في ذكر نسب البخاريِّ، ونسبته،
نُخبة من النخب، أو زائدة، والمراد: نخبة النُّخَب؛ أي: خيار الخيار.
قوله: (رَشِيْقٌ) من رشُقَ الشخص بالضم رَشَاقة: خفَّ في عمله، ومَن كان كذلك كان لطيفًا مألوفًا، وهذا هو المعنى المراد بطريق التشبيه أو التصريحية.
وقوله: (أَنِيْقٌ) بالهمزة والنون كعَجيب وزنًا ومعنى، كما في «المصباح».
وقوله: (كَثِيْرُ الشُّعَبْ) بضم الشين المعجمة، جمع شُعبة، وهي من الشجرة؛ الغصن المتفرع منها، ففيه تشبيه بالشجرة وأغصانها بجامعِ التفرع والانتفاع.
قوله: (سَمَا عِزُّهُ)؛ أي: ارتفع.
وقوله: (فكلُّ جميلٍ)؛ أي: من أمور الدين والدنيا و(يُجْتَلَبْ) بالجيم؛ أي: يُجْلَب.
قوله: (سِنَادٌ) بكسر السين، آخره دال مهملة؛ أي: سند منير … إلى آخره.
وقوله: (وَمَتْنٌ مُزِيْحٌ)؛ أي: مزيلٌ، و(الشَّوْبُ) بالمعجمة: الاختلاط، و(الرِّيَبْ) جمع ريبةٍ: وهي الشك والشُبهة.
قوله: (خَاطِرُهُ)؛ أي: عَقْلُهُ.
وقوله: (إِذْ وَعَى)؛ أي: حفظ.
قوله: (عَالِيَاتِ القُرَبِ) بالضم جمع قُربة، وإضافة عاليات إليه توصيفية.
قوله: (وَالعَمَى)؛ أي: الضلالُ الشبيه بالعمى في عدم الاهتداء إلى المقصود.
وقوله: (هُوَ السَّدُ بَيْنَ العَنَاءِ) بالعين المهملة؛ أي: التعب.
وقوله: (وَالعَطَب) بالمهملة أيضًا محرَّكًا: الهلاك، والمعنى هو الحاجز بين هذين، وضدهما من الراحة والنجاة.
قوله: (كَمِثْلِ الشُّهُب) فيه من عيوبِ القافية: سِنَادُ التَّوجيه؛ وهو اختلاف حركة ما قبل الروي المُقيد وهو كثيرٌ في هذه الأبيات، وليس بممتنع للمولدين.
قوله: (وَدَانَ لَهُ)؛ أي: انقادَ، و(العُجْمُ) بضم العين وسكون الجيم كالعَجَم بفتحتين مقابلُ العرب.
قوله: (يُمَيِّزُ بَيْنَ الرِّضَا وَالغَضَب)؛ أي: بينَ ما ينبغي فيه كل منهما شرعًا.
قوله: (بِالقَصَب) بفتح القاف والصاد، أصله الذي يتخذ منه الأقلام، وكان العرب ينصبون في حلبة السباق؛ أي: الميدان الذي يتسابقون فيه قَصَبَةً فمن سبق اقتلعها وأخذها ليعلم أنَّه السابق من غير نزاعٍ، فلذا يقال: فلان أحرزَ؛ أي: حازَ قَصَبَ السَّبْقِ، ثم كثر حتى أطلق على المُبرِّز والمشمِّر، كما في «المصباح».
قوله: (نَفَيْتَ السَّقِيْمَ …) إلى آخره؛ أي: ميزتَ السَّقيم من الأحاديث ونفيته وأبعدته عمَّن ينقل الأحاديث وانتقيت له الصحيح، أو نفيتَ الشخص السقيم من الناقلين للحديث ولم ترو عنه شيئًا، وأثبتَّ العدول الثقاة الذين عَدَّلَهُم الحفاظُ … إلى آخره.
قوله: (عَجَبًا لِلْعَجَب) بمعنى أنَّه لو كان العجبُ شخصًا لعُجِبَ من ذلكَ.
قوله: (عَرَصَاتِ) بالتحريك جمع عَرَصَة، وهي: البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء، وفي «التهذيب»: سُميت ساحةُ الدارِ عَرَصَةً؛ لأنَّ الصبيان يَعْرِصُون فيها، أي: يلعبون ويمرحون.
(الفصل الخامس)
قوله: (فِيْ ذِكْرِ نَسَبِ البُخَارِي)؛ أي: وصلته بالقرابة؛ المراد ذكر آبائه، في «المصباح»: نسبتُه إلى أبيه نَسَبًا من باب طَلَبَ: عزوته إليه، وانتسب إليه اعتزى، والاسم النِّسبة بالكسر، فتجمع على نِسَبٍ مثل سِدرة وسِدَر، وقد تضم فتُجمع مثل غُرفة وغُرف.
قال ابن السِّكِّيتِ: ويكون من قِبل الأب ومن قِبل الأم، ويُقال: نسبه في تميم؛ أي: هو منهم والجمع أنساب، مثل سبب وأسباب، ثم قال: ثم استُعْمِلَ النَّسَب -وهو المصدر- في مطلق الوصلة بالقرابة، فيُقال: بينهما نَسَبٌ؛ أي: قرابةٌ، وسواءٌ جاز بينهما التناكح أو لا، ومن هنا اسْتُعيرت النسبة في المقادير؛ لأنها وصلةٌ على وجه مخصوص، فقالوا: تؤخذ الديون من التركة والزكاة من الأنواع بنسبة الحاصل؛ أي: بحسابه ومقداره ونسبة العشرة إلى المئة العُشر؛ أي: مقدارها العشر، والمناسب القريب وبينهما مناسبة، وهذا يناسب هذا؛ أي: يقاربه شَبهًا. انتهى.
قوله: (وَنِسْبَتِهِ)؛ أي: انتسابه إلى بلده مثلًا، ويُنسب الشيء إلى ما يوضحه ويميزه من أبٍ وأم وحي وقبيلة وبلدة وصناعة وغير ذلك، فيؤتى فيه بالياء، فيقال مكيٌّ وعلويٌّ وتركيٌّ، وتقدم أنَّ الأنسب تقديم القبيلة على البلد، فيُقال: القرشي المكي، وذلك؛ لأنَّ النسبة إلى الأب صفة ذاتية ولا كذلك النسبة إلى البلد فكان الذاتي أولى، وقيل: لأنَّ العربَ إنَّما كانتْ تَنتسب إلى القبائل ولكن لما سكنت الأرياف والمدن استعارت من العجم والنَّبَط الانتساب إلى البلدان،
[ ١٠٤ ]
ومولده، وبَدْء أمره، ونشأته وطلبه للعلم، وذكر بعض شيوخه، ومن أخذ عنه، ورحلته، وسَعَة حفظه وسيلان ذهنه، وثناء النَّاس عليه بفقهه وزهده وورعه وعبادته، وما ذُكِرَ من محنته ومنحته بعد وفاته وكرامته.
هو الإمام حافظ الإسلام، خاتمة الجهابذة النُّقَّاد الأعلام، شيخ الحديث، وطبيب علله في القديم والحديث، إمام الأئمَّة عجمًا وعربًا، ذو الفضائل التي سارت السُّراة بها شرقًا وغربًا، الحافظ الذي لا تغيب عنه شاردةٌ، والضَّابط الذي استوت لديه الطَّارفة والتَّالدة، أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المُغِيرة؛ بضمِّ الميم وكسر المُعجَمة، ابن بَرْدِزْبَه؛ بفتح الموحَّدة وسكون الرَّاء بعدها دالٌ مُهملَةٌ مكسورةٌ فزايٌ ساكنةٌ فموحَّدةٌ مفتوحةٌ فهاءٌ، على المشهور في ضبطه، وبه جزم ابن ماكولا، وهو بالفارسيَّة: الزَّرَّاع، الجُعْفيُّ: بضمِّ الجيم، وسكون العين المهملة، بعدها فاءٌ، وكان بَرْدِزْبَه فارسيًّا على دين قومه، ثمَّ أسلم ولده المغيرة على يد اليمان الجعفيِّ والي بخارى، فنُسِب إليه نسبةَ ولاءٍ؛ عملًا بمذهب من يرى: أنَّ من أسلم على يد شخصٍ كان ولاؤه له؛ ولذا قِيلَ للبخاريِّ: الجعفيُّ، ويمان هذا هو جدُّ المحدِّث عبد الله بن محمَّد بن جعفر بن يمانٍ الجعفيِّ المسنَدِيِّ.
قال الحافظ ابن حجرٍ: وأمَّا إبراهيم بن المغيرة؛ فلم نقف على شيءٍ من أخباره، وأمَّا والد البخاريِّ محمَّدٍ فقد ذُكِرَت له ترجمةٌ في «كتاب الثِّقات» لابن حبَّان، فقال في الطَّبقة الرَّابعة: إسماعيل بن إبراهيم والد البخاريِّ، يروي عن حمَّاد بن زيدٍ ومالكٍ، روى عنه العراقيُّون، وذكره ولده في «التَّاريخ الكبير»، فقال: إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، سمع من مالكٍ وحمَّاد بن زيدٍ، وصحب ابن المبارك، وقال الذَّهبيُّ في «تاريخ الإسلام»: وكان أبو البخاريِّ من العلماء الورعين، وحدَّث عن أبي معاوية وجماعةٍ، وروى عنه أحمد بن حفصٍ ونصر بن الحسين، قال أحمد بن حفصٍ: دخلت على أبي الحسن إسماعيل بن إبراهيم عند موته، فقال: لا أعلم في جميع مالي درهمًا من شبهة. فقال أحمد: فتصاغرت إليَّ نفسي عند ذلك.
وكان مولد أبي عبد الله البخاريِّ يوم الجمعة بعد الصَّلاة لثلاثَ عشْرةَ ليلةً خَلَتْ من شوَّال. وقال ابن كثيرٍ: ليلة الجمعة الثَّالث عشر من شوَّال سنة أربعٍ وتسعين ومئةٍ ببُخَارى، وهي بضمِّ الموحَّدة وفتح الخاء المُعجمَة وبعد الألف راءٌ، وهي من أعظم مدن ما وراء النَّهر، بينها وبين سمرقند ثمانيةُ أيَّامٍ، وتُوفِّي أبوه إسماعيل وهو صغيرٌ، فنشأ يتيمًا في حِجر والدته. وكان أبو عبد الله البخاريُّ نحيفًا، ليس بالطَّويل ولا بالقصير، وكان فيما ذكره غُنْجار في «تاريخ بخارى»، واللَّالَكَائيُّ في «شرح
فكان عُرفًا طارئًا، والأول هو الأصل عندهم فكان أولى بالتقديم.
قوله: (وَمَوْلِدِهِ) بكسر اللام، يقال لموضع الولادة ووقتها، وأما الميلاد فللوقت لا غير.
قوله: (وَنَشْأَتِهِ) من نشأ الشيء، نشأ مهموز من باب نَفَعَ: حدث وتجدد، والاسم النشأة والنشاءة وزان التمرة والضلالة. انتهى «مصباح».
قوله: (وَمَنْ أَخَذَ عَنْهُ)؛ أي: من تلامذته.
قوله: (مِنْ مِحْنَتِهِ وَمِنْحَتِهِ) المِحْنَةُ بتقديم الحاء على النون: الابتلاء والاختبار يُقال: محنته محنًا، من باب نَفَعَ: اختبرته، والمِنْحَةُ بتقديم النون مع كسر الميم، في الأصل الشاة أو الناقة يُعطيها صاحبُها رجلًا يشرب لبنها ثم يردها إذا انقطع اللبن، ثم كثر استعماله حتى أُطلق على كل عطاءٍ، ومَنَحْتُهُ منحًا من بابي نَفَعَ وضَرَبَ، كما في «المصباح»: أعطيته.
قوله: (بَعْدَ وَفَاتِهِ) ظرفٌ لمنحته.
قوله: (الجَهَابِذَة) بالذال المعجمة جمع جَهْبَذ بفتح الجيم والموحدة (النَّقَّاد) الخبير فذكر النُّقَّاد بعدُ للبيان.
قوله: (فِيْ القَدِيْمِ وَالحَدِيْثِ)؛ أي: قديمِ الزَّمان وحادثه.
قوله: (السُّرَاةُ) بضم السين جمع سارٍ من السير، ويصح أن يكون بفتح السين، جمع سَرِيٍّ كغَنِيٍّ، وهو الرئيس، قال في «المصباح»: وهو جمع عزيزٌ لا يكادُ يُوجدُ له نظيرٌ؛ لأنَّهُ لا يجمع فعيل على فعلة، وجمع السراة سروات. انتهى.
قوله: (الطَّارِفَةُ وَالتَّالِدَةُ) الطارفة بالفاء بعد الراء: الأمور المستحدثة، والتالدة خلافها، قال في «المصباح»: التالد والتليد والتلاد كلُّ مالٍ قديم وخلافه الطارف والطريف. انتهى.
واستعيرَ هنا للمسائل والعلوم.
قوله: (عَلَى المَشْهُوْرِ فِيْ ضَبْطِهِ)؛ أي: وأما على غيره فقيل: إنَّه بالذال المعجمة بدل المُهملة كما صَدَّرَ بهِ ابنُ خَلِّكان.
قوله: (ابْنُ مَاكُوْلَا) هو الأميرُ الحافظ أبو النصر علي بن هِبَة الله الوزيري البغدادي، وماكُوْلا بضم الكاف وسكون الواو ثم لام ألف، قال ابن خَلِّكَان: لا أعرفُ معناه ولا أدري سببُ تسميته بالأمير. انتهى.
وقد ذكر الشارح أن معناهُ بالفارسية: الزارع.
قوله: (الجُعْفِي) بضم الجيم وسكون العين المهملة وهو مشدد منون، ويقال: جُعْف بغير ياء النسبة كما في ابن خَلِّكَان، وهو ابن سعد العشيرة من مُذْحِج.
قوله: (المسْنَدِي) بفتح النون وحكى المؤلف كسرها في «أبواب فضائل المدينة» من «كتاب الحج»، كان يطلب الأحاديث المُسندة دون المقاطيع والمراسيل.
قوله: (لِثَلَاثَ عَشْرَةَ) وقال أبو يَعْلَى الخليلي في كتاب «الإرشاد»: لاثنتي عشرة ليلة خلت من الشهر المذكور. انتهى.
فحاصلُ ذلك أنَّه قيل: ولد ليلًا، وقيل: نهارًا، ثم قيل: كان ذلك لاثنتي عشرة، وقيل: لثلاث عشرة، ويظهر الجمع بأنَّ يوم الجمعة كانت ليلتُه القابلةُ ليلةَ ثلاث عشرة؛ وهو قد ولد بعد العصر، فمن قال لاثني عشر نظر لليوم، ومن قال لاثنتي عشرة نظر لليلة القابلة، وإن كان بعيدًا بالنظر للتعبير في جانب الأول أيضًا بالليلة، وعلى كُلٍّ فالأمدُ قريبٌ وتوفي ﵁ ليلة السبت بعد صلاة العشاء، وكان ليلة عيد الفطر، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظُّهْرِ، سنةَ ست وخمسين ومئتين بخَرْتَنْك، وما ذكره ابن يونس في «تاريخ الغرباء» من أنَّه قَدِمَ مِصْرَ وتوفي بها غلطٌ، والصواب ما ذكرناه، كما في ابن خلكان.
وكان خالدُ بن أحمد بن خالد الذهلي أميرَ خراسان قد أخرجه من بخارى إلى خَرْتَنْك المذكورة، وهي بفتح الخاء المهملة وسكون الراء وفتح التاء المثناة من فوق وسكون النون وبعدها كاف، قريةٌ من قُرى سَمَرْقَنْد.
قوله: (حِجْرِ وَالِدَتِهِ) في «القاموس»: الحِجْر مثلثة، المنع وحضن الإنسان، ثم قال: والحضن بالكسر ما دون الإبط إلى الكشح أو الصدر
[ ١٠٥ ]
السُّنَّة» في «باب كرامات الأولياء»: قد ذهبت عيناه في صغره، فرأت أمُّه إبراهيم الخليل ﵊ في المنام، فقال لها: قد ردَّ الله على ابنك بصره بكثرة دعائك له، فأصبح وقد ردَّ الله عليه بصره.
وأمَّا بدء أمره فقد رُبِّيَ في حجر العلم حتَّى ربا، وارتضع ثدي الفضل، فكان فطامه على هذا اللِّبأ.
وقال أبو جعفرٍ محمَّد بن أبي حاتمٍ ورَّاق البخاريِّ: قلت للبخاريِّ: كيف كان بدء أمرك؟ قال: أُلهِمتُ الحديث في المكتب ولي عشْر سنين أو أقلُّ، ثمَّ خرجت من المكتب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الدَّاخليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأ للنَّاس: سفيان عن أبي الزُّبير عن إبراهيم، فقلت له: إنَّ أبا الزُّبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل فنظر فيه، ثمَّ خرج، فقال لي: كيف هو يا غلامُ؟ قلت: هو الزُّبير بن عديٍّ عن إبراهيم. فأخذ القلم منِّي وأصلح كتابه، وقال: صَدَقْتَ، فقال بعض أصحاب البخاريِّ له: ابن كم كنتَ؟ قال: ابن إحدى عشْرة سنةً، فلمَّا طعنت في ستَّ عشْرة سنةً حفظت كتب ابن المبارك ووكيعٍ، وعرفت كلام هؤلاء؛ يعني: أصحاب الرَّأي، ثمَّ خرجت مع أخي أحمد وأمِّي إلى مكَّةَ، فلمَّا حججت رجع أخي إلى بُخَارى، فمات بها، وكان أخوه أسنَّ منه، وأقام هو بمكَّة؛ لطلب الحديث. قال: ولمَّا طعنت في ثماني عشْرة سنةً صنَّفت كتاب «قضايا الصَّحابة والتَّابعين وأقاويلهم»، قال: وصنَّفت «التَّاريخ الكبير» إذ ذاك عند قبر النَّبيِّ ﷺ في اللَّيالي المقمرة، وقلَّ اسمٌ في «التَّاريخ» إلَّا وله عندي قصَّةٌ، إلَّا أنِّي كرهت تطويل الكتاب. وقال أبو بكر بن أبي عتَّاب الأَعْيَن: كتبنا عن محمَّد بن إسماعيل وهو أمردُ على باب محمَّد بن يوسف الفريابيِّ، وما في وجهه شعرةٌ. وكان موت الفريابيِّ سنة اثنتي عشْرة ومئتين، فيكون للبخاريِّ إذ ذاك نحوٌ من ثمانيةَ عَشَرَ عامًا أو دونها.
وأمَّا رحلته لطلب الحديث؛ فقال الحافظ ابن حجرٍ: أوَّل رحلته بمكَّة سنة عشْرٍ ومئتين، قال: ولو رحل أوَّل ما طلب لأدرك ما أدركه أقرانه من طبقةٍ عاليةٍ ما أدركها، وإن كان أدرك ما قاربها؛ كيزيد بن هارون، وأبي داود الطَّيالسيِّ، وقد أدرك عبد الرَّزَّاق وأراد أن يرحل إليه، وكان يمكنه ذلك، فقِيلَ له: إنَّه مات، فتأخَّر عن التَّوجه إلى اليمن، ثمَّ تبيَّن أنَّ عبد الرَّزَّاق كان حيًّا، فصار يروي عنه بواسطةٍ، ثمَّ ارتحل بعد أن رجع من مكَّة إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنته الرِّحلة إليها.
