المبحث الأول: تعليمه ﷺ أساسات الدرس القراني «منهج الحلقات القرانية»:
ويتحدث هذا المبحث عن أساسات التعليم القراني عند النبي ﷺ، ويبين أنها الأساسات ذاتها التي يسير عليها معلمو القران الكريم في عصرنا سواء كان ذلك في وقت الحلقات القرانية أو بعدها مما تستلزمه الدراسة ولبيان ذلك انقسم المبحث إلى أربعة مطالب، تمثل أساسات الدرس القراني:
المطلب الأول: القراءة نظرا من المصحف.
المطلب الثاني: القراءة عن ظهر قلب.
المطلب الثالث: التعاهد (المراجعة) .
المطلب الرابع: تعليمهم مقدار الورد (الحزب) اليومي.
المطلب الأول: القراءة نظرا من المصحف:
كان ﷺ يعلمهم القراءة من المصحف نظرا بالإضافة إلى استظهاره عن ظهر قلب فهو يقول لأصحابه: «من سره أن يحب الله ورسوله؛ فليقرأ في المصحف» «١»، ولعله ﷺ كان يملي عليهم القران ليكتبوه عند موضع يقال له موضع المصحف فعن سلمة بن الأكوع أنه ﵁ كان يتحرى موضع مكان المصحف فكان يتحرى الصلاة عند الاسطوانة التي عند المصحف. «٢» .، ووقع عند مسلم بلفظ: (يصلي وراء الصندوق)، وكأنه كان للمصحف صندوق يوضع
_________________
(١) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٧/ ٢٠٩)، ١٤٠٥ هـ.
(٢) البخاري (١/ ١٨٩)، مسلم (١/ ٣٦٤)، مرجعان سابقان.
[ ١٩٤ ]
فيه «١»، وقيل في مسجده ﷺ موضع خاص للمصحف كان ثمة من عهد عثمان «٢» .
والحث على القراءة نظرا من المصحف ليتحقق أمران منهجيان أساسان في نقل اللفظ القراني:
١- وجود القران مكتوبا على أوسع نطاق في الأمة، فلكل أسرة على الأقل مصحف مما يجعل مسألة التشكيك فيه ضربا من الهذيان، وهذا من مقتضيات تسمية القران بالكتاب.
٢- تعضيد القراءة بالكتابة، وتثبيت الكتابة بالقراءة ولذا كان أشهر اسمين للقران هما (القران والكتاب)، ومن الفوائد غير ذلك:
أن يثبت في ذهن المؤمنين وغيرهم أن الكتاب الذي يستحق وصف الكتاب بإطلاق هو القران، كما قال الله ﷿: ذلِكَ الْكِتابُ (البقرة: ٢) .
فيه مواساة لمن لا يحفظ لبقاء اتصاله بالقران ولو لم يكن من حملة القران بالمعنى الخاص.
نشر الكتابة في الأمة على أوسع نطاق بربطه بما ينبغي نشره على أوسع نطاق وهو المصحف، مما يجعلها تأخذ بنواصي التقدم العلمي دائما.
التدبر: فإن النظر في المصحف يعين على ذلك: قال ﷺ: «أعطوا أعينكم حظها من العبادة قيل: يا رسول الله ما حظها من العبادة؟ قال: النظر في المصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه» «٣» .
_________________
(١) فتح الباري (١/ ٥٧٧)، مرجع سابق.
(٢) شرح سنن ابن ماجه ص ١٠٣.
(٣) العظمة (٥/ ٢٢٥) .
[ ١٩٥ ]
وأمرهم النبي ﷺ بتملك المصاحف: كما في قوله ﷺ: «تعلّموا كتاب الله تعالى وتعاهدوه واقتنوه وتغنّوا به فو الّذي نفسي بيده لهو أشدّ تفلّتا من المخاض في العقل» «١»؛ إذ إن قوله «اقتنوه» يفيد التملك أو اللزوم وكلاهما يدل على مصاحبة المصحف للمرء.
وقد اهتم الصحابة بتملك المصاحف، وصار المصحف قطعة من فؤادهم:
حتى جعلوه مقياسا للجمال عندهم لكثرة نظرهم فيه فعن أنس بن مالك الأنصاري ﵁ أن أبا بكر ﵁ كان يصلي لهم في وجع النبي ﷺ الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة، فكشف النبي ﷺ ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي ﷺ.. «٢» .، فقوله (كأن وجهه ورقة مصحف) عبارة عن الجمال البارع، وحسن البشرة وصفاء الوجه واستنارته «٣» .
وكان الصحابة ﵃ يتابعون النظر في المصحف ولو كانوا حفظة فعن الحسن البصري قال: دخلوا على عثمان والمصحف في حجره «٤»، وعثمان ﵁ هو القائل ﵁: (لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي علي يوم لا أنظر في المصحف) «٥»، وما مات ﵁ حتى خرق مصحفه من كثرة ما كان يديم النظر فيه «٦»، وعن عكرمة قال: دخلت على ابن عباس ﵁ وهو
_________________
(١) ابن حبان (١/ ٣٢٥)، أحمد (٤/ ١٥٣)، وقال في مجمع الزوائد (٧/ ١٦٩)، مراجع سابقة: «ورجال أحمد رجال الصحيح» .
(٢) البخاري (١/ ٢٤٠)، مرجع سابق.
(٣) شرح النووي (٤/ ١٤٢)، مرجع سابق.
(٤) ابن أبي شيبة (٢/ ٢٤١)، مرجع سابق.
(٥) انظر: شعب الإيمان (٢/ ٤٠٩)، مرجع سابق.
(٦) انظر: شعب الإيمان (٢/ ٤٠٩)، مرجع سابق.
[ ١٩٦ ]
يقرأ في المصحف قبل أن يذهب بصره وهو يبكي.. «١» .، وكان الصحابة ﵃ يحثون الناس على القراءة من المصحف فقد أتى قوم واثلة بن الأسقع فقالوا:
حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ليس فيه زيادة ولا نقصان، فغضب وقال: «إن مصحف أحدكم معلق في بيته وهو يزيد وينقص » «٢» أي لا يتقن حفظ القران ويسأل عن حديث النبي ﷺ، وعن ثابت قال: كان عبد الرحمن بن أبي ليلى إذا صلّى الصبح قرأ المصحف حتى تطلع الشمس قال وكان ثابت يفعله «٣»، وعن عبد الله بن عمرو قال: انتهيت إليه وهو ينظر في المصحف قال قلت أي شيء تقرأ في المصحف قال: حزبي الذي أقوم به الليلة «٤» وعن يونس قال: كان خلق الأولين النظر في المصاحف قال: وكان الأحنف بن قيس إذا خلا نظر في المصحف «٥» .
المطلب الثاني: القراءة عن ظهر قلب:
علمهم النبي ﷺ أهمية الحفظ (عن ظهر قلب) وورد هذا التعبير في الدلالة على استظهار القران في قول النبي ﷺ لرجل قال: معي سورة كذا وسورة كذا وسورة كذا عدها قال: «أتقرؤهن عن ظهر قلبك» قال: نعم! «٦»، وبوب البخاري لذلك: «باب القراءة عن ظهر قلب» «٧» .
_________________
(١) الحاكم (٢/ ٣٥٢)، مرجع سابق.
(٢) الحاكم (٢/ ٢٣٠)، مرجع سابق.
(٣) سنن الدارمي (٢/ ٥٣٢)، مرجع سابق.
(٤) ابن أبي شيبة (٢/ ١٢٤)، مرجع سابق.
(٥) ابن أبي شيبة (٢/ ١٢٤)، مرجع سابق.
(٦) البخاري (٤/ ١٩٢٠) .
(٧) وانظر بحثا تحليليا وافيا عن (الحفظ) في كتاب الباحث: تلقي النبي ﷺ ألفاظ القران الكريم ص ٢٣٢، مرجع سابق.
