بسم الله الرحمن الرحيم
مُقَدِّمَةُ النَّاشِر
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ومن تبع سنتهم وعمل بهديهم إلى يوم الدين.
فقد روى الإمام مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ: "تركتُ فيكم أمرين لن تضلوا ما مسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه" فلقد يسر الله لنا أن قدمنا للأمة الإسلامية تفسير كتاب الله (الأساس في التفسير) وهو يعتبر القسم الأول من سلسلة الأساس في المنهج وأرجو أن نكون وقفنا في ذلك وها نحن والحمد لله نقدم لأمتنا الغالية (التي لم تعرف قدر نفسها) الكتاب الأول من القسم الثاني من سلسلة الأساس في المنهج والمكون من خمس كتب.
والتي تمثل الأساس في السنة وفقهها، وهذا القسم له ما للتفسير من الأهمية، وخاصة في هذا العصر الذي كثرت فيه الصيحات للأخذ بالقرآن دون السنة وهذا عن جهل أحيانًا وعن علم وتخطيط ومكر أحيانًا أخرى وقد اتخذت هذه الدعوات أشكالًا شتى، تارة بالطعن فيها وتارة بطبع الكتب وتوزيعها وتارة بالتشكيك في حجيتها ونصوصها وتارة في صحة نقلها وتارة بالطعن في رواتها كما تفعل بعض الفرق الضالة. وهذا الاتجاه قديم يعود للقرن الهجري الأول فقد أخرج البيهقي بسنده عن شبيب بن أبي فضالة المكي أن عمران بن حصين ﵁ ذكر الشفاعة فقال رجل من القوم: يا أبا نجيد إنكم تحدثونا بأحاديث لم نجد لها أصلًا في القرآن فغضب عمران وقال للرجل: قرأت القرآن؟ قال: نعم. قال فهل وجدت فيه صلاة العشاء أربعًا وصلاة المغرب ثلاثًا والغداة - أي الصبح - ركعتين والظهر أربعًا والعصر أربعًا؟ قال لا. قال: فعمن أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه وأخذناه عن رسول الله ﷺ إلخ الحديث، وفي نهاية الحديث يقول عمران بن حصين ﵁ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. قال عمران: فقد أخذنا عن رسول الله أشياء ليس لكم بها علم.
بل إن الرسول صلى لله عليه وسلم قد أخبرنا عن أمثال هؤلاء المشككين في السنة النبوية وحذر
[ ١ / ٥ ]
منهم فقد روى الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن المقدام بن معد يكرب (﵁) قال ﷺ: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيتُ القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله". وصدق رسول الله ﷺ. ويقول الله ﵎ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.
وأقول: الحمد لله الذي حفظ لنا القرآن الكريم وسنة نبيه صلى الله عيه وسلم، والشائع أن الآية الكريمة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ هي للقرآن فقط، وإن كان هذا على أرجح الأقوال إلا أن حفظ السنة النبوية من لوازم حفظ الشريعة، وقد اختارها الله تعالى دينًا لعباده إلى قيام الساعة، وختم بها الشرائع، فكان من لوازم التدبير الإلهي أن تحفظ هذه الشريعة الغراء ولن يتحقق ذلك الحفظ إلا بحفظ أصيلها العظيمين الكتاب والسنة.
وقد انفرد هذه الأمة عن باقي الأمم بأنها حفظت نصوص دينها حفظًا دقيقًا كاملًا لا مثيل له لتبقى زاد الأمم ومصدر هدايتها إلى قيام الساعة.
إلا أن فهم هذه النصوص هي التي محل اجتهاد وتقديمها للناس بأسلوب يناسب العصور على تتابعها، والتركيز على ما يهم كل جيل من الأجيال وتلمس حاجاته ومراعاة مدى استيعابه وفهمه، وحل مشاكله. فهذا هو الذي نحن بحاجة إليه في عصرنا، فكان هذا الكتاب، الذي نأمل من الله ﵎ أن يسد ثغرة في وجه المشككين بالسنة.
وأكرر دعوة وجهتها للقارئ الكريم على صفحات المقدمة في الأساس في التفسير أن لا يألو جهدًا في توجيه النصح لنا لكي نتدارك ذلك في الطبعات القادمة إن شاء الله سواء ذلك للمؤلف حفظه الله أو للناشر فنكون له من الشاكرين، ورحم الله عملاق هذه الأمة الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ حينما قال: رحم الله أمرأ أهدى إليَّ عيوبي.
وفي الختام اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
الناشر
عبد القادر البكار
[ ١ / ٦ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
تستطيع أن تقول إذا قرأت هذا الكتاب أنك كدت تحيط بمعاني السنة النبوية، لأنه حوى الهدي النبوي الذي روته أمهات كتب السنة: صحيحا البخاري ومسلم، والسنن الخمسة: لأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والدارمي، وموطأ الإمام مالك، ومسانيد: الإمام أحمد وأبي يعلي الموصلي وأبي بكر البزار، وصحيحا ابن خزيمة وابن حبان، ومعاجم الطبراني الثلاثة ومستدرك الحاكم وما تيسر جمعه من يغر هذه الكتب من صحيح السنة وحسنها.
[ ١ / ٧ ]
مقدمة
الأساس في السنة وفقهها
وفيها
أولًا: تعريف بهذا الكتاب.
ثانيًا: التعريف بأصول هذا الكتاب ومصنفيها.
[ ١ / ٩ ]
أولًا: تعريف بهذا الكتاب
تمهيد
أقبلت على الدعوة الإسلامية - بفضل الله - في سنِّ مبكرة من حياتي، وكانت المكتبة الإسلامية لحديثة فقيرة، وكان من أبرز الكُتَّاب الذين تصادفنا كتبهم في تلك الأيام الشيخ محمد الغزالي - أطال الله بقاءه - وكان مما قرأت له كتاب فقه السيرة، وكان مما قاله في هذا الكتاب:
إن القرآن روح الإسلام ومادته، وفي آياته المحكمة شُرِحَ دستوره وبُسِطَتْ دعوته، وقد تكفل الله بحفظه فصِينت به حقيقة الدين، وكُتِبَ لها الخلود أبد الآبدين، وكان الرجل الذي اصطفاه الله لإبلاغ آياته وحمل رسالته (قرآنًا) حيًا يسعى بين الناس، كان مثالًا لما صوَّره القرآن من إيمان وإخبات، وسعي وجهاد، وحق وقوة، وفقه وبيان، فلا جرم أن قوله وفعله وتقريره وأخلاقه وأحكامه، ونواحي حياته كلها تعد ركنًا في الدين، وشريعة للمؤمنين.
إن الله اختاره ليتحدث باسمه ويبلغ عنه، فمن أولى منه بفهم مراد الله فيما قال؟ ومن أولى منه بتحديد المسلك الذي يتواءم مع دلالات القرآن القريبة والبعيدة؟ إن تطبيق القانون لا يقل خطرًا عن صياغته، وللقانون نص وروح، وعند علاج الأحداث المختلفة لتسير وفق القانون العتيد، تجدُّ فتاوى وتدوّنُ نصائح، وتُحفظ تجارب وعِبر، وتثبت أحكام بعضها أقرب إلى حرفية النص وبعضها أدنى إلى روحه .. وهكذا.
والقرآن هو قانون الإسلام، والسنة هي تطبيقه، والمسلم مكلف باحترام هذا التطبيق تكليفه باحترام القانون نفسه، وقد أعطى الله نبيه ﷺ حق الاتباع فيما يأمر به وينهى عنه لأنه - في ذلك - لا يصدر عن نفسه بل عن توجيه ربه، فطاعته هي طاعة الله، قال الله ﷿: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ
[ ١ / ١١ ]
حَفِيظًا﴾ (١). وقال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢). وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣).
إن السير في ركاب المرسلين هو الخير كله، ومن ثَمَّ كانت سنة محمد - ﵊ - مصدرًا لشريعته مع الكتاب الذي شرفهُ الله به، إلا أن السنن المأثورة عرض لها ما يوجب اليقظة في تلقيها، فليس كل ما ينسب إلى الرسول - ﵊ - سنة تقبل، ولا كل ما صحت نسبته صح فهمهن أو وُضِعَ موضعه.
والمسلمون لم يؤذوا من الأحاديث الموضوعة - لسهولة تزييفها وفضحها - قدر ما أوذوا من الأحاديث التي أُسيءَ فهمها واضطربت أوضاعها، حتى جاء أخيرًا من ينظر إلى السنن جمعاء نظرة ريبة واتهام، ويتمنى لو تخلص المسلمون منها.
وهذا خطأ من ناحيتين: إهمال الحقيقة التاريخية أولًا، فإن الدنيا لم تعرف بشرًا أحصيت آثاره ونقدت بحذر، ومُحِّصت بدقة، كما حدث ذلك في آثار محمد بن عبد الله ﷺ.
والناحية الأخرى أن في السنة كنوزًا من الحكمة العالية، لو نسب بعضها إلى أحد من الناس لكان من عظماء المصلحين، فلماذا تضيع ويحرم الناس خيرها؟!
عندما درسنا تراث محمد - ﷺ - في (الأخلاق) وذاكرنا أحاديثه التي تربو على الألوف في شتى الفضائل، خيل إلينا: لو أن جيشًا من علماء النفس والتربية اجتمع ليسوق للعالم مثل هذا الأدب لعجز، والأخلاق شعبة واحدة من رسالة محمد - ﵊ - الضخمة أهـ.
وهكذا استقر في ذهني منذ بدايات سيري إلى الله ضرورة التعرف على السنة الصحيحة والحسنة، وضرورة فهمها فهمًا صحيحًا. وبعد مطالعات كثيرة في كتب السنة وجدت أن الحاجة ملحة لوجود كتاب يجمع السنة الصحيحة والحسنة، ويقدم مع ذلك الفهم الصحيح للنصوص التي تحتاج إلى شرح أو توضيح. ومن ثم ولدت فكرة هذا الكتاب.
_________________
(١) النساء: ٨٠.
(٢) النحل: ٤٤.
(٣) الحشر: ٧.
[ ١ / ١٢ ]
وأثناء مطالعاتي في كتب السنة كنت أتردد في قراءة بعض الكلمات أو الأسماء بسبب من غياب الشكل والضبط، وإذا ما أردت التحقيق كان ذلك يستغرق قسمًا من الوقت ليس قليلًا، وكثيرًا ما كانت تفوتني معاني بعض الكلمات والتراكيب، وكان ذلك يقتضي مني بحثًا طويلًا إن أردت المعرفة، فشعرت أنه إذا كان من الضروري أن تجمع السنة المعتمدة في كتاب، وأن يعرض ي هذا الكتاب الفهم الصحيح لبعض النصوص، فلابد أن يكون هذا الكتاب مشكلًا مشروحًا فيه كل ما هو غامض في حق القارئ العادي.
وأثناء مطالعاتي ف يكتب السنة كنت ألاحظ أن المؤلفين فيها ما تركوا شيئا إلا وعملوا على خدمة السنة النبوية فيه، ولكنه شيء عادي أن يتحكم في تأليف كل عصر اهتمامات ذلك العصر، فالتأليف في الأصل وليد الحاجة أو وليد الظرف، فمثلًا حيثما وجد صراع مذهبي أو وجدت فرقة ضالة أو جهل معين أو انحراف ما فلابد أن يراعى في تأليف أهل ذلك العصر مثل هذا، ومن ههنا تبرز عناوين ويركز على موضوعات، وقد يتغلب نوع من الترتيب في عصر على غيره، وقد وجدت أن موضوعات كثيرة مما تهم عصرنا لم تنل حظها من الإبراز، كما أني وجدت أن نوعًا من الترتيب يمكن أن يكون أكثر مناسبة للقارئ العادي، وأكثر تحقيقًا لبعض المعاني التربوية أو النفسية التي أحرص عليها.
وكان مما استقر ف نفسي أن احتياجات القارئ العادي غير احتياجات القارئ المختص، فالقارئ العادي يهمه الجوهر دون ما احتاجه حفظ هذا الجوهر أو تمييزه عن غيره، ولما كانت أكثر كتب الحديث تهتم بما أحاط بالسنة أو لزم لتمحيصها اهتمامها بالسنة نفسها فقد وجدت أن كتابًا ينصبُّ الكلام فيه على السنة ذاتها دون ما أحاط بها من ضرورات التحقيق هو الذي يحتاجه القارئ غير المختص في عصرنا. وهذا الكتاب للقارئ المسلم مطلقًا.
وإذ كنت أرى أن من واجبات دعاة الإسلام في عصرنا أن يقدموا للناس نصوص الكتاب والسنة بأسهل عرض وأجوده، وأقوم شرح وأعدله، خاصة وهم يريدون أن يقدموا للعالم هذا الإسلام، ويريدون أن يصوغوا الحياة عليه، فقد وجدت من الضرورة أن توجد
[ ١ / ١٣ ]
سلسلة في هذا الشأن، وهكذا تأكد لديَّ إصدار سلسلة الأساس في المنهج بأقسامها الثلاثة: (الأساس في التفسير) و(الأساس في السنة) و(الأساس في قواعد المعرفة وضوابط الفهم للنصوص).
وإذ كنت أتصور أنه لا تنضج شخصية الداعية والقائد المسلم في عصرنا إلا باستكماله دراسة عدة أمور، منها السنة النبوية، فقد رأيت أنه لابد من كتاب جامع لنصوص السنة الصحيحة والحسنة يدرسه كل من يتصدر للدعوة إلى الله أو تؤهله مؤهلاته لذلك، أو يقدمه إخوانه للقيادة الإسلامية الراشدة.
وكان هذا عاملًا من عوامل تأليف هذا الكتاب.
* * *
هذه بعض الدوافع التي دفعت إلى التفكير في إخراج هذا الكتاب. ودعني الآن أحدثك بعض الحديث عن بعض المباحث الحديثية وغيرها بين يدي ما فعلته؛ ليخرج هذا الكتاب بالشكل الذي تراه، والذي أطمع أن يكون قد حقق كل ما استهدفته منه.
(١)
انفردت الأمة الإسلامية عن جميع الأمم بأنها حفظت نصوص دينها حفظًا دقيقًا كاملًا، وذلك من معجزات الإسلام، وأن ما قاله كتابه هو الحق والصدق، يشهد لذلك تحقق قوله - ﷻ -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) فلقد حفظ القرآن حفظًا لا ينتطح فيه عنزان، وحفظت السنة النبوية التي تشرح القرآن حفظًا هو وحده معجزة، فلقد وُقِّفَتْ هذه الأمة إلى اعتماد كل ما يلزم لحفظ النصوص، وقد قامت جهود هائلة من أجل ذلك، ومن عرف حقائق هذا الأمر أدرك معجزة الإسلام هذه.
(٢)
اعتمدت الأمة الإسلامية من أجل حفظ نصوص الوحي مبدأي الرواية والتثبت،
_________________
(١) الحجر: ٩.
[ ١ / ١٤ ]
وتوضَّعَتْ نتيجة لاعتماد هذين المبدأين مئات الاصطلاحات والقواعد والضوابط وعشرات العلوم وأنواع الدراسات، ونتج عن ذلك عشرات الألوف من الكتب، وكل ذلك للوصول في النهاية إلى ما يصح اعتماده من النصوص ومالا يصح.
(٣)
انصب جهد القراء على حفظ الشاردة والواردة مما له علاقة بالقرآن الكريم، أحرفه ورواياته، من الهمس فيه إلى تعدد اللهجات في النطق به، إلى استقراء طرائق الأداء التي أدى بها الرسول ﷺ هذا القرآن لشتى القبائل.
وانصبَّ جهد المحدثين على حفظ الحديث وتبيان ما داخله أو خالطه أو أدخل عليه.
وبهذا الجهد وذاك قدم القراء والمحدثون المادة الخام لكل علوم الإسلام التي انبثقت عن الكتاب والسنة، كعلم أسباب النزول وعلم الناسخ والمنسوخ وعلم التفسير وعلم الأصول وعلوم العقائد والفقه والأخلاق والآداب والسلوك وعلوم السيرة والشمائل والخصائص إلى غير ذلك من علوم أمهات، ولقد وسِعَتْ هذه المادة الخام الحياة كلها؛ ولذلك فإن الدراسات والمعاني التي يمكن أن تنبثق عن الكتاب والسنة لا تتناهى.
وإذا كانت المحصلة المرادة من النصوص هي الأحكام الشرعية فقد وجد علم أصول الفقه الذي يضبط كيفية الوصول إلى الأحكام الشرعية التي تسع الزمان والمكان والتي لا تتناهى كذلك.
وهذا العلم - علم أصول الفقه - هو الذي وضع القواعد التي تضع السنة في محلها بالنسبة لأصول التشريع، والذي وضع قواعد الوصول إلى الحكم الشرعي من خلال استشراف النصوص وأصول الأحكام.
وهكذا تعاون القراء والمحدثون والمجتهدون والأصوليون والراسخون في العلم بعامة على وضع كل نص في محله بالنسبة لبناء الإسلام.
[ ١ / ١٥ ]
(٤)
وقد اشتغل المحدثون للتثبت من المرويات على محورين: محور السند، ومحور المتن.
فعلى محور السند: درسوا وضع الرواة: عدالتهم وصدقهم وضبطهم، واجتماعهم ببعضهم، وإمكانية أخذ بعضهم عن بعض، إلى غير ذلك.
وعلى محور المتن: قارنوا بين المتون المروية فإذا خالف الثقة من هو أوثق منه أو إذا خالف الثقة الثقات لم يقبلوا المتن إلا إذا أمكن الجمع بين الحديثين.
وهكذا من خلال سير السند ومقارنة المتون أحكموا أمر التثبت، ومع ذلك فإنهم لم يكتفوا بذلك بل أوجبوا على أنفسهم أن ينظروا نظرة شمولية إلى السند والمتن بعي الخبير بشأنها البصير بهما، لعلهم يكتشفون قادحًا خفيًا، ومن ثم أوجدوا ما يسمى بعلم العلل، ولم يعتبروا الحديث صحيحًا إلا إذا سلم من الشذوذ والعلة.
وهذا كله كان جهد المحدثين، وأكمل عملهم الأئمة المجتهدون، فإذا كان المحدثون مهمتهم النظر في السند والمتن ومقارنة متون السنة النبوية ببعضها البعض لمعرفة الشذوذ في الرواية، فمهمة المجتهدين أن يستشرفوا نصوص الكتاب والسنة، وأن يلحظوا ما إذا كانت رواية من الروايات تخالف معنى قرآنيًا أو قاعدة تشريعية، وهكذا أكمل المجتهد عمل المحدث، ولذلك ترى بعض النصوص صححها المحدثون ولم يأخذ بها الأئمة المجتهدون إما لاعتبارها مخالفة لنص قرآني أو لقاعدة شرعية محكمة أو لاعتبارهم إياها سنة يومية فعلها رسول الله ﷺ بحكم قيادته السياسية للدولة الإسلامية، وإذ كانت هذه القضية من أخطر القضايا لما يترتب عليها من تعطيل السنن فإنها محرمة إلا على أهل الاجتهاد، ولذلك اعتبروا من يتصدر للاجتهاد وليس أهلًا له ضالًا مضلًا؛ لما يترتب على اجتهاده من تعطيل لبعض النصوص أو مس لهيكل الشريعة.
وهكذا تضافرت جهود لا مثيل لها حتى بقيت نصوص الإسلام سليمة من الخلط أو التحريف أو التبديل أو الزيادة أو النقص، لتبقى زاد الأمم ومصدر هدايتها إلى قيام الساعة.
* * *
[ ١ / ١٦ ]
ضخامة المكتبة الحديثية:
وائذن لي أن أحدثك من أقرب طريق - عن المكتبة الحديثية، وذلك من خلال استعراض كتاب مشهور عنوانه: (الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة) لمؤلفه السيد: محمد بن جعفر الكتاني - ﵀ - وذلك بين يدي ما فعلت لتحقيق ما استهدفته في هذا الكتاب.
بدأ المؤلف الحديث عن المؤلفات الأولى في السنة النبوية، وذكر أعلام المؤلفين في القرنين الأول والثاني، ثم تحدث عن تتابع التأليف فقال:
ثم كثرت بعد ذلك التصانيف، وانتشرت في أنواعه وفنونه التآليف، حتى أربت على العد وارتقت من كثرتها عن التفصيل والحد، وهي مراتب متفاوتة وأنواع مختلفة، فمنها ما ينبغي لطالب الحديث البداءة به، وذكر الأصول الستة صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجه.