وقال الذَّهبيُّ وغيره: وكان أوَّل سماعه سنة خمسٍ ومئتين، ورحل سنة عشرٍ ومئتين بعد أن سمع الكثير ببلده من سادة وقته محمَّد بن سلَامٍ البيكنديِّ، وعبد الله بن محمَّدٍ المسنديِّ، ومحمَّد بن عَرْعَرة، وهارون بن الأشعث، وطائفةٍ، وسمع ببلخٍ من: مكيِّ بن إبراهيم، ويحيى ابن بشر الزَّاهد، وقتيبة، وجماعةٍ، وكان مكيٌّ أحد من حدَّثه عن ثقات التَّابعين، وسمع بمروَ من: عليِّ بن شقيقٍ وعبدان ومعاذ بن أسدٍ وصدقة بن الفضل، وجماعةٍ، وسمع بنيسابور من: يحيى بن يحيى وبشر بن الحكم وإسحاق، وعدة، وبالرَّيِّ من: إبراهيم بن موسى الحافظ
والعضدان وما بينهما. انتهى. وعليه فضم الحضن خطأ.
قوله: (فِيْ حِجْر العِلْمِ) (^١) فيهِ إما مجازيًا لحذفٍ أو مَكْنِيَّة.
وقوله: (حَتَّى رَبَا) هو كنَمَا وزنًا ومعنىً.
قوله: (وَارْتَضَعَ ثَدْيَ الفَضْلِ) فيهِ من المَكْنِيَّةِ ما لا يخفاكَ.
قوله: (غُنْجَار) بغين معجمة مضمومة فنون ساكنة بعدها جيم وبعد الألف راء، لقبُ التيمي البخاري صاحب «تاريخ بخارى» كما في «القاموس»، وفي «مختصر تاريخ ابن عساكر»: الغُنْجارُ معرَّفًا.
قوله: (اللَّالَكَائِي) (^١) بفتح اللام آخره همزة، نسبة إلى اللوالك، وهي نعال تلبس في الأرجل كان يبيعها، كذا في «اللب».
قوله: (رُبِّيَ فِيْ حِجْرِ العِلْمِ) (^١)، يُقال: رَبَى الصغير يَرْبِي، من باب: تعب، وربا يربو من باب علا إذا نشأ، ويتعدى بالتضعيف فيقال رَبَّيْتُهُ فَتَرَبَّى.
قوله: (عَلَى هَذَا اللِّبَأ) اللبأ مهموز بوزن عِنَب: أول اللبن عند الولادة، وأكثرُ ما يكون ثلاث حلباتٍ وأقلُّهُ حلبةٌ، ولبَّأْتُ زيدًا ألبؤُهُ أطعمته اللِّبَأ.
قوله: (واللَّأْلَكَائِي) (^١) بهمزة ساكنة بين اللامين المفتوحة.
قوله: (ابْنِ المُبَارَكِ) هو عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي، قال ابن خلكان: كان قد جمعَ بين العلمِ والعمل والزُّهد، وتفقه على سُفيان الثوري ومالك بن أنس، وروى عنه الموطأ، وكان شديدَ التَّوَرُّعِ، ومما أُثِرَ عنه أنَّه سُئل أيُّمَا أفضلُ معاوية بن أبي سفيان أم عمر بن عبد العزيز فقال: والله إن الغبارَ الذي دخل في أنفِ معاوية مع رسول الله ﷺ أفضل من عُمَرَ بألفِ مرةٍ، صَلَّى مُعَاوِيَةُ خَلْفَ رسول الله ﷺ فقال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» إِذْ قَالَ معاوية: «رَبَّنَا ولَكَ الْحَمْدُ» فما بعدَ هذا؟!. انتهى.
ومن كلامه: تعلمنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا.
وكتبه: وهي مصنفاته في الحديث والفقه.
قوله: (وَوَكِيْعٍ) هو شيخُ الإمام الشافعي المدفونِ بالقرافةِ الكبرى بطريقِ الذَّاهب إلى الإمام وهو الذي عناه بقوله:
شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظي … فأرشدَنِي إلى تركِ المَعَاصِي
وأخبرنِي بأنَّ العلمَ نورٌ … ونورُ اللهِ لا يُهدى لعاصِي
قوله: (الأَعْيَن) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة بوزن أحمر، أصله العظيم العين، لُقِّبَ بِهِ هذا لذلك.
قوله: (الفِرْيَابِي) بفاء مكسورة وبعد الراء مثناة تحتية وبعد الألف موحدة مكسورة.
قوله: (عَبْدَ الرَّزَّاقِ) هو أبو بكر عبد الرزاق بن هَمَّام بن نافع الصنعاني.
قال أبو سعيد السّمْعَاني: قيلَ ما رحلَ الناسُ إلى أحدٍ بعد رسول الله ﷺ مثل ما رحلوا إليه.
يروي: عن مَعْمَر بن راشد والأَوْزَاعي وابن جُرَيج وغيرهم.
وروى عنه: أئمة الإسلام في زمانه منهم سُفيان بن عيينة وهو من شُيوخه وأحمد ابن حنبل ويحيى ابن مَعِيْن وغيرهم، تُوفي في شوال سنةِ إحدى عشرة ومئتين باليمن، ومن كلامه: من يصحب الزمان يرى الهوان.
قوله: (البِيْكَنْدِي) بكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح الكاف وسكون النون، بلدةٌ على مرحلةٍ من بُخارى، كما في «اللب».
قوله: (المُسْنَدِي) بضم الميم وفتح النون، نسبة إلى الحديث المسند، كما في «التقريب».
_________________
(١) تعليق الشاملة: وقع في المطبوع هنا - كما ترى- اضطراب في ترتيب عبارات الشرح، وتكرار فمثلا شرح (ربى في حجر العلم) مرتين متباعدتين، وضبط (اللالكائي) مرتين متباعدتين، وقد أعادوا في موسوعة البخاري ترتيب الشرح بضم النظير إلى نظيره.
[ ١٠٦ ]
وغيره، وببغداد من: محمَّد بن عيسى بن الطَّبَّاع، وسُريج بن النُّعمان، وطائفةٍ، وقال: دخلت على معلى بن منصور ببغداد سنة عشرٍ ومئتين، وسمع بالبصرة من: أبي عاصمٍ النَّبيل، وبدل بن المُحبَّر، ومحمَّد بن عبد الله الأنصاريِّ، وعبد الرَّحمن بن محمَّد بن حمادٍ، وعمرو بن عاصمٍ الكلابيِّ، وعبد الله بن رجاء الغُدانيِّ وطبقتهم، وبالكوفة من: عبيد الله ابن موسى وأبي نُعيمٍ وطلق بن غنَّام والحسن بن عطيَّة، وهما أقدم شيوخه موتًا، وخلَّاد بن يحيى وخالد بن مخلدٍ وفروة بن أبي المغراء وقَبِيْصة وطبقتهم، وبمكَّة من: أبي عبد الرَّحمن المقري والحميديِّ وأحمد بن محمَّدٍ الأزرقيِّ وجماعةٍ، وبالمدينة من: عبد العزيز الأويسيِّ ومُطرِّف بن عبد الله وأبي ثابت محمَّد بن عبيد الله وطائفةٍ، وبواسط من: عمرو بن محمَّد بن عون وغيره، وبمصر من: سعيد ابن أبي مريم، وعبد الله بن صالحٍ الكاتب، وسعيد ابن تَلِيدٍ، وعمرو بن الرَّبيع بن طارقٍ وطبقتهم، وبدمشق من: أبي مُسْهِر شيئًا يسيرًا، ومن أبي النَّضر الفراديسيِّ وجماعةٍ، وبقيساريَّة من: محمَّد بن يوسف الفريابيِّ، وبعسقلان من: آدم بن أبي إياس، وبحمص من: أبي المغيرة وأبي اليمان وعلي بن عيَّاش وأحمد بن خالدٍ الوهبيِّ ويحيى الوحاظيِّ. انتهى. وعن محمَّد بن أبي حاتمٍ عنه أنَّه قال: كتبت عن ألفٍ وثمانين نفسًا ليس فيهم إلَّا صاحبُ حديثٍ، وقال أيضًا: لم أكتب إلَّا عمَّن قال: إنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، وقد حصرهم الحافظ ابن حجرٍ في خمس طبقاتٍ:
الأولى: مَنْ حدَّث عن التَّابعين؛ مثل: محمَّد بن عبد الله الأنصاريِّ حدَّثه عن حميدٍ، ومثل: مكيِّ بن إبراهيم حدَّثه عن يزيد بن أبي عبيدٍ، ومثل: أبي عاصمٍ النَّبيل حدَّثه عن يزيد ابن أبي عبيدٍ أيضًا، ومثل عبيد الله بن موسى حدَّثه عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، ومثل أبي نُعيمٍ حدَّثه عن الأعمش، ومثل خلَّاد بن يحيى حدَّثه عن عيسى بن طهمان، ومثل عليِّ بن عيَّاشٍ وعصام بن خالدٍ حدَّثاه عن حَرِيْز بن عثمان، وشيوخ هؤلاء كلُّهم من التَّابعين.
الطَّبقة الثَّانية: من كان في عصر هؤلاء لكن لم يسمع من ثقات التَّابعين؛ كآدم بن أبي إياس وأبي مسهرٍ عبد الأعلى بن مسهرٍ، وسعيد ابن أبي مريم، وأيُّوب بن سليمان بن بلالٍ، وأمثالهم.
الطَّبقة الثَّالثة: وهي الوسطى من مشايخه وهم من لم يلق التَّابعين، بل أخذ عن كبار تبع الأتباع؛ كسليمان بن حربٍ وقتيبة بن سعيدٍ ونُعيم بن حمَّادٍ وعليِّ بن المدينيِّ ويحيى بن معينٍ وأحمد ابن حنبل وإسحاق بن رَاهُوْيَه وأبي بكرٍ وعثمان ابني أبي شيبة، وأمثال هؤلاء، وهذه الطَّبقة قد شاركه مسلمٌ في الأخذ عنهم.
الطَّبقة الرَّابعة: رفقاؤه في الطَّلب ومن سمع قبله قليلًا؛ كمحمَّد بن يحيى الذُّهليِّ وأبي حاتمٍ الرَّازي ومحمَّد بن عبد الرَّحيم صاعقةٍ وعبد بن حميدٍ وأحمد بن النَّضر وجماعةٍ من نظرائهم، وإنَّما يخرِّج عن هؤلاء ما فاته من مشايخه، أو ما لم يجده عند غيرهم.
الطَّبقة الخامسة: قومٌ في عداد طلبته في السِّنِّ والإسناد سمع منهم للفائدة؛ كعبد الله بن حمَّادٍ الآمليِّ وعبد الله بن أبي القاضي الخوارزميِّ وحسين بن محمَّد القبَّاني وغيرهم وقد روى عنهم أشياء يسيرةً، وعمل في الرِّواية عنهم، بما روى عن عثمان ابن أبي شيبة عن وكيعٍ قال: لا يكون الرَّجل عالمًا حتَّى يحدِّث عمَّن هو فوقه، وعمَّن هو مثله، وعمَّن هو دونه. انتهى.
وعن البخاريِّ أنَّه قال: لا يكون المحدِّث كاملًا حتَّى يكتب عمَّن هو فوقه، وعمَّن هو مثله، وعمَّن هو دونه. انتهى.
وقال التَّاج السُّبكيُّ: وذكره -يعني: البخاريَّ- أبو عاصمٍ في «طبقات أصحابنا الشَّافعيَّة». وقال: إنَّه سمع من الزَّعفرانيِّ وأبي ثورٍ والكرابيسيِّ، قال: ولم يروِ عن الشَّافعيِّ في الصَّحيح؛ لأنَّه أدرك أقرانه، والشَّافعيُّ مات كهلًا، فلا يرويه نازلًا. وروى عن الحسين وأبي ثورٍ مسائل عن الشَّافعيِّ، وما برح - رحمه الله تعالى - يدأب ويجتهد حتَّى صار أَنْظَرَ أهل
قوله: (عَلَى مُعَلَّى) بضم الميم وفتح العين واللَّام المشددة.
قوله: (وَبَدَلِ) بفتح الباء الموحدة والدال المهملة، وهو علمُ الشيخ المذكور، و(المُحَبَّرِ) بضم الميم وفتح الحاء المهملة والموحدة المشددة وبالراء، كما في الكِرْمَاني.
قوله: (الغُدَانِي) بغين معجمة مضمومة فدالٍ مهملة مخففة وبعد الألف نون.
قوله: (ابْنِ غَنَّامٍ) بغين معجمة فنون مشددة.
قوله: (وقَبِيْصَةَ) بفتح القاف وكسر الموحدة وإسكان التحتية المثناة وفتح الصاد المهملة.
قوله: (وَمُطَرِّفِ) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء آخره فاء.
قوله: (ابنِ تَلِيْدٍ) بفتح المثناة الفوقية وكسر اللام آخره دال مهملة.
قوله: (ابْنِ طَارِقٍ) بالقاف آخره.
قوله: (وَبِدِمَشْقَ) قال النووي: بكسر الدال وفتح الميم وحكى صاحب «المطالع» كسرها، قال الجَوَاليقي: أعجميٌّ مُعرب. انتهى فهو ممنوعٌ من الصَّرف.
قوله: (أبي مُسْهِر) بضم الميم وكسر الهاء.
قوله: (الفَرَادِيْسِي) بالفاء وبعد الياء التحتية سين مهملة.
قوله: (وَبِقَيْسَارِيَّةَ) بقاف مفتوحة فتحتية ساكنة فسين مهملة وبعد الراء مثناة تحتية: مدينة معروفة.
قوله: (الوَهْبِي) بفتح الواو وسكون الهاء وبالموحدة، نسبةً إلى وهب جدٌّ لَهُ.
قوله: (فِيْ خَمْسِ طَبَقَاتٍ) قال العلامة العَيْنِي: ومن لا معرفة لهُ بذلك يظنُّ أنَّ البخاري إذا حدَّثَ عن مَكي، عن يزيد بن أبي عبيدةٍ، عن سَلَمَة، ثم حدث في موضعٍ آخرَ عن بكر بن مُضَر، عن عمرو بن الحارث، عن بُكير بن عبد الله الأشج، عن يزيد بن أبي عُبيد، عن سَلَمَة أنَّ الإسناد الأول سقطَ منهُ شيءٌ، وليس كذلك وإنَّما يُحَدِّثُ في موضعٍ عاليًا وفي موضع نازلًا، فقد حدَّثَ في مواضعَ كثيرةٍ جدًّا عن رجل، عن مالك، وفي مواضع عن عبد الله بن محمد المُسْنَدي، عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن مالك، وحدث في مواضع أُخَرَ عن رجلٍ، عن شُعبة، وفي مواضع عن ثلاثة، عن شُعبة، منها حديثه عن حماد بن حميد، عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، وكذا حدَّث عن الثوري في مواضعَ بواسطةِ رجلٍ وفي آخرَ بواسطة ثلاثةٍ؛ فقسْ على ذلك وتيقظْ له. انتهى.
قوله: (عَلِيِّ بنِ عَيَّاشٍ) بتحتية بعد العين آخره شين معجمة.
قوله: (الآمُلِي) بمد الهمزة وتخفيف الميم المضمومة.
قوله: (مَاتَ مُكْتَهِلًا)؛ أي: آخذًا في الكهولة، وهي من إحدى وثلاثين إلى أربع وثلاثين إلى الخمسين، واكتهل صار كهلًا، ولا تقل: كهل؛ أي: إنَّه عاش بعد أقرانه، فأخذَ البخاري عنهم لتقدمهم وفاةً، وهذا كما سلف من عُلو الإسناد.
قوله: (يَدْأَبُ) بسكون الدال المهملة وفتح الهمزة مضارعُ دأبَ في عمله دأبًا: جدَّ وتعبَ.
[ ١٠٧ ]
زمانه، وفارس ميدانه، والمقدَّم على أقرانه، وامتدَّت إليه الأعين، وانتشر صيته في البلدان، ورُحِلَ إليه من كلِّ مكانٍ.
وأمَّا من أخذ عن البخاريِّ؛ فقال الذَّهبيُّ وغيره: إنَّه حدَّث بالحجاز والعراق وما وراء النَّهر، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرةٌ، وروى عنه أبو زرعة وأبو حاتم قديمًا، وروى عنه من أصحاب الكتب: التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، على نزاعٍ في النَّسائيِّ، والأصحُّ: أنَّه لم يرو عنه شيئًا، وروى عنه مسلمٌ في غير «الصَّحيح»، ومحمَّد بن نصرٍ المروزيُّ الفقيه، وصالح بن محمَّدٍ جَزَرَة الحافظ، وأبو بكر بن أبي عاصم ومُطيَّن وأبو العبَّاس السَّرَّاج وأبو بكر بن خزيمة وأبو قريش محمَّد بن جمعة ويحيى بن محمَّد بن صاعدٍ وإبراهيم بن معقلٍ النَّسفيُّ ومهيب بن سليمٍ وسهل بن شاذويه ومحمَّد بن يوسف الفَِرَبْريِّ ومحمَّد بن أحمد بن دَلُّوْيَه وعبد الله بن محمَّدٍ الأشقر ومحمَّد بن هارون الحضرميُّ والحسين بن إسماعيل المحامليُّ وأبو عليٍّ الحسن بن محمَّدٍ الدَّاركيُّ وأحمد بن حمدون الأعمش وأبو بكرٍ بن أبي داود ومحمود بن عنبرٍ النَّسفيُّ وجعفر بن محمَّد بن الحسن الجزريُّ وأبو حامد بن الشَّرقيِّ وأخوه أبو محمَّدٍ عبد الله ومحمَّد بن سليمان بن فارسٍ ومحمَّد بن المسيّب الأرغيانيُّ ومحمَّد بن هارون الرُّوياني وخلقٌ، وآخر من روى عنه «الجامع الصَّحيح» منصور بن محمَّدٍ البزدويُّ المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين وثلاث مئةٍ، وآخر من زعم أنَّه سمع من البخاريِّ موتًا أبو ظهيرٍ عبد الله بن فارسٍ البلخيُّ، المُتوفَّى سنة ستٍّ وأربعين وثلاث مئةٍ، وآخر من روى حديثه عاليًا خطيب الموصل في «الدُّعاء» للمحامليِّ بينه وبينه ثلاثة رجالٍ.
وأمَّا ذكاؤه وسَعَةُ حفظه وسيلان ذهنه؛ فقِيلَ: إنَّه كان يحفظ وهو صبيٌّ سبعين ألف حديثٍ سردًا، ورُوِيَ أنَّه كان ينظر في الكتاب مرَّةً واحدةً فيحفظ ما فيه من نظرةٍ واحدةٍ.
وقال محمَّد بن أبي حاتم ورَّاقه: سمعت حاشد بن إسماعيل وآخرَ يقولان: كان البخاريُّ يختلف معنا إلى السَّماع وهو غلامٌ، فلا يكتب حتَّى أتى على ذلك أيَّامٌ، فكنَّا نقول له، فقال: إنَّكما قد أكثرتما عليَّ، فاعرضا عليَّ ما كتبتما، فأخرجنا إليه ما كان عندنا، فزاد ذلك على خمسة عشر ألف حديثٍ، فقرأها كلَّها عن ظهر قلبه، حتَّى جعلنا نُحكْم كُتُبَنا من حفظه، ثمَّ قال: أترون أنِّي أختلف هدرًا وأضيِّع أيَّامي، فعرفنا أنَّه لا يتقدَّمه أحدٌ. قالا: فكان أهل المعرفة يغدون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ، حتَّى يغلبوه على نفسه ويجلسوه في بعض الطرق، فيجتمع عليه ألوفٌ، أكثرهم ممَّن يُكْتَب عنه، وكان شابًّا.
وقال محمَّد بن أبي حاتمٍ: سمعت سليمان بن مجاهدٍ يقول: كنت عند محمَّد بن سلامٍ البيكنديِّ، فقال لي: لو جئت قبلُ لرأيت صبيًّا يحفظ سبعين ألف حديثٍ، قال: فخرجت في طلبه، فلقيته، فقلت: أنت الذي تقول: أنا أحفظ سبعين ألف حديثٍ؟ قال: نعم؛ وأكثر، ولا أجيبك بحديثٍ عن الصَّحابة والتَّابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروي حديثًا من حديث الصَّحابة والتَّابعين إلَّا ولي في ذلك أصلٌ أحفظه حفظًا عن كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله ﷺ.
