أولا: العقيدة
المسألة الثانية: موضوعات التعليم في سيرة المصطفى ﷺ
بينت في المسألة السابقة اهتمام الرسول ﷺ بالتعليم. وهنا أتحدث عن الموضوعات التى كان يوليها الرسول ﷺ اهتمامًا بارزًا في تعليمه للناس والتي يمكن الحديث عنها في الفقرات التالية:
أولًا: العقيدة:
إن الإيمان بالله ﷾ وطاعته وابتغاء مرضاته هو الهدف من خلق الإنسان. وفي حديث جبريل الطويل عندما أرسله الله ﷾ ليعلم نبيه ﷺ الأولويات في التعليم بدأ بالعقيدة ثم العبادات ثم المعاملات، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، قال:" كان رسول الله ﷺ يومًا بارزًا للناس فأتاه رجل فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته، وكتابه، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر.." قال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم
[ ١٧ ]
الصلاة المكتوبة، وتؤدِّي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: يا رسول الله! ما الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لا تراه، فإنه يراك". قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، لكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأَمَةُ ربها، فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله"، ثم تلا ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] .
قال: ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله ﷺ: "ردوا عليّ الرجل" فأخذوا ليردوه، فلم يروا شيئًا، فقال رسول الله ﷺ: "هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم" (١) .
فالإيمان فَسَّره النبي ﷺ في هذا الحديث بالاعتقادات الباطنة، فقال أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (٢) .
ورسول الله ﷺ سلك هذا المنهج في تعليمه للبشرية فبدأ بالعقيدة وقَدَّمها على سائر الموضوعات الأخرى، فتناول أصول الإيمان بالله تعالى وملائكته
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان رقمه (٥٠) جـ١ ص٢٢. انظر صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، رقمه (٩) جـ١ ص ٣٩ واللفظ له.
(٢) إيقاظ الهمم المنتقى من جامع العلوم والحكم ص ٥٧.
[ ١٨ ]
وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما فيه من بعث وحساب وجزاء وجنة ونار، ويقيم على ذلك الحجج والبراهين، حتى يستأصل من نفوس المشركين العقائد الوثنية ويغرس فيها عقيدة الإسلام (١) .
ومن أمثلة ذلك:
ما ورد في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادْعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" (٢) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "المراد بعبادة الله توحيده، وبتوحيده الشهادة له بذلك ولنبيه بالرسالة، ووقعت البداءة بها؛ لأنها أصل الدين الذي لا يصح شيء غيرهما إلا بهما فمن كان منهم غير موحد فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان مُوَحِّدًا فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة" (٣) .
كما أن من أقر بالشهادتين، واعتقد ذلك جزمًا كفاه ذلك في صحة إيمانه، وكونه من أهل القبلة والجنة (٤) ومن ذلك ما وَرَدَ في حديث معاوية بن الحكم السلمي، قال: وكانت لي جارية ترعى غنمًا لي قبل أحد والجوانيَّة (٥)،
_________________
(١) تاريخ التشريع الإسلامي، ص٥٢.
(٢) صحيح البخاري - كتاب الزكاة باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا رقمه (١٤٩٦) جـ٢ /١٦٥.
(٣) فتح الباري جـ٣/ ٣٥٨.
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٥/٣٥.
(٥) الجوانية: الجوانية بقرب أحد. موضع في شمال المدينة.
[ ١٩ ]
فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسَفُ كما يأسفون (١)، لكني صككتها (٢) صكةً، فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك علي. قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: "ائتني بها" فأتيته بها. فقال لها "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال "من أنا؟ " قالت:" أنت رسول الله " قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" (٣) .
قال النووي رحمه الله تعالى قال: "كان المراد امتحانها هل هي موحدة تقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده؟ " (٤) .
فعلى المعلم الابتداء في تعليم طلابه العقيدة الإسلامية الصحيحة مقتديًا في ذلك برسول الله ﷺ وغرس مفهومها الصحيح في نفوس طلابه، فيربطهم بالخالق ﷿، حتى يتوجهوا إليه في سائر عباداتهم ودعائهم، ويعلموا يقينًا أنه تعالى هو الرازق الناصر القادر على كل شيء، كما عليه أن يحثهم على أن من حصل له مكروه فعليه التوجه إلى الله تعالى بالدعاء، فإنه سميع مجيب، وليتوكلوا عليه في سائر أمورهم (٥) .