[ ١٩٧ ]
المفاضلة بين القراءة نظرا وبين القراءة عن ظهر قلب:
دل سؤال النبي ﷺ له بقوله: أتقرأهن عن ظهر قلبك؟ على فضل القراءة عن ظهر قلب لأنها أمكن في التوصل إلى التعليم، «والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والاشخاص» «١» لمن كان قد حفظ عن ظهر قلب أما التفضيل بين حافظ وغير حافظ فظاهر، وقد قال أبو أمامة في تفضيل الحفظ عن ظهر قلب: «اقرأوا القران ولا تغرنكم هذه المصاحف المعلقة فإن الله لا يعذب قلبا وعى القران» «٢»، ويناسب هذا الحديث الموقوف حديث عقبة ابن عامر المرفوع
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو جعل القران في إهاب ثم ألقي في النار ما احترق» «٣»، وكان مصطلح القراء أو قرأة القران يرد في الحافظ له عن ظهر قلب، ومثله مصطلح حملة القران، وأهل القران، وصاحب القران.
القراءة (السماع) نظرا هي المطلوبة حال عرض التلاميذ:
لا شك أن القراءة نظرا أكثر تثبيتا، وأدعى للطمأنينة على المحفوظ وأسلم من الغلط، وهي المطلوبة للمقرئ حال عرض الاخرين عليه كما في حديث قيس ابن مروان قال: جاء رجل إلى عمر وهو بعرفة فقال: يا أمير المؤمنين جئت من الكوفة وتركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلب قال: فغضب عمر وانتفخ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرحل. فقال: ويحك! من هو؟ فقال: عبد الله بن مسعود فما زال عمر يطفئ ويسري عنه الغضب حتى عاد إلى حاله التي كان عليها.
_________________
(١) فتح الباري (٩/ ٨٠)، مرجع سابق.
(٢) أخرجه ابن أبي داود بإسناد صحيح كما في فتح الباري (٩/ ٨٠)، مرجع سابق.
(٣) الدارمي (٢/ ٥٢٢)، أبو يعلى (٣/ ٢٨٤)، الطبراني في الكبير (٦/ ١٧٢)، مراجع سابقة، وانظر: مجمع الزوائد (٧/ ١٥٨)، مرجع سابق.
[ ١٩٨ ]
فقال: ويحك والله ما أعلمه بقي أحد من الناس هو أحق بذلك منه وذكر الحديث «١»، ولكن الحديث دال أيضا عن منزلة القراءة عن ظهر قلب، ومكانتها وأفضليتها، ولذا لا يقدر على القيام بها حق القيام إلا الخاصة، فتفضيل القراءة نظرا على القراءة عن ظهر قلب إنما هو لمن حفظ ابتداء، ولذا لم يخل أحد من الحفاظ من مصحف يقرأ فيه القران نظرا فقد كان لأبي موسى ﵁ مصحف وكان يسميه لباب الفؤاد، وكان لعائشة رحمة الله عليها مصحف وكانت تسميه المجيد «٢»، وكان لعلي مصحف، وكذلك لأبي وابن مسعود وابن عمر «٣»
تعاضد القراءة عن ظهر قلب والقراءة من المصحف على حفظ القران الكريم:
على أن الأمرين مطلوبان فقد كانت وسيلتا الحفظ للكتاب الكريم هما الحفظ في الصدور والحفظ في السطور، ولذا لن يرفع القران حتى يرفع من هذين الأمرين فعن ابن مسعود ﵁ قال: «لينتزعن هذا القران من بين أظهركم» قلت: يا أبا عبد الرحمن! كيف ينتزع وقد أثبتناه في مصاحفنا؟ قال: يسري عليه في ليلة فلا يبقى في قلب عبد ولا مصحف منه شيء ويصبح الناس فقراء كالبهائم ثم قرأ عبد
_________________
(١) رواه النسائي في السنن الكبرى (٥/ ٧١) .
(٢) (ابن أبي عاصم) أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الشيباني أبو بكر ت ٢٨٧ هـ: الزهد ص ٣٨٧، تحقيق: عبد العلي عبد الحميد حامد، دار الريان للتراث، القاهرة، ١٤٠٨ هـ، ط ٢.
(٣) والمصاحف مصاحف! يعرف كل من يسمع هذه اللفظة (مصاحف) أنها نسخ لكتاب واحد، حتى لو اختلف فيها ترتيب السور فكيف استحالت إلى قرائين مختلفة؟ كما يقرر ذلك صاحب كتاب (حقيقة مصحف فاطمة)؟ وكيف استحالت جريمة اختلاق مصحف مختلف عن القران الكريم لفاطمة الزهراء منقبة عظيمة، ووجود نسخ من القران عند الصحابة مثلبة؟ إلا بعسف القول، وسوء النتيجة المبيتة مسبقا انظر للاطلاع على كلام المذكور: أكرم بركات العاملي: حقيقة مصحف فاطمة عند الشيعة، دار الصفوى، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٧ م-.
[ ١٩٩ ]
الله وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا (الإسراء: ٨٦) «١» .
من حكم نسيان رسول الله ﷺ عند القراءة:
كان ﷺ ينسّى بعد التبليغ ليطمأنّ إلى حفظ الصحابة ﵃، واستظهارهم لما بلغهم به من القران، ويشجعهم على الفتح عليه فعن المسور بن يزيد المالكي قال: شهدت رسول الله ﷺ يقرأ في الصلاة فترك شيئا لم يقرأه فقال له رجل: يا رسول الله؟ تركت اية كذا وكذا فقال رسول الله ﷺ: «هلا أذكر تنيها» «٢»، وعن عبد الله بن عمر ﵁ أن النبي ﷺ صلّى صلاة فقرأ فيها فلبس عليه فلما انصرف قال لأبي: «أصليت معنا؟» قال: نعم! قال: فما منعك؟ «٣» وأما ما روي عن علي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «يا علي لا تفتح على الإمام في الصلاة» «٤» فضعيف.
الحث على استظهار أقل فرض الكفاية:
وكان ﷺ يحثهم على حفظ أقل قدر عن ظهر قلب، ويرمز إلى من تقاصر عند ذلك بالذم ما دام مستطيعا فعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله:
ﷺ: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القران كالبيت الخرب» «٥» .
_________________
(١) الطبراني في الكبير (٩/ ١٤١)، مرجع سابق.
(٢) أبو داود (١/ ٢٣٨)، مرجع سابق.
(٣) أبو داود (١/ ٢٣٨)، مرجع سابق.
(٤) أبو داود (١/ ٢٣٩)، مرجع سابق، وفيه: «قال أبو داود أبو إسحاق لم يسمع من الحرث إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها» .
(٥) الترمذي (٥/ ١٧٧)، مرجع سابق، وقال: «هذا حديث حسن صحيح» .
[ ٢٠٠ ]
وكان الصحابة ﵃ يتفاضلون في مقدار أخذهم للقران، وحفظهم له غيبا فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول أيهم أكثر أخذا للقران فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة»، وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم «١»، وفي رواية: «فكان يقول: انظروا أكثر هؤلاء جمعا للقران فاجعلوه أمام أصحابه» .
القراءة عن ظهر قلب من خصائص الأمة، تتميز بها عن أهل الكتاب:
ولذا طرح أهل العلم مسألة مهمة في هذا الباب، وهي: هل تجوز القراءة من المصحف حال الصلاة؟ والجواب جاءت الكراهة عن البعض كإبراهيم النخعي، ومجاهد، وحماد الشعبي لا لذاته بل كراهة أن يتشبهوا بأهل الكتاب «٢» .
وعن قتادة عن الحسن أنه كرهه وقال: هكذا تفعل النصارى «٣»، والصحيح جوازها ولذا بوب البخاري: «باب إمامة العبد والمولى وكانت عائشة يؤمها عبد ها ذكوان من المصحف» «٤»، وعن القاسم قال: كان يؤم عائشة عبد يقرأ في المصحف «٥»، وذكر أبو بكر بن أبي مليكة أن عائشة أعتقت غلاما لها عن دبر فكان يؤمها في رمضان في المصحف، والترخيص فيه جاء عن الحكم والحسن ومحمد وعطاء، وعن الحسن قال لا بأس أن يؤم في المصحف إذا لم يجد يعني من يقرأ ظاهرا، وعن ثابت البناني قال: كان أنس يصلي وغلامه يمسك المصحف
_________________
(١) البخاري (١/ ٤٥٠)، مرجع سابق.
(٢) انظر القائلين بذلك في ابن أبي شيبة (٢/ ١٢٤، ١٢٣)، مرجع سابق.
(٣) ابن أبي شيبة (٢/ ١٢٤)، مرجع سابق.
(٤) صحيح البخاري (١/ ٢٤٥)، مرجع سابق.