وقال ابن عديٍّ: حدَّثني محمَّد بن أحمد القومسيُّ: سمعت محمَّد ابن عمرويه يقول: سمعت محمَّد بن إسماعيل يقول: أحفظ مئة ألف حديثٍ صحيحٍ، وأحفظ مئتي ألف حديثٍ غير صحيحٍ، وقال: أخرجت هذا الكتاب -يعني: «الجامع الصَّحيح» - من نحو ستِّ مئة ألف حديثٍ، وقال: دخلت بَلْخ، فسألوني أنْ أُملي عليهم لكلِّ من كتبت عنه، فأمليت ألف حديثٍ عن ألف شيخٍ، وقال: تذكَّرت يومًا في أصحاب أنسٍ، فحضرني في ساعةٍ ثلاث مئة نفسٍ.
وقال ورَّاقه: عمل كتابًا في «الهبة» فيه نحو خمس مئة حديثٍ، وقال: ليس في كتاب وكيع في «الهبة» إلَّا حديثان مسندان أو ثلاثةٌ، وفي كتاب ابن المبارك خمسةٌ أو نحوها.
وقال أيضًا: سمعت البخاريَّ يقول: كنت في مجلس الفريابيِّ، فسمعته يقول: حدَّثنا سفيان عن أبي عروة عن أبي الخطَّاب عن أنسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يطوف على نسائه في غسلٍ واحدٍ» [خ¦٢٨٤]، فلم يعرف أحدٌ في المجلس أبا عروة ولا أبا الخطَّاب، فقلت: أمَّا أبو عروة؛ فمَعْمَر، وأما أبو الخطَّاب؛ فقتادة. قال: وكان الثَّوريُّ فعولًا لهذا؛ يكنِّي المشهورين.
وقال محمَّد بن أبي حاتمٍ أيضًا: قدم رجاء الحافظ، فقال لأبي عبد الله: ما أعددت لقدومي حين بلغك؟ وفي أيِّ شيءٍ نظرت؟ قال: ما أحدثت نظرًا ولا استعددت لذلك، فإن أحببت أن تسألني عن شيءٍ فافعل، فجعل يناظره في أشياء، فبقي رجاء لا يدري، ثمَّ قال أبو عبد الله: هل لك في الزِّيادة؟ فقال استحياءً منه وخجلًا: نعم، ثمَّ قال: سل إن شئت، فأخذ في أسامي أيُّوب، فعدَّ نحوًا من ثلاثة عشر، وأبو عبد الله ساكتٌ، فظنَّ رجاء أنَّه قد صنع شيئًا، فقال: يا أبا عبد الله، فاتك خيرٌ كثيرٌ، فزيَّف أبو عبد الله في أولئك سبعةً، وأغرب عليه أكثر من ستِّين رجلًا، ثمَّ قال لرجاء: كم رويت في العمامة السَّوداء؟ قال: هات كم رويت أنت؟ قال: يُروَى من أربعين حديثًا، فخجل رجاء، ويبس ريقه.
وأمَّا كثرة اطِّلاعه على علل الحديث؛ فقد رُوِينا عن مسلم بن الحجَّاج أنَّه قال له: دعني أقبِّل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيِّد المحدِّثين، وطبيب الحديث في علله.
وقال
قوله: (صِيْتُهُ) بكسر الصاد المهملة؛ أي: ذِكره الحسن.
قوله: (وَرُحِلَ) بضم الراء مبنيًا للمجهول؛ أي: رحل الناس إليه للأخذ عنه.
قوله: (جَزَرَة) بجيم فزاي محركتين.
قوله: (وَمُطَيَّن) بضم الميم وفتح الطاء المهملة والمثناة التحتية آخره نون.
قوله: (ابْنُ سَاذُوْيَهْ) بسين مهملة (^١) وذال معجمة مضمومة فواو ساكنة فتحتية مفتوحة فهاء ساكنة، فارسي.
قوله: (ابْنُ دَلُّوْيَه) بفتح الدال المهملة، وضمِّ اللام المشددة وإسكان الواو، آخره هاء، فارسي كالذي قبله.
قوله: (وَرَّاقُهُ) بتشديد الراء وبعد القاف ضميرٌ عائدٌ على البُخَاري؛ أي: الذي كان يأخذ منه الوَرَق.
قوله: (نُحْكِمُ كُتُبَنَا) بضمِّ النون وكسرِ الكاف؛ أي: نضبطها ونُتقنها.
قوله: (إلَّا وَلِي فِيْ ذَلِكَ)؛ أي: في مضمونه.
قوله: (ابْنَ حَمْرَوَيه) بفتح الحاء المهملة والراء والواو وإسكان الميم والمثناة التحتية بعد الواو، آخره هاء.
قوله: (فَعُوْلًا لِهَذَا)؛ أي: كثيرَ الفعل لهذا الذي ذكره بعد بقوله: (يُكَنِّي المَشْهُوْرِيْنَ).
قوله: (فَزَيَّفَ …) إلى آخره؛ أي: ذكرَ زَيْفَهُم؛ أي: رداءتهم كنايةً عن إيرادِ جَرْحِهِم.
قوله: (وَيَبِسَ رِيْقُهُ) بفتح الموحدة؛ أي: جَفَّ
_________________
(١) تعليق موسوعة البخاري: كذا قال، وهو في كتب التراجم كافة بالشين المعجمة.
[ ١٠٨ ]
التِّرمذيُّ: لم أر أحدًا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتَّاريخ ومعرفة الأسانيد أعلمَ من محمَّد بن إسماعيل.
وقال محمَّد بن أبي حاتمٍ: سمعت سُليم بن مجاهدٍ يقول: سمعت أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربع مئةٍ ممَّن يطلبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيَّام وأحبُّوا مغالطة محمَّد بن إسماعيل، فأدخلوا إسناد الشَّام في إسناد العراق، وإسناد العراق في إسناد الشَّام، وإسناد الحرم في إسناد اليمن، فما استطاعوا مع ذلك أن يتعلَّقوا عليه بسقطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال أبو أحمد بن عديٍّ الحافظ: سمعت عدَّةً من المشايخ يحكون: أنَّ البخاريَّ قدم بغداد، فاجتمع أصحاب الحديث وعمدوا إلى مئة حديثٍ، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسنادٍ آخر، وإسناد هذا المتن لمتنٍ آخر، ودفعوا إلى كلِّ واحدٍ عشرة أحاديث؛ ليلقوها على البخاريِّ في المجلس امتحانًا، فاجتمع النَّاس من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم، ومن البغداديِّين، فلمَّا اطمأنَّ المجلس بأهله انتدب أحدهم، فقام وسأله عن حديثٍ من تلك العشرة، فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، حتَّى فرغ العشرة، فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعضٍ ويقولون: الرَّجل فَهِم، ومن كان لا يدري قضى عليه بالعجز، ثمَّ انتدب آخر، ففعل كفعل الأوَّل، والبخاريُّ يقول: لا أعرفه إلى أن فرغ العشرة أنفسٍ، وهو لا يزيدهم على: لا أعرفه، فلمَّا علم أنَّهم فرغوا التفت إلى الأوَّل، فقال: أمَّا حديثك الأوَّل؛ فقلتَ كذا، وصوابُه كذا، وحديثك الثَّاني كذا، وصوابه كذا، والثَّالث والرَّابع على الولاء، حتَّى أتى على تمام العشرة، فردَّ كلَّ متنٍ إلى إسناده، وكلَّ إسنادٍ إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، فأقرَّ النَّاس له بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل.
وقال يوسف بن موسى المروزيُّ: كنت بجامع البصرة، فسمعت مناديًا ينادي: يا أهل العلم، لقد قدم محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ، فقاموا في طلبه، وكنت فيهم، فرأيت رجلًا شابًّا ليس في لحيته بياضٌ، يصلِّي خلف الأسطوانة، فلمَّا فرغ أحدقوا به، وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء، فأجابهم إلى ذلك، فقام المنادي ثانيًا ينادي في جامع البصرة، فقال: يا أهل العلم، لقد قدم محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ، فسألناه أن يعقد مجلس الإملاء، فأجاب بأن يجلس غدًا في موضع كذا، فلمَّا كان من الغد حضر المحدِّثون والحفَّاظ والفقهاء والنُّظَّار، حتَّى اجتمع قريبٌ من كذا وكذا ألف نفسٍ، فجلس أبو عبد الله للإملاء، فقال قبل أن يأخذ في الإملاء: يا أهل البصرة، أنا شابٌّ، وقد سألتموني أن أحدِّثكم، وسأحدِّثكم أحاديثَ عن أهل بلدكم تستفيدونها؛ يعني: ليست عندكم، فتعجَّب النَّاس من قوله، فأخذ في الإملاء، فقال: حدَّثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي روَّاد العتكيُّ بَلَدِيِّكُم، قال: حدَّثنا أبي عن شعبة عن منصورٍ وغيره عن سالم بن أبي الجعد عن أنس بن مالكٍ ﵁: «أنَّ أعرابيًّا جاء إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله، الرَّجل يحبُّ القوم …» الحديث، ثمَّ قال: هذا ليس عندكم عن منصورٍ، إنما هو عندكم عن غير منصورٍ، قال يوسف بن موسى: فأملى مجلسًا على هذا النَّسق، يقول في كلِّ حديثٍ: روى فلانٌ هذا الحديث وليس عندكم كذا، فأمَّا رواية فلانٍ؛ يعني التي يسوقها؛ فليست عندكم.
وقال الحافظ أبو حامدٍ الأعمش: كنَّا عند البخاريِّ بنيسابور، فجاء مسلم بن الحجَّاج، فسأله عن حديث عبيد الله بن عمر عن أبي الزُّبير عن جابرٍ، قال: «بعثنا رسول الله ﷺ في سريَّةٍ ومعنا أبو عبيدة …» الحديث بطوله [خ¦٤٣٦١]. فقال البخاريُّ: حدَّثنا ابن أبي أويسٍ، حدَّثني أخي عن سليمان بن بلالٍ عن عبيد الله …، فذكر الحديث بتمامه، قال: فقرأ عليه إنسانٌ حديث حجَّاج بن محمَّد عن ابن جريجٍ عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالحٍ عن أبيه عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ قال: «كفَّارة المجلس إذا قام العبد أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إِلَّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»، فقال له مسلمٌ: في الدُّنيا أحسن من هذا الحديث: ابن جريجٍ عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح، يعرف بهذا الإسناد في الدُّنيا حديثًا؟ فقال له محمَّد بن إسماعيل: إلَّا أنَّه معلولٌ، فقال مسلمٌ: لا إله إلَّا الله -وارتعد- أخبرني به؟ فقال: استر ما ستر الله تعالى، هذا حديثٌ جليلٌ، رواه النَّاس عن حجَّاج بن محمَّد عن ابن جريجٍ. فألحَّ عليه وقبَّل رأسه، وكاد أن يبكيَ، فقال: اكتب إن كان ولا بدَّ: حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وُهيب، حدَّثنا موسى بن عقبة عن عون بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «كفَّارة المجلس …»، فقال له مسلمٌ: لا يبغضك إلَّا حاسدٌ، وأشهد أن ليس في الدُّنيا مثلك.
وقد روى هذه القصَّة البيهقيُّ في «المدخل» عن الحاكم أبي عبد الله على سياقٍ آخر، فقال: سمعت أبا نصرٍ أحمد بن محمَّدٍ الورَّاق يقول: سمعت أحمد بن حمدون القصَّار هو أبو حامدٍ الأعمش يقول: سمعت مسلم بن الحجَّاج، وجاء إلى محمَّد بن إسماعيل، فقبَّل ما بين عينيه، وقال: دعني حتَّى أقبِّل رجليك يا أستاذ الأستاذِين وسيِّد المحدِّثين، وطبيب الحديث في علله، حدّثنا محمَّد بن سلَّامٍ، حدَّثنا محمَّد بن مخلد بن يزيد، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، حدَّثنا موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالحٍ عن أبيه عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ في كفَّارة المجلس، فقال محمَّد بن إسماعيل: وحدَّثنا أحمد ابن حنبل ويحيى بن معينٍ، قالا: حدَّثنا حجَّاج بن محمَّدٍ عن ابن جريجٍ، حدَّثني موسى بن عقبة عن سهيلٍ عن أبيه عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «كفَّارة المجلس أن يقول إذا قام من مجلسه: سبحانك اللهمَّ ربَّنا وبحمدك»، فقال محمَّد بن إسماعيل: هذا حديثٌ مليحٌ، ولا أعلم بهذا الإسناد في الدُّنيا حديثًا غير هذا، إلَّا أنَّه معلولٌ. حدَّثنا به موسى بن إسماعيل، حدَّثنا وهيبٌ، حدَّثنا سهيلٌ عن عون بن عبد الله قولَه، قال محمَّد بن إسماعيل: هذا أولى، ولا يُذكَر لموسى بن عقبة مُسنَدًا عن
وانْقَطَعْتْ حجَّتُهُ وازدادَ خجلُهُ.
قوله: (الأُسْطُوَانَة) بضم الهمزة وسكون السين وضم الطاء المهملة: العامود المنتصب.
قوله: (أَحْدَقُوْا)؛ أي: أحاطوا به.
قوله: (ابْنُ جَبَلة) بجيم وموحدة مفتوحتين، و(رَوَّاد) براء مفتوحة وواوٍ مُشددة، و(العَتْكِي) بعين مهملة مفتوحة فمثناة فوقية ساكنة.
قوله: (فِيْ الدُّنْيَا …) إلى آخره، استفهامٌ على تقدير الهمزة.
وقوله: (ابْنُ جُرَيْج) مستأنفٌ لبيانِ أحسنيَّته.
وقوله: (يُعْرَفُ فِيْ الدُّنْيَا) على حذفِ همزة الاستفهام؛ أي: أيعرف.
قوله: (إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُوْلٌ) سيأتي للشارح بيانُ عِلَّتِهِ عن المصنف، بأنَّ مُوسى بن عُقبة ليسَ لهُ مُسند عن
[ ١٠٩ ]
سهيلٍ.
وقال الحافظ أحمد بن حمدون: رأيت البخاريَّ في جنازةٍ ومحمَّد بن يحيى الذُّهليُّ يسأله عن الأسماء والعلل، والبخاريُّ يمرُّ فيه كالسَّهم، كأنَّه يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
وأمَّا تآليفه فإنَّها سارت مسير الشَّمس، ودارت في الدُّنيا فما جحد فضلَها إلَّا الذي يتخبَّطه الشَّيطان من المسِّ، وأجلُّها وأعظمها: «الجامع الصَّحيح».
ومنها: «الأدب المفرد» ويرويه عنه أحمد بن محمَّد بن الجليل -بالجيم- البزَّاز.
ومنها: «برُّ الوالدين» ويرويه عنه محمَّد بن دَلُّويه الورَّاق.
ومنها: «التَّاريخ الكبير»، الذي صنَّفه -كما مرَّ- عند قبر النَّبيِّ ﷺ في اللَّيالي المقمرة، ويرويه عنه أبو أحمد محمَّد بن سليمان بن فارسٍ وأبو الحسن محمَّد بن سهل الفسويُّ، وغيرهما.
ومنها: «التَّاريخ الأوسط»، ويرويه عنه عبد الله بن أحمد بن عبد السَّلام الخفَّاف، وزنجويه بن محمَّدٍ اللَّباد.
ومنها: «التَّاريخ الصَّغير»، ويرويه عنه عبد الله بن محمَّد بن عبد الرَّحمن الأشقر.
ومنها: «خلق أفعال العباد»، الذي صنَّفه بسبب ما وقع بينه وبين الذُّهليِّ، كما سيأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى- ويرويه عنه يوسف بن ريحان بن عبد الصَّمد والفَِرَبْريُّ أيضًا.
وكتاب «الضُّعفاء»، يرويه عنه أبو بشرٍ محمَّد بن أحمد بن حمَّادٍ الدُّولابيُّ، وأبو جعفرٍ مُسبِّح بن سعيدٍ وآدم بن موسى الخواريُّ.
قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذه التَّصانيف موجودةٌ مرويَّةٌ لنا بالسَّماع والإجازة.
قال: ومن تصانيفه: «الجامع الكبير»، ذكره ابن طاهرٍ، و«المسند الكبير» و«التَّفسير الكبير» ذكره الفَِرَبْريُّ، وكتاب «الأشربة» ذكره الدَّارقطنيُّ في «المؤتلف والمختلف»، وكتاب «الهبة»، ذكره ورَّاقه، و«أسامي الصَّحابة»، ذكره أبو القاسم بن منده، وأنَّه يرويه من طريق ابن فارسٍ عنه، وقد نقل منه أبو القاسم البغويُّ الكثير في «معجم الصَّحابة» له، وكذا ابن منده في «المعرفة»، ونقل عنه في كتاب «الوُحدان» له؛ وهو مَنْ ليس له إلَّا حديثٌ واحدٌ من الصَّحابة، وكتاب «المبسوط»، ذكره الخليليُّ في «الإرشاد»، وأنَّ مَهيب بن سُليمٍ رواه عنه في «كتاب العلل»، وذكره أبو القاسم بن منده أيضًا، وأنَّه يرويه عن محمَّد بن عبد الله بن حمدون عن أبي محمَّد عبد الله بن الشَّرقيِّ عنه، وكتاب «الكنى»، ذكره الحاكم أبو أحمد ونقل منه، وكتاب «الفوائد»، ذكره التِّرمذيُّ في أثناء كتاب «المناقب» من «جامعه».
ومن شعره ممَّا أخرجه الحاكم في «تاريخه»:
اغتنم في الفراغ فَضْلَ ركوعٍ … فعسى أن يكون موتُك بَغْتهْ
كم صحيحٍ رأيتُ من غير سقمٍ … ذهبت نفسه الصَّحيحة فلتهْ
ولمَّا نُعِيَ إليه عبد الله بن عبد الرَّحمن الدَّارميُّ الحافظ؛ أنشد:
إن عشتَ تُفجَعُ بالأحبَّة كلِّهمْ … وبقاءُ نفسك -لا أبا لكَ- أفجعُ
وأمَّا ثناء النَّاس عليه بالحفظ والورع والزُّهد وغير ذلك؛ فقد وصفه غير واحدٍ بأنَّه كان أحفظ أهل زمانه، وفارس ميدانه، كلمةٌ شهد له بها الموافقُ والمخالف، وأقرَّ بحقيقتها المعادي والمحالف.
قال الشَّيخ تاج الدِّين السُّبكيُّ في «طبقاته»: كان البخاريُّ إمامَ المسلمين، وقدوةَ المؤمنين، وشيخَ الموحِّدين، والمُعوَّلَ عليه في أحاديث سيِّد المُرسَلين، قال: وقد ذكره أبو عاصمٍ في طبقات أصحابنا الشَّافعية، وقال: سمع من الزَّعفرانيِّ وأبي ثورٍ والكرابيسيِّ، قال: ولم يرو عن الشَّافعيِّ في «الصَّحيح»؛ لأنَّه أدرك أقرانه، والشَّافعيُّ مات مكتهلًا، فلا يرويه نازلًا. انتهى. نعم؛ ذكر البخاريُّ الشَّافعيَّ ﵁ في «صحيحه» في موضعين في «الزكاة» [خ¦٢٤/ ٦٦ - ٢٣٦٠]، وفي «تفسير العرايا» [خ¦٣٤/ ٨٤ - ٣٤١٨]، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقال الحافظ عماد الدِّين ابن كثيرٍ في تاريخه «البداية والنِّهاية»: كان إمامَ الحديث في زمانه، والمُقتَدى به في أوانه، والمُقدَّم على سائر أضرابه وأقرانه.