_________________
(١) آسف كما يأسفون: أي أغضب كما يغضبون.
(٢) (صككتها صكة) أي ضربتها بيدي مبسوطة.
(٣) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته، رقمه (٥٣٧)، جـ١ ص٣٨١.
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي جـ٥/٣٣.
(٥) انظر: «آداب المتعلمين» ص ٣٣.
[ ٢٠ ]
ثانيًا: الشريعة:
وتعليم الرسول ﷺ لم يكن مقتصرًا على العقيدة بل اتجهت جهوده ﷺ إلى العبادات التي تعد أمرًا أساسيًا في الشريعة الإسلامية حتى أوجد منهجًا
[ ٢٠ ]
متكاملًا في أمور العبادات العملية بجميع أشكالها من صلاة وزكاة وصوم وحج..إلخ واتخذ في ذلك منهج التدرج في التشريع ليحصل القبول لهذا الدين عند الناس. وذلك بعد أن عمر قلوبهم بالإيمان الخالص لله وحده، فبدأ بتعليمهم كيفية الصلاة المفروضة وحقوقها وأركانها وحدودها، سواء كان ذلك عن طريق سؤال الصحابة ﵃ له أو من خلال الممارسة العملية.
ومن ذلك أنه ﷺ كان يُعَلمهم دعاء الاستفتاح في الصلاة. فعن أبي هريرة – ﵁ – قال: كان رسول الله ﷺ إذا كَبَّر في الصلاة سكت هُنيَّةً (١) قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: "أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد" (٢) .
قال ابن حجر رحمه الله تعالى: "وقيل قاله على سبيل التعليم لأمته" (٣) .
فالمعلم الناجح المشفق على طلابه يُعَلِّمهم أدعية الاستفتاح في الصلاة فإذا اعتادت أنفسهم دعاءً أرشدهم إلى غيره، كما يحثهم على الإلحاح بالدعاء إلى الله أن ينقيهم من الخطايا والذنوب.
_________________
(١) هنية: أي قليلًا من الزمن.
(٢) صحيح البخاري كتاب الأذان باب ما يقول بعد التكبير رقمه (٧٤٤)،ط/٢٠٣، وصحيح مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة، رقمه (٥٩٨)،ط/٤١٩ واللفظ له.
(٣) فتح الباري جـ٢/٢٣٠.
[ ٢١ ]
كما كان يُعَلِّمهم قراءة الفاتحة آية آية، أي قراءتها ثم قراءة الآية التي بعدها كما ورد عن أبي هريرة – ﵁ – قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبد ي نصفين، ولعبد ي ما سأل فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبد ي، وإذا قال: الرحمن الرحيم قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبد ي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مَجَّدني عبد ي (وقال مرة: فَوَّض إليّ عبدي) فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين: قال: هذا بيني وبين عبد ي ولعبد ي ما سأل. فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمتَ عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبد ي ولعبد ي ما سأل" (١) .
فالمعلم يحث طلابه ويرغبهم أثناء قراءة الفاتحة في السكوت على الآية والتي بعدها لاستحضار رَدٍّ من رب العالمين، مما يزيد المصلي طمأنينة وخشوعًا، كما كان ﷺ يترك فرصة للصحابة ﵃ أن يتعلموا ما يُلْقَى إليهم بعد تكراره. ومن ذلك ما ورد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﵇ فقال: ارجع، فصل فإنك لم تصل، فصلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال: "ارجع فَصَلِّ فإنك لم تصل ثلاثًا" فقال: والذي بعثك بالحق فما أُحسن غيره، فعلِّمني. قال "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، رقمه (٣٩٥) جـ١ ص٢٩٦.
[ ٢٢ ]
حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" (١) .
قال ابن حجر رحمه الله تعالى: "وفيه حسن التعليم بغير تعنيف" (٢)، وقال النووي ﵀: "وإنما لم يعلمه أولًا ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره بصفة الصلاة المجزئة" (٣) .
