها لا تقبل مطلقًا، لا ممن رواه ناقصًا ولا من غيره.
حكاه الخطيب في "الكفاية" عن قوم، المحدثين (٢)، وابن الصباغ في "العدة" (٣) .
القول الثالث:
قبول الزيادة إذا كان الراوي لها غير الذي روى الحديث بدونها، فأما إن كان راوي الحديث بدون الزيادة هو راويه مع الزيادة فإن هذه الزيادة لا تقبل وإلى هذا القول ذهبت فرقة من الشافعية (٤) .
القول الرابع:
إن غيرت الإعراب لم تقبل، وإن لم تغير الإعراب. وكان عدد من مرات ذكر الزيادة أكثر من الإمساك عنها قبلت. وإن كان العكس ردت وإن تساويا قبلت أيضًا.
وقد ذهب إلى هذا فخر الدين الرازي (٥) .
_________________
(١) الكفاية ص٤٦٤، وفتح المغيث: ج١ ص٢٣٣.
(٢) الكافية ص٤٦٥.
(٣) فتح المغيث، ج١ ص٢٣٥.
(٤) المصدر السابق.
(٥) المحصول في علم أصول الفقه: ق١ ج٢ ص٦٨٠ – ٦٨١ بتحقيق طه جابر العلواني.
[ ٣٤٤ ]
القول الخامس:
إن كان من لم يرو الزيادة قد انتهوا إلى عدد لا يتصور في العادة غفلة مثلهم عن سماع تلك الزيادة وفهمها. فإن هذه الزيادة لا تقبل، سواء أبلغ الرواة للحديث بدونها حد التواتر أم لم يبلغوه، وإن لم ينتهوا إلى هذا الحد قبلت.
وإليه ذهب ابن الصباغ (١) والآمدي (٢) وابن الحاجب (٣) والسمعاني (٤) .
القول السادس:
تقبل الزيادة إذا سكت الباقون ممن لم يروها عن نفيها، أما إذا صرحوا بنفي ما نقله عند إمكان اطلاعهم على نقله، فهذا يعارض قول المثبت ويوهنه.
وإليه ذهب إمام الحرمين الجويني (٥) .
القول السابع:
إن الزيادة تقبل إذا أفادت حكما شرعيًا، وإلا فلا تقبل.
ذكر الخطيب في الكفاية ولم ينسبه لمعين (٦) .
القول الثامن:
وجوب قبول الزيادة من جهة اللفظ دون المعنى.
_________________
(١) تدريب الراوي: ج١ ص٢٤٦.
(٢) الإحكام في أصول الأحكام: ج٢ ص١٥٥.
(٣) في مختصره ج٢ ص٧١ بشرح الإيجي.
(٤) فتح المغيث: ج١ ص٢٣٤.
(٥) البرهان في أصول الفقه: بتحقيق د. عبد العظيم الذيب. ط١ – مطابع الدوحة الحديثة قطر، سنة ١٣٩٩هـ. ج١ ص٦٦٤ – ٦٦٥، ونقله السخاوي في فتح المغيث: ج١ ص٢٣٤.
(٦) الكفاية ص٤٦٥.
[ ٣٤٥ ]
وهذا القول أيضًا حكاه الخطيب في الكفاية ولم ينسبه لمعين (١) .
القول التاسع:
تقبل الزيادة في المتون في الفقهاء ولا تقبل من المحدثين الذين لا يهتمون بالفقه، وأن الزيادة في الإسناد فتقبل من المحدثين ولا تقبل من الفقهاء الذين لا يهتمون بالإسناد.
وإلى هذا القول ذهب الإمام ابن حبان في مقدمة "صحيحه" (٢) .
هذه أهم مذاهب العلماء من محدثين وفقهاء وأصوليين ومتكلمين في زيادة الثقة. وأكثرها شهرة واستعمالًا القول بقبول زيادة الثقة مطلقًا. وقد نسبه كثير من العلماء إلى جمهور المحدثين ولكن الواقع العلمي النقدي لأئمة الحديث يرده. وقد نبه على هذا الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فقال:
"اشتهر عن جمع مع العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا، من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذًا ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه، والعجب ممن أغفل منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح، وكذلك الحسن.
والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة (٣) .
