تعريفات [للتكليف]
التكليف هو إلزام ما ورد به الشرع تعبدا وهو نوعان:
أحدهما: ما تعلق بحقه من أمر بطاعة «١» ونهي عن معصية «٢» .
والثاني: ما تعلق بحقوق عباده من تقدير الحقوق وتقرير العقود ليكونوا مدبرين بشرع مسموع ومنقادين لدين متبوع فلا تختلف فيه الآراء ولا تتبع فيه الأهواء، وليعلموا به ابتداء النشأة وانتهاء الرجعة، فتصلح به سرائرهم الباطنية، وتخشع له قلوبهم القاسية، وتجتمع به كلمتهم المتفرقة، وتتفق عليه أحوالهم المختلفة، ويسقط به تنازعهم في الحقوق المتجاذبة، ويكونوا على رغب في الثواب يبعثهم على الخير، ورهب من العقاب يكفهم عن الشر، وهذه أمور لا يصلح الخلق إلّا عليها ولا يوصل بغير الدين المشروع إليها، إذ ليس في طباع البشر أن يتفقوا على مصالحهم من غير وازع ولا يتناصفوا في الحقوق من غير دافع لحرصهم على اختلاف المنافع، وبهذا يفسد ما ذهبت إليه البراهمة من الاقتصار على قضايا العقول وإبطال التعبد
_________________
(١) إيجاب الطاعات والقيام بها.
(٢) نفي المحرمات والمكروهات وترك العمل بها.
[ ٢٩ ]
بشرائع الرسل، فالتكليف حسن في العقول إذا توجه إلى من علمت معصيته واستحسنه المعتزلة لأن فيه تعريضا للثواب ولم يستحسنه الأشعرية لأنه بالمعصية معرض للعقاب، والأول أشبه بمذهب الفقهاء وإن لم يعرف لهم فيه قول يحكى، واختلف في التكليف هل يكون معتبرا بالأصلح فالذي عليه أكثر الفقهاء أنه معتبر بالأصلح لأن المقصود به منفعة العباد.
وذهب فريق من الفقهاء والمتكلمين إلى أنه موقوف على مشيئة الله تعالى من مصلحة وغيرها لأنه مالك لجميعها فمن اعتبر الأصلح منع من تكليف ما لا يطاق ومن اعتبره بالمشيئة جوز تكليف ما لا يطاق ويصح تكليف ما لحقت فيه المشقة المحتملة واختلف في صحة التكليف فيما لا مشقة فيه فجوزها الفقهاء ومنع منها بعض المتكلمين، وقد ورد التعبد بتحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة وليس فيه مشقة وإذا اعتبر التكليف بالاستطاعة لم يتوجه إلى ما خرج عن الاستطاعة واختلف في المانع منه فقال فريق منع منه العقل لامتناعه فيه، وقال فريق منع منه الشرع وإن لم يمنع منه العقل بقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها «٣» .
وجوب التكليف
فإذا تقرر شروط التكليف مع كونه حسنا فقد اختلف في وجوبه، فأوجبه من اعتبر الأصلح وجعله مقترنا بالعقل لأنه من حقوق حكمته، ولم يوجبه من حمله على الإرادة لأن الواجب يقتضي علوّ الموجب، وهذا منتف عن الله تعالى، واختلف من قال بهذا في تقدم العقل على الشرع.
فقال فريق: يجوز أن يقترن بالعقل ويجوز أن يتأخر عنه بحسب الإرادة ولا يجوز أن يتقدم على العقل لأن العقل شرط في لزوم التكليف.
وقال فريق: بل يجب أن يكون التكليف واردا بعد كمال العقل ولا يقترن به كما يتقدم عليه لقول الله تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ
_________________
(١) سورة البقرة من الآية (٢٨٦) .
[ ٣٠ ]
سُدىً «٤» وهذه صفة متوجهة إليه بعد كمال عقله.
شرعية التكليف
وقد استقر بما قدمناه أن التكليف الشرعي ما تضمنه الأوامر والنواهي في حقوق الله تعالى وحقوق عباده والمأمور به ضربان واجب وندب، فالواجب ما وجب أن يفعل والندب ما الأولى أن يفعل والمنهى عنه ضربان مكروه ومحظور، فالمحظور ما وجب تركه، والمكروه ما الأولى تركه، فأما المباح فما استوى فعله وتركه فلا يجب أن يفعل ولا الأولى أن يفعل ولا يجب أن يترك ولا الأولى أن يترك، واختلف في دخول المباح في التكليف، فذهب بعض أصحاب الشافعي ﵀ إلى دخوله في التكليف. واختلف قائل هذا هل دخل فيه بإذن أو بأمر على وجهين:
أحدهما: بإذن ليخرج حكم الندب.