(٥) ابن أبي شيبة (٢/ ١٢٣)، مرجع سابق.
[ ٢٠١ ]
خلفه فإذا تعايا في اية فتح عليه «١»، وإنما ذكرنا هذه المسألة لتستبين منزلة القراءة عن ظهر قلب.
المطلب الثالث: التعاهد (المراجعة):
وكان النبي ﷺ يعلمهم ضرورة مراجعة المحفوظ من القران الكريم، وتعاهده ويشتد في ذلك حتى يضرب لهم الأمثال، ويحددلهم الوقت النموذجي المناسب للمراجعة الحقيقية للفظ القران الكريم، ويتجلى ذلك فيما يلي:
أولا: أمرهم بتعاهده ومراجعته مطلقا ليلا أو نهارا:
١- فعن عقبة بن عامر ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «تعلّموا كتاب الله تعالى وتعاهدوه واقتنوه وتغنّوا به فو الّذي نفسي بيده لهو أشدّ تفلّتا من المخاض في العقل» «٢» وقد أشار النبي ﷺ إلى المراجعة في الحديث بقوله (تعاهدوه) بعد قوله (تعلموا)؛ إذ لولا ذلك لرجح أن يكون معناها مجرد النظر فيه، وعدم الانقطاع عنه «فيقول لهم (تعاهدوا القران) أي داوموا على تكراره ودرسه لئلا تنسوه، فتعاهد الشيء محافظته، وتجديد العهد به والمراد منه الأمر بالمواظبة على تلاوته والمداومة على تكراره ودرسه» «٣»، ثم أكد أن المراد هو مراجعته بعد حفظه فقال: «فو الذي نفسي بيده» أي بقدرته وتصرفه «لهو أشد تفصيا» أي أسرع تفصيا وتخلصا وذهابا وانقلابا وخروجا من قلوب الرجال يعني حفظته «من الإبل من عقلها» جمع عقال أي لهو أشد ذهابا من الإبل إذا تخلصت
_________________
(١) ابن أبي شيبة (٢/ ١٢٣)، مرجع سابق.
(٢) ابن حبان (١/ ٣٢٥)، أحمد (٤/ ١٥٣)، أبو عوانة (١/ ٥١٥)، الدارمي (٢/ ٥٣١)، النسائي في الكبرى (٥/ ١٨) .
(٣) فيض القدير (٣/ ٢٤٩)، مرجع سابق.
[ ٢٠٢ ]
من العقال فإنها تفلت حتى لا تكاد تلحق شبه القران وكونه محفوظا على ظهر قلب بالإبل الابدة النافرة وقد عقل عقلها وشد بذراعيها بالحبل المتين، وذلك أن القران ليس من كلام البشر بل من كلام خالق القوى والقدر، وليس بينه وبين البشر مناسبة قريبة، والله سبحانه بلطفه العميم منحهم هذه النعم العظيمة ويسرها لهم فينبغي تعاهده بالحفظ «١» .
وكان عقبة بن عامر يأمر بمقتضى هذا الحديث حفظة كتاب الله من المسلمين، وسائر المسلمين كأنه من أمره ومن نتاج تجربته لأهميته فكان يقول هذا الحديث موقوفا «٢» وذلك كما أنه أحيانا كان يرفعه.
وقد انتشر هذا الحديث فأضحى معلما من معالم حفظ القران البدهية حيث جاء هذا الحديث عن غير عقبة بن عامر- خاصة عن أئمة الإقراء- فعن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ: «تعاهدوا القران فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من صدور الرجال من الإبل المعقلة إلى أعطانها» «٣» ومثله عن أبي موسى «٤»، وعن شقيق قال: قال عبد الله بن مسعود: تعاهدوا هذه المصاحف وربّما قال القران فلهو أشدّ تفصّيا من صدور الرّجال من النّعم من عقله قال وقال رسول الله ﷺ: «لا يقل أحدكم نسيت اية كيت وكيت بل هو نسّي» «٥»، وفي رواية: «تعاهدوا القران فإنه وحشي» «٦»، وقد رفعه ووقفه كعقبة بن عامر.
_________________
(١) فيض القدير (٣/ ٢٤٩)، مرجع سابق.
(٢) فيض القدير (٣/ ٢٤٩)، مرجع سابق.
(٣) المختارة (٥/ ٢٥١) .
(٤) البخاري (٤/ ١٩٢١) .
(٥) أحمد (١/ ٤٢٣)، سعيد بن منصور (١/ ٧٦) .
(٦) الحاكم (١/ ٧٣٩)، عبد الرزاق (٣/ ٣٥٩)، مرجعان سابقان.
[ ٢٠٣ ]
ثانيا: ضرب لهم الأمثال المحسوسة لتدلهم على ضرورة المراجعة:
فعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما مثل صاحب القران كمثل الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت» «١» .
فذكر النبي ﷺ مراجعة القران وقرنها بلفظ المصاحبة بين القران وبين حامله «ليبين ضرورة وجود ألفة دائمة بينهما، ينتفي فيها الهجران، لأن الصاحب هو الذي ألفه كما تقدم في تحرير المصطلح»، وقوله: «المعقلة بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد القاف أي المشدودة بالعقال وهو الحبل الذي يشد في ركبة البعير» «٢»، فشبه درس القران واستمرار تلاوته، وديمومة مراجعته بربط البعير الذي يخشى منه الشراد فما زال التعاهد موجودا فالحفظ موجود كما أن البعير ما دام مشدودا بالعقال فهو محفوظ، وخص الإبل بالذكر لأنها أشد الحيوان الإنسي نفورا وفي تحصيلها بعد استمكان نفورها صعوبة قوله أن عاهد عليها أمسكها أي استمر إمساكه لها وفي رواية أيوب عن نافع عند مسلم: «فإن عقلها حفظها وأن أطلقها ذهبت» أي انفلتت «٣» .
ثالثا: منعهم من الألفاظ التي تكون نفسية متساهلة مع عدم مراجعة القران:
فكره لهم قول نسيت اية كذا وعلمهم جواز قول أنسيتها، وأسقطتها فعن عبد الله قال: قال النّبيّ ﷺ: «بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت اية كيت وكيت بل نسّي واستذكروا القران فإنّه أشدّ تفصّيا من صدور الرّجال من النّعم» «٤»،
_________________
(١) البخاري (٤/ ١٩٢٠)، مسلم (١/ ٥٤٣)، مرجعان سابقان.
(٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري (٩/ ٨٠)، مرجع سابق.
(٣) فتح الباري شرح صحيح البخاري (٩/ ٨٠)، مرجع سابق.
(٤) مسلم ١/ ٥٤٤، النسائي في الكبرى (١/ ٣٢٧)، أحمد (١/ ٤١٧)، مراجع سابقة.
[ ٢٠٤ ]
وعن عائشة أن النبي ﷺ سمع رجلا يقرأ من الليل فقال: «يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا اية كنت أسقطتها» ولفظ البخاري «أنسيتها من سورة كذا وكذا» «١»، ففي هذه التعاليم المتقدمة «كراهة قول نسيت اية كذا وهي كراهة تنزيه، وأنه لا يكره قول أنسيتها، وإنما نهي عن نسيتها لأنه يتضمن التساهل فيها والتغافل عنها، وقد قال ﷾: أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها (طه: ١٢٦)، واللغة ليست أداة للتعبير بل هي وعاء للتفكير أيضا «٢»، وقال القاضي عياض: «أولى ما يتأول عليه الحديث أن معناه ذم الحال لا ذم القول أي نسيت الحالة حالة من حفظ القران فغافل عنه حتى نسيه» «٣» .
رابعا: رهبهم النبي ﷺ من نسيانه «٤»:
فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من أمير عشرة إلا جيء به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى يطلقه الحق أو يوثقه ومن تعلم القران ثم نسيه لقي الله تعالى وهو أجذم» «٥» .
خامسا: جعل الشرع قلة تعاهده ومراجعته جفاء، وهجرا:
فالهجر كما قال ﷻ: وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (الفرقان: ٣٠)، وعلمهم النبي ﷺ أن ذلك منهي عنه في قوله: «اقرؤوا القران، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به، ولا تجفوا عنه »، والمراد تعاهدوه
_________________
(١) البخاري (٤/ ١٩٢٩)، مسلم (١/ ٥٤٣) واللفظ له، مرجعان سابقان.
