وفيها تسعة وأربعون حدثًا:
١ - في المحرَّم من هذه السنة: كانت سرية عُيينة بن حصن - ﵁ - إلى بني تميم، فَسَبَوا منهم سبيًا، فجاء رؤساؤهم إلى النبي - ﷺ -، فنادوه من وراء الباب: يا محمد، فنزلت فيهم صدر سورة الحجرات.
الشرح:
بعث رسول الله -ﷺ - عُيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم في خمسين فارسًا من العرب، ليس فيهم مهاجريٌ ولا أنصاري، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فهجم عليهم في صحراء، فدخلوا وسرحوا مواشيهم، فلما رأوا الجمع ولَّوا، وأخذ منهم أحد عشر رجلًا، ووجدوا في المحلة إحدى وعشرين امرأة وثلاثين صبيًا، فجلبهم إلى المدينة، فأمر بهم رسول الله - ﷺ - فحُبسوا في دار رملة بنت الحارث، فقدم فيهم عِدَّة من رؤسائهم؛ عطارد بن حاجب، والزِّبرقان ابن بدر، وقيس بن عاصم، والأقرع بن حابس، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، وعمرو بن الأهتم، ورباح بن الحارث بن مجاشع، فلما رأوهم بكى إليهم النساء والذراري فعجلوا وجاءوا إلى باب النبي - ﷺ -، فنادوا: يا محمَّد اخرج إلينا، فخرج رسول الله - ﷺ -، وأقام بلال الصلاة وتعلَّقوا برسول الله - ﷺ - يكلمونه، فوقف معهم، ثم مضى فصلى الظهر، ثم جلس في صحن المسجد، فقدَّموا عطارد بن حاجب فتكلم وخطب، فأمر رسول الله - ﷺ - ثابت بن قيس بن شماس فأجابهم، ونزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا
[ ٤٨٩ ]
يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الحجرات: ٤]، فرَّد عليهم رسول الله -ﷺ - الأسرى والسبي (١).
٢ - وفي صفر من هذه السنة: بعث رسولُ الله - ﷺ - عبد الله بن عوسجة - ﵁ - إلى بني حارثة بن عمرو يدعوهم إلى الإسلام فأبوا.
الشرح:
قيل أنَّ رسول الله - ﷺ - بعثه إلى بني حارثة بن- عمرو بن قُريط، يدعوهم إلى الإِسلام، فأخذوا الصحيفة فغسلوها، ورقعوا بها أسفل دَلْوهم، فدعا عليهم النبي - ﷺ - (٢).
٣ - وفي صفر من هذه السنة: كانت سرية قُطْبة بن عامر - ﵁ - إلى خثعم بناحية بيشة فغنموا وأسروا، ولكن قُطبة قتِل.
الشرح:
قال ابن سعد ﵀:
قالوا: بعث رسول الله - ﷺ - قُطبة في عشرين رجلًا إلى حي من خثعم، بناحية تَبالة، وأمره أن يشنَّ الغارة، فخرجوا على عشرة أبعرة يعتقبونها، فأخذوا رجلًا فسألوه، فاستعجم (٣) عليهم، فجعل يصيح بالحاضرة ويحذِّرهم، فضربوا عنقه، ثم أقاموا حتى نام الحاضر، فشنُّوا عليهم الغارة فاقتتلوا قتالًا شديدًا حتى كثرت الجرحى في الفريقين جميعًا، وقُتِل قطبة بن عامر فيمن قُتل،
_________________
(١) "الطبقات" ٢/ ١٦٠، ١٦١، وأخرجه أحمد (٢٧٠٨١) عن الأقرع بن حابس، بسند صحيح، مختصرًا، وفيه قال الأقرع: يا محمَّد إن حمدي زين وإن ذمي شين، فقال رسول الله: "ذمكم الله".
(٢) انظر: "الإصابة" ٢/ ١١٠٦.
(٣) استعجم: سكت.
[ ٤٩٠ ]
وساقوا النَّعم والشاء والنساء إلي المدينة (١).
٤ - وفي صفر من هذه السنة: قدم وَفْدُ عُذرة على رسول الله - ﷺ - وأسلموا.
الشرح:
قال ابن سعد ﵀:
قالوا: قدم على رسول الله -ﷺ - في صفر سنة تسع وفد عُذرة اثنا عشر رجلًا، فيهم حمزة بن النعمان العُذري، وسُليم وسعد ابنا مالك، ومالك بن أبي رباح، فنزلوا دار رملة بنت الحارث النجَّارية، ثم جاءوا إلى النبي - ﷺ -، فسلموا بسلام أهل الجاهلية، وقالوا: نحن إخوة قصي لأمه، ونحن الذين أزاحوا خزاعة وبني بكر عن مكة، ولنا قرابات وأرحام، وسألوا رسول الله - ﷺ - عن أشياء في أمر الدين، وأسلموا (٢).
٥ - وفي ربيع الأول من هذه السنة: كانت سرية الضحاك بن سفيان الكلابي - ﵁ - إلى بني كلاب بالقُرْطاء.
الشرح:
بعث رسول الله - ﷺ - جيشًا إلى القرطاء عليها الضحاك بن سفيان بن عوف بن أبي بكر الكلابي، ومعه الأَصْيَد بن سلمة بن قرط، فلقوهم بالزُّج، زج لاوة، فدعوهم إلى الإِسلام فأبوا، فقاتلوهم فهزموهم، فلحق الأصْيدُ أباه سلمة، وسلمة على فرس له، فدعا أباه إلى الإِسلام، وأعطاه الأمان، فسبَّه
_________________
(١) "الطبقات" ٢/ ٢٠٦.
(٢) "الطبقات" ١/ ٣٣١. بتصرف.
[ ٤٩١ ]
وسبَّ دينه، فضرب الأصيد عرقوبي فرس أبيه، فلما وقع الفرس على عرقوبيه ارتكز سلمة على رمحه في الماء، ثم استمسك حتى جاءه أحدهم فقتله، ولم يقتله ابنه (١).
٦ - وفي ربيع الأول من هذه السنة: قدم وفدُ بليّ، فنزلوا على رويفع بن ثابت البلوي - ﵁ -.
الشرح:
عن رويفع بن ثابت البلوي قال: قدم وفد قومي في شهر ربيع الأول سنة تسع، فأنزلتهم في منزلي ببني جديلة ثم خرَّجتهم حتى انتهينا إلى رسول الله - ﷺ - وهو جالس مع أصحابه في بيته في الغداة، فقدم شيخ الوفد أبو الضباب فجلس بين يدي رسول الله - ﷺ -، فتكلم، وأسلم القوم وسألوا رسول الله - ﷺ - عن الضيافة وعن أشياء من أمر دينهم، فأجابهم، ثم رجعت بهم إلى منزلي، فأقاموا ثلاثًا، ثم جاءوا رسول الله - ﷺ - يودعونه، فأمر لهم بجوائز كما كان يجيز قبلهم، ثم رجعوا إلى بلادهم (٢).
٧ - وفي ربيع الآخر من هذه السنة: كانت سرية علقمة بن مجزّر المدلجي - ﵁ - إلى الأحباش بجُدَّة، فهربوا.
الشرح:
قال ابن سعد ﵀:
قالوا: بلغ رسول الله - ﷺ - أنَّ ناسًا من الحبشة رآهم أهل جُدَّة، فبعث إليهم علقمة بن مُجزَّر في ثلثمائة، فانتهى إلى جزيرة في البحر، وقد خاض إليهم البحر فهربوا منه، فلما رجع تعجل بعض القوم إلى أهليهم فأذن لهم (٣).
_________________
(١) "الطبقات" ٢/ ٢٠٧.
(٢) "الطبقات" ١/ ٣٣٠.
(٣) "الطبقات" ٢/ ٢٠٧.
[ ٤٩٢ ]
وعَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قال: بعث رسول الله - ﷺ - عَلْقَمَةَ بن مُجَزِّرٍ عَلَى بَعْثٍ، وَأَنَا فِيهِمْ، فَلَمَّا انْتَهَى إلى رَأْسِ غَزَاتِهِ، أَوْ كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، اسْتَأْذَنَتْهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْجَيْشِ، فَأَذِنَ لَهُمْ وَأَمَّرَ، عَلَيْهِمْ عبد الله بن حُذَافَةَ بن قَيْسٍ السَّهْمِيَّ، فَكُنْتُ فِيمَنْ غَزَا مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَوْقَدَ الْقَوْمُ نَارًا لِيَصْطَلُوا أَوْ لِيَصْنَعُوا عَلَيْهَا صَنِيعًا، فَقَالَ عبد الله -وَكَانَ فِيهِ دُعَابَةٌ- أَلَيْسَ لِي عَلَيْكُمْ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَمَا أَنَا بِآمِرِكُم بِشَيءٍ إِلَّا صَنَعْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَم، قَالَ: فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكُمْ إِلَّا تَوَاثَبْتُمْ في هَذِهِ النَّارِ، فَقَامَ نَاسٌ فَتَحَجَّزُوا، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّهُمْ وَاثِبُونَ قَالَ: أَمْسِكُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّمَا كُنْتُ أَمْزَحُ مَعَكُمْ، فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِي - ﷺ - فَقَالَ: "مَنْ أَمَرَكُمْ مِنْهُمْ بِمَعْصِيَةِ الله فَلَا تُطِيعُوهُ" (١).
٨ - وفي ربيع الآخر من هذه السنة: كانت سرية علي بن أبي طالب - ﵁ - إلى الفُلس، صَنَم طيِّئ، فهدموا وأسروا وغنموا.
الشرح:
بعث رسول الله - ﷺ - عليَّ بن أبي طالب في خمسين ومائة رجل من الأنصار على مائة بعير وخمسين فرسًا، ومعه راية سوداء ولواء أبيض إلى الفلس ليهدمه، فشنُّوا الغارة على محلَّة آل حاتم مع الفجر، فهدموا الفُلْس وحرقوه، وملأوا أيديهم من السبي والنَّعم والشاء، وفي السبي أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشام ووجد في خزانة الفُلْس ثلاثة أسياف، وثلاثة أدرع، واستعمل رسول الله - ﷺ - على السبي أبا قتادة، واستعمل على الماشية والأموال عبد الله بن عَتيك (٢).
_________________
(١) حسن: أخرجه ابن ماجه (٢٨٦٣)، كتاب: الجهاد، باب: لا طاعة في معصية الله، وأحمد ٣/ ٦٧، "الصحيحة" (٢٣٢٤)، وروى نحوه البخاري (٤٣٤)، ومسلم (١٨٤٠)، عن عليٍّ - ﵁ -.
(٢) "الطبقات" ٢/ ٢٠٧. بتصرف يسير.
[ ٤٩٣ ]
٩ - وفي ربيع الآخر من هذه السنة: كانت سرية عكاشة بن محصن - ﵁ - إلى الجناب، أرض عُذْرة وبلي.
الشرح:
ذكرها ابن سيد الناس (١)، وقال: سرية عُكَّاشة بن محصن إلى الجناب أرض عُذْرة وبلي، وكانت في شهر ربيع الآخر سنة تسع من الهجرة.
١٠ - وفي رجب من هذه السنة: بعث رسول الله - ﷺ - طلحة بن عُبيد الله - ﵁ - إلى بيت سُويلم اليهوديِّ ليحرقه على من فيه من المنافقين الذين يخذِّلون عن رسول الله - ﷺ -، ففعل.
