أرادها أحد بسوء إلّا هلك كأصحاب الفيل فكفّ زنباع، فقال:
تمنى أخو فهر لقاي ودونه قراطبة مثل الليوث الحواظر
فوالله لولا الله لا شيء غيره وكعبته راقت إليكم معاشري
لأقتل منكم كل كهل معمم وأسبي نساء بين جمع الأباعر
فبلغ ذلك عمر رضوان الله تعالى عليه فأجابه وقال:
ألم تر أن الله أهلك من بغى علينا قديما في قديم المعاشر
وأردى أبا مكسوم أبرهة الذي أتانا مغيرا كالفنيق المخاطر
بجمع كثير يحرج العين وسطه على رأسه تاج على رأس باكر
فما راعنا من ذلك العبد كيده وكنا به من بين لاه وساخر
وقال سأبغي البيت هدما ولا أرى بمكة ماش بين تلك المشاعر
فرداه رب العرش عنا رداءه ولم ينجه إعظامه بالمرائر
فأهلكه والتابعين له معا وأسرى به من ناصر ومسامر
وليس لنا فاعلم وليس لبيتنا سوى الله من مولى عزيز وناصر
فدونك زرنا تلق مثل الذي لقوا جميعهم من دار عين وحاسر
وكان شأن الفيل رادعا لكل باغ ودافعا لكل طاغ وقد عاصر رسول الله ﷺ في زمن نبوته وبعد هجرته جماعة شاهدوا الفيل وطير الأبابيل منهم حكيم ابن حزام وحاطب بن عبد العزى ونوفل بن معاوية لأن كل واحد من هؤلاء عاش مائة وعشرين منها ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام.
مولد الرسول ﷺ
ولما حملت آمنة بنت وهب برسول الله ﷺ حدثت أنها أتيت، فقيل لها:
إنك قد حملت بسيد هذه الأمة فإذا وقع على الأرض فقولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد ثم سميه محمدا ورأيت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت منه قصور بصرى من أرض الشام.
قالت أم عثمان بن العاص شهدت ولادة آمنة برسول الله ﷺ وكان ليلا فما شيء أنظر إليه من البيت إلّا نور وإنني أنظر إلى النجوم تدنو وإني أقول لتقعن عليّ ولما وضعته تركت عليه في ليلة ولادته جفنة فانقلبت عنه فكان من آياته أن لم
[ ٢٠٩ ]
تحوه وأرسلت إلى جده عبد المطلب أن قد ولد لك غلام فأته فانظر إليه فأتاه ونظر إليه وحدثته بما رأت حين حملت به وما قيل لها فيه وما أمرت أن تسميه فقيل إن عبد المطلب أخذه فدخل به على هبل في جوف الكعبة فقام عنده يدعو ويشكر بما أعطاه ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها وقال: قد رأى فيه سمات المجد وتوسم فيه إمارات السؤدد أن محمدا لن يموت حتى يسود العرب والعجم وأنشأ يقول:
الحمد لله الذي أعطاني هذا الغلام الطيب الأردان
أعيذه بالواحد المنان من كل ذي عيب وذي شنآن
حتى أراه شامخ البنيان
طفولته ﷺ
ولم يزل موفور البركة على كل لائذ به وكافل له فروى جهم بن أبي الجهم عن عبد الله بن جعفر قال: لما ولد رسول الله ﷺ قدمت حليمة بنت الحرث ابن عبد العزى تلتمس الرضعاء في سنة شيبة قالت ومعنا شارف والله ما يبض لنا بقطرة من لبن ومعي بني لي منه وما نجد في ثديي ما نعلله إلّا أنا نرجو الغيث وكانت لنا غنم فنحن نرجوها فلما قدمنا مكة لم يبق منا امرأة إلّا عرض عليها رسول الله ﷺ فلم تقبله وكرهناه ليتمه فأخذ كل صاحبي رضعاء ولم أجد غيره فأخذته وأتيت به رحلي فوالله إن هو إلّا أن ثبت في الرحل وأمسيت فأقبل ثدياي باللبن حتى أرويته وأرويت اخاه، وقام أبوه إلى شارفنا تلك ليمسه بيده فإذا هي حافل فحلبها ما رواني من لبنها وروى الغلمان فقال: يا حليمة لقد أصبنا نسمة مباركة ثم اغتدينا راجعين إلى بلادنا فركبت أتاني وحملته معي فوالذي نفس حليمة بيده لقد طفت بالركب حتى أن النسوة ليقلن يا حليمة امسكي عنا أهذه أتانك التي خرجت عليها قلت نعم: فقلت والله إني لأرجو أن أكون قد حملت عليها غلاما مباركا قالت: فكان الله يزيدنا به في كل يوم خيرا وإن غنمنا لتعود من الرعي بطانا حفلا، وتعود غنم الناس خماصا جياعا.