(٢) انظر: نحو تقويم جديد للكتابة العربية (المقدمة)، كتاب الأمة رقم ٦٩.
(٣) نقل هذا القول عنه النووي في شرح مسلم (٦/ ٧٦)، والمباركفوري في تحفة الأحوذي (٨/ ٧٦)، مرجعان سابقان.
(٤) أشار الؤلف لهذا البند إشارة؛ اكتفاء بما ذكره في إثبات قبول هذه الأحاديث، ومدلولها في كتاب تلقي النبي ﷺ ص ٢٤٥، مرجع سابق، وخشية من التكرار.
(٥) مجمع الزوائد (٧/ ١٦٦)، مرجع سابق، وقال: «رواه عبد الله بن أحمد ورجاله ثقات وفي بعضهم خلاف» .
[ ٢٠٥ ]
ولا تبعدوا عن تلاوته بأن تتركوا قراءته وتشتغلوا بتفسيره وتأويله، ولذا قيل:
«اشتغل بالعلم بحيث لا يمنعك عن العمل، واشتغل بالعمل بحيث لا يمنعك عن العلم وحاصله: أن كلا من طرفي الإفراط والتفريط مذموم، والمحمود هو الوسط العدل المطابق لحاله» «١» .
سادسا: علمهم النبي ﷺ كيفية مراجعته:
بأن يقرأه بالليل والنهار فقال: «إذا قام صاحب القران فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإن لم يقم به نسيه» «٢»، وقال ﷺ: «مثل القران إذا عاهد عليه صاحبه فقرأه باللّيل والنّهار كمثل رجل له إبل فإن عقلها حفظها وإن أطلق عقلها ذهبت فكذلك صاحب القران» «٣»، وبيان هذه الكيفية: أن يراجع حزبه بالنهار، ويقوم به في صلاة الليل كما طبق ذلك الصحابة ﵃، فعن خيثمة قال:
انتهيت إليه- أي عبد الله بن عمرو- وهو يقرأ في المصحف فقال: هذا حزبي الذي أريد أن أقوم به الليلة «٤» .
سابعا: الوقت النموذجي للمراجعة:
حدد ﷺ لهم الوقت النموذجي للمراجعة وهو الليل، وأفضل ذاك أن يقوم الإنسان الليل بما حفظه، أو بما قرأه نظرا في نهاره كما في قوله تعالى:
_________________
(١) عون المعبود (١٣/ ٣٢)، مرجع سابق.
(٢) رواه مسلم (١/ ٥٣٦)، وللضرورة أنقل ما ذكر في كتاب التلقي في هذا الموضع: «وقوله (لم يقم به) تحتمل معنى قيام الليل، وتحتمل معنى العمل به»، وقد قال المباركفوري في معنى قول الصحابي يخاطب رسول الله ﷺ: (ألاأقوم بها): كما في تحفة الأحوذي (٨/ ١٥٠)، مرجع سابق: «أي في صلاة الليل» .
(٣) البخاري (٤/ ١٩٢٠)، مسلم (١/ ٥٤٣)، ابن حبان (٣/ ٤٢)، مراجع سابقة.
(٤) ابن أبي شيبة (٢/ ٢٤٠)، مرجع سابق.
[ ٢٠٦ ]
إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا (المزمل: ٦- ٧) فتحديد هذا الوقت هو تسلسل لمنهجية الإقراء فقد أمره الله ﷾ بهذا الوقت للمراجعة ورغبه فيه، ثم أمر هو أصحابه به، ورغبهم فيه فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «تعلّموا القران واقرؤه وارقدوا فإنّ مثل القران ومن تعلّمه فقام به كمثل جراب محشوّ مسكا يفوح ريحه كلّ مكان ومثل من تعلّمه فرقد وهو في جوفه كمثل جراب أو كي على مسك» «١» .
وقد أشار النبي ﷺ للمراجعة والتعاهد في هذا الحديث بقوله: «واقرؤه» بعد قوله «تعلموا القران» فلا يكون معنى الأمر بالقراءة بعد الأمر بالتعلم إلا معنى المراجعة.
وهذه المراجعة من اللوازم في حياة المسلم بحيث لا ينبغي لحافظ القران قبل إن يراجع القران أن ينام، فقوله «فقام به» أي تشمر لأداء حقه قراءة وعملا، ثم شبه المراجع للقران في وقته النموذجي، وهو قيام الليل بما يرفعه وينفعه، وهو قوله «كمثل جراب محشوّ مسكا يفوح ريحه كلّ مكان» لكأن حافظ القران المراجع له في قيام الليل وعاء مملوء بالمسك الفواح
وفي ذلك إيماء إلى أن بركات القران وبصائره ونوره لا تنال إلا بذلك وإلا فلم التعنّي؟ وأما من رقد أي غفل ونام «كمثل جراب أوكي على مسك»، والمعنى أنه ملأه مسكا وربط فمه على المسك أي لأجله
وهذا مثال على البله وسفه العقل، فإنما يراد المسك لتشم الرائحة الطيبة من صاحبه، وهذا منعها أن تفوح.
_________________
(١) ابن ماجة ١/ ٧٣، مرجع سابق.
[ ٢٠٧ ]
وبذا تحدد أن الوقت النموذجي للمراجعة هو ناشئة الليل:
وناشئة الليل هي «أوقاته وساعاته لأن أوقاته تنشأ أولا فأولا» «١»، فالوقت النموذجي للمراجعة من الحفظ هو الليل، وأحسن ذلك أن يكون في قيام الليل، ويمكن أن يكون من أول الليل أي يبدأ بما بعد المغرب فقد كان علي بن الحسين يصلي بين المغرب والعشاء ويقول: «هذا ناشئة الليل» «٢»، وإن كان أول الليل يفضل لمن لا يوقن من نفسه القيام في اخره، كما قال ابن عباس: «كانت صلاتهم أول الليل، وذلك أن الإنسان إذا نام لا يدري متى يستيقظ» «٣» . ولذا كان من دلائل هذه الاية أن الله ﷻ بين فيها «فضل صلاة الليل على صلاة النهار، وأن الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن أعظم للأجر وأجلب للثواب» «٤» .
حكمة اختيار هذا الوقت:
ظهرت في الاية حكمة اختيار هذا الوقت ليكون أنسب لمراجعة القران الكريم، وهي:
١- أنه أشد وطأ: أي أن العمل فيه يكون أثقل على النفس «من قولك اشتدت على القوم وطأة سلطانهم» أي ثقل عليهم ما حملهم من المؤن، وإذا ثقل العمل في هذا الوقت، فإنه يكون وقتا نموذجيا لمجاهدة النفس ومعاركتها، فإذا دربت سهل قيادها، ولذا فلا ينافي هذا ما قاله عكرمة: «عبادة الليل أتم نشاطا، وأتم إخلاصا، وأكثر بركة»، لأن عكرمة ﵀ أراد باعتبار المال، وهذا على قراءة وطأ «٥» .
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٩/ ٣٩)، مرجع سابق.
(٢) تفسير القرطبي (١٩/ ٤٠)، مرجع سابق، وانظر: مختار الصحاح ص ٢٧٤، مرجع سابق.
(٣) تفسير القرطبي (١٩/ ٤٠)، مرجع سابق.
(٤) تفسير القرطبي (١٩/ ٤٠)، مرجع سابق.
(٥) فيها قراءتان متناقلتان: وطاء لابن عامر وأبي عمرو، وطا لبقية السبعة انظر: الشاطبية ص ١٤٤، مرجع سابق عند قول الناظم: ووطأ وطاء فاكسروه كما حكوا من سورة المزمل.
[ ٢٠٨ ]
٢- أنه أشد موافقة بين القلب والسمع واللسان: لانقطاع الأصوات والحركات، وهذا على قراءة من مد فهو مصدر واطأت وطاء، فيواطىء السمع القلب في الليل، ومنه قول الله ﷻ: لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ (التوبة: ٣٧) أي ليوافقوا، وفائدة ذلك من جهة اللفظ: رسوخ اللفظ وثبوته، واستقامة الحفظ فلا يزيغ وذلك أنه لا يعرض له حوائج «١»، وكذا إن قرأ نظرا في النهار ثم أعاده في الليل: فيتواطأ (يتوافق) عند ذلك البصر والسمع والقلب فعن مجاهد قال: تواطؤ سمعك وبصرك وقلبك، فهي أجدر أن يتواطأ لك فيها سمعك وبصرك «٢»، ثم أكد على شدة الاشتغال في النهار فقال: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا (المزمل: ٧) أي تصرفا في حوائجك وإقبالا وإدبارا وذهابا ومجيئا «٣» ..