وكان ﷺ يعلم أصحابه ﵃ بالفعل ليقع التشريع منه؛ لكونه أبلغ من القول، ومن ذلك ما ورد عن أبي هريرة ﵁ – "صلَّى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي (٤) - قال محمد: وأكثر ظني أنها العصر – ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر – ﵄ – فهابا أن يكلماه، وخرج سَرَعَانُ (٥) الناس فقالوا: أقصرت الصلاة؟ ورجل يدعوه رسول الله ذا اليدين فقال: أَنَسِيت أم قَصُرَت؟ فقال: "لم أنس، ولم تقصر"، قال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه، فكبَّر ثم وضع رأسه فكبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبَّر" (٦) .
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الأذان باب أمر النبي ﷺ الذي لا يتم ركوعه بالإعادة رقمه (٧٩٣)، جـ١ ص٢١٦. انظر صحيح مسلم، كتاب الصلاة با ب وجوب قراءة الفاتحة، رقمه (٣٩٧) جـ١ ص٢٩٨.
(٢) فتح الباري، جـ٢/ ٢٨٠.
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي، جـ٤ ص٢٨١،١٤٣.
(٤) العشي: ما بين زوال الشمس إلى غروبها.
(٥) السرعان: المسرعون إلى الخروج.
(٦) صحيح البخاري، كتاب السهو، باب يكبرُ في سجدتي السهو رقمه (١٢٢٩) جـ٢ ص٨٣.انظر صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، رقمه (٥٧٣)، جـ١ ص٤٠٣.
[ ٢٣ ]
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وفائدة جواز السهو في مثل ذلك بيان الحكم الشرعي إذا وقع مثله لغيره" (١) . وكثير من الطلاب يجهلون من أحكام سجود السهو في الصلاة، فمنهم من يترك سجود السهو في محل وجوبه، ومنهم من يسجد في غير محله، ومنهم مَنْ يجعل سجود السهو قبل السلام وإن كان هو وضعه بعده ولذا كان تعليم المعلم لطلابه أحكام سجود السهو مُهِمًّا جدًاّ؛ ليفهموا أحكام دينهم ويطبقوه (٢) .
وكما عَلَّمهم ﷺ الصلاة عَلَّمهم ما يكون لهم فيه من بركة أو تزكية للنفوس إذا أخرجوا زكاة أموالهم، ففيها تنمية للأموال وتكثير لبركتها. كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "ما نقصت صدقة من مال" (٣) . فهي ليست غرامةً، ولا ضريبة تنقص المال وتضر صاحبها، بل هي على العكس تزيد المال نموًا من حيث لا يشعر الناس (٤) .
كما بَيَّن ﷺ ما يترتب على أدائها من الأجر العظيم ألا وهو دخول الجنة وذلك ما ورد عن أبي الدرداء – ﵁ – قال: قال ﷺ: " خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة. من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وصام رمضان وحج البيت، إن استطاع إليه سبيلًا، وأعطى الزكاة طيبة بها نفسه " (٥) .
_________________
(١) فتح الباري جـ٣، ١٠١.
(٢) كتاب سجود السهو، ص ٤.
(٣) صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب باب استحباب العفو والتواضع رقمه (٢٥٨٨) جـ٤ ص٢٠٠١. انظر صحيح سنن الترمذى أبواب البر والصلة، باب ما جاء في التواضع رقمه (١٦٥٢) جـ ٢/١٩٩
(٤) انظر الملخص الفقهي، جـ١/٣٢١.
(٥) صحيح سنن أبي داود. كتاب الصلاة، باب المحافظة على وقت الصلوات رقمه (٤٢٩) جـ١ ص٨٧.
[ ٢٤ ]
كما بَيَّنَ لهم ﷺ مقدار الزكاة، وأنَّ مَنْ أدَّى زكاته كما أمر بذلك فليس بكانز لقول رسول الله ﷺ: "ليس فيما دون خمس أواق (١) صدقة، وليس فيما دون خمس ذودٍ (٢) صدقة وليس فيما دون خمس أوسق (٣) صدقة" (٤) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "كل مال أخرجت منه الصدقة فلا وعيد على صاحبه، فلا يُسَمَّى ما يفضل بعد إخراجه الصدقة كنزًا " (٥) .