الشرح:
بلغ رسول الله -ﷺ - أن ناسًا من المنافقين يجتمعون في بيت سُويلم اليهودي، يُثبِّطون الناس عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك، فبعث إليهم النبي - ﷺ - طلحة بن عُبيد الله في نفر من أصحابه، وأمره أن يُحرِّق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا (٢).
١١ - وفي رجب من هذه السنة: كانت غزوة تبوك.
الشرح:
تقع تبوك شمال الحجاز، وتبعد عن المدينة المنورة ٧٧٨ كم حسب الطرق المعبدة في الوقت الحاضر، وكانت من ديار قُضاعة الخاضعة لسلطان
_________________
(١) "عيون الأثر" ٢/ ٢٧٩.
(٢) "سيرة ابن هشام" ٤/ ٨٩.
[ ٤٩٤ ]
الروم آنذاك (١).
وقد عزم النبي - ﷺ - غزو الروم لنشر الدين الإِسلام في هذه البلاد التي هي من أقرب البلاد إلى أرض الحجاز، والتي تقع تحت السيطرة الرومية، ولتكون تلك هي المواجهة الثانية مع الروم بعد غزوة مؤتة التي لم تحقق جميع أهدافها المرجوَّة؛ فبرغم أنها أظهرت للعالم قدرة المسلمين الفائقة، حتى في مواجهة أعظم إمبراطورية في العالم حينها، وهي إمبراطورية الروم، إلَّا أنها لم تحقق الهدف الأسمى الذي ينشده المسلمون، ألا وهو إخضاع هذه الإمبراطورية وتلك الدول للإسلام والمسلمين وبالتالي توسيع المجال أمام الدعوة الإِسلامية أن تنشر بين ساكني تلك الدول، التي يمنع حكامها الظالمون المسلمين من نشر الدين الحق فيها.
والذي جعل النبي - ﷺ - يخرج في هذا الوقت بالذات، رغم ما كان بالمسلمين من شدة وعُسرة، وصول خبر إلى المدينة أنَّ أحد ملوك غسان تجهز لغزو المسلمين، مما جعل النبي - ﷺ - يسارع في الخروج لملاقاتهم في بلادهم، قبل مباغتتهم المسلمين في بلادهم (٢).
فنادى منادي رسول الله -ﷺ - في الصحابة بالجهاد لغزو الروم، ولم تكن تلك عادة النبي - ﷺ - أن يعلم الصحابة بوجهته الحقيقة إنما كان - ﷺ - إذا أراد غزوة يغزوها وَرَّى بغيرها (٣).
_________________
(١) "السيرة النبوية الصحيحة" ٢/ ٥٢٤.
(٢) انظر: الدليل على انتشار هذا الخبر في المدينة حديث عمر - ﵁ - في شرح الفقرة (٤٧) من هذه السنة، وهو حديث متفق عليه.
(٣) وَرَّى بغيرها: أي: أوهم بغيرها؛ وذلك حتى لا تتسرب الأخبار للعدو الذي يريد النبي - ﷺ - ملاقاته.
[ ٤٩٥ ]
عن كَعْبِ بن مَالِكٍ - ﵁ - قال: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَغَزَاهَا رَسُولُ الله - ﷺ - في حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاستَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا، وَمَفَازًا (١)، وَاسْتَقْبَلَ غَزْوَ عَدُوٍّ كَثِيرٍ، فَجَلَّى (٢) لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ؛ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ، وَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ (٣).
وأمر النبي - ﷺ - أصحابه بالإنفاق لتجهيز جيش العُسْرة (٤)، فقَالَ النَّبِي - ﷺ -: "مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الْجَنَّةُ"، فَجَهَّزَهُ عُثْمَانُ بن عفان - ﵁ - (٥).
وقد تبرع عُثْمَانُ - ﵁ - من المال فقط بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَجاء بها فنْثُرَهَا في حِجْرِ النبي - ﷺ -، فجعل النَّبِي - ﷺ - يُقَلِّبُهَا في حِجْرِهِ، وَيَقُولُ: "ما ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ، مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ" (٦).
وأخذ المنافقون في تثبيط المؤمنين عن الخروج والجهاد في سبيل الله وقالوا: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة: ٨١].
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)﴾ [التوبة: ٨١].
_________________
(١) المفاز: الفلاة التي لا ماء فيها.
(٢) جلَّى: أي: أوضح وبيَّن.
(٣) متفق عليه: انظر تخريجه في شرح الفقرة (٢٠) من هذه السنة.
(٤) سُمي جيش العُسْرة للعُسْر والشدة التي كان عليها المسلمون حينها.
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٢٧٧٨)، كتاب: الوصايا، باب: إذا وقف أرضًا أو بئرًا واشترط لنفسه مثل دِلاء المسلمين.
(٦) حسن: أخرجه الترمذي (٣٠٧١)، كتاب: المناقب، باب في مناقب عثمان - ﵁ - وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وحسنه الألباني في "المشكاة" (٦٠٦٤).
[ ٤٩٦ ]
يُبلغهم الله تعالى أن نار جهنم التي سيصيرون إليها بسبب مخالفتهم أمره - ﷺ - أشد حرًا مما فروا منه.
وجاء المعذّرون من الأعراب الذين يسكنون حول المدينة يشكون للنبي - ﷺ - ضعفهم وفقرهم وعدم استطاعتهم الخروج معه - ﷺ -، كما جاء المنافقون مبدين الأعذار الكاذبة والحجج الواهية مستأذنين النبي - ﷺ - في عدم الخروج.
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾ [التوبة: ٩٠].
ثم بيَّن الله تعالى حال أصحاب الأعذار الحقيقية، وأنه لا سبيل عليهم، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)﴾ [التوبة: ٩١].
كما بيَّن الله -﷿ - تقبله عذر الفقراء الذين جاءوا إلى النبي - ﷺ - ليحملهم معه في تلك الغزوة، فلم يجد النبي - ﷺ - ما يحملهم عليه، فتولَّوا وهم يبكون من شدة حزنهم لعدم استطاعتهم الخروج، فقال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة: ٩٢].
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾ [التوبة: ٩٣].
وكان أكثر المنافقين الذين تخلَّفوا من الأعراب أهل البادية، ولذلك
[ ٤٩٧ ]
يقول الله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨)﴾ [التوبة: ٩٧، ٩٨].
ثم بيَّن الله تعالى أنه ليس كلهم كذلك، بل منهم من هو مؤمن، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾ [التوبة: ٩٩].
ثم أوضح الله تعالى أن بالمدينة منافقون أيضًا، فقال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التوبة: ١٠١].
وعمومًا فقد أذن النبي - ﷺ - لكل من جاءه معتذرًا، فهو - ﷺ - لم يشُق عن قلوبهم ولا يعلم ما بداخلها.
فعاتبه الله تعالى فأنزل عليه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة: ٤٣].
يقول الله تعالى لرسوله - ﷺ -: هلَّا تركتهم لمَّا استأذنوك، فلم تأذن لأحد منهم في القعود، لتعلم الصادق منهم في إظهار طاعتك من الكاذب، فإنهم إن كانوا مؤمنين حقًا ثم وجدوك لم تأذن لهم في القعود لخرجوا معك ولو كان بهم شدَّة.
وعلى أية حال فقد كان عدم خروجهم في مصلحة المؤمنين يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ
[ ٤٩٨ ]
وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [التوبة: ٤٦، ٤٧].
ويحكي أبو مُوسَى الأشعري - ﵁ - قصة الأشعريين الذين أرسلوه إلى النبي - ﷺ - يسألونه الحُملان لهم، فيقول - ﵁ -: أَرْسَلَنِي أصحابي إلى رَسُولِ الله - ﷺ - أَسْأَلُهُ الْحُمْلَانَ لَهُمْ إِذْ هُمْ مَعَهُ في جَيْشِ الْعُسْرَةِ، وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَقُلْتُ: يَا نَبِي الله إِنَّ أصحابي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، فَقَالَ: وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيءٍ،- يقول أبو موسى-: وَوَافَقْتُة وَهُوَ غَضْبَانُ وَلَا أَشْعُرُ، وَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنْعِ النَّبِي - ﷺ - وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِي - ﷺ - وَجَدَ في نَفْسِهِ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إلى أصحابي فَأَخْبَرْتُهُمْ الَّذِي قَالَ النَّبِي - ﷺ -، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِيِ أَيْ عبد الله بن قَيْسٍ، فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ الله - ﷺ - يَدْعُوكَ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ، قَالَ: خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ، وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ (١) -لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ- فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إلى أَصْحَابِكَ، فَقُلْ: إِنَّ الله -أَوْ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله- يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ فَارْكَبُوهُنَّ فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِم بِهِنَّ، فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِي - ﷺ - يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَكِنِّي وَاللهِ لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إلى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ الله - ﷺ -، لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُم شَيئًا لَم يَقُلْهُ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَقَالُوا لِي: وَاللهِ إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ، فَانْطَلَقَ أبو مُوسَى بنفَرٍ مِنْهُمْ حَتَّى أَتَوْا الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ الله - ﷺ - مَنْعَهُ إِيَّاهُمْ ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ فَحَدَّثُوهُمْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أبو مُوسَى (٢).
_________________
(١) الْقَرِينَيْنِ: أي: البعيرين المتماثلين في الحجم والسنّ.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٤١٥)، كتاب: المغازي، باب: غزوة تبوك وهي غروة العسرة، ومسلم (١٦٤٩)، كتاب: الإيمان، باب: ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها أن يأتي الذي هو خير ويكفّر عن يمينه.
[ ٤٩٩ ]
وخرج النبي - ﷺ - متوجهًا إلى تبوك بجيش يقرب من الثلاثين ألف مقاتل (١)، معهم حوالي عشرة آلاف فرس، وخلَّف على المدينة عليَّ بن أبي طالب - ﵁ - (٢)، فَقَالَ عليٌّ للنبي - ﷺ -: أَتُخَلِّفُنِي في الصِّبْيَانِ وَالنِسَاءِ؟ قَالَ: "أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي (٣).
وكان خَرَوجَ النبي - ﷺ - إلى هذه الغزوة يَومَ الْخَمِيسِ حيث كَانَ - ﷺ - يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ في جميع أصفاره (٤).
وفي الطريق أصاب المسلمين مجاعة شديدة وعطش، فعَنْ أبي هُرَيْرَةَ أَوْ أبي سَعِيدٍ (شَكَّ الْأَعْمَشُ) قَالَ: لَمَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله لَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا، فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: افْعَلُوا، قَالَ فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ وَلَكِنْ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ ثُمَّ ادْعُ الله لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ لَعَلَّ الله أَنْ يَجْعَلَ في ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "نَعَمْ"، فَدَعَا بنطَعٍ فَبَسَطَهُ ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِم،
_________________
(١) انظر: "السيرة النبوية الصحيحة" ٢/ ٥٣١، حيث قال: ويبدو أن أغلب المؤرخين يمليون إلى القول أنهم كانوا ثلاثين ألفًا. اهـ
(٢) ذكر بعض أهل السير ومنهم ابن هشام أن النبي - ﷺ - استعمل على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، أو سباع بن عُرْفطة، واستخلف عليًّا على أهل بيته فقط، قلت: وهذا التفصيل لم يأت في رواية صحيحة، إنما الذي جاء في الصحيح أن النبي - ﷺ - استعمل عليًا، وقول عليّ للنبي - ﷺ -: أتُخلّفني في الصبيان والنساء، يوضح أنه - ﵁ - كان على المدينة كلها وليس على أهل بيت النبي - ﷺ - فقط. والله أعلم.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٤١٦)، كتاب: المغازي، باب: غزوة العسرة، ومسلم (٢٤٠٤)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ -.