إذن فمنهج الأئمة ليس هو قبول الزيادة من الثقة مطلقًا، أو ردها مطلقًا، وإنما الأمر يدور مع القرائن والمرجحات.
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) صحيح ابن حبان: بترتيب الأمير علاء الدين الفارسي، وتحقيق الشيخ أحمد شاكر، مطبعة المعارف– القاهرة سنة ١٣٧٢هـ، ج١ ص١٢٠.
(٣) نزهة النظر ص٢٧.
[ ٣٤٦ ]
وفيما يلي نماذج لزيادات ثقات ردها الإمام البخاري، وأخرى قبلها موضحًا القرائن التي اعتمد في القبول أو الرد. ومشيرًا إلى أثر تلك الزيادات في الأحكام الفقهية.
المطلب الثاني: نماذج لزيادات مقبولة عند الإمام البخاري
المثال الأول:
قال البخاري - ﵀ -:
"حدثنا محمد (هو ابن سلام)، قال: حدثنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: جاء فاطمة ابنة أبي حبيش إلى النبي ﷺ قال: إني امرأة أستحاض فلا أطهر. أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: "لا إنما ذلك عرق وليس بحيض. فإذا أقبلت حيضك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي".
قال: وقال أبي: "ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت" (١) .
وقال البخاري أيضًا:
حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة -﵂- قالت: قالت فاطمة بنت حبيش لرسول الله ﷺ: يا رسول الله إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ "إنما ذلك عرق ليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" (٢) .
_________________
(١) كتاب الوضوء، باب غسل الدم حديث رقم (٢٢٧)، ج١ ص٣٩٦.
(٢) كتاب الحيض، باب الاستحاضة حديث رقم (٣٠٦) ج١ ص٤٨٧.
[ ٣٤٧ ]
وقال البخاري أيضًا:
حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا سفيان عن هشام عن أبيه عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض فأتت النبي ﷺ فقال: "ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي" (١) .
وقال أيضًا:
حدثنا أحمد بن أبي رجاء، قال: حدثنا أبو أسامة قال: سمعت هشام بن عروة قال: أخبرني أبي عن عائشة أن فاطمة بنت حبيش سألت النبي ﷺ قالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: "لا إن ذلك عرق ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين، ثم اغتسلي وصلي" (٢) .
وقال أيضًا:
حدثنا أحمد بن يونس عن زهير، قال: حدثنا هشام بن عروة عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" (٣) .
هذه طرق هذا الحديث في صحيح البخاري، ونلاحظ أنها متفقة في سياق المتن إلا أن في الطريق الأولى زيادة تفرد بها أبو معاوية وهي (ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت) فهل هذه الزيادة محفوظة، وما موقف البخاري منها؟
وقد أدعى بعضهم بأن أبا معاوية فقد انفرد بهذه الزيادة.
ولم ينفرد أبو معاوية بذلك فقد رواه النسائي عن طريق حماد بن زيد عن هشام، وأدعى أن حمادًا تفرد بهذه الزيادة.
_________________
(١) كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره حديث رقم (٣٢٠) ج١ ص٥٠٠.
(٢) كتاب الحيض: إذا حاضت في الشهر ثلاث حيض، حديث رقم (٣٢٥) ج١ ص٥٠٧.
(٣) كتاب الحيض، باب إذا رأت المستحاضة الطهر، حديث رقم (٣٣١) ج١ ص٥١٠.
[ ٣٤٨ ]
قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث "وتوضئ" غير حماد بن زيد وقد روى غير واحد عن هشام، ولم يذكر فيه "وتوضئ" (١) .
وأومأ مسلم إلى ذلك أيضًا حيث قال بعد روايته لهذا الحديث من طريق حماد بن زيد وغيره في حدث حماد زيادة حرف تركنا ذكره (٢) .
والظاهر من صنيع الإمام البخاري أنه يصحح هذه الزيادة وذلك الأمور التالية:
١- أبو معاوية راوي هذه الزيادة ثقة (٣) .
٢- لم ينفرد أبو معاوية بهذه الزيادة فقد تابعه عليها كل من حماد بن زيد عند مسلم والنسائي، وحماد بن سلمة عند الدرامي، ويحيى بن سليم عند السراج (٤) .