ثم ذكر كتب السنة التي تعتبر أساسًا لمذاهب الأئمة الأربعة فذكر موطأ الإمام مالك ومسند الإمام أبي حنيفة وقد قال في الأخير منهما:
ومسند إمام الأئمة - أيضًا - ركن الإسلام أبي حنيفة النعمان بن ثابت القارئ الكوفي فقيه العراق، المتوفى ببغداد سنة خمسين أو إحدى وخمسين ومائة، وله خمسة عشر مسندًا، وأوصلها الإمام أبو الصبر أيوب الخلوتي في ثبته إلى سبعة عشر مسندًا، كلها تنسب إليه لكونها من حديثه وإن لم تكن من تأليفه، وقد جمع بين خمسة عشر منها أبو المؤيد محمد بن محمود بن محمد بن الحسن الخطيب الخوارزمي - نسبة إلى خُوارِزم بضم الخاء وكسر الراء ناحية معلومة - المتوفى سنة خمس وخمسين وستمائة، في كتاب سماه جامع المسانيد، رتبه على ترتيب أبواب الفقه بحذف المعاد وترك تكرير الإسناد.
ثم ذكر مسند الإمام الشافعي وعرّف به ثم ذكر مسند الإمام أحمد وعرف به وبعد ذلك قال:
فهذه كتب الأئمة الأربعة وبإضافتها إلى الستة الأول تكمل الكتب العشرة التي هي أصول
[ ١ / ١٧ ]
الإسلام وعليها مدار الدين.
ثم قال: ومنها - أي ومن كتب السنة - كتب التزم أهلها فيها الصحة من غير ما تقدم. فذكر: صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان وصحيح الحاكم وكتاب الإلزامات للدارقطني كتاب المستدرك للحافظ أبي ذر الهروي وصحيح الحافظ أبي حامد النيسابوري المعروف بابن الشرفي وكتاب الأحاديث الجياد المختارة لضياء الدين المقدسي وكتاب المنتقى لابن الجارود وكتاب المنقى لابن أصبع الأندلسي وصحيح ابن السكن، والكتب المخرّجة على الصحيحين أو أحدهما: كمستخرج الإسماعيلي، ومستخرج الغطريفي ومستخرج أبي ذهل ومستخرج ابن مردويه الكبير ومستخرج أبي عوانة ومستخرج ابن أصبع ومستخرج أبي جعفر الحبري ومستخرج محمد بن محمد النيسابوري ومستخرج الجوزقي ومستخرج الشاركي ومستخرج أبي الوليد القزويني ومستخرج أبي عمران الجويني ومستخرج أبي النصر الطوسي ومستخرج أبي عثمان الحيري ومستخرج أحمد بن سلمة النيسابوري ومستخرج أحمد بن محمد الطوسي البلاذري إلى كثيرين آخرين ذكرهم، لهم مستخرجات بأسانيد أخرى للصحيحين أو لأحدهما، وكلها تفيد توثيق أحاديث الصحيحين: صحيح البخاري وصحيح مسلم.
ثم تحدث عن الكتب المؤلفة في السنن، وهي الكتب المؤلفة على أبواب الفقه، فذكر زيادة على الكتب الأربعة المشهورة: سنن الإمام الشافعي للمزني وسنن النسائي الكبرى وسنن ابن جريج الرومي وسنن سعيد بن منصور وسنن الكشي وسنن محمد بن الصباح البزار وسنن أبي قرة موسى بن طارق وسنن الأشرم وسنن الخلال وسنن سهل بن أبي سهل وسنن الصفار وسنن الهمداني وسنن ابن لال وسنن النجاد وسنن بان إسحاق وسنن يوسف بن يعقوب الأزدي اللالكائي. ثم قال: فهذه هي مشاهير كتب السنة وبعضها أشهر من بعض وبإضافتها إلى السنن الأربعة السابقة تكمل كتب السنن خمسة وعشرين كتابًا.
ثم تحدث عن نوع آخر من التأليف، وهو في الحض على اتباع السنة وترك الأهواء والبدع، فذكر ستة عشر كتابًا.
[ ١ / ١٨ ]
ثم ذكر نوعًا آخر من التآليف في السنة وهي كتب مرتبة على الأبواب الفقهية، مشتملة على السنن وما هو في حيزها أو له تعلق بها بعضها يسمى مصنفًا وبعضها جامعًا وغير ذلك سوى ما تقدم، فذكر اثنين وعشرين كتابًا.
ثم ذكر نوعًا آخر من التصانيف وهي الكتب المفردة في الآداب والأخلاق والترغيب والترهيب والفضائل ونحو ذلك فذكر حوالي مئة وأربعين كتابًا.
ثم ذكر نوعًا آخر من التصانيف وهي كتب المسانيد - جمع مسند - وهي الكتب التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حدة صحيحًا كان أو حسنًا أو ضعيفًا، مرتبين على حروف الهجاء أو على القبائل أو على السابقة في الإسلام أو الشرف في النسب، وقد يقتصر في بعضها على أحاديث صحابي واحد أو أكثر.
قال: (والمسانيد كثيرة جدًا) ثم عدد ما تيسر له ذكره منها فذكر اثنين وثمانين مسندًا
ثم ذكر كتبًا لم تؤلف في السنة قصدًا، ولكنها حوت الكثير من نصوصها، ككتب التفسير والكتب المؤلفة في المصاحف والقراءات وكتب الناسخ والمنسوخ وذكر أسماء العشرات منها.
ثم تحدث عما يُسمى بالأجزاء الحديثية وهي كتب مفردة في موضوع أو في روايات أو مرويات فذكر العشرات منها.
ثم ذكر كتبًا مؤلفة تحت عنوان (الفوائد) فذكر كثيرًا منها.
ثم ذكر ما يُسمَّى خصوصيات انفرد بها بعض الأئمة وألف فيها آخرون فذكر الكثير من ذلك.
ثم تحدث عن كتب الشمائل النبوية والسير المصطفوية والمغازي فذكر منها تسعة
[ ١ / ١٩ ]
وعشرين كتابًا.
ثم تحدث عن نوع من الكتب يجمع أحاديث شيوخ بأعيانهم فذكر أحد عشر كتابًا.
ثم ذكر كتبًا تجمع طرق بعض الأحاديث فذكر عشرة كتب.
ثم تحدث عن نوع من الكتب فذكر رواية بعض الأئمة المشهورين فذكر اثني عشر كتابًا.
ثم ذكر الكتب التي تتحدث عن الأحاديث الأفراد فذكر أربعة كتب.
ثم تحدث عن الكتب التي تتحدث عن المتفق لفظًا وخطأ والمفترق معنى من الأسماء والألقاب والأنساب وعن المتفق خطا والمختلف لفظًا .. وذكر ثلاثة وثلاثين كتابًا مؤلفًا فيها.
ثم تحدث عن نوع آخر من التأليف وهو في مهمات الأسانيد والمتون فذكر ثلاثة عشر كتابًا.
ثم تحدث عن كتب الأنساب فذكر أحد عشر كتابًا.
ثم تحدث عن الكتب المؤلفة في معرفة الصحابة فذكر ثمانية عشر كتابًا.
ثم تحدث عن الكتب المؤلفة في تواريخ الرجال وأحوالهم فذكر ثلاثة عشر كتابًا.
ثم تحدث عن كتب المعاجم، وهي الكتب التي تذكر الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو البلدان أو غير ذلك فذكر ثلاثة وأربعين معجمًا.
ثم تحدث عن كتب الطبقات وهي التي تشتمل على ذكر الشيوخ وأحوالهم ورواياتهم طبقة بعد طبقة وعصرًا بعد عصر إلى زمن المؤلف فذكر ثمانية عشر كتابًا.
ثم تحدث عن كتب المشيخات، وهي التي تشتمل على ذكر الشيوخ الذين لقيهم مؤلف وأخذ عنهم، أو أجازوه وإن لم يلقهم فذكر ثلاثة عشر كتابًا.
[ ١ / ٢٠ ]
ثم تحدث عن الكتب المؤلفة في علوم الحديث - أي مصطلحه -، ذكرت فيها أحاديث بأسانيد فذكر منها ثمانية كتب.
ثم تحدث عن الكتب التي تتحدث عن الضعفاء من الرواة، أو تتحدث عن الثقات، فذكر خمسة وعشرين كتابًا.
ثم ذكر الكتب التي تتحدث عن الأحاديث الموضوعة المكذوبة على رسول الله - ﷺ - فذكر ثلاثة وعشرين كتابًا.
ثم ذكر الكتب المؤلفة في غريب الحديث - أي في شرح الكلمات الغامضة منه - فذكر سبعة عشر كتابًا.
ثم ذكر كتبًا تتحدث عن مشكل الحديث وهي كتب تجمع بن النصوص فترد المتشابه إلى المحكم او ترجح النسخ أو عدمه فذكر خمسة كتب.
وهناك كتب الأمالي التي يملي فيها الشيخ على تلاميذه في جلسات عامة فتسجل، ذكر منها واحدًا وثلاثين كتابًا.
ثم ذكر الكتب التي تتحدث عن رواية الأكابر عن الأصاغر، ورواية الآباء عن الأبناء والعكس، فذكر ستة كتب مؤلفة فيها.
ثم تحدث عن الكتب التي يجمع فهيا الأسانيد العالية أي التي يقل فيها الرواية بين الشيخ وبين رسول الله ﷺ فذكر أربعة عشر كتابًا.
ثم ذكر كتبًا في التصوف فيها أحاديث بأسانيد فذكر ثلاثة عشر كتابًا.
ثم تحدث عن كتب الأطراف، وهي التي يقتصر فيها على ذرك طرف الحديث الدالِّ على بقيته، مع الجمع لأسانيده إما على طريق الاستيعاب أو على جهة التقيد بكتب مخصوصة، فذكر خمسة عشر كتابًا.
ثم تحدث عن كتب الزوائد، أي الأحاديث التي تزيد فيها بعض كتب الحديث على بعض آخر معين منها، كزوائد سنن ابن ماجه على كتب الحفاظ الخمسة للشهاب البوصيري،
[ ١ / ٢١ ]
فذكر تسعة عشر كتابًا.
ثم ذكر الكتب التي تجمع بين بعض الكتب الحديثية فذكر سبعة عشر كتابًا.
ثم ذكر كتبًا مجردة من الأسانيد أو كتبًا فيها أحاديث منتقاة فذكر واحدًا وثلاثين كتابًا.
ثم ذكر كتبًا تختص بتخريج الأحاديث الواردة في كتب بعض المصنفين فذكر ثلاثة وأربعين كتابًا.
ثم ذكر بعض الكتب التي تتحدث عن الأحاديث المشتهرة على الألسنة فذكر أحد عشر كتابًا.
ثم تحدث عن الكتب التي جمعت فتاوى مبناها على النصوص، والتي تسمى الفتاوى الحديثية، فذكر منها ستة كتب.
ثم تحدث عن كتب تجمع نوعًا من الحديث كالحديث المتواتر، فذكر خمسة كتب.
ثم ذكر كتبًا في التفسير والشروح الحديثية لأهلها اعتناء بالحديث ومعرفة به وإكثار من رواياته، فذكر عشرة كتب.
ثم ذكر كتبًا في السيرة النبوية والخصائص المحمدية غير ما سبق، فتحدث عن ثلاثة وثلاثين كتابًا.
ثم تحدث عن كتب في أسماء الصحابة غير ما ذكر، فذكر ثلاثة عشر كتابًا.
ثم تحدث عن كتب تذكر أحوال الرواة وتضبط أسماءهم وأسماء بلدانهم غير ما ذكره من قبل، فذكر ثلاثة وخمسين كتابًا.
ثم تحدث عن كتب الوفيات فذكر أربعة عشر كتابًا.
ثم تحدث عن كتب مصطلح الحديث فذكر ستة وثلاثين كتابًا.
ثم ختم كتابه بالحض على الاشتغال بعلوم الحديث.
* * *
[ ١ / ٢٢ ]
من هذا العرض المختصر ندرك الجهود الهائلة التي بذلتها الأمة الإسلامية في خدمة سنة نبيها ﷺ حتى تبقى غضة طرية متميزة عما سواها، معلمًا للهداية الربانية، فإذا ما ألقيت نظرة على كتب مصطلح الحديث تجد الدقة العلمية في البحث بما لا تطال العقول أرفع منه، ولا تحكم العقول بأن هناك أكثر منهجية في الوصول إلى الحق الخالص منه، فهناك قواعد لجرح وتعديل الرواة، وهناك قواعد تُسيرُ بها المتون.
وكأثر عن هذا كله ميز العلماء بين أكثر من خمسين نوعًا من أنواع الأحاديث كلها متفرعة عن دراسة السند والمتن، وكل ذلك في النهاية للوصول إلى ما تبنى عليه الأحكام من المرويات، كالأحاديث المتواترة لفظًا ومعنى، أو معنى فقط، والأحاديث الصحيحة والحسنة، ومن أجل ذلك كتبوا كل رواية لأن الروايات الضعيفة يمكن أن يكون لها دخل في تحسين حديث أو في تصحيحه، واقتضى ذلك منهم جهودًا كبيرة، حتى إن الإمام أحمد كان يحفظ مليون حديث بأسانيدها ومتونها، وهذا يعني بالضرورة أنه دخل كثيرون من الرجال تحت أشعة رصده، فإذا ما عرفنا أن تشعب الروايات يكثر كلما تطاول الزمن أدركنا كم من الجهود بذلت في خدمة السنة النبوية. ومن أجل الوصول إلى هذا الجوهر كم وجدت من دراسات وتوضعت من قواعد، ويكفي أن تقرأ كتابًا في مصطلح الحديث حتى تدرك جلل ما تذكره لك.
فمن أجل تمحيص الرواية وُجدتْ علوم كعلم الوفيات وسني الولادة، ووجدت دراسات مستوعبة عن كل راوٍ، عن عقيدته وسلوكه وصدقه وكذبه وعن عوامل الجرح أو التعديل في حياته، ومن أجل المتن وجدت علوم كعلم المقارنة بين المتون لمعرفة العلل والشذوذ، ولمعرفة الناسخ والمنسوخ، وتوضعت نتيجة لذلك مصطلحات.
ثم كان علم أصول الفقه هو العلم المكمل بالنسبة للسنة النبوية، إذ أنه هو العلم الذي تحدث عن محل السنة بالنسبة لأصول التشريع الأربعة الرئيسية وهي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وهو الذي تحدث عن قوة إلزامية السنة بحسب كونها متواترة أو صحيحة أو حسنة أو غير ذلك، وهو الذي وضع القواعد التي تجمع بين النصوص بعضها مع بعض وبين
[ ١ / ٢٣ ]
النصوص والأحكام العقلية والعادية، وهو الذي وضع القواعد لاستخراج الحكم الشرعي بناء على أن هناك رخصة وعزيمة وقواعد أصلية وأحوالًا استثنائية
إن من ثمرات العلم بالكتاب والسنة وأصول الفقه الوصول إلى معرفة الحكم الشرعي في كل قضية من قضايا المكلفين، وثمرة ذلك كله الاعتقاد الصحيح والعمل الصحيح، المقبولان عند الله تعالى، وإن ذلك لشيء عظيم وكبير، فهؤلاء الذين اجتمع لهم حسن الاعتقاد وحسن العمل هم وحدهم من بين أفراد هذا العالم الذين حققوا معنى العبودية لله - ﷿ -.
* * *
إذا عرفت ما مرَّ وثقت في تحقيقات الراسخين في العلم، وأدركت عظم الجهود التي قام بها علماؤنا في خدمة السنة النبوية، تثبتًا في شأنها وتخليصًا لها عن سواها، وفي الوقت نفسه تدرك استحالة جمع كل ما ورد في السنة النبوية في كتاب، بل استحالة أن يطلع إنسان ما على كل ما كتب في السنة، فضلًا عن جمع كل روايات السنة في كتاب.
ولكن إذا عرفت معاني أخرى فإن ذلك يرجعك إلى أن تطمئن إلى أنه بإمكانك أن تطلع بسرعة على معاني السنة دون أن تغرق في بحار التآليف.
إنك إذا عرفت أن الكتب الستة المشهورة في السنة وهي: صحيحا البخاري ومسلم، والسنن الأربعة لأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، والمختلف في السادس منها: هل هو الموطأ أو سنن ابن ماجه - والتي تلقتها ألأمة بالقبول - ما فاتها إلا القليل من الأحاديث الصحيحة، وإذا عرفت أن هذه الكتب الستة تمت محاولات لجمع معانيها في مجلدين كما فعل ذلك ابن الديبع الشيباني في كتابه: (تيسير الوصول إلى جامع الأصول) مثلًا؛ إذا عرفت ذلك أدركت أن بإمكانك أن تعرف معاني السنة النبوية عن طرق مختصرة.
وقد اشتهرت بجانب الكتب الستة كتب أخرى، كمسند الإمام أحمد ومسند أبي بكر والبزار ومسند أبي يعلي الموصلي، ومعاجم الطبراني الثلاثة، فلو أنك قرأت زوائد هذه الكتب على الكتب الستة أو السبعة فإنك تستطيع أن تثق أنه ما فاتك إلا القليل، وإلا تحقيقات وكماليات، فإذا اطمأننت إلى كلامنا هذا فقد آن الأوان لنحدثك عن كتابنا هذا.
* * *
[ ١ / ٢٤ ]
منهج تأليف هذا الكتاب
١ - تستطيع أن تقول إذا قرأت هذا الكتاب أنك كدت أن تحيط بمعاني السنة النبوية، لأنه حوى الهدي النبوي الذي روته أمهات كتب السنة وهي سبعة عشر كتابًا هي: صحيحا البخاري ومسلم، والسنن الخمسة: لأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والدارمي، وموطأ الإمام مالك، ومسانيد الإمام أحمد وأبي يعلي الموصلي وأبي بكر البزار، وصحيحا ابن خزيمة وابن حبان، ومعاجم الطبراني الثلاثة، ومستدرك الحاكم، وما تيسر جمعه من غير هذه الكتب من صحيح السنة وحسنها.
فقد اتجه الهمة لأن تكون هذه الكتب السبعة عشر هي أصول هذا الكتاب، على أن أستفيد من الكتب التي جمعت بعضها أو أكثر من أمثال الجامع للأصول لابن الأثير أو مجمع الزوائد للهيثمي أو جمع الفوائد لحمد بن محمد بن سليمان المغربي.
٢ - وقد ألزمت نفسي ألا آخذ من هذه الأصول إلا حديثًا صحيحًا أو حسنًا، وقد أدخلت في الكتاب بعض ما صادفني من الحديث الصحيح أو الحسن مما ليس في الكتب السبعة عشر، فتميز هذا الكتاب على كتب الجمع الأخرى بأنه ما حوى إلا الصحيح والحسن، وحاول أن يستقصي أصوله، مع ملاحظة أن هناك روايات في أصول هذا الكتاب لا تدخل بشكل مباشر في مقصوده، فأسقطتها، فهناك روايات كثيرة مثلًا تتحدث عن أنساب الصحابة وعن تاريخ وفياتهم مما يصلح لدراسات إحصائية استقرائية، ومما محله كتب التاريخ ومما لا تعلق مباشرًا له بالهدي النبوي الذي يحتاجه كل مسلم، أو بالمعرفة التي يُطالب بها كل مسلم، ولذلك فقد أسقطت مثل هذه الروايات في الغالب من كتابي.
وقد أدخلت في هذا الكتاب بعض الأحاديث المرسلة مع ما يقال في الأحاديث المرسلة، لأن لها محلها في البناء الأصولي لمن يريد التحقيق، وأدخلت روايات أناس اختلف عليهم إذا حكم إمام لحديثهم بالصحة أو الحسن إذا وُجد ما يقوي الرواية.
