حِبَّانَ أيضًا، ومَنْ نَظَرَ إليهم باعتبارِ اللِّقَاءِ قَسَّمَهم كما فَعَلَ محمدُ بنُ سَعْدٍ، ولكلٍّ منهما وَجْهٌ.
ومِنَ المُهِمِّ أيضًا معرِفَةُ مواليدِهم ووَفَياتِهم (^١)، لأنَّ بمعرفَتِها يحصُلُ الأمْنُ مِنْ دَعوى المُدَّعي لِلِقاءِ بعضِهم وهو في نَفْسِ الأمرِ ليس كذلك.
ومن المُهِمِّ أيضًا معرفةُ بُلْدَانِهم وأوطانِهم (^٢)، وفائدتُه الأمنُ مِنْ تداخُلِ الاسمَيْنِ إذا اتَّفقَا لكنِ افْتَرقَا بالنَّسَبِ.
ومن المُهِمِّ أيضًا معرفةُ أحوالِهم تعديلًا وتجريحًا وجَهَالةً (^٣)، لأنَّ
_________________
(١) هذا هو عِلْمُ التاريخِ: وهو التعريفُ بالوقت الذي تُضْبَطُ به الأحوالُ في المواليدِ والوَفيَاتِ، وما يَلْتَحِقُ به من الوقائعِ والحوادثِ التي ينشأ عنها مَعَانٍ حَسَنةٌ من تعديلٍ وتجريحٍ ونحو ذلك. فَتْحُ المُغِيث للسَّخاوي: ٤٥٩. وانظر ما سبق ص ٨٤ لِزامًا، ومن أهم مصادِره: التاريخُ الكبير للبخاري، ومشاهيرُ علماء الأمصار لابن حبَّان.
(٢) أفردوا هذا بنوعٍ خاصٍّ، هو معرفةُ أوطانِ الرُّواةِ، وممّا لاحظوه في ذلك تَنقُّلُ الراوي من بلدٍ إلى آخرَ، وأَثَرُ ذلك على نِسْبَتِه، وعلى حِفْظِه، كأنْ لم تكُنْ كُتُبُه معَه، فحدّثَ مِن حفظه فوهم.
(٣) هذا من عِلْمِ الجَرْحِ والتعديلِ، أفردوه بنوعٍ خاصٍّ هو "معرفةُ الثقاتِ والضُّعفاء"، وتنقسم المصادِرُ في ذلك ثلاثة أقسام: الأول: ما جُمعَ فيه بين الثقات والضعفاء، ومن أهم ذلك الجرحُ والتعديلُ لابنِ أبي حاتمٍ الرازي: عبد الرحمن بن محمد بن إدريس (ت ٣٢٧). ومنه التاريخ الكبير للبخاري، والتاريخ لابن أبي خيثمة، وسيذكرهما المصنف: ١٤٣. القسم الثاني: ما أُفْرِد للثقات. القسم الثالث: ما أُفرد للضعفاء. وسيأتى ذكرهما: ١٤٣. ثم إن مِنَ المصنفين مَنْ جمع بغير تقيد بكتاب معين أو كتب معينة، كالمراجع المذكورة. ومنهم من تقيد بجمع رجال كتاب معين أو كتب. وتأتي أمثلتها: ص ١٤٣ وانظر منهج النقد: ١٢٩ - ١٣٢ رقم/ ٤/.
[ ١٣٥ ]
الراويَ إمّا أنْ تُعْرَفَ عَدالَتُه أو يُعْرَفَ فِسْقُه أوْ لا يُعْرَفَ فيه شيءٌ من ذلك.
ومن أهمِّ ذلك بَعْدَ الاطّلاع مَعْرفةُ مَرَاتِبِ الجَرْحِ والتعديلِ؛ لأنّهم قد يَجْرَحونَ الشخصَ بما لا يَسْتَلْزِمُ رَدَّ حديثهِ كُلِّه، وقد بيَّنا أسبابَ ذلك فيما مضى وحصَرناها في عَشَرة، وتقدَّمَ شرحُها مُفَصَّلًا (^١).
والغرضُ هنا ذِكْرُ الألفاظِ الدَّالَّةِ في اصطلاحِهم على تلكَ المراتبِ.
ولِلْجَرْحِ مراتِبُ:
أَسْوَؤُها الوَصْفُ بما دَلَّ على المُبالَغَةِ فيه، وأَصْرَحُ ذلك التعبيرُ بأفْعَلَ كأَكْذَبِ الناسِ، وكذا قولهم: إليه المُنتهى في الوَضْعِ، أو هو رُكْنُ الكَذِبِ ونحوَ ذلك.
ثم دجَّالٌ أو وَضَّاعٌ أو كذَّاب، لأنَّها وإنْ كانَ فيها نوعُ مُبَالَغَةٍ لكنَّها دُونَ التي قَبْلَها.
وأَسْهَلُها أي الألفاظِ الدَّالَّةِ على الجَرْحِ قَولُهم: فُلانٌ لَيِّنٌ أو سَيِّئُ الحِفْظِ أو فيه أدنى مَقَالٍ. وبينَ أَسْوَإ الجَرْحِ وأَسْهلِه مراتِبُ لا تَخْفَى.
