العامَّةِ جَمْعٌ كثيرٌ جَمَعَهُمْ بعضُ الحُفّاظِ في كتابٍ ورتَّبَهم على حروفِ المعجمِ لكَثْرَتِهم، وكُلُّ ذلك كما قالَ ابنُ الصلاحِ تَوسُّعٌ غيرُ مَرْضِيٍّ، لأنّ الإجازةَ الخاصةَ المعيَّنة مُخْتَلَفٌ في صِحَّتها اختلافًا قويًّا عند القُدَماء، وإنْ كانَ العملُ استقرَّ على اعتبارِها عندَ المتأخِّرين فهي دُونَ السماعِ بالاتفاقِ، فكيف إذا حَصَلَ فيها الاسترسالُ المذكورُ؟ فإنها تزدادُ ضعْفًا، لكنَّها في الجُملةِ خيرٌ من إيرادِ الحديثِ مُعْضَلًا. والله تعالى أَعْلَمُ.
وإلى هنا انتهى الكلامُ في أقسام صِيَغِ الأدَاءِ.
ثم الرُّواةُ إنِ اتفقَتْ أسماؤُهُم وأسماءُ آبائِهم فَصَاعِدًا واختلَفَتْ أشخاصُهُم سَوَاءٌ اتَّفَقَ في ذلك اثنانِ منهم أو أكثرُ، وكذلك إذا اتفَق اثنانِ فصاعدًا في الكُنْيَةِ والنِّسْبَةِ فهو النَّوعُ الذي يُقَالُ له المُتَّفِقُ والمُفْتَرِق (^١).
وفائدةُ معرفتِه خَشْيَةُ أنْ يُظَنَّ الشخصانِ شخصًا واحدًا، وقد صنَّفَ فيه الخطيبُ كتابًا حافِلًا، وقد لَخَّصْتُه وزِدْتُ عليه شيئًا كثيرًا.
وهذا عَكْسُ ما تقدَّم (^٢) من النوع المُسَمَّى بالمُهْمَلِ لأنه يُخْشَى منه أن يُظَنَّ الواحدُ اثنَيْن، وهذا يُخْشَى منه أنْ يُظَنَّ الاثنانِ واحِدًا.
وإنِ اتفقَتِ الأسماءُ خَطًّا واختلفَتْ نُطْقًا سَوَاءٌ كان مرجعُ
_________________
(١) المُتَّفِقُ والمُفْتَرق: هو أنْ يتَّفِقَ اسمُ الراوي مع اسمِ غيره لفظًا وخطًّا. وهو أقسامٌ منها:
(٢) مَنِ اتفقَتْ أسماؤهم وأسماءُ آبائهم، مِثلُ: محمدِ بنِ عُبَيدٍ، في رجالِ الستةِ عَشَرة اسمُهمِ "محمدُ بن عبيد".
(٣) مَنِ اتفقَتْ كُنيتهُم ونسبتهُم معًا، مثالُه: أبو عِمْرانَ الجَوْني، اثنانِ: عبدُ الملك بن حبيب، وموسى بن سَهْل. وسَبَقَ أنْ ذَكرَ المصنِّفُ هذا النوعَ ص ١٢٠، وبيَّن طُرُقَ حَلِّ إشكالِه، وتأتي فُروعٌ له مهمة، فانظُرْها.
(٤) ص ١٢١ و١٢٠ تعليقًا حاشية (٥) منها.
[ ١٢٩ ]
الاختلاف النَّقْطَ أم الشكلَ فهو المُؤتَلِفُ والمُخْتَلِف (^١).
ومَعْرِفتهُ مِنْ مُهِمَّاتِ هذا الفنِّ حتى قال عليُّ بنُ المَدِيني: أشدُّ التصحيفِ ما يقعُ في الأسماءِ، ووجَّهَهُ بعضُهم بأنه شيءٌ لا يدخُلُه القياسُ، ولا قَبْلَه شيءٌ يدُلُّ عليه ولا بَعْدَه، وقد صنَّفَ فيه أبو أحمدَ العسكريُّ لكنَّه أضافَه إلى كتابِ التصحيفِ له، ثُمَّ أفردَهُ بالتأليف عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدٍ فَجَمَعَ فيه كِتَابَيْنِ: كتابٌ في مُشْتَبِهِ الأسماءِ، وكتابٌ في مُشْتَبِهِ النِّسْبَةِ، وجمَعَ شيخهُ الدارقطنيُّ في ذلك كتابًا حافلًا ثم جَمَعَ الخطيبُ ذَيلًا.
ثم جَمَعَ الجميعَ أبو نصر بنُ (^٢) ماكولا في كتابه "الإكمال"، واستدركَ عليهم في كتاب آخر جَمَعَ فيه أوهامَهم وبَيَّنها، وكتابُه مِنْ أجْمَعِ ما جُمِعَ في ذلك، وهو عُمْدَةُ كُلِّ مُحَدِّثٍ بعدَه، وقد استدركَ عليه أبو بكر بنُ نُقْطَةَ ما فاتَه أو تجدَّدَ بعدَه في مُجلَّدٍ ضَخْمٍ، ثم ذَيَّلَ عليه منصورُ بن سَليم -بفتح السين (^٣) - في مُجلَّدٍ لطيف، وكذلك أبو حامد بنُ الصابوني (^٤).
وجمَعَ الذهبي (^٥) في ذلك كتابًا مُختصَرًا جِدًّا اعتمدَ فيه على الضَّبْطِ
_________________
(١) المُؤتلِفُ والمُخْتلِفُ: هو ما تتّفِقُ في الخطِّ صُورَتُه، وتختَلفُ في النُّطْقِ صِيغَتُه. مِثالُه: حِزام وحَرَام. يَزيد وتزيد وبَرِيد وبُرَيْد.
(٢) عليُّ بن هبةِ الله المعروف بابنِ ماكولا، سَمِعَ الحديثَ الكثيرَ، وكان نَحويًّا وشاعرًا مجيدًا وأميرًا، قُتِل سنة (٤٧٥) وقيل بعدها. من كتبه: الإكمالُ في رَفْعِ الارتياب عن المُتشَابِه من الأسماء والكُنَى والأنسابِ. مرجعٌ مهم في بابه، خُلِّدَ به مؤلِّفُه وشُهِر (ط).
(٣) منصور بن سَليم الهَمْدَاني الإسكندراني، حافِظٌ مؤرِّخٌ (ت ٦٧٧) من كتبه: الذَّيْلُ على تذييل ابنِ نُقْطَةَ على الإكمال.
(٤) محمد بن علي بن محمود جمالُ الدين أبو حامد ابن الصابوني، وُلِدَ (٦٠٤)، وكتبَ الحديثَ ببلاد الشامِ ومِصْرَ والحجاز. وهو مُحَدِّثٌ مشهورٌ حافِظٌ، (ت ٦٨٠). له مُجلَّدٌ في المُؤتَلِفِ والمُخْتَلِف ذَيَّلَ به على ابنِ نُقْطَةَ.
(٥) محمد بن أحمدَ بن عثمان أبو عبد الله شمسُ الدين الذهبي، الدمشقي، ولد (٦٧٣) ورحل إلى مختلَفِ البلدان، وأَخَذَ عَنْ أَزْيَد مِنْ ألفٍ ومئتي نَفْسٍ بالسَّماعِ =
[ ١٣٠ ]