٣ - ولم أكتف بتصحيح أو تحسين من اشتهر عنهم أنهم يتساهلون في التصحيح والتحسين كالترمذي وابن حبان والحاكم إلا إذا أكد ذلك إمام آخر أو محقق ثبت، وكل ذلك ليطمئن
[ ١ / ٢٥ ]
القارئ والداعية أن ما يأخذه من هذا الكتاب حجة وبه تقوم الحجة بإذن الله، ونرجو أن يكون مأجورًا في علمه وعمله إذا بناه على هذا الكتاب.
وإذا كنا أد
خلنا روايات لأناس اختلف عليهم فذلك لأن التصحيح والتحسين والتضعيف يخضع في بعض حيثياته لعوامل ذوقية. وللتبحر في علم الحديث، وللخبرة دخلهما في ذلك، ومن ثم كان للاجتهاد دخل في التصحيح أو التحسين أو التضعيف، ألا ترى أن بعض قواعد الجرح والتعديل محل خلاف؟
ومع أننا أدخلنا بعض ما اختلف فيه إذا كان التحقيق يوصل إلى تصحيح أو تحسين، فقد حاولنا أن نذكر وجهات النظر الأخرى إذا عثرنا عليها احتياطًا لحرمة جناب السنة النبوية المطهرة.
وإنما انصب جهدي على جمع الصحيح والحسن؛ لأنهما اللذان عليهما مدار الأحكام، وبهما تقوم الحجة، ولم أدخل الضعيف في متن هذا الكتاب - مع أن الضعيف لا يعتبر موضوعًا بالضرورة، وبالتالي فاحتمال أنه من كلام رسول الله ﷺ قائم - لأنني استهدفت بهذا الكتاب معاني متعددة ..
منها: أن يألف القارئ العبارة النبوية وأن يراها خالصة لا يخالطها غيرها.
ومنها: حفظ القارئ عن التشويش والاضطراب وتغير الخاطر وقلق الفكر.
ومنها: حفظ وقت القارئ.
ومنها: أن يندفع القارئ في العمل دون تردد.
٤ - وقد كنت ذكرت في مقدمة كتاب الأساس في التفسير بعض احتياجات الأمة الإسلامية في عصرنا بالنسبة للسنة فقلت:
أ - المسلم المعاصر عنده رغبة في أن يتعرف على السنة المتواترة والصحيحة والحسنة السند، ويحتاج إلى كتاب جامع لذلك كله، على أن يكون هذا الكتاب مضبوطًا شكله
[ ١ / ٢٦ ]
مشروحًا غريبه.
ب - والمسلم غير المتخصص في الحديث يهمه كذلك أن يأخذ الجوهر - دون ما احتاجه هذا الجوهر لحمايته - أي هو يحرص على أن يقرأ متون السنة دون أسانيدها.
جـ - والمسلم المعاصر بحاجة إلى أني فهم السنة فهمًا صحيحًا وأن يأخذ الجواب الشافي على كثير من الإشكالات، وأن يعرف كثيرًا من الأمور التي يتلجلج في قلبه سؤال عنها.
د - وهناك شبهات حول السنة يثيرها أعداء الله ﷿، وهناك مناقشات حادة حول الكثير من الأمور بين المسلمين أنفسهم في شأن فهم الكثير من متون السنة، وكل ذلك يحتاج المسلم المعاصر إلى أن يرتاح قلبه في شأنه.
هذا ما ذكرته في مقدمة كتاب التفسير عما يحتاجه المسلم المعاصر بالنسبة للسنة وشيء عادي أن أراعي ذلك في هذا الكتاب.
٥ - ولما كان هذا الكتاب ليس جمعًا للسنة فقط، بل جمع للسنة وحديث عن شيء من فقهها، وذلك من أهداف هذا الكتاب، فإنني أدخلت بعض تحقيقات أهل الاختصاص فيه، وذلك شيء لابد منه لمريد فهم السنة؛ فهناك نصوص في السنة فهمها بعض الناس فهمًا خاطئًا فضلوا وأضلوا، كتلك الفرق المنشقة عن جسم الأمة الإسلامية.
وهناك نصوص يمكن أن يفهمها بعض الناس فهمًا خاطئًا كالنصوص التي تتحدث عن تسلسل الأحداث إلى قيام الساعة، وأقواله - ﵊ - من جوامع الكلم، وأفعاله كلها في غاية من الحكمة، وفي هذا وذاك يوجد الفقيه والأفقه، والاستفادة من فقه أهل الفقه مهمة.
وهناك نصوص تعددت في فهمها أو في الموقف منها آراء أئمة الاجتهاد فكان لابد من تبيان أسباب ذلك لتبقى ثقة الأمة الإسلامية بأئمتها على أشدها فذلك هو الذي يعصم من السير وراء الأهواء، أو عن الاندفاع وراء الآراء الشاذة، أو عن الخطأ في المواقف.
وهناك - أيضًا - قضايا كثيرة تحتاج إلى أن يذكر فيها تحقيق المحققين كل في
[ ١ / ٢٧ ]
اختصاصه، فمثلًا: تجد في السيرة كثيرًا من النصوص الصحيحة والحسنة تشير إلى حادثة بعينها، ولكنك لا تجد في النصوص الصحيحة والحسنة التفصيلات، فإذا ما وجدت تفصيلات عند أئمة السير والمغازي فهذه التحقيقات مهمة ومفيدة، فهي لا تخرج عن أن يكون مضمونها مذهبًا لصاحب التحقيق، فإذا كان إمامًا فلنا في هذه الحالة أن نتابعه في قضية ليس فيها نص مخالف، وفي قضايا العقائد أو السلوك أو الفقه أو الطب أو التفسير نجد تحقيقات مهمة ومفيدة، تعين على الفهم أو تجيب على تساؤلات.
كل ذلك دعاني إلى إدخال تحقيق أهل التحقيق من أهل الاختصاص في هذا الكتاب، ولكن بأقصى ما أستطيع من الاختصار حتى لا يتوسع حجم الكتاب، وعلى هذا الهدي علقت وحشيت وهمشت وأدخلت كثيرًا من الفوائد ليحقق الكتاب مجموع أهدافه.
٦ - وإذ كنت مولعًا بالبحث عن الكليات وربط أجزائها بها فقد راعيت في هذا الكتاب أن تأخذ موضوعات السنة محلها ضمن تسلسل يستشعر فيها القارئ وحدة السنة النبوية وكأنها في الأصل كتاب واحد.
٧ - وقارئ هذا الكتاب يخرج بانطباع أنه أمام أعظم هدي بشري لنبي. وقد راعيت فيه أن لا يمل قارئه وأن يزداد رغبة في القراءة كلما أوغل فيه، كما راعيت فيه أن يخرج قارئه وقد فقه السنة حق الفقه، مركزًا على ما يغفل عنه أبناء العصر من موضوعات تفرضها وقائع ومناقشات.
٨ - وقد بذلت جهدًا كبيرًا في تحقيق روايات بعض الكتب التي لم تنل من التحقيق ما يكفي، مما يعتبر وحده جهدًا تتوجه إليه مقاصد الراغبين في السنة، كمجمع الزوائد للهيثمي، وقمت بضبط وتحقيق وتشكيل ما يشكل على القارئ العادي، معتمدًا في ذلك على مصادر السنة الصحيحة المحققة وكتب اللغة المعتمدة.
٩ - وقد كان لأعداء الإسلام دور كبير في محاولة التشكيك في السنة وفي بعض معانيها، مما جعلني ألحظ ذلك في تأليف هذا الكتاب بشكل غير مباشر، بحيث تعود الكرة إلى مرمى أهلها، فيصبح ما هو محل تشكيك في زعمهم محل إيمان كما هو في الواقع والحقيقة.
[ ١ / ٢٨ ]
١٠ - وإذا كانت بعض الموضوعات تحتاج إلى الاستفادة من معطيات عصرنا، وإذ كانت بعض معطيات عصرنا تُظهر من معجزات نبينا ﷺ الكثير، فقد كان هذا وهذا محل تركيز في هذا الكتاب.
١١ - ثم إن المسلم في عصرنا يحتاج إلى أن تفتح أمامه آفاق جديدة على الحاضر والمستقبل التزامًا وتطبيقًا، وأملًا وتفاؤلًا، وإذ كانت النصوص تعطي هذا كله فقد كان هذا محل تركيز في الكتاب، خاصة وأن بعض الموضوعات قد فهمت فهمًا مغلوطًا انعكس على نفسية الأمة يأسًا وإحباطًا.
١٢ - وكما أن بعض الموضوعات قد ركزت عليها شرحًا وتقديمًا وتعليقًا وتلخيصًا وإلحاقًا إياها بمسائل وفوائد، فإنني سردت أحاديث بعض الموضوعات سردًا؛ لرؤيتي أن حاجة المسلم هي تملي هذه النصوص صرفًا لم تُشبْ بتعليقات الرجال.
١٣ - ومع هذا كله فإن هذا الكتاب لا يعتبر شرحًا تقليديًا للسنة ولا يعتبر تحقيقًا تقليديًا لها، ولكنه كتاب يعطيك السنة عن أقرب طريق ويعطيك فهمًا لها عن أيسر طريق، الحشو فيه مستبعد، والتعقيد فيه متروك، هذا مع المحاولة بألا يفوتك شيء من الهدي النبوي إن شاء الله.
١٤ - والأصل عندي أن أختصر ما أمكن ليسهل على القارئ الاستيعاب السريع، ولذلك لم أكرر إلا حيث وجدت ملحظًا يقتضي التكرار: إما لإعلام أن أكثر من صحابي قد روى معنى من المعاني، وإما لضرورة أن يكرر حديث في أكثر من مكان إلى غير ذلك من الضرورات، ولقد أهملت بعض المعاني الفنية عمدًا رغبة في الاختصار، حيث أجد أن ما أذكره كاف ليثق المسلم فيعتقد ويعمل.
ومن باب الاختصار أيضًا أنني في بداية كل حديث أذكر من أخرجه، ثم أحذف السند، وأكتفي بالصحابي الذي رواه فأقول مثلًا: روى البخاري عن أبي هريرة وكان ينبغي أن يقال: روى البخاري بسنده عن أبي هريرة، ولكن حذفت الجار والمجرور تخفيفًا، اعتمادًا على أن هذا مفهوم من الكلام، ويستطيع القارئ الكريم أن يقدرهن بناء على معرفته بشرط هذا الكتاب.
[ ١ / ٢٩ ]
١٥ - وفي عملية جمع النصوص من أصول هذا الكتاب صادفني أن بعض الروايات موجودة في أكثر الأصول فلم أر أن أذكر الصول كلها في العزو لأن ذلك يضخم حجم الكتاب دون فائدة للقارئ العادي، ولذلك اختصرت في العزو بالقدر الذي يحقق الغرض، وإذ كانت أكثر روايات الأصول الزائدة على الكتب الستة تكرارًا لما في الكتب الستة، فإنك لا تجد كثيرًا من العزو إلى هذه الأصول، فلا تظنن أن هذا قصور في الكتاب.
١٦ - وعلى عادتي فيما أؤلف فإنني لا أتوانى أن أنقل تحقيقات المحققين مما يحتاجه كتابي، دون أن أحاول إعادة صياغته، ولا حرج عليَّ في كل ما فعلته فلقد درج علماء المسلمين خلال العصور على أن يعتبروا مجرد الدمج بين كتابين أو أكثر هدفًا، وأن يعتبروا الانتقاء والاختيار من كتاب أو مجموعة كتب هدفًا، وأن يزيد اللاحق على فعل السابق آخذًا جهده مضيفًا إليه هدفًا، ومجرد تجميع الفوائد من كتب متعددة هدفًا.
فإذا حاولت أن أوجد عقد جوهر من جواهر مبثوثة، فإني لا أجد حرجًا من أن أكثر النقل فقد لا يصل الكتاب المنقول عنه إلى قارئي فأكون وسيطًا، ثم إن كثيرين يعرضون بعض الأمور عرضًا موفقًا قد لا أطيقه لو أني أردته، فماذا لو أنني رصعت كتابي بفوائد أمثال هؤلاء؟!
١٧ - وقد أفدت من تحقيقات البوصيري لزوائد ابن ماجه، وتحقيقات عبد الله اليماني لجمع الفوائد وتحقيقات عبد القادر أرناؤوط لجامع الأصول وتحقيقات الهيثمي لمجمع الزوائد وتحقيقات الذهبي للحاكم وتحقيقات الشيخ عبد الفتاح أبو غدة وناصر الألباني وشعيب الأرناؤوط وغيرهم، فجزى الله الجميع خيرًا.
١٨ - ولعل قصة الجهد الذي بذلناه في هذا الكتاب تجعل لنا عند أهل الإنصاف عُذرًا فيما يرونه من تقصير، فلكي أتجنب أخطاء النقل الكتابي، ولكي لا يفوتني حديث من أحاديث الكتب التي قررت أن أجمع منها هذا الكتاب، فقد جعلت كل حديث من أصول هذه الكتب في ورقة مستقلة تصويرًا أو أخذًا مباشرًا من نسخ هذه الكتب، حتى إذا انتهى
[ ١ / ٣٠ ]
هذا الجهد، وجدتني أمام عشرات الآلاف من أوراق، فبدأت بحذف الضعيف، وضم النظير إلى النظير، على ضوء نظرية جامعة في الترتيب والتبويب، ثم كانت مرحلة ثانية وثالثة ورابعة، وخامسة حتى استكمل هذا الكتاب شكله الذي أقدمه إليك.
ونرجو من أي إنسان عنده علم في السنة أن يقدم لنا ملاحظاته، فنحن بفضل الله نفرح إن أهدانا أحد هدية الدلالة على خطأ.
* * *
[ ١ / ٣١ ]
أقسام الكتاب
وقد جعلت هذا الكتاب مقدمة وخمسة أقسام:
المقدمة: وفيها تعريف بهذا الكتاب ومنهج البحث فيه، وإلمامه بأصوله، وتعريف بالجهود الكبرى التي جمعت بين هذه الأصول وأفدت منها.
وجعلت القسم الأول من الكتاب في السيرة النبوية، لأن التعريف بالرسول ﷺ مقدم على التعريف بالرسالة، ولأن الإيمان بالرسول ﷺ هو المقدمة العادية لتلقي هديه.
وجعلت القسم الثاني في العقائد، لأنها هي الأساس، وعنها يصدر العمل وإذا صحت وجد القبول، ولأنها أول ما يخاطب به الإنسان، وهي المظهر الأول لدعوة رسول الله ﷺ فناسب أن يكون أول ما يطالعه الإنسان بعد سيرة رسول الله ﷺ العقائد، وقد جمعت في قسم العقائد بين الفهم الفطري للنصوص، ومباحث الأصوليين، وتحقيق المحققين.
وجعلت القسم الثالث في العبادات الرئيسية وما هو ألصق بها.
وجعلت القسم الرابع في الأخلاقيات وأحكام الحياتيات والعاديات.
وجعلت القسم الخامس في الحكم وما أهو ألصق به وفي حقوق الإنسان.
وسنرى أن الربط بين أبحاث كل قسم والتسلسل بين الأقسام كان قويًا لدرجة يجعل الكتاب بعضه أخذًا برقاب بعض، وقد لحظت في هذا الترتيب معاني تربوية ونفسية نرجو أن تكون ذا نفع.
* * *
وبعد: فهاك السنة النبوية تكاد تكون مجموعة من كتاب، وإني لأرجو لمن قرأ هذا الكتاب وكتاب الأساس في التفسير وكتاب الأساس في قواعد المعرفة وضوابط الفهم، أن يكون قد اجتمع له إبصار كامل بمواطن الحق والباطل والخطأ والصواب.
ولقد مرت على المسلمين أدوار، دور كانوا يأخذون فيه الكتاب والسنة وحدهما، ودور
[ ١ / ٣٢ ]
أخذوا فيه الكتاب والسنة مع أقوال العلماء كل بدليله، ودور أخذوا فيه أقوال العلماء بلا دليل وأهملوا دراسة الكتاب والسنة، مع أن أكثر أقوال العلماء تبحث في غير الأمور المشهورة في الكتاب والسنة، فحدث نتيجة لذلك أخطاء كثيرة، وجهل عريض، وغفلة كبيرة، ولا أزعم أنه ليست لهذا استثناءات ولكنه هو الغالب، ولعل جهدي في سلسلة (في المنهج) يشارك في إعادة الأمور إلى نصابها.
* * *
وها أنذا أكرر توجيه الدعوة لأهل العلم والفضل أن يوافوني بأي وجهة نظر - مباشرة أو عن طريق الناشر - أستكمل فيها ما فاتني، أو أحرر فيها ما ذكرته، أو أرصع بها هذا الكتاب، فكل ذلك أفتح له صدري بل أطلبه، وليس عندي من حرج أن يرُدُّ عليِّ من يردّ في كتاب أو مجلة سيارة أو في صحيفة، فإنني أرجو أن أستفيد من ذلك كله، لله وفي الله.
وإذا وجد أحد أن هذا الكتاب لم يبلغ الكمال فأي جهد بشري بلغ الكمال؟! إنما هو خطوة في طريق جمع الأحاديث الصحيحة والحسنة لعلي أو لعل غيري يسير خطوات أخرى نحو الكمال والله الموفق، وما يجد القارئ في هذا الكتاب من خير وسداد فمن الله تعالى وما يجد فيه من نقص وخلل فمني وأستغفر الله.
هذا وإني لأدعو الله - ﷿ - أن يتقبلني ويتقبل أعمالي وأن ينفع بها، كما أنني أدعو لنفسي ولكل من ساعدني في إنجاز هذا المشروع أو انتفع به أن يتغمدنا الله وأهلينا وذرياتنا برحمته، وأن يكرمنا برعايته، إنه سميع مجيب.
(رب اغفر لي ولوالدي رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)
[ ١ / ٣٣ ]
ثانيًا: تعريف بأصول هذا الكتاب ومصنفيها
أصول هذا الكتاب الحديثية سبعة عشر كتابًا، هي: صحيحا البخاري ومسلم، والسنن الخمسة لأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والدارمي، وموطأ الإمام مالك، ومسانيد الإمام أحمد وأبي يعلي الموصلي وأبي بكر البزار، وصحيحا ابن خزيمة وابن حبان، ومستدرك الحاكم، ومعاجم الطبراني الثلاثة.
والجامع لهذه الكتب لا يستطيع إلا أن يستهدي بجمع من جمع منها، احتياطًا في البحث، واسترشادًا بجهود المتقدمين، وبعض كتب الجمع هي السبيل الوحيد المتوفر عندي للوصول إلى مروياتها لأنها لم تطبع حتى تأليف هذا الكتاب.
وأهم ما انصبت عليه عملية الجمع قديمًا جمع الأصول الستة للبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي والترمذي والموطأ، وجمع زيادات بعض الكتب على الأصول الستة ولكن بتبديل الموطأ بابن ماجه، وهي عملية الجمع التي قام بها نور الدين الهيثمي، ثم الجمع بين الجامع للأصول ومجمع الزوائد، مضافًا إليهما زيادات من ابن ماجه وسنن الدارمي، والتي قام بها محمد بن محمد بن سليمان المغربي في كتابه جمع الفوائد.
ونحن في هذا الكتاب مع استرشادنا بكتاب جمع الفوائد الذي هو أرقى عمليات الجمع فقد جمعنا الروايات كلها من الأصول الأقرب حتى لا تفوتنا رواية من روايات الكتب الأصول فكانت المحصلة هي ما جمعناه لك أو اعتمدناه في هذا الكتاب.
وسنقدم لك في هذه الفقرة تعريفًا بأصول هذا الكتاب وأصحابها وتعريفًا ببعض من جمع الأصول الستة وبمجمع الزوائد وبجمع الفوائد.
* * *
[ ١ / ٣٥ ]
١ - الإمام البخاري وصحيحه
قال ابن الأثير - صاحب جامع الأصول - في ترجمة البخاري:
هو أبو عبد الله: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعفي البخاري.
وإنما قيل له: الجُعْفي لأن المغيرة - أبا جدِّه - كان مجوسيًا، أسلم على يد يمان البخاري، وهو الجعفي والي بُخارّى، فنُسب إليه حيث أسلم على يده.
وجُعْفي: أبو قبيلة من اليمن، وهو جُعْفي بن سعد العشيرة بن مذحج، والنسبة إليه كذلك.
ولد يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلّتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وتوفي ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة، إلا ثلاثة عشر يومًا، ولم يعقب ذكرًا.
