بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
قال الشيخ العلّامة الرُّحْلَةُ شيخُ الإسلام عَلَمُ الأعلامِ شِهابُ الدين أبو الفضل أحمدُ بنُ عليِّ بنِ محمدٍ العسقلانيُّ الشهيرُ بابنِ حَجَرٍ، الشافعيُّ، فَسَحَ الله في مُدَّتِه، وأعاد على المسلمين من بركته:
الحمدُ لله الذي لم يَزَلْ عالِمًا قديرًا، حيًّا قيومًا سميعًا بصيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأُكَبِّرُه تكبيرًا، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا وعلى آل محمد وصحبه وسَلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فإنَّ التصانيفَ في اصطلاح (^١) أهل الحديث، قد كثرت للأئمة في القديم والحديث.
_________________
(١) الاصطلاح: قصدُ معنًى مخصوصٍ للفظٍ ما عند طائفة من الناس اتفقوا عليه. والمراد هنا مصطلح أهل الحديث، وهو فنُّ "علوم الحديث" أو علم الحديث الذي اشتهر باسم مصطلح الحديث، وعلم المصطلح. وعلم الحديث يُطلَقُ بإطلاقين: الأول: علمُ الحديث روايةً: أي علمُ رواية الحديث، وهو علم يشتمل على أقوال النبي -ﷺ- وأفعاله وروايتها وضبطها. الثاني: علمُ مصطلح الحديث أو علوم الحديث. وهو علم بقوانين يُعرف بها أحوال السند والمتن من حيث القبولُ أو الرد. والسَّنَد: حكاية رجال الحديث الذين رَوَوْهُ عن بعضهم. والمتن: ما ينتهي إليه السَّنَدُ من الكلام. أي النصُّ المنقول بالسند.
[ ٣٧ ]
الرامهرمزي من أول من صنف وليس أول من صنف في المصطلح (ت)
أهم المصنفات في علوم الحديث، وسبب تصنيف الكتاب
فَمِنْ أول مَنْ صنَّفَ في ذلك:
القاضي أبو محمد الرامَهُرْمُزِي (^١) في كتابه "المُحَدِّثُ الفاصِلُ"، لكنه لم يَسْتَوعِبْ، والحاكمُ أبو عبد الله النيسابوري (^٢)، لكنه لم يُهَذِّبْ ولم يُرَتِّبْ. وتلاه أبو نُعَيم الأصْبَهاني (^٣) فعَمِلَ على كتابه مُسْتَخْرِجًا، وأبقى أشياءَ لِلمُتَعَقِّبِ.
ثم جاء بعدَهم الخطيبُ أبو بكر البغدادي (^٤) فصَنَّفَ في قوانين الرواية
_________________
(١) هو الحسن بن عبد الرحمن بن خَلَّاد، القاضي، المتوفى نحو (٣٦٠). ورامَهُرْمُز من بلاد خوزستان. والقاضي الرامَهُرْمُزِي كان محدثَ العجم في زمانه، لغويًّا أديبًا. واسم كتابه: "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي". وهو مطبوع، لكنه غير مُدَقَّق. وقد صرح الحافظ ابن حجر بأنه من أول التصنيف، فالعجب ممن يرى هذا الكلام الصريح ويقول: الرامهرمزي أول مَن صنف، فيَغْمِطُ بذلك جهودَ الأئمة السابقين مثل مسلم والترمذي. انظر التوسع في تصديرنا لشرح علل الترمذي: ١٧ - ٢٥. وقول الحافظ ابن حجر: "لم يَسْتَوعِبْ". نقول: بل أَخلَّ بأصول مهمة كثيرة من علوم الحديث، حتى نرى أنّ عِللَ الترمذي الصغير أَجْمَعُ لها منه من هذه الناحية.
(٢) هو محمد بن عبد الله ابن البَيِّع، المشهور بالحاكم المولود (٣٢١) من حفاظ الحديث الأئمة الكبار، وسيد المحدثين وإمامهم في وقته. (ت ٤٠٥). له "المستدرك على الصحيحين" (ط). والمدخل (ط). وكتابه هو "معرفة علوم الحديث". قال فيه الحافظ: "لم يُهَذِّبْ ولم يُرَتِّبْ". أقول: لكنه مرجعٌ مهم في هذا الفن، لا يُسْتَغنى عنه.
