المذكورَيْن، ودَلَّ ذلك على أنَّ الحديثَ محفوظٌ، فارتقى من درجة التوقُّفِ إلى درجة القَبول. ومع ارتقائه إلى درجة القَبولِ فهو مُنْحَطٌّ عن رُتْبَةِ الحَسَنِ لِذَاتِه، ورُبَّما توقَّفَ بعضُهم عن إطلاقِ اسمِ الحَسَنِ عليه.
وقدِ انْقَضى ما يتعلَّقُ بالمَتْنِ مِنْ حيثُ القَبولُ والرَّدُّ.
ثُمَّ الإسنادُ وهو الطريقُ المُوصِلَةُ إلى المَتْنِ.
والمَتْنُ: هو غايةُ ما ينتهي إليه الإسنادُ مِنَ الكَلام.
وهو إمَّا أن ينتهيَ إلى النبىّ -ﷺ- ويقتضى لفظُه -إمّا تصريحًا أو حُكمًا- أنَّ المنقولَ بذلك الإسناد من قوله -ﷺ- أو من فعله أو من تقريره.
مثالُ المرفوعِ من القَوْل تصريحًا: أن يقولَ الصحابيُّ: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول كذا، أو: حدَّثَنا رسولُ الله -ﷺ- بكذا، أو يقولَ هو أو غيرُه: قال رسول الله -ﷺ- كذا، أو: عن رسول الله -ﷺ- أنه قال كذا، ونحوَ ذلك.
ومثالُ المرفوعِ من الفعل تصريحًا: أنْ يقولَ الصحابيُّ: رأيتُ رسولَ الله -ﷺ- فَعَلَ كذا، أو يقولَ هو أو غيرهُ: كان رسولُ الله -ﷺ- يفعلُ كذا.
ومثالُ المرفوعِ من التقرير تصريحًا: أنْ يقولَ الصحابيُّ فَعَلْتُ بحَضْرةِ النبيِّ -ﷺ- كذا، أو يقولَ هو أو غيرُه: فَعَلَ فلانٌ بحَضْرة النبيِّ -ﷺ- كذا، ولا يَذْكُرَ إنكارَهُ لذلك.
ومثالُ المرفوع مِنَ القَوْل حُكمًا لا تصريحًا: ما يقولُ الصحابيُّ -الذي لم يَأخذْ عن الإسرائيلياتِ (^١) - ما لا مجالَ للاجتهاد فيه (^٢)، ولا لَهُ تَعَلُّقٌ
_________________
(١) الإسرائيليات: هي اللَّوْن اليهوديّ والنصرانيّ من الثقافة والأخبار.
(٢) قوله "ما لا مجالَ للاجتهادِ فيه" مفعولٌ لقوله: "ما يقول الصحابي" وما بينهما مُعترض. والذي لا مجالَ لاجتهادٍ فيه فسَّرَهُ المصنِّفُ بقوله: "كالإخبار عن الأمور الماضية. . ." فكلُّ ما ذكره لا مجالَ للاجتهادِ فيه.
[ ١٠٦ ]
ببيانِ لُغَةٍ أو شرحٍ غريبٍ، كالإخبار عن الأمور الماضية من بَدْءِ الخَلْقِ وأخبارِ الأنبياء، أو الآتيةِ كالملاحِمِ والفِتَنِ (^١) وأحوالِ يومِ القِيامة، وكذا الإخبارِ عمَّا يَحْصُلُ بفعله ثوابٌ مخصوصٌ أو عِقَابٌ مخصوص.
وإنما كان له حُكْمُ المرفوع، لأنَّ إِخبارَه بذلك يقتضي مُخْبِرًا له، وما لا مَجَالَ للاجتهاد فيه يقتضي مُوَقِّفًا (^٢) للقائِل به، ولا مُوَقِّفَ للصحابة إلَّا النبيُّ -ﷺ- أو بعضُ مَنْ يُخبِرُ عن الكُتُب القديمة، فلِهذا وَقَعَ الاحترازُ عنِ القِسْم الثاني (^٣).
فإذا كان كذلك فَلَهُ حُكْمُ ما لو قال: قال رسول الله -ﷺ-، فهو مرفوعٌ سَوَاءٌ كان مِمَّا سَمِعَه منه أو عنه بواسطة.