والبخاري - الإمام في علم الحديث - رحل في طلب العلم إلى جميع محدثي الأمصار، وكتب بخراسان والجبال، والعراق والحجاز، والشام ومصر، وأخذ الحديث عن المشايخ الحفاظ.
منهم: مكي بن إبراهيم البلخي، وعبدان بن عثمان المروزي، وعبيد الله بن موسى العبسي، وأبو عاصم الشيباني، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، ومحمد بن يوسف الفريابي، وأبي نُعيم الفضل بن دُكَيّن، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسماعيل بن أبي أويس المدني، وغير هؤلاء من الأئمة.
وأخذ عنه الحديث خَلْقٌ كثير في كل بلدة حدث بها.
قال الفِرَبْرِي: سمع كتاب البخاري تسعون ألف رجل، فما بقي أحد يروي عنه غيري، وكذلك لا يروي اليوم - صحيح البخاري - عن أحد سواه.
وردَّ على المشايخ وله إحدى عشرة سنة، وطلب العلم وله عشر سنين.
[ ١ / ٣٦ ]
قال البخاري: خرجت كتاب الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث، وما وضعت فيه حديثًا إلا صليت ركعتين.
وقدم البخاري بغداد، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، لكل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوها على البخاري، فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث. فلما اطمأن المجلس بأهله، وانتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه. حتى فرغ من العشرة. والبخاري يقول: لا أعرفه. فأما العلماء فعرفوا بإنكاره أنه عارف، وأما غيرهم فلم يدركوا ذلك منه. ثم انتدب رجل آخر من العشرة فكان حاله معه كذلك، ثم انتدب آخر بعد آخر، إلى تمام العشرة، والبخاري لا يزيد على قوله: لا أعرفه.
فلما فرغوا التفت إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول، فهو كذا، والثاني كذا على النسق، إلى آخر العشرة، فرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، ثم فعل بالباقين مثل ذلك، فأقر له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل.
الجامع الصحيح
قال الشيخ محمد أبو شهبة:
كان الأئمة قبل البخاري لا يقصرون مؤلفاتهم على الأحاديث الصحيحة، بل كانوا يجمعون بين الصحيح والحسن والضعيف، تاركين التمييز بينها إلى معرفة القارئين والطالبين بنقد الأحاديث، والتمييز بين المقبول والمردد، إلى أن جاء البخاري فرأى أن يخص الصحيح بالتأليف، فألف كتابه الصحيح، وسماه:
(الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه).
وبذلك يكون الإمام البخاري قد خطا بالتأليف في الحديث خطوة موفقة يسرت
[ ١ / ٣٧ ]
معرفة الحديث والاحتجاج به على الطالبين، ولا سيما المتأخرين.
الحامل له على تأليف الصحيح:
وقد وجهه إلى هذا العمل الجليل كلمة سمعها من أستاذه إسحاق بن راهويه. روي عن البخاري أنه قال: كنت عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله ﷺ، قال: فوقع في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح، وقد قوّي عنده العزم رؤيا رآها فقد روي عنه أنه قال:
رأيت النبي ﷺ وكأني واقف بين يديه، وبيدي مروحة أذب بها عنه، فسألت بعض المعبرين فقال لي: أنت تذب الكذب عن حديث رسول الله ﷺ، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح.
منهج البخاري في جمع الصحيح:
لقد نهج البخاري في جمع صحيحه منهجًا يدعو إلى الثقة والاطمئنان إلى صحة أحاديثه، وقد بالغ في التحري عن الرواة، والتوثق من صحة المرويات، وبذل في هذا أقصى ما وصل إليه الجهد الإنساني، وما زال يوازن بين المرويات، ويمحصها، ويتخير منها ما تركن إليه نفسه حتى صار كتابه إلى الحالة التي هو عليها تحريرًا وتنقيحًا، يدل على ذلك ما روي عنه أنه قال: صنفت هذا الجامع من ستمائة ألف حديث - في ست عشرة سنة.
ومع أن البخاري اتبع في جمع صحيحه قواعد البحث العلمي الصحيح فقد استلهم الجانب الروحي من نفسه، قال تلميذه الفربري. سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: صنفت كتاب الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثًا إلا استخرت الله، وصليت ركعتين، وتبينت صحته.
ومراده أنه بوب أبوابه، ووضع أساسه في المسجد الحرام، ثم بيض تراجمه، وأصوله في
[ ١ / ٣٨ ]
الروضة (١) بين قبر النبي ﷺ ومنبره، ثم صار يجمع ما يتيسر له من الأحاديث، ويضعها في أبوابها اللائقة بها في الحرمين وغيرهما من البلاد التي ارتحل إليها، وقد مكث في تأليف صحيحه ست عشرة سنة، وهو يحرر ويدقق، وينتقي ويتخير ما هو على شرطه حتى جاء كتابه على ما أحب، ويحبه طلاب الحقيقة، ورواد البحث.
وبذلك اجتمع لهذا الكتاب الصحيح من دواعي التوفيق إلى الحق والصواب ما لم يجتمع لغيره، فلا عجب أن كانت له منزلة سامية في نفوس العلماء، وأن تلقته الأمة الإسلامية بالقبول والاطمئنان إلى ما فيه، وأن استحق أن يطلق عليه أنه أصح الكتب المدونة في الحديث النبوي.
براعة البخاري في النقد:
وللإمام البخاري في تعديل الرجال وتجريحهم، ونقد المتون، ونقد الرواية شروط عالية دقيقة، وشفوف نظر، وملكة عجيبة اكتسبها من طول ما بحث، ونقد، ومن طول ما عرض له من علل الأسانيد والمتون وذلك: كالنطاسي البارع الذي يحصل له من طول ملازمته لمهنة الطب وكثرة ما عرض عليه من الأمراض، نوع من العلم، قد يصل إلى حد الإلهام، بالعلل والأمراض، والوقوف على حقيقتها ومكامنها مهما كانت خفية، أو كانت عوارضها غير واضحة. وكالصيرفي الماهر الذي اكتسب بطول ملازمته الصيرفة التمييز بين النقود الجيدة السليمة، والنقود الزائفة وربما تسأله عن السبب في الحكم عليها فلا يجيب.
وهذه الملكة في التمييز بين الصحيح من الحديث والعليل تكاد تكون عند معظم أئمة الحديث وجهابذته، وإن كانوا يتفاوتون فيها على حسب الأصالة في النقد والاستعداد، وسعة الاطلاع ولعلك لمحت هذا التنظير بين المحدثين والأطباء في كلمة الإمام مسلم للبخاري: (يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله) وبين المحدثين والصيارفة في تعبيرهم عن نقاد الحديث: (صيارفته).
_________________
(١) في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة".
[ ١ / ٣٩ ]
شروط البخاري في التصحيح في القمة:
من المعروف المقرر عند أئمة الحديث وعلمائه أن شروط الحديث الصحيح أن يكون: راويه مسلمًا، عاقلًا، صادقًا، غير مدلس ولا مختلط (١)، متصفًا بصفات العدالة (٢)، ضابطًا لما يرويه، متحفظًا عليه، سليم الذهن والحواس التي لابد منها في السماع والضبط، قليل الوهم - الغلط - سليم الاعتقاد.
وأن يكون إسناده (٣) متصلًا، فلا إرسال فيه، ولا انقطاع، ولا إعضال (٤) وأن يكون متن الحديث غير شاذ، ولا معلل (٥).
فإذا اجتمعت هذه الشروط في الحديث كان صحيحًا - يعني في نسبته إلى قائله - وترجح ترجحًا قويًا في صدق هذه النسبة يكاد يصل عند أهل هذا الفن المتمرسين فيه إلى حد العلم واليقين.
ومن ثم يتبين لنا أن الشروط التي وضعها المحدثون لصحة الحديث تقتضي الثقة والطمأنينة، وترجح جانب الصدق على الكذب، والصواب على الخطأ، ومما ينبغي أن يعلم أن البخاري لم ينقل عنه أنه قال: شرطي في صحيحي كذا وكذا على التفصيل والتصريح كما يصنع بعض المؤلفين، وإنما عرف ذلك من سبر (٦) كتابه، والبحث فيه.
_________________
(١) المدلس: هو الذي يروي عمن عاصره ما لم يسمعه منه موهمًا أنه سمعه منه، والمختلط: هو الذي طرأ عليه كثرة الغلط أو الخطأ بسبب كبر سن أو عمى أو ضياع كتبه مثلًا.
(٢) العدالة: ملكة أي حالة نفسية راسخة تحمل على ملازمة التقوى، والمروءة. والتقوى: امتثال المأمورات واجتناب المنهيات فلا يفعل كبيرة ولا يصر على صغيرة، ولا يكون مبتدعًا بدعة تخل بعدالته. والمروءة: آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات فيترفع عن صغائر الخسة، والمباحات التي تواضع العرف على إخلالها بالكرامة.
(٣) السند والإسناد: هم الرواة الذين يروون الحديث.
(٤) المرسل: من الحديث: ما حذف من سنده الصحابي، والمنقطع: ما حذف من سنده راو واحد غير الصحابي ولو في مواضع، والمعضل: ما حذف من سنده إثنان فأكثر على التوالي.
(٥) الشاذ: هو الحديث الذي خالف فيه الثقة من هو أوثق منه، والمعلل: ما اطلع فيه على علة خفية غامضة تطعن في صحة الحديث.
(٦) اختبرها وتعرف عليها.
[ ١ / ٤٠ ]
والذي استخلصه العلماء بعد البحث والتتبع أن الإمام البخاري في صحيحه التزم أعلى درجات الصحة، ولا ينزل عن هذه الدرجة إلا في بعض الأحاديث التي ليست من أصل موضوع الكتاب كالمتابعات والشواهد (١)، والأحاديث المروية عن الصحابة والتابعين.
وليس من شك في أن الرواة يتفاوتون في الأخذ عن شيوخهم إتقانًا وضبطًا، وطول ملازمة ومصاحبة وقلة ذلك، كما يتفاوتون في العدالة والأمانة، والبخاري في صحيحه إنما يعتمد من الرواة من كانوا في أعلى الدرجات من هذه الصفات وسأوضح ذلك بمثال: ذلك أن تلامذة الإمام الزهري مثلًا على خمس طبقات ودرجات ولكل طبقة مزية على التي تليها:
الطبقة الأولى: هم الذي امتازوا بالعدالة والحفظ والإتقان والأمانة، وطول الملازمة للزهري في السفر والحضر مثل: مالك وسفيان بن عيينة ورجال هذه الطبقة هم مقصد البخاري في صحيحه.
الطبقة (٢) الثانية: وهم الذين شاركوا الأولى في التثبت والأمانة، إلا أن رجال الأولى امتازوا بطول المصاحبة للزهري سفرًا وحضرًا، أما رجال الثانية فلم يلازموا الزهري إلا مدة يسيرة فكانوا في الإتقان والمعرفة بحديثه دون الأولى، وذلك مثل: الأوزاعي والليث بن سعد ورجال هذه الدرجة الثانية يعتمد رواياتهم الإمام مسلم، أما البخاري فلا يخرج من أحاديثهم إلا قليلًا في غير أصول الكتاب كما ذكرنا آنفًا.
الطبقة الثالثة: " وه من دون الثانية مثل: جعفر بن برقان وزمعة بن صالح، فلا يخرج لهم البخاري أصلًا. وقد يخرج لهم في المتابعات والشواهد.
أما رجال الطبقة الرابعة والخامسة: وهم المجروحون والضعفاء فلا يخرج لهم البخاري ومسلم.
وهكذا يتبين لنا أن شرط البخاري في صحيحه في القمة.
* * *
_________________
(١) المتابعة: موافقة راو لراو آخر في رواية لفظ الحديث، والشاهد: الحديث الذي يوافق حديثًا آخر في معناه.
(٢) الطبقة: هم الرواة الذين تقاربوا في السن ولقاء الشيوخ.
[ ١ / ٤١ ]
٢ - الإمام مسلم وصحيحه
قال ابن الأثير في ترجمة مسلم:
هو أبو الحسين: مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أحد الأئمة الحفاظ.
ولد سنة ست ومائتين، وتوفي عشية يوم الأحد لست بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين.
رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر.
وأخذ الحديث عن يحيى بن يحيى النيسابوري، وقتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن الجعد، وأحمد بن حنبل، وعبيد الله القواريري، وشريح بن يونس، وعبد الله بن مسلمة القعْنبي، وجرملة بن يحيى، وخلف بن هشام، وغير هؤلاء من أئمة الحديث وعلمائه.
وقدم بغداد بغير مرة وحدث بها.
روى عنه خلق كثير؛ منهم: إبراهيم بن محمد بن سفيان، ومن طريقه روينا صحيحه، وكان آخر قُدومه بغداد سنة سبع وخمسين ومائتين.
قال أحمد بن سلمة: رأيت أبا زُرعة وأبا حاتم يُقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على أهل عصرهما.
وقال الحسن بن محمد الماسِرُجِسي: سمعت أبي يقول: سمعت مسلمًا يقول: صنفت (المسند الصحيح) من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة.
وقال محمد بن إسحاق بن منده، سمعت أبا عليّ بن عليّ النيسابوري يقول: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث.
وقال أبو عمرو بن محمد بن حمدان الحيري: سألت أبا العباس بن عُقْدة عن محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري أيهما أعلم؟
فقال: كان البخاري عالمًا، وكان مسلم عالمًا، فكررت عليه مرارًا وهو يجيبني بمثل هذا
[ ١ / ٤٢ ]
الجواب، ثم قال: يا أبا عمرو: قد يقع للبخاري الغلط في أهل الشام، وذلك أنه أخذ كتبهم، فنظر فيها، فربما ذكر الواحد منهم بكنيته، ويذكره في موضع آخر باسمه، ويتوهم أنهما اثنان، فأما مسلم، فقلما يقع له الغلط، لأنه كتب المقاطيع والمراسيل.
وقال محمد بن يعقوب الأخرم - وذكر كلامًا معناه -: قلما يفوت البخاري ومسلمًا مما يثبت في الحديث حديث.
قال الخطيب أبو بكر البغدادي: إنما قفا مسلم طريق البخاري، ونظر في علمه وحذا حذوه.
ولما ورد البخاري نيسابور في آخر مرة، لازمه مسلم، وأدام الاختلاف إليه.
وقال الدارقطني: لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء.
صحيح الإمام مسلم
وهو أحد الكتابين اللذين هما أصح الكتب بعد كتاب الله ﷿، واللذين تلقتهما الأمة الإسلامية بالقبول.
وقد بالغ الإمام مسلم في البحث والتحري عن الرجال، والتمحيص للمرويات، والموازنة بينهما، والتدقيق في تحرير الألفاظ، والإشارة إلى الفروق بينها، حتى جاء صحيحه على الهيئة الكاملة، التي ينشدها أهل البحث والمعرفة.
وليس أدل على هذا من أنه انتقى كتابه من ألوف الروايات المسموعة، روى عنه أنه قال: (صنفت هذا الصحيح من ثلثمائة ألف حديث).
والكتاب ثمرة حياة مباركة استغلها صاحبها في السفر والارتحال والكد والجد، والجمع والحفظ، والكتابة والتنقيح، حتى كان كما ترى صحة وتهذيبًا وتنسيقًا، وقد مكث هو وبعض تلاميذه يكتبون ويحررون حتى تم تأليفه في خمس عشرة سنة.
روي عن أحمد بن سلمة أنه قال: كتبت مع مسلم في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة وهو اثنا عشر ألف حديث.
[ ١ / ٤٣ ]
فلا تعجب إذا كان مسلم يشيد بذكر صحيحه فيقول - تحدثًا بنعمة ربه عليه -: لو أن أهل الأرض يكتبون الحديث مائتي سنة ما كان مدارهم إلا على هذا المسند.
ويدل على شدة تحريه، واستيثاقه من المرويات قوله: ما وضعت شيئًا في كتابي هذا إلا بحجة، وما أسقطت منه شيئًا إلا بحجة.
سماحة الإمام في البحث:
ولم يكن مسلم متعصبًا لرأيه بل كان يتسم بسمة العلماء الذين يبتغون الحق، ولا عليهم لو ظهر على لسان أي شخص كان، ولا يرون غضاضة في الرجوع إلى الحق إذا ظهر، بل يعتبرونه فضيلة.
وبعد انتهائه من تدوين صحيحه عرضه على أئمة هذا العلم النبوي الشريف. روى الخطيب بإسناده عن مكي بن عبدان أحد حفاظ نيسابور قال: سمعت مسلمًا يقول: عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي (١)، فكل ما أشار أنه له علة تركته، وكل ما قال إنه صحيح وليس له علة خرجته.
وهذا غاية التواضع، وعدم الاغترار بالنفس، والإعجاب بالرأي، وهو أدب عال من آداب البحث في الإسلام.
منهج مسلم في صحيحه:
لم ينص الإمام مسلم على أن شرطه في صحيحه (٢) هو كذا، وإنما استخرج العلماء ذلك من النظر في كتابه؛ والذي استخلصوه أن شرطه في صحيحه أنه لا يخرج الأحاديث إلا عن العدول الضابطين، الموثوق بصدقهم وأمانتهم، وحفظهم ويقظتهم وعدم غفلتهم، كما يخرج عمن دون ذلك من الرواة وأنه لا يخرج في كتابه بالأصالة إلا الأحاديث المسندة المتصلة المرفوعة إلى النبي ﷺ.
_________________
(١) هو حافظ عصره عبيد الله بن عبد الكريم، كان من أفراد الدهر حفظًا وذكاء ودينًا، وإخلاصًا، وعلمًا وعملًا، وكانت وفاته سنة أربع وستين ومائتين.
(٢) وذلك فيما عدا العنعنة فقد ذكر في مقدمة صحيحه اكتفاءه في إفادتها الاتصال بالمعاصرة ولم يشترط الملقي وأنحى باللائمة على من اشترطه أيضًا.
[ ١ / ٤٤ ]
ومعنى هذا أنه لم يلزم نفسه بما التزم به البخاري من مراعاة مستوى خاص في الرواية والرواة، بل توسع في شرطه فروى عن رواة لم يرو لهم البخاري في صحيحه، ولعلك على ذكر من المثال الذي ذكرناه أثناء الكلام على شرط البخاري في صحيحه، وهو أن تلامذة الإمام ابن شهاب الزهري على خمس طبقات: الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ولكل طبقة مزية على التي تليها في الحفظ والإتقان وطول الملازمة والصحبة.
وقد ذكرنا هناك أن البخاري يخرج أحاديث الطبقة الأولى، ويخرج من أحاديث الطبقة الثانية قليلًا وفي غير أصول الكتاب.
أما مسلم فيخرج أحاديث رجال الطبقة الأولى والثانية استيعابًا، ويخرج من أحاديث الطبقة الثالثة قليلًا، وذلك في المتابعات والشواهد لا في أصل الكتاب، ولعل فيما ذكره مسلم في مقدمة صحيحه ما يلقي لنا ضوءًا نتعرف به شرطه في صحيحه ذلك أنه قسم الأحاديث ثلاثة أقسام:
الأولى: ما رواه الحفاظ المتقنون.
الثاني: ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والإتقان.
الثالث: ما رواه الضعفاء والمتروكون وقد ذكر أنه إذا فرغ من القسم الأول أتبعه الثاني وأما الثالث فلا يعرج عليه (١) وهو يؤيد ما ذكرناه.
خصائص صحيح مسلم:
وقد امتاز صحيح مسلم بأن مؤلفه سلك فيه طريقة حسنة، ذلك أنه يجمع المتون كلها بطرقها في موضع واحد، ولا يفرقها في الأبواب، ولا يكررها إلا في القليل النادر، إلا إذا كانت هناك ضرورة لهذا التكرار كفائدة زائدة في سند الحديث أو متنه.
وقد سهل له هذا المنهج أنه لم يقصد أن يضم إلى جمع الأحاديث بيان فقهها واستنباط الأحكام والآداب منها.
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي جـ ١ ص ٤٨.
[ ١ / ٤٥ ]
أما البخاري فقد قصد إلى ذلك فمن ثم اضطر إلى طريقته التي سلكها في صحيحه.
