وضبطُ كتابٍ: وهو صِيانَتُه لَدَيْه منذُ سَمِعَ فيه وصحَّحَه إلى أنْ يُؤَدّيَ منه. وقُيِّد بالتامِّ (^١) إشارةً إلى الرُّتبةِ العُليا في ذلك.
والمتصلُ: ما سَلِم إسنادُه مِنْ سُقوطٍ فيه بحيثُ يكونُ كلٌّ مِنْ رِجاله سمعَ ذلك المَرْوِيَّ من شيخه. والسَّنَدُ تقدَّمَ تعريفُه (^٢).
والمُعَلَّلُ لغةً: ما فيه عِلَّةٌ، واصطلاحًا: ما فيه عِلَّةٌ خفيَّةٌ قادِحَةٌ.
والشاذُّ لغةً: المُنفردُ، واصطلاحًا: ما يُخالِفُ فيه الراوي مَنْ هو أَرْجَحُ منه. وله تفسيرٌ آخرُ سيأتي (^٣).
تنبيه:
قولُه: "وخبرُ الآحادِ" كالجِنْس، وباقي قُيودِه كالفَصْلِ.
وقولُه: "بنقل عَدْلٍ" احترازٌ عمّا ينقلُه غيرُ عَدْلٍ.
وقولُه: "هو": يُسمَّى فَصْلًا يَتَوسَّطُ بين المبتدأ والخبر، يُؤْذِن بأنَّ ما بعده خبرٌ عمّا قَبْلَه وليسَ بنعتٍ له.
وقوله: "لِذَاتِه" يُخرِجُ ما يسمى صحيحًا بأمرٍ خارجٍ عنه كما تقدَّمَ.
وتتفاوتُ رُتَبُه أيْ الصحيحِ بسبب تفاوُتِ هذه الأوصافِ المقتضيةِ للتصحيحِ في القوةِ، فإنَّها لمّا كانتْ مفيدةً لِغَلَبَةِ الظَّنِّ الذي عليه مَدَارُ الصِّحَّةِ اقتضَتْ أنْ يكونَ لها درجاتٌ، بعضُها فوقَ بعضٍ بحَسَبِ الأمور
_________________
(١) أي شرطَ في الضبط أن يكونَ تامًّا، للدلالة على أن المرادَ المرتبةُ العليا من الضبط. وهذه المرتبةُ هي شرطٌ من شروط الحديث الصحيح. أمّا الحسنُ فراويه خفَّ ضبطهُ، أي مُسْتَوفٍ شروطَ الضبطِ لكنْ في الحدِّ الأدنى من الضبط المقبول.
(٢) في مَطْلعِ الكِتَاب ص ٤١ وانظر ص ٣٧ تعليقًا.
(٣) عَرَّفَ الشَّاذَّ بأنه ما يُخالِفُ فيه الراوي مَنْ هو أَرْجَحُ منه. والمشهورُ في الشاذِّ أنه ما يُخالِفُ فيه الراوي الثقةُ مَنْ هو أرجحُ منه. وانظر ما ذكر أنه سيأتي في ص ٧١ وانظر ١٠٤.
[ ٥٩ ]
المُقَوِّية، وإذا كان كذلك فما تكونُ رُوَاتُه في الدرجة العليا من العدالة والضبط وسائر الصفاتِ التي تُوجِبُ الترجيحَ كان أصحَّ ممَّا دونَه.
فمِنَ الرُّتبةِ العُليا في ذلك ما أَطْلَقَ عليه بعضُ الأئمَّةِ أنَّه أصحُّ الأسانيدِ (^١):
كالزُّهْرِي عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه.
وكمحمد بن سيرين عن عَبِيدَةَ بن عمرو عن علي.
وكإبراهيمَ النَّخَعِيّ عن علقمةَ عن ابن مسعود (^٢).
ودونَها في الرُّتبةِ:
كرواية بُرَيْدِ بنِ عبدِ الله بن أبي بُرْدَةَ عن جَدِّه عن أبيه أبي موسى.
وكحَمّاد بن سَلَمَةَ عن ثابتٍ عن أنس (^٣).
_________________
(١) أي أصحُّ الأسانيدِ كُلِّها.
