فصل [في وجوب التكليف على الجن]
فإذا ثبت خلق الجن بما دللنا عليه من شرع ومعقول فهم مكلفون لأن رسول الله ﷺ تحداهم بالقرآن بقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا «٣» وقال تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ «٤» وفي صرفهم وجهان:
أحدهما: أنهم صرفوا عن استراق سمع السماء برجوم الشهب ولم يصرفوا عنه بعد عيسى إلا بعد بعث رسول الله ﷺ فقالوا: ما هذا الحادث في السماء إلا لحادث في الأرض وتخيلوا به تجديد النبوة فجابوا الأرض حتى وقفوا على رسول الله ﷺ ببطن مكة عامدا إلى عكاظ وهو يصلي الفجر فاستمعوا القرآن ورأوه كيف يصلي ويقتدي به أصحابه فعلموا أنه لهذا الحادث صرفوا عن استراق السمع برجوم الشهب، وهذا قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه.
وحكى عكرمة أن السورة التي كان يقرؤها اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ «٥» .
والوجه الثاني: أنهم صرفوا عن بلادهم بالتوفيق هداية من الله تعالى حتى أتوا نبي الله ببطن نخلة فنزل عليه جبريل بهذه الآية وأخبره بوفود الجن وأمره بالخروج إليهم فخرج ومعه ابن مسعود حتى جاء الحجون عند شعيب أبي ذر قال ابن مسعود: فخط على خطا وقال: لا تجاوزه، ومضى إلى الحجون فانحدروا عليه أمثال الحجل حتى لم أره، فعلى الوجه الأول لم يعلم بهم حتى أتوه، وعلى الوجه الثاني أعلمه جبريل قبل إتيانهم، واختلف أهل العلم في رؤيته لهم وقراءته عليهم.
فحكي سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لم يرهم ولم يقرأ
_________________
(١) سورة الإسراء الآية (٨٨) .
(٢) سورة الأحقاف الآية (٢٩) .
(٣) سورة العلق الآية (١) .
[ ١٦٥ ]
عليهم وإنما سمعوا قراءته حين مروا به مصليا.
وحكي عن ابن مسعود أنه رآهم وقرأ عليهم القرآن.
وفي قوله: فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا «٦» وجهان:
أحدهما: فلما حضروا قراءته القرآن قالوا: أنصتو لسماعه.
والوجه الثاني: فلما حضروا رسول الله ﷺ قالوا: أنصتوا لسماع قوله، فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين وفيه وجهان:
أحدهما: فلما فرغ من الصلاة ولوا إلى قومهم منذرين به.
والثاني: لما فرغ من قراءته القرآن ولوا إلى قومهم منذرين وقالوا ما حكاه الله تعالى عنهم: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا «٧» في فصاحته وبلاغته.
والثاني: عجبا في حسن مواعظه.
وفي قوله يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ «٨» وجهان:
أحدهما: إلى مراشد الأمور.
والثاني: إلى معرفة الله تعالى، فثبت أن رسول الله ﷺ كان عامّ الرسالة إلى الإنس والجن فلم يختلف أهل العلم أنه يجوز أن يبعث إليهم رسولا من الإنس واختلفوا في جواز بعثة رسول منهم فجوزه قوم لقول الله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
«٨» ومنع آخرون منه وهذا قول من جعلهم من ولد إبليس وحملوا قوله: لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
«٩» على الذين لما سمعوا القرآن ولوا إلى قومهم منذرين فأما كفارهم فيدخلون النار، وأما مؤمنوهم فقد اختلفوا في دخولهم الجنة ثوابا على إيمانهم، فقال الضحاك: ومن جوّز أن يكون رسلهم منهم يدخلون الجنة.
_________________
(١) سورة الأحقاف الآية (٢٩) .
(٢) سورة الجن الآية (١) .
(٣) سورة الجن الآية (٢) .
(٤) سورة الأنعام الآية (١٣٠) .
[ ١٦٦ ]
وحكى سفيان عن ليث أنهم يثابون على الإيمان بأن يجازوا على النار خلاصا منها، ثم يقال لهم: كونوا ترابا كالبهائم، فأما استراقهم للسمع فقد كانوا في الجاهلية قبل بعث الرسول يسترقونه ولذلك كانت الكهانة في الإنس لإلقاء الجن إليهم ما استرقوه من السمع في مقاعد كانت لهم يقربون فيها من السماء كما قال الله تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ «١٠» ليستمعوا من الملائكة أخبار السماء فينقلونها إلى الكهنة فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا «١١» يعني بالشهب الكواكب المحرقة وبالرصد الملائكة، فأما استراقهم للسمع بعد بعث الرسول فقد اختلف فيه أهل العلم على قولين:
أحدهما: أنه زال استراقهم للسمع ولذلك زالت الكهانة.
والثاني: أن استراقهم باق بعد بعث الرسول، وكان قبل الرسول لا تأخذهم الشهب لقول الله تعالى: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا «١١» والذي يستمعونه أخبار الأرض دون الوحي لأن الله تعالى قد حفظ وحيه منهم لقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «١٢» .
واختلف على هذا في أخذ الشهب لهم هل يكون قبل استراقهم للسمع أو بعده، فذهب بعض أهل العلم إلى أن الشهب تأخذهم قبل استراق السمع حتى لا يصل إليهم لانقطاع الكهانة بهم وتكون الشهب منعا عن استراقه.
وذهب آخرون منهم إلى أن الشهب تأخذهم بعد استراقه وتكون الشهب عقابا على استراقه.
وفيها: إذا أخذتهم قولان:
أحدهما: أنها تقتلهم ولذلك انقطعت الكهانة بهم.
والثاني: أنها تجرح وتحرق ولا تقتل ولذلك عادوا لاستراقه بعد الاحتراق ولولا بقاؤهم لانقطع الاسترقاق بعد الاحتراق ويكون ما يلقونه من السمع إلى
_________________
(١) سورة الجن الآية (٩) .
(٢) سورة الجن الآية (٩) .
(٣) سورة الحجر الآية (٩)
[ ١٦٧ ]
الجن دون الإنس لانقطاع الكهانة عن الإنس وفي الشهاب الذي يأخذهم قولان:
أحدهما: أنه نور يمتد لشدة ضيائه ثم يعود.
والقول الثاني: أنه نار تحرقهم ولا تعود، فهذا خطب الجن فيما هم عليه من نعت وحكم.
هتوف الجن «١٣»
فأما هتوفهم برسول الله ﷺ فهو من آيات نبوّته فإن كان قبل مبعثه كان من نذر آياته الصادرة عن إلهام فمن هتوفهم بنبوّته ما حكاه إبراهيم بن سلامة عن إسماعيل بن زياد عن ابن جريج عن ابن العباس ﵄ أنه كان يحدث عن رجل من خثعم قال لا تحل حلالا ولا تحرم حراما وكانت تعبد أصناما فبينا نحن عند صنم منها ذات ليلة نتقاضى إليه في أمر قد شجر بيننا إذ صاح من جوف الصنم صائح يقول:
يا أيها الركب ذوو الأحكام ما أنتم وطائش الأحلام
ومسندو الحكم إلى الأصنام هذا نبي سيد الأنام
يصدع بالحق وبالإسلام أعدل ذي حكم من الأحكام
ويتبع النور على الأظلام سيعلن في البلد الحرام
قد طهر الناس من الآثام
قال الخثعمي ففزعنا منه وخرجت إلى مكة وأسلمت مع النبي ﷺ.
ومن بشائر هتوفهم: ما رواه عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن كعب قال: بينما عمر بن الخطاب رضوان الله عليه ذات يوم جالسا، إذ مر به رجل، فقيل له: أتعرف هذا المار يا أمير المؤمنين قال: ومن هو قالوا هذا سواد بن قارب رجل من أهل اليمن وكان له رئي من الجن فأرسل إليه عمر، فقال:
_________________
(١) هتوف الجن: مناديهم الذي يتحدث إلى البشر.
[ ١٦٨ ]
أنت سواد بن قارب قال: نعم يا أمير المؤمنين. فقال: أنت الذي أتاك رئيك بظهور النبي ﷺ، قال: نعم يا أمير المؤمنين. بينا أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان، إذ أتاني رئى من الجن فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالي واعقل إن كنت تعقل أنه قد بعث رسول الله ﷺ من لؤي بن غالب يدعو إلى الله تعالى وإلى عبادته وأنشأ يقول:
عجبت للجن وتطلا بها وشدها العيس بأقتابها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ما صادق الجن ككذا بها
فارحل إلى الصفوة من هاشم ليس قدامها كأذنا بها
فقلت له دعني فأنا أمسيت ناعسا ولم أرفع بما قال رأسا فلما كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل أنه قد بعث رسول الله ﷺ من لؤي بن غالب يدعو إلى الله تعالى وإلى عبادته وأنشأ يقول:
عجبت للجن وتخبارها وشدها العيش بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ما مؤمنو الجن ككفارها
فارحل إلى الصفوة من هاشم بين روابيها وأحجارها
فقلت: دعني فقد أمسيت ناعسا ولم أرفع بما قال رأسا، فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي، واعقل إن كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله تعالى وإلى عبادته وأنشأ يقول:
عجبت للجن وتجساسها وشدها العيس بأحلاسها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ما خير الجن كأنجاسها
فارحل إلى الصفوة من هاشم واسم بعينيك إلى رأسها
قال: فأصبحت وقد امتحن الله تعالى قلبي للإسلام فرحلت ناقتي واتيت المدينة فإذا رسول الله ﷺ وأصحابه فقلت: اسمع مقالي يا رسول الله، قال:
«هات»، فأنشأت:
[ ١٦٩ ]
أتاني نجي بين هدو ورقدة ولم أك فيما قد نجوت بكاذب
ثلاث ليال قوله كل ليلة أتاك رسول من لؤي بن غالب
فشمرت من ذيل الأزار ووسطت بي الذعلب الوجناء بين السباسب
فأشهد أن الله لا شيء غيره وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى وإن كان فيما جاء شيب الذوائب
وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة سواك بمغن عن سواد بن قارب
ففرح رسول الله ﷺ وأصحابه بمقالتي فرحا شديدا حتى رؤي الفرح في وجوههم، قال: فوثب إليه عمر فالتزمه وقال: قد كنت أحب أن أسمع منك هذا الحديث فهل يأتيك رئيك اليوم؟ فقال: مذ قرأت القرآن فلا ونعم العوض كتاب الله من الجن.
