وفيها ستةٌ وخمسون حدثًا:
١ - في صفر من هذه السنة: أسلم عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة، وهاجروا إلى المدينة.
الشرح:
عَنْ عَمْرُوِ بن الْعَاصِ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا انْصَرَفْنَا مِنْ الْأَحْزَابِ عَنْ الْخَنْدَقِ جَمَعْتُ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا يَرَوْنَ رأيِي، وَيَسْمَعُونَ مِنِّي، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَعْلَمُونَ وَاللهِ إِنِّي لَأَرَى أَمْرَ مُحَمَّدٍ يَعْلُو الْأُمُورَ عُلُوًّا مُنْكَرًا، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أمرًا، فَمَا تَرَوْنَ فِيهِ؟ قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ أَنْ نَلْحَقَ بِالنَّجَاشِيِّ فَنَكُونَ عِنْدَهُ، فَإِنْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى قَوْمِنَا كُنَّا عِنْدَ النَّجَاشِيّ، فَإِنَّا أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدَيْهِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدَيْ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ ظَهَرَ قَوْمُنَا فَنَحْنُ مَنْ قَدْ عُرِفَ، فَلَنْ يَأتِيَنَا مِنْهُمْ إِلَّا خَيْرٌ، قَالُوا: إِنَّ هَذَا الرَّأْيُ، قُلْتُ: لَهُمْ فَاجْمَعُوا لَهُ مَا نُهْدِيه لَهُ، وَكَانَ أَحَبَّ مَا يُهْدَى إِلَيْهِ مِنْ أَرْضِنَا الْأَدَمُ فَجَمَعنَا لَهُ أُدْمًا كَثِيرًا، فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيهِ، فَوَاللهِ إِنَّا لَعِنْدَهُ إذْ جَاءَ عَمْرُو بن أمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَكَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - قَدْ بَعَثَهُ إِلَيْهِ في شَأْنِ جَعْفرٍ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ: فَقُلْتُ لأصحابي: هَذَا عَمْرُو بن أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، لَوْ قَدْ دَخَلْتُ عَلَى النَّجَاشِيّ فَسَأَلْتُهُ إِيَّاهُ فَأَعْطَانِيهِ فَضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي قَدْ أَجْزَأْتُ عَنْهَا حِينَ قَتَلْتُ رَسُولَ مُحَمَّدٍ، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَسَجَدْتُ لَهُ كَمَا كُنْتُ أَصنَعُ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِصَدِيقِي، أَهْدَيْتَ لِي مِنْ بِلَادِكَ شَيْئًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، أَيُّهَا الْمَلِكُ قَدْ أَهْدَيْتُ لَكَ أُدْمًا كَثِيرًا، قَالَ: ثُمَّ قربته إِلَيْهْ، فَأَعْجَبَهُ وَاشْتَهَاهُ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنّي قَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ، وَهُوَ رَسُولُ رَجُلٍ عَدُوٍّ لَنَا، فَأَعْطِنِيهِ لِأَقْتُلَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ أَصَابَ مِنْ أَشْرَافِنَا وَخِيَارِنَا، قَالَ: فَغَضِبَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا أَنْفَهُ ضَرْبَةً ظَنَنْتُ أَنْه قَدْ كَسَرَهُ، فَلَوْ انْشَقَّتْ لِي الْأَرْضُ لَدَخَلْتُ فِيهَا فَرَقًا مِنْهُ -خوفًا منه- ثُمَّ قُلْتُ له: أَيُّهَا الْمَلِكُ وَاللهِ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَكْرَهُ هَذَا مَا
[ ٤٠٩ ]
سَأَلْتُكَهُ، قَالَ: أَتَسْأَلُنِي أَنْ أُعْطِيَكَ رَسُولَ رَجُلِ يَأْتِيهِ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى لِتَقْتُلَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، أكَذَاكَ هُوَ؟ قَالَ: وَيْحَكَ يَا عَمْرُو أَطِعْنِي وَاتَّبِعْهُ، فَإِنَّهُ وَاللهِ لَعَلَى الْحَقِّ، وَلَيَظْهَرَنَّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ كَمَا ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ، قَالَ. قُلْتُ: فَبَايِعْنِي لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: نَعَمْ، فَبَسَطَ يَدَهُ، فبَايَعْتُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ خَرَجْتُ إلى أصحابي وَقَدْ حَالَ رَأْيِ عَمَّا كَانَ عَلَيهِ، وَكَتَمْتُ أصحابي إِسْلَامِي، ثُمَّ خَرَجْتُ عَامِدًا إلى رَسُولِ الله - ﷺ - لِأُسْلِمَ فَلَقِيتُ خَالِدَ بن الْوَلِيدِ، وَذَلِكَ قُبَيْلَ الْفَتْحِ، وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ، فَقُلْتُ: أَيْنَ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ؟ قَالَ: وَاللهِ لَقَدْ اسْتَقَامَ الْمَنْسِمُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَنَبِيٌّ، أَذْهَبُ وَاللهِ فأُسْلِمُ، فَحَتَّى مَتَى؟ قَالَ: قُلْتُ: وَاللهِ مَا جِئْتُ إِلَّا لِأُسْلِمَ، فَقَدِمْنَا المدينة عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَدِمَ خَالِدُ بن الْوَلِيدِ فَأَسْلَمَ وَبَايَعَ، ثُمَّ دَنَوْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَغْفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي، وَلَا أَذْكُرُ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "يَا عَمْرُو بَايعْ، فَإنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَإِنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا"، قَالَ: فَبَايَعْتُهُ ثُمَّ انْصَرَفْتُ (١).