قال: فبينا هو يلعب خلف البيوت وأخوه في بهم لنا إذ أتاني أخوه يشتد فقال: إن أخي القرشي جاءه رجلان عليهما ثوبان أبيضان فأخذاه فأضجعاه
[ ٢١٠ ]
وشقا بطنه، فخرجت أنا وأبوه فوجدناه قائما قد انتقع لونه فلما رآنا أجهش إلينا باكيا قالت فالتزمته أنا وأبوه وقلنا له ما لك فقال: جاءني رجلان فأضجعاني فشقا بطني وصنعا بي يلم رداءه كما هو قال أنس بن مالك جاءه جبريل فصرعه، فشق بطنه، فاستخرج القلب، ثم شق القلب فاستخرج منه علقة فقال هذا حظ الشيطان منك ثم غسله ثم لأمه ثم أعاده إلى مكانه.
قال أنس: قد كنت أنظر إلى المخيط في صدره، ثم إن زوج حليمة قال لها: يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر به ذلك، فاحتملته حليمة حتى قدمت به على أمه آمنة فقالت أمه ما أقدمك به يا ظئر، قالت: قد قضيت الذي عليّ وتخوّفت الأحداث عليه فأديته إليك كما تحبين قالت: ما هذا شأنك، فاصدقيني فأخبرتها حليمة بحاله وقالت:
تخوّفت عليه الشيطان، فقالت أمه كلا والله ما للشيطان عليه سبيل وأن له لشأنا وأني رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاءت منه قصور بصرى ووقع حين ولدته وأنه لواضع يده بالأرض رافع رأسه في السماء دعيه فانطلقي راشدة وفي هذا الخبر من آياته ما تذعن النفوس بصحة نبوّته.
نشأته ﷺ
وروى محمد بن إسحاق قال حدثني بعض أصحابنا أن رسول الله ﷺ قال: لقد رأيتني وأنا غلام يفع بمكة مع غلمان قريش نحمل حجارة على أعناقنا وقد حملنا أزرنا فوطأنا على رقابنا إذ دفعني دافع ما أراه وقال: اشدد عليك إزارك، فشددت إزاري، وهذا من نذر الصيانة ليكون عليها ناشئا ولها آلفا
في كفالة أبي طالب
وروى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما هممت بشيء مما كان في الجاهلية يعملون به غير مرتين كل ذلك يحول الله تعالى بيني وبين ما أريد فإني قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكة: لو أبصرت إلى غنمي حتى أدخل مكة فاسمر بها ما يسمر الشباب، فقال ادخل، فخرجت أريد ذلك حتى إذا جئت أول دار من دور
[ ٢١١ ]
مكة سمعت عزفا بالدفوف والمزامير فقلت ما هذا قالوا فلان بن فلان تزوج فلانة ابنة فلان فجلست أنظر إليهم فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلّا مس الشمس، قال فجئت صاحبي، فقال ما فعلت، فقلت: ما صنعت شيئا وأخبرته الخبر، قال ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، فقال افعل، فخرجت فسمعت حين جئت مكة مثل ما سمعت ودخلت مكة تلك الليلة فجلست أنظر فضرب الله على أذنيّ فوالله ما أيقظني إلّا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فأخبرته الخبر، ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى أكرمني الله برسالته» . فهذه أحوال عصمته قبل الرسالة، وصده عن دنس الجهالة، فاقتضى أن يكون بعد الرسالة أعظم ومن الأدناس أسلم وكفى بهذه الحال أن يكون من الأصفياء الخيرة أن أمهل ومن الأتقياء البررة أن أغفل ومن أكبر الأنبياء عند الله تعالى من أرسل مستخلص الفطرة على النظرة، وقد أرسله الله تعالى بعد الاستخلاص وطهره من الأدناس فانتفت عنه تهم الظنون وسلم من ازدراء العيون ليكون الناس إلى إجابته أسرع وإلى الانقياد له أطوع.
شبابه ﷺ
ولما نشأ رسول الله ﷺ في قريش على أحمد هدى وصيانة وأكمل عفاف وأمانة سمّوه الأمين بعد اختباره وقدموه لفضله ووقاره، وتشاوروا في هدم الكعبة وبنائها لقصر سمكها وكان فوق القامة وسعة حيطانها وكان يتهافت، فأرادوا تجديدها وتعليتها وخافوا من الإقدام على هدمها وكان للكعبة كنز وجدوه عند دويك مولى لبني مليح من خزاعة وأخذته قريش منه وقطعت يده واتهموا به الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف أن يكون قد تولى أخذه وأودعه عند دويك، فنافروه إلى كاهنة من كهان العرب فسجعت عليه من كهانتها أن لا يدخل مكة عشر سنين بما استحل من حرمة الكعبة، فكان يجول حول مكة حتى استوفى العشر، وكان يظهر في الكعبة حية يخاف الناس منها لا يدنو منها أحد إلّا اخزألت وفتحت فاها فتوقوها إلى أن علت ذات يوم على جدار الكعبة فسقط طائر فاختطفها.
