كالمُبْهَم إِلَّا أنْ يُوثِّقَه غَيْرُ مَنْ يَنْفرِدُ به عنه على الأصحّ، وكذا مَنْ ينفردُ عنه إذا كان متأهِّلًا لذلك.
أو إِنْ روى عنه اثنانِ فصاعدًا ولم يُوَثَّقْ فهو مجهولُ الحال، وهو المَستُور (^١).
وقَدْ قَبِلَ روايتَه جماعةٌ بغَيْرِ قَيْدٍ، ورَدَّها الجمهورُ. والتحقيقُ أَنَّ رِوايةَ المستور ونحوه مِمَّا فيه الاحتمالُ؛ لا يُطلَقُ القولُ بِرَدِّها ولا بِقَبولها، بَلْ يُقالُ: هي موقوفةٌ إلى اسْتِبانَةِ حَالهِ، كما جَزمَ به إمامُ الحَرَمَيْنِ، ونحوُهُ قولُ ابنِ الصَّلاحِ فيمَنْ جُرِحَ بَجَرْحٍ غَيْرِ مُفَسَّرٍ (^٢).
ثُمَّ البِدْعَةُ: وهي السببُ التاسِعُ من أسباب الطَّعْنِ في الراوي: وهي إمَّا أنْ تكونَ بِمُكَفِّرٍ كأنْ يعتقدَ ما يستَلْزِمُ الكُفْرَ (^٣)، أو بِمُفَسِّقٍ.
_________________
(١) = مجهولِ الحالِ، أو المَستُور.
(٢) وهو مَن روى عنه اثنان فصاعِدًا ولم يُوَثَّقْ ولم يُجْرَح. واختار المصنِّفُ في حُكْمِ رواية المستور أنَّ فيها الاحتمالَ: "هي موقوفةٌ إلى استِبانَةِ حالِه". قال: "وقد قَبِلَ روايتَه جماعةٌ بغَيْر قَيْدٍ". ونقلَه ابنُ الصلاح: ١١٢ عن بعض الشافعية. قال: "ويُشبِهُ أنْ يكونَ العملُ على هذا الرأي في كثير من كُتُب الحديث المشهورة في غيرِ واحدٍ من الرُّواة الذين تقادَمَ العَهْدُ بهم وتعذَّرتْ الخِبرةُ الباطنة بهم". وممَّنْ قَبِلَ روايةَ المستور الإمامُ أبو حنيفة، وهو تابعي متأخِّر، عاش في عصر أَتباع التابعين، فقَبِلَ روايةَ من لم يَظْهرْ فيه جَرْحٌ، لأنَّ غالِبَ الحالِ في عصرهِ العدالةُ، للحديث المتواتِر: "خيرُ الناسِ قَرْني ثُمَّ الذين يَلُونَهم ثم الذين يلونهم". فمَنْ كان مِنْ هذه الطبقاتِ يُقبَلُ، وغيرهم لا يُقبَلُ إلَّا بِتَوثيق. وتوسع في هذا ابنُ حِبَّان فَقَبِلَ روايةَ المجهول إذا وقَعَ في الإسناد بين ثِقَتينِ، ولم يكنِ الحديث مُنْكَرًا.
(٣) الجَرْحُ غَيْرُ المُفَسَّرِ وهو الجَرْحُ المبهَم أيضًا، هو الجَرْح الذي لم يُذْكَرْ سبَبهُ. ومذهبُ ابن الصلاح أنه لا يَثْبُتُ به الجَرْح، لكنّه يُوقِعُ رِيبةً يُوجِبُ مِثلُها التوقفَ، وجرى على ذلك طائفةٌ من المُحَقِّقِين، ورأى بعضُهم أنه يُعْمَلُ بالجَرْح غيرِ المُفَسَّر. والفريقان مُتَّفِقَان على عدمِ الاحتجاج بخبره، لكنه عندَ ابنِ الصلاحِ لأنه لم يَثْبُتْ تعديلُه، وعند مُخالِفيه لكَوْنِه ثابِتَ الجَرْحِ. فتنبَّه ولا تَغْلَطْ كما غَلِطَ من ظَنَّ أنه على قولِ ابنِ الصلاح تتعطَّلُ فائدةُ الجَرْح المُجْمَل؟!!.