وعن مصعب بن عبد الله الزبيري، وخليفة بن خياط أنَّ إسلام عثمان بن طلحة - ﵁ - كان مع إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد - ﵄ - وقدم المدينة في صفر سنة ثمان من الهجرة (٢).
٢ - وفي صفر من هذه السنة: كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوَّح بالكديد، فغنموا وسلموا.
الشرح:
عَنْ جُنْدُبِ بن مَكِيثٍ الْجُهَنِيّ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ الله - ﷺ - غَالِبَ بن عبد الله الْكَلْبِيَّ كَلْبَ لَيْثٍ إلى بني مُلَوَّحٍ بِالْكَدِيدِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ فَكُنْتُ
_________________
(١) حسن: أخرجه أحمد ٤/ ١٩٨، ١٩٩، وحسنه الألباني في "الإرواء" ٥/ ١٢٢، ١٢٣.
(٢) "مستدرك الحاكم" كتاب: معرفة الصحابة، ذكر مناقب عثمان بن طلحة بن أبي طلحة (٥٨١٢، ٥٨١٣).
[ ٤١٠ ]
في سَرِيَّتِهِ، فَمَضَيْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِقُدَيْدٍ، لَقِينَا بِهِ الْحَارِثَ بن مَالِكٍ وَهُوَ ابْنُ الْبَرْصَاءِ اللَّيْثِيُّ، فَأَخَذْنَاهُ فَقَالَ: إِنَّمَا جِئْتُ لِأُسْلِمَ، فَقَالَ غَالِبُ بن عبد الله: إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا جِئْتَ مُسْلِمًا فَلَنْ يَضُرَّكَ رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيلَةٍ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى غَيرِ ذَلِكَ اسْتَوْثَقْنَا مِنْكَ، قَالَ: فَأَوْثَقَهُ رِبَاطًا ثُمَّ خَلَّفَ عَلَيْهِ رَجُلًا أَسْوَدَ كَانَ مَعَنَا، فَقَالَ: امْكُثْ مَعَهُ حَتَّى نَمُرَّ عَلَيْكَ، فَإِنْ نَازَعَكَ فَاجْتَزَّ رَأْسَهُ، قَالَ: ثُمَّ مَضَيْنَا حَتَّى أَتَيْنَا بَطْنَ الْكَدِيدِ فَنَزَلْنَا عُشَيْشِيَةً بَعْدَ الْعَصْرِ فَبَعَثَنِي أصحابي في رَبِيئَةٍ (١)، فَعَمَدْتُ تَلٍّ يُطْلِعُنِي عَلَى الْحَاضِرِ، فَانْبَطَحْتُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ الْمَغْرِبَ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَنَظَرَ فَرَآنِي مُنْبَطِحًا عَلَنى التَّلِّ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: وَاللهِ إِنِّي لَأَرَى عَلَى هَذَا التَّلِّ سَوَادًا مَا رَأَيْتُهُ أَوَّلَ النَّهَارِ فَانْظُرِي لَا تَكُونُ الْكِلَابُ اجْتَرَّتْ بَعْضَ أَوْعِيَتِكِ؟ قَالَ: فَنَظَرَتْ، فَقَالَتْ: لَا وَاللهِ مَا أَفْقِدُ شَيْئًا، قَالَ: فَنَاوِلِينِي قَوْسِي وَسَهْمَيْنِ مِنْ كِنَانَتِي، قَالَ: فَنَاوَلَتْهُ فَرَمَانِي بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ في جَنْبِي قَالَ فَنَزَعْتُهُ فَوَضَعْتُهُ وَلَمْ أَتَحَرَّكْ، ثُمَّ رَمَانِي بِآخَرَ، فَوَضَعَهُ في رَأْسِ مَنْكِبِي، فَنَزَعْتُهُ فَوَضَعْتُهُ وَلَمْ أَتَحَرَّكْ، فَقَالَ لِامْرَأتِهِ: وَاللهِ لَقَدْ خَالَطَهُ سَهْمَايَ وَلَوْ كَانَ دَابَّةً لَتَحَرَّكَ، فَإِذَا أَصْبَحْتِ فَابْتَغِي سَهْمَيَّ فَخُذِيهِمَا لَا تَمْضُغُهُمَا عَلَي الْكِلَابُ، قَالَ: وَأَمْهَلْنَاهُمْ حَتَّى رَاحَتْ رَائِحَتُهُمْ حَتَّى إِذَا احْتَلَبُوا وَعَطَنُوا أَوْ سَكَنُوا وَذَهَبَتْ عَتَمَة مِنْ اللَّيْلِ شَنَنَّا عَلَيْهِمْ الْغَارَةَ، فَقَتَلْنَا مَنْ قَتَلْنَا مِنْهُمْ وَاسْتَقْنَا النَّعَمَ فَتَوَجَّهْنَا