الإسنادُ عليه ويرجِعُ ولو تعدَّدَتِ الطُّرُقُ إليه، وهو طَرَفُهُ الذي فيه الصحابي، أو لا يَكونُ كذلك بأنْ يكونَ التفردُ في أثنائه، كأنْ يرويَه عن الصحابيّ أكثرُ من واحدٍ ثُمَّ ينْفَرِد بروايته عن واحد منهم شخصٌ واحد.
فالأول: الفَرْدُ المُطْلَقُ (^١):
كحديث النهي عن بَيْعِ الوَلاءِ وعن هِبَتهِ (^٢)، تفرَّدَ به عبدُ الله بن دينار عن ابن عمر، وقد يَنْفَرِدُ به راوٍ عن ذلك المنْفَرد، كحديث شُعَبِ الإيمان (^٣)، تفرَّدَ به أبو صالح عن أبي هريرةَ، وتفرَّدَ به عبدُ اللهِ بنُ دينار عن أبي صالح، وقد يستمر التفرُّدُ في جميع رُواتِه أو أكثرِهم. وفي مُسنَدِ
_________________
(١) = ٨٩ وغيره. وقوله: "في أصل السند" أي التابعي، فإذا تفرَّدَ التابعي بالحديث فغرابتُه في أصل السند. كما يَتبينُ من كلام المصنِّف الآتي.
(٢) ويُطْلِقُ عليه المُحَدِّثونَ: الغريبَ سندًا ومتنًا، وهو الحديثُ الذي تفرَّدَ به راويه، لا يرويه أحدٌ غيرُه.
(٣) هو حديث "نهى رسول الله -ﷺ- عن بَيْع الوَلاءِ وعن هِبَتِه". البخاري في العتق: ٣: ١٤٧ ومسلم: ٤: ٢١٦ والترمذي: ٣: ٥٣٧ - ٥٣٨ وفيه التنبيه على خطأ غير طريق ابن دينار، وأبو داود في الفرائض: ٣: ١٣٧ والنَّسائي في البيوع: ٧: ٢٦٩. قال مسلم: "الناسُ كلُّهم عيالٌ على عبد الله بن دينار في هذا الحديث". وانظر إرشاد الساري شرح البخاري للقسطلاني: ٤: ٣٧٨. والوَلاء: صلة بين السيد وعبده الذي أعتقه، وهو كلُحمة النَّسَبِ، أي القرابة في المودّة والنُّصْرَة. عبد الله بن عمر بن الخطاب: الصحابي الجليل الإمام الوَرع (ت ٧٣). وابن دينار: هو مولى ابن عمر، ثقة (ت ١٢٧). روى له الجماعة.
(٤) هو حديث: "الإيمان بِضْعٌ وستون شُعْبَةً. . ." البخاري: ١: ٧ ومسلم: ١: ٤٦. وأبو صالح هو السَّمَّان الزَّيَّاتُ: اسمه ذَكوان، ثقة ثبت (ت ١٠١) روى له الستة.
[ ٥٦ ]
البزار (^١) والمعجم الأوسط للطبراني (^٢) أمثلةٌ كثيرةٌ لذلك.
والثاني: الفَرْدُ النِّسبِيُّ (^٣):
سُمِّيَ بذلك لكونِ التفرُّدِ فيه حَصَلَ بالنسبة إلى شخصٍ مُعيَّنٍ، وإنْ كان الحديثُ في نَفْسه مشهورًا، ويَقِلُّ إطلاقُ الفردِيَّةِ عليه، لأنَّ الغريبَ والفَرْدَ مترادِفانِ لغةً واصطلاحًا، إلّا أنَّ أهلَ الاصطلاح غايروا بينهما من حيثُ كَثْرَةُ الاستعمالِ وقِلَّتُه، فالفردُ أكثرُ ما يُطلِقونه على الفرد المُطْلَقِ، والغريبُ أكثرُ ما يُطلِقونه على الفرد النِّسْبِيّ، وهذا من حيثُ إطلاقُ الاسمِ عليهما، وأمّا مِن حيثُ استعمالُهم الفعلَ المشتقَّ فلا يُفَرِّقُونَ، فيقولون في المُطْلَقِ والنِّسبِيّ: تفرَّدَ به فلانٌ، أو أغربَ به فلانٌ.
وقريبٌ مِنْ هذا اختلافُهم في المُنقطِعِ والمُرسَل هل هما متغايران أو لا؟ فأكثرُ المُحَدِّثين على التغايُرِ (^٤) لكنّه عندَ إطلاقِ الاسمِ، وأمّا عندَ استعمالِ الفعلِ المشتقِّ فيستعملون الإرْسالَ فقط، فيقولون: "أرسلَه فلانٌ"، سَواءٌ كان ذلك مُرسَلًا أَمْ مُنْقَطِعًا، ومن ثَمَّ أطلق غيرُ واحدٍ ممَّنْ لم يلاحظْ مواقعَ استعمالِهم على كثيرٍ من المُحَدِّثين أنَّهم لا يُغايرون بين
_________________
(١) أحمد بن عَمرو بن عبد الخالق البصري، أبو بكر البزار، حافظ ثقة، رَحَلَ وحدَّثَ من حِفْظِه، فوقع له وَهَمٌ. (ت ٢٩٢). له مسندان: كبير، وصغير.
(٢) سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني نسبةً إلى طبرية. ولد (٢٦٠)، ورحل إلى البلاد، كان حافظَ عصرِه (ت ٣٦٠). له المعاجمُ الثلاثةُ: الكبيرُ، والأوسطُ، والصغيرُ، مطبوعةٌ. والمعاجم: كتبُ حديث مرتبةٌ على أسماء الرواة حسبَ حروف المعجم، لكن الكبير مرتب على أسماء الصحابة.
(٣) ويُسمَّى: الغريبَ سندًا لا مَتْنًا. وهو الحديث الذي اشتهر بوروده من عدةِ طُرُق عن راوٍ أو رواة، ثم تفرد به راوٍ فرواه من وجه آخر غيرِ الراوي أو الرواة الذين اشتهر عنهم الحديث. ويقول فيه الترمذي: "غريبٌ من هذا الوجه".
(٤) فيُطْلِقون المُرسَلَ على الحديث الذي رواه التابعي عن النبي -ﷺ- ولم يَذْكُرِ الواسِطَةَ، والمنْقَطِعَ على ما سَقَط منه راوٍ أو أكثرُ قَبْل الصحابي. أمّا إذا قالوا: أرسله فلان فيصلُحُ للأمرين كما أوضحه المصنِّف.
[ ٥٧ ]