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٢٩٥٠)، كتاب: الجهاد والسير، باب: مَن أراد غزوة فورَّى بغيرها ومَن أحب الخروج يوم الخميس.
[ ٥٠٠ ]
قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ يَسِيرٌ، فَدَعَا رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: خُذُوا في أَوْعِيَتِكُمْ، قَالَ: فَأَخَذُوا في أَوْعِيَتِهِمْ حَتَّى مَا تَرَكُوا في الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلَّا مَلَئُوهُ، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُولُ الله، لَا يَلْقَى الله بِهِمَا عبد غَيْرَ شَاكٍّ فَيُحْجَبَ عَنْ الْجَنَّةِ" (١).
فأكل الصحابة - ﵃ - وشربوا، بعد ما نالوه من جوع وعطش شديَدْين.
وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: خرجنا إلى تبوك في قَيظ شديد، فنزلنا منزلًا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إنَّ الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرْثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا، فادع الله لنا، فقال: أتحب ذلك؟ قال: نعم، قال: فرفع يديه نحو السماء، فلم يرجعها حتى قالت السماء فأظلت ثم سكبت، فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر (٢).
فقال الصحابة لأحد المنافقين ممن كان معهم: وَيْحَك؛ هَلْ بَعْدَ هَذَا شَئءٌ؟! قَالَ: سَحَابَةٌ مَارّةٌ (٣).
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٧)، كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا.
(٢) إسناده جيد: أخرجه البيهقي في "الدلائل" ٥/ ٢٣١، قال ابن كثير في "البداية والنهاية" ٥/ ٧٤: إسناده جيد.
(٣) "سيرة ابن هشام" ٤/ ٩٢، ٩٣، من رواية ابن إسحاق، قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعاصم ثقة، وثقة ابن حجر كما في "التقريب" (٢٩٥): قال: ثقة عالم بالمغازي =
[ ٥٠١ ]
وفي الطريق فُقدت ناقة النبي - ﷺ -، فقال أحد المنافقين -واسمه زيد بن اللُّصيت- وكان في رَحْل صحابي اسمه عُمارة بن حزم: أليس محمَّد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله - ﷺ - وعمارة عنده: إن رجلًا قال: هذا محمَّد يخبركم أنه نبي، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته، وأنا والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي في شِعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها، فذهبوا فجاءوا بها، فرجع عمارة بن حزم إلى رحله، فقال: والله لعجبٌ من شيء حدثناه رسول الله -ﷺ - آنفًا، عن مقالة قائل أخبره الله عنه بكذا وكذا -للذي قال زيد بن اللُّصيت- فقال رجل: ممن كان في رحل عُمارة ولم يحضر رسول الله - ﷺ -: زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتي، فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه، ويقول: إلى عباد الله، إن في رحلي لداهية وما أشعر، اخرج أي عدو الله من رحلي، فلا تصحبني (١).
ومضى رسول الله -ﷺ -، فجعل يتخلف عنه الرجل، فيقولون: تخلف فلان، فيقول: دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك، فقد أراحكم الله منه.
وتلوَّم على أبي ذر بعيرُه، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فجعله على ظهره، ثم
_________________
(١) = عن محمود بن لبيد، عن رجال من بني عبد الأشهل، به، ومحمود بن لبيد صحابي صغير، قال ابن حجر في "التقريب" (٥٨٢): صحابي صغير وجل روايته عن الصحابة. اهـ. فإن كان من روى عنهم هذه الرواية من الصحابة، فلا يضر إبهامهم، ويكون الحديث صحيحًا.
(٢) "سيرة ابن هشام" ٤/ ٩٣، من رواية ابن إسحاق بالإسناد السابق.
[ ٥٠٢ ]
خرج يتبع أثر رسول الله - ﷺ - ماشيًا، ونزل رسول الله - ﷺ - في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل ماش على الطريق، وحده، فقال رسول الله - ﷺ -: "كن أبا ذر"، فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر، فقال رسول الله -ﷺ -: "رحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، وببعث وحده" (١).
وكان أبو خَيْثَمَةَ - ﵁ - رَجَعَ -بَعْدَ أَن سَارَ رَسُولُ الله - ﷺ - أَيّامًا- إلَى أَهْلِهِ في يَوْمٍ حَارّ، فَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ في عَرِيشَيْنِ (٢) لَهُمَا في حَائِطِهِ، قَدْ رَشّتْ كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا، وَبَرّدَتْ لَهُ فِيهِ مَاءً، وَهَيّأَتْ لَهُ فِيهِ طَعَامًا، فَلَمّا دَخَلَ قَامَ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ، فَنَظَرَ إلَى امْرَأَتَيْهِ وَمَا صَنَعَتَا لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - في الضّحّ (٣) وَالرّيحِ وَالْحَرّ، وَأبو خَيْثَمَةَ في ظِلّ بَارِدٍ، وَطَعَامٍ مُهَيّأٍ، وَامْرَأَةٍ حَسْنَاءَ، في مَالِهِ مُقِيمٌ، مَا هَذَا بِالنّصَفِ، ثُمَّ قَالَ: وَاَللهِ لَا أَدْخُلُ عَرِيشَ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَتّى أَلْحَقَ بِرَسُولِ الله - ﷺ -، فَهَيّئا لِي زَادًا، فَفَعَلَتَا، ثُمَّ قَدّمَ نَاضِحَهُ فَارْتَحَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ في طَلَبِ رَسُولِ الله - ﷺ - حَتّى أَدْرَكَهُ حِينَ نَزَلَ تَبُوكَ، وَقَدْ كَانَ أَدْرَكَ أَبَا خَيثَمَةَ عُمَير بن وَهْبٍ الْجُمَحِي في الطّرِيقِ، يَطْلُبُ رَسُولَ الله - ﷺ -، فَتَرَافَقَا، حَتّى إذَا دَنَوَا مِنْ تَبُوكَ، قَالَ أبو خَيْثَمَةَ لِعُمَيْرِ بن وَهْبٍ: إنّ لي ذَنْبًا، فَلَا عَلَيْك أَنْ تَخَلّفَ عَنّي حَتّى آتِيَ رَسُولَ الله - ﷺ -، فَفَعَلَ حَتّى إذا دَنَا مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - وَهُوَ نَازِلٌ بِتَبُوكَ، قَالَ النّاسُ: هَذَا رَاكِبٌ عَلَى الطّرِيقِ مُقْبِلٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "كُنْ أَبَا خَيثَمَةَ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله هُوَ وَاَللهِ أبو خَيْثمَةَ، فَلَمّا أَنَاخَ أَقْبَلَ فَسَلّمَ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ -: "أَوْلَى لَكَ (٤) يَا أَبَا خَيثَمَة"، ثُمَّ أَخْبَرَ
_________________
(١) أخرجه الحاكم ٣/ ٥٠، ٥١، وصححه ووافقه الذهبي، ولكنه قال: فيه إرسال، وابن كثير في "البداية والنهاية" ٥/ ٧٣، وقال: إسناده حسن.
(٢) العريش: شبيه الخيمة.
(٣) الضّحّ: الشمس.
(٤) أَوْلَى لَكَ: كلمة فيها معنى التهديد، معناها: دنوت من الهلكة.
[ ٥٠٣ ]
رَسُولَ الله - ﷺ - الْخَبَرَ؛ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ -: "خَيرًا"، وَدَعَا لَهُ بِخَيرِ (١).
ولما وصلوا إلى تبوك حدث أيضًا ما يرويه مُعَاذ بن جَبَلٍ - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كَانَ يَجْمَعُ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمًا أَخَّرَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، ثُمَّ قَالَ: "إِنكُمْ سَتَاْتُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ الله عَيْنَ تَبُوكَ، وَإِنكم لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِيَ"، فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلَانِ، وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَئءٍ مِنْ مَاءٍ، قَالَ: فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ الله - ﷺ -: "هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيئًا؟ "، قَالَا: نَعَمْ، فَسَبَّهُمَا النَّبِي - ﷺ -، وَقَالَ لَهُمَا: "مَا شَاءَ الله أَنْ يَقُولَ"، ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ الْعَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى اجْتَمَعَ في شَئءٍ، وَغَسَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - فِيهِ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَرَتْ الْعَيْنُ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ -أَوْ قَالَ: غَزِيرٍ- حَتَّى اسْتَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ: "يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ أَنْ تَرَى مَا هَا هُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا" (٢).
وأَقَامَ النبي - ﷺ - بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا (٣)، فلم يلق كيدًا؛ حيث خافه ملكُ بني الأصفر والقبائل العربية المتنصّرة، فلم يحضروا.
فقفل النبي - ﷺ - بجيشه راجعًا إلى المدينة، بعد ما عرف الجميع قوة الجيش الإسلامي التي ظنوا أنها ستضعف بعد مؤتة، فوجودوها قد ازدادت قوة وصلابة، حتى إنهم قد خافوا الخروج إليهم.
وصدق رَسُولُ الله - ﷺ - حيث قام من الليل يصلي -وهو في تَبُوكِ- فَاجْتَمَعَ
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" من رواية ابن إسحاق بلا سند، وله شاهد من حديث كعب بن مالك الطويل في "الصحيحين".
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٧٠٦)، كتاب الفضائل، باب: في معجزات النبي - ﷺ -.
(٣) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (١٤٧٠٢)، بإسناد رجاله ثقات.
[ ٥٠٤ ]
وَرَاءَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَحْرُسُونَهُ، حَتَّى إِذَا صَلَّى وَانْصَرَفَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: "لَقَدْ أُعْطِيتُ اللَّيلَةَ خَمْسًا، مَا أُعْطِيَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: أَمَّا أَنَا فَأُرْسِلْتُ إلى النَّاسِ كُلِّهِمْ عَامَّةً، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي إِنَّمَا يُرْسَلُ إِلَى قَوْمِهِ، وَنُصِرْتُ عَلَى الْعَدُوِّ بِالرُّعْبِ، وَلَوْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ مَسِيرَةُ شَهْرٍ لَمُلِئَ مِنْهُ رُعْبًا، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ آكُلُهَا، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعَظِّمُونَ أَكْلَهَا؛ كَانُوا يُحْرِقُونَهَا، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسَجِدًا وَطَهُورًا، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ تَمَسَّحْتُ وَصَلَّيْتُ، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ، إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ في كَنَائِسِهِم وَبِيَعِهِمْ، وَالْخَامِسَةُ هِيَ مَا هِيَ، قِيلَ لِي: سَلْ، فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ سَأَلَ، فَأَخَّرْتُ مَسْأَلَتِي إلى يَوْمِ الْقِيَامة، فَهِيَ لَكُم وَلِمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله" (١).
ومما حدث أيضًا في هذه الغزوة ما يرويه أبو حُمَيْد الساعدي - ﵁ - حيث قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ، ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِي الْقُرَى، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "إِنِّي مُسْرِعٌ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُنم فَلْيُسْرِعْ مَعِي، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَمْكُثْ"، فَخَرَجْنَا، حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: "هذِهِ طَابَةُ، وَهَذَا أُحُدٌ وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ" (٢).
وفي مرَجَعَ النبي - ﷺ - مِنْ تَبُوكَ، وحين دَنَا مِنْ الْمَدِينَةِ، قال - ﷺ -: "إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ (٣).