(٣) أحمد بن عبد الله الأصْبَهاني الصوفي، أبو نعيم، ولد (٣٣٦) فقيه حافظ كبير، مُحَدِّثُ عصره ومؤرِّخُه، له مذهب في الرواية بالإجازة. (ت ٤٣٠) من كتبه: حلية الأولياء (ط). ودلائل النبوة (ط). قوله: "فعَمِل على كتابه مُستخرِجًا" بكسر الراء، أي زاد عليه زيادات ليست فيه. شرح الشرح: ١٣٨ ولقط الدرر: ١٩.
(٤) أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، ولد (٣٩٢) مُحَدِّثٌ حافظ إمام، وفقيه شافعي وأصولي، نزل دمشق مدة طويلة، حدث فيها بكتبه، ثم رَجَعَ إلى بغداد وتوفي بها (٤٦٣). بلغت مصنفاتُه الثمانين. وكتاباه: "الكِفَايةُ في عِلْمِ الروايةِ"، و"الجامعُ لأخلاقِ الراوي وآدابِ السامعِ" مصدران أساسيان، ولا سيما الأولُ منهما، وهما مطبوعان.
[ ٣٨ ]
كتابًا سمّاهُ "الكِفَايةُ" وفي آدابها كتابًا سمّاهُ "الجامعُ لآدابِ الشيخِ والسامعِ"، وَقَلَّ فَنٌّ من فنون الحديث إلَّا وقد صنَّفَ فيه كتابًا مفردًا، فكان كما قال الحافظُ أبو بكر بن نُقْطَةَ (^١): "كُلُّ مَنْ أَنْصَفَ عَلِمَ أنَّ المُحَدِّثينَ بعدَ الخطيبِ عِيالٌ على كُتُبهِ".
ثم جاء بعض مَن تأخر عن الخطيب، فأخذ من هذا العلم بنصيب، فجَمَعَ القاضي عياض (^٢) كتابًا لطيفًا سمّاهُ "الإلماعُ"، وأبو حفص المَيّانِجي (^٣) جزءًا سمّاهُ "ما لا يَسَعُ المُحَدِّثَ جَهْلُه". وأمثالُ ذلك من التصانيف التي اشتَهَرَت وبُسِطَتْ لِيتوفَّر عِلْمُها، واخْتُصِرَت لِيتيسرَ فَهْمُها، إلى أن جاء الحافظ الفقيهُ تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصَّلاح عبدِ الرحمن الشَّهْرَزُوريُّ (^٤) نزيل دمشق فجَمَعَ لمَّا وُلِّيَ تدريسَ الحديثِ
_________________
(١) أبو بكر محمد بن عبد الغني بن أبي بكر بن شجاع المعروف بابن نُقْطَة. وُلِد (٥٧٩) وعُنِي بالحديث ورجاله واشتَهَر بحفظه. مات كهلًا (٦٢٩). من مؤلفاته: التقييدُ في رُواةِ الكُتُبِ والمسانيد. وتكملةُ الإكمال (خ) ذيل على إكمال ابن ماكولا.
(٢) عياض بن موسى بن عياض اليَحْصُبِي السَّبْتِيّ الشهير بالقاضي عياض. ولد (٤٧٦)، وكان إمامًا في التفسير والحديث والفقه وعلوم عصره، أديبًا، له المصنفات القيمة. (ت ٥٤٤). من كتبه: "الشفا في التعريف بحقوق المصطفى" (ط). و"الإلماع في أصول الرواية وتقييد السماع" (ط). وهو مفيد جدًّا في بابه.
(٣) عمر بن عبد المجيد بن الحسن المَيَّانِشي والميانجي، نسبة إلى "مَيانِش" قرية بإفريقية. نزيلُ مكةَ شيخُ الحرمِ، وكان خطيبًا وعالمًا ورعًا. (ت ٥٨١). وكتابه "ما لا يَسَعُ المحدِّثَ جهلُهُ" رسالة صغيرة في نحو سبع صفحات، فيها نُبَذٌ عن الصحيح والحسن وبعضِ أنواع الحديث، لكنها محشوّةٌ بما لا طائلَ منه مما يسعُ كلَّ محدثٍ جهلُه، ولعل المصنف ﵀ انخدع بعنوان الكتاب. وانظر التوسع في كتاب "الحافظ الخطيب" للدكتور محمود الطحان: ٤٤٦ و٤٧٢. وكان الأَولى من هذا الجزء أن يُذْكَر واسطةً بعد عِياض قسم علوم الحديث في مطلع جامع الأصول لابن الأثير (ت ٦٠٦) ففيه بحث جامع لا يُستغنى عنه في علوم الحديث.