لذا فالمعلم يُرغَّب في الصدقة، ويبين أنها إن نقصت المال عدديًا فإنها لن تنقصه بركة وزيادة في المستقبل، بل يخلف الله بدلها ويبارك له في ماله" (٦) .
ولم يكن رسول الله ﷺ ينتظر حتى يسأل عن الأجر بل إذا رأى منكرًا أو أمرًا مخالفًا يبادر إلى إنكاره. ومن ذلك ما ورد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده – ﵃ – أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يدِ ابنتها مسكتان غليظتان (٧) من ذهب، فقال لها: " أتعطين زكاة هذا؟ " قالت: لا. قال: "أيسرك أن يُسَوِّرك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ " قال: فخلعتهما، فألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله ﷿ ولرسوله" (٨) .
_________________
(١) جمع أوقية وهي أربعون درهمًا من الفضة.
(٢) الذود: من واحد إلى تسع وقيل درهم، من الفضة.
(٣) أوسق: جمع وسق وهو ستون صاعًا.
(٤) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب ما أدى زكاته فليس بكنزٍ رقمه (١٤٠٥) جـ٢ ص١٣٦، واللفظ له انظر صحيح مسلم، كتاب الزكاة، بدون باب، رقمه (٩٧٩)، جـ٢ ص٦٧٣.
(٥) فتح الباري جـ٣//٢٧٢.
(٦) فصول في الصيام والتراويح والزكاة ص٢١.
(٧) مسكتان: يعني سوارين غليظين.
(٨) صحيح سنن أبي داود كتاب الزكاة باب العروض إذا كانت للتجارة رقمه (١٥٦٣) جـ١/٢٩١، وانظر صحيح سنن النسائي كتاب الزكاة باب زكاة الحلي رقمه (٢٣٠٤) جـ٢/٥٢٣.
[ ٢٥ ]
وشرع صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة بعد أن مرت مشروعيته بمراحل (١) فكان في ذلك مجال لتعليم أصحابه فضل الصوم وأحكامه. فعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ﵎ فرض صيام رمضان عليكم، وسننتُ لكم قيامه، فمن صامه وقامه احتسابًا، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (٢) .
وأيضًا ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: "تعبد الله، ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة
_________________
(١) المرحلة الأولى: الأيام المعدودات، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ َيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٣-١٨٤] . والأيام المعدودات قيل: هي الاثنين والخميس، وقيل: الأيام البيض، وهي ثلاثة أيام من كل شهر وقيل: غير ذلك. المرحلة الثانية: التخيير بين الصيام أو الإطعام كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤] . المرحلة الثالثة: وجوب صيام شهر رمضان على كل مسلم، حتمًا إلا من كان له عذر قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٨٥] . المرحلة الرابعة: التخفيف على المسلمين، فقد كان الصوم يبدأ بأول نومة بعد صلاة العشاء، ويبقى الصائم ممسكًا بقية الليل، واليوم الذي يليه كله حتى تغرب الشمس فشق ذلك على المسلمين، فخفف الله عنهم ذلك، وأباح لهم في ليالي رمضان كلها الأكل والشراب والجماع وذلك كما في قوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] . انظر " أيام رمضان " للدكتور صالح الزيد.
(٢) مسند الإمام أحمد (١/١٩١) عن عبد الرحمن بن عوف (جـ٣/١٢٧) برقم (١٦٦٠) وقال الشيخ شاكر: إسناده صحيح.
[ ٢٦ ]
المفروضة، وتصوم رمضان"، قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئًا أبدًا، ولا أنقص. فلما ولَّى قال النبي ﷺ: "من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا" (١) .
فالرسول ﷺ رغَّب في الصيام وحث عليه لما فيه من تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة ولما له من أكبر العون على التقوى كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ َيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٣] (٢) .
قال ابن القيم ﵀ في الصوم: "هو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئًا، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو يترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثارًا لمحبة الله ومرضاته، وهو سر ما بين العبد وربه ولا يطلع عليه سواه" (٣) .
