يقول الجمهوريون بمرحلية السُنَّةِ النبوية عمومًا فَسُنَّةُ النَّبِيِّ - ﷺ - - عندهم - يجب اتباعها في مرحلة التقليد، فهي نقطة الانطلاق إلى سُنَّةِ اللهِ، فَسُنَّةُ النَّبِيِّ هي الحق الساعي لطلب الله - ﷾ - بعد أن تسلك النفس الطريق من نقطة انطلاقها متمسكة بِالسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ - عند الجمهوريين - هي القاعدة التي جاءت من الله لتوصل العبد إلى سدرة منتهاه، حيث يجب على النَّبِيِّ عند - الجمهوريين - في تلك اللحظة أن يبتعد، ويخرج نفسه من بين العبد وربه، وعندها تكتمل عبودية الرَّسُولِ - ﷺ -، ولا تكون له رائحة ربوبية على الواصل وعندها يصل السالك إلى سُنَّةِ اللهِ، وتصبح السُنَّةُ النَّبَوِيَّةُ مرحلة قد قطعها الواصل إلى الله.
ولا يكتفي الجمهوريون بالقول بمرحلية السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، بل يذهبون إلى القول بأن هناك عددًا من الأحاديث يجب عدم اتباعها حتى في مرحلة التقليد عندهم.
وهذه الأحاديث بصفة عامة هي الأحاديث التي قالوا عنها أنها ليست من سُنَّةِ النَّبِيِّ - ﷺ - في خاصة نفسه.
[ ٤٨ ]
أَمْثِلَةٌ مِنَ الأَحَادِيثِ التِي يَقُولُ الجُمْهُورِيُّونَ بِمَرْحَلِيَّتِهَا:
من الأحاديث التي يوصي الجمهوريون أتباعهم بعدم اتباعها حتى مرحلة التقليد - التي يقولون بها -:
[أ] جميع الأحاديث في كتب الصحاح عن الزكاة ذات المقادير، وتفصيل مقاديرها والأموال التي تجب فيها، ونصاب هذه الأموال، وزمن وجوبها (١).
[ب] جميع الأحاديث التي تتحدث عن الميراث وتقسيمه،
[المثال الأول: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»]:
ومن أمثلة الأحاديث التي قال الجمهوريون بمرحليتها حديث رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» (٢).
ويذكر الجمهوريون هذا الحديث بلفظ: «مَا أَفْلَحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةٌ» (*).
وقالوا عنه في كتيباتهم المختلفة أنه حديث مرحلي، على المسلمين العمل به قبل مجيء أمة الجمهوريين، لأنه تابع لآية القوامة المعمول بها في الشريعة الإسلامية، التي تمنع المرأة من أن تَلِي أمر الرجال، وتجعل الرجل قَيِّمًا على المرأة. أما الشريعة الجمهورية فلا مكان فيها لهذا الحديث، فقد انتهى زمن العمل به لأن الدعوة الجمهورية تقول بمرحلية آية القوامة (٣).
_________________
(١) انظر الأحاديث الواردة في كتب الصحاح، واقرأ شرحها في كتاب " نيل الأوطار " للشوكاني (المتوفى سَنَة ١٢٥٠ هـ).
(٢) " صحيح البخاري " بشرح فتح الباري - كتاب المغازي - بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ، ٨/ ١٢٦، حديث رقم ٢٢٦٢. و" سنن النسائي " - كتاب آداب القضاء - باب النهي عن استعمال النساء في الحكم: ٨/ ٢٢٧.
(٣) الإخوان الجمهوريون: " هذا المؤتمر العالمي للدعوة الإسلامية إلى ماذا يدعو العالم؟ "، ط ١، مارس ١٩٨١ م، ص ١٠. الإخوان الجمهوريون: " مفارقة الإخوان المسلمين للشريعة والدين ": ط ٣، ١٩٨٢ م، ص ٢٢. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) رواية أحمد قريبة من هذه الصغية: «مَا أَفْلَحَ قَوْمٌ يَلِي أَمْرَهُمْ امْرَأَةٌ»، انظر: " المسند ": أحمد بن حنبل، تحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط، عادل مرشد وآخرون، ٣٤/ ١٤٤، حديث رقم ٢٠٥٠٨، الطبعة الأولى: ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م، نشر مؤسسة الرسالة.