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٧٠٦٨)، بسند رجاله ثقات.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (١٤٨١)، كتاب: الزكاة، باب: خرص الثمر، ومسلم (١٣٩٢)، كتاب: الفضائل، باب: في معجزات النبي - ﷺ -.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٤٢٣)، كتاب: المغازي، باب: نزول النبي - ﷺ - بالحجر، ومسلم (١٩١١)، كتاب: الإمارة، باب: ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر.
[ ٥٠٥ ]
١٢ - وفي رجب من هذه السنة: وهو في طريقه إلى تبوك مَرَّ ببئر ثمود، فنهاهم أن يشربوا أو يتوضئوا منه مائها.
الشرح:
عَنْ عبد اللهْ بن عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - لَمَّا نَزَلَ الْحِجْرَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا وَلَا يَسْتَفوا مِنْهَا، فَقَالُوا: قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا وَاسْتَقَيْنَا؟ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الْعَجِينَ وَيُهَرِيقُوا ذَلِكَ الْمَاءَ (١).
وفي رواية عَنِ ابْنِ عُمَرَ أيضًا أن رَسُولَ الله - ﷺ - أمرهم أن يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا، وَأَنْ يَعْلِفُوا الْإِبِلَ الْعَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَاقَةُ (٢).
وعنه أيضًا - ﵁ - أَنَّ النَّبِي - ﷺ - لَمَّا مَرَّ بِالْحِجْرِ (٣)، قَالَ: "لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ؛ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ"، ثُمَّ تَقَنَّعَ رسول الله -ﷺ - بِرِدَائِهِ وَهُوَ عَلَى الرَّحْلِ.
وفي رواية: ثُمَّ زَجَرَ فَأَسْرَعَ حَتَّى خَلَّفَهَا (٤).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٣٣٨٧)، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣].
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٣٣٧٩)، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾.
(٣) الحِجْر: موضع ديار قوم ثمود.
(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٣٣٨٠)، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾، ومسلم (٢٩٨٠)، كتاب: الزهد والرقائق، باب: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلاَّ أن تكونوا باكين.
[ ٥٠٦ ]
١٣ - وفي رجب من هذه السنة: وهو في تبوك جاء يُحنَّة بن رُؤْبَةَ فصالح رسول الله - ﷺ - على الجزية.
الشرح:
ولما انتهى رسول الله -ﷺ - إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة، صاحب أَيْلَة، فصالح رسول الله - ﷺ - وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جَرْباءَ وأذرح فأعطوه الجزية، فكتب ليحنة بن رؤبة:
(بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومحمد النبي ليُحنَّة بن رُؤبة وأهل أيلة، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر: لهم ذمة الله، وذمة محمد النبي، ومن كان معهم من أهل الشام، وأهل اليمن، وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثًا، فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيِّب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يُمنعوا ماءً يردُونه، ولا طريقًا يريدونه، من برٍّ أو بحر) (١).
١٤ - وفي رجب من هذه السنة: وفي تبوك أتاه أهل جَرْباءَ وَأَذْرُحَ وأعطوه الجزية.
الشرح:
وكتب - ﷺ - لأهل جَرْباءَ وأذرح:
(بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لأهل جَرْباء وأذرح، أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كلِّ رجب، ومائة أوقيَّة طيبة، وأن الله عليهم كفيل بالنصح والإحسان إلى المسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين (٢).
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" ٤/ ٩٤، ٩٥، والبيهقي في "الدلائل" ٥/ ٢٤٧.
(٢) رواه البيهقي في "الدلائل" ٥/ ٢٤٨.
[ ٥٠٧ ]
١٥ - وفي رجب منه هذه السنة: وفي تبوك أسر خالدُ بن الوليد - ﵁ - أُكَيدرَ مَلِك دُومَة، فحقن رسولُ الله - ﷺ - دمه وصالحه على الجزية.
الشرح:
بعث رسول الله -ﷺ - خالد بن الوليد، إلى أكُيدر بن عبد الملك، وهو رجل من كندة كان ملكًا عليها، وكان نصرانيًا، فخرج خالد في ليلة مقمرة صائفة، وخرج أكيدر مع أهل بيته، فيهم أخ له يقال له: حسان، يصطادون البقر، فتلقتهم خيل رسول الله - ﷺ -، فأخذته، وقتلوا أخاه، وقد كان عليه قباء من ديباج مُخوَّص بالذهب، فاستلبه خالد، فبعث به إلى رسول الله -ﷺ - قبل قدومه به عليه (١).
ثم إنَّ خالدًا قدم بأكيدر على رسول الله -ﷺ -، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية (٢).
وعن أَنَسِ بن مَالِكٍ - ﵁ - أن أكيدر دومة الجندل أهدى لِرَسُولِ الله - ﷺ - حُلَّة مِنْ سُنْدُسٍ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَال: "وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَنَادِيلَ سَعْدِ بن مُعَاذٍ في الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا" (٣).
١٦ - وفي رجب من هذه السنة: وفي تبوك صلَّى رسول الله - ﷺ - خلف عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - صلاة الفجر.
الشرح:
عن الْمُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ قال: عَدَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَأَنَا مَعَهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ قَبْلَ
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" ٤/ ٩٥.
(٢) المرجع السابق.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٢٤٦٩)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل سعد بن معاذ - ﵁ -.
[ ٥٠٨ ]
الْفَجْرِ فَعَدَلْتُ مَعَهُ، فَأَنَاخَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَتَبَرَّزَ، ثُمَّ جَاءَ فَسَكَبْتُ عَلَى يَدِهِ مِنْ الْإِدَاوَةِ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ حَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ كُمَّا جُبَّتِهِ، فَأَدْخَلِ يَدَيْهِ فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، فَغَسَلَهُمَا إلى الْمِرْفَقِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ تَوَضَّأ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ رَكِبَ، فَأَقْبَلْنَا نَسِيرُ حَتَّى نَجِدَ النَّاسَ في الصَّلَاةِ قَدْ قَدَّمُوا عبد الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ، فَصلَّى بِهِمْ حِينَ كَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَوَجَدْنَا عبد الرَّحْمَنِ وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَقَامَ رَسُولُ الله - ﷺ - فَصَفَّ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَصَلَّى وَرَاءَ عبد الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ سَلَّمَ عبد الرَّحْمَنِ، فَقَامَ النبي - ﷺ - في صَلَاتِهِ فَفَزعَ الْمُسْلِمُونَ فَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ؛ لِأَنَّهُمْ سَبَقُوا النَّبِي - ﷺ - بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ الله - ﷺ - قَالَ لَهُمْ: "قَدْ أصَبتُمْ أَوْ قَدْ أَحْسَنْتُمْ".
وفي رواية: قال الْمُغِيرَةُ فَانْتَهَيْنَا إلى الْقَوْمِ وَقَدْ قَامُوا في الصَّلَاةِ يُصَلِّي بهِمْ عبد الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ، وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيّ ذَهَبَ يَتَأخَّرُ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِي - ﷺ - وَقُمْتُ، فَرَكًعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا (١).
١٧ - وفي رجب من هذه السنة: وفي غزوة تبوك مات ذو البجادين، فتولَّى رسول الله - ﷺ - والعُمَران غَسْلَه وَدَفْنَه ونزل رسولُ الله - ﷺ - قبره، وترضَّى عنه.
الشرح:
عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قمت من جوف الليل، وأنا مع رسول الله -ﷺ - في غزوة تبوك، قال: فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، قال: فاتَّبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله -ﷺ -، وأبو بكر، وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزنيُّ قد مات، وإذا هم حفروا له، ورسول الله - ﷺ - في حفرته، وأبو بكر وعمر يدنيانه إليه، وهو يقول: "ادنيا إلى أخاكما"، فدلَّياه إليه، فلما
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٢٧٤)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين، وأبو داود (١٤٩)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين.
[ ٥٠٩ ]
هيأه لشقه قال: "اللهم إني أمسيت راضيًا عنه، فارض عنه". قال: يقول عبد الله بن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة (١).
١٨ - وفي رجب من هذه السنة: وفي مرجعه - ﷺ - من تبوك هَمَّ نفر من المنافقين، بالفتك به، فأطلعه الله على ما قصدوه، ففشلت خُطَّتهم.
الشرح:
عَنْ أبي الطُّفَيلِ قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: إِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - أَخَذَ الْعَقَبَةَ فَلَا يَأْخُذْها أَحَدٌ، فَبَيْنَمَا رَسُولُ الله - ﷺ - يَقُودُهُ حُذَيْفَةُ، وَيَسُوقُ بِهِ عَمَّارٌ إِذْ أَقبَلَ رَهْطٌ مُتَلَثِّمُونَ عَلَى الرَّوَاحِلِ غَشَوْا عَمَّارًا وَهُوَ يَسُوقُ بِرَسُولِ الله - ﷺ - وَأَقْبَلَ عَمَّارٌ يَضْرِب وُجُوهَ الرَّوَاحِلِ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - لِحُذَيْفَةَ: "قَدْ قَدْ" حَتَّى هَبَطَ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَلَمَّا هَبَطَ رَسُولُ الله - ﷺ - نَزَلَ وَرَجَعَ عَمَّارٌ فَقَالَ: "يَا عَمَّارٌ هَلْ عَرَفْتَ الْقَوْمَ؟ " فَقَالَ: قَدْ عَرَفْتُ عَامَّةَ الرَّوَاحِلِ، والْقَوْمُ مُتَلَثِّمُونَ، قَالَ: "هَلْ تَدْرِي مَا أَرَادُوا؟ " قَالَ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَرَادُوا أَنْ يَنْفِرُوا بِرسولِ الله فَيَطْرَحُوهُ" (٢).
١٩ - وفي وجب من هذه السنة: وفي مرجعه - ﷺ - من أمر بتحريق مسجد الضِّرار، فأُحْرِق.
الشرح:
قال ابن إسحاق -﵀-:
ثم أقبل رسول الله - ﷺ - حتى نزل بذي أوان -بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار- وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك،
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" ٤/ ٩٦ البجاد: الكساء الغليظ، قال ابن هشام: وإنما سُمِّي ذا البجادين؛ لأنه كان ينازع في الإِسلام فيمنعه قومه ويضيقون عليه حتى تركوه في بجاد ليس عليه غيره فهرب منهم إلى رسول الله، فلما كان قريبًا منه شق بجاده فاتزر بواحد واشتمل بالآخر. اهـ.
(٢) صحيح: أخرجه أحمد (٢٣٦٨٢). بإسناد صحيح.
[ ٥١٠ ]
فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تاتينا، فتصلي لنا فيه؛ فقال: "إني على جناح سفر، وحال شغل، ولو قد قدمنا إن شاء الله لأتيناكم، فصلينا لكم فيه".
فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله - ﷺ - مالك بن الدُّخْشُم، أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عدي، أو أخاه عاصم بن عدي، أخا بني العجلان، فقال: "انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرقاه"، فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف -وهم رهط مالك بن الدُّخْشَم- فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل إلى أهله، فأخذ سعفًا من النخل، فأشعل فيه نارًا ثم خرجا يشتدَّان حتى دخلاه وفيه أهله، فحرقاه وهدماه، وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾ [التوبة: ١٠٧ - ١١٠] (١).
٢٠ - وفي رجب من هذه السنة: تخلَّف كعبُ بن مالك وصاحباه عن غزوة تبوك ثم تابوا، فتاب الله عليهم.