ومثالُ المرفوعِ من الفِعْل حُكْمًا: أنْ يفعلَ (^٤) ما لا مجالَ للاجتهاد فيه، فَيُنَزَّلُ على أنَّ ذلك عندَه عن النبي -ﷺ-، كما قال الشافعيُّ في صلاة عليٍّ في الكُسُوف في كُلِّ رَكْعَةٍ أكثرُ من رُكُوعَيْن (^٥).
ومثالُ المرفوعِ من التقرير حُكمًا: أنْ يُخبِرَ الصحابيُّ أنهم كانوا يفعلون في زمان النبي -ﷺ- كذا (^٦)، فإنه يكونُ له حُكْمُ الرَّفْع مِنْ جِهَةِ أنَّ الظاهِرَ اطِّلاعُه -ﷺ- على ذلك لِتَوفُّرِ دَوَاعِيهم على سؤاله عن أمُورِ دينهم،
_________________
(١) الملاحم: الحُروب الهائلة في آخر الزمان. والفِتَن: الشدائدُ التي تنزلُ بالناس وتختبر دينَهم في آخر الزمان أيضًا.
(٢) أي لأنّ إخبارَ الراوي عن الأمور المذكورة يقتضي مُخبِرًا أي عن الله ومُوَقِّفًا أي مُعَلِّمًا وهو النبيُّ -ﷺ-. فيكون لهذا الموقوفِ حُكمُ المرفوع.
(٣) أي شَرَطْنَا ألَّا يكونَ أَخَذَ عَنِ الإسرائيليات، فلَمْ يبقَ إلا الأخذُ عن النبي -ﷺ-.
(٤) قوله "أن يفعل" أي الصحابي، وفي النسخ الأخرى: "أن يفعل الصحابي". وهو واضح من سِياق الكلام.
(٥) أشار إليه مسلم: ٣: ٣٤ وأخرجه أحمد: ١: ١٤٣، فذكر صلاةَ عليٍّ ﵁ تفصيلًا أربع ركوعات في كل ركعة. . . "ثم حدَّثهم أنّ رسول الله -ﷺ- كذلك فَعَل". ورجاله ثقات، مجمع الزوائد: ٢: ٢٠٧.
(٦) وكذا قولُ الصحابي "كانوا يقولون كذا في عهد النبي -ﷺ-".
[ ١٠٧ ]
ولأنَّ ذلك الزمانَ زمانُ نزولِ الوَحْي فلا يقعُ من الصحابةِ فِعْلُ شيءٍ ويَستَمِرُّون عليه إلَّا وهو غيرُ ممنوعِ الفِعْلِ.
وقَدْ استدَلَّ جابرٌ وأبو سعيدٍ ﵄ على جواز العَزْلِ بأنَّهم كانوا يَفْعَلونَه والقرآنُ يَنْزِلُ (^١)، ولو كان مما يُنْهَى عنه لنَهَى عنه القرآنُ.
ويَلْتَحِقُ بقوله "حُكمًا" ما وَرَدَ بصيغة الكِناية في مَوْضِعِ الصِّيَغِ الصَّريحةِ بالنسبةِ إليه -ﷺ- كقول التابعيِّ عن الصحابيِّ: "يَرْفَعُ الحديثَ، أو يَرْوِيه، أو يَنْمِيه، أو روايةً، أو يبلُغُ به، أو رَوَاه" (^٢).
وقد يَقْتَصِرُونَ على القول مع حَذْفِ القائل (^٣)، ويريدون به النبيَّ -ﷺ- كقول ابنِ سيرينَ عن أبي هريرةَ قال: قال: تُقاتِلون قومًا. . . الحديث (^٤)، وفي كلام الخطيبِ أنه اصطلاحٌ خاصٌّ بأهل البَصْرة.