(٢) ومثل: مالك عن نافع عن ابن عمر، المعروفة بسلسلة الذهب، انظر ص ٦٥. ونُوضِّح أسماءَ هؤلاء الحفاظ الأَجِلّاء رجال هذه الأسانيد الأئمة فيما يأتي: الزُّهرِيُّ محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أَعْلَمُ الحُفَّاظِ، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب الإمامِ مِنَ الفُقَهاءِ السبعة، عن أبيه الصحابي الجليل. محمد بن سيرين الإمام، عن عَبِيدَةَ بن عَمْرو السّلْماني التابعي وأَوْثَقُ الرواة عن علي بن أبي طالب الخليفة الراشدي إمام الهدى. إبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه الحافظ، عن علقمة بن قيس النخعي الثقة الثَّبْت الفقيه العابد، عن عبد الله بن مسعود الصحابي السابق إلى الإسلام. مالك بن أنس إمامُ الأَثَرِ، عن نافع الثّبْت الثقة الفقيه، عن ابن عمر، ونافع هو مولى ابن عمر، وملازم له فهو على هذا أقوى فيه.
(٣) بُريد ثقة يُخطئ قليلًا، وجدّه ثقة، ووالد جدّه الصحابي أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس. وحمَّادُ بن سَلَمة ثقة عابد أَثْبَتُ الناس في ثابت، وثابتٌ هو ابن أَسْلَمَ البُناني، عن أنس بن مالك الصحابي.
[ ٦٠ ]
ودونَها في الرُّتبةِ:
كسُهَيل بن أبي صالحٍ عن أبيه عن أبي هريرة.
وكالعلاء بن عبدِ الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة (^١).
فإنَّ الجميعَ شَمِلَهُم اسمُ "العدالةِ والضبطِ" إلا أنَّ المرتبةَ الأولى فيهم مِنَ الصفاتِ المُرَجِّحَةِ ما يقتضي تقديمَ روايتِهم على التي تليها، وفي التي تَليها من قوةِ الضبطِ ما يقتضي تقديمَها على الثالثة، وهي -أيْ الثالثةُ- مُقَدَّمَةٌ على رواية مَنْ يُعَدُّ ما يَنْفَرِدُ به حَسَنًا:
كمحمدِ بنِ إسحاقَ عن عاصمِ بنِ عُمَرَ عن جابر.
وعَمْرو بن شُعَيْبٍ عن أبيه عن جَدِّه (^٢). وقِسْ على هذه المراتبِ ما يُشْبِهُها.
والمرتبةُ الأولى هي التي أَطلقَ عليها بعضُ الأئمةِ أنها أصحُّ الأسانيدِ.
والمُعْتَمَدُ عَدَمُ الإطلاقِ لترجمةٍ معينةٍ منها (^٣).
_________________
(١) سهيل بن أبي صالح، وثقه الذهبي وقال ابن حجر: "صدوق. . ."، وأبوه ذكوان ثقة. وكان سهيل يُمَيِّزُ ما سمِعَه من أبيه، وما سَمِعَه من جماعة عن أبيه. تهذيب: ٤: ٢٦٤. والعلاء بن عبد الرحمن، قال الترمذي: ثقة عند أهل الحديث، وقال أبو حاتم: أُنْكِرَ عليه أشياء. وأبوه عبدُ الرحمن بن يعقوب ثقةٌ.
(٢) محمد بن إسحاق بن يسار إمام المغازي، وَثَّقَهُ بعضُ الأئمَّة، وتَكَلَّمَ فيه بعضُهم، وحسَّنَ بعضُهم حديثَه. وشيخُه عاصمُ بن عمرَ بن قتادةَ: ثقة عالِم بالمغازي، عن جابر بن عبد الله الصحابي الشهير. وعَمرو بن شعيب وَثَّقَهُ كثيرٌ من المُحَدِّثينَ، وتَكَلَّمَ بعضُهم فيه، وقال الذهبي: حديثهُ فوقَ الحَسنِ، وأبوه شُعَيْبُ بن محمد بن عبد الله بن عمرو، وثَّقَه ابن حبَّان، وقال ابن حجر: "صَدُوقٌ سَمِع من جده عبد الله. . . . .". وعبد الله بن عمرو بن العاص صحابيٌّ مُكثِرٌ من الرواية كان يكتب كلَّ ما يسمَعُ من النبي -ﷺ-. وهذان الإسنادان صحيحان عند طائفة من المُحَدِّثِينَ، وهما في أعلى رُتْبَةِ الحديث الحسن.
(٣) المُعتَمَدُ ألّا يُحْكَمَ لترجمةٍ معينةٍ أيْ سِلْسِلَةِ سَنَدٍ معينةٍ أنها أصحُّ الأسانيدِ كلِّها، =
[ ٦١ ]