ومن بشائر هتوفهم: ما رواه إبراهيم بن سلامة عن إسماعيل بن زياد عن ابن جريج عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب حدث يوما في مجلس بعد رسول الله ﷺ فقال: خرجنا قبل مظهر النبي ﷺ بشهرين إلى الأبطح بمكة معنا عجل نريد ذبحه ونحن نفر فلما ذبحناه وتصابّ دمه ومات إذ صاح من جوفه صائح يقول: يا ذريح يا ذريح صائح يصيح بصوت فصيح نبي يظهر الحق يفيح يقول لا إله إلّا الله، فصاح كذلك ثلاث مرات ثم هدأ صوته وتفرقنا ورعبنا منه فلم يلبث النبي ﷺ أن ظهر، فقال رجل من القوم: لا تعجب يا أمير المؤمنين خرجت وأصحاب لي في تجارة لنا ونحن أربعة نفر نريد الشام حتى إذا كنا ببعض أودية الشام قرمنا إلى اللحم قرما شديدا قبل مظهر النبي ﷺ فإذا بظبية قد عرضت لنا مكسورة القرن فلم نزل بها حتى أخذناها، قال: فو الله إننا نتآمر بذبحها إذ هتف هاتف فقال:
يا أيها الركب السراع الأربعة خلوا سبيل الظبية المروعة
فإنها لطفلة ذات دعة خلوا عن العضبان فقدامي سعة
ثم قال: خلوا عنها، فو الله لقد رأيت هذا الوادي وما يمر فيه أقل من خمسين رجلا حتى كنتم به، قال: فأرسلناها، فلما أمسينا أخذ بأزمة رواحلنا
[ ١٧٠ ]
حتى أتي بنا إلى حاضر لجب كثير الأهل فأطعمنا من الثريد ما أذهب قرمنا ثم خرجنا حتى قضى الله تجارتنا فصحبنا رجل من يهود، فلما كنا بذلك الوادي هتف هاتف فقال:
إياك لا تعجل وخذها موبقه فإن شر السير سير الحقحقه
قد لاح نجم فاستوى في مشرقه يكشف عن ظلما عبوس موبقه
يدعو إلى ظل جنان مونقه
فقال اليهودي: تدرون ما يقول هذا الصارخ؟ قلنا: ما يقول؟ قال:
يخبر أن نبيا قد ظهر خلافكم بمكة، فقدمنا فوجدنا النبي ﷺ بمكة.
ومن بشائر هتوفهم: ما حكاه أبو عيسى، قال: سمعت قريش في الليل هاتفا على أبي قبيس يقول:
فإن يسلم السعد أن يصبح محمد بمكة لا يخشى خلاف مخالف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان: من السعدان سعد بكر وسعد تميم، فلما كان في الليلة الثانية سمعوه يقول:
أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا على الله في الفردوس منية عارف
فإن ثواب الله للطالب الهدى جنان من الفردوس ذات زخارف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان: هما والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة.
ومن بشائر هتوفهم: ما رواه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن أسماء بنت أبي بكر قالت: ما علم المشركون من أهل مكة أين يوجه رسول الله ﷺ حين هاجر إلى المدينة حتى هتف هاتف بعد ذلك بأيام فقال:
جزى الله خيرا والجزاء فريضة رفيقين حلّا خيمتي أم معبد
هما دخلا بالهدى واهتدى به فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بني كعب محل فتاتهم ومقعدها للمسلمين بمرصد
وقالت أسماء: ما علم المشركون من أهل مكة بوقعة بدر حتى هتف
[ ١٧١ ]
هاتف من جبال مكة وفتيان يسمرون بمكة فقال:
أزال الحنيفيون بدرا بوقعة سينقض منها ملك كسرى وقيصرا
أصاب رجالا من لؤي وجردت حرائر يضر بن الترائب حسرا
ألا ويح من أمسى عدو محمد لقد ذاق حزنا في الحياة وحسرا
وأصبح في هامي العجاج معفرا تناوبه الطير الجياع وتنفرا
فعلموا بذلك وظهر الخبر من الغد ولئن كانت هذه الهتوف أخبار آحاد عمن لا يرى شخصه «١٤» ولا يحج قوله «١٥» فخروجه عن العادة نذير وتأثيره في النفوس بشير وقد قبلها السامعون وقبول الأخبار يؤكد صحتها ويؤكد حجتها.
فإن قيل: إن كانت هتوف الجن من دلائل النبوة جاز أن تكون دليلا على صحة الكهانة، فعنه جوابان:
أحدهما: أن دلائل النبوة غيرها وإنما هي من البشائر بها، وفرق بين الدلالة والبشارة، أخبارا.
والثاني: أن الكهانة عن مغيب والبشارة عن معين، فالعيان معلوم والغائب موهوم.
_________________
(١) لا يرى شخصه: لا مكانة مرموقة له
(٢) لا يحج بقوله: لا يحتج بقوله.
[ ١٧٢ ]
الباب السابع عشر فيما هجست به النفوس من إلهام العقول بنبوته ﵇
العقل إلهي ركّبه الله تعالى في النفوس الناطقة فهو ينذر بالخواص الكائنة حدسا ويعلم بعد الوجود مسا فقل حادث إلّا تقدم نذيره وبحسب خاطره يكون تأثيره ولا حادث أعظم مما جدده الله تعالى بنبوّة محمد ﷺ فاقتضى أن تكون بشائر نبوته أشهر وشواهد آياته أظهر.
فمن الهواجس بنبوته: أن كعب بن لؤي بن غالب كان يجتمع إليه الناس في كل جمعة وكان يوم الجمعة يسمى في الجاهلية يوم العروبة فسماه كعب يوم الجمعة وكان يخطب فيه الناس ويقول بعد خطبته: حرمكم عظّموه وتمسكوا به فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج به نبي كريم والله لو كنت فيه ذا سمع وبصر ويد ورجل لتنصبت تنصب الخيل ولا رقلت أرقال الفحل ثم يقول:
يا ليتني شاهد فحواء دعوته حين العشيرة تبغي الحق خذلانا
ومن هواجس الإلهام: ما حكاه ابن قتيبة أن أبا كريب ابن أسعد الحميري آمن بالنبي ﷺ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة وقال:
شهدت على أحمد أنه رسول من الله باري النسم
فلو مد عمري إلى عمره لكنت وزيرا له وابن عم
ومن هواجس الإلهام: ما حكاه عبيد الجرهمي وكان كبير السن عالما
[ ١٧٣ ]
بأخبار الأمم أن تبعا الأصغر وهو تبع بن حسان بن تبع سائر بيثرب فنزل في سفح أحد وذهب إلى اليهود فقتل منهم ثلاثمائة وخمسين رجلا صبرا وأراد خرابها فقام إليه رجل من اليهود كبير السن فقال: أيها الملك مثلك لا يقتل على الغضب ولا يقبل قول الزور، أمرك أعظم من أن يطير بك برق أو تسرع بك لجاج فإنك لا تستطيع أن تخرب هذه القرية، قال: ولم؟ قال: لأنها مهاجر نبي من ولد إسماعيل يخرج من هذه الثنية- يعني البيت الحرام- فكفّ تبعّ ومضى إلى مكة ومعه هذا اليهودي ورجل آخر عالم من اليهود فكسا البيت ونحر عنده ستة آلاف جزور وأطعم الناس وقال:
قد كسونا البيت الذي حرّم الله ملاء معضدا وبرودا
وقيل أنه ملك ثلاثمائة وعشرين سنة.
ومن هواجس الإلهام: ما روى هاشم بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان يهودي يسكن مكة فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ حضر مجلس قريش فقال: يا معاشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود؟ فقال القوم: والله ما نعلم، قال: الله أكبر أما إذ أخطأكم فلا بأس انظروا واحفظوا ما أقول لكم، ولد في هذه الليلة نبي بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنها عرف وثن، فتصارع القوم عن مجلسهم وهم متعجبون من قوله، فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله فقالوا: ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدا، فانطلق القوم إلى اليهودي فأخبروه، فقال: إذهبوا بي حتى أنظر إليه، فأدخلوه عن آمنة وقالوا: اخرجي إلينا ابنك، فأخرجته وكشفوا عن ظهره فرأى اليهودي تلك الشامة فوقع مغشيا عليه فلما أفاق قالوا له: ما لك؟ قال: ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل يا معشر قريش والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق إلى المغرب، وكان في القوم الذين أخبرهم اليهودي بذلك هشام بن المغيرة والوليد بن المغيرة وعبيدة بن عبد المطلب وعتبة بن ربيعة فعصمه الله تعالى منهم.
ومثله: أنه كان لقريش في الجاهلية عيد يجتمع فيه النساء دون الرجال
[ ١٧٤ ]
فاجتمعوا فيه فوقف عليهن يهودي، وفيهن خديجة فقال لهن: يا معشر نساء قريش يوشك أن يبعث فيكن نبي فأيتكن استطاعت أن تكون له أرضا فلتفعل فحصبنه ووقر ذلك في نفس خديجة حتى حققه الله لها فكانت أول من آمن به.
ومثله: أن جماعة من النصارى قدموا من الشام تجارا إلى مكة فنزلوا بين الصفا والمروة فرأوه وهو ابن سبع سنين فعرفه بعضهم بصفته في كتبهم وسمته في فراستهم فقال له من أنت وابن من أنت. فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. فقال: من رب هذه، وأشار إلى الجبال، فقال: الله ربها لا شريك له. فقال له: من رب هذه وأشار إلى السماء، فقال: الله ربها لا شريك له.