٣- وجود بعض الشواهد لهذا الحديث.
منها ما رواه شريك عن أبي اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جدة عن النبي ﷺ قال في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام اقرائها التي كانت تحيض فيها ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي" (٥) .
_________________
(١) سنن النسائي: ج١ ص١٣٤، وص٢٠٢ ط. دار المعرفة.
(٢) نقله الصنعاني في سبل السلام. ت. فواز زمرلي. دار الكتاب العربي. ط الخامسة سنة ١٩٩٠ ج١ ص١٣٣.
(٣) هو أبو معاوية محمد بن خازم الضرير. ثقة أحفظ الناس لحدي الأعمش وقد يهم في حديث غيره. مات سنة ٢٩٥، وروى له الجماعة، ترجمته في التقريب ص٤٧٥.
(٤) انظر الفتح: ج١ ص٤١١.
(٥) أخرجه الدرامي (٨٩٨) وأبو داود (٢٩٧) وابن ماجه (٦٢٥) والترمذي (١٢٦) و(١٢٧) .
[ ٣٤٩ ]
قال أبو عيسى: هذا حديث تفرد به عن أبي اليقظان، وسألت محمدًا عن هذا الحديث فقلت: عدي بن ثابت عن أبيه عن جده. عدي ما اسمه فلم يعرف اسمه، وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين اسمه دينار فلم يعبأ به (١) . فهذا الشاهد ضعيف، لضعف شريك وتفرده به، وأبو اليقظان هو عثمان بن عميرة الكوفي لا يحتج بحديثه، ثم جهالة جد عدي بن ثابت.
وقال أبو داود في سننه:
" وروى عبد الملك بن ميسرة، وبيان والمغيرة، وفراس، ومجالد عن الشعبي عن قمير عن عائشة: توضئي لكل صلاة".
ورواية داود وعاصم عن الشعبي عن قمير عن عائشة تغتسل كل يوم مرة.
وروى هشام بن عروة عن أبيه، المستحاضة تتوضأ لكل صلاة.
وهذا الأحاديث كلها ضعيفة إلا حدث قمير وحديث عمار مولى بني هاشم، وحديث هشام بن عروة عن أبيه" (٢) .
فقه الحديث:
في الحديث دليل على أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض، وتعمل على إقباله وإدباره. فإذا انقضى قدره اغتسلت عنه. ثم صار حكم دم الاستحاضة حكم الحدث، فتتوضأ لكل صلاة. لكنها لا تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤداة أو مقضية، لظاهر قوله: "ثم توضئي لكل صلاة" وبهذا قال الجمهور، وعند الحنفية أن الوضوء متعلق بالوقت فلها أن تصلي به الفريضة الحاضرة وما شاءت من الفوائت، ما لم يخرج وقت الحاضرة، وعلى قولهم المراد بقوله: "ثم توضئي لكل صلاة" أي لوقت كل صلاة، ففيه مجاز الحذف، ويحتاج إلى دليل.
_________________
(١) العلل الكبير ص٥٧.
(٢) سنن أبي داود: ج١ ص٤٨ - ٤٩.
[ ٣٥٠ ]
وعند المالكية يستحب لها الوضوء لكل صلاة ولا يجب إلا بحدث آخر.
وقال أحمد وإسحاق: "إن اغتسلت لكل فرض هو أحوط " (١) .
وفي هذه الزيادة دليل صريح على أن المستحاضة يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة.
المثال الثاني:
زيادة " من المسلمين " في حديث زكاة الفطر.
قال البخاري: "حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر –﵄- أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين" (٢) .
فهذا الحديث رواه مالك عن نافع وذكر فيه " من المسلمين ".
ورواه أيوب عن نافع ولم يذكر فيه "من المسلمين" (٣) .
ورواه عبيد الله عن نافع ولم يذكر فيه "من المسلمين" (٤) .
_________________
(١) الفتح: ج١ ص٤٨٨، وانظر بداية المجتهد: ج١ ص٦٠ – ٦٣، وسبل السلام: ج١ ص١٣٣، ونيل الأوطار: ج١ ص٢٧٣.
(٢) كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين، حديث رقم (١٥٠٤) ج٣ ص٤٣٢.