الشرح:
عن كَعْبِ بن مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - في غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" ٤/ ٩٧.
[ ٥١١ ]
عَنْهَا إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ الله - ﷺ - يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ حَتَّى جَمَعَ الله بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ وإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ في النَّاسِ مِنْهَا كَانَ مِنْ خَبَرِي أَني لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ في تِلْكَ الْغَزَاةِ وَاللهِ مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا في تِلْكَ الْغَزْوَةِ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ الله - ﷺ - يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيرِهَا حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ غَزَاهَا رَسُولُ الله - ﷺ - في حَرٍّ شَدِيدٍ وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا وَعَدُوًّا كَثِيرًا فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - كَثِيرٌ وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ يُرِيدُ الدِّيوَانَ قَالَ كَعْبٌ فَمَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أَنْ سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيُ الله وَغَزَا رَسُولُ الله - ﷺ - تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتْ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ وَتَجَهَّزَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُم فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا فَأَقُولُ في نَفْسِي أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ فَأَصْبَحَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا فَقُلْتُ أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا لِأَتَجَهَّزَ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا ثُمَّ غَدَوْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيئًا فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ الله - ﷺ - فَطُفْتُ فِيهِمْ أَحْزَنَنِي أَنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيهِ النِّفَاقُ أوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ الله مِنْ الضعَفَاءِ وَلَمْ يَذْكُرنِي رَسُولُ الله - ﷺ - حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ في الْقَوْمِ بِتَبُوكَ مَا فَعَلَ كَعْبٌ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بني سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ الله حَبَسَهُ بُردَاهُ وَنَظَرُهُ في عِطْفِهِ فَقَالَ مُعَاذُ بن جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ وَاللهِ يَا رسُولَ الله مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا فَسَكَتَ رَسُولُ الله - ﷺ - قَالَ كَعْبُ بن مَالِكٍ فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّهُ تَوَجَّهَ قَافِلًا حَضَرَنِي هَمِّي
[ ٥١٢ ]
وَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ وَأَقُولُ بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي فَلَمَّا قِيلَ إِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ وَعَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَيءٍ فِيهِ كَذِبٌ فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ وَأَصْبَحَ رَسُولُ الله - ﷺ - قَادِمًا وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَيَركَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا فَقَبِلَ مِنْهُم رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إلى الله فَجِئْتُهُ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ ثُمَّ قَالَ: "تَعَالَ" فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لِي: "مَا خَلَّفَكَ أَلَمْ تَكُنْ قَدْ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ" فَقُلْتُ: بَلَى إِنِّي وَاللهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا وَلَكِنِّي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ الله أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَىَّ فِيهِ إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ الله لَا وَاللهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ وَاللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ الله فِيكَ" فَقُمْتُ وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بني سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونِي فَقَالُوا لِي وَاللهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا وَلَقَدْ عَجَزْتَ أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إلى رَسُولِ الله - ﷺ - بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْمُتَخَلِّفُونَ قَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ الله - ﷺ - لَكَ فَوَاللهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بن الرَّبِيعِ الْعَمْرِيُّ وَهِلَالُ بن أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا فِيهِمَا أُسْوَةٌ فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي وَنَهَى رَسُولُ الله - ﷺ - الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْن مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ وَتَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ في نَفْسِي الْأَرْضُ فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ
[ ٥١٣ ]
لَيْلَة فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا في بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَطُوفُ في الْأَسْوَاقِ وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ وَآتِي رَسُولَ الله - ﷺ - فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهوَ في مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَأَقُولُ في نَفْسِي هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَىَّ أَمْ لَا ثمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي أَقْبَلَ إِلَيَّ وإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أبي قَتَادَةَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ فَقُلْتُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ أَنْشُدُكَ بِاللهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ فَسَكَتَ فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَقَالَ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَفَاضَتْ عَيْنَايَ وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّأْمِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بن مَالِكٍ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ فَإِذَا فِيهِ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَن صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ الله بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ فَالْحَقْ بنا نُوَاسِكَ فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وَهَذَا أيْضًا مِنْ الْبَلَاءِ فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنْ الْخَمْسِينَ إِذَا رَسُولُ رَسُولِ الله - ﷺ - يَأْتِينِي فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا بَلْ اعْتَزِلْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا وَأَرْسَلَ إلى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَتَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ الله في هَذَا الْأَمْرِ قَالَ كَعْبٌ: فَجَاءَتْ امْرَأَةُ هِلَالِ بن أُمَيَّةَ رَسُولَ الله - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ هِلَالَ بن أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: "لَا وَلَكِنْ لَا يَقْرَبْكِ" قَالَتْ: إِنَّهُ وَاللهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إلى شَيءٍ وَاللهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إلى يَوْمِهِ هَذَا فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوْ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ الله - ﷺ - في امْرَأَتِكَ كَمَا أَذِنَ لِامْرَأَةِ هِلَالِ بن أمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا
[ ٥١٤ ]
رَسُولَ الله - ﷺ - وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ رَسُولُ الله - ﷺ - إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ حَتَّى كَمَلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نَهَى رَسُولُ الله - ﷺ - عَنْ كَلَامِنَا فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ الله قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وَضَاقَتْ عَلَىَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صوْتِهِ: يَا كَعْبُ بن مَالِكٍ أَبْشِرْ قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ وَآذَنَ رَسُولُ الله - ﷺ - بِتَوْبَةِ الله عَلَينَا حِينَ صلَّى صلَاةَ الْفَجْرِ فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ فَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنْ الْفَرَسِ فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ وَاللهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا وَانْطَلَقْتُ إلى رَسُولِ الله - ﷺ - فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ الله عَلَيْكَ قَاْلَ كَعْبٌ: حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ الله - ﷺ - جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بن عُبَيْدِ الله يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّانِي وَاللهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ من الْمُهَاجِرِينَ غَيْرَهُ وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ قَالَ كَعْبٌ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنْ السُّرُورِ: "أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْك مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ" قَالَ: قُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ الله أَمْ مِنْ عِنْدِ الله قَالَ: "لَا بَلْ مِنْ عِنْدِ الله" وَكَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلى الله وَإِلَى رَسُولِ الله قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَير لَكَ" قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيبَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ الله إِنَمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ وإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ فَوَاللهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ الله في صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ
[ ٥١٥ ]
ذَكَرتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله - ﷺ - أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله - ﷺ - إلى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا وإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي الله فِيمَا بَقِيتُ وَأَنْزَلَ الله عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ -: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ فَوَاللهِ مَا أَنْعَمَ الله عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ أَعْظَمَ في نَفْسِي مِن صِدْقِي لرَسُوِلِ الله - ﷺ - أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا فَإِنَّ الله قَالَ للذينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ فَقَالَ ﵎: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قَالَ كَعْبٌ: وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ الله - ﷺ - حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَأَرْجَأَ رَسُولُ الله - ﷺ - أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى الله فِيهِ فَبِذَلِكَ قَالَ الله ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وَلَيسَ الَّذِي ذَكَرَ الله مِمَّا خُلِّفْنَا عَنْ الْغَزْوِ إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا وإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيهِ فَقَبِلَ مِنْهُ (١).
٢١ - وفي هذه السنة: كانت سرية خالد بن الوليد - ﵁ - إلى خَثْعَم.
الشرح:
روى الطبراني برجال ثقات عن خالد بن الوليد -رضي الله تعالى- عنه أن رسول الله - ﷺ - بعثه إلى أناس من خثعم، فاعتصموا بالسجود فقتلهم فوداهم رسول الله -ﷺ - نصف الدية ثم قال: "أنا بريء من كل مسلم أقام مع المشركين لا تراءى ناراهما" (٢).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٤١٨)، كتاب: المغازي، باب: حديث كعب بن مالك، ومسلم (٢٧٦٩)، كتاب: التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه.
(٢) أخرجه الطبراني في "الكبير" ٤/ ١٣٤.
[ ٥١٦ ]
٢٢ - وفي رجب من هذه السنة: نعى النبي - ﷺ - النجاشيَّ، وصلَّى عليه صلاة الغائب.
الشرح:
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَ في الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَخَرَجَ بِهِمْ إلى الْمُصَلَّى وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ (١).
وعَنْ جَابِرِ بن عبد الله قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "مَاتَ الْيَوْمَ عبد لِلَّهِ صَالِحٌ أَصْحَمَةُ" فَقَامَ فَأَمَّنَا وَصَلَّى عَلَيهِ (٢).
وذكره الطبري (٣) ضمن أحداث السنة التاسعة.
٢٣ - وفي هذه السنة: قدم عروة بن مسعود الثقفي - ﵁ - على سول الله - ﷺ - فأسلم، ورجع إلى الطائف فدعا قومه إلى الإسلام فقتلوه.
الشرح:
قيل إن عروة بن مسعود - ﵁ - اتبع أثر النبي - ﷺ - لما انصرف من الطائف، فأسلم، واستأذنه أن يرجع إلى قومه، فقال له النبي - ﷺ -. "إني أخاف أن يقتلوك"، فقال: لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني، فأذن له النبي - ﷺ -، فدعاهم إلى الإِسلام ونصح لهم فعصوه، وأسمعوه من الأذى، فلما كان من السَّحَر قام على غُرفة له فأذَّن، فرماه رجل من ثقيف بسهم، فقتله، فلما بلغ ذلك النبي - ﷺ - قال: "مثل
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (١٢٤٥)، كتاب الجنائز، باب: الرجل ينعي أهل الميت بنفسه، ومسلم (٩٥١)، كتاب: الجنائز، باب: التكبير على الجنازة.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (١٣٢٠)، كتاب الجنائز، باب: الصفوف على الجنازة، ومسلم (٩٥٢)، كتاب: الجنائز، باب: في التكبير.
(٣) في "التاريخ" ٢/ ١٩١.
[ ٥١٧ ]
عروة مثل صاحب ياسين، دعا قومه إلى الله فقتلوه" (١).
٢٤ - وفي رمضان من هذه السنة: قدم وفد ثقيف من الطائف على رسول الله - ﷺ - فأسلموا ورجعوا إلى قومهم، فما زالوا بهم حتي أسلموا.
الشرح:
مكثت ثقيف بعد قتل عروة أشهرًا، ثم إنهم ائتمروا بينهم ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا، فائتمروا فيما بينهم - وذلك عن رأي عمرو بن أمية أخي بني علاج- على أن يرسلوا رجلًا منهم، فأرسلوا عبد ياليل بن عمرو بن عُمير ومعه اثنان من الأحلاف وثلاثة من بني مالك، فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة ألفوا المغيرة بن شعبة يرعى ركاب أصحاب رسول الله - ﷺ -، فلما رآهم ذهب يشتدُّ ليبشِّر رسول الله - ﷺ - بقدومهم، فلقيه أبو بكر الصديق فأخبره عن ركب ثقيف أنهم قدموا يريدون البيعة والإِسلام، فقال أبو بكر للمغيرة أقسمتُ عليك ألا تسبقني إلى رسول الله - ﷺ - حتى أكون أنا أُحدثه، ففعل المغيرة، فدخل أبو بكر فأخبر رسول الله - ﷺ - بقدومهم ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروَّح الظَّهر معهم، وعلمهم كيف يُحيُّون رسول الله -ﷺ -، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية، ولما قدموا على رسول الله - ﷺ - ضُربت عليهم قُبَّة في المسجد، وسأل الوفدُ رسولَ الله - ﷺ - أشياء؛ حيث سألوه ترك الطاغية اللات، وعدم أداء الصلوات، فرفض ذلك رسول الله - ﷺ -، ثم إن الوفد أسلم، ورجعوا إلى قومهم فكتموهم الحقيقة، وخوفوهم بالحرب والقتال، وغير ذلك، فأخذت ثقيفًا نخوة الجاهلية، فمكثوا يومين أو ثلاثة يريدون القتال، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب وقالوا للوفد: ارجعوا إليه فأعطوه ما سأل، فأظهر الوفد حقيقة الأمر، فأسلمت ثقيف (٢).