فقال له النصراني: فهل له رب غيره فقال: لا تشككني في الله ما له شريك ولا ضد، فقام بالتوحيد في صغيره وفصح النصراني بخبره وأنذر بنبوّته.
ومثله: أنه كان في كفالة جده عبد المطلب وكان أحب إليه من جميع أولاده فلما حضرته الوفاة وصى به إلى عمه أبي طالب لأنه كان أخا عبد الله لأبيه وأمه وأنشأ يقول:
وصيت من كنيته بطالب عبد مناف وهو ذو تجارب
يا ابن الحبيب أكرم الأقارب يا ابن الذي مذ غاب غير آيب
فتقبل أبو طالب الوصية وكان قد سمع من راهب إنذارا فأنشأ يقول:
لا توصين بلازم واجب فلست بالآنس غير الراغب
بأن حمد الله قول الراهب إني سمعت أعجب العجائب
من كل حبر عالم وكاتب
ومات عبد المطلب بعد ثمان سنين من مولده فتكفله عمه أبو طالب وخرج به إلى الشام في تجاره له وهو ابن تسع سنين فنزل تحت صومعة بالشام عند بصرى وكان في الصومعة راهب يقال له بحيرا قرأ كتب أهل الكتاب وعرف ما فيها من الأنباء والإمارات، فرأى بحيرا من صومعته غمامة قد أظلت رسول الله ﷺ من الشمس فنزل إليه وجعل يتفقد جسده حتى رأى خاتم النبوّة بين كتفيه وسأله عن حاله في منامه ويقظته، فأخبره بها فوافقت ما عنده في الكتب
[ ١٧٥ ]
وسأل أبا طالب عنه فقال: ابني، فقال: كلا، فقال: ابن أخي مات أبوه وهو حمل، قال: صدقت، وعمل لهم ولمن معهم طعاما لم يكن يعمله لهم من قبل، وقال: احفظوا هذا من اليهود والنصارى فإنه سيد العالمين وسيبعث نبيا إليهم أجمعين وإن عرفوه معكم قتلوه فقالوا كيف عرفت هذا قال: السحابة التي أظلته ورأيت خاتم النبوّة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة على النعت المذكور، ورأيت المدر والشجر يسجدان له ولا يسجدان إلّا لنبي.
وجاء رسول الله ﷺ وكان في رعيه الإبل قد سبقه القوم إلى ظل شجرة فلما جلس مال ظل الشجرة عليه فقال لهم: هذا من آيات نبوّته، وأن الروم إن رأوه عرفوه بصفته فيقتلوه، ثم التفت فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم وقال: ما جاء بكم، قالوا: جئنا لأن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلّا بعث فيه ناس ونحن آخر من بعث إلى طريقك هذا، فقال لهم: هل خلفتم خلفكم أحدا هو خير منكم، قالوا: لا، قال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده، قالوا: لا، قال:
فارجعوا فتابعوه على الرجوع، وزودهم الراهب حتى أسرع به أبو طالب.
فكانت هذه البشائر من رهبان النصارى وما تقدم من أخبار اليهود وقد توارد عليها جميعهم مع اختلاف معتقدهم وتغاير كتبهم من أوائل الشهود على تعيين النبوّة فيه.
أما عن كتب نعت فيها فأصابوه على النعت فكان إنذارا إلهيا تواردت عليه الخواطر لأن ما هجست به النفوس من أمر كان وما تخيلته العقول ظهر وبان لأن القلوب طلائع الأقدار، والعقول مرايا الأسرار.
ومن هواجس الإلهام: ما حدثنا أبو الحسن محمد بن علي بن محفل ﵀ قال: حدثنا عمر بن حماد الفقيه، قال: حدثنا عمر بن محمد بن بحير السمرقندي قال: حدثنا أحمد بن عبد ربه الضبي قال: أخبرنا عبد الرحمن بن نوح بن عبيد قال: حدثنا عمر بن بكير قال: حدثني أحمد بن القاسم عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رحمة الله عليه قال: لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة وذلك بعد مولد النبي ﷺ بسنين أتى وفود العرب وأشرافها
[ ١٧٦ ]
وشعراؤها لتهنئته ومدحه وذكر ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه فأتاه وفد قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس وعبد الله بن جدعان وأسد ابن خويلد بن عبد العزى في ناس من أشراف قريش فلما قدموا عليه إذ هو في رأس قصر يقال له غمدان وهو الذي يقول فيه أمية بن أبي الصلت:
اشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا في رأس غمدان دار منك محلال
قال: فاستأذنوا عليه فأذن لهم فدخلوا عليه فإذا الملك مضمخ بالعنبر يرى وبيص الطيب من مفرقه عليه بردان متزر بأحدهما مرتد بالآخر سيفه بين يديه وعن يمينه وعن يساره الملوك وأبناء الملوك والمقاول
قال: فدنا عبد الملك واستأذن في الكلام فقال: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فتكلم فقد أذنا لك فقال عبد المطلب إن الله أحلك أيها الملك محلا رفيعا صعبا منيعا شامخا باذخا وأنبتك منبتا طابت أرومته وعزت جرثومته وثبت أصله وبسق فرعه في أكرم موطن وأطيب معدن وأنت أبيت اللعن ملك للعرب وربيعها الذي يخصب به وأنت أيها الملك رأس العرب الذي إليه تنقاد وعمودها الذي عليه العماد ومعقلها الذي تلجأ إليه العباد سلفك خير سلف وأنت لنا منهم خير خلف فلن يحمل ذكر من أنت سلفه ولن يهلك من أنت خلفه ونحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته أشخصنا إليك الذي أبهجنا لكشف الكرب الذي فدحنا فنحن وفد التهنئة لا وفد التعزية، فقال ابن ذي يزن: فأيهم أنت أيها المتكلم، فقال: أنا عبد المطلب بن هاشم قال: ابن أختنا قال: نعم ابن أختكم، قال: ادن فأدناه على القوم وعليه فقال مرحبا وأهلا وناقة ورحلا ومستناخا سهلا وملكا بحلا يعطي عطاءا جزلا قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم فأنتم أهل الليل وأهل النهار لكم الكرامة ما أقمتم والحباء «١» إذا ظعنتم «٢» .
قال: ثم استنهضوا إلى دار الضيافة والوفود فأقاموا شهرا لا يصلون إليه
_________________
(١) الحباء: العطاء والهبة.
(٢) ظعنتم: سافرتم أو رحلتم.
[ ١٧٧ ]
ولا يأذن لهم بالانصراف.
قال: ثم انتبه انتباهه فأرسل إلى عبد المطلب فأعلاه وأدنى مجلسه وقال:
يا عبد المطلب إني مفوّض إليك من سر علمي ما لو كان غيرك لم أبح له، ولكن رأيتك معدنه وأطلعتك فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه فإن الله بالغ فيه أمره إني أجده في الكتاب المكنون والعم المخزون الذي اخترناه لأنفسنا واحتجبناه دون غيره خبرا عظيما وخطرا جسيما فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة.
قال عبد المطلب: أيها الملك فمثلك من سر وبر فما هو فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر.
قال: إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة كانت له الإمامة ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة، فقال له عبد المطلب أبيت اللعن لقد أتيت بخبر ما أتى بمثله وافد فلولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من بشارته إياي ما ازداد به سرورا.
قال ابن ذي يزن: هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد اسمه أحمد، يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه قد ولدناه مرارا والله باعثه جهارا وجاعل منا له أنصارا، يعز بهم أولياءه ويذل لهم أعداءه يضرب بهم الناس عن عرض ويستفتح بهم كرائم الأرض يكسر الأوثان ويخمد النيران ويعبد الرحمن ويدحر الشيطان، قوله فصل وحكمه عدل يأمر بالمعروف ويفعله وينهى عن المنكر ويبطله.
قال عبد المطلب: أيها الملك عز جدك وعلا عقبك وطاب ملكك وطال عمرك فهل الملك سارّي بإفصاح فقد أوضح بعد الإيضاح، فقال ابن يزن والبيت ذي الحجب والعلامات على النصب أنك يا عبد المطلب لجده غيره الكذب.
قال: فخر عبد المطلب ساجدا فقال ابن ذي يزن ارفع رأسك ثلج صدرك وعلا أمرك فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك. فقال: نعم أيها الملك
[ ١٧٨ ]
كان لي ابن وكنت به معجبا رفيقا أو رقيقا فزوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف فأتت بغلام سميته محمدا مات أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه بين كتفيه شامة وفيه كل ما ذكرت من علامة.
قال ابن ذي يزن: إن الذي قلت لك لكما قلت لك فاحتفظ بابنك واحذر عليه من اليهود فإنهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا فاطو ما ذكرته دون هؤلاء الرهط الذين معك فإني لست آمن أن يداخلهم النفاسة من أن تكون لك الرياسة فيبغون له الغوائل وينصبون له الحبائل وهم فاعلون وأبناؤهم ولولا أني أعلم أن الموت يجتاحني قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار ملكي فإني أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أن يثرب استحكام أمره وأهل نصرته وموضع قبره ولولا أني أقيه الآيات واحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنه ذكره وأوطيت أسنان العرب عقبه ولكني صارف ذلك اليك بغير تقصير ممن معك ثم أمر لكل رجل من القوم بعشرة أعبد وعشرة إماء سود وحلتين من حلل البرود وخمسة أرطال ذهب، وعشرة أرطال فضة وكرش مملوءة عنيرا ولعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك وقال له: إذا حال الحول فائتني بأمره وما يكون من خبره.
قال: فمات ابن ذي يزن قبل أن يحول الحول، قال: فكان عبد المطلب كثيرا يقول: يا معشر قريش لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك وإن كان كثيرا فإنه إلى نفاد ولكن ليغبطني بما يبقى لي ولعقبي ذكره وفخره وشرفه، فإذا قيل له: وما ذاك؟ قال: ستعلمون ما أقول لكم ولو بعد حين.