[فـ]ـقولهم (^٢): متروكٌ، أو ساقِطٌ، أو فاحِشُ الغَلَطِ، أو مُنْكَرُ الحديث (^٣)، أَشدُّ مِنْ قولِهم: ضعيفٌ أو ليس بالقويِّ أو فيه مَقَالٌ.
ومن المُهِمِّ أيضًا معرفةُ مراتبِ التعديلِ:
وأَرْفَعُها الوصفُ أيضًا بما دَلَّ على المُبالَغَةِ فيه، وأَصْرَحُ ذلك التعبيرُ بأَفْعَلَ كأَوْثَقِ الناسِ، أو أَثْبَتِ الناسِ، أو إليه المُنْتَهى في الثَّبْتِ.
ثُمَّ ما تأكَّدَ بصفةٍ من الصفاتِ الدَّالَّةِ على التعديل، أو صفتين: كَثِقَةٍ
_________________
(١) في دراسةٍ مُطَوَّلَةٍ ص ٨٧ وما بَعْدُ.
(٢) كذا في أصلنا. وفي نُسَخ أخرى "فقولُهم"، فجعلنا الفاء بين مُعَقَّفَتين.
(٣) في الأصل "ومنكر".
[ ١٣٦ ]
ثِقَةٍ أو ثَبْتٍ ثَبْت، أو ثِقَةٍ حافِظٍ، أو عدلٍ ضابطٍ، أو نحوِ ذلك.
وأدْنَاها ما أَشْعَرَ بالقُربِ مِنْ أَسْهَلِ التجريحِ: كَشَيخٍ، وَيُرْوَى حديثُه، ويُعْتَبَر به، ونحوِ ذلك. وبينَ ذلك مراتبُ لا تَخفَى (^١).
_________________
(١) لم يَسْتَوفِ المُصنِّفُ ﵀ مراتِبَ الجَرْحِ والتعديلِ، مُراعاةً للاختصارِ، ونُورِدُها تامةً فيما يأتي: مراتبُ التعديلِ: المرتبةُ الأُولى: وهي أَعلاها شَرَفًا، مرتبةُ الصحابةِ ﵃. المرتبةُ الثانيةُ: وهي ما جاءَ التعديلُ فيها بما يدُلُّ على المُبالَغةِ مِثْل: أَوْثَق الناسِ، إليه المُنتَهى في التثبُّتِ، لا أعْرِفُ له نظيرًا. المرتبةُ الثالثةُ: إذا كُرِّرَ لفظُ التوثيقِ إمَّا مع تبايُنِ اللَّفْظيْن: ثَبْتٌ حُجَّةٌ، أو مع إعادَةِ اللَّفْظِ: ثِقَةٌ ثِقَة. المرتبةُ الرابعةُ: ما انفرَدَ بصيغةٍ دالَّةٍ على التوثيقِ أي اتصاف الراوي بالعدالة والضبط: ثِقَةٌ، حُجَّةٌ، إمامٌ، والحُجَّةُ أَقْوى مِنَ الثِّقَة. المرتبةُ الخامسةُ: ليسَ به بأسٌ، صَدُوقٌ، مأمونٌ، مَحلُّهُ الصِّدْقُ. المرتبةُ السادسةُ: ما أَشْعَرَ بالقُربِ من التجريح، وهي أدنى المراتبِ: ليسَ ببَعيدٍ من الصواب، شَيْخٌ، يُرْوَى حديثُه، روى عنه الناس. وحُكْمُ هذه المراتبِ: الاحتجاجُ بالأربعةِ الأُولى منها. وأمَّا التي بعدَها فإنه لا يُحْتَجُّ بأحد من أهلِها لِكَوْنِ ألفاظِها لا تُشْعِرُ بشريطةِ الضبطِ، بَلْ يُكْتَبُ حديثُهم ويُخْتَبر، وأمّا السادسةُ فالحُكْمُ في أهلِها دونَ أهلِ التي قبْلها، وفي بعضِهم مَنْ يُكتَبُ حديثُه للاعتبارِ دونَ اختبارِ ضَبْطِهم لِوُضوحِ أَمرِهم. مراتبُ الجَرْحِ: المرتبةُ الأُولَى، وهي أَسْهَلُ مراتِبِ الجَرْحِ، قولُهم: فيه مَقَالٌ، فيه ضَعْفٌ، ليس بذاكَ القويِّ، ليس بذَاكَ. المرتبةُ الثانيةُ، أَسْوأُ مِنْ سابِقَتِها: لا يُحْتجُّ به، ضعيف، ضعَّفوه، مضطربُ الحديث. وحكم هاتين المرتبتين -كما بيَّن السخاويُّ- يُعْتَبَرُ بحديثهِ، أي يُخَرَّجُ حديثه للاعتبار -وهو البحث عن روايات تُقوِّيه ليصير بها حجةً- لإشعار هذه الصيغ بصلاحية المُتَّصف بها لذلك، وعدم منافاتها له. المرتبة الثالثة، أسوأ من سابقتيها: رُدَّ حديثُه، ضعيفٌ جِدًّا، وَاهٍ بمَرَّة. المرتبة الرابعةُ: يَسرِقُ الحديثَ، مُتَّهَمٌ بالكَذِبِ أو الوَضْع، ساقِطٌ. المرتبةُ الخامسةُ: الدَّجَّالُ، الكَذَّابُ، الوَضَّاعُ، يَضَعُ، يَكذِبُ.=
[ ١٣٧ ]