ومن هذه الخصائص: التدقيق في الألفاظ، والمحافظة على اللفظ ما وسعه الأمر حتى إذا خالف راوٍ راويا آخر في لفظه والمعنى واحد فرواها بعضهم بلفظ والآخر بلفظ آخر، بينهُ، وكذا إذا قال راوٍ (حدثنا) وقال آخر (أخبرنا) (١) بيّن الخلاف في ذلك، وكذلك إذا روى الحديث جماعة وكانت هناك مغايرة في بعض الألفاظ فإنه يبين أن اللفظ المذكور من رواية فلان، ولذا تجده يقول ي هذا النوع من الحديث: (واللفظ لفلان) وهذا غاية الدقة والأمانة في النقل اللتين امتاز بهما مثل الإمام مسلم.
وأيضًا فقد حرص مسلم أن لا يذكر في كتابه إلا الأحاديث المسندة المرفوعة - أي المنسوبة إلى النبي ﷺ - فلذلك لم يذكر أقوال الصحابة ولا التابعين وليس فيه بعد المقدمة إلا الأحاديث المرفوعة.
وكذلك لم يكثر مسلم في كتابه من الأحاديث المعلقة (٢) فليس فيه إلا اثنا عشر حديثًا وهي في المتابعات لا في أصول الكتاب ومقاصده، هذا وهناك - غير ما ذكرنا - خصائص تظهر لمن يدرس الكتاب حق الدرس.
* * *
_________________
(١) الذي عليه جمهور المحدثين - ومنهم مسلم - التفرقة بين حدثنا، وأخبرنا، فالأول: بما سمعه الراوي من لفظ شيخه، والثاني: لما قرأه التلميذ على شيخه.
(٢) هي ما حذف من مبتدأ إسنادها واحد أو أكثر.
[ ١ / ٤٦ ]
٣ - الإمام أبو داود وسننه
قال ابن الأثير في ترجمة أبي داود:
هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني، أحد من رحل وطوف، وجمع وصنف، وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين.
ولد سنة اثنين ومائتين، وتوفي بالبصرة لأربع عشرة بقيت من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين.
وقدم بغداد مرارًا، ثم خرج منها آخر مراته سنة إحدى وسبعين.
وأخذ الحديث عن مسلم بن إبراهيم، وسليمان بن حرب، وعثمان بن أبي شيبة وأبي الوليد الطيالسي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، ومُسدد بن مُسرْهد، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وقتيبة بن سعيد، وأحمد بن يونس، وغير هؤلاء من أئمة الحديث، ممن لا يحصى كثرة.
وأخذ الحديث عنه: ابنه عبد الله، وأبو عبد الرحمن النسائي، وأحمد بن محمد الخلال، وأبو علي محمد بن عمرو اللؤلؤي، ومن طريقه نروي كتابه.
وكان أبو داود سكن البصرة.
وقدم بغدد، وروى كتابه المصنَّف في (السنن) بها، ونقلها أهلها عنه، وصنفه قديمًا، وعرضه على أحمد بن حنبل، فاستجاذه واستحسنه.
قال أبو بكر بن دَاسة: قال أبو داود: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب - يعني كتاب السنن - جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث ذكرت الصحيح، وما يشبهه ويقاربه. ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديثز
[ ١ / ٤٧ ]
أحدها: قوله ﵊: "إنما الأعمال بالنيات".
والثاني: قوله ﷺ: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
والثالث: قوله ﷺ: "لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه".
والرابع: قوله ﷺ: "إن الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات الحديث.
وقال أبو بكر الخلال: أبو داود: سليمان بن الأشعث: الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعها أحد في زمانه، رجل ورع مقدم.
وكان إبراهيم الأصفهاني، وأبو بكر بن صدقة، يرفعان من قدره، ويذكرانه بما لا يذكران أحدًا في زمانه بمثله.
وقال أحمد بن حنبل بن ياسين الهروي: كان سليمان بن الأشعث، أبو داود، أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله ﷺ، عِلْمِهِ وعِلَلِهِ وسَنَدِهِ، وكان في أعلى درجة من النسك والعفاف، والصلاح والورع، من فرسان الحديث.
وقال محمد بن أبي بكر بن عبد الرزاق: كان لأبي داود كُمٍّ واسع وكُمٍّ ضيق، فقال له: يرحمك الله! ما هذا؟ قال: الواسع للكتب، والآخر لا نحتاج إليه.
وقال أبو سليمان لخطابي: كتاب (السنن) لأبي داود، كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من كافة الناس، على اختلاف مذاهبهم، فصار حَكَمًا بين فرق العلماء، وطبقات الفقهاء، فلكل فيه ورد، ومنه شرب، وعليه معول أهل العراق ومصر وبلاد المغرب، وكثير من مدن أقطار الأرض، فأما أهل خراسان، فقد أولع أكثرهم بكتاب محمد بن إسماعيل البخاري، وكتاب مسلم بن الحجاج النيسابوري.
وقال: قال أبو داود: ما ذكرت في كتابي حديثًا اجتمع الناس على تركه.
وكان تصنف علماء الحديث قبل زمان أبي داود: (الجوامع) و(المسانيد) ونحوهما، فتجمع تلك الكتب - إلى ما فيها من (السنن) و(الأحكام) - أخبارًا وقصصًا، ومواعظ
[ ١ / ٤٨ ]
وأدبًا. فأما (السنن) المحضة، فلم يقصد أحد منهم إفراده واستخلاصها من أثناء تلك الأحاديث، ولا اتفق له ما اتفق لأبي داود، ولذلك حل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب، فضربت إليه أكباد الإبل، ورامت إليه الرحل.
قال إبراهيم الحربي لما صنف أبو داود هذا الكتاب، أُلين لأبي داود الحديث، كما أُلين لداود ﵇ الحديد.
وقال ابن الأعرابي عن كتاب أبي داود: لو أن رجلًا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله - ﷿ - ثم هذا الكتاب، لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة.
* * *
[ ١ / ٤٩ ]
٤ - الإمام الترمذي وسننه
قال ابن الأثير في ترجمة الترمذي:
هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السُّلمي الترمذي، وُلد سنة تسع ومائتين.
وتوفي بـ (ترمذ) ليلة الاثنين الثالث عشر من شهر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين، وهو أحد العلماء الحفاظ الأعلام، وله في الفقه يد صالحة.
أخذ الحديث عن جماعة من أئمة الحديث، ولقي الصدر الأول من المشايخ مثل: قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن موسى، ومحمود بن غيلان، وسعيد بن عبد الرحمن، ومحمد بن بشار، وعلي بن حجر، وأحمد بن منيع، ومحمد بن المثنى، وسفيان بن وكيع، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وغير هؤلاء، وأخذ عن خلق كثير لا يحصون كثرة.
وأخذ عنه خلق كثير: منهم محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي المروزي، ومن طريقه روينا كتابه (الجامع).
وله تصانيف كثيرة في علم الحديث، وهذا كتابه (الصحيح) أحسن الكتب وأكثرها فائدة، وأحسنها ترتيبًا، وأقلها تكرارًا، وفيه ما ليس في غيره: من ذكر المذاهب، ووجوه الاستدلال، وتبيين أنواع الحديث من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرح وتعديل، وفي آخره كتاب (العلل) قد جمع فيه فوائد حسنة لا يخفى قدرها على من وقف عليها.
قال الترمذي - رحمه الله تعالى -: صنفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب، فكأنما في بته نبي يتكلم.
وقال الترمذي: كان جدي مروزيًا انتقل من مرو، أيام الليث بن سيار.
* * *
[ ١ / ٥٠ ]
٥ - الإمام النسائي وسننه
قال ابن الأثير في ترجمة النسائي:
هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر بن سنان النسائي، ولد سنة خمس وعشرين ومائتين.
ومات بمكة سنة ثلاثة وثلاثمائة، وهو مدفون بها.
قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: سمعت أبا علي الحافظ غير مرة يذكر أربعة من أئمة المسلمين رآهم فيبدأ بأبي عبد الرحمن.
وهو أحد الأئمة الحفاظ العلماء، لقي المشايخ الكبار.
وأخذ الحديث عن قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن إبراهيم، وحميد بن مسعدة وعلي بن خشرم، ومحمد بن عبد الأعلى، والحاث بن مسكين، وهناد بن السري، ومحمد بن بشار، ومحمود بن غيلان، وأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وغير هؤلاء من المشايخ الحفاظ.
وأخذ عنه الحديث خلق كثير، منهم: أبو بشر الدولابي - وكان من أقرانه - وأبو القاسم الطبراني، وأبو جعفر الطحاوي، ومحمد بن هارون بن شُعيب، وأبو الميمون بن راشد، وإبراهيم بن محمد بن صالح بن سنان، وأبو بكر أحمد بن إسحاق السُّني الحافظ، ومن طريقه روينا كتابه (السنن).
وله كتب كثيرة في الحديث والعلل، وغير ذلك.
قال مأمون المصري الحافظ: خرجنا مع أبي عبد الرحمن إلى طرسوس سنة الفداء، فاجتمع جماعة من مشايخ الإسلام، واجتمع من الحفاظ عبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد ابن إبراهيم مُريِّعُ، وأبو الآذان، وكِيْلَجَةَ وغيرهم، فتشاوروا من ينتقي لهم على الشيوخ؟ فاجتمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي، وكتبوا كلهم بانتخابه.
[ ١ / ٥١ ]
وقال الحاكم النيسابوري: أما كلام أبي عبد الرحمن على فقه الحديث فأكثر من أن يذكر، ومن نظر في كتاب السنن له تحير في حسن كلامه.
وقال: سمعت علي بن عرم الحافظ غير مرة يقول: أبو عبد الرحمن مُقدِّم على كل من يذكر بهذا العلم في زمانه.
وكان شافعي المذهب، له مناسك، ألفها على مذهب الشافعي وكان ورعًا متحريًا، ألا تراه يقول في كتابه (الحارث بن مسكين قراءة عليه، وأنا أسمع) ولا يقول فيه: (حدثنا) ولا (أخبرنا) كما يقول عن باقي مشايخه.
وذلك: أن الحارث كان يتولى القضاء بمصر، وكان بينه وبين أبي عبد الرحمن خشونة، لم يمكنه حضور مجلسه، فكان يستتر في موضع، ويسمع حيث لا يراه فلذلك تورع وتحرى فلم يقل: حدثنا وأخبرنا.
وقيل: إن الحارث كان خائضًا في أمور تتعلق بالسلطان، فقدم أبو عبد الرحمن فدخل إليه في زي أنكره، قالوا: كان عليه قباء طويل، وقلنسوة طويلة فأنكر زيه، وخاف أن يكون من بعض جواسيس السلطان، فمنعه من الدخول إليه فكان يجيء فيقعد خلف الباب ويسمع ما يقرؤه الناس عليه من خارج، فمن أجل ذلك لم يقل فيما يرويه عنه (حدثنا، وأخبرنا).
وسأل بعض الأمراء أبا عبد الرحمن عن كتابه (السنن): أكله صحيح؟ فقال: لا، قال: فاكتب لنا الصحيح منهج مجردًا، فصنع المجتبي، فهو (المجتبي من السنن) ترك كل حديث أورده في (السنن) مما تكلم في إسناده بالتعليل، والله أعلم بالصواب.
* * *
[ ١ / ٥٢ ]
٦ - ابن ماجه وسننه
قال الشوكاني:
وأما ابن ماجه فهو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن عبد الله بن ماجه القزويني مولى ربيعة بن عبد الله.
ولد سنة تسع ومائتين، ومات يوم الثلاثاء لثمان بقين من رمضان سنة ثلاث أو خمس وسبعين ومائتين.
وهو أحد الأعلام المشاهير، ألف سننه المشهورة، وهي إحدى السنن الأربع وإحدى الأمهات الست. وأول من عدها من الأمهات ابن طاهر في الأطراف ثم الحافظ عبد الغني، قال ابن كثير: إنها كتاب مفيد قوي التبويب في الفقه.
رحل ابن ماجه وطوّف الأقطار وسمع من جماعة منهم أصحاب مالك والليث، وروى عنه جماعة منهم أبو الحسن القطان.
وقد تحدث صاحب الرسالة المستطرقة عن ابن ماجه وسننه بقوله:
وسنن أبي عبد الله محمد بن يزيد المعروف بابن ماجه، وهو لقب أبيه لا جده، ولا أنه اسم لأمه خلافًا لمن زعم ذلك، وهاؤه ساكنة وصلًا ووقفًا لأنه اسم أعجمي، الربعي نسبة إلى ربيعة مولاهم، القزويني نسبة إلى قزوين مدينة مشهورة بعراق العجم، المتوفى سنة ثلاثة أو خمس وسبعين ومائتين.
وهي التي كملت بها الكتب الستة والسنن الأربعة بعد الصحيحين، واعتنى بأطرافها الحافظ ابن عساكر ثم المزي مع رجالها، ولم يذكر ابن الصلاح والنووي وفاته، كما لم يذكرا كتابه في الأصول، بل جعلاها خمسة فقط تبعًا لمتقدمي أهل الأثر وكثير من محققي متأخريهم.
ولما رأى بعضهم كتابه كتابًا مفيدًا قوي النفع في الفقه ورأى من كثرة زوائده على الموطأ أدرجه على ما فيه في الأصول وجعلها ستة.
[ ١ / ٥٣ ]
وأول من أضافه إلى الخمسة مكملًا به الستة أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي في أطراف الكتب الستة له، وكذا في شروط الأئمة الستة له، ثم الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي في الكمال في أسماء الرجال، أي رجال الكتب الستة، الذي هذبه الحافظ جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي - بكسر الميم وتشديد الزاي المكسورة، نسبة إلى المزة قرية بدمشق - فتبعهما على ذلك أصحاب الأطراف والرجال والناس، ومنهم من جعل السادس الموطأ كرزين بن معاوية العبدري في التجريد، وأثير الدين أبي السعادات المبارك بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري الشافعي في جامع الأصول.
وقال قوم من الحفاظ منهم ابن الصلاح والنووي وصلاح الدين العلائي والحافظ ابن حجر: لو جعل مسند الدارمي سادسًا كان أولى، ومنهم من جعل الأصول سبعة فعد منها زيادة على الخمسة كلأ من الموطأ وابن ماجه، ومنهم من أسقط الموطأ وجعل بدله سنن الدارمي، والله أعلم.
وقد تحدث الدكتور محمد أديب الصالح في كتابه (لمحات في أصول الحديث) عن سنن بان ماجه فقال:
أحد السنن الأربع، وأحد الكتب الستة والأمهات: الصحيحين والسنن الأربع، وإنه - بشهادة العلماء الأثبات - غزير الفقه والفوائد، وفيه الكثير من الزيادات على الموطأ، بل والزيادات على الكتب الخمسة، فقد روى عنه الحافظ الذهبي أنه قال: عرضت هذه السنن على أبي زرعة فنظر فيه وقال: أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع أو أكثرها، ثم قال: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثًا مما في إسناده ضعيف. ووصفه الحافظ ابن كثير بأنه كتاب مفيد قوي التبويب في الفقه.
ومع شهادة العلماء بجودة هذا الكتاب لم يغفلوا ذكر ما فيه من الضعيف، قال ابن حجر: كتابه في السنن - يعني ابن ماجه - جامع جيد كثير الأبواب والغرائب وفيه أحاديث ضعيفة جدًا، وقد نقل مثل هذا الكلام عن ابن الأثير أيضًا: وكل هذه الأحاديث معروف
[ ١ / ٥٤ ]
عند العلماء متميز عن غيره من الصحيح. ولكن عدد الضعيف قليل إذا قيس بعدد الأحاديث التي يشتمل عليها الكتاب، فقد ذكر أبو الحسن القطان - من أصحاب ابن ماجه - أن في السنن - يعني سنن ابن ماجه - ألفًا وخمسمائة باب، وجملة ما فيها أربعة آلاف حديث. وهذه الجملة دقق فيها أحد علماء العصر الحديث، محمد فؤاد عبد الباقي ﵀، فبلغت في تعداده (٤٣٤١) حديثًا. من هذه الأحاديث (٣٠٠٢) حديثًا أخرجها أصحاب الكتب الخمسة كلهم أو بعضهم، ولكنه هو رواها من طرق غير طرقهم، وباقي الأحاديث مما يحتج به عند العلماء. وتفصيل الزوائد - كما أثبتها محمد فؤاد عبد الباقي في آخر الجزء الثاني من (سنن ابن ماجه) كما يلي:
(٤٣٨) أحاديث رجالها ثقات، وصحيحة الإسناد.
(١٩٩) أحاديث حسنة الإسناد.
(٦١٣) أحاديث ضعيفة الإسناد.
(٩٩) أحاديث واهية الإسناد أو منكرة أو مكذوبة.
وبعد هذا التقسيم قرر ﵀ أن من مزايا الكتاب: رواية أحاديث الكتب الخمسة من طرق أخرى يؤيد بعضها بعضًا مما يعطي الأحاديث قوة على قوة، ثم كون الأحاديث - صحيحة الإسناد وحسنة الإسناد - تشكل عددًا كبيرًا مما انفرد به، فإذا أضيف هذا إلى مزاياه الأخرى ظهرت لنا قيمة هذا الكتاب بشكل جلي.
* * *
[ ١ / ٥٥ ]
٧ - الدارمي وسننه
قال صاحب الرسالة المستطرقة:
وسنن أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد الصمد التميمي السمرقندي الدارمي، نسبة إلى دارم بن مالك بطن كبير من تميم، المتوفى بمرو سنة خمس وخمسين ومائتين، وله أسانيد عالية وثلاثياته (١) أكثر من ثلاثيات البخاري.
قال الدكتور أديب الصالح:
وذهب جماعة من العلماء منهم ابن الصلاح والنووي والحافظ ابن حجر إلى أنه لو جعل مسند الدارمي سادسًا (أي سادس كتب السنة المعتمدة) لكان أولى.
وقد قدم محقق سنن الدارمي: محمد أحمد دهمان، للسنن معرفًا بالسنن وبمؤلفها فقال:
هو الحافظ الكبير، شيخ الإسلام أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام ابن عبد الصمد التميمي السمرقندي الدارمي - بكسر الراء - نسبة إلى دارم بن مالك بن حنظلة ابن زيد مناة بن تميم أحد بطونه.
روى ابن عساكر بسنده إلى أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم الوراق قال: سمعت أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن يقول: ولدت سنة مات ابن المبارك سنة ١٨١ هـ.
نشأ على غاية من العقل والديانة يضرب به المثل في الحلم والدراية والحفظ والعبادة والزهد. ورحل في طلب الحديث فدخل مصر والشام والعراق والحرمين، وأظهر علم الحديث والآثار بسمرقند، وذب عنها الكذب، وكان مفسرًا كاملًا، وفقيهًا عالمًا، طلب للقضاء على سمرقند فأبى، فألح عليه السلطان حتى تقلده فقضى مرة واحدة ثم استعفى فأعفي.
توفى سنة (٢٥٥ هـ) يوم التروية بعد العصر ودفن يوم عرفة يوم الجمعة وهو ابن (٧٥)
_________________
(١) الثلاثية: السند الذي فيه ثلاثة رواة بين المؤلف والنبي ﷺ.
[ ١ / ٥٦ ]
سنة ودفن بمرو، وقيل إن وفاته سنة (٢٥٠ هـ) وهو وهم.
قال إسحاق بن أحمد: كنا عند محمد بن إسماعيل البخاري فورد عليه كتاب فيه نعي عبد الله بن عبد الرحمن فنكس رأسه ثم رفع واسترجع، وجعل يسيل دموعه على خديه ثم أنشد:
إن تبق تفجع بالأحبة كلهم وفناء نفسك لا أبالك أفجع
ولم يكن ينشد شعرًا إلا ما ورد في الأحاديث.
ومن مؤلفاته: التفسير، والجامع، والمسند وهو هذا.
شيوخه:
سمع من أبي مسهر ومروان بن محمد، وعبد الوهاب بن سعيد المغني والنضر بن شميل ويزيد بن هارون وسعيد بن عامر الضبعي وجعفر بن عون وزيد بن يحيى بن عبيد الدمشقي ووهب بن جرير وخالد بن مخلد وطبقتهم بالحرمين وخراسان والشام والعراق.