وقال قتيبة بن سعيدٍ: جالست الفقهاء والعبَّاد والزُّهَّاد، فما رأيت منذ عقلت مثل محمَّد بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمرَ في الصَّحابة، وقال أيضًا: لو كان في الصَّحابة لكان آيةً.
وقال أحمد ابن حنبل فيما رواه الخطيب بسندٍ صحيحٍ: ما أخرجت خراسانُ مثلَ محمَّد بن إسماعيل.
وقال الحافظ عماد الدِّين ابن كثيرٍ: إنَّه دخل بغداد ثمانِ مرَّاتٍ، وفي كلِّ مرَّةٍ منها يجتمع بالإمام أحمد ابن حنبل، فيحثُّه على الإقامة ببغداد، ويلومه على الإقامة بخراسان.
قال يعقوب بن إبراهيم الدَّورقيُّ ونُعيمٌ الخزاعيُّ: محمَّد بن إسماعيل فقيه هذه الأمَّة.
وقال بندار بن بشَّار: هو أفقه خلق الله في زماننا.
وقال نُعيم بن حمَّادٍ: هو فقيه هذه الأمَّة.
وقال إسحاق بن رَاهُوْيَه: يا معشر أصحاب الحديث، انظروا إلى هذا الشَّابِّ واكتبوا عنه؛ فإنَّه لو كان في زمن الحسن البصريِّ لاحتاج النَّاس إليه؛ لمعرفته بالحديث وفقهه.
وقد فضَّله بعضهم في الفقه والحديث على الإمام أحمد ابن حنبل وإسحاق بن رَاهُوْيَه.
وقال رجاء بن مُرَجَّى: فضل محمَّد بن إسماعيل -يعني في زمانه- على العلماء؛ كفضل الرِّجال على النِّساء، وهو آيةٌ من آيات الله تعالى تمشي على الأرض.
وقال الفلَّاس: كلُّ حديثٍ لا يعرفه البخاريُّ فليس بحديثٍ.
وقال يحيى بن جعفر البيكنديُّ: لو قدرت أن أزيد من عمري في عمر محمَّد بن إسماعيل؛ لفعلت؛ فإنَّ موتي يكون موت رجلٍ واحدٍ، وموت محمَّد بن إسماعيل فيه ذهابُ العلمِ.
وقال عبد الله بن عبد الرَّحمن الدَّارميُّ: رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشَّام والعراق، فما رأيت فيهم أجمع من محمَّد بن إسماعيل.
سُهيل، وإنَّما هو موسى بن إسماعيل.
قوله: (دَلُّوْيَه) تقدَّمَ ضبطهُ قريبًا.
قوله: (النَّسَوِي) بالنون والسين المهملة المفتوحتين، نسبةً إلى نسا مدينة بخُرَاسَان.
قوله: (الخَفَّاف) بخاء معجمة وفاءين بينهما ألف، و(زَنْجُوْيَه) بزاي فنون ساكنة فجيم مضمومة فواو ساكنة فمُثناة تحتيةٍ مفتوحة، آخرهُ هاء.
قوله: (وَلَمَّا نُعِيَ إِلَيْهِ) بضم النون وكسر العين المهملة، أي: بلغه أنَّه قد مات.
قوله: (بِالأَحِبَّةِ)؛ أي: بموتهم.
وقوله: (وَبَقَاءُ نَفْسِكَ)؛ أي: بعدهم.
وقوله: (لَاْ أَبَا لَكَ) جملة اعتراضية بالدعاء عليه بفقد والده، ومثل ذلك جارٍ في كلامهم على غيرِ حقيقتهِ بل مُرَادًا منهُ التَّرَحُم، أو الضد، كتربت يداك، وقاتله الله ما أشعره، ونحو ذلك، ولفظ (أَفْجَعُ) خبرٌ عن قوله (وَبَقَاءُ نَفْسِكَ).
قوله: (وَالمُخَالِفُ) هي في الأولى بالخاءِ المعجمة من المُخَالَفَةِ، وفي الثانية بالمُهملة من التَّحَالف؛ أي: التَّعَاهُدُ على المودةِ والنُّصْرَة ونحو ذلك.
قوله: (نَعَمْ ذَكَرَ البُخَارِيُّ الشَّافِعِيَّ)؛ أي: ناقلًا لكلامه لا رَاويًا لحديثه.
قوله: (رَجَاء بنُ مُرَجَّا) بضم الميم من مُرَجَّا وفتح الراء والجيم المشددة.
قوله: (فَلَيْسَ بِحَدِيْثٍ)؛ أي: معتدٍّ بِهِ.
[ ١١٠ ]
وقال أبو سهلٍ محمود بن النَّضر الفقيه: سمعت أكثر من ثلاثين عالمًا من علماء مصرَ يقولون: حاجتنا في الدُّنيا النَّظر إلى محمَّد بن إسماعيل، وقال أيضًا: كنت أستملي له ببغداد، فبلغ من حضر المجلس عشرين ألفًا؛ وقال إمام الأئمَّة أبو بكرٍ محمَّد بن إسحاق بن خزيمة: ما تحت أديم السَّماء أعلم بالحديث من محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ.
وقال عبد الله بن حمَّادٍ الآمليُّ: لوددت أنِّي كنت شعرةً في جسد محمَّد بن إسماعيل.
وقال محمَّد بن عبد الرَّحمن الدَّغوليُّ: كتب أهل بغداد إلى محمَّد بن إسماعيل كتابًا فيه:
المسلمون بخيرٍ ما بقيتَ لهمْ … وليس بعدكَ خيرٌ حين تُفتقَدُ
وقال: وكان رحمه الله تعالى غايةً في الحياء، والشَّجاعة والسَّخاء، والورع والزُّهد في دار الدُّنيا دار الفناء، والرَّغبة في دار البقاء، وكان يختم في رمضان في كلِّ يومٍ ختمةً، ويقوم بعد صلاة التَّراويح كلَّ ثلاث ليالٍ بختمةٍ.
وقال ورَّاقه: كان يصلِّي في وقت السَّحر ثلاث عشْرة ركعةً، وقال أيضًا: دُعِيَ محمَّد بن إسماعيل إلى بستانٍ، فلمَّا صلَّى بهم الظُّهر قام يتطوَّع، فلمَّا فرغ من صلاته رفع ذيل قميصه، وقال لبعض مَنْ معه: انظر، هل ترى تحت قميصي شيئًا؟ فإذا زنبورٌ قد لسعه في ستَّة عشر أو سبعة عشر موضعًا، وقد تورَّم من ذلك جسده، فقال له بعض القوم: كيف لم تخرج من الصَّلاة أوّل ما لسعك؟! قال: كنت في سورةٍ، فأحببت أن أتمَّها، وقال: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أنِّي اغتبت أحدًا، ويشهد لهذا كلامه في التَّجريح والتَّضعيف، فإنَّه أبلغ ما يقول في الرَّجل المتروك أو السَّاقط: فيه نظرٌ، أو سكتوا عنه، ولا يكاد يقول: فلانٌ كذَّابٌ.
وقال ورَّاقه: سمعته يقول: لا يكون لي خصمٌ في الآخرة، فقلت: يا أبا عبد الله، إنَّ بعض النَّاس ينقم عليك «التَّاريخ»، يقول: فيه اغتيابُ النَّاس، فقال: إنَّما رَوَينا ذلك روايةً، ولم نَقُلْهُ من عند أنفسنا. وقد قال ﷺ: «بئس أخو العشيرة».
وقال: ما اغتبت أحدًا منذ علمت أنَّ الغِيبة تضرُّ أهلها، وكان قد ورث من أبيه مالًا كثيرًا، فكان يتصدَّق به.
وكان قليل الأكل جدًّا، كثير الإحسان إلى الطَّلبة، مُفرِطًا في الكرم.
وحُمِلَ إليه بضاعةٌ أنفذها إليه أبو حفصٍ، فاجتمع بعض التُّجَّار إليه بالعشيَّة، وطلبوها منه بربح خمسة آلاف درهمٍ، فقال لهم: انصرفوا اللَّيلة، فجاءه من الغد تجَّار آخرون يطلبونها بربح عشرة آلاف درهمٍ، فردَّهم، وقال: إنِّي نويت البارحة بيعَها للَّذين أتَوا البارحة ولا أحبُّ أن أغيِّر نيَّتي.
وجاءته جاريته فعثرت على محبرةٍ بين يديه، فقال لها: كيف تمشين؟! فقالت: إذا لم تكن طريقٌ فكيف أمشي؟ فقال: اذهبي، فأنت حرَّةٌ لوجه الله تعالى، فقِيلَ له: يا أبا عبد الله، أغضبتك وأعتقتها؟! قال: أرضيتُ نفسي بما فعلتُ.
وقال ورَّاقه: إنَّه كان يبني رباطًا ممَّا يلي بخارى، فاجتمع بشرٌ كثيرٌ يعينونه على ذلك، وكان ينقل اللَّبِن، فكنت أقول له: إنَّك تُكفَى ذلك، فيقول: هذا الذي ينفعني، وكان ذبح لهم بقرةً، فلمَّا أدركت القدور دعا النَّاس إلى الطَّعام، وكان بها مئة نفسٍ أو أكثر، ولم يكن علم أنَّه اجتمع ما اجتمع، وكنَّا أخرجنا خبزًا بثلاثة دراهم أو أقلَّ، فأكل جميع من حضر، وفضلت أرغفةٌ.
ولمَّا قدم نيسابور تلقَّاه أهلها من مرحلتين أو ثلاثٍ، وكان محمَّد بن يحيى الذُّهليُّ في مجلسه، فقال: من أراد أن يستقبل محمَّد بن إسماعيل غدًا فليستقبله فإنِّي أستقبله، فاستقبله الذُّهليُّ وعامَّة علماء نيسابور، فدخلها، فقال الذُّهليُّ لأصحابه: لا تسألوه عن شيءٍ من الكلام، فإنَّه إن أجاب بخلاف ما نحن فيه فقد وقع بيننا وبينه، وشمت بنا كلُّ ناصبيٍّ ورافضيٍّ وجهميٍّ ومرجئيٍّ، فازدحم النَّاس على البخاريِّ حتَّى امتلأت الدَّار والسُّطوح، فلمَّا كان اليوم الثَّاني أو الثَّالث من يوم قدومه قام إليه رجلٌ، فسأله عن اللَّفظ بالقرآن، فقال: أفعالنا مخلوقةٌ، وألفاظنا من أفعالنا، فوقع بين النَّاس اختلافٌ؛ فقال بعضهم: إنَّه قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، وقال آخرون: لم يقل، فوقع بينهم في ذلك اختلافٌ حتَّى قام بعضهم إلى بعضٍ، فاجتمع أهل الدَّار وأخرجوهم. ذكره مسلم بن الحجَّاج.
وقال ابن عديٍّ: لمَّا ورد نيسابور واجتمع النَّاس عنده حسده بعض شيوخ الوقت، فقال لأصحاب الحديث: إنَّ محمَّد بن إسماعيل يقول: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فلمَّا حضر المجلس قام إليه رجلٌ، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في اللَّفظ بالقرآن؟ أمخلوقٌ هو أم غير مخلوقٍ؟ فأعرض عنه البخاريُّ ولم يجبه ثلاثًا، فألحَّ عليه، فقال البخاريُّ: القرآن كلام الله تعالى غير مخلوقٍ، وأفعال العباد مخلوقةٌ، والامتحان بدعةٌ، فشغب الرجل، وقال: قد قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ. انتهى.
وقد صحَّ أنَّ البخاريَّ تبرَّأ من هذا الإطلاق، فقال: كلُّ من نقل عنِّي أنِّي قلت: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فقد كذب عليَّ، وإنمَّا قلت: أفعال العباد مخلوقةٌ. أخرج
قوله: (البِيْكَنْدِي) بكسر الموحدة وسكون التحتية كما سلف آنفًا.
قوله: (أَدِيْمِ السَّمَاءِ)؛ أي: وجهها.
قوله: (الآمُلِي) تقدم أنَّه بمد الهمزة وتخفيف الميم المضمومة.
قوله: (الدَّغُولِي) بفتح الدال وضم الغين المعجمة آخره لام، نسبةً إلى دغول من قُرى نَيْسَابور، قاله ابن ماكُولا.
قوله: (لَسَعَهُ) في «القاموس»: لَسَعَتْهُ العقرب والحية كمنع، لدغته، أو اللسع لذوات الإبر واللَّدغ بالفم. انتهى فهما قولان خلافًا لما في «دُرَّةِ الغَوَّاص».
قوله: (وَقَدْ قَالَ ﷺ؛ أي: لما استأذن عليه بعض روؤساء الكفار، وعنده السيدة عائشة ﵂ فقال ذلك لها، ثمَّ أَذِن له فدخل فبشَّ في وجهه وأكرمه استئلافًا لقلبه وترغيبًا له، وكان قوله: «بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ» إخبارًا بِحَاله وتنفيرًا من أفعاله.
قوله: (وَشَمِتَ بِنَا) في «القاموس» شَمِتَ كَفَرِحَ ببليةِ العدو وأشمته الله به.
قوله: (كُلُّ نَاصِبِيٍّ) النَّاصِبِيَّة قومٌ يتدينون ببغضِ عليٍّ ﵁، والرافضة فرقةٌ من الشيعة تابعوا زيد بن علي ثم قالوا له: تبرأ من الشيخين فأبى، وقال: كانا وزيري جدي فتركوه ورفضوه وأرفضوا عنه، والنسبة رافضي.
قوله: (وَجَهْمِيٍّ)؛ أي: منسوبٍ إلى جَهْم، وهو جَهْمُ بن صفوان رئيسُهم، فهُم قومٌ يقولونَ: لا قدرةَ للعبدِ لا مُؤَثِّرَة ولا كَاسِبَة بل هو كالجماد، وقالوا: الجنة والنار يفنيان بعد دخول أهلهما ولا يبقى موجودٌ سوى الله، والمُرْجِئة قومٌ يقولونَ: لا يضرُّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفعُ مع الكفرِ طاعة.
قوله: (قَالَ لَفْظِي …) إلى آخره؛ أي: لأنَّه وإن لم يقل ذلك فهو لازمُ كلامه، فإنَّ اللفظ من أفعال العباد.
قوله: (فَشَغَبَ الرَّجُلُ) بالفتح؛ أي: رفعَ صوته ليهيجَ شرًّا، يُقال: شَغَبَ بالمعجمة بهم وعليهم كمنع وفَرِحَ هَيَّجَ الشرَّ عليهم.
قوله: (فَقَدْ كَذَبَ)؛ أي: لأني لم أقل ذلك صراحةً، وهو وإن كان صحيحًا في نفسه لكن خَشِيَ كالقوم
[ ١١١ ]
ذلك غنجار في ترجمة البخاريِّ بسندٍ صحيحٍ إلى محمَّد بن نصرٍ المروزيِّ الإمام المشهور، أنَّه سمع البخاريَّ يقول ذلك.
وقال أبو حامدٍ الشَّرقيُّ: سمعت الذُّهليَّ يقول: القرآن كلام الله غير مخلوقٍ، ومن زعم: لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو مبتدعٌ، لا يجلس إلينا، ولا نكلِّم من يذهب بعد هذا إلى محمَّد بن إسماعيل، فانقطع النَّاس عن البخاريِّ إلَّا مسلم بن الحجَّاج وأحمد بن سلمة، وبعث مسلمٌ إلى الذُّهليِّ جميع ما كان كَتَبَ عنه على ظهر حمَّال، وقال الذُّهليُّ: لا يساكنني محمَّد بن إسماعيل في البلد، فخشيَ البخاريُّ على نفسه، وسافر منها.
قال في «المصابيح»: ومن تمام رسوخ البخاريِّ في الورع أنَّه كان يحلف بعد هذه المحنة أنَّ الحامدَ عنده والذامَّ من النَّاس سواءٌ؛ يريد أنَّه لا يكره ذامَّه طبعًا، ويجوز أن يكرهه شرعًا، فيقوم بالحقِّ لا بالخطِّ، وتحقَّق ذلك من حالته إذْ لم يَمْحُ اسمَ الذُّهليِّ من «جامعه»، بل أثبت روايته عنه، غير أنَّه لم يوجد في كتابه إِلَّا على أحد وجهين؛ إمَّا أن يقول: حدَّثنا محمَّد ويقتصر، وإمَّا أن يقول: حدَّثنا محمَّد بن خالدٍ، فينسبه إلى جدِّ أبيه. وقد سُئِلَ عن وجه
إجماله وإبقاء ذكره بنسبه المشهور، فأجاب بأن قال: لعلَّه لمَّا اقتضى التَّحقيق عنده أن يُبقي روايته عنه؛ خشية أن يكتم علمًا رزقه الله تعالى على يديه، وعذره في قدحه بالتَّأويل؛ خشي على النَّاس أن يقعوا فيه بأنَّه قد عدَّل من جرحه، وذلك يوهم أنَّه صدَّقه على نفسه، فيجرُّ ذلك إلى البخاريِّ وهنًا، فأخفى اسمه وغطَّى رسمه وما كتم علمه، والله أعلم بمراده من ذلك.
ولو فتحنا باب تعديد مناقبه الجميلة، ومآثره الحميدة؛ لخرجنا عن غرض الاختصار. ولمَّا رجع إلى بخارى نُصِبَت له القباب على فرسخٍ من البلد، واستقبله عامَّة أهلها حتَّى لم يبق مذكورٌ، ونُثِرَ عليه الدَّراهم والدَّنانير، وبقي مدَّةً يحدِّثهم، فأرسل إليه أمير البلد خالد بن محمَّدٍ الذُّهليُّ، نائب الخلافة العباسيَّة، يتلطَّف معه، ويسأله أن يأتيه بالصَّحيح، ويحدِّثهم به في قصره، فامتنع البخاريُّ من ذلك، وقال لرسوله: قل له: أنا لا أُذِلُّ العلمَ، ولا أحمله إلى أبواب السَّلاطين، فإن كانت له حاجةٌ إلى شيءٍ منه فليحضر إلى مسجدي أو داري، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطانٌ، فامنعني من المجلس؛ ليكون لي عذرٌ عند الله يوم القيامة أنِّي لا أكتم العلم. فحصلت بينهما وحشةٌ، فأمره الأمير بالخروج عن البلد، فدعا عليه وكان مُجابَ الدَّعوة، فلم يأتِ شهرٌ حتَّى ورد أمرُ الخلافة بأن يُنادَى على خالدٍ في البلد، فنُودِي على خالدٍ على أتانٍ، وحُبِسَ إلى أن مات، ولم يبق أحدٌ ممَّن ساعده إلَّا ابتُلِي ببلاءٍ شديدٍ.
ولما خرج البخاريُّ من بخارى كتب إليه أهل سمرقند يخطبونه إلى بلدهم، فسار إليهم، فلمَّا كان بخَرْتَنْك؛ بفتح الخاء المُعجَمة وإسكان الرَّاء وفتح الفوقيَّة وسكون النُّون بعدها كافٌ، وهو على فرسخين من سمرقند بلغه أنَّه قد وقع بينهم بسببه فتنةٌ؛ فقومٌ يريدون دخوله، وآخرون يكرهونه، وكان له أقرباءُ بها، فنزل عندهم حتَّى ينجليَ الأمر، فأقام أيَّامًا، فمرض، حتَّى وُجِّهَ إليه رسولٌ من أهل سمرقند، يلتمسون خروجه إليهم، فأجاب وتهيَّأ للرُّكوب، ولبس خفَّيه وتعمَّم، فلمَّا مشى قدر عشرين خطوةً أو نحوها إلى الدَّابَّة ليركبها؛ قال: أرسلوني فقد ضَعُفْتُ، فأرسلوه، فدعا بدعواتٍ، ثمَّ اضطجع، فقضى، فسال عرقٌ كثيرٌ لا يُوصَف، وما سكن منه العرق حتَّى أُدرِج في أكفانه.