فلهذا ينبغي للمعلم أن يبين لطلابه حقيقة الصوم، وهو أن يترك طعامه وشرابه لأجل الله فهذا أمرٌ لا يَطَّلع عليه إلا الله، ويحثهم ويرغبهم في صيام شهر رمضان وقيامه، ويبين لهم فضل هذا الشهر، وأنه مضاف إلى الله تعالى يقول ﷾، عن الرسول ﷺ: "إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به" (٤) . قال الغزالي:" اعلم أن في الصوم خصيصة ليست في غيره، وهي إضافته إلى
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة رقمه (١٣٩٧) جـ٢ ص١٣٤، صحيح مسلم، كتاب الإيمان باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة رقمه (١٤) جـ١ ص٤٤ واللفظ له.
(٢) زاد المعاد، جـ٢/٢٩.
(٣) زاد المعاد، جـ٢/٢٩.
(٤) صحيح مسلم، كتاب الصيام باب فضل الصيام، رقمه ١٦٤ (١١٥١)، جـ٢ ص٨٠٧.
[ ٢٧ ]
الله - ﷿ – وكفى بهذه الإضافة شرفًا " (١) .
وفي السنة العاشرة من الهجرة أُذن في الناس أن رسول الله ﷺ حاجٌّ، فقدم المدينةَ بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتَّم برسول الله ﷺ، ويعمل مثل عمله (٢) وكان في ذلك فرصة عظيمة لتعليم رسول الله ﷺ المسلمين أمور دينهم. فعن عبد الرحمن بن يَعْمَر الدِّيلي – ﵁ -، قال: أتيت النبي ﷺ وهو بعرفة فجاء ناس أو نفر من أهل نجد فأمروا رجلًا فنادى رسول الله ﷺ كيف الحج؟ فأمر رسول الله ﷺ رجلًا فنادى "الحج يوم عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع فتمَّ حجه. أيام منى ثلاثة. فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه" (٣) وزاد الترمذي لفظًا آخر " ومن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج" (٤) . وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى منى فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: "خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر. ثم جعل يعطيه الناس" (٦) .
وأيضًا ما رواه جابر ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: "لتأخذوا مناسككم (٥)، فإني لا أدري لعلي لا أحج
_________________
(١) إحياء علوم الدين جـ٣/٣٦٣.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الحج باب حجة النبي (رقمه (١٢١٨) جـ٢ ص ٨٨٧.
(٣) صحيح سنن أبي داود، كتاب المناسك باب من لم يدرك عرفة رقمه (١٩٤٩) جـ١ ص ٣٦٧.
(٤) صحيح سنن الترمذي أبواب تفسير القرآن باب من سورة البقرة رقمه (٢٣٧٦)، جـ٣ ص٢٦.
(٥) صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان رقم الحديث (١٧١) جـ١ ص٥٨، صحيح مسلم كتاب الحج باب بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق رقمه (١٣٠٥) جـ٢ص٩٤٧ واللفظ له.
(٦) لتأخذوا مناسككم: اللام لام الأمر. والمعنى: خذوا مناسككم.
[ ٢٨ ]
بعد حجتي هذه" (١) .
فالمعلم المحب لتلاميذه يبين لهم أسباب الفوز بالجنة والنجاة من النار فيبين لهم فضل الحج المبرور الذي قال عنه رسول الله ﷺ "والحج المبرور (٢) ليس له جزاء إلا الجنة" (٣) . كما يحثهم على المتابعة ما بين الحج والعمرة لنفي الفقر والذنوب فعن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإن المتابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خَبَثَ الحديد" (٤) .
قال الشيخ أبو الحسن السندي مبينًا المراد بالمتابعة بين الحج والعمرة: "اجعلوا أحدهم تابعًا للآخر واقعًا على عقبه، أي: إذا حججتم فاعتمروا، وإذا اعتمرتم فحجوا فإنهما متتابعان" (٥) .
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الحج باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا رقمه (١٢٩٧) جـ٢ ص٩٤٣.
(٢) الحج المبرور: الذي لا يخالطه إثم، أو المتقبل الذي لا رياء فيه ولا سمعة ولا رفث ولا فسوق.
(٣) صحيح البخاري، كتاب العمرة، باب العمرة وجوب العمرة وفضلها رقمه (١٧٧٣) جـ٢، ص٢٤٠،.صحيح مسلم، كتاب الحج باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة رقمه (١٣٤٩) جـ٢/٩٨٣ واللفظ لهما.
(٤) صحيح سنن ابن ماجه كتاب المناسك، باب فضل الحج والعمرة حديث رقمه (٢٨٨٧) جـ٢ص١٤٨.