من روى عنه:
روى عنه البخاري في غير جامعه، ومسلم في صحيحه، وأبو داود، والترمذي، والنسائي خارج سننه، والحسن بن الصباح البزار، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وبقي بن مخلد، وعمر بن محمد البجيري، وجعفر بن محمد القرباني، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وعيسى بن عمر بن العباس السمرقندي، وغيرهم.
ثناء الأئمة عليه:
قال إسحاق سمعت محمد بن المبرد المحرمي ببغداد يقول: يا أهل خراسان! ما دام عبد الله بن عبد الرحمن بين أظهركم فلا تشتغلوا بغيره، قال إسحاق: وسمعت أبا سعيد الأشج يقول: عبد الله بن عبد الرحمن إمامنا. قال إسحاق: وسمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: إن عبد الله بن عبد الرحمن أعظم من ذاك فيما يقولون من البصر والحفظ وصيانة النفس عافاه الله.
[ ١ / ٥٧ ]
وقال إسحاق: سمعت شريح بن يونس البغدادي يقول: طوبى لكم يا أهل خراسان بعبد الله بن عبد الرحمن.
وقال محمد بن عبد الله بن بكير: غلبنا عبد الله بن عبد الرحمن بالحفظ والورع.
وقال عبد الرحمن بن أبي حتم سمعت أبي يقول: عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي إمام أهل زمانه.
وقال زاهر الخطيب السمرقندي: كنت عند أحمد بن حنبل فذكر عبد الله بن عبد الرحمن فقال: هو ذاك السيد، ثم قال عُرض علي الكفر فلم أقبل وعرضت عليه الدنيا فلم يقبل.
وقال أحمد بن حامد: سمعت رجاء بن مرجي يقول: رأيت أحمد بن حنبل وإسحاق وابن المديني والشاذكوني فما رأيت أحفظ من عبد الله.
وقال أبو سعيد الجريري، عمر بن الحسن: كنت بمصر والشام - وذكر البلدان - ما رأيت أحدًا من أهل العلم إلا وهو يعرف عبد الله بن عبد الرحمن، ولا يعرفون رجاء بن المرجي ولا محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حامد بن الشرقي: إنما أخرجت خراسان من أئمة الحديث خمسة رجال محمد بن يحيى، ومحمد بن إسماعيل، وعبد الله بن عبد الرحمن، ومسلم بن الحجاج، وإبراهيم بن أبي طالب.
وقال أبو محمد جعفر بن محمد الأمي سمعت رجاء الحافظ يقول: ما أعلم أحدًا أعلم بحديث النبي ﷺ من عبد الله بن عبد الرحمن.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: قلت لأبي: يا أبت ما الحفاظ؟
قال: يا بني شباب كانوا عندنا من أهل خراسان وقد تفرقوا.
قلت: من هم يا أبت؟
[ ١ / ٥٨ ]
قال: محمد بن إسماعيل ذاك البخاري، وعبد الله بن عبد الكريم ذاك الرازي - يعني أبا زرعة. وعبد الله بن عبد الرحمن ذاك السمرقندي، والحسن بن شجاع ذاك البلخي.
قلت: فمن أحفظ هؤلاء؟
قال: أما أبو زرعة فأسردهم، وأما محمد بن إسماعيل فأعرفهم، وأما عبد الله بن عبد الرحمن فأتقنهم، وأما الحسن بن شجاع فأجمعهم للأبواب.
وقال بندار: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالرَّي، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخاري.
وقال أبو حاتم الرازي: البخاري أعلم من دخل العراق، ومحمد بن يحيى أعلم من بخراسان اليوم، ومحمد بن سليم أورعهم، والدارمي أثبتهم.
وقال النووي عنه: هو أحد حفاظ المسلمين في زمانه، قل من يدانيه في الفضيلة والحفظ.
مرتبة هذه السنن عند المحدثين:
اشتهرت هذه السنن عند المحدثين بالمسند، على خلاف اصطلاحهم. قال السيوطي في تدريب الراوي: ومسند الدارمي ليس بمسند، بل هو مرتب على الأبواب، وبعض المحدثين سموه بالصحيح.
وقال الحافظ الذهبي عنه: صاحب المسند العالي الذي في طبقة منتخب مسند عبد بن حميد.
قال الحافظ الذهبي: وسمي كتابه مسندًا وإن لم يكن على ترتيب المسانيد.
وقال ملا علي القاري في المرقاة: ومسنده المشهور وهو على الأبواب دون الصحابة خلافًا لمن وهم فيه.
والذي وهم فيه هو ابن الصلاح فقد عده من المسانيد على وجه اليقين: قال السيوطي
[ ١ / ٥٩ ]
في تدريب الراوي: قيل ومسند الدارمي ليس بمسند بل هو مرتب على الأبواب وقد سماه بعضهم بالصحيح. قال شيخ الإسلام: ولم أر لمغلطاي سلفًا في تسميته الدارمي صحيحًا إلا قوله أنه رآه بخط المنذري.
وقال شيخ الإسلام: إنه ليس دون السنن في الرتبة بل لو ضم إلى الخمسة لكان أولى من ابن ماجه فإنه أمثل منه بكثير.
وقال العراقي في النكت: اشتهر تسميته بالمسند كما سمى البخاري كتابه بالمسند لتكون أحاديثه مسندة.
* * *
[ ١ / ٦٠ ]
٨ - الإمام مالك وموطؤه
قال ابن الأثير:
هو أبو عبد الله: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خُثَيْل بن عمرو بن الحارث - وهو ذو أصبح - بن سويد، من بني حمير بن سبأ الأكبر، ثم من بني يشجب بن قحطان، وفي نسبه خلاف غير هذا.
ولد سنة خمس وتسعين من الهجرة، ومات بالمدينة سنة تسع وسبعين ومائة، وله أربع وثمانون سنة.
وقال الواقدي: مات وله تسعون سنة، وله ولد اسمه يحيى، ولا يعلم له غيره.
هو إمام أهل الحجاز، بل إمام الناس في الفقه والحديث، وكفاه فخرًا أن الشافعي من أصحابه.
أخذ العلم عن: محمد بن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ونافع مولى عبد الله بن عمر - ﵄ - ومحمد بن المنكدر، وهشام بن عروة بن الزبير، وإسماعيل بن أبي حكيم، وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي سعيد المقْبَري، ومخْرَمة بن سليمان، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأفتى معه، وعبد الرحمن بن القاسم، وشريك بن عبد الله بن أبي نمر - وليس بالقاضي - وخلق كثير سواهم.
وأخذ العلم عنه خلق كثير لا يحصون كثرة، وهم أئمة البلاد.
منهم: الشافعي، ومحمد بن إبراهيم بن دينار، وأبو هشام المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، وأبو عبد الله عبد العزيز بن أبي حازم، وعثمان بن عيسى بن كنانة؛ هؤلاء نظراؤه من أصحابه ومَعْن بن عيسى القَزَّاز، وأبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، ويحيى بن يحيى الأندلسي، ومن طريقه روينا الموطأ - وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وعبد الله بن وهب وأصْبغَ بن الفرج، وغير هؤلاء ممن لا يحصى عدده.
وهؤلاء مشايخ البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن
[ ١ / ٦١ ]
معين، وغيرهم من أئمة الحديث.
قال مالك - رحمه الله تعالى -: قل من كتبت عنه العلم، ما مات حتى يجيئني ويستفتيني.
وقال بكر بن عبد الله الصُنعاني: أتينا مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربيعة بن عبد الرحمن وكنا نستزيده من حديثه. فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة، وهو نائم في ذلك الطاق؟ فأتينا ربيعة فأنبهناه، وقلنا له: أنت ربيعة؟ قال: نعم. قلنا: الذي يتحدث عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم، قلنا: كيف حظي بك مالك ولم تحظ أنت بنفسك؟! قال: أما علمتم أن مثقالًا من دولةٍ خيرٌ من حِمل علم؟! (١).
وكان مالك مبالغًا في تعظيم العلم والدين، حتى كان إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته واستعمل الطيب وتمكن من الجلوس على وقار وهيبة، ثم حدث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ.
ومر يومًا على أبي حازم وهو جالس فجازه، فقيل له، فقال: إني لم أجد موضعًا أجلس فيه، فكرهت أن آخذ حديث رسول الله ﷺ وأنا قائم.
قال يحيى بن سعيد القطان: ما في القوم أصح حديثًا من مالك.
وقال الشافعي - ﵀ - إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمنَّ علي من مالك - رحمة الله عليه -.
وروي أن المنصور منعه من رواية الحديث في طلاق المكره، ثم دسَّ عليه من يسأله، فروى على ملأ من الناس: (ليس على مستكره طلاق) فضربه بالسياط، ولم يترك رواية الحديث.
وروي أن الرشد سأل مالكًا فقال: هل لك دار؟ فقال: لا، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار، وقال: اشتر بها دارًا، فأخذها ولم ينفقها فلما أراد الرشيد الشخوص. قال لمالك: ينبغي أن تخرج معي، فإني عزمت أن أحمل الناس على الموطأ، كما حمل عثمان الناس على
_________________
(١) يعني: أن مالك بن أنس محظوظ، جعل الله له شهرة وسمعة وإقبالًا، بخلاف حالي.
[ ١ / ٦٢ ]
القرآن. فقال: أما حمل الناس على الموطأ فليس إلى ذلك سبيل، لأن أصحاب رسول الله صلى الله علي وسلم تفرقوا بعده في الأمصار فحدثوا، فعند أهل كل مصر علم، وقد قال رسول الله ﷺ "اختلاف أمتي رحمة" (١) وأما الخروج معك فلا سبيل إليه. قال رسول الله ﷺ "المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" وقال: "المدينة تنفي خبثها" وهذي دنانيركم كما هي، إن شئتم فخذوها، وإن شئتم فدعوها.
يعني أنك إنما تكلفني مفارقة المدينة لما اصطنعته إليَّ فلا أوثر الدنيا على مدينة رسول الله ﷺ.
وقال الشافعي - ﵀ - رأيت على باب مالك كراعًا من أفراس خراسان وبغال مصر، ما رأيت أحسن منه، فقلت له: ما أحسنه، فقال: هو هدية مني إليك يا أبا عبد الله، فقلت: دع لنفسك منها دابة تركبها، فقال: أنا أستحي من الله تعالى أن أطأ تربة فيها رسول الله ﷺ بحافر دابة.
وكم مثل هذه المناقب لهذا الطود الأشم، والبحر الزاخر.
قال صاحب الرسالة المستطرفة:
ولأبي عمر بن عبد البر .. كتاب في وصل ما في الموطأ، من المرسل والمنقطع والمفضَل. قال: وجميع ما فيها من قوله بلغني، ومن قوله عن الثقة عنده مما لم يسنده أحد وستون حديثًا، كلها مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة لا تعرف، ثم ذكرها.
قال الشيخ صالح الفلاني: قد رأيت لابن الصلاح تأليفًا وصل هذه الأربعة فيه بأسانيده.
* * *
_________________
(١) حديث سنده ضعيف، وبعضهم قال: لا أصل له.
[ ١ / ٦٣ ]
٩ - الإمام أحمد ومسنده
قال الشوكاني:
وأما أحمد بن حنبل فهو الإمام الكبير، المجمع على إمامته وجلالته، أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيابني، رحل إلى الشام والحجاز واليمن وغيرها، وسمع من سفيان بن عيينة وطبقته، وروى عنه جماعة من شيوخه وخلائق آخرون لا يحصون، منهم البخاري ومسلم.
قال أبو زرعة: كانت كتب أحمد بن حنبل اثني عشر حملًا وكان يحفظها عن ظهر قلبه وكان يحفظ ألف ألف حديث.
ولد في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وتوفي سنة إحدى وأربعين ومائتين على الأصح، وله كرامات جليلة وامتحن المحنة المشهورة. وقد طول المؤرخون ترجمته وذكروا فيها عجائب وغرائب، وترجمة الذهبي في (سير أعلام النبلاء) في مقدار خمسين ورقة وأفردت ترجمته بمصنفات مستقلة.
وله - ﵀ - المسند الكبير انتقاه من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف حديث ولم يدخل فيه إلا ما يحتج به وبالغ بعضهم فأطلق على جميع ما فيه أنه صحيح، وأما ابن الجوزي فأدخل كثيرًا منه في موضوعاته، في كتاب الموضوعات لابن الجوزي، حيث أورد فيه أحاديث موضوعة مكذوبة.
لكنه ﵀ كان يورد أحاديث ضعيفة، بل حسنة وصحيحة في كتابه - وتعقبه بعضهم في بعضها، وقد حقق الحافظ ابن حجر نفي الوضع عن جميع أحاديثه وأنه أحسن انتقاء وتحريرًا من الكتب التي لم يلتزم مصنفوها الصحة في جميعها كالموطأ والسنن الأربعة، وليست الأحاديث الزائدة فيه على الصحيحين بأكثر ضعفًا من الأحاديث الزائدة في سنن أبي داود والترمذي، وقد ذكر العراقي أن فيه تسعة أحاديث موضوعة، وأضاف إليها خمسة عشر حديثًا أوردها ابن الجوزي في الموضوعات وهي فيه، وأجاب عنها حديثًا حديثًا. قال
[ ١ / ٦٤ ]
السيوطي: وقد فاته أحاديث أخر أوردها ابن الجوزي وهي فيه وقد جمعها السيوطي في جزء سماه (الذيل الممهد) وذب عنها وعدتها أربعة عشر حديثًا. قال الحافظ ابن حجر في كتابه، (تعجيل المنفعة في رجال الأربعة) ليس في المسند حديث لا أصل له إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة، منها حديث عبد الرحمن بن عوف أنه يدخل الجنة زحفًا، قال: والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه فترك سهوًا، قال الهيثمي في زوائد المسند: إن مسند أحمد أصح صحيحًا من غيره، لا يوازي مسند أحمد كتاب مسند في كثرته وحسن سياقاته. قال السيوطي في خطبة كتابه (الجامع الكبير) ما لفظه: وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن.
وقال صاحب الرسالة المستطرفة:
ومسند الإمام الأوحد محيي السنة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي، ثم البغدادي المتوفى ببغداد سنة إحدى وأربعين ومائتين، وكان يحفظ ألف ألف حديث، ومسنده هذا يشتمل على ثمانية عشر مسندًا أولها مسند العشرة، وما معه من زيادات ولده عبد الله ويسير من زيادات أبي بكر القطيعي الراوي عن عبد الله.
وقد اشتهر عند كثير من الناس أنه أربعون ألف حديث. قال أبو موسى المديني: لم أزل أسمع ذلك من الناس حتى قرأته على أبي منصور بن زريق. وقد صرح بذلك الحافظ شمس الدين محمد بن الحسين في التذكرة فقال: عدة أحاديثه أربعون ألفًا بالمكرر. وقال ابن المنادي: إنه ثلاثون ألفًا، والاعتماد على قوله دون غيره. وقد انتقاه من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألف حديث. ولم يدخل فيه إلا ما يحتج به عنده، وتفضيل ابن الصلاح كتب السنن عليه منتقد، وبالغ بعضهم فأطلق عليه اسم الصحة، والحق أن فيه أحاديث كثيرة ضعيفة وبعضها أشد في الضعف من بعض، حتى إن ابن الجوزي أدخل كثيرًا منها في موضوعاته، ولكن تعقبه في بعضها الحافظ أبو الفضل العراقي، وفي سائرها الحافظ ابن حجر في (القول المسدد في الذب عن مسند أحمد) والسيوطي في ذيله المسمى: (الذيل الممهد على القول المسدد). وحقق الأول منهما نفي الوضع عن جميع أحاديثه، وأنه أحسن انتقاء وتحريرًا من الكتب التي لم تلتزم الصحة في جمعها. قال: وليست الأحاديث الزائدة
[ ١ / ٦٥ ]
فيه على ما في الصحيحين بأكثر ضعفًا من الأحاديث الزائدة في سنن أبي داود والترمذي عليهما. وقال غيره: ما ضعف من أحاديثه أحسن حالًا مما يصححه كثير من المتأخرين.
وقد رتبه على الأبواب بعض الحفاظ الأصبهانيين، وكذا الحافظ ناصر الدين بن زريق، وكذا بعض من تأخر عنه، ورتبه على حروف المعجم في أسماء المقلين الحافظ أبو بكر بن المحب، ولولده أبي عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل البغدادي الحافظ المتوفى سنة تسعين ومائتين كتاب في زوائد مسنده هذا وهو نحو من ربعه في الحجم، قيل إنه مشتمل على عشرة آلاف حديث، وله أيضًا زوائد كتاب الزهد لأبيه، وللإمام الحافظ أبي بكر محمد بن الحافظ أبي محمد عبد الله المقدسي الحنبلي ترتيب مسند أحمد هذا على حروف المعجم.
ومن أجود الخدمات المعاصرة التي قدمت لمسند الإمام أحمد: خدمة الشيخ أحمد شاكر له على أنها خدمة لم تتم، وخدمة الشيخ عبد الرحمن البنا والد الشيخ حسن البنا - رحم الله الجميع - إذ رتب المسند على حسب الأبواب الفقهية والعلمية وشرحه.
وقال المناوي في التعريف بالإمام أحمد وبكتابه:
والإمام أحمد هو ابن محمد بن حنبل، الناصر للسنة، الصابر على المحنة، الذي قال فيه الشافعي: ما ببغداد أفقه ولا أزهد منه. وقال إمام الحرمين: غسل وجه السنة من غبار البدعة وكشف الغمة عن عقيدة الأمة.
ولد ببغداد سنة أربع وخمسين ومائة، وروى عن الشافعي وابن مهدي وخلق وعنه الشيخان وغيرهما، ومات سنة إحدى وأربعين ومائتين، وارتجت الدنيا لموته.
قال ابن المديني: مسنده - وهو نحو أربعين ألفًا - أصل من أصول الإسلام، وقال ابن الصلاح: مسند أحمد ونحوه من المسانيد كأبي يعلي والبزار والدارمي وابن راهويه وعبد بن حميد لا يلتحق بالأصول الخمسة وما أشبهها - أي كسنن ابن ماجه - في الاحتجاج بها والركون إليها. وقال العراقي: وجود الضعيف في مسند أحمد محقق، بل فيه أحاديث موضوعة جمعتها في جزء. وتعقبه تلميذه الحافظ ابن حجر بأنه ليس فيه حديث لا أصل له
[ ١ / ٦٦ ]
إلا أربعة منها خبر ابن عوف أنه يدخل الجنة زحفًا. قال (أعني ابن حجر في تجريد زوائد البزار): وإذا كان الحديث في مسند أحمد لا يعزى لغيره من المسانيد.
* * *
[ ١ / ٦٧ ]
١٠ - ١١ - ١٢ - معاجم الطبراني الثلاثة
قال صاحب الرسالة المستطرفة:
كتب المعاجم جمع معجم، وهو في اصطلاحهم ما تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو البلدان أو غير ذلك، والغالب أن يكونوا مرتبين على حروف الهجاء، كمعجم الطبراني الكبير: المؤلف في أسماء الصحابة على حروف المعجم، عدا مسند أبي هريرة: فإنه أفرده في مصنف، يقال: إنه أورد فيه ستين ألف حديث ف اثني عشر مجلدًا، وفيه قال ابن دحية: هو أكبر معاجم الدنيا، وإذا أطلق في كلامهم (المعجم) فهو المراد وإذا أريد غيره قيد.
والأوسط: ألفه في أسماء شيوخه، وهم قريب من ألفي رجل، حتى إنه روى عمن عاش بعده لسعة روايته وكثرة شيوخه، وأكثره من غرائب حديثهم، قال الذهبي: فهو ينظر الأفراد للدارقطني بين فيه فضيلة سعة روايته ويقال: إن فيه ثلاثين ألف حديث وهو في ست مجلدات كبار، وكان يقول فيه: هذا الكتاب روحي، لأنه تعب فيه. قال الذهبي: وفيه كل نفيس وعزيز ومنكر.