ومن هواجس الإلهام: أنه نشأ في قريش على أحسن هدى وطريقة وأشرف خلق وطبيعة وأصدق لسان ولهجة حتى سمته قريش في حداثته الأمين تأسيسا لما سيكون.
وكانت خديجة بنت خويلد ذات شرف ويسار وكان لها متاجر ومضاربات، فلما عرفت أمانة رسول الله ﷺ وصدق لهجته أبضعته مالا يتجر به إلى الشام مضاربا وأنفذت معه مولاها ميسرة ليخدمه في طريقه فنزل ذات يوم
[ ١٧٩ ]
تحت صومعة راهب فرأى الراهب من ظهور كرامة الله تعالى له ما علم أنه لا يكون إلّا لنبي فقال لميسرة: من هذا؟ فقال: رجل من قريش من أهل الحرم، فقال: إنه نبي، فكان ميسرة يراه إذا ركب تظلّه غمامة تقيه حر الشمس.
فلما قدم على خديجة قص ميسرة عليها حديث الراهب وما شاهده من ظل الغمامة وما تضاعف من ربح التجارة فتنبهت به على عظم شأنه وشواهد برهانه فرغبت خديجة في نكاحه، وكان قد خطبها أشراف قريش فامتنعت، وسفر بينهما في النكاح ميسرة وقيل مولاه بولده وخافت امتناع أبيها عليه فعقرت له ذبيحة وألبسته حبرة وغلفته بطيب وعبير وسقته خمرا حتى سكر وحضر رسول الله ﷺ ومعه عمه حمزة بن عبد المطلب، واختلف في حضور عمه أبي طالب فقال الأكثرون: حضر مع حمزة وخطبها من أبيها فأجابه وزوّجه وهو ابن خمسة وعشرين سنة وخديجة ابنة أربعين سنة ودخل بها من ليلته، فلما أصبح خويلد وصحا رأى آثار ما عليه، فقال: ما هذا العقير والعبير والحبر؟ فيل: زوّجت خديجة بمحمد، قال: ما فعلت؟ قيل له: قبيح بك هذا وقد دخل بها، فرضي، ولأجل ذلك قال رسول الله ﷺ: «لا يرفع إليّ نكاح نشوان إلّا أجزته»، وقامت خديجة رضي الله تعالى عنها بأمره حتى كفته أمور دنياه، فكان ذلك عونا من الله تعالى ولطفا تفضل به عليه منّا وإسعافا.
ومن هواجس الإلهام: ما حكاه عامر بن ربيعة قال: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل من بني عبد المطلب ولا أراني أدركه وأنا أؤمن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرأه مني السلام وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك قلت: هلم، قال:
هو رجل ليس بالقصير ولا بالطويل ولا بكثير الشعر ولا بقليله وليس يفارق عينيه حمرة وخاتم النبوة بين كتفيه واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ثم يخرجه قومه منها ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره فإياك أن تخدع عنه فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم فكل من أسأله عنه من اليهود والنصارى والمجوس يقولون هذا الدين وراءك وينعتونه مثل ما نعت لك
[ ١٨٠ ]
ويقولون: لم يبق نبي غيره.
قال عامر: فلما أسلمت أخبرت رسول الله ﷺ بقول زيد وأقرأته منه السلام فرد ﵇ وترحم عليه وقال: «قد رأيته في الجنة يسحب الذيول» .
ومن هواجس الإلهام: ما رواه الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: بعث الله تعالى إلى كسرى ملكا وهو في بيت إيوانه الذي لا يدخل عليه فيه فلم يردعه إلّا به قائما على رأسه في يده عصا بالهاجرة من ساعته التي كان يقيل فيها، فقال: يا كسرى أتسلم أو أكسر هذه العصا، فقال: بهل بهل، فانصرف عنه فدعا حراسه وحجابه فتغيظ عليهم فقال: من أدخل هذا الرجل؟ فقالوا: ما دخل عليك أحد ولا رأيناه.
حتى إذا كان العام القابل أتاه في الساعة التي أتاه فيها فقال له كما قال، ثم قال: أتسلم أو أكسر هذه العصا؟ فقال: بهل بهل ثلاثا، فخرج عنه، فدعا كسرى حراسه وحجابه فتغيظ وقال لهم كما قال أول مرة، فقالوا: ما رأينا أحدا دخل عليك.
حتى إذا كان في العام الثالث آتاه في الساعة التي أتاه فيها، فقال له كما قال، ثم قال: أتسلم أو أكسر هذه العصا؟ فقال: بهل بهل، فكسرها ثم خرج فلم يكن إلّا تهوّر ملكه وانبعاث ابنه والفرس على قتله حتى قتلوه.
ومن هواجس المنام: ما حكاه ابن قتيبة أن كسرى ابرويز ابن هرمز كان سائرا ذات يوم فهوم على مركبه وطال حتى استغفل فأيقظه بعض قواده فانتبه مذعورا لرؤيا رآها قطعها عليه الموقظ له، فقال: رأيت قائلا لي أنكم غيرتم فغيرناكم ونقل الملك إلى أحمد وقيل له سلم ما بيدك إلى صاحب الهراوة إلى أن ورد عليه كتاب النعمان بن المنذر يخبر فيه أن خارجا نجم بتهامة يخبر أنه رسول الله إله السماء والأرض إلى أهل الأرض كافة، فارتاع لذلك وأكبره وعلم أنه الذي رآه في منامه وكان يتوقعه.
ومن هواجس المنام: ما رواه عروة بن مضرس عن مخرمة بن نوفل عن
[ ١٨١ ]
أمه رقية بنت أبي ضبعي بن هاشم قال: تتابعت على قريش سنون أمحلت الضرع وأدقت العظم فبينا أنا نائمة للهم أو مهمومة إذا هاتف يصرخ بصوت صخب يقول: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث فيكم قد أظلّتكم أيامه وهذا إبان نجومه فحي هلا بالحياء والخصب ألا فانظروا رجلا منكم وسيطا جسيما أبيض بضا أوطف الأهداب سهل الخدين أشم العرنين له فخر يكظم عليه وسنه يهدي إليه فليخلص هو وولده وليهبط إليه من كل بطن رجل فليستنوا من الماء وليمسوا من الطيب ثم ليستلموا الركن ثم ليرتقوا أبا قبيس فليستسق الرجل وليؤم القوم فغثم ما شئتم فأصبحت علم الله تعالى مذعورة وقد اقشعر جلدي ووله عقلي واقتصصت رؤياي فوالحرمة والحرم ما بقي بها أبطحي إلّا قال: هذا شيبة الحمد- يعنون عبد المطلب- فتتامت إليه رجالات قريش وهبط إليه من كل بطن رجل فسنوا ومسوا واستلموا ثم ارتقوا أبا قبيس وطبقوا جانبيه ما يبلغ سعيهم مهلة حتى استووا بذروة الجبل فقام عبد المطلب ومعه رسول الله ﷺ غلام حين أيفع أو كرب فقال: اللهم سادّ الخلة وكاشف الكربة أنت معلّم غير معلّم ومسؤول غير مبخل وهذه عبادك وإماؤك بغدرات حرمك يشكون إليك سنتهم أذهبت الخف والظلف اللهم فأمطر علينا غيثا مغدقا مريعا، فو الكعبة ما راحوا حتى تفجرت السماء بمائها والحيط الوادي بثجيجه فسمعت شيخين من قريش وأجلّتها: عبد الله بن جدعان وحرب بن أمية وهشام بن المغيرة يقولون لعبد المطلب: هنيئا لك أبا البطحاء، أي عاش بك أهل البطحاء، وفي ذلك يقول رفيقه:
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا لما فقدنا الحيا واجلوذ المطر
فجاد بالماء جوى له سبل سحا فعاشت به الأنعام والشجر
مبارك الأمر يستسقي الغمام به ما في الأنام له عدل ولا خطر
ومن هواجس الإنذار والإلهام والمنام: ما رواه أبو أيوب يعلى بن عمران النحلي عن مخزوم بن هانىء المخزومي عن أبيه واتت له مائة وخمسون سنة قال:
لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ أو بعث ارتجس «٣» إيوان كسرى
_________________
(١) ارتجس: اهتز أو زلزل.
[ ١٨٢ ]
فسقطت منه أربع عشرة شرافة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغارت بحيرة ساوة فأفزع ذلك كسرى فلبس تاجه وقعد على سريره وجمع وزراءه ومرازبته وأخبرهم برؤياه فقال الموبذان وأنا أصلح الله تعالى الملك قد رأيت في هذه الليلة إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادنا، فقال: أي شيء هذا يا موبذان؟ فقال: حادثة تكون من ناحية العرب فكتب إلى النعمان بن المنذر أن ابعث إليّ برجل عالم أسأله عما أريد، فوجه إليه عبد المسيح بن عمرو بن نفيلة الغساني، فلما قدم عليه أخبره، فقال: أيها الملك علم ذلك عند خال لي يسكن مشارق الشام يقال له سطيح، قال: فأته فاسأله عما أخبرتك به ثم آتي بجوابه، فركب عبد المسيح راحلته حتى ورد على سطيح وقد أشفى على الموت ووضع على شفير قبره فسلم وحيّاه فلم يخبر سطيح جوابا فأنشأ عبد المسيح يقول:
أصم أم يسمع غطريف اليمن يا فاضل الخطة أعيت من ومن
أتاك شيخ الحي من آل سنن وأمه من آل ذئب بن حجن
أبيض فضفاض الردى خجر البدن رسول قيل العجم يسري للوسن
فرفع سطيح رأسه وقال عبد المسيح على جمل مشيح وافى إلى سطيح وقد أوفى به إلى الضريح بعثك ملك بنى ساسان لارتجاس الإيوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها ثم قال: يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة وبعث من تهامة صاحب الهراوة وفاض وادي السماوة وغاضت بحيرة ساوة وخمدت نار فارس فليس الشام لسطيح شاما يملك منهم ملك وملكات بعدد الشرفات وكل ما هو آت، ثم قضى سطيح فسار عبد المسيح على راحلته وهو يقول:
شمّر فإنك ماضي الهم شمير ولا يغرنك تفريق وتغيير
إن يمس ملك بني ساسان أفرطهم فإن ذا الدهر أطوار دهارير
فربما أصبحوا يوما بمنزلة تهاب صولهم الأسد المهاصير
منهم أخو الصرح بهرام وإخوته والهرمزان وسابور وسابور
[ ١٨٣ ]
والناس أولاد علات فمن علموا إن قد أقل فمهجور ومحقور
وهم بنو الأم إلّا أن يروا نسبا فذاك بالغيب محفوظ ومنصور
والخير والشر مقرونان في قرن فالخير متبع والشر محذور
فلما قدم عبد المسيح على كسرى وأخبره قال كسرى: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا قد كانت أمور، فملك منهم عشرة ملوك أربع سنين وزال ملكهم عن يزدجر الرابع عشر بعد اثنتي عشرة سنة.