(٣) أخرجه البخاري في الزكاة، باب صدقة الفطر على الحر والمملوك حديث رقم (١٥١١) وأخرجه مسلم في الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير رقم (١٤) وأخرجه الترمذي، في الزكاة باب ما جاء في صدقة الفطر رقم (٦٧٥) وأخرجه النسائي في الزكاة باب فرض زكاة رمضان (٢٤٩٩)، وأبو داود في الزكاة، باب كم يؤدي في صدقة الفطر رقم (١٦١٥) .
(٤) انفرد به النسائي، رواه في كتاب الزكاة باب كم فرض رقم (٢٥٠٤) ج٥ ص٥١ ط. دار المعرفة.
[ ٣٥١ ]
ورواه الليث عن نافع ولم يذكر فيه " من المسلمين " (١) .
قال الترمذي ك "روى أيوب وعبيد الله بن عمر وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نافع. ولم يذكر فيه من المسلمين، وروى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك من لا يعتمد على حفظه.
وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك واحتجوا به، منهم الشافعي وأحمد بن حنبل قالا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين، لم يؤد زكاة الفطر، واحتجًا بحديث مالك، فإذا زاد حافظ ممن يعتمد على حفظه قبل ذلك عنه" (٢) .
وممن صح هذه الزيادة واحتج بها الإمام البخاري – في صحيحه – حيث ترجم بما يدل على ذلك في باب صدقة الفطرة على العبد وغيره من المسلمين.
وقد اعتمد البخاري في تصحيح هذه الزيادة على:
١- ثقة مالك وحفظه وإتقانه.
٢- عدم انفراده بهذه الزيادة فقد تابعه عليها عمر بن نافع وحديثه أورده البخاري في الباب قبله (٣)، والضحاك بن عثمان عند مسلم (٤) .
ورواه عبد الله العمري عن نافع فقال: " على كل مسلم " (٥) .
ورواه سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن عبد الله بن عمر عن نافع
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الزكاة، باب زكاة فطر على المسلمين من التمر والشعير، حديث رقم (١٥) ج٢ ص٦٧٨.
(٢) العلل الصغير (مع الجامع) ص٧٥٩.
(٣) كتاب الزكاة باب فرض صدقة الفطر حديث رقم (١٥٠٣) ج٣ ص٤٣٠.
(٤) صحيح مسلم كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير رقم (١٦) ج٢ ص٦٧٨.
(٥) رواه أبو داود في سننه، كتاب الزكاة، باب كم يؤدي في صدقة الفطر ج١ ص٢٥٥.
[ ٣٥٢ ]
فقال فيه: "من المسلمين" (١) .
قال الإمام أحمد في رواية عنه: "كنت أتهيب حديث مالك (من المسلمين) حتى وجدته من حديث العمريين. قيل له فمحفوظ هو عندك (من المسلمين)؟ قال: نعم".
وهذه الرواية تدل على توقفه في زيادة واحدة من الثقات، ولو كان مثل مالك حتى يتابع على تلك الزيادة (٢) . لهذه المتابعات صحح الإمام البخاري والترمذي وأحمد وغيرهم هذه الزيادة وعملوا بها.
المطلب الثالث: نماذج لزيادات مردودة عند البخاري
المثال الأول:
حديث عثمان - ﵁ - في صفة وضوئه ﵇.
قال البخاري ﵀: "حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: حدثني إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب بن عطاء بن يزيد أخبره أن حمران مولى عثمان، أخبره أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاثة مرار فغسلها ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم ﷺ ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه" (٣) .
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثًا حديث رقم (١٥٩) ج١ ص٣١١ (مع التفح) .
[ ٣٥٣ ]
وقال البخاري أيضًا: " حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عطاء بن يزيد عن حمران مولى عثمان ثم مسح برأسه " (١) .
وقال البخاري أيضًا: " حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر قال: حدثني الزهرري عن عطاء بن يزيد عن حمران مولى عثمان رأيت عثمان.. ثم مسح برأسه " (٢) .
هذه طرق هذا الحديث عن الإمام البخاري.
وأخرجه مسلم في الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله، عن أبي طاهر بن السرح وحرملة بن يحيى كلاهما عن ابن وهب عن يوسف، وعن زهير بن حرب عن يعقوب بن إبراهيم بن سلامة عن أبيه ثلاثتهم عن الزهري (٣) .