وعن جَابِر بن عبد الله - ﵄ - أنْ ثَقِيفًا لما بَايَعَتْ اشْتَرَطَتْ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلَا جِهَادَ، وَأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِي - ﷺ - بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: "سَيَتَصَدَّقُونَ
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" ٤/ ١٠٢، و"الطبقات" ١/ ٣١٢.
(٢) انظر: "سيرة ابن هشام" ٤/ ١٠٤، و"الطبقات" ١/ ٣١٢، ٣١٣.
[ ٥١٨ ]
وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا" (١).
٢٥ - وفي رمضان من هذه السنة: أرسل رسول الله - ﷺ - إلى الطائف أبا سفيان والمغيرة بن شعبة لهدم اللات فهدمها.
الشرح:
فلما فرغ الوفد من أمره، وتوجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث رسول الله -ﷺ - معهم أبا سفيان والمغيرة بن شعبة لهدم الطاغية اللات، فخرجا مع القوم فهدماها (٢).
٢٦ - وفي رمضان من هذه السنة: أمَّر رسولُ الله - ﷺ - على الطائف عثمان بن أبي العاص، وهو من أحدثهم سنًا لحرصه على التفقُّه وتعلُّم القرآن.
الشرح:
قال ابن إسحاق -﵀-:
فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله - ﷺ - كتبهم أمَّر عليهم عثمان بن أبي العاص، وكان من أحدثهم سنًا، وذلك أنه كان أحرصهم على التفقه في الإِسلام، وتعلم القرآن (٣).
وعَنْ عُثْمَانَ بن أبي الْعَاصِ - ﵁ - أنه قَالَ: يَا رَسُولَ الله اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي، قَالَ: "أَنْتَ إِمَامُهُمْ وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَاْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا" (٤).
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٠٢٥)، كتاب: الخراج والإمارة والفيء، باب: ما جاء في خبر الطائف، "الصحيحة" (١٨٨٨).
(٢) "سيرة ابن هشام" ٤/ ١٠٤، مختصرًا.
(٣) "سيرة ابن هشام" ٤/ ١٠٤.
(٤) صحيح: أخرجه أحمد ٤/ ٢١، وأبو داود (٥٣١)، كتاب: الصلاة، باب: أخذ الأجر على التأذين، وصححه الألباني "صحيح السنن".
[ ٥١٩ ]
وقال النبي - ﷺ - لعُثْمَانَ بن أبي الْعَاصِ: "إِذَا أَمَمْتَ قَوْمًا فَأَخِفَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ" (١).
٢٧ - وفي رمضان من هذه السنة: قدم على رسول الله - ﷺ - وفد ملوك حِمْير مُقرِّين بالإسلام.
الشرح:
قال محمد بن سعد -﵀-:
قدم على رسول الله - ﷺ - مالك بن مُرارة الرهاوي رسول ملوك حِمْير بكتابهم وإسلامهم، وذلك في شهر رمضان سنة تسع، فأمر بلالًا أن ينزله ويكرمه ويُضيِّفه، وكتب رسول الله - ﷺ - إلى الحارث بن عبد كُلال وإلى نُعيم بن عبد كُلال وإلى النعمان قَيْل ذي رُعَين، ومعافر وهمدان: (أما بعد ذلكم فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنه قد وقع بنا رسولكم مقفلنا من أرض الروم فبلَّغ ما أرسلتم، وخبَّر عما قِبَلكم وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين، فإن الله ﵎ قد هداكم بهداه إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأعطيتم من المغنم خمس الله وخمس نبيه وصفيه وما كُتب على المؤمنين من الصدقة (٢).
٢٨ - وفي رمضان من هذه السنة: مات رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول.
الشرح:
عن أسامة بن زيد - ﵁ - قال: دخل رسول الله - ﷺ - على عبد الله بن أبي يعوده
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (٤٦٨)، كتاب الصلاة، باب: أمر الأئمة بتخفيف الصلاة.
(٢) "الطبقات" ١/ ٣٥٦.
[ ٥٢٠ ]
في مرضه الذي مات فيه، فلما عرف فيه الموت قال رسول الله - ﷺ -: "أما والله إن كنت لأنهاك عن حُبِّ يهود"، فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة، فمه؟ (١) يعني: فما نفعه؟
وعَنْ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا مَاتَ عبد الله بن أبي ابْنُ سَلُولَ دُعِيَ لَه رَسُولُ الله - ﷺ - لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيّ، وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ الله وَقَالَ: "أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ" فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: "إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا"، قَالَ: فَصلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله - ﷺ - ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] قَالَ عمر: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ (٢).
وعن جَابِرِ بن عبد الله - ﵄ - قَالَ أَتَى رَسُولُ الله - ﷺ - عبد الله بن أبي بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَاُخْرِجَ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ فَاللهُ أَعْلَمُ، وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا، وَكَانَ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - قَمِيصَانِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عبد الله يَا رَسولَ الله أَلْبِسْ أبي قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ قَالَ سُفْيَانُ فَيُرَوْنَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَلْبَسَ عبد الله قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ (٣).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البيهقي في "الدلائل" ٥/ ٢٨٥ من رواية ابن إسحاق، قال: حدثني الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد - ﵁ -. قلت: وهذا إسناد صحيح قد صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٤٦٧١)، كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠].
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (١٣٥٠)، كتاب: الجنائز، باب: هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة؟، ومسلم (٢٧٧٣)، كتاب: صفات المنافقين.
[ ٥٢١ ]
أي: مكافأة له لما صنع حيث ألبس العباس - ﵁ - قميصه حين قدم العباس المدينة فلم يجدوا قميصًا يصلح له إلا قميص عبد الله بن أُبيٍّ.
٢٩ - وفي ذي الحجه من هذه السنة: حج أبو بكر الصديق - ﵁ - بالناس بأمر رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
بعث النبيُّ - ﷺ - أبا بكر - ﵁ - أميرًا على الحج في شهر ذي الحجة سنة تسع؛ ليقيم للمسلمين حجهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم، فخرج أبو بكر - ﵁ - ومن معه من المسلمين (١).
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: بَعَثَنِي أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ في الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ الله - ﷺ - قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ: لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ (٢).
٣٠ - وفي ذي الحجه من هذه السنة: بعث رسول الله -ﷺ - عليًّا - ﵁ - إلى الحج ليقرأ على الناس (براءة) ففعل ذلك يوم النحر عند الجمرة.
الشرح:
ثُمَّ بعث النَّبِيُّ - ﷺ - عَلِيَّ بن أبي طَالِبٍ بعد أبي بكر - ﵄ - فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ، قَالَ أبو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ بِبَرَاءَةَ وَأَنْ لَا
_________________
(١) انظر: "سيرة ابن هشام" ٤/ ١٦.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (١٦٢٢)، كتاب: الحج، باب: لا يطوف بالبيت عريان، ولا يحج مشرك، ومسلم (١٣٤٧)، كتاب: الحج، باب: لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.
[ ٥٢٢ ]
يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ (١).
عَنْ زَيْدِ بن أُثَيْعٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَلِيًّا بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ فِي الْحَجَّةْ قَالَ: بُعِثْتُ بِأَرْبَعٍ: أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَهْدٌ فَهُوَ إلى مُدَّتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَلَا يدخلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُسْلِمُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ هذا (٢).
٣١ - وفي هذه السنة: توفِّيت أُم كلثوم - ﵂ - بنت رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
قال ابن سعد -﵀-:
خرجت أم كلثوم إلى المدينة لما هاجر النبي - ﷺ -، مع فاطمة وغيرها من عيال النبي - ﷺ -، فتزوجها عثمان بعد وفاة أختها رقية، في ربيع الأول سنة ثلاث، وماتت عنده في شعبان سنة تسع ولم تلد له. اهـ (٣).
وعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: شَهِدْنَا بنتَ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَرَسُولُ الله - ﷺ - جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ: "هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفْ (٤) اللَّيْلَةَ؟ " فَقَالَ أبو طَلْحَةَ: أَنَا، قَالَ: "فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا، فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا" (٥).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٤٦٥٦)، كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣].
(٢) صحيح: أخرجه أحمد ١/ ٥٧٩، والترمذي (٣٠٩٢)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة التوبة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني "الإرواء" (١١٠١).
(٣) "الطبقات" ٨/ ٢٥.
(٤) يقارف: يجامع.
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (١٣٤٢)، كتاب: الجنائز، باب: من يدخل قبر المرأة؟
[ ٥٢٣ ]
قال ابن حجر -﵀-:
هي أم كلثوم زوج عثمان، رواه الواقدي عن فليح بن سليمان بهذا الإسناد، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات"، في ترجمة أم كلثوم، وكذا الدولابي في "الذرية الطاهرة"، وكذلك رواه الطبري والطحاوي من هذا الوجه، ورواه حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس فسماها رقية، أخرجه البخاري في "التاريخ الأوسط"، والحاكم في "المستدرك". قال البخاري: ما أدري ما هذا، فإن رقية ماتت والنبي - ﷺ - ببدر لم يشهدها، قلت (ابن حجر): وَهِمَ حماد في تسميتها فقط. اهـ (١).
٣٢ - وفي هذه السنة: تُوفّيّ سهيل بن بيضاء الفهريُّ وصلَّي عليه سوله الله - ﷺ - بالمدينة.
الشرح:
قال ابن عبد البر -﵀-:
خرج سهيل مهاجرًا إلى أرض الحبشة، حتى فشا الإسلام وظهر، ثم قدم على رسول الله - ﷺ - بمكة، فأقام معه حتى هاجر، وهاجر سهيل، فجمع الهجرتين جميعًا، ثم شهد بدرًا، ومات بالمدينة في حياة رسول الله - ﷺ - سنة تسع، وصلى عليه رسول الله - ﷺ - في المسجد.
روى الدراورديُّ عن عبد الواحد بن حمزة، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة - ﵂ - قالت: صلى رسول الله - ﷺ - على سهيل بن بيضاء في المسجد. اهـ (٢).
_________________
(١) "فتح الباري" ٣/ ١٨٨ - ١٨٩.
(٢) "الاستيعاب" (٣٤٣).
[ ٥٢٤ ]
٣٣ - وفي هذه السنة: قُتِل مَلِكُ الفُرْس، ومَلَّكوا ابنته (بوران) عليهم، فقال رسول الله - ﷺ - "لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة".
الشرح:
عَنْ أبي بَكْرَةَ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ - ﷺ - أَنَّ فَارِسًا مَلَّكُوا ابْنَةَ كِسْرَى، قَالَ: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً" (١).