والصغير: وهو في مجلد خرّج فيه عن ألف شيخ، يقتصر فيه غالبًا على حديث واحد عن كل واحد من شيوخه، قيل: وهو عشرون ألف حديث ذكره غير واحد، لكن ذكر المقري في (فتح المتعال) نقلًا عن كتاب (إرشاد المهتدين لمشايخ ابن فهد تقي الدين) أن المعجم الصغير للطبراني في مجلد، يشتمل على نحو من ألف وخمسمائة حديث بأسانيدها، قال: لأنه خرّج فيه عن ألف شيخ، كل شيخ حديثًا أو حديثين، وهو التحرير والصواب وخلافه سبق قلم، والله أعلم، أهـ.
وقد عرف المناويُّ المؤلف بقوله:
سليمان اللخمي أبو القاسم أحد الحفاظ المكثرين الجوالين، صاحب التصانيف الكثيرة أخذ عن أكثر من ألف شيخ منهم: أبو زرعة وطبقته، وعنه: أبو نعيم وغيره. قال
[ ١ / ٦٨ ]
الذهبي: ثقة صدوق، واسع الحفظ، يصير بالعلل والرجال والأبواب، كثير التصانيف، إليه المنتهى في كثرة الحديث وعلومه، تكلم ابن مردويه في أخيه فأوهم أنه فيه وليس به، بل هو حافظ ثبت، مات بأصبهان سنة ستين وثلاثمائة عن مائة سنة وعشرة، أهـ.
وحظنا من معاجم الطبراني في هذا الكتاب هو ما أخرجه نور الدين الهيثمي منها في كتابه مجمع الزوائد، الذي يفترض فيه أنه جمع فيه زوائد الطبراني على الكتب الست، ولذلك تقول: إن من قرأ كتابنا هذا لم يفته معنى من العاني التي انفرد بها الطبراني من هديه - ﵊ -.
وبعد أن سرت شوطًا بعيدًا في هذا الكتاب، وصلتني بعض الأجزاء المطبوعة من كتاب المعجم الكبير لكني لم أجد فيها ما يجعلني أعيد النظر فيما سرت فيه.
* * *
[ ١ / ٦٩ ]
١٣ - ابن حبان وصحيحه
قال محمد بن جعفر الكتاني:
وصحيح أبي حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن معاذ اليمني الدارمي، البُستي - بضم الموحدة، وإسكان السين - نسبة إلى بست بلد كبير من بلاد الغور بطرق خراسان، الشافعي، أحد الحفاظ الكبار، صاحب التصانيف العديدة، المتوفى ببست سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وهو المسمى بالتقاسيم والأنواع في خمسة مجلدات، وترتيبه مخترع ليس على الأبواب ولا على المسانيد، والكشف منه عسر جدًا، وقد رتبه بعض المتأخرين على الأبواب ترتيبًا حسنًا، وهو الأمير علاء الدين أبو احسن علي بن بلبان بن عبد الله الفارسي الحنفي الفقيه النحوي، المتوفى بالقاهرة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، وسماه (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان) كما أنه رتب معجم الطبراني الكبير على الأبواب أيضًا، وصحيح ابن حبان موجود الآن بتمامه، بخلاف صحيح ابن خزيمة فقد عدم أكثره كما قال السخاوي. وقد قيل إن أصح من صنف في الصحيح بعد الشيخين ابن خزيمة فابن حبان.
وقد تحدث الدكتور محمد أديب الصالح في كتابه (لمحات في أصول الحديث) عن ابن حبان وصحيحه بقوله:
صاحب هذا الصحيح هو: الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان البستي الشافع. سمع من كثير: أبو عبد الرحمن النسائي، وأبو بكر بن خزيمة، وجعفر بن أحمد الدمشقي، وغيرهم من مصر إلى خراسان، وممن حدث عنه: الحاكم، ومنصور، وعبد الله الخالدي وآخرون. وهو أحد الحفاظ الكبار. قال الخطيب: كان ثقة نبيلًا فهمًا، وله بجانب (صحيحه) العديد من التصانيف في الحديث والتاريخ، وله كتاب (الضعفاء) وقال عنه الحاكم: كان ابن حبان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث. وقال ياقوت الحموي: أخرج من علوم الحديث ما عجز عنه غيره .. توفى سنة (٢٥٤).
وقال المناوي في التعريف به:
[ ١ / ٧٠ ]
محمد بن حبان أبو حاتم التميمي الفقيه الشافعي البستي، أحد الحفاظ الكبار، روى عن النسائي وأبي يعلي وابن خزيمة وخلقٍ، وعنه الحاكم وغيره، وصنف كتبًا نفيسة منها: تاريخ الثقات وتاريخ الضعفاء.
ولي قضاء سمرقند، وكان رأسًا في الحديث، عالمًا بالفقه والكلام والطب والفلسفة والنجوم، ولهذا امتحن ونسب للزندقة وأمر بقتله، ثم مات بسمرقند سنة أربع وخمسين وثلثمائة في عشر الثمانين.
وقال عن صحيحه: المسمى بالتقاسيم والأنواع المقدم عندهم على مستدرك الحاكم. قال الحازمي: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم، والحاكم أشد تساهلًا منه، غايته أن ابن حبان يسمى الحسن صحيحًا، وما اقتضاه كلام التقريب كأصله مما يخالف ذلك رده الزين العراقي بأن ابن حبان شرط تخريج مراويه ثقة غير مدلس سمع من شيخه وسمع منه الآخذ عنه. ووفى بالتزامه، ولم يعرف للحاكم، قال: وصحيح ابن خزيمة أعلى رتبة من صحيح ابن حبان لشدة تحريه، فأصح من صنف في الصحيح بعد الشيخين ابن خزيمة فابن حبان فالحاكم قال ابن حجر: وذكر ابن حبان في كتابه أنه إنما لم يرتبه ليحفظ، لأنه لو رتبه ترتيبًا سهلًا لاتّكل كل من يكون عنده على سهولة الكشف فلا يحفظه، وإذا توعر طريق الكشف كان أدعى لحفظه ليكون على ذكر من جمعه.
* * *
[ ١ / ٧١ ]
١٤ - ابن خزيمة وصحيحه
قال صاحب الرسالة المستطرفة:
ومنها - أي كتب السنة - كتب التزم أهلها فيها الصحة من غير ما تقدم من الموطأ والصحيحين، منها صحيح أبي عبد الله وأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة السلمي النيسابوري الشافعي شيخ ابن حبان المتوفى سنة إحدى عشر وثلاثمائة، ويعرف عند المحدثين بإمام الأئمة.
وقد تحدث الدكتور محمد أديب الصالح في كتابه (لمحات في أصول الحديث) عن ابن خزيمة وصحيحه بقوله:
صاحب هذا الصحيح هو شيخ الإسلام الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق (ابن خزيمة) النيسابوري، سمع من كثيرين مثل: محمود بن غيلان، وعتبة بن عبد الله اليحمدي، وأحمد ابن منيع، وعبد الجبار بن العلاء وطبقتهم، وانتهت إليه الإمامة والحفظ في عصره بخراسان.
وقد حدث عنه الكثيرون من العلماء، منهم: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أحد شيوخه، وأحمد بن المبارك المستملي، وأبو علي النيسابوري، وحدث عنه الشيخان البخاري ومسلم في غير صحيحهما.
ولد ﵀ سنة (٢٢٣ هـ) وتوفي سنة (٣١١ هـ).
إلا أن الكتاب (صحيح ابن خزيمة) غير موجود بتمامه لأن أكثره قد عدم، علمًا بأنه قيل: إنه أصح ما صنف في الصحيح بعد البخاري ومسلم. وهذا الموجود هو في غاية القبول عند العلماء. وإنك واجد في نقول الثقات الكثير من رد أحاديثهم إليه.
وقد تحدث محقق صحيح ابن خزيمة الدكتور: محمد مصطفى الأعظمي، في تقديمه لصحيح ابن خزيمة عن ابن خزيمة وصحيحه، وكان من كلامه:
يعد القرنان الثالث والرابع الهجريان من أنضج قرون الثقافة الإسلامية إنتاجًا، وما
[ ١ / ٧٢ ]
غرس في القرن الأول على يد الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم أجمعين - وسقي على أيدي التابعين وأتباع التابعين في القرن الثاني، بدأ يؤتي أكله ناضجًا شهيًا في القرنين الثالث والرابع.
في هذا العصر الذهبي ولد إمام الأئمة فقه الآفاق المجتهد المطلق أبو بكر محمد بن إسحاق ابن خزيمة النيسابوري مولى مجشر بن مزاحم، في شهر صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين بنيسابور.
عني بالحديث منذ حداثته، ومع من إسحق بن راهويه المتوفى سنة ٢٣٨ هـ، ومحمد بن حميد المتوفى سنة ٢٣٠ هـ ولم يحدث عنهما لكونه كتب عنهما في صغره وقبل فهمه وتبصره.
رحلات لطلب العلم:
وعلى سنة الزمان أراد أن يرتحل لسماع الحديث النبوي، وكان يرغب في الذهاب إلى قتيبة فاستأذن أباه، فأجابه: (اقرأ القرآن أولًا حتى آذن لك) يقول ابن خزيمة: فاستظهرت القرآن، فقال لي: امكث أولًا حتى تصلي بالختمة، ففعلت، فلما عيدنا أذن ي، فخرجت إلى مروٍ، وسمعت بمرو الروذ من محمد بن هشام - يعني صاحب هشيم - فنعى إلينا قتيبة. وكانت وفاة قتيبة في سنة أربعين ومائتين.
فعلى هذا بدأ ابن خزيمة رحلاته العلمية وهو في السابعة عشرة من عمره، وقد اتسعت رحلاته حتى شملت الشرق الإسلامي حينذاك فسمع:
بنيسابور: ابن راهويه وغيره.
وبمرو: علي بن محمد وغيره.
وبالري: محمد بن مهران وغيره.
وبالشام: موسى بن سهل الرملي وغيره.
وبالجزيرة: عبد الجبار بن العلاء وغيره.
[ ١ / ٧٣ ]
وبمصر: يونس بن عبد الأعلى وغيره.
وبواسط: محمد بن حرب وغيره.
وببغداد: محمد بن إسحق الصاغاتي وغيره.
وبالبصرة: نصر بن علي الأزدي الجهضمي وغيره.
وبالكوفة: أبا كريب محمد بن العلاء الهمداني وغيره.
كما سمع من البخاري ومسلم بن الحجاج القشيري والذهلي وخلق.
وروى عنه جماعة من مشايخه منهم البخاري ومسلم خارج الصحيحين، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم شيخه، ويحيى بن محمد بن صاعد، وأبو علي النيسابوري وخلائق، وآخر من روى عنه بنيسابور حفيده أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحق بن خزيمة.
شجاعته الأدبية:
كان ابن خزيمة جريئًا لا يخاف قال أبو بكر بن بالويه: سمعت ابن خزيمة يقول: كنت عند الأمير إسماعيل بن أحمد فحدث عن أبيه. بحديث وهم في إسناده فرددته عليه، فلما خرجت من عنده قال أبو ذر القاضي: قد كنا نعرف أن هذا الحديث خطأ منذ عشرين سنة، فلم يقدر واحد منا أن يرده عليه، فقلت له: لا يحل لي أن أسمع حديث رسول الله صلى الله لعيه وسلم فيه خطأ أو تحريف فلا أرده.
* * *
[ ١ / ٧٤ ]
١٥ - أبو يعلي ومسنده
قال صاحب الرسالة المستطرفة:
ومسند أبي يعلي أحمد بن علي بن المثني التميمي الموصلي الحافظ المشهور الثقة المتوفى بالموصل سنة سبع وثلاثمائة، وقد زاد على المائة وعمر وتفرد ورحل الناس إليه، وله مسندان صغير وكبير. وفيه قال إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الحافظ: قرأت المسانيد كمسند العدني ومسند أبي منيع وهي كالأنهار، ومسند أبي يعلي كالبحر فيكون مجموع الأنهار.
وقال المناوي في التعريف بأبي يعلي:
الحافظ الثبت محدث الجزيرة أحمد بن علي بن المثنى التميمي، سمع ابن معين وطبقته، وعنه ابن حبان والإسماعيلي وغيرهما، أهل صدق وأمانة وعلم وحلم، وثقه ابن حبان والحاكم، ولد سنة عشر ومائتين ومات سنة سبع وثلاثمائة.
* * *
[ ١ / ٧٥ ]
١٦ - أبو بكر البزار ومسنده
قال محمد بن جعفر الكتاني:
ومسند أبي بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار البصري الحافظ الشهير المتوفى بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وله مسندان الكبير المعلل وهو المسمى (البحر الزاخر) يبين فيه الصحيح من غيره، قال العراقي: ولم يغفل ذلك إلا قليلًا، إلا أنه يتكلم في تفرد بعض رواة الحديث ومتابعة غيره عليه.
وحظنا في هذا الكتاب من مسند البزار هو زوائده على الكتب الستة التي أخرجها الهيثمي في (مجمع الزوائد) أو في كتاب (كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة) فنحن في هذا الكتاب نختار منها ما اجتمع فيه شرط الحسن أو الصحة ووافق غرضنا من هذا الكتاب.
قال الهيثمي في تقديمه لكشف الأستار:
وبعد فقد رأيت مسند الإمام أبي بكر البزار المسمى بـ (البحر الزخار) قد حوى جملة من الفوائد الغزار، يصعب التواصل إليها على من التمسها، ويطول ذلك عليه قبل أن يخرجها، فأردت أن أتتبع ما زاد فيه على الكتب الستة، من حديث بتمامه، وحديث شاركهم .. وفيه زيادة.
* * *
[ ١ / ٧٦ ]
١٧ - الحاكم ومستدركه
قال صاحب الرسالة المستطرفة:
وصحيح أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه الحاكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن الييّع - بوزن قيّم - صاحب التصانيف التي لم يسبق لمثلها ككتاب (الإكليل) وكتاب (المدخل إليه) (وتاريخ نيسابور) (وفضائل الشافعي) وغيرها، المتوفى بنيسابور سنة خمس وأربعمائة، وهو المعروف بـ (المستدرك على الصحيحين) مما لم يذكراه وهو على شرطهما، أو شرط أحدهما، أولا على شرط واحد منهما. وهو متساهل في التصحيح. واتفق الحفاظ على أن تلميذه البيهقي أشد تحريًا منه.
وقد لخص مستدركه هذا الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قيماز التركماني الفارقي الأصل الذهبي نسبة إلى اذهب كما في النصير الدمشقي الشافعي المتوفى بدمشق سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وتعقب كثيرًا منها بالضعف والنكارة أو الوضع، وقال في بعض كلامه: إن العلماء لا يعتدون بتصحيح الترمذي والحاكم. وذكر له ابن الجوزي في موضوعاته ستين حديثًا أو نحوها. ولكن انتصر له الحفاظ في أكثرها.
وفي التعقيبات أنه جَرَّد بعض الحفاظ منه مائة حديث موضوعة في جزء، ولجلال الدين (توضيح المدرك في تصحيح المستدرك) لم يكمل ولخصه أيضًا - أعني المستدرك - برهان الدين الحلبي - وزعم أبو سعد الماليني أنه ليس فيه حديث على شرطهما، ورده الذهبي بأنه غلو وإسراف، بل فيه جملة وافرة على شرطهما، وأخرى كبيرة على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك نحو نصف الكتاب، وفيه نحو الربع مما صح سنده، وإن كان فيه علة، وما بقي فهو مناكير وواهيات لا تصح وفي بعض ذلك موضوعات، ويقال: إن السبب في التساهل الواقع فيه أنه صنفه أواخر عمره، وقد حصلت له غفلة وتغير أو أنه لم يتيسر له تحريره وتنقيحه، ويدل له أن تساهله في قدر الخمس الأول منه قليل جدًا بالنسبة لباقيه، وقد قال الحافظ: وجدت قريبًا من نصف الجزء الثاني - من تجزئة ستة من المستدرك - إلى هنا انتهى إملاء الحاكم، قال: وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلا بطريق الإجازة،
[ ١ / ٧٧ ]
والتساهل في القدر المملى قليل جدًا بالنسبة إلأى ما بعده. وقد قال الحازمي: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم. وقال العماد ابن كثير: قد التزم ابن خزيمة وابن حبان الصحة وهما خير من المستدرك بكثير وأنظف أسانيد ومتونًا، وقال غيرهما: صحيح ابن خزيمة أعلى مزية من صحيح ابن حبان وصحيح ابن حبان أعلى من الحاكم، وهو مقارب للحاكم في التساهل، لأنه غير متقيد بالمعدِّلين، بل ربما يخرج للمجهولين لا سيما ومذهبه إدراج الحسن في الصحيح، ولكن هذا كله اصطلاح له ولا مُشاحة فيه، على أن في صحيح ابن خزيمة أيضًا أحاديث محكوم منه بصحتها وهي لا ترتقي عن درجة الحسن، بل وفيما صححه الترمذي من ذلك أيضًا جملة من أنه يفرق بين الصحيح والحسن وحينئذ فلابد من النظر في أحاديث كل ليحكم على كل واحد منه بما يليق به. والله أعلم.
وفي تدريب الراوي:
واعتنى الحافظ أبو عبد الله الحاكم في المستدرك بضبط الزوائد عليهما، مما هو على شرطهما أو على شرط أحدهما، أو صحيح مصحح وإن لم يوجد شرط أحدهما، وربما أورد فيه ما لم يصح عنده منبهًا على ذلك وهو متساهل في التصحيح. وقد لخص الذهبي مستدركه وتعقب كثيرًا منه بالضعف والنكارة، وجمع جزءًا في الأحاديث التي فيه وهي موضوعة فذكر نحو مئة حديث. فما صححه الحاكم ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين تصحيحًا ولا تضعيفًا، حكمنا بأنه حسن، إلا أن يظهر فيه علة توجب ضعفه، أهـ ملخصًا.
وقد أغنانا عن ذلك الذهبي، فما أقره عليه فهو صحيح، وما سكت عنه ولم يتعقبه بشيء فهو كما قال ابن الصالح: حسن. وقد رأيت العزيزي في (شرحه للجامع الصغير) يحتج كثيرًا بتقرير الذهبي للحاكم على التصحيح، فليعلم ذلك. والله أعلم. أهـ.
وقد علق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة على قول صاحب تدريب الراوي: (فما صححه الحاكم ولم تجد فيه لغيره من المعتمدين ..) بقوله:
هذا كلام ابن الصلاح في (مقدمته) ووافقه النووي في (التقريب) وقد انتقده السيوطي في (التدريب) ص ٥٣ فقال عقبه: اله البدر بن جماعة: والصواب أنه يتتبع
[ ١ / ٧٨ ]
عليه بما يليق بحاله من الحسن أو الصحة أو الضعف، ووافقه العراقي وقال: إن حكمه أي: ابن الصلاح - عليه بالحسن فقط تحكم.
قال إلا أن ابن الصلاح قال ذلك بناء على رأيه: أنه قد انقطع التصحيح في هذه الأعصار، فليس لأحد أن يصحح، فلهذا قطع النظر عن الكشف عليه، والعجب من المصنف - أي النووي - كيف وافقه هنا؟ مع مخالفته له في المسألة المبني عليها.
* * *
[ ١ / ٧٩ ]
١٨ - رزين وابن الأثير وابن الديبع الشيباني
والأصول الستة
قال في الرسالة المستطرفة:
والجمع بين الأصول الستة أي: الصحاح الثلاثة التي هي البخاري ومسلم والموطأ، والسنن الثلاثة وهي سنن أبي داود والترمذي والنسائي، لأبي الحسن (رزين) بوزن أمير، ابن معاوية العبدري السرقسطي الأندلسي المالكي، المتوفى بمكة - بعد ما جاور بها أعوامًا - سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وهو المسمى بـ (التجريد للصحاح والسنن)، والجمع بينهما أيضًا لأبي السعادات مجد الدين المبارك بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف (بابن الأثير) الجزري نسبة إلى جزيرة ابن عمر لكونه ولد بها ونشأ بها، ثم انتقل إلى الموصل وبه توفي سنة ست وستمائة ودفن برباطه، وهو المسمى (جامع الأصول من أحاديث الرسول) على وضع كتاب رزين إلا أن فيه زيادات كثيرة عليه، في عشرة أجزاء، واختصره أبو زيد وأبو الضياء حافظ العصر وجيه الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد بن عمر الشهير (بابن الديْيَع) بدال مهملة مفتوحة فياء تحتية ساكنة فياء موحدة مفتوحة أيضًا فعين مهملة آخره، الشيباني الزبيدي اليمني الشافعي المولود بزبيد سنة ست وستين وثمانمائة، والمتوفى ضحى يوم الجمعة سادس عشر رجب سنة أربع وأربعين وقيل سنة خمسين وتسعمائة وهو أحسن مختصراته سماه (تيسير الوصول إلى جامع الأصول) في مجلدين.