فإن قيل: فهذا قول كاهن قد أبطلته النبوة فلم يقبل قوله في إثبات النبوة فعنه جوابان:
أحدهما: أنه تأويل رؤيا تحققت خرج بها عن حكم الكهانة.
والثاني: أنه علمها بنقل الجن كهتوف الجن كما قال الله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ «٤» فإذا سبر ما اختلفت طرقه وتغاير وصفه حرج عن القلة إلى التكاثر وعن الآحاد إلى التواتر فصار الظن معلوما والتوهم محتوما.
_________________
(١) سورة الأنعام الآية (١٢١) .
[ ١٨٤ ]
الباب الثامن عشر في مبادىء نسبه وطهارة مولده ﷺ
لما كان أنبياء الله صفوة عباده وخير خلقه لما كلفهم من القيام بحقه استخلصهم من أكرم العناصر وأمدهم بأوكد الأواصر حفظا لنسبهم من قدح ولمنصبهم من جرح لتكون النفوس لهم أوطأ والقلوب لهم أصفى فيكون الناس إلى إجابتهم أسرع ولأوامرهم أطوع ولما تفرغ الملك عن إبراهيم واختصت النبوة بولده انحازت إلى ولد إسحاق دون إسماعيل فصارت في بني إسرائيل لكثرتهم بعد القلة وقوّتهم بعد الذلة، فبدأت النبوة بموسى وانختمت بعيسى، ولما كثر ولد إسماعيل وانتشروا في الأرض تميز بعد الكثرة ولد قحطان عن ولد عدنان واستولت قحطان على الملك انحازت النبوة إلى ولد عدنان، فأول من أسس لهم مجدا وشيّد لهم ذكرا معد بن عدنان حين اصطفاه بختنصر «١» وقد ملك أقاليم الأرض وكان قد همّ بقتله حين غزا بلاد العرب فأنذره نبي كان في وقته بأن النبوة في ولده فاستبقاه وأكرمه ومكّنه واستولى على تهامة بيد عالية وأمر مطاع، وفيه يقول مهلهل الشاعر:
غنيت دارنا تهامة بالأمس وفيها بنو معد حلولا
ثم ازداد العز بولده نزار وانبسطت به اليد وتقدم عند ملوك الفرس واجتباه تستشف ملك الفرس وكان اسمه خلدان وكان مهزول البدن، فقال
_________________
(١) من ملوك بلاد ما بين النهرين الآشوريين.
[ ١٨٥ ]
الملك: ما لك يا نزار، وتفسيره في لغتهم يا مهزول، فغلب عليه هذا الاسم فسمي نزارا، وفيه يقول قمعة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان:
جديسا خلفناه وطسما بأرضه فأكرم بنا عند الفخار فخارا
فنحن بنو عدنان خلدان جدنا فسماه تستشف الهمام نزارا
فسمى نزارا بعد ما كان اسمه لدى العرب خلدان بنوه خيارا
وكان لنزار أربعة أولاد: مضر وربيعة وأياد وأنمار، فلما حضرته الوفاة وصّاهم فقال: يا بني هذه القبة الحمراء وما أشبهها لأياد وهذه الندوة والمجلس وما أشبهه لأنمار فإن أشكل عليكم واختلفتم فعليكم بالأفعى الجرهمي بنجران، فاختلفوا في القسمة فتوجهوا إليه فبينما هم يسيرون إذ رأى مضر كلأ قد رعي، فقال: إن البعير الذي رعى هذا الكلأ لأعور، وقال ربيعة: هو أزور، وقال أياد: هو أبتر، وقال أنمار: هو شرود، فلم يسيروا قليلا حتى لقيهم رجل يوضع على راحلته فسألهم عن البعير، فقال مضر: هو أعور؟ قال: نعم، وقال ربيعة: هو أزور؟ قال: نعم، وقال أياد: هو أبتر؟ قال: نعم، وقال أنمار: هو شرود؟ قال: نعم، وهذه والله صفة بعيري فدلوني عليه، فقالوا:
والله ما رأيناه، قال: قد وصفتموه بصفته فكيف لم تروه، وسار معهم إلى نجران حتى نزلوا بالأفعى الجرهمي، فناداه صاحب البعير: هؤلاء أصحاب بعيري وصفوه لي بصفته وقالوا لم نره، فقال لهم الأفعى الجرهمي: كيف وصفتموه ولم تروه؟ فقال مضر: رأيته يرعى جانبا ويترك جانبا فعرفت أنه أعور، وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر فعرفت أنه أزور، وقال أياد: رأيت بعره مجتمعا فعرفت أنه أبتر، وقال أنمار:
رأيته يرعى المكان الملتف ثم يجوز إلى غيره فعرفت أنه شرود، فقال الجرهمي لصاحب البعير: ليسوا أصحاب بعيرك فاطلب من غيرهم، ثم سألهم من هم؟ فأخبروه أنهم بنو نزار بن معد، فقال: أتحتاجون إليّ وأنتم كما أرى، فدعا لهم لطعام فأكلوا وأكل، وبشراب فشربوا وشرب، فقال مضر:
لم أر كاليوم خمرا أجود لولا أنها نبتت على قبر، وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أطيب لولا أنه ربي بلبن كلبة، وقال أياد: لم أر كاليوم رجلا أسرى لولا أنه
[ ١٨٦ ]
يدعى لغير أبيه، وقال أنمار: لم أر كاليوم كلاما أنفع في حاجتنا.
وسمع الجرهمي الكلام فتعجب لقولهم وأتى أمه فسألها فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا ولد له فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا من نفسها كان نزل به فوطئها فحملت منه به، وسأل القهرمان عن الخمر، فقال: من كرمة غرستها على قبر أبيك، وسأل الراعي عن اللحم، فقال: شاة أرضعتها بلبن كلبة لأن الشاة حين ولدت ماتت ولم يكن ولد في الغنم شاة غيرها، فقيل لمضر: من أين عرفت الخمر ونباتها على قبر؟ قال: لأنه أصابني عليها عطش شديد، وقيل لربيعة: من أين عرفت أن الشاة ارتضعت على لبن كلبة، قال:
لأني شممت منه رائحة الكلب، وقيل لأياد: من أين عرفت أن الرجل يدعى لغير أبيه، قال: لأني رأيته يتكلف ما يعمله، ثم أتاهم الجرهمي وقال: صفوا لي صفتكم، فقصوا عليه ما أوصاهم به أبوهم نزار، فقضى لمضر بالقبة الحمراء والدنانير والإبل وهي حمر فسمي مضر الحمراء، وقضى لربيعة بالخباء الأسود والخيل الدهم فسمي ربيعة الفرس، وقضى لأياد بالخادمة الشمطاء والماشية البلق، وقضى لأنمار بالأرض والدراهم.
وهذا الذي ظهر في أولاد نزار من قوة الذكاء وحد الفطنة تأسيسا لتميزهم بالفضل واختصاصهم بوفور العقل مقدمة لما يراد بهم، ثم تفرقت القبائل منهم، فاختص ولد مضر بن نزار بالحرم فتميزوا بأنسابهم وتناصروا بسيوفهم «٢» حتى استولت قريش على الحرم بعد جرهم وخزاعة لأن جرهم كانوا جبابرة فبغوا وتجبروا حتى بعث الله تعالى عليهم الرعاف والنمل فأفناهم وأفضى أمرهم إلى عامر بن الحرث وهم القائلون:
واد حرام طيره ووحشه نحن ولاته فلا نغشه
فاجتمعت خزاعة ورئيسهم عمرو بن ربيعة بن حارثة على عامر بن ربيعة وبقية جرهم فأخرجوه من الحرم واستولت عليه خزاعة وولّي البيت عمرو بن ربيعة فقال:
_________________
(١) تناصروا بسيوفهم: تساعدوا في الحرب.
[ ١٨٧ ]
نحن ولّينا البيت بعد جرهم نعمره من كل باغ ملحد
ولما انحاز عامر بن الحرث مع بقية جرهم عن الحرم عند استيلاء خزاعة عليه خرج بغزالي الكعبة وحجر الركن يلتمس التوبة وهو يقول:
لا هم إن جرهما عبادك الناس طرف وهم تلادك
فلم تقبل توبته فألقى غزالي الكعبة وحجر الركن في زمزم ودفنها وخرج ببقية جرهم وهو يقول:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا صروف الليالي والدهور الغواير
فلما رأى عامر بن الحرث الجرهميّ ما صاروا إليه بعد الكثرة والقوة قال:
يا أيها الناس سيروا إن قصركم أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
كنا أناسا كما كنتم فغيرنا دهر فأنتم كما كنا تكونونا
خطوا المطى وأرخوا من أزمتها قبل الممات وقضوا ما تقضونا
فوليت خزاعة البيت والحرم غير أنه كان في مضر من أمره ثلاث خلال:
إحداهن: الدفع من عرفة إلى المزدلفة، كان إلى الغوث بن بزمر وهو صرفه.
والثانية: الإفاضة من مزدلفة إلى منى للنحر كان لزيد بن عدوان وآخر من أفضى إليه أبو سيارة.
