«قال المسيح للحواريين: أنا أذهب وسيأتيكم البارقليط، روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنما هو كما يقال له، وهو يشهد عليّ وأنتم تشهدون، لأنكم معي من قبل الناس، وكل شيء أعدّه الله لكم يخبركم به».
وفي حكاية يوحنا عن المسيح:
أنه قال: «البارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب، فإذا جاء وبَّخ العالم على الخطيئة،
[ ١٧٢ ]
ولا يقول من تلقاء نفسه شيئًا، ولكنه مما يسمع به يكلمكم ويسوسكم بالحق، ويخبركم بالحوادث والغيوب».
وفي حكاية أخرى:
«إن الفارقليط روح الحق الذي يرسله أبي باسمي، هو يعلمكم كل شيء، وقال: إني سائل أبي أن يبعث إليكم بارقليط آخر، يكون معكم إلى الأبد، وهو يعلمكم كل شيء».
وفي حكاية أخرى:
«ابن البشر ذاهب والبارقليط من بعده، يجني لكم الأسرار ويفسر لكم كل شيء، وهو يشهد لي كما شهدت له، فإنّي أجيئكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل».
وهذه الأشياء على اختلافها متقاربة، وإنما اختلفت لأن من نقل الإنجيل عن المسيح من الحواريين عدة، والبارقليط هو بلغتهم: لفظ من الحمد، إما أحمد، وإما محمود، وإما محمد، وما أشبه ذلك.
[ ١٧٣ ]
وهو في الإنجيل الحبشي، أو الرومي: «بن نعطيس»، فمن هذا الذي هو روح الحق الذي لا يتكلم إلا بما يوحى إليه؟ ومن العاقب للمسيح، والشاهد له بأنه قد بلَّغ؟
ومن الذي أخبر بالحوادث في الأزمنة مثل: «خروج الدجال»، و«ظهور الدابة»،
[ ١٧٤ ]
و«طلوع الشمس من مغربها»، وأشباه هذا؟ وبالغيوب من أمر القيامة والحساب، والجنة والنار، وأشباه ذلك، مما لم يُذكر في التوراة والإنجيل والزبور؛ غير [١٣١/أ] نبينا محمد.
وفي إنجيل متى:
«أنه لمَّا حُبس يحيى بن زكريا ليُقتل، بعث بتلاميذه إلى المسيح، وقال لهم: قولوا له: أنت هو الآتي، أو نتوقع غيرك؟ فأجابه المسيح، وقال: الحق اليقين أقول لكم، أنه لم تقم النساء عن أفضل من يحيى بن زكريا، وأن التوراة وكتب الأنبياء يتلو بعضها بعضًا، بالنّبُوّة والوحي حتى جاء يحيى، فأما الآن فإن شئتم فاقبلوا أن إليا هو مزمع أن يأتي، فمن كانت له أذنان سامعتان فليستمع».
[ ١٧٥ ]
وليس يخلوا هذا الاسم من إحدى خلال: إما أن يكون قال: إن أحمد مزمع أن يأتي، فغيروا الاسم؛ كما قال الله - ﷿ -: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، وجعلوه إلياهو، وإما أن يكون قال: إن إيل مزمع أن يأتي، وإيل هو الله تعالى، ومجيء الله مجيء رسوله بكتابه، كما قال في التوراة: «جاء الله من سيناء» أراد: جاء موسى من سيناء بكتاب الله، ولم يأت كتاب بعد المسيح إلا القرآن، وإمَّا أن يكون أراد النبيَّ المسَمَّى بهذا الاسم، وهذا لا يجوز عندهم؛ لأنهم مجمعون على أنه لا نبي بعد المسيح.