ورُوِيَ: أنَّه ضجر ليلةً، فدعا بعد أن فرغ من صلاة اللَّيل: اللهمَّ قد ضاقت عليَّ الأرض بما رَحُبَتْ، فاقبضني إليك، فمات في ذلك الشَّهر ليلة السَّبت ليلةَ عيد الفطر، سنة ستٍّ وخمسين ومئتين، عن اثنتين وستِّين سنةً إلَّا ثلاثة عشر يومًا، وكان أوصى أن يُكفَّن في ثلاثة أثوابٍ ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ، ففُعِلَ به ذلك، ولمَّا صُلِّيَ عليه، ووُضِعَ في حفرته فاح من تراب قبره رائحةٌ طيِّبةٌ كالمسك، ودامت أيَّامًا، وجعل النَّاس يختلفون إلى قبره مدَّةً يأخذون منه.
وقال عبد الواحد بن آدم الطَّواويسيُّ: رأيت النَّبيَّ ﷺ، ومعه جماعةٌ من أصحابه، وهو واقفٌ في موضعٍ، فسلَّمت عليه، فردّ عليَّ السَّلام، فقلت: ما وقوفك هنا يا رسول الله؟ قال: أنتظر محمَّد بن إسماعيل، قال: فلمَّا كان بعد أيَّامٍ، بلغني موته، فنظرت فإذا هو في السَّاعة التي رأيت فيها النَّبيَّ ﷺ، ولمَّا ظهر أمره بعد وفاته خرج بعض مخالفيه إلى قبره، وأظهروا التَّوبة والنَّدامة. وقال أبو عليٍّ الحافظ: أخبرنا أبو الفتح نصر بن الحسن السَّمرقنديُّ، قدم علينا بَلَنْسِيَة عام أربعةٍ وستِّين وأربع مئةٍ، قال: قحط المطر عندنا بسمرقند في بعض الأعوام، فاستسقى النَّاس مرارًا، فلم يُسقَوا، فأتى رجلٌ صالحٌ معروفٌ بالصَّلاح إلى قاضي سمرقند، وقال له: إنِّي قد رأيت رأيًا أعرضه عليك، قال: وما هو؟ قال: أرى أن تخرج ويخرج النَّاس معك إلى قبر الإمام محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ، ونستسقيَ عنده، فعسى الله أن يسقيَنا، فقال القاضي: نِعْمَ ما رأيت، فخرج القاضي ومعه النَّاس، واستسقى بهم، وبكى النَّاس عند القبر، وتشفَّعوا بصاحبه، فأرسل الله تعالى السَّماء عليهم بماءٍ عظيمٍ غزير، أقام النَّاس من أجله بخَرْتَنْكَ سبعة أيَّامٍ أو نحوها، لا يستطيع أحدٌ الوصول إلى سمرقند من كثرة المطر وغزارته، وبين سمرقند وخرتنك ثلاثةُ أيَّامٍ. وبالجملة؛ فمناقب أبي عبد الله البخاريِّ كثيرةٌ، ومحاسنه شهيرةٌ، وفيما ذكرته كفايةٌ ومقنعٌ وبلاغٌ.
(تنبيهٌ وإرشادٌ): رُوِّينا عن الفَِرَبْريِّ أنَّه قال: سمع «صحيحَ البخاريِّ» من مؤلِّفه تسعون ألفَ رجلٍ، فما بقي أحدٌ يرويه عنه غيري.
قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله تعالى: أطلق ذلك بناءً على ما في علمه، وقد تأخَّر بعده بتسع سنين أبو طلحة منصور بن محمَّد بن عليِّ بن قَرِيْنَة -بقافٍ ونونٍ، بوزن كَبِيْرَة- البَزْدويُّ؛ بفتح الموحَّدة وسكون الزَّاي، وكانت وفاته سنة تسعٍ وعشرين وثلاث مئةٍ، وهو آخر من حدَّث عن البخاريِّ بـ «صحيحه»، كما جزم به أبو نصر بن ماكولا وغيره، وقد عاش بعده ممَّن سمع من البخاريِّ القاضي
أنْ يُؤخذ ذلك على ظاهره حتى يُقال القرآن مخلوقٌ، ويتسع فيه المجال والمقال حتى يعتقد أنَّ كلام الله؛ أعني: الصفة القديمة حَادِثَةٌ، فإنَّ القرآنَ كما يُطلق على ما بين الدفتين من الألفاظ المرسومة المقروءة المُركبة من الكلمات والحروف كذلك يُطلق على الصفةِ النفسية، والوقتُ وقتُ فتنٍ واختلاف بدعٍ، فلذا تّحَرَّزَ الأئمةُ من ذلك، حتى حُبِسَ الإمام أحمد وغيرهُ مدةً وضُرِبَ بالسياط ولم يتفوَّه بذلك.
قوله: (وَلَاْ يُكَلَّم) بفتح اللام مبنيًا للمجهول، وذلك لما نقل له عنه كذبًا.
قوله: (أَنْ يَقَعُوْا فِيْه)؛ أي: في نفسه بأن يتكلموا فيه أنَّه
[ ١١٢ ]
في الحديث عن اليونيني ونسخته
الحسين بن إسماعيل المحامليُّ ببغداد، ولكن لم يكن عنده «الجامع الصَّحيح»، وإنَّما سمع منه مجالسَ أملاها ببغداد في آخر قدمةٍ قدمها البخاريُّ، وقد غلط من روى «الصَّحيح» من طريق المحامليِّ المذكور غلطًا فاحشًا.
ومن رواة «الجامع الصَّحيح» ممَّن اتَّصلت لنا روايته بالإجازة: إبراهيم بن معقلٍ النَّسفيُّ الحافظ، وفاتَهُ منه قطعةٌ من آخره رواها بالإجازة، وتُوفِّي سنة أربعين ومئتين. وكذلك حمَّاد بن شاكر النَّسَويُّ؛ بالنُّون والمهملة، وأظنُّه تُوفِّي في حدود التِّسعين، وله فيه فوتٌ أيضًا.
واتَّصلت لنا روايته من طريق المُستملي والسَّرخسيِّ والكُشْمِيهَنِيِّ وأبي عليِّ بن السَّكن الأَخْسِيكَثِيِّ، وأبي زيدٍ المروزيِّ وأبي عليِّ بن شبويه وأبي أحمد الجرجانيِّ والكشانيِّ، وهو آخر من حدَّث عن الفَِرَبْريِّ بالصَّحيح؛ فأمَّا المُستملي: فرواه عنه الحافظ أبو ذرٍّ وعبد الرَّحمن الهَمْدانيُّ، وأمَّا السَّرخسيُّ: فأبو ذرٍّ أيضًا وأبو الحسن الدَّاوديُّ، وأمَّا الكُشْمِيهَنِيُّ: فأبو ذَرٍّ أيضًا وأبو سهلٍ الحفصيُّ وكريمة، وأمَّا أبو عليِّ بن السَّكن: فإسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الصَّفَّار، وأمَّا أبو زيدٍ المروزيُّ: فأبو نُعيمٍ الحافظ وأبو محمَّدٍ عبد الله بن إبراهيم الأَصيليُّ وأبو الحسن عليُّ بن محمَّدٍ القابسيُّ، وأمَّا ابن شبويه: فسعيد بن أحمد بن محمَّدٍ الصَّيرفيُّ العيَّار، وعبد الرَّحمن بن عبد الله الهَمْدانيُّ أيضًا، وأمَّا الجرجانيُّ: فأبو نُعيمٍ والقابسيُّ أيضًا، وأمَّا الكشانيُّ: فأبو العبَّاس جعفر بن محمَّدٍ المستغفريُّ فمشايخ أبي ذرٍّ ثلاثةٌ: المُستملي والكُشْمِيهَنيُّ والسَّرخسيُّ، ومشايخ أبي نُعيمٍ: الجرجانيُّ وأبو زيدٍ المروزيُّ، وأمَّا الأَصيليُّ والقابسيُّ؛ فكلاهما عن أبي زيدٍ المروزيِّ، وأمَّا العيَّار: فابن شبويه، وأمَّا الدَّاوديُّ: فالسَّرخسيُّ، وأمَّا الحفصيُّ وكريمة: فالكُشْمِيهَنِيُّ، وأمَّا المستغفريُّ: فالكشانيُّ، وكلُّهم عن الفَِرَبْرِيِّ. ويأتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا أسانيدي بـ «الجامع الصَّحيح» متَّصلةً بهم، على وجهٍ بديعٍ جامعٍ بعون الله تعالى.
وقد اعتنى الحافظ شرف الدِّين أبو الحسن (^١) عليٌّ ابن شيخ الإسلام ومحدِّث الشَّام تقيِّ الدِّين محمَّد بن أبي الحسين أحمد بن عبد الله اليونينيُّ الحنبليُّ رحمه الله تعالى بضبط رواية «الجامع الصَّحيح»، وقابل أصله الموقوف بمدرسة أقبغا آص بسُويقة العزَّى خارج باب زُوَيْلة من القاهرة المُعزيَّة، الذي قِيلَ -فيما رأيته بظاهر بعض نسخ البخاريِّ الموثوق بها وقفٌ مقرُّها برواق الجبرت من الجامع الأزهر بالقاهرة-: إنَّ أقبغا بذل فيه نحو عشرة آلاف دينارٍ، والله أعلم بحقيقة ذلك، وهو في جزأين؛ فُقِدَ الأوَّل منهما، بأصلٍ مسموعٍ على الحافظ أبي ذرٍّ الهرويِّ، وبأصل مسموعٍ على الأَصيليِّ، وبأصل الحافظ مؤرِّخ الشَّام أبي القاسم ابن عساكر، وبأصلٍ مسموعٍ على أبي الوقت، وهو أصلٌ من أصول مسموعاته في وقف خانكاه السُّمَيْساطيِّ بقراءة الحافظ أبي سعيدٍ عبد الكريم بن محمَّد بن منصورٍ السَّمعانيِّ بحضرة سيبويه وقته الإمام جمال الدِّين ابن مالكٍ بدمشق سنة ستٍّ وسبعين وستِّ مئةٍ، مع حضور أصلَي سماعَي الحافظ أبي محمَّد المقدسيِّ وقف السُّميساطيِّ، وقد بالغ - رحمه الله تعالى - في ضبط ألفاظ «الجامع الصَّحيح» جامعًا فيه روايات من ذكرناه، راقمًا عليه ما يدلُّ على مراده، فعلامة أبي ذَرٍّ الهرويِّ (٥)، والأَصيليِّ (ص)، وابن عساكر الدِّمشقيِّ (ش)، وأبي الوقت (ظ)، ولمشايخ أبي ذَرٍّ الثَّلاثة الحَمُّويي (ح)، والمُستملي (ست)، والكُشْمِيهَنيِّ (هـ)، فما كان من ذلك بالحمرة؛ فهو ثابتٌ في النُّسخة
عدلٌ من جرحه.
قوله: (وَلَهُ فِيْهِ فَوْتٌ)؛ أي: فائتٌ؛ أي: فاته منه شيءٌ كإبراهيم.
قوله: (والسَّرَخْسِي) بتشديد السين المهملة والراء المفتوحتين والخاء المعجمة الساكنة ثم سين مهملة مكسورة.
قوله: (وَالكُشْميْهَنِي) بضم الكاف وسكون الشين المعجمة وفتح الميم وإسكان الياء التحتية وفتح الهاء.
قوله: (ابْنُ السَّكَن) بفتح السين والكاف.
وقوله: (الأَخْسِيْكَثِي) بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وكسر السين المهملة وسكون التحتية وفتح الكاف ثم مثلثة، نسبةً إلى أخسيكث مدينة على شاطئ نهر الشاش من بلاد فرغانة، كما في «اللب».
قوله: (ابْنُ شَبُّوْيَهْ) بشين معجمة مفتوحة فموحدة مضمومة مشددة فواو ساكنة فمثناة تحتية مفتوحة آخره هاء ساكنة، على نسق ما تقدم من الأعلام الفارسية.
قوله: (وَالكُشَّانِي) بالشين المعجمة المشددة بعد الكاف المضمومة، نسبة إلى كُشَّانِية بلدٌ بصغد.
قوله: (العَيَّار) بعين مهملة مفتوحة ومثناة تحتية مشددة، آخره راء.
قوله: (اليُوْنِيْنِي) نسبة إلى يونين من قرى بعلبك، وهو الفقيه الحافظ أبو محمد بن أبي الحسن أحمد بن عبدة بن عيسى بن أحمد بن علي البعلبكي، ولد سنة اثنتين وسبعين وخمسمئة، وسمع من الكندي وغيره، وكان إمامًا حافظًا لم يَرَ في زمانه مثل نفسه، جامعًا بين الشريعة والحقيقة، حفظ صحيح مسلم في أربعة أشهر، وكان يحفظ أكثر مسند أحمد، وكان بارعًا في الخط وغيره، مات سنة ثمان وخمسين وستمئة كما رأيته بخطِّ صاحبنا الهُمام الفاضل الشيخ يوسف أفندي الدِّمْيَاطي نزيلِ القَسْطَنْطِيْنِيَّة المَحمية.
قوله: (الأَرْتَاحِي) بفتح الهمزة وسكون الراء بالفوقية والحاء المهملة نسبة لأرتاح، وهو حصن منيع.
قوله: (الجَيَّانِي) بالجيم المفتوحة والتحتية المشددة ثم النون، نسبةً لجيان كشداد، بلد بالأندلس منها أبو حيَّان أيضًا.
قوله: (بَخَانْكَاه السُّمَيْسَاطِي) الخانكاه بالكاف والقاف: معبد الصوفية؛ أي: الزاوية التي يتعبدون فيها، والخانكاه المذكورة قد اندرست الآن، والسمسياطي بضم السين المشددة وفتح الميم وسكون الياء بعدها سين مهملة أيضًا وبعد الألف طاء، نسبة إلى سميساط من بلاد الشام.
قوله: (وَأَبَا الوَقْتِ ظ) لم يظهرْ لي ما وجهُ
_________________
(١) قوله: (علي. . .) الخ، ولد في رجب سنة ٦٢١ وتوفي سنة ٧٠١، والذي تقدم ذكره عن المحشِّي فهو غيره؛ لأنه ولد سنة ٥٧٥ وتوفي سنة ٦٥٨ كما هو مذكور في طبقات الحفاظ للسيوطي
[ ١١٣ ]
من اعتنى بشرح الصحيح
التي قرأها الحافظ عبد الغنيِّ المقدسيُّ على الحافظ أبي عبد الله الأرتاحيِّ بحقِّ إجازته من أبي الحُسَين الفرَّاء الموصليِّ عن كريمة عن الكُشْمِيهَنِيِّ. وفي نسخة أبي صادقٍ مرشد بن يحيى المدينيِّ وقف جامع عمرو بن العاص ﵁ بمصر، وله رقومٌ أخرى لم أجد ما يدلُّ عليها، وهي (عط ق ج صع)، ولعلَّ الجيم للجرجانيِّ، والعين لابن السَّمعانيِّ، والقاف لأبي الوقت، فإن اجتمع ابن حَمُّويه والكُشْمِيهَنِيُّ؛ فرقمهما هكذا: (حهـ)، والمُستملي والحَمُّويي؛ فرقمهما: (حسـ) هكذا، وإن اتَّفق الأربعة الرُّواة عنهم رُقِمَ لهم: (٥ ص ش ظ)، وما سقط عند الأربعة زاد معها (لا)، وما سقط عند البعض أسقط رقمه من غير (لا) مثاله: أنَّه وقع في أصل سماعه في حديث «بدء الوحي»: «جمعه لك في صدرك» [خ¦٥]، ووقع عند الأربعة: «جمعه لك صدرك» بإسقاط «في» فيُرقَم على «في» (لا)، ويُرقَم فوقها إلى جانبها (٥ ص ش ظ) هذا إن وقع الاتِّفاق على سقوطها، فإن كانت عندهم وليست عند الباقين؛ رُقِم رسمه وتُرِك رسمُهم، وكذا إن لم تكن عند واحدٍ وكانت عند الباقين كُتِبَ عليها (لا)، ورُقِمَ فوقها الحرف المصطلح عليه. وما صحَّ عنده سماعه وخالف مشايخ أبي ذرٍّ الثَّلاثة؛ رُقِمَ عليه (٥) وفوقها صحَّ. وإن وافق أحد مشايخه وضعه فوقه، والله تعالى يثيبه على قصده، ويجزل له من المكرمات جوائز رفده، فلقد أبدع فيما رَقَمَ، وأتقن فيما حرَّر وأحكم. ولقد عوَّل النَّاس عليه في روايات «الجامع»؛ لمزيد اعتنائه وضبطه ومقابلته على الأصول المذكورة، وكثرة ممارسته له، حتَّى إنَّ الحافظ شمس الدِّين الذَّهبيَّ حكى عنه: أنَّه قابله في سنةٍ واحدةٍ إحدى عشْرة مرَّةً، ولكونه ممَّن وُصِفَ بالمعرفة الكثيرة والحفظ التَّامِّ للمتون والأسانيد؛ كان الجمال ابن مالكٍ لمَّا حضر عند المقابلة المذكورة إذا مرَّ من الألفاظ ما يتراءى له أنَّه مخالفٌ لقوانين العربيَّة؛ قال للشَّرف اليونينيِّ: هل الرِّواية فيه كذلك؟ فإن أجاب بأنَّه منها؛ شرع ابن مالكٍ في توجيهها حسب إمكانه، ومن ثمَّ وضع كتابه المسمَّى بـ «شواهد التَّوضيح».
ولقد وقفت على فروعٍ مُقابَلَةٍ على هذا الأصل الأَصيل، فرأيت من أجلِّها الفرعَ الجليلَ الذي لعلَّه فاق أصله، وهو الفرع المنسوب للإمام المحدِّث شمسِ الدِّين محمَّد بن أحمد المزِّيِّ الغزوليِّ، وقف التَّنكزيَّة بباب المحروق خارج القاهرة، المُقابَل على فرعَي وقف مدرسة الحاجِّ مالكٍ، وأصل اليونينيِّ المذكور غير مرَّةٍ، بحيث إنَّه لم يغادر منه شيئًا -كما قِيلَ-؛ فلهذا اعتمدت في كتابة متن البخاريِّ في شرحي هذا عليه، ورجعت في شكل جميع الحديث وضبطه إسنادًا ومتنًا إليه، ذاكرًا جميع ما فيه من الرِّوايات، وما في حواشيه من الفوائد المهمَّات.
ثمَّ وقفت في يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى، سنة ستَّ عشْرة وتسع مئةٍ، بعد ختمي لهذا الشَّرح على المجلَّد الأخير من أصل اليونينيِّ المذكور، ورأيت بحاشية ظاهر الورقة الأولى منه ما نصُّه: سمعت ما تضمَّنه هذا المجلَّد من «صحيح البخاريِّ» ﵁ بقراءة سيِّدنا الشَّيخ الإمام العالم الحافظ المتقن شرف الدِّين أبي الحسين علي بن محمَّد بن أحمد اليونينيِّ ﵁ وعن سلفه، وكان السَّماع بحضرة جماعةٍ من الفضلاء ناظرين في نسخٍ مُعتَمدٍ عليها، فكلَّما مرَّ بهم لفظٌ ذو إشكالٍ بيَّنت فيه الصَّواب، وضبطته على ما اقتضاه علمي بالعربيَّة، وما افتقر إلى بسط عبارةٍ وإقامة دلالةٍ أخَّرتُ أمرَه إلى جزءٍ أستوفي فيه الكلام، ممَّا يحتاج إليه من نظيرٍ وشاهدٍ؛ ليكون الانتفاع به عامًّا، والبيان تامًّا، إن شاء الله تعالى. وكتبه محمَّد بن عبد الله بن مالك حامدًا لله تعالى.