٣- كما أن العمل بالليل «أشد ثباتا من النهار» «٤»، فإن مراجعة القران تحتاج إلى الديمومة والتعاهد، وهذا في الليل أسهل منه في النهار" فإن الليل يخلو فيه الإنسان بما يعمله فيكون ذلك أثبت للعمل، وأنفى لما يلهي ويشغل القلب فأشد وطئا أي أشد نشاطا للمصلي، وأثبت للقراءة، وهذا هو معنى قوله ﷾: وَأَقْوَمُ قِيلًا (المزمل: ٦) أي أصوب للقراءة، وأثبت للقول لأنه زمان التفهم، أو أشد استقامة لفراغ البال بالليل، أو أجدر أن يتفقه في القران «٥» .
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٩/ ١٣٠)، مرجع سابق.
(٢) تفسير الطبري (٢٩/ ١٣٠)، مرجع سابق.
(٣) تفسير القرطبي (١٩/ ٤٢)، مرجع سابق، وانظر: الجلالين ص ٧٧٣، مرجع سابق.
(٤) تفسير القرطبي (١٩/ ٤١)، مرجع سابق.
(٥) انظر: تفسير القرطبي (١٩/ ٤١)، مرجع سابق.
[ ٢٠٩ ]
قضاء الحزب الليلي:
إذا فات الورد الليلي فينبغي له أن يقضيه في النهار؛ إذ قد ذهب البعض إلى أن معنى «السبح الفراغ أي إن لك فراغا طويلا للحاجات بالنهار» ومنه قال الزجاج: «إن فاتك في الليل شيء فلك في النهار فراغ الاستدراك» «١»، وكذلك كان النبي ﷺ يعلم أصحابه: فعن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: «من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل» «٢»، وكذلك كانت سنته العملية فعن عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا عمل عملا أثبته وكان إذا نام من الليل أو مرض صلّى من النهار ثنتي عشرة ركعة» «٣» .
وعلمهم النبي ﷺ أن يضبطوا هيئات التعامل مع النفس الإنسانية المتغيرة:
بحيث لا تخل بالحفظ اليومي: فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لهذا القران شرة، وللناس عنه فترة، فمن كانت فترته إلى القصد فنعما هي، ومن كانت فترته إلى الأرض فأولئك هم قوم بور» «٤»، وعنه ﵁ عن رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القران على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع» «٥»، ولا ينبغي أن يحول شيء بين المرء وبين إكمال حزبه
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٩/ ٤٢)، مرجع سابق.
(٢) مسلم (١/ ٥١٥)، مرجع سابق.
(٣) مسلم (١/ ٥١٥)، مرجع سابق.
(٤) قال في مجمع الزوائد (٧/ ١٦٨)، مرجع سابق: «أبو يعلى وفيه أبو معشر نجيح وهو ضعيف يعتبر بحديثه» .
(٥) مسلم (١/ ٥٤٣)، مرجع سابق.
[ ٢١٠ ]
فيقرؤه ولو مضطجعا كما قال ﷻ: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ (ال عمران: ١٩١)، والقران أعظم الذكر، وعن الأسود عن عائشة قالت: «إني لأقرأ حزبي أو عامة حزبي وأنا مضطجعة على فراشي» «١» .
وقد علّموا كيفية السؤال عن اية نسيت فعن ابن مسعود ﵁: «إذا سأل أحدكم صاحبه كيف يقرأ اية كذا وكذا فليسأله عما قبلها» «٢» .
المطلب الرابع: تعليمهم مقدار الورد اليومي:
علم النبي ﷺ أصحابه ﵃ مقدار الورد اليومي سواء كان هذا الورد حفظا أو مراجعة أو كان قراءة من المصحف فلا يتخلف عنه الإنسان، كما حدد أقل المطلوب وأكثر المطلوب
ورد الحفظ الجديد عن ظهر قلب:
فكانوا يتعلمون القران من النبي ﷺ حفظا عن ظهر قلب خمسا خمسا كمقتضى تلقائي من مقتضيات التنزيل المفرق، فقد قال عمر ﵁: تعلموا القران خمسا خمسا فإن جبريل ﵇ نزل بالقران على النبي ﷺ خمسا خمسا، وقد قال بعض أهل العلم: من تعلم خمسا خمسا لم ينسه «٣»، وعن أبي نضرة قال: كان أبو سعيد الخدري ﵁ يعلمنا القران خمس ايات بالغداة، وخمس ايات بالعشي ويخبر أن جبريل ﵇ نزل بالقران خمس ايات خمس ايات «٤»
_________________
(١) ابن أبي شيبة ٢/ ١٢٤، مرجع سابق.
(٢) عبد الرزاق ٣/ ٣٦٥، مرجع سابق.
(٣) شعب الإيمان ٢/ ٣٣١، مرجع سابق.
(٤) الإتقان ١/ ١٢٤، مرجع سابق.
[ ٢١١ ]
وأخذه النبي ﷺ خمسا خمسا «أي تلقنه منه» «١»، وروي مرسلا من قول أبي العالية: تعلموا القران خمس ايات خمس ايات فإن رسول الله ﷺ كان يأخذه خمسا خمسا، وكان أبو عبد الرحمن السلمي يعلم خمسا خمسا «٢» . وقد تكون كمية المتعلّم عشرا عشرا، ويسمى (المعشر) كما جاء عن أبي عبد الرّحمن قال:
حدّثنا من كان يقرئنا من أصحاب النّبيّ ﷺ أنّهم كانوا يقترئون من رسول الله ﷺ عشر ايات فلا يأخذون في العشر الاخرى حتّى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل قالوا: فعلمنا العلم والعمل «٣»، وعن شريك أنه قال: كنا نعلم ما أنزل في هذا العشر من العلم «٤» .
ويحمل الفرق بين الكميتين على اختلاف الأشخاص، أو على اختلاف الأحوال.
و(العشرة) من المناسب الملائم الذي يعتبر فيه نوع الوصف وهو تحديد العشرة في نوع الحكم وهو حفظ القران «٥»:
فقد ورد كثيرا في مجال حفظ القران الكريم باعتباره المتوسط الذي يراعي الفروق الفردية، وباعتبار أمر اخر هو مواكبة العمل والعلم بالمعاني للمحفوظ فقد ورد هذا العدد في الذي يحفظه الإنسان من سورة الكهف اتقاء للدجال فعن أبي الدّرداء أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من حفظ عشر ايات من أوّل سورة الكهف عصم من الدّجّال» «٦»، والايات التي نزلت في عائشة عشر «٧» .
_________________
(١) فيض القدير (٥/ ١٩٣)، مرجع سابق.
(٢) ابن أبي شيبة (٦/ ١١٧)، مرجع سابق.
(٣) أحمد (٥/ ٤١٠)، مرجع سابق.
(٤) شعب الإيمان (٢/ ٣٣١)، مرجع سابق.
(٥) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ص ٣٦٩.
(٦) مسلم (١/ ٥٥٥)، الحاكم (٢/ ٣٩٩)، أبو داود (٤/ ١١٧)، مراجع سابقة.
(٧) البخاري ٤/ ١٧٢٩، مسلم ٤/ ٢١٣٦، ابن حبان ١٠/ ٢٠، مراجع سابقة.
[ ٢١٢ ]
وكانت الايات تنزل عليه في الغالب بهذا المقدار فيتلقفها الصحابة يحفظونها فعن عبد الرّحمن بن عبد القاريّ قال: سمعت عمر بن الخطّاب ﵁ يقول: كان النّبيّ ﷺ إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدويّ النّحل فأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فسرّي عنه فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال: «اللهمّ زدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنّا وأعطنا ولا تحرمنا واثرنا ولا تؤثر علينا وارضنا وارض عنّا» ثمّ قال ﷺ: «أنزل عليّ عشر ايات من أقامهنّ دخل الجنّة ثمّ قرأ قد أفلح المؤمنون حتّى ختم عشر ايات» «١»، فالعشر هي عادة النزول، ويبلغ بها ﷺ الناس فيتلقاها الناس حفظا وهو الغالب لقلة عدد الكتبة مقارنة بالحفظة.