وإذن فعندنا ثلاثة كتب:
(تجريد الصحاح والسنن) لرَزِين، و(جامع الأصول من أحاديث الرسول) لابن الأثير و(تيسير الوصول إلى جامع الأصول) مبني على كتاب جامع الأصول محاولًا فيه صاحبه الخروج من التكرار وهو لابن الدييع الشيباني، وأصول هذه الكتب الثلاثة: صحيحا البخاري ومسلم وموطأ الإمام مالك وسنن أبي داود والترمذي والنسائي.
قال ابن الأثير في مقدمة كتابه الجامع للأصول:
[ ١ / ٨٠ ]
لما وقفت على هذه الكتب أي الستة ورأيتُها في غاية من الوضع الحسن والترتيب الجميل، ورأيت كتاب (رَزِين) هو أكبرها وأعمها، حيث حوى هذه الكتب الستة التي هي أم كتب الحديث، وأشهرها في أيدي الناس وبأحاديثها أخذ العلماء واستدل الفقهاء، وأثبتوا الأحكام، وشادوا مباني الإسلام.
ومصنفوها أشهر علماء الحديث، وأكثرهم حفظًا، وأعرفهم بمواضع الخطأ والصواب، وإليهم المنتهى، عندهم الموقف.
فحينئذ أحببت أن أشتغل بهذا الكتاب الجامع لهذه الصحاح، وأعتني بأمره، ولو بقراءته ونسخه، فلما تتبعته وجدته - على ما قد تعب فيه - قد أودع أحاديث في أبواب، غير تلك الأبواب أولى بها، وكرر فيه أحاديث كثيرة، وترك أكثر منها.
ثم إنني جمعت بين كتابه وبين الأصول الستة التي ضمنها كتابه، فرأيت فيها أحاديث كثيرة لم يذكرها في كتابه، إما للاختصار، أو لغرض وقع له فأهملها، ورأيت في كتابه أحاديث كثيرة لم أجدها في الأصول التي قرأتها وسمعتها ونقلت منها، وذلك لاختلاف النسخ والطرق، ورأيته قد اعتمد في ترتيب كتابه على أبواب البخاري، فذكر بعضها وحذف بعضها.
فناجتني نفسي أن أهذب كتابه، وأرتب أبوابه، وأوطيء مقصده، وأسهل مطلبه، وأضيف إليه ما أسقطه من الأصول، وأُتبعه شرح ما في الأحاديث من الغريب والإعراب والمعنى، وغير ذلك مما يزيده إيضاحًا وبيانًا، فاستصغرت نفسي عن ذلك، واستعجزتها، ولم يزل الباعث يقوى والهمة تنازع، والرغبة تتوفر، وأنا أُعللها بما في ذلك من التعرض للملام، والانتصاب للقدح، والأمن من ذلك جميعه مع الترك، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، فتحققت بلطف الله العزيمة، وصدقت بعونه النية، وخلصت بتوفيقه الطوية.
فشرعت في الجمع بين هذه الكتب الستة التي أودعها (رزين) - ﵀ - كتابه، وصدفت عما فعله ورتبه، فاعتمدت على الأصول دون كتابه، واخترت له وضعًا يزيد بيانه حسبما أدى إليه اجتهادي، وانتهى إليه عرفاني.
[ ١ / ٨١ ]
لكن ابن الأثير كرر الأحاديث على حسب احتياجات الأبواب إليها، فخرج كتابه كبيرًا واسعًا؛ لذلك اختصره ابن الديبع في مجلدين. وقد عرف الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - محقق كتاب الجامع - على ابن الأثير وكان مما قال:
هو الإمام البارع مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، ثم الموصلي المعروف بابن الأثير.
ولد في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين وخمسمائة في جزيرة ابن عمر، وهي - على ما يقول ياقوت الحموي معاصر المؤلف - بلدة فوق الموصل: بينهما ثلاثة أيام، ونشأ بها وتلقى من علمائها معارفه الأولى، من تفسير وحديث ونحو ولغة وفقه، ثم تحول سنة (٥٦٥ هـ) إلى الموصل، وفيها بدأت معارفه تنضج وثقافته تزداد، وأقام بها إلى أن توفي.
قرأ الأدب على ناصح الدين أبي محمد سعيد بن المبارك بن الدهان البغدادي، وأبي بكر يحيى بن سعدون القرطبي، وأبي الحزم مكي بن الريان بن شبة النحوي الضرير، وسمع الحديث بالموصل من جماعة منهم خطيب الموصل أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطوسي، وقدم بغداد حاجًا فسمع بها من أبي القاسم صاحب ابن الخل، وعبد الوهاب بن سكينة، وعاد إلى الموصل فروى بها وحدث وانتفع به الناس.
وصفه من أرخ له بأنه كان من محاسن الزمن، ذا دين متين، وطريقة مستقيمة، عارفًا، فاضلًا، ورعًا، عاقلًا، سيدًا، مطاعًا، رئيسًا، مشاورًا، ذا بِرَ وإحسان. قد جمع بين علم العربية والقرآن والنحو واللغة والحديث والفقه، وصنف تصانيف مشهورة وألف كتبًا مفيدة.
منها: (غريب الحديث) على حروف المعجم، وهو المعروف بالنهاية، و(الشافي في شرح مسند الشافي) و(الإنصاف بين الكشف والكشاف)، جمع فيه بين تفسيري الثعلبي والزمخشري، و(البديع) في النحو، و(الباهر في الفروق) في النحو أيضًا، و(تهذيب فصول ابن الدهان) و(المصطفى المختار من الأدعية والأذكار) و(كتاب لطيف في صناعة الكتابة) وله رسائل في الحساب مُجدّوْلات، وكتاب ديوان رسائله: كتاب البنين
[ ١ / ٨٢ ]
والبنات، والآباء والأمهات، والأذواء والذوات، و(جامع الأصول في أحاديث الرسول) وهو هذا الكتاب. إلى غير ذلك من المؤلفات القيمة والمصنفات النافعة.
قال ياقوت الحموي في (معجم الأدباء): حدثني أخوه أبو الحسن قال: تولى أخي أبو السعادات الخزانة لسيف الدين الغازي بن مودود ب زنكي، ثم ولاه ديوان جزيرة ابن عمر وأعمالها، ثم عاد إلى الموصل، فناب في الديوان عند الوزير جلال الدين أبي الحسن علي بن جمال الدين محمد بن منصور الأصبهاني، ثم اتصل بمجاهد الدين بن قايماز - وكان نائب المملكة - بالموصل أيضًا، فنال عنده درجة رفيعة، فلما قُبض على مجاهد الدين سنة ٥٨٩ هـ اتصل بخدمة أتابك عز الدين مسعود بن مودود إلى أن توفي عز الدين وآل الأمر إلى ولده نور الدين شاه، فاتصل بخدمته حتى صار واحد دولته حقيقة، بحيث إن السلطان كان يقصده في منزله في مهام نفسه، لأنه أُقعد في آخر زمانه، فكانت الحركة تصعب عليه، فكان يجيئه بنفسه أو يرسل إليه بدر الدين لؤلؤًا.
وكان قد عرض عليه غير مرة أن يستوزره، وهو يأبى، فركب السلطان إليه، فامتنع أيضًا، حتى غضب عليه، فاعتذر إليه وقال له: أنا رجل كبير، وقد خدمت العلم عمري واشتهر ذلك عني في البلاد، وأعلم أني لو اجتهدت في إقامة لعدل بغابة جهدي ما قدرت أن أؤدي حقه، ولو ظُلِم أكِّار (حرِّاث) في ضيعة من أقصى أعمال السلطان لنسب ظلمه إليَّ، ورجعت أنت وغيرك باللائمة عليِّ، والملك لا يستقيم إلا بشيء من العسف والظلم، وأخذ الخَلْق بالشدة، وأنا لا أقدر عليه، ولا يليق بي، فعذره وأعفاه.
ولما أقعد في آخر عمره، جاء رجل مغربي فعالجه بدهن صنعه، فبانت ثمرته، وتمكن من مدِّ رجليه، فقال لأخيه عز الدين أبي الحسن علي بن الأثير: أعطه ما يرضيه، واصرفه، فقال أخوه: لماذا وقد ظهر النجح؟! قال: هو كما تقول، ولكني في راحة من صحبة هؤلاء القوم - يعني الأمراء والسلاطين، وقد سكنت نفسي إلى الانقطاع والدعة، وبالأمس كنت أذل نفسي بالسعي إليهم، وهنا في منزلي لا يأتون إليَّ إلا في مشورة مهمة، ولم يبق من العمر إلا القليل، فدعني أعش باقيه حرًا سليمًا من الذل، قال أخوه: فقبلت قوله وصرفت الرجل بإحسان.
[ ١ / ٨٣ ]
فلزم بيته صابرًا محتسبًا، يقصده العلماء، ويفد إليه السلاطين والأمراء، يقبسون من علمه، وينهلون من فيضه، حتى توفي ﵀ بالموصل سنة ٦٠٦ هـ.
* * *
[ ١ / ٨٤ ]
١٩ - نور الدين الهيثمي ومجمع الزوائد
هو علي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر بن عمر بن صالح نور الدين أبو الحسن الهيثمي القاهري الشافعي الحافظ ويعرف بالهيثمي. كان أبوه صاحب حانوت بالصحراء، فولد له هذا في رجب سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، ونشأ فقرأ القرآن، ثم صحب الزين العراقي وهو بالغ، ولم يفارقه سفرًا وحضرًا، حتى مات بحيث حج معه جميع حجاته، ورحل معه سائر رحلاته، ورافقه في جميع مسموعه بمصر والقاهرة والحرمين وبيت المقدس ودمشق وبعلبك وحلب وحماة وطرابلس وغيرها، وربما سمع الزين بقراءته، ولم ينفرد عنه الزين بغير ابن البابا، والتقي السبكي وابن شاهد الجيش. كما أن صاحب الترجمة لم ينفرد عنه بغير صحيح مسلم على ابن عبد الهادي.
وممن سمع عليه سوى ابن عبد الهادي: الميدومي ومحمد بن إسماعيل بن الملوك ومحمد بن عبد الله النعماني وأحمد بن الرصدي وابن القطرواني والعرضي ومظفر الدين محمد بن محمد بن يحيى العطار وابن الخباز وابن الحموي وابن قيم الضيائية وأحمد بن عبد الرحمن المرداوي، فمما سمعه على المظفر: صحيح البخاري، وعلى ابن الخباز: صحيح مسلم، وعليه وعلى العرضي: مسند أحمد، وعلى العرضي والميدومي: سنن أبي داود، وعلى الميدومي وابن الخباز: جزء ابن عرفة.
وهو مكثر سماعًا وشيوخًا، ولم يكن الزين يعتمد في شيء من أموره إلا عليه حتى إنه أرسله مع ولده الولي لما ارتحل بنفسه إلى دمشق، وزوجه ابنته خديجة، ورزق منها عدة أولاد.
وكان عجبًا في الدين والتقوى والزهد والإقبال على العلم والعبادة والأوراد وخدمة الشيخ وعدم مخالطة الناس في شيء من الأمور، والمحبة في الحديث وأهله. وحدث بالكثير رفيقًا للزين بل قل أن حدث الزين بشيء إلا وهو معه، وكذلك قل أن حدث هو بمفرده، لكنهم بعد وفاة الشيخ أكثروا عنه، ومع ذلك فلم يغير حاله ولا تصدر ولا تمشيخ، وكان مع كونه شريكًا للشيخ يكتب عنه الأمالي بحيث كتب عنه جميعها وربما استملى عليه،
[ ١ / ٨٥ ]
ويحدث بذلك عن الشيخ لا عن نفسه إلا لمن ضايقه.
ولم يزل على طريقه حتى مات في ليلة الثلاثاء تاسع عشر من رمضان سنة سبع وثمانمائة، بالقاهرة ودفن من الغد، خارج باب البرقية منها، ﵀ وإيانا. أهـ.
قال الهيثمي في مقدمته على مجمع الزوائد:
وبعد فقد كنت جمعت زوائد مسند الإمام أحمد وأبي يعلي الموصلي وأبي بكر البزار ومعاجم الطبراني الثلاثة - رضي الله تعالى عن مؤلفهم وأرضاهم وجعل الجنة مثواهم - كل واحد منها في تصنيف مستقل - ما خلا المعجم الأوسط والصغير فإنهما في تصنيف واحد - فقال لي سيدي وشيخي العلامة شيخ الحفاظ بالمشرق والمغرب ومفيد الكبار ومن دونهم الشيخ زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن العراقي - ﵁ وأرضاه وجعل الجنة مثوانا ومثواه -: اجمع هذه التصانيف واحذف أسانيدها لكي يجتمع أحاديث كل باب منها في باب واحد من هذا، فلما رأيت إشارته إليَّ بذلك صرفت همتي إليه، وسألت الله تعالى تسهيله والإعانة عليه، وأسأل الله تعالى النفع به إنه قريب مجيب.
قال صاحب الرسالة المستطرفة:
و(غاية المقصد في زوائد المسند) - أي مسند أحمد - على الكتب الستة، للحافظ نور الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي بالثاء المثلثة، وأما أحمد بن حجر الهيثمي، فقال الأمير في ثبته "بالمثناة الفوقية نسبة للهياتم من قرى مصر" الشافعي المصري المتوفى بالقاهرة سنة سبع وثمانمائة وهو رفيق أبي الفضل العراقي في سماع الحديث وصهره وتلميذه، وهو الذي أشار عليه بجمع الزوائد المذكورة وهي في مجلدين، وله أيضًا زوائد مسند البزار على الكتب الستة وسماها "البحر الزخار في زوائد مسند البزار" في مجلد ضخم، وزوائد مسد أبي يعلي الموصلي عليها أيضًا في مجلد، وزوائد المعجم الكبير للطبراني عليها أيضًا، وسماها (البدر المنير في زوائد المعجم الكبير) في ثلاثة مجلدات، وزوائد المعجم الأوسط والصغير له عليها أيضًا وسماها (مجمع البحرين في زوائد المعجمين) في مجلدين، ثم جمع الزوائد الستة المذكورة كلها في كتاب واحد محذوف الأسانيد مع الكلام عليها بالصحة
[ ١ / ٨٦ ]
والحسن والضعف، وما في بعض رواتها من الجرح والتعديل، وسماه (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) وهو في ست مجلدات كبار ويوجد في ثمان مجلدات وأكثر وهو من أنفع كتب الحديث، بل لم يوجد مثله كتاب، ولا صنف نظيره في هذا الباب.
* * *
[ ١ / ٨٧ ]
٢٠ - محمد بن محمد بن سليمان المغربي
وكتابه جمع الفوائد
قال صاحب الرسالة المستطرفة:
وللشيخ الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن محمد بن سليمان المغربي الروداني، صاحب (صلة الخلف بموصول السلف) المتوفى سنة أربع وتسعين وألف، ودفن بسفح جبل قاسيون من دمشق الشام، كتاب (جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد) اشتمل على الصحيحين والموطأ والسنن الأربعة ومسند الدارمي ومسند أحمد ومسند أبي يعلي ومسند البزار ومعاجم الطبراني الثلاثة.
وقد تحدث الشيخ محمد بن محمد في مقدمة كتابه عن كتابه فقال:
فهذا (جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد).
(الأول) للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري الموصلي - ﵀ - جمع فيه ما في تجريد رزين بن معاوية للأصول الستة، بإبدال ابن ماجه بالموطأ، وما نقصه رزين منها، وعزا كل حديث إلى مخرجه سوى ما زاده - أعني ما في تجريد رزين - ولم يجده ابن الأثير في الأصول الستة، فإنه بيض له مكانًا حتى إذا عثر على مخرجه عزاه إليه فيه، ورتبه على ترتيب بديع، لكن لغموض دقة وضعه واتساع حجمه في جمعه؛ قل أن ينتفع به إلا ذو فكرة ذاكية وحافظة واعية.
(وأما الثاني) للحافظ نور الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر ابن سليمان الهيثمي - ﵀ - جمع فيه ما في مسند الإمام أحمد وأبي يعلي الموصلي وأبي بكر البزار ومعاجم الطبراني الثلاثة من الأحاديث الزائدة على ما في الأصول الستة بجعل ابن ماجه ههنا دون الموطأ وعقب كل حديث بالكلام على رواته تعديلًا وتجريحًا، فجاء حجمه في ست مجلدات يتناهز بجامع الأصول، فتجشمت هذا الجمع منهما لضيق وسعي عن الإحاطة بكل ما فيهما، فاقتضى الجمع أن أضيف إليهما سنن ابن ماجه، لكن لكون جامع الأصول أخرجه من الستة فلم يذكر
[ ١ / ٨٨ ]
ما فيه، وكون مجمع الزوائد أدخله فلم يذكر زوائده، لم يحسن مني أن أضيف كله إلى الجامع أو زوائده إلى المجمع لأن ذلك كجبر لأحدهما على خلاف مراده، فلهذا أفردت زوائده وعزوتها إليه، ولما كان اختلاف القوم في سادس الستة أهو ابن ماجه أو الموطأ أو مسند الدارمي؟ راعيت هذا الخلاف، فأضفت لذلك أيضًا زوائد الدارمي مفردة، إلا أن يتفق مع ابن ماجه فأجمعهما، وتكلمت على رجالهما تجريحًا وتعديلًا بما في الكاشف للذهبي وتهذيب التهذيب والتقريب للحافظ ابن حجر وغيرها، ورتبته على ترتيب أصوله لكونه مألف طبعي دون ترتيب الجامع، وأينما عثرت على حديث مكرر عندهم في أبواب أثبته في أليق تلك الأبواب به وحذفته في غيرها، إلا لفائدة أو غفلة مني كما فعل مسلم - ﵀ - وأينما ورد في حكم أو معنى حديثان فأكثر أو روايتا حديث فأكثر، فإني أقتصر فيه على ما هو أكثر فائدة من تلك الأحاديث أو الروايات، وأحذف غيره إلا إن اشتمل على زيادة، فإني أخلص منه تلك الزيادة، أو أذكر كله، والحديث الذي تعدد من أخرجه أذكره بلفظ أحدهم وسياقه ثم تارة أذكر من له اللفظ وتارة لا أذكره.
أقول: وقد جعلت كتاب محمد بن محمد بن سليمان أنيسًا لي، ودليلًا في عملي، فقد اجتمع فيه ما تفرق في غيره، بل وجدت فيه الكثير مما يحقق مقاصد كتابنا هذا، ولولا أني أستهدف أكثر مما استهدف، وأريد أكثر مما أراد لاكتفيت بخدمة كتابه، ولكن حاجة عصرنا أوسع، فتطلعت إلى التأليف المستقل فكان هذا الكتاب، الذي أرجو أن يكون قد انصبت فيه كل هذه الجهود التي خدمت السنة النبوية، كما أرجو أن أكون قد وفقت لاستخلاص جناها وعبيرها، ورصف جواهرها، وإحكام البناء والزخرفة من لبنات ذهبها. وها نحن أولاء نسلمك للقسم الأول من هذا الكتاب.
* * *
[ ١ / ٨٩ ]
القسم الأول
في
السيرة النبوية
ويشتمل على:
مقدمة وستة أبواب
الباب الأول: من البدء حتى النبوة الشريفة
الباب الثاني: من البعثة حتى الاستقرار في المدينة
الباب الثالث: من الاستقرار في المدينة حتى الوفاة
الباب الرابع: في الصفات والخصائص والشمائل
الباب الخامس: في معجزات الرسول ﷺ
الباب السادس: دوائر شرف حول الرسول ﷺ
[ ١ / ٩١ ]