ولفظه مثل لفظ البخاري.
فهذه طرق حديث عثمان في صفة وضوئه ﵇ ليس في شيء منها في الصحيحين ذكر عدد مسح الرأس.
_________________
(١) أخرجه في نفس الكتاب، والباب حديث رقم (١٦٤) ج١ ص٣٢١ (مع الفتح) .
(٢) أخرجه في كتاب الصوم، باب السواك الرطب واليابس للصائم، حديث رقم (١٩٣٤) ج٤ ص١٨٧.
(٣) صحيح مسلم، حديث رقم (٢٢٦) ج١ ص٣٠٤.
[ ٣٥٤ ]
لكن روى أبو داود في سننه (١) بإسناد جيد في بعض طرق هذا الحديث زيادة لفظ (ثلاثًا) عند قوله ومسح رأسه، وهي تفيد تثليث مسح الرأس.
فما حكم هذه الزيادة؟ وهل هي محفوظة أم لا؟ ولماذا تركها الشيخان؟ وما الحكم الفقهي المستفاد منها؟
لو نظرنا إلى ظاهر السند الذي رويت به هذه الزيادة، ما ترددنا في قبولها لكن كثيرًا من الأئمة لم يصححوها ومن هؤلاء:
الإمام أبو داود راوي هذه الزيادة.
يقول في سننه: "أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة واحدة" (٢) .
وقال ابن المنذر: "إن الثابت عن النبي ﷺ في المسح واحدة" (٣) .
وقال الدارقطني في سننه: "إن السنة في الوضوء مسح الرأس مرة واحدة" (٤) .
وقال العلامة ابن القيم: "والصحيح أنه لم يكرر مسح رأسه بل كان إذا كرر غسل الأعضاء أفرد مسح الرأس، هكذا جاء عنه صريحًا، ولم يصح عنه خلافه البتة" (٥) .
أما الإمام البخاري - ﵀ - فصنيعه يشعر ويدل دلالة واضحة، أنه لا يصحح تلك الزيادة إذ أنه روى هذا الحديث في مواضع متعددة من صحيحه، ولم يورد تلك الزيادة وترجم على الحديث في كل مرة مستنبطًا منه مسائل فقهية.
- ترجم عليه أولًا بما يدل على سنة التثليث عمومًا في الوضوء (باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا) بعد أن أورد ما يدل على مشروعية المرة الواحدة والمرتين (باب الوضوء مرة مرة) و(باب الوضوء مرتين مرتين) .
_________________
(١) أخرجه في كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي ﷺ من طريق محمد بن المثنى، عن الضمان بن مخلد عن عبد الرحمن بن وردان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: رأيت عثمان ومسح رأسه ثلاثًا (السنن ج١ ص١٧)، وفي صحيح ابن خزيمة من نفس الطريق وغيره.
[ ٣٥٥ ]
- ثم ترجم له بما يدل على مشروعية غسل الرجلين، وعدم مشروعية المسح على القدمين بقوله (باب غسل الرجلين، ولا يمسح على القدمين) .
- ثم أورده في كتاب الصيام مستدلًا به على مشروعية السلواك للصائم سواء أكان رطبًا أم يابسًا.
- ومما يدل على عدم ثبوت تلك الزيادة عنده أنه ترجم صريحًا بما يخالفها في نفس الباب الذي أورد فيه حديث عثمان الآنف الذكر، فقد روى في كتاب الوضوء (باب مسح الرأس مرة) وفي بعض ورايات الصحيح (باب مسح الرأس مسحة) .
من حديث عبد الله بن زيد - ﵁ الله عنه -.
فهذه القرائن تدل على أن الإمام البخاري لا يرى صحة تلك الزيادة لانفرادها ومخالفتها لما هو ثابت عن عثمان - ﵁ الله عنه -.
أما ما يتعلق بالزيادة من الناحية الفقهية، فيتمثل في مشروعية تثليث مسرح الرأس.