التعشير:
ولأنهم كانوا يحفظون القران في الغالب عشرا عشرا فقد سموا ذلك التعشير، وسموا الورد اليومي منه المعشر، ثم إنهم صاروا يضعون علامة يدلون بها على المعشر السابق أو اللاحق في التعلم أو القراءة ولأن طريقة تعليم الصحابة ﵃ لمن بعدهم أخذت الطابع ذاته، ولأن كمية الايات قد استقرت في المصحف بانقضاء الوحي، وجمع الصحابة القران في موضع واحد فقد ذهب بعض تلاميذ الصحابة إلى وضع علامات تدل على المعشر، أي إلى تمييز الأعشار، وتسمى عند البعض (بالمأشر)، وقد ألّفت مؤلفات في أعشار القران فأقدم من ألف فيه قتادة بن دعامة السدسي ت ١١٨ هـ في كتاب سماه (أعشار القران) وألف مكي بن أبي طالب حموش كتاب (الاختلاف) في عدد الأعشار «٢» .
_________________
(١) الحاكم (١/ ٧١٧)، المختارة (١/ ٣٤٢)، الترمذي (٥/ ٣٢٦)، النسائي في الكبرى (١/ ٤٥٠)، أحمد (١/ ٣٤)، مراجع سابقة.
(٢) انظر: ابتسام مرهوان لصفار (دكتورة): معجم الدراسات القرانية ص ٢٧، ساعدت جامعة بغداد على نشره رقم تسلسل التعضيد ٤ لسنة ٨٣- ١٩٨٤ م.
[ ٢١٣ ]
ولكن هذا التحديد بالعشر لا يعني التزامه بدقة بل من أكثر فالله أكثر «١»، وكذا تحمل رواية خمسا؛ إذ الأصل أن هذا طاعة، فالطلبة فيه بحسب وسعهم، وحمل البعض الخمس والعشر على حالة التلقين «٢»، والصحيح أن ذلك يختلف من شخص لاخر.
كمية المراجعة:
كان النبي ﷺ يجعل العشر ايات أقل ما ينبغي أن يقرأه المسلم في مراجعته في الليل فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من قام بعشر ايات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة اية كتب من القانتين ومن قام بألف اية كتب من المقنطرين» «٣»، وكان الصحابة ﵃ يذكرون هذه الأحاديث موقوفة- مع أن لها حكم الرفع- دلالة على بدهية رفعها لأهميتها فعن تميم الدّاريّ ﵁ قال: «من قرأ عشر ايات في ليلة لم يكتب من الغافلين» «٤»، ولكنه ﷺ حثهم على المزيد، ورتب الشارع الحكيم على ذلك الأجور العظيمة كل بقدر مشقته، ليرد كل أناس مشربهم فعن تميم الدّاريّ وفضالة بن عبيد قالا:
_________________
(١) إشارة إلى حديث عبادة بن الصّامت حدّثهم أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا اتاه الله إيّاها أو صرف عنه من السّوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم فقال رجل من القوم إذا نكثر قال الله أكثر» رواه الترمذي (٥/ ٥٦٦)، مرجع سابق، وقال: «وهذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه» .
(٢) (النويري) أبو القاسم محمد بن محمد بن محمد: شرح طيبة النشر في القراات العشر (٢/ ٤٧)، تحقيق وتعليق: عبد الفتاح السيد سليمان أبو سنه خبير التحقيق بمجمع البحوث الإسلامية، مراجعة لجنة إحياء التراث الإسلامي، بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، ١٤٠٦ هـ- ١٩٨٦ م.
(٣) أبو داود (٢/ ٥٧)، ابن خزيمة (٢/ ١٨١)، مرجعان سابقان.
(٤) الدارمي (٢/ ٥٥٤)، مرجع سابق.
[ ٢١٤ ]
من قرأ بعشر ايات في ليلة كتب من المصلّين «١»، وعن ابن عمر ﵄ قال: «من قرأ في ليلة عشر ايات لم يكتب من الغافلين ومن قرأ في ليلة بمائة اية كتب من القانتين ومن قرأ بمائتي اية كتب من الفائزين» «٢» وعن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: «من قرأ في ليلة عشر ايات كتب من الذّاكرين، ومن قرأ بمائة اية كتب من القانتين، ومن قرأ بخمس مائة اية إلى الألف أصبح وله قنطار من الأجر قيل وما القنطار قال ملء مسك الثّور ذهبا» «٣»، وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ عشر ايات في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة اية كتب له قنوت ليلة، ومن قرأ مائتي اية كتب من القانتين، ومن قرأ أربعمائة اية كتب من العابدين، ومن قرأ خمسمائة اية كتب من الحافظين، ومن قرأ ستمائة اية كتب من الخاشعين، ومن قرأ ثمانمائة اية كتب من المخبتين، ومن قرأ ألف اية أصبح له قنطار، والقنطار ألف ومائتا أوقية خير مما بين السماء والأرض قال خير مما طلعت عليه الشمس ومن قرأ ألفي اية كان من الموجبين» «٤»، وعن عبادة بن الصامت ﵁ مثله «٥» .
ونلحظ أن من دلالة الإشارة للتفريق بين الايات هنا أن قد رسخ في ذهن الحفاظ وغيرهم كمال السورة ومقدارها ومواضع الايات، فيستبينون أنها طويلة أو قصيرة ولا شك أن لهذا دلالته في حفظ القران الكريم.
_________________
(١) الدارمي (٢/ ٥٥٥)، مرجع سابق.
(٢) الدارمي (٢/ ٥٥٥)، مرجع سابق.
(٣) الدارمي (٢/ ٥٥٧)، مرجع سابق.
(٤) مسند الشاميين (٢/ ٤٤)، الطبراني في الكبير (٨/ ١٨٠)، مرجعان سابقان، وقال في مجمع الزوائد (٢/ ٢٦٧)، مرجع سابق: «رواه الطبراني في الكبير وفيه يحيى بن عقبة بن أبي العيزار وهو ضعيف» .
(٥) المختارة ٨/ ٢٧٨، مرجع سابق.
[ ٢١٥ ]
المبحث الثاني: تعليمه ﷺ ماهية التجويد وحكمه:
يناقش هذا المبحث حقيقة التجويد، ومدى تعليم النبي ﷺ له، والمصطلحات التي كانت تطلق عليه في العهد النبوي والقرون المفضلة، ويصل من ذلك إلى حكمه الشرعي، ومدى تطبيق المسلمين على مختلف الأعصر لهذا الحكم..
ولتحقيق مقصد المبحث فقد انقسم إلى ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الأصول الشرعية لعلم التجويد.
المطلب الثاني: مكونات علم التجويد- كما علمها النبي ﷺ-.
المطلب الثالث: حكم تعلم أحكام التجويد كما علمه النبي ﷺ.
المطلب الأول: الأصول الشرعية لعلم التجويد:
دل على التجويد في عصر النبي ﷺ وأصحابه مصطلحات أخرى غير هذا المصطلح (التجويد) مثل: الترتيل، والتحسين، والتزيين، والتحبير، والترجيع.
وهذه المصطلحات- كما سنرى من كيفية تعليمها من النبي ﷺ لأصحابه إن شاء الله ﷿- تستخدم في وصف القراءة إذا جمعت مرتبتين في النطق: الإعراب للكلام (تبيينه وإظهاره في نطقه العربي الفصيح)، والزينة في الأداء باستخدام قواعد التزيين الصوتية العربية.
ولم يرد من هذه الكلمات الخمس في القران الكريم سوى كلمة الترتيل «١»، والبقية وردت في السنة النبوية، فقد كانت هذه الأصول هي المكونة لعلم التجويد التطبيقي.
_________________
(١) قال الله ﷾: وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (الفرقان: ٣٢)، وقال: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (المزمل: ٤) .