(٤) عثمان بن عبد الرحمن (الملقب بالصلاح) بن عثمان الشَّهْرَزُوري تقي الدين، ولد (٥٧٧) نشأ في بيت علم ورئاسة وحصَّل العلومَ بأنواعها، وعُني بالحديث وعلومه، ونَزَل بدمشق وتولّى التدريسَ بدار الحديث الأشرفية وغيرها، وطار صيتُه =
[ ٣٩ ]
بالمدرسة الأشرفية كتابَه المشهور، فهذَّبَ فنونَه وأملاه شيئًا بعد شيء، فلهذا لم يحصُلْ ترتيبُه على الوضع المتناسب، واعتنى بتصانيفِ الخطيبِ المُفَرَّقة، فجمع شَتاتَ مقاصِدِها، وضمَّ إليها مِنْ غيرها نُخَبَ فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عَكَفَ الناسُ عليه، وساروا بسيره، فلا يُحْصى كم ناظمٍ له ومختصِر، ومستدرِكٍ عليه ومقتصِر، ومُعارِضٍ له ومُنتَصِر (^١).
فسألني بعضُ الإخوانِ أنْ أُلَخِّصَ له المُهِمَّ من ذلك، فلخَّصْتُه في أوراقٍ لطيفةٍ، سميتُها: "نُخْبَة الفِكَرِ في مُصطلحِ أهلِ الأثرِ"، على ترتيبٍ ابتكَرْتُه، وسبيلٍ انْتَهَجْتُه، مع ما ضَمَمْتُ إليه من شوارد الفرائد، وزوائد الفوائد. فرَغِبَ إليّ ثانيًا أنْ أضعَ عليها شرحًا يَحُلُّ رُموزَها، ويَفْتَحُ كُنُوزَها، ويُوضِّح ما خَفِيَ على المبتدئ من ذلك، فأجبتُه إلى سؤاله رجاءَ الاندراج في تلك المسالك، فبالغتُ في شرحها، في الإيضاح والتوجيه، ونبهت على خفايا زواياها، لأنَّ صاحبَ البيت أدرى بما فيه، وظهر لي أنَّ إيرادَه على صورةِ البسطِ أليقُ (^٢)، ودَمْجَها ضمن توضيحِها أوفقُ، فسلكتُ هذه الطريقةَ القليلةَ السالكِ. فأقول طالبًا من الله التوفيق فيما هنالك:
_________________
(١) = في العلوم وفي الحديث خاصة، قال الذهبي فيه: "الإمامُ المفتي شيخُ الإسلام". وكانت فتاواه مسدَّدة. (ت ٦٤٣). له كتب كثيرة أشهرُها "علومُ الحديثِ"، الذي شُهِر به وقيل له: "مقدمةُ ابنِ الصلاح". ويمتازُ إضافة إلى ما ذكر المصنف بأمرين مهمين:
(٢) ضبط التعاريف، ووضع تعاريف لم يسبق بها.
(٣) الاستنباط والتحقيق في مسائل العلم بدقة.
(٤) انظر جملة مما صُنِّف على "علوم الحديث" لابن الصلاح في تصديرنا لتحقيقه: ٢١ - ٢٢. ونود الإشارةَ هنا إلى مختصره "إرشادُ طلابِ الحقائقِ" للنووي، فإنه أحسنُ مُختصَرٍ، مع وضوح العبارة، وقد حققناه بدقة ولله الحمد.
(٥) صورة البسط في الشرح: هي أن يَبْسُطَ المَتْنَ مع الشرحِ، أي يسبِكَه معه كأنهما نصٌّ واحدٌ، وهذه الطريقةُ أيسرُ على الدارس.
[ ٤٠ ]