قلت: وقد قابلت متن شرحي هذا إسنادًا وحديثًا على هذا الجزء المذكور، من أوَّله إلى آخره حرفًا حرفًا، وحكيته -كما رأيته- حسب طاقتي، وانتهت مقابلتي له في العشر الأخير من المحرَّم سنة سبع عشْرة وتسع مئةٍ -نفع الله تعالى به- ثمَّ قابلته عليه مرَّةً أخرى، فعلى الكاتب لهذا الشَّرح -وفَّقه الله تعالى- أن يوافقني فيما رسمته من تمييز الحديث متنًا وسندًا من الشَّرح، واختلاف الرِّوايات بالألوان المختلفة، وضبط الحديث متنًا وسندًا بالقلم كما يراه، ثمَّ رأيت بآخر الجزء المذكور ما نصُّه: بلغت مقابلةً وتصحيحًا وإسماعًا بين يدي شيخنا شيخ الإسلام حجَّة العرب، مالك أزمَّة الأدب، الإمام العلَّامة أبي عبد الله ابن مالكٍ الطَّائيِّ الجيَّانيِّ، أمدَّ الله تعالى عمره، في المجلس الحادي والسَّبعين، وهو يراعي قراءتي ويلاحظ نطقي، فما اختاره ورجَّحه وأمر بإصلاحه أصلحته وصحَّحت عليه، وما ذكر أنَّه يجوز فيه إعرابان أو ثلاثةٌ فأعملت ذلك على ما أمر ورجَّح، وأنا أقابل بأصل الحافظ أبي ذَرٍّ، والحافظ أبي محمَّد الأَصيليِّ، والحافظ أبي القاسم الدِّمشقيِّ، ما خلا الجزءَ الثَّالث عشر والثَّالث والثَّلاثين، فإنَّهما معدومان. وبأصلٍ مسموعٍ على الشَّيخ أبي الوقت بقراءة الحافظ أبي منصورٍ السَّمعانيِّ وغيره من الحفَّاظ، وهو وقفٌ بخانكاه السُّميساطيِّ، وعلامات ما وافقت أبا ذَرٍّ: (٥)، والأَصيليَّ: (ص)، والدِّمشقيَّ: (ش)، وأبا الوقت: (ظ)، فيعلم ذلك.
وقد ذكرت ذلك في أوَّل الكتاب في فرخةٍ لتعلم الرُّموز، كتبه عليُّ بن محمَّدٍ الهاشميُّ اليونينيُّ، عفا الله تعالى عنه. انتهى.
ثمَّ وُجِدَ الجزء الأوَّل من أصل اليونينيِّ المذكور يُنادَى عليه للبيع بسوق الكتب، فعُرِفَ وأُحضر إليَّ بعد فقده أزيدَ من خمسين سنةً، فقابلت عليه متن شرحي هذا، فكمَّلت مقابلته عليه جميعه حسب الطَّاقة، ولله الحمد.
وقد اعتنى الأئمَّة بشرح هذا «الجامع»، فشرحه الإمام أبو سليمان حمد بن محمَّد بن إبراهيم الخطَّابيُّ بشرحٍ لطيفٍ، فيه نكتٌ لطيفةٌ ولطائف شريفةٌ.
واعتنى الإمام محمَّدٌ التَّيميُّ بشرح ما لم يذكره الخطَّابيُّ مع التَّنبيه على أوهامه.
وكذا أبو جعفرٍ أحمد بن سعيدٍ الدَّاوديُّ، وهو ممَّن ينقل عنه ابن التِّين الآتي ذكره.
ومنهم المهلَّب بن أبي صفرة، وهو ممَّن اختصر «الصَّحيح»، ومنهم أبو الزِّناد سراجٌ، واختصر «شرح المهلَّب» تلميذه أبو عبد الله محمَّد بن خلف بن المرابط، وزاد عليه فوائد، وهو ممَّن نقل عنه ابن رُشَيد، وشرحه أيضًا الإمام أبو الحسن عليُّ بن خلفٍ
الرمز له بذلك، وإن أمكن أنَّه أراد به الحافظ.
قوله: (فِيْ فَرْخَةٍ) في النُّسخ التي بأيدينا فرخة بالفاء وبعد الراء خاء معجمة، فإنْ لم يكن تحريفًا عن فُرْجَةٍ بالجيم بمعنى فُسْحَة في أول الكتاب كما يكونُ في أولِّ بعضِ الكتب صيانةً لها فيكون تأنيث: فرخ من الورق، وهو الصحيفة المعهودة عُرْفًا لا لُغَةً.
قوله: (الخَطَّابِي) بفتح الخاء المعجمة والطاء المشددة ثم الموحدة.
قوله: (ابْن التِّيْن) بمثناة فوقية مكسورة فتحتية ساكنة.
[ ١١٤ ]
المالكيُّ، المغربيُّ المشهور بابن بطَّال، وغالبه في فقه الإمام مالكٍ، من غير تعرُّضٍ لموضوع الكتاب غالبًا، وقد طالعته. وشرحه أيضًا الإمام أبو حفصٍ عمر بن الحسن بن عمر الهوزنيُّ الإشبيليُّ.
وكذا أبو القاسم أحمد بن محمَّد بن عمر بن فردٍ التَّيميُّ، وهو واسعٌ جدًّا.
والإمام عبد الواحد ابن التِّين -بفوقيَّةٍ بعدها تحتيَّةٌ ثمَّ نونٌ- السَّفاقسيُّ، وقد طالعته.
والزَّين بن المُنَيِّر في نحو عشر مجلَّداتٍ، وأبو الأصبغ عيسى بن سهل بن عبد الله الأسديُّ، والإمام قطب الدِّين عبد الكريم الحلبيُّ الحنفيُّ، والإمام مغلطاي التُّركيُّ، قال صاحب «الكواكب»: وشرحُه بتتميم «الأطراف» أشبه، وبصحف تصحيح التَّعليقات أمثل، وكأنَّه من إخلائه من مقاصد الكتاب على ضمان، ومن شرح ألفاظه وتوضيح معانيه على أمان، واختصره الجلال التَّبانيُّ وقد رأيته، والعلَّامة شمس الدِّين محمَّد بن يوسف بن عليِّ بن محمَّد بن سعيدٍ الكرمانيُّ، فشرحه بشرحٍ مفيدٍ، جامعٍ لفرائد الفوائد، وزوائد العوائد، وسمَّاه «الكواكب الدَّراري»، لكن قال الحافظ ابن حجرٍ في «الدُّرر الكامنة»: وهو شرحٌ مفيدٌ، على أوهامٍ فيه في النَّقل؛ لأنَّه لم يأخذه إلَّا من الصُّحف. انتهى. وكذا شرحه ولده التقيُّ يحيى، مستمدًّا من «شرح أبيه» و«شرح ابن الملقِّن»، وأضاف إليه من «شرح الزَّركشيِّ» وغيره من الكتب، وما سنح له من «حواشي الدِّمياطيِّ» و«فتح الباري» و«البدر العنتابيِّ»، وسماه: «مجمع البحرين وجواهر الحبرين»، وقد رأيته وهو في ثمانية أجزاءٍ كبارٍ بخطِّه مُسودَّةً.
وكذا شرحه العلَّامة السِّراج ابن الملقِّن، وقد طالعت الكثير منه.
وكذا شرحه العلَّامة شمس الدِّين البرماويُّ وهو في أربعة أجزاءٍ، أخذه من «شرح الكرمانيِّ» وغيره، كما قال في أوَّله، ومن أصوله أيضًا: «مقدِّمة فتح الباري»، وسمَّاه: «اللامع الصَّبيح»، ولم يُبيَّض إلَّا بعد موته، وقد استوفيت مطالعته كـ «الكرمانيِّ».
وكذا شرحه الشَّيخ برهان الدِّين الحلبيُّ، وسمَّاه «التَّلقيح لفهم قارئ الصَّحيح»، وهو بخطِّه في مجلَّدين، وبخطِّ غيره في أربعةٍ، وفيه فوائد حسنةٌ.
وقد التقط منه الحافظ ابن حجرٍ حين كان بحلب ما ظنَّ أنَّه ليس عنده؛ لكونه لم يكن معه إلَّا كراريسُ يسيرةٌ من «الفتح».
وشرحه أيضًا شيخ الإسلام والحافظ أبو الفضل ابن حجرٍ، وسمَّاه «فتح الباري»، وهو في عشرة أجزاءٍ، ومقدِّمته في جزءٍ، وشهرته وانفراده بما اشتمل عليه من الفوائد الحديثيَّة، والنُّكات الأدبيَّة، والفوائد الفقهيَّة، تغني عن وصفه، لاسيَّما وقد امتاز كما نبَّه عليه شيخنا بجمع طرق الحديث التي ربَّما يتبيَّن من بعضها ترجيح أحد الاحتمالات شرحًا وإعرابًا، وطريقته في الأحاديث المكرَّرة: أنَّه يشرح في كلِّ موضعٍ ما يتعلَّق بمقصد البخاريِّ بذكره فيه، ويحيل بباقي شرحه على المكان المشروح فيه.
قال شيخنا: وكثيرًا ما كان - رحمه الله تعالى - يقول: أودُّ لو تتبَّعت الحوالات التي تقع لي فيه، فإن لم يكن المُحال به مذكورًا، أو ذُكِرَ في مكانٍ آخرَ غير المُحال عليه؛ ليقع إصلاحه؛ فما فعل ذلك، فاعلمه.
وكذا ربَّما يقع له ترجيح أحد الأوجه في الإعراب أو غيره من الاحتمالات أو الأقوال في موضعٍ، ثمَّ يرجِّح في موضعٍ آخرَ غيره، إلى غير ذلك ممَّا لا طعن عليه بسببه، بل هذا أمرٌ لا ينفكُّ عنه كثيرٌ من الأئمَّة المعتمدين، وكان ابتداء تأليفه في أوائل سنة سبع عشرة وثمان مئةٍ على طريق الإملاء، ثمَّ صار يكتب بخطِّه شيئًا فشيئًا، فيكتب الكرَّاس، ثمَّ يكتبه جماعةٌ من الأئمَّة المعتبرين، ويعارض بالأصل مع المباحثة في يومٍ من الأسبوع، وذلك بقراءة العلَّامة ابن خضر، فصار السِّفر لا يكمل منه شيءٌ إلَّا وقد قُوبِل وحُرِّر، إلى أن انتهى في أوَّل يومٍ من رجب سنة اثنتين وأربعين وثمان مئةٍ، سوى ما ألحق فيه بعد ذلك، فلم ينتهِ إلَّا قُبيل وفاة المؤلِّف بيسيرٍ.
ولمَّا تمَّ؛ عَمِلَ مصنِّفُه وليمةً بالمكان المسمَّى بالتَّاج والسَّبع وجوه، في يوم السَّبت ثاني شعبان سنة اثنتين وأربعين، وقُرِئَ المجلس الأخير هناك بحضرة الأئمَّة، كالقايانيِّ والمناويِّ والونائيِّ والسَّعد الدِّيريِّ، وكان المصروف على الوليمة المذكورة نحو خمس مئة دينارٍ، وكملت مقدِّمته وهي في مجلَّدٍ ضخمٍ في سنة ثلاث عشرة وثمان مئةٍ، وقد استوفيت بحمد الله تعالى مطالعتهما.
وقد اختصر «فتح الباري» شيخُ مشايخنا الشَّيخ أبو الفتح محمَّد ابن الشَّيخ زين الدِّين بن الحسين المراغي، وقد رأيته بمكَّة وكتبت كثيرًا منه.
وشرحه العلَّامة بدر الدِّين العينيُّ الحنفيُّ في عشرة أجزاءٍ وأزيد، وسمَّاه «عمدة القاري»، وهو بخطِّه في أحدٍ وعشرين جزءًا مجلَّدًا، بمدرسته التي أنشأها بحارة كتامة بالقرب من الجامع الأزهر، وشرع في تأليفه في أواخر شهر رجب سنة إحدى وعشرين وثمان مئةٍ، وفرغ منه في آخر الثُّلث الأوَّل من ليلة السَّبت خامس شهر جمادى الأولى سنة سبعٍ وأربعين وثمان مئةٍ، واستمدَّ فيه من «فتح الباري»، كان -فيما قِيلَ- يستعيره من البرهان ابن خضرٍ بإذن مصنِّفه له، وتعقَّبه في مواضعَ، وطوَّله بما تعمَّد الحافظ ابن حجرٍ في «الفتح» حذفه من سياق الحديث بتمامه، وإفراد كلٍّ من تراجم الرُّواة بالكلام، وبيان الأنساب واللُّغات والإعراب والمعاني والبيان، واستنباط الفرائد من الحديث والأسئلة والأجوبة وغير ذلك.
وقد حُكِيَ: أنَّ بعض الفضلاء ذكر للحافظ ابن حجرٍ ترجيح «شرح العينيِّ»؛ بما اشتمل عليه من البديع وغيره، فقال بديهة: هذا شيءٌ نقله من شرحٍ لركن الدِّين، وكنت قد وقفت عليه قبله، ولكن قد تركت النَّقل منه؛ لكونه لم يتمَّ، إنَّما كتب منه قطعةً، وخشيت من تعبي
قوله: (الفَوْزَنِي) (^١) بالفاء ثم الزاي.
قوله: (الصَّفَاقُسِي) بفتح الصاد المهملة وبعد الألف قاف مضمومة، كما في «القاموس» وبعدها سين مهملة نسبةً إلى صَفَاقُس، بلدٌ بإفريقية على البحر، شُرْبُهم من الآبار.
قوله: (ابْنُ المُنَيِّر) بنونٍ بعد الميم فتحتية.
قوله: (مِغْلَطَاي) (^٢)؛ أي: بميم مكسورة فغين معجمة ساكنة آخره تحتية ساكنة.
قوله: (الكِرْمَانِي) بكسرِ الكاف.
قوله: (إِلَّا مِنَ الصُّحُفِ)؛ أي: الكتب لا أفواه المشايخ.
قوله: (العَنْتَابي) بفتح العين المهملة وسكون النون بعدها فوقية وقبل آخره موحدة، نسبةً إلى عَنْتَاب، قلعةٌ بين حلب وأنطاكية من الشام.
قوله: (بِبَاقِي شَرْحِهِ)؛ أي: شرحُ ما في هذا الموضع المكرر من غريب لفظٍ أو زيادةٍ أو نقصانٍ في الروايات أو نحو ذلك.
قوله: (المُسَمَّى بِالتَّاجِ) هو موضعٌ بناهُ خارجَ القاهرة السلطان المؤيد، بين كوم الريش ومُنية السيرج.
قوله: (كَالقَايَانِي) بالقاف ثم التحتية وبعد الألف نون، و(الوَنَّائِي) بنون ممدودة فهمزة كذلك.
قوله: (وَكَمُلَتْ مُقَدِّمَتُهُ …) إلى آخره، لا يُنافي ما قدَّمه من أنَّه ابتدأ الشرح سنة سبع عشرة؛ لأنَّ المرادَ به ما بعدَ المقدمة فيكون عمل المقدمة أولًا، وشرع في الشرح
_________________
(١) (تعليق موسوعة البخاري)
(٢) الصواب «الهوزني»، وهو المتوفى ٤٦٠ هـ.
(٣) هكذا ضبطه الشارح، والمشهور مُغْلَطاي.
[ ١١٥ ]
بعد فراغها في الاسترسال في هذا المَهْيَع، ولذا لم يتكلَّم البدر العينيُّ بعد تلك القطعة بشيءٍ من ذلك. انتهى.
وبالجملة؛ فإنَّ شرحه حافلٌ كاملٌ في معناه، لكنَّه لم ينتشر كانتشار «فتح الباري» من حياة مؤلِّفه وهلمَّ جرًّا.
وكذا شرح مواضع من «البخاريِّ» الشَّيخ بدر الدِّين الزَّركشيُّ في «التَّنقيح»، وللحافظ ابن حجرٍ نكتٌ عليه لم تكْمل.
وكذا شرح العلَّامة بدر الدِّين الدَّمامينيّ، وسمَّاه «مصابيح الجامع»، وقد استوفيت مطالعتها؛ كشرح العينيِّ وابن حجرٍ والبرماويِّ.
وكذا شرح الحافظ الجلال السُّيوطيّ -فيما بلغني- في تعليقٍ لطيفٍ، قريبٍ من «تنقيح» الزَّركشيِّ، سمَّاه: «التَّوشيح على الجامع الصَّحيح».
وكذا شرح منه شيخ الإسلام أبو زكريَّا يحيى النَّوويُّ قطعةً، من أوَّله إلى آخر «كتاب الإيمان»، طالعتها وانتفعت ببركتها.
وكذا الحافظ ابن كثيرٍ قطعةً من أوَّله، والزَّين بن رجبٍ الدِّمشقيُّ، ورأيت منه مجلَّدةً، والعلَّامة السِّراج البُلقينيُّ، رأيت منه مجلَّدةً أيضًا، والبدر الزَّركشيُّ في غير «التَّنقيح» مطوَّلًا، رأيت منه قطعةً بخطِّه، والمجد الشِّيرازيُّ اللُّغويُّ مؤلِّف «القاموس»، سمَّاه: «منح الباري بالسَّيح الفسيح المجاري في شرح البخاري»، كمَّل ربع «العبادات» منه في عشرين مجلَّدًا، وقدر تمامه في أربعين مجلَّدًا.
قال التَّقيُّ الفاسيُّ: لكنَّه قد ملأه بغرائب المنقولات، لاسيَّما لما اشتُهِر باليمن مقالة ابن عربيٍّ، وغلب ذلك على علماء تلك البلاد، وصار يدخل في شرحه من فتوحاته الكثير ما كان سببًا لِشَيْن شرحه عند الطَّاعنين فيه.
وقال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه رأى القطعة التي كملت في حياة مؤلِّفه قد أكلتها الأَرَضَة بكمالها، بحيث لا يقدر على قراءة شيءٍ منها. انتهى.
وكذا بلغني أنَّ الإمام أبا الفضل النُّويريَّ خطيب مكَّة شرح مواضع من «البخاريِّ».
وكذا العلَّامة محمَّد بن أحمد بن مرزوق شارح «بردة البوصيريِّ»، وسمَّاه: «المتجر الرَّبيح والمسعى الرَّجيح في شرح الجامع الصَّحيح»، ولم يكمل أيضًا.
وشرح العارف القدوة عبد الله بن أبي جمرة ما اختصره منه، وسمَّاه: «بهجة النفوس»، وقد طالعته، والبرهان النعمانيّ إلى أثناء الصَّلاة، ولم يفِ بما التزمه، رحمه الله تعالى وإيَّانا.
وشيخ المذهب وفقيهه شيخ الإسلام أبو يحيى زكريَّا الأنصاريُّ السُّنَيكيُّ، والشَّمس الكورانيُّ مؤدِّب السُّلطان المظفَّر أبي الفتح محمَّد بن عثمان فاتح القسطنطينيَّة، سمَّاه: «الكوثر الجاري إلى رياض صحيح البخاري»، وهو في مجلَّدتين، والعلَّامة شيخ الإسلام أبو البقاء جلال الدِّين البلقينيُّ بيَّن ما فيه من الإبهام، وهو في مجلَّدةٍ.
وصاحبنا الشَّيخ أبو البقاء الأحمديُّ، أعانه الله تعالى على الإكمال.
وشيخنا فقيه المذهب الجلال البكريُّ، وأظنُّه لم يكمل.
وكذا صاحبنا الشَّيخ شمس الدِّين الدُّلجيُّ، كتب منه قطعةً لطيفةً.
ولابن عبد البرِّ: «الأجوبة على المسائل المستغربة من البخاري»، سأله عنها المهلَّب بن أبي صفرة.