قد أفاض العلامة العيني في هذه المسألة، فأنقل كلامه ملخصًا، ثم نناقشه فيه، قال -﵀-:
"إن قوله (ثم مسح برأسه) يقتضي مرة واحدة، كذا فهمه غير واحد من العلماء، وإليه ذهب أبو حنيفة ومال وأحمد، وقال الشافعي: يستحب التثليث لغيرها من الأعضاء وهو مشهور مذهبه.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: لا نعلم أحدًا من السلف جاء عنه استعمال الثلاث إلا إبراهيم التيمي.
قلت: فيه نظر، لأن ابن أبي شيبة حكى ذلك عن أنس بن مالك، وسعيد بن جبير وعطاء، وزاذان، وميسرة، أنهم كانوا إذا توضؤوا مسحوا رؤوسهم ثلاثًا.
[ ٣٥٦ ]
ووردت أحاديث كثيرة بالمسح ثلاثًا، ففي سنن أبي داود بسند صحيح من حديث عبد الرحمن بن وردان عن حمران، وفيه (مسح رأسه ثلاثًا) .
وفي سنن ابن ماجه ما يدل على أن سائر وضوئه ﵇ كان ثلاثًا، والرأس داخل فيه، وهو بسند صحيح.
وفي علل الترمذي أنه سأل البخاري عن حديث سعيد بن الحارث عن خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت، أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ، فقال هو حديث حسن، وقال أبو عيسى: هو غريب من هذا الوجه.
وفي مسند أحمد بن منيع عمن رأى عثمان - ﵁ - أنه دعا بوضوء وعنده الزبير، وسعد بن أبي وقاص فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: أنشدكما الله أتعلمان أن النبي ﷺ كان يتوضأ كما توضأت؟ قالا: نعم.
وفي سنن أبي داود من حديث علي - ﵁ - رفعه "ومسح برأسه ثلاثًا" وسنده صحيح.
وفي سنن الدارقطني بسند فيه البيلماني، عن عمر - ﵁ - وصف وضوء النبي ﷺ قال: "ومسح برأسه ثلاثًا".
وفي الأوسط للطبراني من حديث أبي رافع مرفوعًا "مسح برأسه وأذنيه وغسل رجليه ثلاثًا" وقال: لا يروي عن أبي رافع إلا بهذا الإسناد، تفرد به الداروردي عن عمر بن أبي عمرو عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي رافع عنه.
وروى الدارقطني في سننه عن محمد بن محمود الواسطي عن شعيب بن أيوب عن أبي يحيى الحماني عن أبي حنيفة عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي﵁ - أنه توضأ وفيه "ومسح برأسه ثلاثًا" ثم قال: هكذا رواه أبو حنيفة عن علقمة بن خالد وخالفه جماعة من الحفاظ الثقات، فرووه عن خالد بن علقمة، فقالوا فيه: ومسح رأسه مرة واحدة، ومع خلافهم إياهم قال: إن السنة في الوضوء مسح الرأس مرة واحدة.
[ ٣٥٧ ]
قلت (القاتل العيني): الزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما من أبي حنيفة، وأما قوله فقد خالف في الحكم المسح فغير صحيح لأن تكرار المسح عنده مسنون أيضًا لكل بماء واحد.
وقد وردت الأحاديث في المسح مرتين: منها ما رواه ابن ماجة بسند لا بأس به عن الربيع "توضأ النبي ﷺ ومسح على رأسه مرتين".
ومنها ما رواه النسائي من حديث عبد الله بن زيد "ومسح برأسه مرتين" وسنده صحيح.
فكل ما أورده العلامة العيني - ﵀ - ليستدل به على مشروعة التثليث لمسح الرأس لا ينهض للاحتجاج وذلك لأن بعض ما أورده صحيح غير صريح والبعض الآخر صريح غير صحيح. أما لصحيح غير الصريح فهي تلك الأحاديث التي تدل على مشروعية التثليث في الوضوء بصفة عامة، وهذا ليس هو محل النزاع إذ أخرج بعضها البخاري ومسلم - في صحيحيهما -.
وأما ما يدل على التثليث في مسح الرأس خاصة فهو صريح غير صحيح، فما رواه أبو داود فقد صرح بأن أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة.
وما رواه الدارقطني في سننه (١) من حديث ابن البيلماني عن أبيه عن عمر أن النبي ﷺ قال: "من توضأ فغسل كفيه ثلاثًا " ثم قال ومسح برأسه ثلاثًا.