والثالثة: النسيء لشهور الحج كان للمتلمس من بني كنانة واخر من أفضى إليه حتى جاء بالإسلام ثمامة بن عوف فشركت مضر خزاعة في معالم الحج وإن كانت زعامة الحرم لخزاعة وقريش في اوزاع بنى كنانة من مضر وأفضت
[ ١٨٨ ]
معالم الحج من أوزاع مضر إلى قريش فولاها منهم كعب بن لؤي بن غالب وكان يجمع الناس في كل يوم جمعة ويخطب فيه على قريش فيأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويقول: حرمكم عظّموه وتمسكوا به فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج منه نبي كريم، وهو أول من فصح بالنبوة حين شاهد آثارها وعرف أسرارها من انقياد العرب إليهم تدينا بحرمهم وإعظاما لكعبتهم وكان ذلك إلهاما هجست به نفسه وتخيلا صدق فيه حدسه لأن لكل خطب نذيرا ولكل مستقبل بشيرا، وانتهضت خزاعة في الحرم إلى خليل بن الحبشية الخزاعي، فكان يلي الكعبة وأمر مكة، فتزوج إليه قصي بن كلاب فاشتد به قصي وكان اسمه زيد، فلما هلك خليل رأى قصي أنه أولى بالولاية على الكعبة وأمر مكة من خزاعة، فاستولى عليها.
واختلف في سبب استيلائه فقال قوم: لأن خليلا أوصى إليه بذلك، وقال آخرون بل اشتراه من آل خليل بزق من خمر، وقال آخرون بل استنصر على خزاعة بأخيه لأمه رزاح بن ربيعة القضاعي حتى أجلى خزاعة عن مكة فخلصت الرياسة لقصي فجمع قريشا وهم في أوزاع بني كنانة فمنعت بنو كنانة منهم فحاربهم بمن أطاعه حتى أفردهم منهم وجمعهم بمكة فسمي مجمعا، وفيه يقول شاعرهم:
أبونا قصي كان يدعي مجمعا به جمع الله القبائل من فهر
فلما اجتمعوا أنزلهم بطحاء مكة في الشعاب ورؤس الجبال وقسمها بينهم أرباعا بين قومه وأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التي أصبحوا عليها وكانت إليه الحجابة والسقاية والوفادة والندوة واللواء وصارت سنّته في قريش كالدين الذي لا يعمل بغيره فزادت القوة بجمعهم حتى عقد الولاية وجدّد بناء الكعبة وهو أول من بناها بعد إبراهيم وإسماعيل وبنى دار الندوة للتحاكم والتشاجر والتشاور، وهي أول دار بنيت بمكة وكانوا يجتمعون في جبالها ثم بنى القوم دورهم بها فتمهدت لهم الرياسة وظهرت فيهم السياسة فصاروا بها زعماء عبادة أنذرت بطاعة إلهية وديانة نبوية توطئة لما جدده الله تعالى منها برسوله وتأسيسا لمباديها فقاموا بالكعبة ونزهوا الحرم وتكفلوا بالحج فصاروا دياني العرب
[ ١٨٩ ]
وولاة الحرم وقادة الحجيج فدانت لهم العرب وتقدموا فيهم بالشرف لحلولهم في الحرم وتكفلهم بالكعبة ثم قيامهم بالحج وشاع ذلك في الأمم.
فحكى قوم من دياني «٣» العرب أن جماعة من ملوك الفرس زاروا الكعبة بمكة وعظموها وحملوا إليها صنوف الثياب وأنواع الطيب وزمزموا من معهم من الفرس عند بئر زمزم، فلذلك سميت زمزم، واستشهد قائل هذا بقول الشاعر:
زمزمت الفرس على زمزم وذاك في سالفة الأقدم
وقريش هم ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، وقيل بل هم بنو فهر بن مالك بن النضر فمن نسبهم إلى النضر فلأنه تفرقت قبائل بني كنانة، وقيل كان يسمى قريشا ومن نسبهم إلى فهر فلأن فهرا في زمانه كان رئيس الناس بمكة وقصدها حسان بن عبد كلال في حمير وقبائل اليمن ليهدم الكعبة وينقل أحجارها إلى اليمن ليبنيه بيتا باليمن يجعل حج الناس إليه، فنزل بنخلة وأغار على سرح مكة فسار إليه فهر في كنانة وأحلافهم من قبائل مضر، فانهزمت حمير وأسر الحرث بن فهر حسان بن عبد كلال فبقي في يد فهر ثلاث سنين أسيرا بمكة حتى فدى نفسه وخرج فمات بين مكة واليمن، فعظم بهذا الحرث شأن فهر فأغزت إليه قريش حين حمى مكة ومنع من هدم الكعبة وكانت من أشباه عام الفيل واختلف في تسميتهم قريشا على أربعة أقاويل أحدها لتجمّعهم بعد التفرق، والتقرش التجمع، ومنه قول الشاعر:
أخوة قرشوا الذنوب علينا في حديث من دهرهم وقديم
والثاني لأنهم كانوا تجارا يأكلون من مكاسبهم والقرش التكسب، والثالث لأنهم كانوا يفتشون الحاجة عند ذي الخلة «٤» فيسدون خلته والقرش التفتش، ومنه قول الشاعر:
أيها السامت التقرش عنا عند عمرو فهل له إبقاء
_________________
(١) دياني العرب: رجال الدين فيهم.
(٢) ذي الخلة: الفقير المحتاج.
[ ١٩٠ ]
والرابع أن قريشا اسم دابة في البحر من أقوى دوابه سميت بها قريش لقوتها، أنها تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى، قاله ابن عباس واستشهد بقول الشاعر:
وقريش هي التي تسكن البحر بها سميت قريش قريشا
سلطت بالعلو في لجة البحر على ساكني البحور جيوشا
تأكل الغث والسمين ولا تترك يوما لذي الجناحين ريشا
هكذا في البلاد حتى قريش يأكلون البلاد أكلا كشيشا
ولهم آخر الزمان نبي يكثر القتل فيهم والخموشا
تملأ الأرض خيله ورجال يحشرون المطي حشرا كميشا
وهذا من هواجس النفوس المخبرة وآيات العقول المنذرة، فأما مكة فلها اسمان: مكة وبكة، وقد جاء القرآن بهما، واختلف في الاسمين هل هما لمسمى واحد أو لمسميين على قولين:
أحدهما: أنه لمسمى واحد لأن العرب تبدل الميم بالباء فيقولون ضربة لازم ولازب لقرب المخرجين.
والقول الثاني: وهو أشبه أنهما اسمان لمسميين، واختلف من قال بهذا في المسمى منهما على قولين؛
أحدهما: أن مكة اسم البلد وبكة «٥» اسم البيت، وهذا قول إبراهيم النخعي.
والقول الثاني: أن مكة الحرم كله وبكة المسجد كله، وهذا قول زيد بن أسلم، فأما مكة فمأخوذة من قولهم: تمككت المخ إذا استخرجته لأنها تملك الفاجر، أي تخرجه، قال الشاعر:
يا مكة الفاجر مكي مكا ولا تمكي مذ حجا وعكا
وأما بكة قال الأصمعي: سميت بذلك لأن الناس يبك بعضهم بعضا،
_________________
(١) وقلب الباء ميما أو العكس وارد في العديد من الكلمات العربية وهي قاعدة في اللغة الآرامية أم اللغة العربّية.
[ ١٩١ ]
أي يدفع، وأنشد يقول:
إذا الشريب أخذته بكة فخله حتى يبك بكة
ثم أفضت رئاسة قريش بعد قصي إلى ابنه عبد مناف بن قصي فجاد وزاد وساد حتى قال فيه الشاعر:
كانت قريش بيضة فتفقأت فالمح خصاله لعبد مناف
وكان اسمه المغيرة فدفعته أمه إلى مناف وكان أعظم أصنام مكة تعظيما له فغلب عليه عبد مناف وكان يسمى القمر لجماله فاستحكمت رياسته بعد أبيه لجوده وسياسته ثم ببنيه فولد له هاشم وعبد شمس توأمان في بطن فقيل أنه ابتدأ خروج أحدهما وأصبعه ملصقة بجبهة الآخر فلما أزيلت دمى موضعها فقيل: يكون بينهما دم، ثم ولد بعدهما نوفل، ثم المطلب. وكان أصغرهم فساروا وتقدمهم هاشم لسخائه وسؤدده، وكان اسمه عمرا، فسمي هاشما لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة في سنة لزبة قحطة رحل فيها إلى فلسطين فاشترى منها الدقيق وقدم به إلى مكة ونحر الجزر وجعلها ثريدا عمّ به أهل مكة حتى استقلوا، فقال فيه الشاعر:
يا أيها الرجل المحول رحله هلا نزلت بال عبد مناف
الآخذون العهد من آفاقها الراحلون لرحلة الإيلاف
والرايشون وليس يوجد رايش والقائلون هلم للأضياف
والخالطون غنيهم بفقيرهم حتى يكون فقيرهم كالكافي
عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف
وهاشم أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء ورحلة الصيف، وأراد أمية بن عبد شمس أن يتشبه بهاشم في صنيعه فعجز عنه فشمت به ناس كثير من قريش، فقال فيه وهب بن عبد قصي:
تحمل هاشم ما ضاق عنه وأعيا أن يقوم به بريض
أتاهم بالغرائر مثقلات من الشام بالبر البغيض
فأوسع أهل مكة من هشيم وشاب اللحم باللحم الغريض
[ ١٩٢ ]
ونشبت العداوة بين أمية وهاشم وأراد منافرته فكره هاشم ذلك لنسبه وقدره فلم تدعه قريش حتى نافره إلى الكاهن الخزاعي في خمسين ناقة سود الحدق ينحرها ببطن مكة والجلاء من مكة عشر سنين، فنفر الخزاعي هاشما وقال لأمية: تنافر رجلا هو أطول منك قامة وأعظم منك هامة وأحسن منك وسامة وأقل منك لامة وأكثر منك ولدا وأجزل منك صفرا، فقال أمية: من انتكاث الزمان أن جعلناك حكما، فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضره وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين، فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية وملك هاشم الوفادة والسقاية واستقرت له الرياسه وصارت قريش له تابعة تنقاد لأمره وتعمل برأيه، وتنافرت قريش وخزاعة إليه فخطبهم بما أذعن له الفريقان بالطاعة، فقال في خطبته: أيها الناس نحن آل إبراهيم وذرية إسماعيل وبنو النضر ابن كنانة وبنو قصي بن كلاب وأرباب مكة وسكان الحرم لنا ذروة الحسب ومعدن المجد ولكل في كل حلف يجيب عليه نصرته وإجابة دعوته إلّا ما دعا إلى عقوق عشيرة وقطع رحم يا بني قصي أنتم كغصني شجرة أيهما كسر أوحش صاحبه والسيف لا يصان إلّا بغمده ورامي العشيرة يصيبه سهمه ومن أمحكه اللجاج أخرجه إلى البغي أيها الناس الحلم شرف والصبر ظفر والمعروف كنز والجود سؤد والجهل سفه والأيام دول والدهر غير والمرء منسوب إلى فعله ومأخوذ بعمله فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد ودعوا الفضول تجانبكم السفهاء وأكرموا الجليس يعمر ناديكم وحاموا الخليط يرغب في جواركم وأنصفوا من أنفسكم يوثق بكم وعليكم بمكارم الأخلاق فإنها رفعة وإياكم والأخلاق الدنيئة فإنها تضع الشرف وتهدم المجد ألا وأن نهنهة الجاهل أهون من حزيرته ورأس العشيرة يحمل أثقالها ومقام الحليم عظة لمن انتفع به.