والثاني: بأمر دون أمر الندب كما أن أمر الندب دون أمر الواجب وذهب آخرون من أصحاب الشافعي ﵀ إلى خروجه من التكليف بإذن أو أمر لاختصاص التكليف بما تضمنه ثواب أو عقاب واتفقوا في المباح أنه لا يستحق عليه حمد ولا ذم ويخرج عن القبيح واختلفوا في دخوله في الحسن فأدخله بعضهم فيه وأخرجه بعضهم منه.
الأمر والإرادة
والأمر بالتكليف هو استدعاء الطاعة بالانقياد للفعل واختلفوا في اقتران الإرادة به هل يكون شرطا في صحته، فذهب الأشعري إلى أن الإرادة غير معتبرة فيه ويجوز أن يأمر بما لا يريده ويكون أمرا كالذي يريده، وذهب المعتزلة إلى أنه لا يكون أمرا إلّا بالإرادة، فإن لم تعلم إرادته لم يكن أمرا. واختلفوا هل تعتبر إرادة الأفراد إرادة المأمور به فاعتبر بعضهم إرادة الأمر المنطوق به واعتبر آخرون منهم إرادة الفعل المأمور به والذي عليه جمهور الفقهاء أن الأمر دليل على
_________________
(١) سورة القيامة الآية (٣٦) .
[ ٣١ ]
الإرادة وليست الإرادة شرطا في صحة الأمر. وإن كانت موجودة مع الأمر فيستدل بالأمر على الإرادة ولا يستدل بالإرادة على الأمر.
شروط صحة الأمر
ومن صحة الأمر أن يكون بما لا يمنع منه العقل فإن منع منه العقل لم يصح الأمر به لخروج التكليف عن محظورات العقول واختلف هل يعتبر صحته بحسنه في العقل فاعتبره فريق وأسقطه فريق. وإذا لم يكن يستوعب نصوص الشرع قضايا العقول كلها جاز العمل بمقتضى العقل فيها واختلف في إلحاقها بأحكام الشرع فألحقها فريق بها وجعلها داخلة فيها لأن الشرع لا يخرج عن مقتضاها وأخرجها فريق منها وإن جاز العمل بها كالمشروع لأن الشرع مسموع والعقل متبوع.
وقت الأمر
والأمر يكون بالقول أو ما قام مقام القول إذا عقل منه معنى الأمر واختلف فيه متى يكون أمرا. فذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أنه يكون أمرا وقت القول ويتقدم على الفعل وذهب شاذ من الفقهاء والمتكلمين إلى أنه يكون أمرا وقت الفعل وما تقدمه من القول إعلام بالأمر وليس بأمر وهذا فاسد لأن الفعل يجب بالأمر فلو لم يكن ما تقدمه أمرا لاحتاج مع الفعل إلى تجديد أمر.
أبواب الأمر
والأمر ضربان: أمر اعلام «٥» وأمر إلزام «٦» فأما أمر الإعلام فمختص بالاعتقاد دون الفعل ويجب أن يتقدم الأمر على الاعتقاد بزمان واحد وهو وقت
_________________
(١) كالأمر بالإحسان إلى الفقراء والمساكين مثلا وتركه ترك لخير وثواب ولا عقاب على تاركه.
(٢) كالأمر بإداء الزكاة وتركه معصية وموجب للعقاب.
[ ٣٢ ]
العلم به، وأما أمر الإلزام فمتوجه إلى الاعتقاد والفعل فيجمع بين اعتقاد الوجوب وإيجاد الفعل ولا يجزئه الاقتصار على أحدهما فإن فعله قبل اعتقاد وجوبه لم يجزه وإن اعتقد وجوبه ولم يفعله كان مأخوذا به ولا يلزم تجديد الاعتقاد عند فعله إذا كان على ما تقدم من اعتقاده لأن الاعتقاد تعبد التزام والفعل تأدية مستحق، ويجب أن يتقدم الأمر على الفعل بزمان الاعتقاد واختلف في إعتبار تقديمه بزمان التأهب للفعل على مذهبين:
أحدهما: وهو قول شاذ من الفقهاء يجب تقديمه على الفعل بزمانين.
أحدهما: زمان الإعتقاد.
والثاني: زمان التأهب للفعل وبه قال من المتكلمين من اعتبر القدرة قبل الفعل.
والمذهب الثاني: وهو قول جمهور الفقهاء يعتبر تقديم الأمر على الفعل بزمان الإعتقاد وحده والتأهب للفعل شروع فيه فلم يعتبر تقدمه عليه، وبه قال من المتكلمين من اعتبر القدرة مع الفعل.
[ ٣٣ ]