وكذا لأبي محمَّد ابن حزم عدَّة أجوبةٍ عليه، ولابن المُنَيِّر حواشٍ على ابن بطَّالٍ، وله أيضًا كلامٌ على التَّراجم سمَّاه: «المتواري». وكذا لأبي عبد الله بن رُشَيدٍ: «ترجمان التَّراجم»، وللفقيه أبي عبد الله محمَّد بن منصور بن حمامة المغراويِّ السِّجِلْماسيِّ: «حلُّ أغراض البخاري المُبهَمة في الجمع بين الحديث والتَّرجمة»، وهي مئة ترجمةٍ.
ولشيخ الإسلام الحافظ ابن حجرٍ: «انتقاض الاعتراض»، يجيب فيه عمَّا اعترضه عليه العينيُّ في «شرحه»، طالعته لكنَّه لم يجب عن أكثرها، ولعلَّه كان يكتب الاعتراضات، ويبيِّض لها ليجيب عنها، فاخترمته المنيَّة.
وله أيضًا: «الاستنصار على الطَّاعن المِعْثار»، وهو صورة فُتيا عمَّا وقع في خطبة شرح البخاريِّ للعلَّامة العينيِّ.
وله أيضًا «أحوال الرِّجال المذكورين في البخاريِّ زيادةً على ما في تهذيب الكمال»، وسمَّاه: «الإعلام بمن ذُكِرَ في البخاري من الأعلام».
وله أيضًا: «تغليق التَّعليق»، ذكر فيه تعاليق أحاديث «الجامع» المرفوعة، وآثاره الموقوفة والمتابعات، ومن وصلها بأسانيده إلى الموضع المعلَّق؛ وهو كتابٌ حافلٌ عظيمٌ في بابه، لم يسبقه إليه أحدٌ فيما أعلم، وقرَّظ له عليه العلَّامة اللُّغويُّ المجد صاحب «القاموس»، كما رأيته بخطِّه على نسخةٍ بخطِّ مؤلِّفه، ولخَّصه في «مقدِّمة الفتح»، فحذف الأسانيد ذاكرًا من خرَّجه موصولًا.
وكذا شرح «البخاريَّ» العلَّامة المفنِّن الأوحد، الزَّين عبد الرَّحيم بن عبد الرَّحمن بن أحمد، العباسيُّ الشَّافعيُّ، شرحًا رتَّبه على ترتيبٍ عجيبٍ، وأسلوبٍ غريبٍ، فوضعه -كما قال- في ديباجته على منوال «مصنَّف ابن الأثير»، وبناه على مثال «جامعه» المنير، وجرَّده من الأسانيد، راقمًا على هامشه بإزاء كلِّ حديثٍ حرفًا أو حروفًا، يُعلَم بها من وافق البخاريَّ على إخراج ذلك الحديث من أصحاب الكتب الخمسة، جاعلًا إثر كلِّ كتابٍ جامعٍ منه بابًا لشرح غريبه، واضعًا الكلمات الغريبة بهيئتها على هامش الكتاب، موازيًا لشرحها؛ ليكون أسرع في الكشف وأقرب إلى التَّناول، وقرَّظ له عليه شيخنا شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريفٍ،
بعد تمامها.
قوله: (المَهْيَع) بفتح الميم وسكون الهاء وبعد المثناة التحتية المفتوحة، عينٌ مهملةُ: الطريق الواسع الواضح استُعير للأسلوب والطريقة.
قوله: (بِالسَّيْحِ) بتحتية بعد السين المهملة آخره حاء متعلقٌ بمنح، والسَّيح المطر، و(المجاري) بفتح الجيم جمعُ مجرى؛ أي: الفسيحةُ مجاريه؛ أي: ذلك السيح.
قوله: (المَتْجَرُ) بفوقية ساكنة فجيم؛ أي: محل التجارة، (الرَّبِيْحُ)؛ أي: الكثير الربح.
قوله: (السُنَيْكِي) بضم السين وفتح النون وسكون التحتية، نسبةً إلى سُنيك بلدٌ بالشرق منها شيخ الإسلام ﵁.
قوله: (الفَرَاوِي) بفتح الفاء والراء مخففًا، و(السِلْجَماسِي) بسين مهملة مكسورة فلام ساكنة فجيم ثم سين مهملة أيضًا، نسبةً إلى سِلْجَماسَة: قريةٌ بالمغرب.
وقوله: (حَلُّ أَغْرَاضَ …) إلى آخره؛ أي: كتابٌ مسمى بذلك خاصٌّ ببيانِ المناسبات بين التراجم وما فيها.
قوله: (انْتِقَاضُ الاعْتِرَاضِ) اسمٌ للكتاب المذكور الذي جعله فيما اعترضَ به عليه العيني.
قوله: (المِعْثَار) بكسر الميم وبالمثلثة: الكثير العثور والسَّقط.
قوله: (الإِعْلَامُ) بكسر الهمزة في الأول وفتحها في الثاني، صفةً لمحذوفٍ؛ أي: الرجال الأعلام.
قوله: (تَغْلِيْقُ التَّعْلِيْقِ) بالغين المعجمة في الأول مصدرُ غَلَّقْتُ الباب بالتشديد مبالغةً في غَلَقْتُهُ مُخففًا بمعنى أوثقته، استعير لذكرِ الأسانيد التي تركها المؤلفُ في تلك التعاليق والموقوفات والمتابعات كأنَّه أوثقها بهذه الأسانيد بعد أن كانت كالسائبة.
قوله: (وَقَرَّظ لَهُ) التَّقْرِيظ
[ ١١٦ ]
في الكلام على نظم البلقيني للمناسبات
والزَّين عبد البرِّ ابن الشِّحنة، والعلَّامة الرَّضيُّ الغزِّيُّ.
ونَظَم شيخ الإسلام البلقينيُّ مناسبات ترتيب تراجم البخاريِّ، فقال:
أتى في البخاري حكمةٌ في التَّراجمِ … مناسبةٌ في الكُتْبِ مثل البراجمِ
فمبدأ وحي الله جاء نبيُّه … وإيمانُ يتلوه بعقد المعالم
وإنَّ كتاب العلم يُذكَر بعده … فبالوحي إيمانٌ وعلم العوالم
وما بعد إعلامٍ سوى العمل الذي … به يَرِدُ الإنسان وِرْدَ الأكارم
ومبدؤه طهرٌ أتى لصلاتنا … وأبوابه فيها بيان الملائم
وبعد صلاةٍ فالزَّكاة تبيعها … وحجٌّ وصومٌ فيهما خُلْفُ عالَم
روايته جاءت بخلْفٍ بصحَّةٍ … كذا جاء في التَّصنيف طبق الدَّعائم
وفي الحجِّ أبوابٌ كذاك بعمرةٍ … لِطَيْبَةَ جاء الفضل من طيب خاتم
معاملة الإنسان في طوع ربِّه … يليها ابتغاء الفضل سوق المواسم
وأنواعها في كلِّ بابٍ تميَّزت … وفي الرَّهن والإعتاق فكُّ الملازم
فجاء كتاب الرَّهن والعتق بعده … مناسبةٌ تخفى على فهم صارم
كتابة عبدٍ ثمَّ فيها تبرُّعٌ … كذا هبةٌ فيها شهود التَّحاكم
كتاب شهاداتٍ تلي هبةً جرت … وللشُّهدا في الوصف أمرٌ لحاكم
وكان حديث الإفك فيه افتراؤهم … فويلٌ لأفَّاكٍ وتبًّا لآثم
وكم فيه تعديلٌ لعائشة التي … يبرِّئها المولى بدفع العظائم
كذا الصُّلح بين النَّاس يُذكَر بعده … فبالصُّلح إصلاحٌ ورفع المظالم
وصلحٌ وشرطٌ جائزان لشرعه … فذكر شروطٍ في كتابٍ لعالم
كتاب الوصايا والوقوف لشارطٍ … بها عمل الأعمال تمَّ لقائم
معاملتا ربٍّ وخلقٍ كما مضى … وثالثها جمعٌ غريبٌ لفاهم
كتاب الجهاد اجهد لإعلاء كلِمةٍ … وفيه اكتساب المال إلَّا لظالم
فيملك مال الحرب قهرًا غنيمةً … كذا الفيء يأتينا بعزِّ المغانم
وجزيتهم بالعقد فيه كتابها … موادعةٌ معها أتت في التَّراجم
كتابٌ لبدء الخلق بعد تمامه … مقابلة الإنسان بَيْدَ المقاسم
وللأنبيا فيه كتابٌ يخصُّهم … تراجمُ فيها رتبةٌ للأكارم
فضائل تتلو ثمَّ غزو نبيِّنا … وما قد جرى حتى الوفاة لخاتم
وإنَّ نبيَّ الله وصَّى وصيَّةً … تخصُّ كتاب الله يا طيب عازم
كتابٌ لتفسيرٍ تعقَّبَه بهِ … وإنَّ أولي التَّفسير أهل العزائم
وفي ذاك إعجازٌ لنا ودليلنا … وإحياؤه أرواح أهل الكرائم
كتاب النِّكاح انْظُرْهُ منه تناسلٌ … حياةٌ أتت منه لطفلٍ محالم
وأحكامه حتَّى الوليمة تلوها … ومن بعدها حسن العشير الملائم
كتاب طلاقٍ فيه أبوابُ فرقةٍ … وفي النَّفقات افرق ليسرٍ وعادم
وأطعمةٌ حلَّت وأخرى فحرِّمت … ليجتنب الإنسان إثم المحارم
وعقٌّ عن المولود يتلو مطاعمًا … كذا الذَّبح معْ صيدٍ بيان الملائم
وأضحيةٌ فيها ضيافة ربِّنا … ومن بعدها المشروب يأتي لطاعم
وغالب أمراض بأكلٍ وشربةِ … كتابٌ لمرضانا برفع المآثم
فبالطِّبِّ يُستشفَى من الدَّا برُقْيَةٍ … بفاتحة القرآن ثمَّ الخواتم
لباسٌ به التَّزيين فانظره بعدهُ … كذا أدبٌ يُؤتَى به بالكرائم
وإنَّ بالاستئذان جلب مصالح … به تفتح الأبواب وجه المسالم
وبالدَّعْوات الفتح من كلِّ مغلقٍ … وتيسير أحوالٍ لأهل المعازم
رقاقٌ بها بعد الدُّعاء تَذكُّرٌ … وللقدر اذكره لأصل الدَّعائم
ولا قَدَرَ إلَّا من الله وحده … تبرُّرنا بالنَّذر شوقًا لحاتم
وأيمانٌ من كتبٍ وكفَّارةٌ لها … كذا النَّذر في لُجٍّ بدا من ملاحم
بالظاء المشالة والضاد المعجمة: مدحُ الإنسان، وهو حيٌّ وغلبَ استعماله في مدح التآليف وأربابها.
قوله: (ابْن الشَّحْنَةِ) بفتح الشين المعجمة وسكون الحاء المهملة.
قوله: (فِيْ التَّرَاجِمِ) بالفوقية والجيم المكسورة جمعُ ترجمةٍ، والمرادُ بها الكتب والأبواب التي فيه؛ أي: جاء في ترتيبها -على النَّسق الذي نَسقه الظاهر منه التنافر بين معظمها- حكمةٌ جليلةٌ، وهي مناسبة في الكتب؛ أي: تَنَاسب وارتباط بين الكتب المترجم بها كائنةٌ مثلَ البراجم، تظهرُ بحسن التأمل ودقةِ النظر.
قوله: (البَرَاجِمِ) بالموحدة والجيم، جمع بُرْجُمَة بضم الموحدة والجيم، البَنَان، ويُقالُ لظهورها وبطونها: الرواجب كما في «الكفاية»، والمراد مثلها في التناسب.
قوله: (فَمَبْدَأُ وَحْيِ الله) خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: فأولها مبدأ إلى آخره، ويتلوه «كتاب الإيمان».
وقوله: (بِعَقْدِ المَعَالِمِ)؛ أي: حالَ كونه بعقدِ المعالم؛ أي: النيات، والمناسبةُ في الابتداءِ بالوحي وإيلائه الإيمان، ثم بقية التراجم ظاهرة، وهي أنَّ الاعتماد على جميع ما سيذكره في الصحيح يتوقف على كونه ﷺ نبيًّا أوحي إليه، والإيمان به إنَّما يجب لذلك، ثم يتبعه بقية التكاليف والأحكام ولذا قال: فبالوحي إيمانٌ، وعلم العوالم؛ أي: علم النفوس العوالم، ولفظ إيمان في الأول غير مُنون للضرورة.
قوله: (وَمَا بَعْدَ إِعْلَامٍ …) إلى آخره؛ أي: ليسَ بعدَ الإعلام بالشيءِ الواجبِ إلَّا العمل به الذي يرد الإنسان به (وِرد الأكارم) بكسر الواو: النصيب من الماء، مستعارٌ لما به تحيا النفوس من القيام بالتكاليف، والأكارم جمع كريم كمَثيل وأماثل؛ أي: فلذا أعقب كتاب العلم بكتاب الوضوء وهكذا إلى آخر الأعمال.
وقوله: (وَمَبْدَؤُهُ طُهْرٌ)؛ أي: مبدأُ العمل طهر … إلى آخره.
وقوله: (وَأَبْوَابُهُ) مَبْتَدَأ، و(بيانُ الملائمِ) مبتدأ ثان وفيها خبره وهو وخبره خبر الأول؛ أي: أبواب الطهر فيها بيانُ المناسبِ له من وضوءٍ وغسلٍ وغيرهما.
وقوله: (وَبَعْدَ صَلَاةٍ) إما أن يُقْرَأ بالإضافة أو عدمها، على أن المراد وبعد الطهارة وما يتعلق بها صلاة … إلى آخره.
وقوله: (فِيْهِمَا خُلْفُ عَالَم) بفتح اللام: جماعة من الناس؛ أي: في تقديم كل منهما على الآخر.
وقوله: (رِوَايَتُهُ)؛ أي: الخُلف.
وقوله: (بِخلف)؛ أي: مصحوبة بخلف.
وقوله: (الدَعَائِمِ) جمع دِعَامة بكسر الدال عماد البيت، مستعارٌ هنا للأصول المروية عن الشيخ والنُسخ المسموعة منه.
وقوله: (لِطَيْبَةَ …) إلى آخره، مرادُهُ أنَّه جاء ذكرُ فضلِ طيبةَ -وهي المدينة- إثرَ فضل مكة التي بها شعار الحج للمناسبة الظاهرة، والمراد بالخاتم خاتم الأنبياء ﷺ.
[ ١١٧ ]
وأحوال أحياءٍ تتمُّ وبعدها … مواريث أمواتٍ أتت للمقاسم
فرائضهم فيها كتابٌ يخصُّها … وقد تمَّت الأحوالُ حالات سالم
ومن يأت قاذورًا تَبيَّن حدُّه … محاربهم فيها أتت حتم حاتم
وفي غرَّةٍ فاذكر دياتٍ لأنفسٍ … وفيه قصاصٌ جاء لأهل الجرائم
وردَّة مرتدٍّ ففيه استتابةٌ … بردَّته زالت عقود العواصم
ولكنَّما الإكراه رافعُ حكمه … كذا حِيَلٌ جاءت لفكِّ التَّلازم
وفي باطن الرُّؤيا لتعبير أمرها … وفتنتها قامت فما من مقاوم
وإحكامها خلفًا يزيل تنازعًا … كتاب التَّمنِّي جاء رمزًا لراقم
ولا تتمنَّوا جاء فيه تواترٌ … وأخبار آحادٍ حِجَاجٍ لعالم
كتاب اعتصامٍ فاعتصم بكتابه … وسُنَّة خير الخلق عصمة عاصم
وخاتمة التَّوحيد طاب ختامها … بمبدئها عطرٌ ومسكٌ لخاتم
فجاء كتابٌ جامعٌ من صحاحنا … لحافظ عصرٍ قد مضى في التَّقادم
أتى في البخاري مدْحةٌ لصحيحه … وحسبك بالإجماع في مدح حازم
وقوله: (مُعَامَلَةُ الإِنْسَانِ فِيْ طَوْعِ رَبِّهِ)؛ أي: كائنةٌ في جملة (طوع …) إلى آخره؛ أي: فهي من جملة العبادات فإردافها بها لتلك المناسبة.
وقوله: (يَلِيْهَا ابْتِغَاءُ الفَضْلِ)؛ أي: الرزق؛ أي: باب ابتغاء الفضل.
وقوله: (سُوْقَ المَوَاسِمِ)؛ أي: وسوق المواسم؛ أي: المجامع التي كانت في العرب كسوق عكاظ، ولا يخفى أنَّه يكون في الأسواق طلب الأرزاق بالبيع والشراء ونحوهما.
وقوله: (وَأَنْوَاعُهَا)؛ أي: المعاملات، و(تميَّزَت) تفصَّلت وعلمت.
وقوله: (فِيْ الرَّهْنِ والإعتاقِ فكُّ الملازم)؛ أي: الأمر الملازم لصاحبه، وهو سلطنة الرِّق في العبد وسلطنة الراهن في الرهن، فبينهما مناسبة من هذا الوجه، فلذا أعقب الرهن بالعتق فقوله (مُنَاسَبَةٌ تَخْفَى)؛ أي: هذه المناسبةُ مناسبةٌ تخفى (على فهمِ صارمِ)، بالصاد المهملة والراء؛ أي: شُجاع ماض كالسيف القاطع، وذلك لدقتها فلا تُدرك إلَّا بدقة التأمل.
وقوله: (كِتَابَةُ عَبْدٍ) مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: بعدها أو العكس، وتعقيبه بها ظاهرٌ؛ لأنَّها من أنواعه.
وقوله: (ثُمَّ فِيْهَا تَبَرُّعٌ)؛ أي: من المكاتِب للمكاتَب بشيء من مال الكتابة.
وقوله: (كَذَا هِبَةٌ …) إلى آخره؛ أي: فذِكْرُها بعد التبرع المذكور؛ لأنها -أي: الهبة- تبرعٌ أيضًا، ثم لكونه قد يفضي الحال في الهبة إلى التداعي وطلب الشهود أعقبها؛ -أي: الهبة- بـ «كتاب الشهادات» فلذا قال: (كذا هبة فيها …) إلى آخره.
وقوله: (وَلِلْشُهَدَا فِيْ الوَصْفِ …) إلى آخره؛ أي: إنَّ الشُّهود يثبتُ لهم من الأوصاف ما للحاكم من العدالة والعقل ونحو ذلك.
وقوله: (وَكَانَ حَدِيْثُ الإِفْكِ …) إلى آخره؛ أي: إنَّه أعقبَ «كتاب الشهادة» بحديث الإفك لما فيه من مناسبات أحوال الشهود إذ ظهر فيه إفكُ من جاء به، وتعديل السيدة الصديقة بنت الصديق ﵂، وبراءة ساحتها القدسية من قبل هذه الجرائم العظيمة وغيرها.
وقوله: (يُذْكَرُ بَعْدَهُ)؛ أي: بعدَ الإفكِ، وقد بَيَّنَ وجهَ المناسبة بقوله (فَبِالصُلْحِ …) إلى آخره، ولعلَّ أصل التناسب إنَّما هو بينه وبين الشهادات التي تحصل في الدعاوى، وذَكَرَ بينهما الإفكَ استطرادًا لِمَا ذُكِرَ من المناسبة، ثم لما كان الصلح يكون على شروط وذَكَرهَا، ناسبَ أن يذكرَ عقبه بقية أحكام الشروط الداخلة في بقية الأحكام؛ فذَكَرَ «كتابَ الشروط» في الإسلام والأحكام وغير ذلك مما يُعقد على شروط.