فهذا لا يحتج به لحال ابن البيلماني وابيه وإن كان الأب أحسن حالًا.
وأما ما رواه الطبراني في الأوسط، فقد عقبه بقوله: تفرد به الدراوردي أي أنه غريب غير مشهور. وأما حديث علي الذي رواه
_________________
(١) سنن الدارقطني: ج١ ص٩٣ وفي سنده صالح بن عبد الجبار، قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية. لا أعرفه إلا من هذا الحديث، وهو مجهول الحال، ومحمد بن عبد الرحمن البيلماني، قال الترمذي: قال البخاري: منكر الحديث.
[ ٣٥٨ ]
الدارقطني أيضًا في سننه من طريق أبي حنيفة فقد نص الدارقطني على أنه شاذ إذا إن أبا حنيفة خالف جماعة من الحفاظ الثقات.
وأما قول العيني "بأنه زيادة ثقة وزيادة الثقة مقبولة" فهذا الحكم ليس على إطلاقه، بل هو دائر مع القرائن والمرجحات، فإذا ثبت عندنا أن هذا الثقة قد حفظ، ولم يخالفه من هو أوثق وأحفظ وأكثر عددًا منه وغير ذلك من القرائن قبلت زيادته.
وأما ما ورد في بعض الروايات من أنه ﷺ مسح رأسه مرتين (١) فيحمل على أنه رواية بالمعنى، لأنه ورد أنه كان يمسح رأسه بيديه يقبل بهما ويدبر.
قال ابن القيم: "وكان يمسح رأسه كله، وتارة يقبل بيديه ويدبر، وعليه يحمل حديث من قال مسح برأسه مرتين، والصحيح أنه لم يكرر مسح رأسه" (٢) .
مما سبق يتضح لنا عدم مشروعية التثليث لمسح الرأس وهذا ما ذهب إليه البخاري -﵀ - ولم يصحح تلك الزيادة، لأنها ليست لها متابعات ولا شواهد صحيحة.
ولم ينفرد الإمام البخاري بترك هذه الزيادة بل قد شاركه في ذلك مسلم - ﵀ - وأعلها أبو داود والدارقطني وغيرهما.
المثال الثاني:
زيادة "فليرقه" في حديث ولوغ الكلب.
قال البخاري: "حدثني عبد الله بن يوسف عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا" (٣) .
_________________
(١) أخرجه النسائي في سننه، كتاب الطهارة، باب عدد مسح الرأس رقم (٩٩) ج١ ص٧٦.
(٢) زاد المعاد: ج١ ص١٩٣.
(٣) كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغتسل به شعر الإنسان، وسؤر الكلاب وممرهما في المسجد، حديث رقم (١٧٢) ج١ ص٣٣٠.
[ ٣٥٩ ]
وقد روى الإمام مسلم والنسائي هذا الحديث من طريق علي بن حجر السعدي عن علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات".
قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحدًا تابع علي بن مسهر على قوله فليرقه (١) .
يؤخذ من هذه الزيادة أن الماء الذي يلغ فيه الكلب نجس، وأن الغسل لتطهير الإناء لا لمجرد التعبد، ويؤخذ منه نجاسة لعاب الكلب، وهذه الأحكام الفقهية متوقفة على صحة تلك الزيادة.
قد صحح هذه الزيادة بعض الأئمة منهم:
الإمام الدارقطني، فإنه قال بعد أن ساق الحديث بسنده إلى أبي هريرة، قال قال رسول الله ﷺ: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه، وليغسله سبع مرات" صحيح: إسناده صحيح، رواته كلهم ثقات (٢) .
وقد أورده ان خزيمة في صحيحه وكذلك ابن حبان.
وقال العراقي - ﵀ - بعد أن نقل أقوال بعض الأئمة في تعليل زيادة "فليرقه": "قلت وهذا غير قادح فيه فإن زيادة الثقة مقبولة عند العلماء والفقهاء والأصوليين والمحدثين، وعلي بن مسهر قد وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والعجلي، وغيرهم، وهو أحد الحفاظ الذين احتج بهم الشيخان، وما علمت أحدًا تكلم فيه، فلا يضره تفرده به" (٣) .
وقد صحح هذه الزيادة أيضًا الإمام الشوكاني في النيل (٤) .
