من ذلك قول الله تعالى في السفر الأول لإبراهيم: «قد أجبت دعاك في إسماعيل، وباركتُ عليه وكثرته وعظّمته جدًّا جدًّا، وسيلد اثنا عشر عظيمًا، وأجعلهُ لأمة عظيمًا».
[ ١٦١ ]
ثم أخبر موسى بمثل ذلك في هذا السفر، وزاد شيئًا، قال: «لمَّا هربت هاجر من سارة، تراءى لها ملك الله، وقال: يا هاجر أمة سارة، ارجعي إلى سيدتك واخضعي لها، فإني سأكثر ذريتك وزرعك؛ حتى لا يُحصوا كثرة، وها أنت تحبلين وتلدين ابنا، وتسميه إسماعيل؛ لأن الله قد سمع خشوعك، وتكون يده فوق الجميع، ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع».
فتدبَّر هذا القول فإن فيه دليلًا بيِّنًا على أن المراد به رسول الله - ﷺ -. لأن إسماعيل لم تكن يده فوق يد إسحاق، ولا كانت يد إسحاق مبسوطة إليه بالخضوع، وكيف يكون ذلك والنبوة والملك في بني إسرائيل والعيص، وهما أبناء إسحاق، فلما بُعث رسول الله انتقلت النبوة إلى ولد إسماعيل، فدانت له الملوك وخضعت له الأمم، ونَسخ الله به كل شرعة، وختم به النبيين، وجعل الخلافة والملك في أهل بيته إلى آخر الزمان، فصارت أيديهم فوق أيدي الجميع، وأيدي الجميع بالرغبة إليهم مبسوطة بالخصوع.
[ ١٦٢ ]
ومن أعلامه في التوراة:
قال: «جاء الله من سينا، وأشرف من ساعير، واستعلن من جبال فاران».
وليس بهذا خفاء على من تدبره ولا غموض؛ لأن مجيء الله من سيناء وإنزاله التوراة [على موسى بطور سيناء]، هكذا هو عند أهل الكتاب؛ وعندنا، وكذلك يجب أن يكون، وإشراقه من ساعير إنزاله على المسيح للإنجيل، وكان المسيح يسكن من ساعير أرض الخليل، بقرية تُدعى: ناصرة وباسمها سُمي من تبعه: نصارى.
وكما وجب أن يكون إشراقه من ساعير، فالمسيح كذلك يجب أن يكون استعلانه من جبال فاران، بإنزاله القرآن على محمد من جبال فاران، وهي: جبال مكة. وليس بين المسلمين وأهل الكتاب؛ اختلاف في أن فاران هي: مكة. فإن ادَّعَوا أنها غيرُ مكة، وليس بُدٌّ من تحريفهم وإفكهم. قلنا: ليسَ في التوراة أن إبراهيم أسكن هاجر وإسماعيل فاران؟ وقلنا: دلونا على الموضع الذي استعلن الله منه واسمه فاران، والنبي الذي أُنزل عليه كتابٌ بعد المسيح، أو ليس استعلن وعلن بمعنى واحد! وهو ما ظهر وانكشف، فهل تعلمون دينا ظهر ظهور الإسلام، وفشا في مشارق الأرض ومغاربها فُشُوَّهُ؟
[ ١٦٣ ]
ومن أعلامه في التوراة:
قال الله سبحانه في التوراة لموسى في السفر الخامس: «إني أقيم لبني إسرائيل نبيًّا من إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي على فمه».
[ ١٦٤ ]
فَمَنْ أُخْوَةُ بني إسرائيل؟ إلا بَنو إسماعيل، كما نقول: بكر وتغلب ابنا وائل، ثم نقول: تغلب أخوة، وبنو تغلب إخوة بني بكر، يرجع في ذلك إلى إخوة الأولين. [١٢٩/أ]
فإن قالوا: إن هذا النبي الذي وعد الله موسى أن ينبئه لهم؛ هو أيضًا من بني إسرائيل، لأن بني إسرائيل أخوة بني إسرائيل، أكذبتم التوراة، وأكذبتم النظر؛ لأن في التوراة: «إنه لم تقم في بني إسرائيل نبي مثل موسى».
