مدخل
المسألة الثالثة: أساليب الرسول ﷺ في التعليم
الأسلوب هو الإجراء الذي يتخذه المعلم في إيصال المادة التعليمية للمتعلم (١) . ويختلف الناس في سرعة استيعابهم وتعلمهم لما يلقى عليهم..ولهذا اهتمت البحوث التربوية بتنويع أساليب التعليم وصدرت العديد من البحوث التربوية التي تتناول الفروق الفردية بين سريع التعلم، وبطيئه، والمتوسط بينهما. ومن صفات المعلم الناجح أن يكون قادرًا على مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين قادرًا على التنويع في مادته العلمية، يمزج بين الأساليب المختلفة، سواء كانت في التطبيق أو الحوار أو المناقشة، مع التنويع في أساليب التشويق من قصة وضرب للأمثال.
وقد كان رسول الله ﷺ نِعْمَ المربي والمعلم بل أفضل مُرَبًّ ومعلم لأصحابه رضوان الله عليهم، إذ كان ﷺ أقدر الناس على الاستفادة من الأساليب التي تقرب المفاهيم إلى الأذهان، وتساعد على ترسيخها في عقولهم وقلوبهم.. ينتقل من أسلوب إلى آخر مراعيًا حال المخاطبين فتارة، يبدأ بالقول المقرون بالفعل، وتارة يطلب التطبيق من آخرين، وأخرى يستخدم السؤال والحوار، كما أنه ﷺ يلجأ في بعض الأوقات، ووفقًا لواقع الحال، إلى استخدام القصة أو ضرب الأمثال أو التشبيه، أو يستخدم أسلوب التشجيع حرصًا منه صلى الله عليه وسلمعلى أن تنتقل هذه التوجيهات النبوية الشريفة من مرحلة القول إلى مرحلة التطبيق والفعل.
ومن الأساليب التي استخدمها ﷺ في تعليمه وتوجيهه لأصحابه نذكر ما يأتي:
_________________
(١) دراسات في المناهج والأساليب العامة، ص١٠٩.
[ ٣٥ ]
أولًا: أسلوب الحوار والمناقشة.
يساعدنا هذا الأسلوب على شحذ الأذهان وتشويق النفوس لمعرفة المسألة المطلوبة وإثارة عنصر التحدي والترقب لدى المتعلم. وقد أصبحت طريقة الحوار والمناقشة وإثارة الأسئلة من أهم طرق التدريس الحديثة، بكونها تثير الاهتمام، وتدعو إلى التفكير اللذين يعدان من أهم خطوات التعلم. وقد وضعت طرق التدريس الحديثة قواعد لتحقيق فاعلية هذه الطريقة، منها أن يكون السؤال للجميع، وأن تتاح لهم فرصة التفكير قبل الإجابة، وغير ذلك من القواعد التي تَضْمَنُ فاعلية هذه الطريقة (١) .
وقد استخدم الرسول ﷺ هذا الأسلوب مرات كثيرة إما من خلال طرح السؤال ليجيب عنه المتعلمون، إن استطاعوا، أو ينتظروا ليسمعوا الإجابة منه ﷺ.
ومما يؤكد ذلك أن الإمام البخاري ﵀ خصص بابًا في صحيحه تحت عنوان " باب طرح الإمام المسألة ليختبر ما عندهم من العلم "، وأخرج فيه حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وهي مَثَلُ المسلم، حَدِّثوني ما هي؟! " فوقع الناس في شجر البادية، ووقع في نفسي أنها النخلة.
قال عبد الله: فاستحييت.
فقالوا: يا رسول الله أخبرنا بها.
فقال رسول الله ﷺ: "هي النخلة".
_________________
(١) التربية العملية وأسس طرق التدريس، ص٢٩.
[ ٣٦ ]
قال عبد الله: فحدَّثت أبي بما وقع في نفسي.
فقال: لأن تكون قلتها أحب إليّ من أن يكون لي كذا وكذا (١) .
قال ابن حجر العسقلاني ﵀: (فيه – أي حديث السؤال عن النخلة – وسيأتي بعده في الأمثلة التحريض على الفهم في العلم، وينبغي للمُلغَز له أن يتفطَّن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال، كما ينبغي للملغِز ألا يبالغ في التعمية بحيث لا يجعل للمُلغَز بابًا يدخل منه، بل كلما قرَّبه كان أوقع في نفس سامعه (٢) .
فعلى المعلم أن يستخدم طريقة رسول الله ﷺ في الحوار والمناقشة، فها هو ﵊ لم يُلْقِ على أصحابه ﵃ هذه الحقيقة إلقاء تقريريًا: أن المسلم مثل النخلة، أو أن المفلس يوم القيامة من يأتي بكذا وكذا، بل حاورهم وناقشهم وأراد أن يتوصل من خلال هذه المحاورة إلى استثارة دفائن ما عندهم وبلغتهم إلى ملاحظة ما حولهم ويشركهم معه في البحث.
