ويُعْرَفُ عدمُ المُلاقاة بإخباره عن نفسه بذلك، أو بِجَزْمِ إمامٍ مُطَّلِع.
ولا يكفي أن يقعَ في بعض الطُّرق زيادةُ راوٍ بينهما لاحتمال أن يكونَ من المَزِيد (^١). ولا يُحكَمُ في هذه الصورة بحُكْمٍ كُلِّيٍّ لِتعارُضِ احتمالِ الاتصالِ والانقطاع. وقد صنَّفَ فيه الخطيبُ كتابَ "التفصيل لِمُبْهَمِ المراسيل"، وكتابَ "المَزِيد في مُتَّصِل الأسانيد".
وانتهَتْ هنا أقسامُ حُكْمِ الساقِطِ من الإسناد.
ثُمَّ الطَّعْنُ (^٢) يكون بِعَشَرَةِ أشياءَ بعضُها أشدُّ في القَدْحِ من بعض: خمسةٌ منها تتعلقُ بالعدالة، وخمسةٌ تتعلَّقُ بالضَّبْط (^٣). ولم يَحْصُلِ
_________________
(١) أي المزيد في مُتَّصِل الأسانيد. وهو أنْ يزيدَ راوٍ في الإسناد المتصل رجلًا لم يذكرْهُ غيرهُ مِثْل: الزُّهريّ عن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سَبْرَة عن أبيه "أن النبي -ﷺ- نهى عن المُتعة يومَ الفتح". زاد الراوي عن الزهري عمرَ بن عبد العزيز في السند. وهو خطأ، والسَّنَدُ متصل بدونه. انظر تحريره في منهج النقد: ٣٦٤ - ٣٦٥. وانظر ما يأتي ص ٩٥.
(٢) قوله: "ثم الطعن" رجوع إلى قوله "وموجِب الردِّ إما أن يكون لسقط من إسناد أو طعن في راو. . . فالسقط إما. . .". ص ٨٠. فعطف قوله "ثم الطعن" على قوله "فالسقط".
(٣) هذا إحصاء مهم ودقيق لأسباب الطعن في الرواة، بنى عليه بعضُ الباحثين أسبابَ ضَعْف الحديث كما بنى على حَصْر أقسامِ السقط. وحاصلُ الإحصاءِ أن أسباب الطعن عَشَرة: خمسةٌ منها تتعلق بالعدالة، وخمسة تتعلق بالضبط. أمّا أقسام الطعن في العدالة فهي: الكَذِب، والاتهام بالكذب، والفِسق، والبِدعة، والجَهالة. وأمّا أقسام الطعن في الضبط فهي: فُحْشُ الغَلَط، والغَفْلة، والوَهَم، والمُخالفَة للثقات، وسوءُ الحِفْظ. ولم يُرتِّبْها حَسَبَ هذا التقسيم، بل جَعَلها تتداخل لِغَرَض علمي مهم هو التدرجُ بالنزول من الأشدِّ إلى ما دونه، وهذا مرادُه من قوله: "الأشدّ فالأشد على سبيل التدلّي" فتنبّه. ولذلك ذَكَرَ فُحْشَ الغَلَطِ بَعْدَ الاتهام بالكَذِب لأنّ فُحْشَ الغَلَط طَعْنٌ شديد في الراوي كالاتهام بالكَذِب. انظر شرح علل الترمذي: ١: ٣٨٧ والإمام الترمذي: ١٥٣.
[ ٨٧ ]
الاعتناءُ بتمييز أحدِ القِسْمين من الآخر لمصلحةٍ اقتضَتْ ذلك، وهي ترتيبُها على الأشدِّ فالأشدِّ في مُوجِبِ الرَّدِّ على سبيل التَّدَلِّي، لأنَّ الطعنَ إمّا أنْ يكونَ:
- لِكَذِبِ الراوي في الحديث النبوي: بأنْ يرويَ عنه -ﷺ- ما لم يَقُلْه مُتعمِّدًا لذلك.
- أو تُهْمَتِه بذلك: بألَّا يُرْوَى ذلك الحديثُ إلّا مِنْ جهتهِ ويكونَ مُخالِفًا للقواعدِ المعلومة، وكذا مَن عُرِفَ بالكذب في كلامه وإنْ لم يظهرْ منه وقوعُ ذلك في الحديث النبوي، وهذا دونَ الأول.
- أو فُحْشِ غَلَطِه: أيْ كَثْرَتهِ.
- أو غَفْلته عن الإتقان.
- أو فِسْقِهِ: أي بالفِعْل والقول (^١) ممّا لم يَبْلُغِ الكُفْرَ، وبينَه وبينَ الأول عمومٌ، وإنما أُفْرِدَ الأولُ (^٢) لِكَوْنِ القَدْحِ به أَشَدَّ في هذا الفَنِّ، وأمّا الفِسْقُ بالمُعْتَقَدِ فسيأتي بيانهُ.
- أو وَهَمِهِ: بأنْ يرويَ على سبيل التوهُّم.
- أو مُخَالفَتِه: أي للثقات.
- أو جَهَالَتهِ: بألَّا يُعْرَفَ فيه تعديلٌ ولا تجريح معيَّن.
- أو بدعته: وهي اعتقادُ ما أُحدث على خِلافِ المعروف عن النبيّ -ﷺ- لا بمعاندةٍ بل بِنَوعِ شُبْهَةٍ (^٣).
_________________
(١) كذا في أصلنا، وفي غيره "أو القول"، وهو أنسب بالمعنى المراد.
(٢) أي أَفرد الكَذِب عن الفِسْق وجَعَلَه أولَ أسباب الطعن. لكونه أشدَّ قَدْحًا. وقولُه "أمَّا الفِسْقُ بالمُعتقَد. . ." جوابٌ لسؤال محذوفٍ تقديره: فإن قيل لماذا لم تُدْخِلْ فيه فِسقَ المعْتَقد وهو الخطأ الاعتقادي الذي لا يكفر صاحبه؟ فأجاب فقال: سيأتي بيانُه أي قبل الأخير وهو الطعن بالبدعة. ص ١٠٢.
(٣) أي دليلٍ قد يحسِبُه المُبتدِعُ قويًّا أو صحيحًا وهو ليس كذلك، كقول المُعتزِلة: "يجب على الله فِعْلُ الأصلح" خَلَطوا بين كونه رؤوفًا رحيمًا بخَلْقه وبين الوُجوب.
[ ٨٨ ]