٣٤ - وفي هذه السنة: فُرضَت الصدقات، وفرَّق رسول الله - ﷺ - عمّاله على الصدقات.
الشرح:
قال ابن إسحاق -﵀-:
وكان رسول الله - ﷺ - قد بعث أُمراءه وعماله على الصدقات إلى كل ما أوطأ الإِسلام من البلدان، فبعث المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة إلى صنعاء، فخرج عليه العنَسْي وهو بها، وبعث زيد بن لبيد، أخا بني بياضة الأنصاري إلى حضرموت وعلى صدقاتها، وبعث عدي بن حاتم على طيِّئ، وصدقاتها وعلى بني أسد، وبعث مالك بن نويرة على صدقات بني حنظلة، وفرق صدقة بني سعد على رجلين منهم، فبعث الزبرقان بن بدر على ناحية منها، وقيس بن عاصم على ناحية، وكان قد بعث العلاء بن الحضرمي على البحرين، وبعث علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه- إلى أهل نجران، ليجمع صدقتهم ويقدم عليه بجزيتهم (٢).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٧٠٩٩)، كتاب: الفتن، باب رقم (١٨)، وانظر: "شذارت الذهب" ١/ ٢٤.
(٢) "سيرة ابن هشام" ٤/ ١٤٤.
[ ٥٢٥ ]
٣٥ - وفي هذه السنة: قدم ضمام بن ثعلبة على رسول الله - ﷺ - فأسلم، ثم عاد إلى قومه، فدعاهم إلى الإسلام، فما أمسي ذلك اليوم في حاضره رجله ولا امرأة إلاَّ مسلمًا.
الشرح:
عن أَنَسِ بن مَالِكٍ - ﵁ - قال: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ فَقَالَ: لَهُمْ أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَرَسُولُ الله - ﷺ - مُتّكئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، قُلْنَا لَهُ: هَذَا الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عبد الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ -: "قَدْ أَجَبْتُكَ" فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي سَائِلُكَ يَا مُحَمَّدُ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ في الْمَسْأَلَةِ فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ، قَالَ: "سَلْ مَا بَدَا لَكَ" فَقَالَ الرَّجُلُ: نَشَدْتُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ الله أَرْسَلَكَ إلى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "اللَّهُمَّ نَعَمْ" قَالَ: فَأَنْشُدُكَ الله الله أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ في الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "اللَّهُمَّ نَعَمْ" قَالَ: فَأَنْشُدُكَ الله الله أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنْ السَّنَةِ؟ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "اللَّهُمَّ نَعَمْ" قَالَ: فَأَنْشُدُكَ الله الله أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "اللَّهُمَّ نَعَمْ" فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي وَأَنَا ضِمَامُ بن ثَعْلَبَةَ أَخُو بني سَعْدِ بن بَكْرٍ (١)، فانطلق ضمام فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال بئست اللات والعُزَّى، قالوا: مَهْ يا ضمام! اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون؟ قال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولًا، وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٦٣)، كتاب: العلم، باب: ما جاء في العلم، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤].
[ ٥٢٦ ]
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به، وما نهاكم عنه، قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلاَّ مسلمًا.
يقول ابن عباس - ﵄ -: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة (١).
٣٦ - وفي هذه السنة: قدم وفد بني أسد على رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
قدم عشرة رهط من بني أسد بن خزيمة على رسول الله - ﷺ -، في أول سنة تسع، فيهم حضرمي بن عامر، وضرار بن الأَزْوَر، ووابصة بن معبد، وقتادة بن القايف، وسلمة بن حبيش، وطلحة بن خويلد، ونقادة بن عبد الله بن خلف (٢).
٣٧ - وفي هذه السنة: قدم وفد الداريين مِن لَخْمٍ على رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
قدم وفد الداريين على رسول الله - ﷺ - منصرفه من تبوك، وهم عشرة نفر، فيهم تميم ونُعيم ابنا أوس بني خارجة بن سواد بن جُذيمة بن درَّاع بن عدي بن الدار بن هانئ بن حبيب بن نُمارة بن لخم، ويزيد بن قيس بن خارجة، والفاكهة بن النعمان، وجبلة بن مالك، وأبو هند والطيب ابنا ذرٍّ، وهانئ بن حبيب، وعزيز ومُرَّة ابنا مالك بن سياد، فأسلموا (٣).
_________________
(١) حسن: أخرجه ابن هشام في "السيرة" ٤/ ١٢٧، ١٢٨. عن ابن إسحاق، وقد صرح فيه بالتحديث، وفيه: محمَّد بن الوليد بن نُويفع، مقبول قد وُثِّق.
(٢) "الطبقات" ١/ ٢٩٢.
(٣) "الطبقات" ١/ ٣٤٣.
[ ٥٢٧ ]
٣٨ - وفي هذه السنة: قدم وفد بَهْراء على رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
قدم وفد بَهْراء من اليمن وهم ثلاثة عشر رجلًا، فأقبلوا يقودون رواحلهم حتى انتهوا إلى باب المقداد بن عمرو ببني جُديلة، فخرج إليهم المقداد فرحب بهم، وأنزلهم في منزل من الدار، وأتوا النبي - ﷺ -، فأسلموا وتعلَّموا الفرائض وأقاموا أيامًا، ثم جاءوا رسول الله - ﷺ - يُودعونه، فأمر بجوائزهم وانصرفوا إلى أهلهم (١).
٣٩ - وفي هذه السنة: قدم وفد بني البَكَّاء على رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
وَفِدَ من بني البَكَّاء على رسول الله - ﷺ - سنة تسع ثلاثة نفر: معاوية بن ثور بن عبادة بن البَكَّاء، وهو يومئذ ابن مائة سنة، ومعه ابن له يقال له: بشر، والفُجيع بن عبد الله بن جندح بن البكاء، ومعهم عبد عمرو البكائي، وهو الأصم، فأمر لهم رسول الله - ﷺ - بمنزل وضيافة وأجازهم ورجعوا إلى أهلهم (٢).
٤٠ - وفي هذه السنة: قدم وفد بني فزارة على رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
لما رجع رسول الله - ﷺ - من تبوك، وكان ذلك سنة تسع، قدم عليه وفد بني فزارة بضعة عشر رجلًا، فيهم خارجة بن حصن، والحُرُّ بن قيس بن حصن وهو أصغرهم، على ركاب عجاف، فجاءوا مُقرِّين بالإِسلام، وسألهم رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) "الطبقات" ١/ ٣٣١.
(٢) "الطبقات" ١/ ٣٠٤.
[ ٥٢٨ ]
عن بلادهم، فقال أحدهم: يا رسول الله أسنتت بلادنا، وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا، وغرث عيالنا، فادع لنا ربك، فصعد رسول الله - ﷺ - المنبر فدعا لهم فمطرت (١).
٤١ - وفي هذه السنة: قدم وفد ثعلبة بن مُنْقِذٍ على رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
ذكر قدوم وفد ثعلبة بن مُنقذ، ابن جرير الطبري في "تاريخه"، ضمن حوادث سنة تسع (٢).
٤٢ - وفي هذه السنة: قدم وفد سعد هُذيم على رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
قدم وفد سعد هُذيم على رسول الله - ﷺ - حتى أتوا المسجد، فوجدوا رسول الله - ﷺ - يصلي على جنازة، فلما انصرف رسول الله - ﷺ - قال: "من أنتم؟ " قالوا: من بني سعد هُذيم فأسلموا وبايعوا، ثم انصرفوا إلى رحالهم، فأمر بهم رسول الله - ﷺ - فأُنزلوا وضُيِّفوا ثلاثًا، ثم جاءوا ليودعوه فقال: "أَمِّروا عليكم أحدكم"، وأمر بلالًا فأجازهم بأواق من فضة، ورجعوا إلى قومهم، فرزقهم الله الإِسلام (٣).
٤٣ - وفي هذه السنة: قدم وفدُ مرة على رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
قدموا على رسول الله - ﷺ - سنة تسع مرجعه من تبوك، وكانوا ثلاثة عشر
_________________
(١) "الطبقات" ١/ ٢٩٧، مختصرًا.
(٢) انظر: "تاريخ الطبري" ٢/ ١٩١.
(٣) "الطبقات" ١/ ٣٢٩، ٣٣٠، بتصرف.
[ ٥٢٩ ]
نفرًا، رأسهم الحارث بن عوف، فأجازهم، رسول الله - ﷺ - بعشر أواق من فضة، وأعطى الحارث بن عوف ثنتي عشرة أُوقَيَّة، وذكروا أن بلادهم مجدبة، فدعا لهم رسول الله - ﷺ -، فلما رجعوا إلى بلادهم وجدوها قد مَطَرت ذلك اليوم الذي دعا لهم فيه رسول الله - ﷺ - (١).
٤٤ - وفي هذه السنة: قدم وفد كلاب على رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
قدم وفد بني كلاب في سنة تسع على رسول الله - ﷺ -، وهم ثلاثة عشر رجلًا، فيهم لَبيد بن ربيعة، وجَبَّار بن سَلْمى، فأنزلهم دار رَمْلَة بنت الحارث، وكان بين جبار وكعب بن مالك خُلَّة، فبلغ كعبًا قدومهم، فرحَّب بهم وأهدى لجبار وأكرمه، وخرجوا مع كعب فدخلوا على رسول الله - ﷺ - فسلَّموا عليه بسلام الإسلام، وقالوا: إنَّ الضحاك بن سفيان سار فينا بكتاب الله وبسنتك التي أمرته، وإنه دعانا إلى الله فاستجبنا لله ولرسوله، وإنه أخذ الصدقة من أغنيائنا فردَّها على فقرائنا (٢).
٤٥ - وفي هذه السنة: قدم وفد كنانة على رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
وَفِدَ واثلة بن الأسقع الليثي على رسول الله، فقدم المدينة ورسول الله - ﷺ - يتجهز إلى تبوك، فصلَّى معه الصبح، فبايع رسول الله - ﷺ - ورجع إلى أهله فأخبرهم، فقال له أبوه: والله لا أكلمك كلمة أبدًا، وسمعت أخته كلامه فأسلمت وجهزته، فخرج راجعًا إلى رسول الله - ﷺ -، فوجده قد صار إلى
_________________
(١) "الطبقات" ١/ ٢٩٧، ٢٩٨، بتصرف.
(٢) "الطبقات" ١/ ٣٠٠.
[ ٥٣٠ ]
تبوك، فقال: من يحملني عُقبه وله سهمي؟ فحمله كعب بن عُجرة - ﵁ - حتى لحق برسول الله - ﷺ - وشهد معه تبوك، وبعثه رسول الله - ﷺ - مع خالد بن الوليد إلى أكيدر، فغنم فجاء بسهمه إلى كعب بن عجرة، فأبى أن يقبله، وسوَّغه إياه، وقال: إنما حملتك لله (١).
٤٦ - وفي هذه السنة: قدم وفد تُجيبٍ على رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
قدم وفد تُجيب على رسول الله - ﷺ - سنة تسع، وهم ثلاثة عشر رجلًا، وساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم، فَسرَّ رسولُ الله - ﷺ - بهم، وأمر بلالًا أن يُحسن ضيافتهم وجوائزهم، وأعطاهم أكثر مما يُجيز به الوفد، ثم انطلقوا راجعين إلى أهليهم، ثم وافوا رسول الله - ﷺ - في الموسم بمنى سنة عشر (٢).