(٥) حاشية الإمام السندي على سنن النسائي ٥/١١٥.
(٦) انظر: تاريخ التشريع، ص ٥٢.
[ ٢٩ ]
ثالثًا: الأخلاق:
بعد تأصيل مبادئ الإيمان والعقيدة في النفوس ووضع القواعد الأساسية لأمور العبادات، يأتي دور محاسن الأخلاق التي تزكو بها النفوس، ويستقيم عوجها (٦) واتخذ لذلك وسيلتين: إمَّا التدرجَ، وإما القطعَ الحاسم. وكان
[ ٢٩ ]
التدرج في تربية الأمة وفق ما يمر بها من أحداث. وأوضح مثال لذلك التدرج في تشريع تحريم الخمر.
فقد نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل:٦٧] .
ثم نزل قوله تعالى ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] فقارنت الآية بين منافع الخمر فيما يصدر عن شربها من طرب ونشوة أو يترتب على الاتِّجار بها من ربح، ومضارها من إثم تعاطيها، وما ينشأ عنه من ضرر في الجسم وفساد في العقل، وضياع للمال وإثارة لبواعث الفجور والعصيان، ونَفَّرت الآية منها بترجيح المضارِّ على المنافع.
ثم نزل قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣] فاقتضى هذا الامتناع عن شرب الخمر من الأوقات التي يستمر تأثيرها إلى وقت الصلاة، حيث جاء النهي عن قربان الصلاة في حالة السكر حتى يزول عنهم أثره، ويعلموا ما يقولونه في صلاتهم.
ثم نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠-٩١] . فكان هذا تحريمًا قاطعًا للخمر في كل الأوقات (١) .
_________________
(١) انظر: تاريخ التشريع ص ٥٤-٥٥.
[ ٣٠ ]
وهناك بعض الأخلاق التي واجهها ﷺ مواجهة حاسمة دون تدرج أو إبطاء عند تعليمه لأصحابه، لما يترتب عليها من أضرار. منها:
* الغيبة:
وهي من الصفات المذمومة والتي يتم فيها ذكر المرء ما يكرهه بظهر الغيب (١) فالرسول ﷺ بين لأصحابه ما هي الغيبة، وما الفرق بينها وبين البهتان. فعن أبي هريرة ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذكرك أخاك بما يكره" قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه" (٢) (٣) .
والله تعالى ذكر مثلًا منفرًا عن الغيبة فقال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢] قال الشيخ السعدي: "شَبَّهَ أكل لحمه ميتًا المكروه للنفوس غاية الكراهة، باغتيابه فكما أنكم تكرهون أكل لحمه ولاسيما إذا كان ميتًا، فاقد الروح، فكذلك فلتكرهوا غيبته، وأكل لحمه حيًا" (٤) .
وحذَّرهم من الغيبة، وبيَّن لهم العقاب الشديد لمن أطلق عنان لسانه ليتحدث بما يشاء كيفما شاء.
_________________
(١) انظر فتح الباري جـ١٠/٤٨٤.
(٢) بهته: أي قلت فيه البهتان وهو الباطل.
(٣) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب باب تحريم الغيبة رقمه (٢٥٨٩) جـ٤/٢٠٠١.
(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان جـ٧/١٣٨.
[ ٣١ ]
عن أنس بن مالك - ﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: " لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" (١)، قال الشيخ السعدي تعليقًا على قوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] وفي هذه الآية دليل على التحذير الشديد من الغيبة، وأنها من الكبائر، لأن الله شبهها بأكل لحم الميت، وذلك من الكبائر" (٢) . وبين ﷺ أن التعريض بالغيبة كالتصريح، سواء كان إشارة أو إيماء أو غمزًا أو لمزًا أو حركة أو إشارة أو محاكاة.
وعن عائشة ﵂ – قالت: فقلت للنبي ﷺ: حسبك من صفية كذا وكذا – تعني قصيرة – فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته". قالت وحكيت له إنسانًا فقال: "ما أحب أني حكيت إنسانًا وأن لي كذا وكذا" (٣) .
قال ابن حجر ﵀: "هي ذكر امرئ بما يكرهه، سواء كان ذلك في بدن الشخص أو دينه أو دنياه، أو نفسه، أو خلقه، أو ماله" (٤) .