[ ٢١٢ ]
فقالت قريش: إنا لنرجوا أن يكون الله قد رضي ما أردنا، وكان البحر قد قذف سفينة على ساحل جدة لرجل من تجار الروم، وكان بمكة نجار من القبط، فهيأ لهم تسقيف الكعبة بخشب السفينة، فلما أزمعوا على هدمها قام أبو وهب بن عمير وكان خال رسول الله ﷺ ذا شرف وقدر فأخذ حجرا من الكعبة فوثب الحجر من يده حتى عاد في موضعه، فقال: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلّا طيبا ولا تدخلوا فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس، وتصورت قريش أن عود الحجر من يد أبي وهب إلى موضعه أن الله تعالى قد كره هدمها فهابوه.
وقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول وقام عليها وهو يقول: اللهم لا نريد إلّا الخير، ثم هدم الركنين فتربص الناس به تلك الليلة، وقال: ننتظر فإن أصيب لم تهدم وإن لم يصب هدمناها وقد رضي ما صنعنا، فأصبح الوليد من ليلته وعاد إلى عمله وتحاصت قريش الكعبة فكان شق البيت لبني عبد مناف وزهرة وما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وتيم وقبائل انضمت إليه من قريش وكان شق الحجر والحطيم لبني عبد الدار وبني عبد العزّى وبني عدي وكان ظهر الكعبة لبني جمح وبني سهم حتى انتهوا إلى الأساس فأفضوا إلى حجارة خضر قيل أنها كانت على قبر إسماعيل فضربوا المعول بين حجرين فلما تحركا انتقضت «٢» مكة بأسرها فكفوا وانتهوا إلى أصل الأساس وجمعت كل قبيلة حجارة ما هدمت وبنوا حتى انتهوا إلى ركن الحجر فتنازعت القبائل فيمن يضع الحجر في موضعه من الركن فأقبلوا حتى مكثوا أربع ليال أو خمسا ثم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا فقال أبو أمية بن المغيرة وكان أمين قريش في وقته: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول رجل يدخل من باب هذا المسجد. فكان أول داخل عليهم رسول الله ﷺ فقالوا: هذا محمد وهو الأمين، فقالوا قد رضينا به، لما قد استقر في نفوسهم من فضله وأمانته، فلما وصل إليهم أخبروه، فقال: ائتوني ثوبا، فأتوه بثوب، فأخذ الحجر ووضعه فيه بيده وقال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب
_________________
(١) انتقضت: ارتجت واهتزت.
[ ٢١٣ ]
وليرفعوه جميعا ففعلوا، فلما بلغ الحجر إلى موضعه وضعه فيه بيده، فكان هذا الفعل من مستحسن أفعاله وآثاره والرضاء به من أمارات طاعته.
وكان ذلك بعد عام الفجار بخمس عشرة سنة ورسول الله ﷺ يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة، فكان ذلك تأسيسا لما يريده الله تعالى به من كرامته وتوطئة لقبول ما تحمله من رسالته والله أعلم بمغيب ما استأثر من علمه.
[ ٢١٤ ]
الباب العشرون في شرف أخلاقه وكمال فضائله ﷺ
المهيأ لأشرف الأخلاق وأجمل الأفعال المؤهل لأعلى المنازل وأفضل الأعمال لأنها أصول تقود إلى ما ناسبها ووافقها وتنفرد مما باينها وخالفها، ولا منزلة في العالم أعلى من النبوة التي هي سفارة بين الله تعالى وعباده تبعث على مصالح الخلق وطاعة الخالق فكان أفضل الخلق بها أخص وأكملهم بشروطها أحق بها وأمسّ ولم يكن في عصر الرسول ﷺ وما دانى طرفيه من قاربه في فضله ولا داناه في كماله خلقا وخلقا وقولا وفعلا وبذلك وصفه الله تعالى في كتابه بقوله:
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «١» .
فإن قيل: فليست فضائله دليلا على نبوّته ولم يسمع بنبي احتج بها على أمته ولا عوّل عليها في قبول رسالته لأنه قد يشارك فيها حتى يأتي بمعجز يخرق العادة فيعلم بالمعجز أنه نبي لا بالفضل.
قيل: الفضل من أماراتها وإن لم يكن من معجزاتها ولأن تكامل الفضل معوز فصار كالمعجز ولأن من كمال الفضل اجتناب الكذب وليس من كذب في ادعاء النبوّة بكامل الفضل فصار كمال الفضل موجبا للصدق والصدق موجبا لقبول القول فجاز أن يكون من دلائل الرسل.
_________________
(١) سورة القلم الآية (٤) .
[ ٢١٥ ]