وبهذا لا يصبح المتعلم مجرد جهاز تسجيل ينفعل ولا يفعل، ويتلقى ولا يفكر. بل هو كائن حي عاقل يبحث ويفكر ويحاور ويناقش ويخطئ ويصيب (٣) . أو يسأل ﷺ أصحابه عن بعض المعاني المعروفة فحينما يخبرونه بما يعرفون يأتي بمعنى آخر لهذه الألفاظ التي سألهم عنها (٤) . ومن ذلك ما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون ما المفلس"؟ قالوا: المفلس فينا
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب العلم باب الحياء في العلم رقمه (١٣١)، جـ١ ص ٤٧ – ٤٨.
(٢) فتح الباري ١/١٤٦.
(٣) انظر: الرسول المعلم، ص١٥١.
(٤) المرجع السابق ص١٥١-١٥٢.
[ ٣٧ ]
من لا درهم له ولا متاع.
فقال: "إن المفلس من أمتي مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وَسَفَك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار" (١) .
ومن ذلك أيضًا ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بينا أيوب يغتسل عريانًا فخر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحتثي في ثوبه فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال بلى وعزتك ولكن لا غنى لي عن بركتك" (٢) .
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب باب تحريم الظلم، رقمه (٢٥٨١)، جـ٤، ص ١٩٩٧.
(٢) صحيح البخاري – كتاب الغسل، باب من اغتسل عريانًا وحده، وهو في الخلوة رقمه (٢٧٩) جـ١/٨٤.
[ ٣٨ ]
ثانيًا: أسلوب القصة.
تعتمد القصة على الرواية والتشويق جذبًا للسامعين وتهيئة لهم لسماع ما يريد المعلم قوله مما يعين على فهم المعنى وتقريره في نفوسهم.
وقد استخدم الرسول ﷺ أسلوب القصة في مواضع كثيرة، ومن ذلك ما ورد في الصحيح من قصة الثلاثة الذين خرجوا يمشون، فأصابهم المطر، فدخلوا في غار في جبل فحطَّتْ عليهم صخرة فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه. فأخذ كل واحد منهم يتحدث عن أفضل عمل عمله، وفي كل مرة يتحدث بها أحدهم يفرج الله عنهم فرجة، حتى انتهى الثالث من رواية عمله، فكشف الله عنهم (٣) .
_________________
(١) انظر نص الحديث كاملًا في صحيح البخاري، كتاب الأدب باب إجابة دعاء من بر والديه، رقمه (٥٩٧٤) جـ٧ ص٩٢.
[ ٣٨ ]
فمن الصفات التي لابد أن تتوافر في المعلم استخدام الأسلوب القصصي أثناء تدريسه، فهو تربة خصبة، يستطيع المعلم من خلالها توصيل المعلومات إلى أذهان طلابه وزيادة قناعتهم بما يريد تقريره لهم.
[ ٣٩ ]
ثالثًا: أسلوب ضرب الأمثال.
وضرب الأمثال يساعد على إبراز المعنى في صورة رائعة لها وقعها في النفس سواء كانت تشبيهًا أو قولًا مرسلًا. والتمثيل: هو القالب الذي يبرز المعاني في صورة حية تستقر في الأذهان بتشبيه الغائب بالحاضر والمعقول بالمحسوس، وقياس النظير على النظير، وكم من معنى جميل أكسبه التمثيل روعة وجمالًا، فكان ذلك أدعى لتقبل النفس له وإقناع العقل به (١) .
وكان رسول الله ﷺ يستخدم ضرب الأمثال في مواقف كثيرة ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال النبي ﵊: "مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها، ويتعجبون، ويقولون: لولا موضع اللبنة" (٢) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وفي الحديث ضرب الأمثال للتقريب للأفهام" (٣) . ومن ذلك أيضًا ما رواه الإمام مسلم عن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد (٤) بالسهر
_________________
(١) انظر: طرائق النبي ﷺ، ص١٢٤.
(٢) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب خاتم النبيين ﷺ رقمه (٣٥٣٤)، جـ٤/١٩٦.
(٣) فتح الباري، جـ٦/٥٥٩.
(٤) تداعى له سائر الجسد: دعا بعضه بعضًا إلى المشاركة في ذلك، انظر صحيح مسلم بشرح النووي جـ١٦/١٤٠.
[ ٣٩ ]
والحمى" (١) .
قال الإمام النووي ﵀: "وفيه جواز التشبيه وضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأفهام" (٢) .