فقالت قريش: رضينا بك أبا نضلة، وهي كنيته، فانظروا إلى ما أمر به من شريف الأخلاق ونهى عنه من مساوىء الأفعال هل صدر إلّا عن غزارة فضل وجلالة قدر وعلو همة وما ذاك إلّا لاصطفاء يراد وذكر يشاد لأن توالي ذلك في الآباء يوجب تناهيه في الأبناء، ومات هاشم بغزة من أرض الشام وهو أول
[ ١٩٣ ]
من مات من ولد عبد مناف ثم مات عبد شمس بمكة فقبر باجياد ثم مات نوفل بسلمان من طريق العراق ومات المطلب بريمان من أرض اليمن، وكان هاشم قد تزوج بيثرب من الخزرج بسلمى بنت عمرو النجارية فولدت له بيثرب عبد المطلب وكان اسمه شيبة الحمد ونشأ فيهم حتى مات أبوه هاشم وانتقلت عنه الرياسة والوفادة والسقاية إلى أخيه المطلب ووصف له شيبة بيثرب فخرج فاستنزل أمه عنه حتى أخذه منها ودخل به مكة مردفا له فقالت قريش: من هذا؟ فقال: عبدي، فسمي عبد المطلب إلى أن مات فوثب عليه عمه نوفل ابن عبد مناف في ركح كان له فاغتصبه إياه- والركح الساحة- فسأل عبد المطلب رجالات قومه النصرة على عمه، فقالوا: لسنا داخلين بينك وبين عمك، فلما رأى عبد المطلب ذلك كتب إلى أخواله من بني النجار يقول:
يا طول ليلي لأشجاني وأشغالي هل من رسول إلى النجار أخوالي
ينبىء عديا ودينارا ومازنها ومالكا عصمة الجيران عن حالي
وكنت ما كنت حيا ناعما جذلا أمشي الغضية سحابا لأذيالي
حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجني عن ذاك مطلب عمي بترحالي
فغاب مطلب في قعر مظلمة وقام نوفل كي يعدو على مالي
أئن رأى رجلا غابت عمومته وغاب أخواله عنه بلا والي
أنحى عليه ولم يحفظ له رحما ما أمنع المرء بين العم والخال
فاستنفروا وامنعوا ضيم ابن أختكم لا تخذلوه وما أنتم بخذالي
ما مثلكم في بني قحطان قاطبة حي لجار وانعام وافضال
أنتم ليان لمن لانت عريكته سلما لكم وسمام الأبلج العالي
فقدم عليه ثمانون راكبا من بني النجار ونصروه على عمه نوفل وارتجعوا منه الركح وعادوا، وقد اشتد بهم عبد المطلب فدعا ذلك نوفلا أن حالف بني عبد شمس على عبد المطلب وبني هاشم ودعا ذلك عبد المطلب على أن حالف بني هاشم على نوفل وبني عبد شمس، فقوى عبد المطلب وضعف نوفل وانتقلت السقاية والوفادة والرياسة إلى عبد المطلب، وأخذ نوفل عهدا من أكاسرة العراق وصارت رحلته إليها، وأخذ عبد المطلب عهدا من ملوك الشام
[ ١٩٤ ]
وأقيال حمير باليمن وصارت رحلته إليها، وحفر عبد المطلب حين قوي واشتد بئر زمزم وأخرج منها ما كان ألقاه فيها عامر بن الحرث الجرهمي ومن غزالي الكعبة وحجر الركن فضرب الغزالين صفائح ذهب على باب الكعبة ووضع الحجر في الركن، وصار عبد المطلب سيدا عظيم القدر مطاع الأمر نجيب النسل حتى مرّ به أعرابي وهو جالس في الحجر وحوله بنوه كالأسد، فقال: إذا أحب الله إنشاء دولة خلق لها أمثال هؤلاء، فأنشأ الله لهم بالنبوة دولة وخلد بها ذكرهم ورفع بها قدرهم حتى سادوا الأنام وصاروا الأعلام وصار كل من قرب إلى رسول الله ﷺ من آبائه أعظم رياسة وتنوها وأكثر فضلا وتالها.
فحكى الزهري ويزيد بن رومان وصالح بن كيسان أن عبد الطلب بن هاشم نذر أنه متى رزق عشرة أولاد ذكور ورآهم بين يديه رجالا أن ينحر أحدهم للكعبة شكرا لربه حين علم أن إبراهيم أمر بذبح ولده تصوّرا من أنه أفضل قربة فلما استكمل ولده العدد وصاروا له من أظهر العدد قال لهم: يا بني كنت نذرت نذرا علمتموه قبل اليوم فما تقولون؟ قالوا: الأمر لك وإليك ونحن بين يديك، فقال: لينطلق كل واحد منكم إلى قدحه وليكتب عليه اسمه، ففعلوا ثم أتوه بالقداح فأخذها وجعل يرتجز ويقول:
عاهدته وأنا موف عهده والله لا يحمد شيء حمده
إذا كان مولاي وكنت عبده نذرت نذرا لا أحب رده
ولا أحب ان اعيش بعده
ثم دعا بالأمين الذي يضرب بالقداح فدفع إليه قداحهم وقال: حرك ولا تعجل، وكان أحب ولد عبد المطلب إليه عبد الله، فضرب صاحب القداح السهم على عبد الله، فأخذ عبد المطلب الشفرة وأتى بعبد الله وأضجعه بين إساف ونائلة وأنشأ مرتجزا يقول:
عاهدته وأنا موف نذره والله لا يقدر شيء قدره
هدا بني قد أريد نحره وإن يؤخره يقبل عذره
وهمّ بذبحه فوثب إليه ابنه أبو طالب وكان أخا عبد الله لأبيه وامه وأمسك يد عبد المطلب عن أخيه، وأنشأ مرتجزا يقول:
[ ١٩٥ ]
كلا ورب البيت ذي الأنصاب ما ذبح عبد الله بالتلعاب «٦»
يا شيب إن الريح ذو عقاب إن لنا جرة في الخطاب
أخوال صدق كأسود الغاب
فلما سمعت بنو مخزوم هذا من أبي طالب، وكانوا أخواله، قالوا صدق ابن أختنا، ووثبوا إلى عبد المطلب، فقالوا: يا أبا الحرث إنا لا نسلم ابن أختنا للذبح فاذبح من شئت من ولدك غيره، فقال: إني نذرت نذرا وقد خرج القدح ولا بد من ذبحه، قالوا: كلا لا يكون ذلك أبدا وفينا ذو روح وإنا لنفديه بجميع أموالنا من طارف وتالد «٧»، وأنشأ المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم مرتجزا يقول:
يا عجبا من فعل عبد المطلب وذبحه ابنا كتمثال الذهب
كلا وبيت الله مستور الحجب ما ذبح عبد الله فينا باللعب
فدون ما يبغي خطوب تضطرب
ثم وثب السادات من قريش إلى عبد المطلب فقالوا: يا أبا الحرث إن هذا الذي عزمت عليه عظيم وإنك إن ذبحت ابنك لم تتهن بالعيش من بعده «٨» ولكن لا عليك أنت على رأس أمرك تثبت حتى نسير معك إلى كاهنة بني سعد فما أمرتك من شيء فامتثله، فقال عبد المطلب: لكم ذلك، وكانوا يرون الكهانة حقا، ثم خرج في جماعة من بني مخزوم نحو الشام إلى الكاهنة فلما دخلوا عليها أخبرها عبد المطلب بما عزم عليه من ذبح ولده وارتجز يقول:
يا رب إني فاعل لما ترد إن شئت ألهمت الصواب والرشد
يا سائق الخير إلى كل بلد قد زدت في المال وأكثرت العدد
فقالت الكاهنة: انصرفوا عني اليوم، فانصرفوا وعادوا من الغد، فقالت: كم دية الرجل عندكم؟ قالوا: عشرة من الإبل، قالت: فارجعوا إلى بلدكم وقدموا هذا الغلام الذي عزمتم على ذبحه وقدموا معه عشرة من
_________________
(١) التلعاب: اللعب أي أنه ليس أمرا سهلا ولا مقبولا.
(٢) الطارف: الجديد. التالد: الموروث.
(٣) كما خافوا أن يتخذ الناس ذلك سنة بعده.