ومن الصيغِ المحتملة قولُ الصحابي: "من السُّنَّة كذا"، فالأكثرُ أنَّ ذلك مرفوعٌ، ونَقَلَ ابنُ عبد البَرِّ فيه الاتفاقَ، قال: وإذا قالها غيرُ الصحابي فكذلك ما لم يُضِفْهَا إلى صاحِبِها كَسُنَّةِ العُمَرَيْن، وفي نَقْلِ الاتفاقِ نَظَرٌ، فعَنِ الشافعي في أصلِ المسألة قَولانِ، وذهبَ إلى أنه غيرُ مرفوعٍ أبو بكرٍ الصَّيْرَفيّ (^٥) من الشافعية، وأبو بكرٍ الرازي من الحَنَفِيَّة،
_________________
(١) ولفظُه: "كنا نَعْزِلُ والقرآنُ يَنْزِلُ". البخاري: ٧: ٣٣ ومسلم: ٤: ١٦٩ كلاهما عن جابر وأبي سعيد.
(٢) المراد بهذه الألفاظ كلِّها نِسْبَةُ الحديث إلى النبي -ﷺ- والوصول به إليه، "يَنْمِيه" أي يَنقُلُه عنه، و"يَبْلُغُ به" أي إلى النبي -ﷺ- وهكذا. ومن أمثلتها حديثُ أبي هريرة روايةً: "تقاتلون قومًا صغارَ الأعين. . .". هكذا عند أبي داود: ٤: ١١٢. وعند مسلم: ٨: ١٨٤: "يبلغ به. . .". ورواه البخاريُّ بالرَّفع الصريح: ٤: ٤٣ والترمذي: ٤: ٤٩٧.
(٣) وهو أن يقول الراوي عند ذكر الصحابي: قال: قال. ولا يذكر القائل أي النبي -ﷺ-.
(٤) سَبَقَ تخريجهُ، وهذه روايةٌ أخرى له.
(٥) محمد بن عبد الله الصَّيْرفي أبو بكر، الفقيه الشافعي، أحدُ المتكلمين المشهورين بالنظر في زمانه. (ت ٣٣٠) له شرح رسالة الشافعي، وغيره في الأصول والفروع.
[ ١٠٨ ]
وابنُ حَزْمٍ (^١) من أهل الظاهر، واحتجّوا بأنَّ السُّنَّةَ تترددُ بين النبي -ﷺ- وبين غيره.
وأُجِيبوا: بأنَّ احتمالَ إرادةِ غيرِ النبي -ﷺ- بعيدٌ، وقد روى البخاريُّ في صحيحهِ في حديث ابنِ شِهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصته مع الحَجَّاجِ حين قال له: "إنْ كُنْتَ تُريدُ السُّنَّةَ فَهَجِّرْ بالصلاة" قال ابنُ شِهاب: فقلتُ لِسَالِمٍ: أَفَعَلَهُ رسولُ الله -ﷺ-؟ فقال: "وهل يَعْنُونَ بذلك إلا سُنَّتَه؟! " (^٢)، فنَقَلَ سالمٌ -وهو أحدُ الفقهاء السبعة (^٣) من أهل المدينة وأحدُ الحفَّاظِ من التابعين- عن الصحابة أنهم إذا أَطلقوا السنةَ لا يريدون بذلك إلا سنةَ النبيِّ -ﷺ-.
وأمَّا قولُ بعضِهم: إنْ كان مرفوعًا فَلِمَ لا يقولون فيه: قال رسولُ الله؟ فجوابُه: أنهم تركوا الجَزْمَ بذلك تورّعًا واحتياطًا، ومن هذا قولُ أبي قِلابَةَ (^٤) عن أنس: "مِنَ السُّنةِ إذا تزوَّجَ البِكْرَ على الثيِّبِ أقامَ عندها سَبْعًا" أخرجاه في الصحيح (^٥).
_________________
(١) علي بن أحمد بن سعيد الشهير بابن حَزْم، المحدِّث الحافظ، ولد بقُرطُبَة (٣٨٤)، ونشأ في بيت رئاسة ونعمة، كان أديبًا في صباه، ثم تلقى الموطّأ ومذهب مالك، ثم تحوَّل شافعيًّا، ثم تحوّل ظاهريًّا، وتعصَّب للظاهر وتطرَّف فيه حتى وصلَ إلى نتائجَ مُستغرَبةٍ في الفِقه، مما نَفَّرَ الناسَ عنه، كما أنه لشدة اعتدادِه بحافظتهِ كان يقع في الوَهَم الشنيع، (ت ٤٥٦). خَلّدَ المذهبَ الظاهريَّ بتآليفه فيه، منها: المُحلَّى (ط) والإحكام في أصول الأحكام (ط). وله: الفِصَل في المِلل والأهواء والنحل (ط). وغيرها.