والرسول ﷺ قد حثَّ المسلم على دفع كلام السوء عن أخيه المسلم وأن من فعل ذلك أبعد الله عن وجهه النار فعن أبي الدرداء ﵁، عن
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٣/٢٢٤)، انظر صحيح سنن أبي داود كتاب الآداب باب في الغيبة رقمه (٤٨٧٨) جـ٣/٩٢٣ واللفظ له.
(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، جـ٧/١٣٨.
(٣) صحيح سنن أبي داود كتاب الآداب باب الغيبة رقمه (٤٨٧٥)،جـ٣ ص٩٢٣.
(٤) فتح الباري جـ١٠/٤٨٤.
[ ٣٢ ]
النبي ﷺ قال: "من رد عن عِرْض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة" (١) .
فعلى المعلم أن يقتدي برسول الله ﷺ ويحث طلابه على مدافعة بعضهم عن بعض، وعدم تتبع عورات بعضهم بعضًا، فعن معاوية ﵁ قال سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم" (٢) .
وقال عمر ﵁ في ذلك: "وإياكم وذِكْرَ الناس، فإنه داء" (٣) .
* النميمة:
هي نَقْلُ كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد، ولذلك حذر منها رسول الله ﷺ وبين أنها طريق موصل إلى النار، فعن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال النبي ﷺ: "تجد من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه".
كما أن النمَّام ينال عقاب الله في قبره، كما ورد عن ابن عباس ﵄ – أنه قال: "مرّ النبي على قبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، - ثم قال-: بلى، أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله"، قال: ثم أخذ عودًا رطبًا فكسره باثنتين، ثم غرز كل واحد منهما على قبر، ثم قال: "لعله يُخَفف عنهما، مالم ييبسا" (٤) .
_________________
(١) صحيح سنن الترمذي أبواب البر والصلة باب ما جاء في الذب عن المسلم رقمه (٢٠١٣)، جـ٢ ص١٨١.
(٢) صحيح سنن أبي داود كتاب الآداب، باب في النهي عن التجسس رقمه (٤٨٨٨)، جـ٣،ص٩٢٤.
(٣) إحياء علوم الدين (جـ٣/١٥٢) .
(٤) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب عذاب القبر من الغيبة والبول، رقمه (١٣٧٨)،جـ٢/١٢٥ صحيح مسلم كتاب الإيمان، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه رقمه (٢٩٢)، جـ١ ص٢٤٠. واللفظ له.
[ ٣٣ ]
قال الحافظ ابن حجر: "قال الزين بن المنير: المراد بتخصيص هذين الأمرين بالذكر تعظيم أمرهم " (١) .
قال قتادة -﵀-: "ذكر لنا أن عذاب القبر ثلاثة أثلاث: ثلث من الغيبة، وثلث من النميمة، وثلث من البول" (٢) .
فالمعلم يبين أن النميمة تؤذي وتضر، وتؤلم، وتجلب الخصام والنفور وتذكي نار العداوة بين المتآلفين، ولم ينقل جواز إباحتها أحد (٣) . فقد روي عن عمر بن عبد العزيز – رحمه الله تعالى – أنه دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئًا فقال له عمر:" إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] . وإن كنت صادقًا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١١] . وإن شئت عفونا عنك؟ فقال: العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبدًا " (٤) .
فالرسول ﷺ وهو المعلم الأول للبشرية يبين الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة وعلومها، ويبين الأخلاق الذميمة والأعمال السيئة ويحذر منها.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "فالأخلاق التي شرعها الله لعباده وأمرهم بها هي أسباب سعادة الأمة ورقيها، وبقاء حكمها ودولتها، فعلى كل مسلم ومسلمة التخلق بهذه الأخلاق العظيمة" (٥) .
_________________
(١) فتح الباري جـ٣/٢٤٢.
(٢) إحياء علوم الدين جـ٣/١٦٦.
(٣) انظر: نضرة النعيم، جـ١١/٥٦٧١.
(٤) انظر: إحياء علوم الدين جـ٣/١٦٦.
(٥) انظر: الأخلاق الإسلامية ص ٣٢-٣٣.
[ ٣٤ ]