٤٧ - وفي هذه السنة: آلى النبي - ﷺ - من نسائه شهرًا.
الشرح:
عن عبد الله بن عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: أَصْبَحْنَا يَوْمًا وَنِسَاءُ النَّبِيِّ - ﷺ - يَبْكِينَ، عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهنَّ أَهْلُهَا، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ مَلْآنُ مِنْ النَّاسِ، فَجَاءَ عُمَرُ بن الْخَطَّابِ فَصَعِدَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ فِي غُرْفَةٍ لَهُ فَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ فَنَادَاهُ فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَقَالَ: "لَا وَلَكِنْ آلَيْتُ مِنْهُنِّ شَهْرًا" فَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ثُمَّ
_________________
(١) "الطبقات" ١/ ٣٠٥ - ٣٠٦.
(٢) "الطبقات" ١/ ٣٢٣، باختصار.
[ ٥٣١ ]
دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ (١).
فلما دخل النبي - ﷺ - على نسائه قيل له: يا رسول الله آليت منهنَّ شهرًا؟ قال - ﷺ -: "إنَّ الشهر تسع وعشرون" (٢).
وعن ابن عباس - ﵄ - أيضًا قال: مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ فَلَمَّا رَجَعْنَا وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ إِلَى الْأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ قَالَ فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ أَزْوَاجِهِ؟ فَقَالَ: تِلْكَ حَفْصَةٌ وَعَائِشَةُ قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ إِنْ كُنْتُ لَأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا مُنْذُ سَنَةٍ فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيْبَةً لَكَ قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ مَا ظَنَنْتَ أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْمٍ فَاسْأَلْنِي فَإِنْ كَانَ لِي عِلْمٌ خَبَّرْتُكَ بِهِ قَالَ: ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: وَاللهِ إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا حَتَّى أَنْزَلَ الله فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا فِي أَمْرٍ أأتمره إِذْ قَالَتْ امْرَأَتِي: لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: مَا لَكَ وَلِمَا هَا هُنَا وَفِيمَ تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ فَقَالَتْ لِي: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ وإِنَّ ابْنَتَكَ لَتُرَاجِعُ رَسُولَ الله - ﷺ - حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ، فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ مَكَانَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَقَالَ لَهَا: يَا بنيِّةُ إِنَّكِ لَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ الله - ﷺ - حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَاللهِ إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ الله وَغَضَبَ رَسُولِهِ - ﷺ - يَا بنيَّةُ لَا يَغُرَّنَّكِ هَذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا حُبُّ رَسُولِ الله - ﷺ - إِيَّاهَا يُرِيدُ عَائِشَةَ قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٥٢٠٣)، كتاب: النكاح، باب: هجرة النبي - ﷺ - نساءه في غير بيوتهنَّ.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٥٢٠١)، كتاب: النكاح، باب: قول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤].
[ ٥٣٢ ]
دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْهَا فَكَلَّمْتُهَا فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيءٍ حَتَّى تَبْتَغِيَ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ الله - ﷺ - وَأَزْوَاجِهِ فَأَخَذَتْنِي وَاللهِ أَخْذًا كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنْ الْأَنْصَارِ إِذَا غِبْتُ أَتَانِي بِالْخَبَرِ وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالْخَبَرِ وَنَحْنُ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا فَقَدْ امْتَلَأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ فَإِذَا صاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ يَدُقُّ الْبَابَ فَقَالَ: افْتَحْ افْتَحْ فَقُلْتُ: جَاءَ الْغَسَّانِيُّ فَقَالَ: بَلْ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ اعْتَزَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - أَزْوَاجَهُ فَقُلْتُ: رَغَمَ أَنْفُ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ فَأَخَذْتُ ثَوْبِي فَأَخْرُجُ حَتَّى جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ الله - ﷺ - فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ يَرْقَى عَلَيْهَا بِعَجَلَةٍ وَغُلَامٌ لِرَسُولِ الله - ﷺ - أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ فَقُلْتُ لَهُ: قُلْ هَذَا عُمَرُ بن الْخَطَّابِ فَأَذِنَ لِي قَالَ عُمَرُ: فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - هَذَا الْحَدِيثَ فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيءٌ وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا (١) مغبورًا وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبًا مُعَلَّقَةٌ (٢) فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ في جَنْبِهِ فَبَكَيْتُ فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكَ" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ وَأَنْتَ رَسُولُ الله، فَقَالَ: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمْ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ" (٣).
وعن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا اعْتَزَلَ نَبِيُّ الله - ﷺ - نِسَاءَهُ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا النَّاسُ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى وَيَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ الله - ﷺ - نِسَاءَهُ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرْنَ بِالْحِجَابِ فَقَالَ عُمَرُ: فَقُلْتُ: لَأَعْلَمَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَى
_________________
(١) القرظ: ورق السَّلَم، مضبورًا: مجموعًا.
(٢) أهُبًا: جمع إهاب وهو الجلد قبل الدبغ.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٩١٣)، كتاب: التفسير، باب: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾ [التحريم: ١]، ومسلم (١٤٧٩)، كتاب: الطلاق، باب: في الإيلاء.
[ ٥٣٣ ]
عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا بنتَ أبي بَكْرٍ أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ الله - ﷺ - فَقَالَتْ: مَا لِي وَمَا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ بنتِ عُمَرَ فَقُلْتُ لَهَا: يَا حَفْصَةُ أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ الله - ﷺ - وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتِ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - لَا يُحِبُّكِ وَلَوْلَا أَنَا لَطَلَّقَكِ رَسُولُ الله - ﷺ - فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ فَقُلْتُ لَهَا: أَيْنَ رَسُولُ الله - ﷺ - قَالَتْ: هُوَ في خِزَانَتِهِ فِي الْمَشْرُبَةِ فَدَخَلْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ الله - ﷺ - قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ مُدَلٍّ رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيْهِ رَسُولُ الله - ﷺ - وَيَنْحَدِرُ، فَنَادَيْتُ: يَا رَبَاحُ اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - فَنَظَرَ رَبَاحٌ إلى الْغُرْفَةِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَبَاحُ اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - فَنَظَرَ رَبَاحٌ إلى الْغُرْفَةِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ رَفَعْتُ صَوْتِي فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ اسْتَأذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - ظَنَّ أَنِّي جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةَ، وَاللهِ لَئِنْ أَمَرَنِي رَسُولُ الله - ﷺ - بِضَرْبِ عُنُقِهَا لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهَا، وَرَفَعْتُ صَوْتِي فَأَوْمَأَ إِلَيَّ أَنْ ارْقَهْ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصيرٍ فَجَلَسْتُ فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ الله - ﷺ - فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ قَالَ: فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ، قَالَ: "مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ" قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله وَمَا لِي لَا أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى في الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ وَأَنْتَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَصَفْوَتُهُ وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ فَقَالَ: "يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمْ الدُّنْيَا" قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ حِينَ دَخَلْتُ وَأَنَا أَرَى في وَجْهِهِ الْغَضَبَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ فَإِنَّ الله مَعَكَ وَمَلَائِكَتَهُ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَأَنَا وَأبو بَكْرٍ وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ -وَأَحْمَدُ الله- بِكَلَامٍ إِلَّا رَجَوْتُ أَنْ
[ ٥٣٤ ]
يَكُونَ الله يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْاَيَةُ آيَةُ التَّخْيِيرِ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾ [التحريم: ٤] وَكَانَتْ عَائِشَةُ بنتُ أبي بَكْرٍ وَحَفْصَةُ تَظَاهَرَانِ عَلَى سَائِرِ نِسَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَطَلَّقْتَهُنَّ، قَالَ: "لَا" قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَالْمُسْلِمُونَ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ الله - ﷺ - أَفَأَنْزِلُ فَأُخْبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَالَ: "نَعَمْ إِنْ شِئْتَ" فَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ وَحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ وَكَانَ مِنْ أَحسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا ثُمَّ نَزَلَ نَبِيُّ الله - ﷺ - وَنَزَلْتُ، فَنَزَلْتُ أَتَشَبَّثُ بِالْجِذْعِ وَنَزَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - كَأَنَّمَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا يَمَسُّهُ بِيَدِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ؟ قَالَ: "إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ" فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ الله - ﷺ - نِسَاءَهُ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْاَيَةُ ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الْأَمْرَ وَأَنْزَلَ الله ﷿ آيَةَ التَّخْيِيرِ (١).
سبب إيلاء النبي - ﷺ - من نسائه:
عن عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بنتِ جَحْشٍ فَيَشْرَبُ عَسَلًا، قَالَتْ: فَتَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا مَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ - ﷺ - فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ (٢) أَكَلْتَ مَغَافِيرَ، فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَت ذَلِكَ لَهُ،
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (١٤٧٩)، كتاب: الطلاق، باب: في الإيلاء.
(٢) المغافير: صمغ حلو ينضحه شجر يقال له: العُرفُط، له رائحة كريهة.
[ ٥٣٥ ]
فَقَالَ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بنتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، فَنَزَلَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تَتُوبَا﴾ [التحريم: ٤] لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] لِقَوْلِهِ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا (١).
فكان هذا هو تظاهر عائشة وحفصة - ﵄ - على النبي - ﷺ -، وكان ذلك سبب غضبه وإيلائه من نسائه - ﷺ -.
وذكر ابن سيد الناس -﵀- هذا الحدث ضمن أحداث السنة التاسعة (٢).
٤٨ - وفي هذه السنة: لاعن عُوَيْمر العَجْلاني امرأته.
الشرح:
عن سَهْلِ بن سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ - ﵁ - أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِى جَاءَ إلى عَاصِمِ بن عَدِيٍّ الْأَنْصارِيِّ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَاصِم أَرَأَيتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ الله - ﷺ -، فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ الله - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ فَكَرِهَ رَسُولُ الله - ﷺ - الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إلى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ الله - ﷺ -؟ فَقَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ: لَم تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ الله - ﷺ - الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا فَقَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى جَاءَ رَسُولَ الله - ﷺ - وَسَطَ النَّاسِ فَقَالَ: يَا
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٩١٢)، كتاب: التفسير، باب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ومسلم (١٤٧٤)، كتاب: الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق.
(٢) "عيون الأثر" ٢/ ٣٧٤.
[ ٥٣٦ ]
رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا" قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ الله - ﷺ - فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ الله إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ الله - ﷺ - فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "ذَاكُمْ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ" (١).
وذكر ابن سيد الناس -﵀- هذا الحدث ضمن أحداث السنة التاسعة (٢).
٤٩ - وفي هذه السنة: كانت سرية خالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن.
الشرح:
الذي في "الإصابة" (٣)، و"الاستيعاب" (٤)، و"أُسْد الغابة" (٥). أنَّ النبي - ﷺ - بعثه عاملًا على صدقات اليمن، وليست سرية. والله أعلم.
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٨٥٤)، كتاب: الحدود، باب: من أظهر الفاحشة والتهمة بغير بيِّنة، ومسلم (١٤٩٢)، كتاب: اللعان.
(٢) "عيون الأثر" ٢/ ٣٧٤.
(٣) ١/ ٤٦١.
(٤) (٢٢٩).
(٥) ٢/ ٨٧، ٨٨.
[ ٥٣٧ ]
السنة العاشرة من الهجرة
[ ٥٣٩ ]