(٢) الحديث في الرَّواح إلى عَرَفَة للوقوف في الحج، ومعنى "هجِّر" سِرْ في نصف النهار واشتداد الحرارة. أخرجه البخاري (الجمع بين الصلاتين بعرفة): ٢: ١٦٢.
(٣) وهم: خارِجة بن زيد، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعُروة بن الزبير، وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة، وسعيد بن المُسيِّب، وأبو سَلَمة بن عبد الرحمن، وسُليمان بن يسار.
(٤) أبو قِلابة -بكسر القاف وتخفيف اللام-: عبد الله بن زيد الجَرْمي، البَصْري، ثقة فاضل، كثير الإرسال. هَرَب من تَوَلَّي منصب القضاء. (ت ١٠٤). حديثه في الستة.
(٥) البخارى في النِّكاح (إذا تزوج الثيِّبَ على البِكر): ٧: ٣٤ ومسلم: ٤: ١٧٣.
[ ١٠٩ ]
قال أبو قِلابَةَ: "لو شِئْتُ لَقُلْتُ إنَّ أنسًا رفعَه إلى النبي -ﷺ-". أي لو قلت لم أَكذِبْ لأنَّ قولَه: "من السُّنةِ" هذا معناه، لكنَّ إيرادَهُ بالصيغة التي ذَكرَها الصحابة أَوْلى.
ومن ذلك قولُ الصحابي: "أُمِرنا بكذا" أو "نُهينا عن كذا"، فالخلافُ فيه كالخِلافِ في الذي قَبْلَه (^١) لأنَّ مُطْلَقَ ذلك يَنْصرِفُ بظاهره إلى مَنْ له الأمرُ والنهيُ وهو الرسولُ -ﷺ-.
وخالفَ في ذلك طائفةٌ تمسَّكوا باحتمالِ أنْ يكونَ المرادُ غَيْرَه كأَمْرِ القرآنِ أو الإجماعِ أو بعضِ الخُلَفَاءِ أو الاستنباطِ؟ وأُجيبوا: بأنَّ الأصلَ هو الأولُ وما عَدَاهُ مُحتَمل، لكنّه بالنسبة إليه مَرْجُوحٌ. وأيضًا فمَنْ كان في طاعةِ رئيسٍ إذا قال: أُمِرْتُ، لا يُفهمُ عنه أنَّ آمِرَه إلا رئيسُه.
وأمَّا قَوْلُ مَنْ قال: يَحْتَمِلُ أنْ يَظُنَّ ما ليس بأمرٍ أمرًا فلا اختصاصَ له بهذه المسألة، بل هو مذكورٌ فيما لو صَرَّحَ فقال: أَمَرنا رسولُ الله -ﷺ- بكذا، وهو احتمالٌ ضعيفٌ، لأنَّ الصحابيَّ عَدْلٌ عارِفٌ باللسانِ فلا يُطْلِقُ ذلك إلا بَعْدَ التحقيق.
ومن ذلك قولُه: "كُنَّا نفعلُ كذا"، فله حُكْمُ الرفع أيضًا كما تقدم (^٢).
ومن ذلك أنْ يَحكُمَ الصحابيُّ على فِعْلٍ من الأفعال بأنه طاعةٌ لله أو لِرسوله أو معصيةٌ، كقولِ عمَّار: "مَنْ صامَ اليومَ الذي يُشَكُّ فيه فقد عَصى
_________________
(١) أي قوله: "من السنة كذا".
(٢) أي في ص ١٠٧ في قوله: "كانوا يفعلون كذا في زمان النبي -ﷺ-. . .". ومثلها "كانوا يقولون. . ." و"كنا نفعل" أو "كنا نقول". والحاصل أن لهذه الصيغة عبارتين:
(٣) أن تُضافَ إلى عهد النبي -ﷺ- وقد تقدم أن حُكمَها الرفع.
(٤) ألّا تضافَ إلى عهد النبي -ﷺ- وهي المقصود هنا. وهذه حُكمُها الرفع عند كثيرٍ من المُحدِّثين. وعند ابنِ الصلاح هي موقوفة. والأكثرُ على الأول.
[ ١١٠ ]