وقوله: (كِتَابُ الوَصَايَا)؛ أي: بعد «كتاب الشروط» «كتاب الوصايا والوقف» لما فيهما من العمل بشرط الموصي والواقف من الوصي والناظر، والضمير في (بها) إمَّا للشروط المفهومة من (شارط) والجار والمجرور خبر مقدَّم، و(عمل) مبتدأ مؤخر، و(ثَمَّ) بمثلثة مفتوحة؛ أي: هناك؛ أي: في الوصايا والوقوف، و(لِقَائِمِ) متعلق بعمل؛ أي: لمن يقوم بذلك مِن وصيٍّ وناظر، أو بفوقية: فعلٌ ماضٍ من التمام و(لقائم) متعلق به؛ أي: إنَّه متى كان على حسب تلك الشروط كان نافذًا غير منقوض، ويحتمل أن يكون (لشارط) خبرًا مقدَّمًا و(عمل) مبتدأ مؤخر، و(بها) بمعنى فيها، متعلق بشارط.
وقوله: (مُعَامَلَتَا رَبٍّ …) إلى آخره؛ أي: ما تقدَّمَ من أول الكتاب إلى هنا هو معاملتا الخلق والخالق؛ أي: قسم يختص بالعبادة التي هي معاملة الخالق، وقسم بالخَلْق وهو معاملة المخلوق، ثم أردف ذلك بما يشمل كُلًّا منهما وهو معنى قوله: (وَثَالِثُهَا جَمْعٌ …) إلى آخره؛ أي: وثالث الأقسام جمع بين هذين القسمين (غَرِيبٌ لِفَاهِم)؛ أي: عظيمٌ لمن يفهمه وهو الجهاد، فإنَّه من حيث بذلُ الإنسان نفسه لإعلاء كلمة الله معاملة للخالق، ومن حيث ما فيه من الغنائم وأخذها بدون رضا أربابها وقسمتها بين المجاهدين معاملة للمخلوق، وقد أشار لذلك بقوله: (اجْهَدْ لإِعْلَاءِ كَلِمَةٍ) وقوله: (وَفِيْهِ اكْتِسَابُ المَالِ) و(كتاب) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: وهو؛ أي: الثالث كتاب إلى آخره، وفرَّع عليه قوله:
(فَيُمْلَكُ …) إلى آخره، إما بالبناء للمجهول و(مال) نائب فاعل، أو للفاعل، وفيه ضمير يعود على المجاهد المفهوم من المقام.
وقوله: (وَجِزْيَتُهُم بِالْعَقْدِ)؛ أي: المُلتبسة بعقدها (فيه)؛ أي: مذكورة؛ أي: بابها فيه (كتابها)؛ أي: في «كتاب الجهاد»: «كتاب الجزية»، والترجمة للجزية، ثم بـ (باب) لا (كتاب) فلعلَّ الناظمَ تجوَّزَ به عنه لاستقامة النَّظْمِ، أو أرادَ بالكتاب المصدر، بمعنى اسم المفعول على تقدير مضافين؛ أي: دالٌّ أحكامها.
وقوله: (مُوَادَعَةٌ مَعَهَا)؛ أي: وذكرَ معها؛ أي: بعدها «بابَ: المُوادعة»؛ أي: موادعة الإمام ملك القرية هل يكون ذلك لبقيتهم؟ والموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره، والمناسبة بين الجهاد والجزية، وبينها وبين الموادعة ظاهرة.
وقوله: (كِتَابٌ لِبَدْءِ الخَلْقِ)؛ أي: وبعد هذا كتاب «بدء الخلق».
وقوله: (بَعْدَ تَمَامِهِ …) إلى آخره؛ أي: بعدَ إتمامه (مقابلة) بالموحدة النَّصب على المفعولية لـ (تمام) الذي هو اسم مصدرٍ بمعنى المصدر، ويحتملُ أن كتابَ مبتدأ والظَّرف خبره و(بَيْدَ) بموحدة فتحتية ساكنة؛ أي: لأجلِ (المقاسم) متعلقٌ بـ (مقابلة)؛ أي: بعد مقابلة
[ ١١٨ ]
أصحُّ كتابٍ بعد تنزيل ربِّنا … وناهيك بالتَّفضيل فاجأر لراحم
وقل رحم الرَّحمن عبدًا موحِّدًا … تحرَّى صحيحَ القصد سُبْل العلائم
وفي سُنَّة المختار يبدي صحيحها … بإسناد أهل الصِّدق من كلِّ حازم
وإنَّا توخَّينا كتابًا نخصُّه … على أوجهٍ تأتي عجابًا لغانم
الإنسان العدو ومقاتلته لأجل المقاسم؛ أي: الأموال التي تُقسم، وهي الغنائم والشأن في الحروب أن تكون لذلك، وأيًّا ما كانَ ففي الكلام نوعُ قلاقةٍ ليس لها من دون التطويل علاقة.
وقوله: (لِلْأَنْبِيَا فِيْهِ)؛ أي: في «كتاب بدء الخلق».
وقوله: (كِتَابٌ يَخُصُّهُم) سيأتي أن رواية غير اليُونينية: «باب: خلق آدم وذريته» ورواية اليونينية: «كتاب الأنبياء» وعليها فقوله (وللأنبيا فيه) إِمَّا أنْ يكونَ ضميرُهُ للبدءِ وهو ظاهرٌ، أو للكتاب، ففي بمعنى بعد، ثمَّ على رواية اليونينية لا احتياج إلى تأويل (في باب) وعلى رواية غيرها (ففي) على ظاهرها، و(باب) مراد منه الجنس، إذ المذكور للأنبياء أبواب متعددة لا بابٌ واحد.
وقوله: (فَضَائِلُ تَتْلُو)؛ أي: إنَّه يذكرُ بعد ذلك كتاب الفضائل، يعني: فضائل قريش والصحابة والمهاجرين والأنصار وما يتعلق بذلك.
وقوله: (ثُمَّ غَزْوُ نَبِيِّنَا) ثم بعدَ ذلك «كتابُ المغازي»، وذكر غزواته ﷺ وبعوثه (وما جرى) له ومنه في حياته ﷺ في الدعاء إلى الإسلام، وكمكاتبة الملوك وغير ذلك (حتى الوفاة)؛ أي: إلى وفاته ﵊.
وقوله: (لِخَاتَمِ)؛ أي: لخاتم الرسل متعلق بـ (جرى).
وقوله: (وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ …) إلى آخره؛ أي: وبعد ذلك وصية النبي ﷺ والكتاب الذي هَمَّ بِكِتَابَتِهِ فِيْ مَرَضِ مَوْتِهِ بِالعَمَلِ بِالقُرْآنِ الشَّرِيْفِ والتمسك به، و(عازم) بالعين المهملة والزاي المعجمة من العَزْم، والمراد منه النَّبيَّ ﷺ في عزمه على كتابة ذلك.
وقوله: (تَعَقَّبَهُ)؛ أي: تعقب «كتاب وصية النَّبيِّ ﷺ»؛ أي: ذكره عقبه.
وقوله: (وَإِنَّ أُوْلِي التَّفْسِيْرِ) بالكسر، استئناف؛ أي: إنَّ أصحاب تفسير القرآن؛ أي: العالمون به (أهل العزائم)؛ أي: أرباب الهمم العلية والمقاصد السنية، قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] على ما قيلَ: إنها معرفةُ تفسير القرآن.
وقوله: (وَفِيْ ذَاكَ إِعْجَازٌ لَنَا)؛ أي: في معرفة التفسير معرفة إعجاز القرآن؛ أي: كونه مُعجزًا للبشر.
وقوله: (وَدَلِيْلُنَا)؛ أي: معرفةُ أدلتنا في العقائد والأحكام الشرعية، وفيه أيضًا: إحياء لأرواح أهل الكرائم؛ أي: النفوس الكريمة بما فيه من العلوم والمعارف التي بها تحيا الأرواح الحياة الأبدية.
وقوله: (كِتَابُ النِّكَاحِ)؛ أي: وبعد ذلك؛ أي: «كتاب التفسير» «كتاب النكاح»، وأشار إلى مناسبته للتفسير بالسابق واللاحق من قوله: (وَإِحْيَاؤُهُ أَرْوَاحُ أَهْلِ الكَرَائِمِ).
وقوله: (انْظُرْهُ فِيْهِ تَنَاسُلٌ حَيَاةٌ …) إلى آخره؛ أي: فذلكَ حياةُ الأرواح وهذا حياة الأجسام.
وقوله: (مُحَالِمِ) بالحاء المهملة؛ أي: صائر إلى أن يبلغ الحلم.
وقوله: (وَمِنْ بَعْدها حُسْنُ العَشِيْرِ)؛ أي: من بعد النكاح وتعلقاته حسن العشير؛ -أي: المعاشر؛ أي: باب حسن المعاشرة مع الأهل- و(الملائم) صفة العشير، وفيه: تلميح إلى التناسب بينه وبين النكاح.
وقوله: (كِتَابُ طَلَاقٍ …) إلى آخره، على نسق ما قبله.
وقوله: (وَفِيْ النَّفَقَاتِ …) إلى آخره؛ أي: وفي «أبواب النفقات» أبواب نفقة المُوسر والمُعدَم؛ -أي: المعسر- يُشيرُ إلى «باب: نفقة المعسر على أهله».
وقوله: (وَأَطْعِمَةٌ …) إلى آخره؛ أي: ويتلو ذلك أطعمة؛ أي: «كتاب الأطعمة» وأبواب ما يحل منها وما يحرم، ومناسبتها للنفقات حتى ذكرت عقبها ظاهرة.
وقوله: (وَعَقٌّ …) إلى آخره، بالعين المهملة المفتوحة والقاف مبتدأ ويتلو خبره، وهو على تقدير مضاف، وباب العقِّ عن المولود؛ أي: طلب ذبح عقيقته.
وقوله: (كَذَا الذَّبْحُ …) إلى آخره؛ أي: كذلك يتلو الذبحَ؛ -أي: «كتاب الذبائح والصيد» - لأنَّ كُلًّا طعام وذبح، والظاهرُ أنَّ قوله: (بيانَ الملائم) بالنصب مفعول لمحذوف؛ أي: افهم بيان الملائم؛ أي: انضمام الملائم بعضه لبعض. وقوله: (وَأُضْحِيَةٌ)؛ أي: و«كتاب الأضحية» على نسق ما قبله.
وقوله: (فِيْهَا ضِيَافَةُ رَبِّنَا) استطرادٌ ببيان حكمتها، وأنَّها ضيافة من الله للناس أيام العيد.
وقوله: (وَمِنْ بَعْدِهَا المَشْرُوْب)؛ أي: «كتاب الأشربة» أو أحكام المشروبات لقوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾ [البقرة: ٦٠].
وقوله: (وَغَالِبُ أَمْرَاضٍ بِأَكْلٍ وَشُرْبِهِ)؛ أي: حاصلٌ بسببِ أكلِ الإنسان وشُربه، فهو مُتولد عنهما، فلذا ذكر «كتاب المرضى والطب» عقبهما.
وقوله: (بِرَفْعِ المَآثِمِ) يظهرُ أنَّه تحريفٌ، والصواب (برفعِ المآلم) باللام بعد الهمزة الممدودة، جمع مألم مصدرٌ ميمي من الألم؛ أي: مصحوبًا هو؛ -أي: «كتاب المرضى» - بالطب الذي يرفع المآلم، ثم ذكرَ فيهِ؛ أي: في «الطب» «بابَ: الرُّقى»؛ لأنها من جُملة الطبِّ كما قال: (فَبِالطِّبِ يُسْتَشْفَى مِنَ الدَّا) بالقصرِ للضرورة … إلى آخره، ومن المعلوم أنَّ الإنسان كما يحتاج إلى الطعام والشراب يحتاج إلى اللباس ليتزين به، فلذا ذكر «كتاب اللباس» بعد «الطب» الذي هو من تعلقات الأكل والشرب، وإذا استوفى الإنسان ما به يتربى جسمه ويتحسن، التفت إلى ما به تتربى روحه وتتكمل، وذلك بالأخلاق المرضية والآداب السنية،
[ ١١٩ ]
عسى الله يهدينا جميعًا بفضله … إلى سُنَّة المختار رأس الأكارم
وصلَّى على المختار أللهُ ربُّنا … يقارنها التَّسليم في حالِ دائم
وآلٍ له والصَّحب معْ تبعٍ لهم … يقفُّون آثارًا أتت بدعائم
بتكرير ما يبدو وتضعيف عدِّه … وفي بدئها والختم مسك الخواتم
فذكر بعد ذلك «كتابَ الآداب»، والكرائمُ هي الأفعال الكريمة، و(به) بمعنى فيه؛ أي: يذكرُ فيه الأفعال الجليلة، ثم من جملة الآداب الاستئذان في دخول بيت الغير و(به تُفتح الأبواب) المغلقة في (وجه المُسالم)؛ أي: المُستأذن الذي ليسَ بينه وبين المستأذن عليه عداوةٌ إذا أراد دخوله فهو سبب فتحِ الأبواب الحسية، والدعاء سببٌ في فتح الأبواب المعنويةِ للمطالبِ الإنسانية، فناسب أن يذكر «كتاب الدعاء» عقبَ «كتب الاستئذان»، وفَصْلُهُمَا بترجمةٍ مع دخولهما في الآداب لعله لجلالتهما وعِظَمِ الأحكام والأغراض المترتبة عليهما، كما أشار لذلك الناظم بقوله:
وَبِالدَّعَوَاتِ الفَتْحُ مِنْ كُلِّ مُغْلَقٍ … وَتَيْسِيْرُ أَحْوَالٍ لِأَهْلِ المَعَازِمِ
بالعين المهملة ثم الزاي جمع (معزم) بمعنى العزم والقصد.
وقوله: (رِقَاق) بكسر الراء يعني «كتاب الرقاق» (بعد) «كتاب الدعاء»، وهو جمع رقيقة؛ أي: مُرققة؛ يعني: الأمور التي ترققُ القلب ويحصل بها التذكر؛ أي: الاتعاظ.
وقوله: (وَلِلْقَدَرِ اذْكُرْهُ)؛ أي: اذكرْ القَدَرَ بالتحريك؛ أي: «كتاب القدر» بعد «كتاب الرقائق» (لأهل الدعائم) جمع دِعامة، ما يُعتمد عليه؛ يعني: لأهل الاعتماد والتوكل عليه تعالى.
وقوله: (وَلَاْ قَدَرٌ …) إلى آخره، استطراد.
وقوله: (تَبَرُّرنَا بِالنَّذْرِ)؛ أي: وتبررنا بالنذر؛ أي: وبعد القدر «أبوابُ نذرُ التَّبرر» الذي يحمل عليه الشوق إلى حسن ختام الأمر المطلوب.
وقوله: (وَأَيْمَانٌ مِنْ كُتُبٍ) مبتدأ وخبر، وأيمان بفتح الهمزة على تقدير مضاف؛ أي: و«كتاب الأيمان» من جملة الكتب، يريد بهذه الجملة التي هي كالسماء فوقنا أنَّ الأيمان بعد نذر التبرر.
وقوله: (وَكَفَّارَةٌ لَهَا كَذَا النَّذْرُ …) إلى آخره؛ أي: وبابُ «كفارةِ اليمينِ ونذر اللجاج»، وظاهره أنَّ النذر المذكور بعد الكفارة، وليس كذلك، بل هو والأيمان في ترجمة واحدةٍ، وباب كفارة الأيمان بعد النذور.
وقوله: (بَدَا)؛ أي: ظهر ضميره للنذرِ المذكور، و(المَلَاحِم) بفتح الميم وبالحاء المهملة: الشدائد من التحمَ الحربَ: اشتدَّ.
وقوله: (وأحوال أموات) (^١) ثم تمهيدٌ لوجه ذكرِ «كتاب الفرائض» بعد ذلك؛ أي: إنَّه بمضمون التراجم المتقدمة تتم أحوال الأحياء، ثم يعقبها أحوال الأموات، فلذا أعقب ذلك «كتاب الفرائض».
وقوله: (حَالَاتُ سَالِمِ) بدل من الأحوال، وسالم؛ أي: من القاذورات المعنوية التي هي المعاصي، وبقي ما يتعلق بحالِ من يأتي تلك القاذورات فذكرَ «كتاب الحدود»، فظهرت المناسبة بين السابق واللاحق.
وقوله: (مَحَارِبُهُم فِيْهَا أَتَتْ)؛ أي: حِرَاباتهم؛ يعني: المحاربين من أهل القاذورات فيها؛ أي: في الحدود؛ أي: بعدها أو في القاذورات؛ أي: داخلة فيها، فلذا ذكرت بعد الحدود ومراده «كتاب المحاربين» من أهل الكفر والردة.
وقوله: (حَتْمُ حَاتِم) بحاء مهملة ثم فوقية فيهما؛ أي: حتم ذلك، وجزم به حتمًا من حاتم، وهو الله تعالى، أو النَّبيُّ ﷺ.
وقوله: (وَفِيْ غُرَّةٍ …) إلى آخره، هو بضم الغين المعجمة وتشديد الراء؛ أي: في ذكر الغُرَّةِ الواجبة في الجناية على الجنين.
وقوله: (فَاذْكُرْ دِيَّاتٍ …) إلى آخره، الفاء زائدة، وصريحُ كلامه أنَّ ترجمة الدِيات مذكورةٌ في تراجم الغُرة، فالغُرة سابقة والديات لاحقة، وليس كذلك بل الأمرُ بالعكس، فكتاب الديات عقب «كتاب المحاربين»، وفي ضمن أبوابه: «باب: جنين المرأة»، وكذا قوله: (وَفِيْهِ قِصَاصٌ) فإنَّ «بابَ: القِصَاصِ» في «كتاب الديات» قبل «باب: الجنين»، ترجمَ له بقوله: «باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]» بعد الديات بباب واحد، وقبل «باب: الجنين» بأبواب شتى.
وقوله: (وَرِدَّةُ مُرْتَدٍّ)؛ أي: وبعد ذلك (رِدَّةٌ …) إلى آخره، أي: «كتاب المرتدين»، وفي قوله: (وَفِيْهِ اسْتِتَابَةٌ …) إلى آخره، أن أصلَّ التَّرجمة بكتابِ المُرْتَدِّيْنَ، وفيها باب استتابتهم مثلًا، وليس كذلك بل المذكور «كتاب استتابة المرتدين وقتالهم»، وبعد ذلك «باب: حكم المرتد والمرتدة»، و«باب: قتل مَن نسب إلى الردة».
وقوله: (بِرِدَّتِهِ …) إلى آخره، استطرادٌ ببيانِ وجهِ قتلِ المُرتد، و(العواصم) الأمور التي عصمت دمه وماله؛ من الإيمان وأعماله.
وقوله: (وَلَكِنَّمَا الإِكْراهُ رَافِعُ حُكْمِهِ)؛ أي: حكم ذلك الارتداد الذي يحصل به فله به أتم مناسبة، فلذا ذكر عقبه، وترجمه المصنف بلفظ: «كتاب الإكراه»، وذكر بعده «باب: من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر»، ثم أبوابُ الإكراهِ في البيع والنكاح وغيرهما، لكون ذلك من أفراد مطلق الإكراه.
وقوله: (كَذَا حِيَلٌ …) إلى آخره؛ أي: إنَّه ترجمَ بعدَ «أبوابِ الإكراه» للحيل، فقال: «باب: الحيلة في النكاح» «باب: ما يُكره من الاحتيال في البيوع …» إلى آخره، ولعلَّ مُنَاسَبته للإكراهِ أنَّ في الارتدادِ بالإكراه تخلصًا من القتلِ وتحيُّلًا على خلاصِ النفسِ، فناسبَ أن يذكرَ معهُ التَّحيل في باقي الأحكام، فإنَّ به ينفكُ التلازمُ فيها كما ينفكُّ به فيه، ثم انظرْ ما معنى قوله: (وَفِيْ بَاطِنِ الرُّؤْيَا …) إلى آخره، فإن كانَ المرادُ
_________________
(١) تعليق المكتبة الشاملة: كذا في الشرح. والبيت في المتن، كما سبق ص ١١٨: وأحوال أحياءٍ تتمُّ وبعدها … مواريث أمواتٍ أتت للمقاسم
[ ١٢٠ ]