[ ٢١٦ ]
ومرد التقعيدات النظرية والتطبيقية في علم التجويد:
إلى أمرين يشكلان الأصلين الشرعيين لعلم التجويد في صورته التامة:
النصوص الشرعية، وقواعد اللغة العربية من حيث كون اللسان الذي نزل به القران عربيا، ومن حيث رجوع تلك القواعد إلى ما اختاره النقل الشرعي منها، أو يقال أخذت مادة علم التجويد الوضعي والتطبيقي من علمين: علم القراءة (المشافهة)، وعلم اللغة العربية، ولنأخذ في تفصيل ذلك:
الأصل الأول لعلم التجويد:
تعليمهم اللفظ القراني من حيث كونه نزل بلسان عربي مبين:
فيقرأ القران باللفظ العربي «١» المنقول في أصل لفظه أو في كيفية التصويت به ولكن على الصورة المنقولة بالمشافهة، إذ القراءة والأداء أمران يتعلقان باللفظ ويبنيان على وجوه اللغة.
وأول أجزاء المعاني التي منها يلتئم النطق هو الصوت ثم الصوت بتقطيع الهواء يصير حرفا، ثم عند جمع الحروف يصير كلمة ثم عند تعيين بعض الحروف المجتمعة على هيئة مخصوصة يصير لغة عربية، ثم بكيفية تقطيع الحروف يصير معربا، ثم بتعيين بعض وجوه الإعراب يصير قراءة منسوبة إلى الأحرف السبعة، ثم إذا صار كلمة عربية صحيحة معربة صارت دالة على معنى من المعاني فتتقاضى للتفسير الظاهر «٢» .
_________________
(١) لا نتناول ها هنا تفاصيل هذا الموضوع، من أنواع اللغات (اللهجات) العربية في القران فقد أفردوه بالتصنيف، قال أبو بكر الواسطي في كتابه الإرشاد في القراات العشر: «في القران من اللغات العربية خمسون لغة»، وانظر فيه: كتاب لغات القبائل الواردة في القران الكريم لأبي عبيد، وقد عدها السيوطي في الإتقان (٢/ ٤٧٦)، وحسب البحث تقرير الحقائق التعليمية في هذا الموضوع.
(٢) انظر: جواهر القران ص ٣٦، مرجع سابق.
[ ٢١٧ ]
فقد علمهم النبي ﷺ أن القران نزل بلسان عربي مبين: كما قال وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (الشعراء: ١٩٢- ١٩٥) فعربية القران: كالحوالة من الشارع لاستخدام قوانين العربية في تلاوة القران وكتابته من إعراب وبناء وتصريف وإظهار وإدغام وإمالة وتغليظ وتفخيم وترقيق وفتح وإسكان وتخفيف وتحقيق
لا من حيث العموم بل في إطار المتناقل.
وعلى هذا فالعربية أصل النطق بألفاظ القران الكريم، كما «هي أصل فهم القران ومجموعها متواتر، وفي أهميتها لإدراك كيفية قواعد التلفظ والتفهم قيل:
حفظ اللغات علينا فرض كفرض الصلاة
فليس يضبط دين إلا بحفظ اللغات»
«١» وقد كان لفظ القران الكريم ميسرا بلسانه ﷺ سهلا مذللا لتتم وظيفة التبليغ:
ودون ذلك التيسير لا يتم أداء هذه الوظيفة كما قال ﷻ: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ (مريم: ٩٧)، وكما قال ﷾: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (الدخان: ٥٨)، فقد كان يعلمهم كلاما عربيا بينا مظهرا باللسان، لا كلاما خفيا، فإن مدلول كلمة لسان يظهر أن النبي ﷺ علم أصحابه هيئة أداء اللفظ الداخلي والخارجي: فلا بد من أن تكون مبينة واضحة كما قال ﷻ: رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ (الطلاق: ١١) «أي في حال كونها بينة واضحة جلية» «٢»، وهذا يشمل اللفظ الخارجي والداخلي من الهيئات الصوتية الموغلة في الجزئية.
_________________
(١) نقل كلام الفارابي والبيتين الإمام السيوطي في المزهر (١/ ٣٠٢) .
(٢) ابن كثير (٤/ ٣٨٥)، مرجع سابق.
[ ٢١٨ ]
ولهذا أثره العظيم في بيان كيفية تلاوة القران الكريم في جهتين:
١- جهة صيرورة موافقة اللغة العربية ركنا من أركان القراءة المقبولة.
٢- جهة خضوع أداء ألفاظ القران الكريم لأحوال اللسان العربي الأدائية من إظهار وإدغام، وفتح وإمالة، وتخفيف وتثقيل، وتحريك وإسكان، وحذف وإثبات، ومد وقصر
وإذا كان هذا هو الأساس الأول لعلم التجويد وتقعيداته فلا يبحث في حكم التجويد بهذا المعنى- عند غالب المصنفين القدماء- لأنه أصل الكلام وتواتره بمعنى ثبوته يقينا قطعيا لا ارتياب فيه بدهي لأن التجويد هنا مخارج الحروف وصفاتها وهي التي تتكون منها ماهية الكلام العربي الفصيح مع ملحوظتين:
الأولى: أن المختلف فيه بين القراء في التجويد يرجع إلى أصول النطق العربي الفصيح أيضا مما فيه سعة كاختلاف كلمة بين الإظهار والإدغام.
الثانية: أن الزيادة على أصول الكلام العربي الفصيح في التجويد إنما هو في الترتيل والتزيين والتحسين الذي أمرنا به في القراءة، فأصول علم التجويد وقواعده إذن كانت موجودة في الكلام العربي يحرص عليها القراء ويعتمدون عليها في قراءتهم وإقرائهم، وإن لم تكن مدونة، شأنها في ذلك شأن قواعد النحو والصرف التي استنبطها علماء العربية في وقت لاحق.
ولذا فإن اختلاف القراء في إثبات بعض فروع علم التجويد الدقيقة:
مثل حكم الميم الساكنة عند الباء: هل هو الإخفاء أو الإظهار- على ثلاثة أقوال كما هو معلوم في مظانه «١» - يعزى إلى علم العربية، وذلك إذا كان ضمن
_________________
(١) انظر ذلك في: المفيد في شرح عمدة المجيد ص ١٣٤ عند قول الناظم: لكن مع البافي إبانتها وفي إخفائها رأيان مختلفان.
[ ٢١٩ ]
القياس الجائز في علم القراءة لا الممنوع، وهو ما يتعلق بهيئة الأداء الداخلية في مواضع محدودة.
الأصل الثاني لعلم التجويد: علم القراءة:
حيث كان هذا العلم هو الذي يحوي علم التجويد من الناحية التطبيقية.
كيفية تشكل علم التجويد من علم القراءة:
١- إن متعلم قراءة القران يقوم يقرأ على الشيخ فيلقنه الشيخ كيفية القراءة مطلقا أي ما تعلق منها بأصل اللفظ أو ما تعلق بأدائه، أو ما تعلق بتحسين صوته فيها وفق القواعد المتلقاة، فيأمره بالمد أو بالغنة أو بالإدغام..
وهكذا ويلحظ الشيخ الخطأ في القراءة كما كانوا- تماما- يلحظون الخطأ النحوي فيردونه على صاحبه طبيعة، على الرغم من عدم وجود مؤلفات في النحو ثم إنهم نظروا إلى هذه الأحكام المتلقاة شفاها فدونوها أشباها ونظائر بالاستقراء ثم جعلوها قواعد مسطرة، وضوابط مبثوثة في الكتب فاستقام منها علم القراءة مدونا مكتوبا في كتبه، واحتوى فيما احتوى على أكثر علم التجويد من إدغام وإمالة ومد وقصر وتسهيل للهمز وغنة ومخارج للحروف والصفات ولكن بصورة أوسع شملت ما كان مقتضى تلقائي من مقتضيات النطق الفصيح للغة العربية، ثم جمّل بما أمر به النبي ﷺ وأمر به من التحسين والتزيين والترتيل كمد المتصل فإن النطق العربي الفصيح يقتضيه، وقواعد الصرف توجبه وترتضيه، ولا بد من زيادة حسنه طلبا لترتيله وتزيينه وتحسينه
وهكذا بقية الأحكام.
٢- ثم بدأ علم التجويد ينفرد بالتأليف ليكون علما مستقلا يحتوي على ما يدل على النطق العربي الصحيح مما كان مختصا بالمتفق عليه بين القراء وحال
[ ٢٢٠ ]
الاختلاف يذكر ما يتعلق برواية واحدة فقط فانفرد كما انفرد علم أسباب النزول عن التفسير، وعلم عدد الاي عن علم القراءة.