[ ١٩٦ ]
الإبل ثم اضربوا عليه وعلى الإبل القداح فإن خرج القدح على الإبل فانحروها وإن خرج على صاحبكم فزيدوا في الإبل عشرة عشرة حتى يرضى ربكم، فانصرف القوم إلى مكة وأقبلوا عليه يقولون: يا أبا الحرث إن لك في إبراهيم أسوة فقد علمت ما كان من عزمه في ذبح ابنه إسماعيل وأنت سيد ولد إسماعيل فقدّم مالك دون ولدك، فلما صبح عبد المطلب غدا بابنه عبد الله إلى الذبح وقرّب معه عشرة من الإبل ثم دعا بأمين القداح وجعل لابنه قدحا وقال: اضرب ولا تعجل، فخرج القدح على عبد الله، فجعلها عشرين فضرب فخرج القدح على عبد الله، فجعلها ثلاثين، فضرب فخرج القدح على عبد الله، فجعلها أربعين، فضرب فخرج القدح على عبد الله، فجعلها خمسين، فضرب فخرج القدح على عبد الله، فجعلها ستين، فضرب فخرج القدح على عبد الله، فجعلها ثمانين، فضرب فخرج القدح على عبد الله، فجعلها تسعين، فضرب فخرج القدح على عبد الله، فجعلها مائة، وضرب فخرج القدح على الإبل، فكبّر عبد الله وكبّرت قريش وقالت: يا أبا الحرث أنه قد أنهى رضاء ربك وقد نجا ابنك من الذبح، فقال: لا والله حتى أضرب عليه ثلاثا، فضرب الثانية فخرج على الإبل، فضرب الثالثة فخرج على الإبل، فعلم عبد المطلب أنه قد أنهى رضاء ربه في فداء ابنه فارتجز يقول:
دعوت ربي مخلصا وجهرا يا رب لا تنحر بني نحرا
وفاد بالمال تجد لي وفرا أعطيك من كل سوام عشرا
عفوا ولا تشمت عيونا حزرا بالواضح الوجه المغشى بدرا
فالحمد لله الأجل شكرا فلست والبيت المغطى سترا
مبدلا نعمة ربي كفرا ما دمت حيا أو أزور القبرا
ثم قربت الإبل وهي مائة من جملة إبل عبد المطلب فنحرت كلها فداء لعبد الله وتركت في مواضعها لا يصد عنها أحد يتناوبها من دب ودرج، فجرت السنّة في الدية بمائة من الإبل إلى يومنا هذا، وانصرف عبد المطلب بابنه عبد الله فرحا، فكان عبد الله يعرف بالذبيح، ولذلك قال النبي ﷺ: «أنا ابن
[ ١٩٧ ]
الذبيحين» - يعني إسماعيل بن إبراهيم ﵉ وأباه عبد الله بن عبد المطلب- وهذا من صنع الله تعالى لرسوله لما قدره من رسالته وقضاه من آيات نبوته، فما يخلو نبي من بلوى منذرة ولا ملك من بلية زاجرة، هذا سليمان بن داود ﵉ وقد أعطاه الله مع النبوة ملكا لا ينبغي لأحد من بعده وسأل الله تعالى الحكمة فأعطاه قلبا عليما وفهما سليما حتى وضع ثلاثة آلاف مثل تهذبت بها أخلاق قومه واستقامت بها سيرة ملكه بعد أن سخرت له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب وسخرت له الشياطين يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب.
وذكر في سيرته أنه كان نزله في كل يوم من دقيق السميد ثلاثين كرا ومن غير السميد كرا وارتفاقه في كل سنة ستة وثلاثين ألف ألف ألف وثلاثة وثلاثين ألف ألف وثلاثمائة ألف مثقال، وكان له ألف وأربعمائة قيل متفرقة في القرى، وملك أربعين سنة كأبيه داود، فابتلاه الله تعالى في أثناء ملكه بعد عشرين سنة منه ما حكاه الله تعالى في كتابه بقوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ «٩» .
وفي فتنته قولان:
أحدهما: أن سليمان سبى بنت ملك غزاه في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون «١٠» فألقيت عليه محبتها وهي معرضة عنه تذكرا لأبيها لا تنظر إليه إلّا شزرا ولا تكلمه إلّا نزرا، ثم إنها سألته أن يصنع لها تمثالا على صورته فأمر به فصنع لها فعظمته وسجدت له وسجد معها جواريها وصار صنما معبودا في داره وهو لا يعلم به حتى مضت أربعون يوما وفشا خبره في بني إسرائيل وعلم به سليمان فكسره ثم حرقه ثم ذراه في الريح، هذا قول شهر بن حوشب.
والثاني: أن الله تعالى قد جعل ملك سليمان في خاتمه، فقال لآصف- وهو شيطان اسمه آصف الشياطين- كيف تضلون الناس؟ فقال له الشيطان:
أعطني خاتمك حتى أخبرك، فأعطاه خاتمه، فألقاه في البحر حتى ذهب ملكه،
_________________
(١) سورة ص الآية (٣٤) .
(٢) وقد ذكرت أنها صيدون المعروفة الان باسم صيدا في لبنان.
[ ١٩٨ ]
وهذا قول مجاهد.
وفي الجسد الذي ألقي على كرسيه قولان:
أحدهما: أن الشيطان الذي ألقى خاتم سليمان في البحر جلس على كرسي سليمان متشبها بصورته يقضي بغير الحق ويأمر بغير الصواب.
والثاني: أكثر من غشي جواريه طلبا للولد فولد له نصف إنسان فكان هو الجسد الملقى على كرسيه وزال عن سليمان ملكه فخرج هاربا إلى ساحل البحر يتضيف الناس ويحمل سموك «١١» الصيادين بالأجر، وإذا أخبر الناس أنه سليمان كذبوه، إلى أن أخذ حوتة من صياد قيل أنه استطعمها وقيل بل أخذها أجرا، فلما شق بطنها وجد خاتمه في جوفها وذلك بعد أربعين يوما من زوال ملكه عنه، وهي عدة الأيام التي عبد فيها الصنم في داره، فسجد الناس له حين عاد الخاتم إليه.
وقال يحيى بن أبي عمر: وجد خاتمه بعسقلان فمشى فيها إلى بيت المقدس تواضعا لله.
وفي قوله: ثُمَّ أَنابَ «١٢» تأويلان:
أحدهما: ثم رجع إلى ملكه، قاله الضحاك.
والثاني: ثم أناب من ذنبه، قاله قتادة، وبقي في ملكه بعد فتنته عشرين سنة استكمل بها الأربعين، وهي مدة الأيام الأربعين التي زال ملكه فيها.
وأما بلوى الملوك: فإن بختنصر كان ملكه طبق عمارة الأرض حتى ملك الأقاليم السبعة ودانت له ملوك الأمم وأدوا إليه خراج بلادهم فطغى قلبه وشمخ أنفه فداخلته العزة واعتقد أن أمم الخلق قد صاروا عبيدا له وخولا وأن ملوك الأرض دانت بطاعته خوفا ورهبة، فغضب الله تعالى عليه وسلبه عزة سلطانه
_________________
(١) سموك: أسماك، وليس هذا ما ذكرته التوراة عن نهاية سليمان ﵇.
(٢) سورة ص الآية (٣٤) .
[ ١٩٩ ]
وسطوته وأزال عنه هيبته وقدرته وجعل قلبه مثل قلوب الحيوان فانحط عن سرير ملكه ونفاه أعوانه عنهم فسكن الفلوات يأكل حشيشها وابتل جسمه من قطر السماء حتى طال شعره وصارت أظفاره كمخاليب الطير حتى حال سبعة أحوال وهو في سكرة لا يدري الناس إلّا أنه كنوع من الحيوان الذي في صورة البشر إلى أن استنقذه الله تعالى من كربه فثاب إليه عقله وراجعه تمييزه فرجع ببصره إلى السماء معظما لله تعالى ومستجيرا به ومعترفا أن لا سلطان إلّا له يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، فطلبه قوّاده ليردّوه إلى سلطانه حتى وجدوه فأعادوه إلى دار عزه وأجلسوه على سرير ملكه فعاد إلى خوف الله تعالى ومراقبته وإلى ما كان عليه من جميل سيرته واستناب دانيال النبي في خلافته وتدبير ملكه إلى أن مضى لسبيله بعد إحدى وخمسين سنة من ملكه ودانيال على خلافته.
ومنهم من ملوك الفرس: كسرى أبرويز، بلغ في الملك مبلغا عظيما وكان في قصره اثنتا عشر ألف جارية منهن للاستمتاع ثلاثة آلاف جارية وباقيهن للغناء والخدمة، وكان في داره ثلاثة آلاف رجل يقومون بخدمته وكان له ألف فيل إلّا فيل ومن الخيل والبغال خمسون ألف رأس منها لمركبه ثمانية آلاف وخمسائة، وأمر أن يحصى ما اجتبى من خراج بلاده سنة ثمان عشرة من ملكه فكان ستمائة ألف ألف درهم وعدد على ابنه شيرويه بعد قبضه عليه أنه قال: أمرنا في سنة ثلاثين ملكنا بإحصاء ما في بيوت أموالنا سوى ما أمرنا بعزله لأرزاق الجند وكان من الورق أربعمائة ألف بدرة يكون فيها ألف ألف ألف مثقال وستمائة ألف ألف مثقال سوى ما أفاءه الله تعالى علينا وزادنا من أموال ملوك الروم في سفن أقبلت بها الريح إلينا قسمناه في الرياح ولم تزل تزداد أموالنا إلى سنتنا هذه وهي سنة ثمان وثلاثين من ملكنا وفيها قبض عليه ابنه حتى قتله، وقد ذكر له ما جمع لأنه استطال واحتقر الناس.
فانظر أيها المعتبر بعقله في صنع الله تعالى وقدرته فيمن يبتليه اختبارا ويبلوه ازدجارا هل لما قضاه من دافع وفيما ابتلاه من مانع إلّا بلطف منه يؤتيه من يشاء وهو القوي العزيز.
[ ٢٠٠ ]