[ ٤٩ ]
ومما لا شك فيه أن حديث الجمهوريين عن مرحلية هذا الحديث وغيره هو امتداد لقولهم بمرحلية الشريعة، وهذا الحديث حديث صحيح والأمر فيه واضح وصريح مهما حاول الجمهوريون ألا يذكروه باللفظ المعروف حتى لا يكون فيه التحريم قاطعًا، فلقد نفى الرَّسُولُ - ﷺ - الفلاح عمن يرضون بحكم المرأة بهذا الحديث، الذي قاله - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَلاَةِ وَالسَّلاَمُ - عندما سمع أن بوران بنت كسرى قد تولت الحكم بعد أبيها، والنفي في هذا الحديث وارد بكلمة لن، مما يؤكد أن هذا التحريم تحريم قاطع وأن هذا النفي نفي جازم فلن من صِيَغِ النفي التأبيدي (١).
[المثال الثاني: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»]:
«مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»، قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟» قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا» (٢).
ذكر الجمهوريون في كتيبهم " المرأة والتدين " (٣) أن المرأة كانت ناقصة عقل ودين في الماضي، إلا أنها الآن في طريقها لتصبح مكتملة العقل والدين، فالسبب في نقصان عقلها ودينها في الماضي
_________________
(١) انظر الحديث عن هذا الحديث في هامش كتاب " حكم الإسلام في الاشتراكية ": ص ٤٥.
(٢) " صحيح البخاري "، الجزء الأول، - كتاب الحيض -: ص ٨٣.
(٣) " المرأة والتدين "، ط ١، رمضان، ١٣٩٥ هـ. وانظر أيضًا كتيب " محمود يخاطب النساء في حقوقهن ".
[ ٥٠ ]
هو قلة تجاربها في الحياة، وترجع قلة تجاربها - عند الجمهوريين - لحبس الرجل لها في البيت خوفًا على عِفَّتِهَا ولغيرته الشديدة عليها، كما أن الرجل كان المسيطر والقَيِّمُ على البيت، فالمرأة في الماضي كانت مملوكة ومحبوبة، أما الآن فقد زعم الجمهوريون أنه جاء زمن الحرية وتطورت المرأة وتطور عقلها بخروجها من المنزل واتجاهها للعمل والتعليم (١).
ويرى الجمهوريون أن المرأة الآن في سبيلها للخلاص النهائي من نقصان عقلها ودينها، ولن يكون لها تمام كمال ذلك إلا باتباع عقيدتهم.
وهذا الحديث في رأي الجمهوريين حديث مرحلي انتهى العمل به.
والحديث الذي تحدث عنه الجمهوريون وقالوا بمرحليته حديث ثابت في كتب السنن إلا أن الجمهوريين لا يذكرونه كاملًا بل يكتفون بالجزء الأول منه، لأن باقي الحديث يفسر نقصان عقل المرأة ودينها.
وما ذكره الجمهوريون عن مرحلية حديث رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عن نقصان عقل المرأة ودينها هو ترديد لشبهة أثارها المغرضون من
_________________
(١) اتجاه المرأة للتعليم ليس بجديد، بل يجب أن تتعلم المرأة، فالمرأة محتاجة إلى التعليم لأنها مُرَبِّيَةُ أجيال، ولقد اتجه جهد العلماء المسلمين إلى تعليمها منذ قديم الزمان، فابن الجوزي قد صنف كتابًا يتعلق بأحكام النساء بَيَّنَ لهن فيه أمور دينهن، ولا شك أن الفائدة التي تجدها المرأة في كتاب " أحكام النساء " للحافظ عبد الرحمن بن الجوزي، الفقيه الحنبلي، المُتَوَفَّى سَنَةَ ٥٩٧ هـ تفوق بملايين المرات الفائدة التي تجدها المرأة في كتيب مبلبل للأفكار كتب باللغة الدارجة ككتيب " المرأة والتدين ".
[ ٥١ ]
المستشرقين وأتباعهم من أبناء المسلمين الجاهلين بدينهم (١).
ولم يكتب الجمهوريون بترديد شبهة أعداء الإسلام، بل أضافوا إلى ذلك القول بمرحلية الحديث تمشيًا مع عقيدتهم القائلة بمرحلية الشريعة الإسلامية. والسبب الذي جعل الجمهوريين يقولون بمرحلية هذا الحديث - على حسب ما اعتقد - هو اتجاههم في عقيدتهم لمساواة المرأة والرجل المساواة التامة في الشهادة والقوامة والميرات وغير ذلك.
[ ٥٢ ]