وفي هذين الحديثين ضرب الرسول ﷺ المثالين لتقريب المعاني إلى الأفهام، فينبغي للمعلم أثناء تدريسه نهج هذا المنهج؛ لأن ضرب الأمثال أوقع في النفس، وأبلغ في الوعظ، وأقوى في الزجر، وأقوم في الإقناع (٣) .
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، رقمه ٦٦ (٢٥٨٦)، جـ٤/١٩٩٩.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي، جـ٦/١٣٩.
(٣) انظر: مباحث في علوم القرآن ص ٢٨٢.
[ ٤٠ ]
رابعًا: أسلوب التشجيع.
يساعد تشجيع المتعلم على زيادة تركيزه وإقباله على العلم ليستزيد منه أكثر فأكثر، ولهذا فإن على المعلم أن يشيد بالمواقف الحسنة لطلابه، وأن يشجعهم على السؤال والحوار والمناقشة؛ لأن هذا أدعى إلى توسيع مداركهم وتمكينهم من استيعاب المادة العلمية بشكل أفضل. وقد كان رسول الله ﷺ لا يترك مناسبة إلا ويثني فيها على من أصاب من أصحابه.
ونجد في كتاب فضائل ومناقب الصحابة في صحيحي البخاري ومسلم عددًا من النصوص التي تحمل الكثير من الثناء والتشجيع من الرسول ﷺ على واحد أو أكثر من أصحاب رسول الله ﷺ، ومن ذلك ثناء الرسول ﷺ على أبي عبيدة ﵁ حينما قدم أهل اليمن على رسول الله ﷺ طالبين أن
[ ٤٠ ]
يبعث معهم رجلًا ليعلمهم السنة والإسلام، فأخذ رسول الله ﷺ بيد أبي عبيدة قائلًا: "هذا أمين هذه الأمة" (١) (٢) .
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁ رقمه (٣٧٤٤) جـ٤ص ٢٥٩، صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي عبيدة بن الجراح رقمه ٥٤ (٢٤١٩)، جـ٤ ص١٨٨١، واللفظ له.
(٢) انظر: الرسول والعلم ص١٢٩.
[ ٤١ ]
خامسًا: أسلوب مراعاة الفروق الفردية.
من المعلوم أن الناس يختلفون في قدراتهم الاستيعابية إما بسبب خلفيتهم الثقافية أو الاجتماعية أو التعليمية أو بسبب تفاوت أعمارهم واهتماماتهم، فكل هذه الأشياء تجعل الفروق الفردية بين الناس شيئًا ملموسًا ومحسوسًا ينبغي للمعلم أن ينتبه له ويلاحظه؛ ليقدم لكل متعلم حسب قدرته الاستيعابية ووفقًا لواقع الحال.
ويندرج تحت مراعاة الفروق الفردية التدرج في التعليم، لكونه يراعي السن والبيئة والثقافة.
وقد كان رسول الله ﷺ أحرص الناس على مراعاة الفروق الفردية والتدرج في التعليم ويتضح ذلك من وصيته ﷺ لمعاذ ﵁ لما بعثه إلى اليمن فعن ابن عباس ﵁: أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: "إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإنْ أطاعوك لذلك، فأعلمهم أنَّ الله
[ ٤١ ]
فرض عليهم صدقة تُؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" (١) .
فينبغي للمعلم أن يُراعي الفروق الفردية بين طلابه، فلا يبدأ بدقائق العلم، وعويص مسائله، فيغرقهم في بحر عميق لا يستطيعون النجاة منه، بل يبدؤهم بالأسهل والأيسر؛ لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلًا حُبب إلى مَنْ يدخل فيه، وَتَلقَّاه بانبساط، وكانت عاقبته غالبًا الازدياد منه، بخلاف ضده (٢) ".
ومن هذا يتضح أن على المعلم وهو يختار الأسلوب لإيصال المادة العلمية لطلابه أن يتأكد من ملاءمة هذا الأسلوب لمحتوى المادة العلمية وأن تتوافق مع مستويات نمو الطلاب. كما ينبغي له إدراك أن مهمته لا تقتصر فقط على تزويد الطلاب بالمعلومات والحقائق، وإنما تتسع لتشمل إكسابهم مهارات التعلم المستمر (٣) .
_________________
(١) صحيح البخاري – كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء، وترد على الفقراء حيث كانوا، رقمه (١٤٩٦)، جـ٢ / ١٦٥.
(٢) انظر: الرسول والعلم، ص ١٣٤.
(٣) دراسات في الأساليب والمناهج العامة، ص ١٧٨-١٧٩-٢٠٩.
(٤) انظر: مدخل إلى علم الدعوة ص٢٨٢ بتصرف.
[ ٤٢ ]