وأما النظر؛ فإنه لو أراد إني أقيم لهم نبيا من بني إسرائيل مثل موسى، لقال: «أقيم لهم من أنفسهم مثل موسى» ولم يقل: «من إخوتهم» كما أن رجلًا لو قال لرسول: «ائتيني برجل من إخوة بني بكر بن وائل» كان يجب أن يأتيه برجل من بني تغلب بن وائل، ولا يجب أن يأتيه برجل من بني بكر.
ومن قول حبقوق النبي في زمن دانيال:
قال حبقوق: «جاء الله- من التيمن والتقديس- من جبال فاران، وامتلأت الأرض من تحميد أحمد وتقديسه، ومَلك الأرض بيمينه ورقاب الأمم».
[ ١٦٥ ]
وقال أيضًا: «تُضيء لنوره الأرض، وتحمل خيله في البحر».
وزادني بعض أهل الكتاب، أنه قيل في كلام حبقوق: «وسينزع في قِسِيَّك إغراقًا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء»، وهذا إفصاح باسمه وصفاته. فإن ادَّعَوا أنه غير نبينا وليس ذلك ينكر من جحدهم وتحريفهم؛ فمن أحمد الذي امتلأت الأرض من تحميده، والذي جاء من جبال فاران، فملك الأرضَ ورقاب الأمم؟!
ومن ذكر شعيا له:
قال شعيا عن الله: «عبدي الذي سرت به نفسي».
وترجمه آخر قال: «عبدي خيرتي، رضا نفسي أفيض عليه روحي».
وترجمه آخر، فقال: «أُنزل عليه وحي، فيظهر في الأمم عدلي، ويوصي الأمم بالوصايا، لا يضحك ولا يسمع صوته في الأسواق، ويفتح العيون العور، ويسمع الآذان الصم، ويحيي القلوب الغُلف، وما أعطيه لا أعطي غيره، أحمد يحمد الله حمدًا
[ ١٦٦ ]
حديثًا، يأتي من أقصى الأرض، يفرح البرية وسكانها، ويهللون الله على كل شرف، ويكبر فيه على كل رابية».
وزاد آخر في الترجمة: «لا يضعف ولا يغلب ولا يميل إلى اللهو، ولا يُسمع في [١٢٩/ب] الأسواق صوته، ولا يذل الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة؛ على تقوى الصديقين، وهو ركن للمتواضعين، وهو نور الله الذي لا يطفأ ولا يخصم، حتى تثبت في الأرض حجتي ويقطع به العذر، وإلى توراته تنقاد الجن».
وهذا إفصاحٌ باسمه وبصفاته؛ فإن قالوا أي توراة له قلنا: أراد أنه يأتي بكتاب يقوم مقام التوراة لكم.
ومثل هذا حديث كهمس، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، عن كعب قال: «شكا بيت المقدس إلى الله الخراب، فقيل له: لأبدلنك توراة محدثة، وعمالًا محدثين، يزفون بالليل زفيف النسور، وينتحبون عليك كما تحن الحمامة على بيضها، ويملؤونك لي خدودًا سجودًا».
[ ١٦٧ ]
ومن ذكر شعيا له:
قال: «أنا الله عظّمتك بالحق، وأيدتك وجعلتك نورا للأمم، وعهدا للشعوب، تفتح أعين العميان، وتنقذ الأسرى من الظلمات إلى النور».
وقال في الفصل الخامس: «إليا؛ آية سلطانه على كتفه»، يريد: علامة نبوته على كتفه- هذا في التفسير من السرياني، وأما في العبراني فإنه يقول: «إن على كتفه علامة النبوة».