الفرق بين علم التجويد وبين علم القراءة:
١- علم القراات علم يعرف فيه اختلاف أئمة الأمصار في نفس حروف القران أو في صفاته، فإذا ذكر فيه شيء من ماهية صفات الحروف فهو تتميم؛ إذ لا يتعلق الغرض به، وأما علم التجويد فالغرض منه معرفة ماهيات صفات الحروف، فإذا ذكر فيه شىء من اختلاف الأئمة فهو تتميم، فالتجويد يناقش حق الحرف ومستحقه، والقراات يناقش بعد أن يكون حق الحرف ومستحقه قد صار من المسلمات.
٢- القراات علم رواية واختلاف الألفاظ، والتجويد علم دراية فهو أداء تلك الألفاظ «١» .
ومما ينبغي التنبيه له أن علم القراءة وعلم التفسير كانا متلازمين:
لم يستقل أحدهما عن الاخر، ولذا ذكروا أن القراات جزء من علم التفسير، ويبين هذا قول مجاهد- رحمه الله تعالى-: «عرضت القران على ابن عباس ثلاث عرضات أوقفه على كل اية أسأله فيما نزلت وكيف كانت» «٢»، وكما أن مجاهد كان إمام المفسرين فقد كان شيخ القراء كذلك وهو شيخ الإمام المكي ابن كثير الداري.
_________________
(١) انظر: الدراسات الصوتية عند علماء التجويد ص ٢٠، مرجع سابق.
(٢) الحاكم (٢/ ٣٠٧)، الدارمي (١/ ٢٧٣)، ابن أبي شيبة (٦/ ١٥٤)، مراجع سابقة.
[ ٢٢١ ]
هل لتأخر التأليف في علم التجويد أثر سلبي؟:
لا يعني تأخر ظهور التأليف في علم التجويد أن القراء كانوا ينطقون القران قبل ذلك على غير أصل واضح، كما لا يعني أن علماء التجويد اختلقوا هذه الأصول أو ابتدعوها.
ف «تجويد القران قد يحصله الطالب بمشافهة الشيخ المجود، بدون معرفة مسائل هذا العلم، بل المشافهة هي العمدة في تحصيله، لكن بذلك العلم يسهل الأخذ بالمشافهة، وتزيد المهارة، ويصان به المأخوذ عن طريان الشك والتحريف» «١»، فكانت أجيال المسلمين تجود القران بالمشافهة منذ عصر الصحابة حتى ظهرت المؤلفات التي تعني بالتجويد، وظلت المشافهة والتلقي عن الشيخ المتقن هي الأساس في قراءة القران وإتقان اللفظ بحروفه.
المطلب الثاني: مكونات علم التجويد- كما علمها النبي ﷺ-:
تمت صياغة مادة علم التجويد النظرية من المصدرين السابقين العملي والنظري، ثم واصل المتخصصون في علم التجويد أبحاثهم الصوتية وغيرها مستندين إلى تلك المادة، وأضافوا إليها خلاصة جهداهم حتى بلغ علم التجويد منزلة عالية من التقدم في دراسة الأصوات اللغوية.
ومن ثم فمن الجنف الشديد عند الكلام على حكم التجويد علما وعملا أن يتكلّم عنه بعيدا عن تصور مادته وماهيته وتصور أصوله الشرعية والنظرية، فتعليم النبي ﷺ أصحابه تجويد القران هو تعليم لمراتبه وأصوله الشرعية- بعد تقرير حداثة هذا المصطلح-، فيجب معرفة أصوله الشرعية حتى يتم الحكم
_________________
(١) الدراسات الصوتية عند علماء التجويد ص ٢٠، مرجع سابق نقلا عن محمد المرعشس الملقب ساجقلي زاده ت ١١٥٠ هـ.
[ ٢٢٢ ]
عليها شأنه في ذلك شأن البيوع المحدثة لا بد من ردها إلى أصولها الشرعية للنظر في أحكامها تحليلا وتحريما.
وتجويد الشيء في اللغة «١»:
هو إحكامه وإتقانه يقال جوّد فلان الشيء وأجاده إذا أحكم صنعته، وأتقن وضعه، وبلغ به الغاية في الإحسان والكمال سواء كان ذلك الشيء من نوع القول، أو من نوع الفعل «٢» .
وأما اصطلاحا:
له إطلاقان في اصطلاح علماء القراءة «٣»:
التجويد العلمي:
معرفة القواعد والضوابط التي وضعها علماء التجويد ودونها أئمة القراءة من المخارج والصفات وأحكام النون الساكنة، والوقف والابتداء.
التجويد العملي: هو إحكام حروف القران وإتقان النطق بكلماته وبلوغ الغاية في تحسين ألفاظه والإتيان بها معربة بشرط النقل (التلقي) .
ويقال: يجود فلان القران تجويدا: «إذا أتى بالقراءة مجودة الألفاظ، بريئة من الجور في النطق بها، لم تهجنها الزيادة، ولم يشنها النقصان» «٤» .
ولا يتحقق الإعراب والإتقان للكلمات إلا بإعطاء الحروف حقها ومستحقها، ولذا ذهب بعضهم في تعريفه على أنه: إخراج كل حرف من مخرجه مع إعطائه حقه ومستحقه «٥» .
_________________
(١) انظر في تعريف التجويد: التحديد في الإتقان والتجويد ص ٧٠، التمهيد ص ٥٩، نهاية القول المفيد في علم التجويد ص ١١.
(٢) لسان العرب (٣/ ١٣٥)، مرجع سابق.
(٣) انظر: أحكام قراءة القران الكريم ص ٢٠.
(٤) جمال القراء وكمال الإقراء (٢/ ٥٢٦)، مرجع سابق.
(٥) انظر مثلا: نهاية القول المفيد ص ١٢، أحكام تلاوة القران للحصري ص ١٥، مرجعان سابقان.
[ ٢٢٣ ]
وحق الحرف هو: صفاته الذاتية اللازمة له فلا تنفك عنه كالجهر والشدة والاستعلاء، وكالإعراب النحوي فإن انفكت عنه فإن الانفكاك يغير ذات الحرف فإن عصى ومحظور إذا لم يعط الصاد والظاء حقهما من الاستعلاء والإطباق يصيران عسى ومحذور.
ومستحقه هو: صفاته العارضة الناشئة عن الصفات الذاتية كالتفخيم فإنه ناشئ عن الاستعلاء والتكرير، والترقيق فإنه ناشئ عن الاستفال والكسر والتفخيم متضادان لأن الأول يستدعي انخفاض اللسان والثاني يستدعي ارتفاعه وهذا على سبيل الإجمال، وإلا فالتفصيل أن التفخيم لا ينشأ دائما عن الاستعلاء وكالإظهار والقلب والإخفاء فإنها ناشئة إما عن التماثل وإما عن التقارب وإما عن التباعد، وإما عن التجانس، وهذه من الصفات الذاتية التركيبية.. كما هو مبسوط في محاله.
ولأن التجويد يعتمد على التلقي فما زال العلماء يكثرون من التنبيه أن إتقان التجويد لا بد فيه من رياضة الألسن والتكرار للفظ المتلقى كما قال الداني: «ليس بين التجويد وبين تركه إلا رياضة لمن تدبره بفكه» «١»؛ إذ تنشأ في حال التركيب أحكام غيرها حال الإفراد «فمن أحكم صحة التلفظ حالة التركيب حصّل حقيقة التجويد بالإتقان والتدريب» «٢»، وقال صاحب كشف الظنون عن هذا العلم:
«وهو كالموسيقي من جهة أن العلم لا يكفي فيه بل هو عبارة عن ملكة حاصلة من تمرن امرئ بفكه وتدربه بالتلقف عن أفواه معلميه» «٣» والناس في ذلك بين محسن مأجور، ومسيء اثم أو معذور كما قال ابن الجزري «٤» .
_________________
(١) التحديد ص ٦٠، مرجع سابق.
(٢) التمهيد ص ٦٥، مرجع سابق.
(٣) كشف الظنون (١/ ٣٥٣)، مرجع سابق.
(٤) كشف الظنون (١/ ٣٥٣)، مرجع سابق.
[ ٢٢٤ ]
وجميع ما عليه القراء من القراءة تجويد وتحقيق، وحسن أداء، فقراءة ابن كثير مع تسهيله كقراءة حمزة في التجويد، لأن المراد بالتجويد: إعطاء الحروف حفها، وإخراجها من مخارجها، واجتناب اللحن الخفي، وذلك لا يختلف بحدر ولا بتأن «١» .