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب حديث رقم (٨٩) ج١ ص٢٣٤، ورواه النسائي في كتاب الطهارة، باب الأمر بإراقة الإناء إذا ولغ فيه الكلب، حديث رقم (٦٦)، ج١ ص٥٦.
(٢) السنن: ج١ ص٦٤.
(٣) طرح التثريب: ج٢ ص١٢١.
(٤) نيل الأوطار، ج١ ص٣٤.
[ ٣٦٠ ]
وابن دقيق العيد في شرحه على عمدة الأحكام (١) .
ونلاحظ أن هؤلاء الأئمة اعتمدوا في تصحيح هذه الزيادة على ظاهر الإسناد فالراوي المتفرد بها ثقة فتقبل زيادته.
لكن هناك من الأئمة من أشار على عدم صحتها فمن هؤلاء:
- الإمام النسائي، قال: لا أعلم أحدًا تابع علي بن مسهر على زيادة فليرقه (٢) .
- وقال حمزة الكناني: إنها غير محفوظة (٣) .
- وقال ابن منده: لا تعرف عن النبي ﷺ بوجه من الوجوه إلا علي بن مسهر بهذا الإسناد (٤) .
وقال ابن عبد البر: "لم يذكرها الحفاظ من أصحاب الأعمش كأبي معاوية وشعبة" (٥) .
ويعتبر شعبة وسفيان وأبو معاوية من أثبت الناس في حديث الأعمش (٦) وهؤلاء لم يذكروا هذه اللفظة.
وعلي بن مسهر ثقة حافظ خلط في آخر عمره.
وقد ذكره الحافظ ابن رجب في أمثلة الثقات الذين ضعف حديثهم في بعض الأوقات دون بعض، وهم الثقات الذين خلطوا في آخر عمرهم.
وقال فيه:وعلي بن مسهر له مفاريد، ومنها في حديث: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليرقه" وقد خرجه مسلم.
_________________
(١) إحكام الأحكام: ج١ ص٣٠.
(٢) سنن النسائي: ج١ ص٥٦.
(٣) الفتح: ج١ ص٣٣٠، والتلخيص الحبير: ج١ ص٢٥.
(٤) المصدر نفسه.
(٥) الفتح: ج١ ص٣٣٠.
(٦) انظر شرح العلل ص٢٩٥.
[ ٣٦١ ]
وذكر الأثرم أيضًا عن أحمد أنه أنكر حديثًا، فقيل له: رواه علي بن مسهر، فقال: إن علي بن مسهر، كانت كتبه قد ذهبت فكتب بعد، فإذا روى هذا غيره، وإلا فليس بشيء يعتمد" (١) .
فهذه القرائن تدل على أن علي بن مسهر وهم في هذه الزيادة.
أما بالنسبة لمشروعية الإراقة، فلا يصح الاعتماد على هذه الزيادة، لكن (قد ورد الأمر بالإراقة من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا، أخرجه ابن عدي مرفوعًا، لكن في رفعه نظر، والصحيح أنه موقوف وكذا ذكر الإراقة ماد، زيد عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا وإسناده صحيح أخرجه الدارقطني وغيره) .
إذن الصواب أن الأمر بالإراقة موقوف على أبي هريرة، ويمكن أن يكون ابن مسهر قد أدخل الموقف في المرفوع.
أما بالنسبة للإمام البخاري فإنه ترك هذه الزيادة رغم إخراجه لأصل الحديث، مما يدل على أنها غير ثابتة عنده، وقد ترجم بما يدل على ذلك "باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، وسؤر الكلاب وممرهما في المسجد" ومن خلال ما أورده في هذا الباب من أحاديث وآثار يبين أنه يذهب إلى طهارة الكلب، وطهارة سؤره.
وفي نهاية هذا المبحث نلخص إلى النتيجة التالية:
إن زيادة الثقة ليست مقبولة دائمًا عند الإمام البخاري، وليست مردودة دائمًا، وإنما يكون القبول والرد بناء على القرائن.
والغالب على أكثر الزيادات التي تتعلق بها مسائل فقهية مهمة، ولم يخرجها الشيخان، مع تخريجهما لأصل الحديث، أن تكون شاذة أو منكرة.
[ ٣٦٢ ]