(٤) مِثْلُ اعتقادِ حُلولِ الله تعالى في شيءٍ مِنْ خَلْقه أو اعتقادِ الجِسْمِيّة، فقد أجمعوا=
[ ١٠٢ ]
فالأولُ: لا يَقْبَلُ صاحبَها الجمهورُ، وقيل: يُقْبَل مُطْلَقًا، وقيل: إِنْ كانَ لا يعتقِدُ حِلَّ الكَذِبِ لِنُصْرَةِ مَقَالَتِهِ قُبِل.
والتحقيقُ أنَّه لا يُرَدُّ كلُّ مُكَفَّر ببدعةٍ لأنَّ كُلَّ طائفةٍ تدَّعي أنَّ مُخالِفِيها مُبْتَدِعةٌ، وقد تُبالِغُ فَتُكَفِّرُ مُخَالِفَها، فلو أُخِذَ ذلكَ على الإطلاقِ لاستَلْزَمَ تكفيرَ جميعِ الطوائفِ، فالمُعْتَمَدُ أنَّ الذي تُرَدُّ روايتهُ مَنْ أَنْكَر أمرًا متواتِرًا من الشَّرْع معلومًا من الدِّين بالضرورة، وكذا مَنِ اعتقدَ عكسَه، فأمّا مَنْ لم يَكُنْ بهذه الصفة وانضمَّ إلى ذلك ضَبْطُه لِمَا يَرْويه مع وَرَعهِ وتَقْوَاهُ فلا مانِعَ مِنْ قَبولِهِ (^١).
والثاني: وهو مَنْ لا تقتضي بِدْعَتُهُ التكفيرَ أصلًا، وقد اختُلِف أيضًا في قَبولِهِ ورَدِّه: فقيل: يُرَدُّ مُطْلَقًا. وهو بعيدٌ، وأكثرُ ما عُلِّلَ به أنَّ في الرِّواية عنه تَرويجًا لأمْرِه وتنويهًا بذِكْرِه، وعلى هذا فينبغي ألَّا يُرْوَى عن مُبْتَدِعٍ شيءٌ يُشارِكُه فيه غيرُ مُبْتَدِع، وقيل: يُقْبَلُ مُطْلَقًا (^٢) إلا إنِ اعتَقَدَ حِلَّ الكذب كما تقدَّم، وقيل: يقبل من لم يكن داعية إلى بدعته، لأن تزيينَ بدعته قد يَحمِلُه على تحريف الرِّواياتِ وتَسْويتِها على ما يقتضيه مذهبُه، وهذا في الأصحِّ.
وأغربَ ابنُ حِبَّان فادَّعى الاتفاقَ على قَبولِ غيرِ الدَّاعِيَةِ مِنْ غَيْرِ
_________________
(١) = على تكفير المُجَسِّمَة. أو اعتقادِ أنَّ القرآنَ زِيْدَ فيه أو نُقِصَ منه عياذًا بالله تعالى.
(٢) أي بشرط ألَّا يكونَ داعِيةً لِبدْعَتهِ، وألَّا يكونَ المَرْوِيُّ مُوَافِقًا لِبدْعَتِه. كما سيأتي في القِسْم الثاني وفيه خِلافٌ.
(٣) أي سواءٌ كان داعيةً إلى بِدْعَتهِ أو غيرَ داعيةٍ، بشَرْطِ ألَّا يَسْتَحِلَّ الكَذِبَ لتأييد مذهبه. وعلى هذا كثيرٌ مِنْ أهلِ الحديث والفِقْه، لكنَّ مذهبَ الجمهور أَحْوَطُ. وإنْ كان لأئمَّةِ الحديثِ نَظْرَةٌ خاصَّةٌ في بعضِ المُبتَدِعة، فقَبلُوا رِوايتَهم ولو كانوا دُعاةً، وذلك لِلخبْرَةِ الخاصّة بهذا الشخص، مِثْلُ الخوراجِ، فقد كانوا في غايةِ الصِّدقِ، وقُدَماءُ المُحَدِّثين عاصروا الرُّواةَ وخَبَرُوا أحوالَهم، وبذلك يُخَرَّجُ رِوايةُ الشيخين لبعض الدُّعاةِ.
[ ١٠٣ ]