قَافِلِينَ وَخَرَجَ صَرِيخُ الْقَوْمِ إلى قَوْمِهِمْ مُغَوِّثًا، وَخَرَجْنَا سِرَاعًا حَتَّى نَمُرَّ بِالْحَارِثِ ابْنِ الْبَرْصَاءِ وَصَاحِبِهِ، فَانْطَلَقْنَا بِهِ مَعَنَا، وَأَتَانَا صَرِيخُ النَّاسِ، فَجَاءَنَا مَا لَا قِبَلَ لَنَا بِهِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ إِلَّا بَطْنُ الْوَادِي، أقْبَلَ سَيْلٌ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بَعَثَهُ الله تَعَالَى مِنْ حَيْثُ شَاءَ مَا رَأيْنَا قَبْلَ ذَلِكَ مَطَرًا وَلَا حَالًا، فَجَاءَ بِمَا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ، فَلَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ وُقُوفًا يَنْظُرُونَ إِلَينَا، مَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ تتَقَدَّمَ، وَنَحْنُ نُحَوِّزُهَا سِرَاعًا حَتَّى أَسْنَدْنَاهَا في الْمَشْلَلِ، ثُمَّ حَدَرْنَاهَا عَنَّا، فَأَعْجَزْنَا الْقَوْمَ بمَا في أَيْدِينَا (٢).
_________________
(١) الربيئة: الطليعة يستكشف أخبار العدو.
(٢) إسناده حسن: أخرجه أحمد برقم (١٥٧٨٨) بإسناد حسن.
[ ٤١١ ]
٣ - وفي صفر من هذه السنة: كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي أيضًا إلى فدك فأصابوا نعمًا وقتلوا وسلموا.
الشرح:
قال ابن سعد - ﵀ -:
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي أيضًا إلى مُصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك في صفر سنة ثمان. بعث - رسول الله - ﷺ - غالب بن عبد الله في مائتي رجل، وخرج أسامة بن زيد فيها، حتى انتهى إلى مصاب أصحاب بشير، وخرج معه عُلبة بن زيد فيها، فأصابوا منهم نعمًا، وقتلوا منهم قتلى (١).
٤ - وفي ربيع الأول من هذه السنة: كانت سرية شُجاع بن وَهْب الأَسَديِّ إلى بني عامر بالسِّيء، ناحية رُكْبَة من وَرَاءِ المعْدِن، فأصابوا نعمًا كثيرًا وشاءً.
الشرح:
قال ابن سعد - ﵀ -:
ثم سرية عامر بن وهب الأسدي إلى بني عامر بالسيء، في شهر ربيع الأول سنة ثمان.
بعث رسول الله - ﷺ - شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلًا إلى جمع من هوازن بالسيء ناحية رُكْبة، من وراء المعدن، وهي من المدينة على خمس ليال، وأمره أن يغير عليهم، فكان يسير الليل ويكمن النهار، حتى صبَّحهم وهم غارُّون، فأصابوا نعمًا كثيرًا وشاءً، واستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة واقتسموا
_________________
(١) "الطبقات الكبرى" ٢/ ١٥٢. مختصرًا.
[ ٤١٢ ]
الغنيمة، وكانت سُهمانهم خمسة عشر بعيرًا، وعدلوا البعير بعشر من الغنم، وغابت السرية خمس عشرة ليلة (١).
٥ - وفي ربيع الأول من هذه السنة: كانت سرية كعب بن عُمير الغفاريِّ إلى ذات أطلاح فَقُتلت السرية إلا رجل جريح.
الشرح:
قال ابن سعد - ﵀ -:
ثم سرية كعب بن عُمير الغفاري إلى ذات أطلاح - وهي من وراء وادي القرى - في شهر ربيع الأول سنة ثمان.
بعث رسول الله - ﷺ - كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلًا، حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشام، فوجدوا جمعًا من جمعهم كثيرًا، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله - ﷺ -، قاتلوهم أشدَّ القتال، حتى قُتِلوا، وأفلت منهم رجل جريح في القتلى، فلم يرد عليه الليل، تحامل حتى أتى رسول الله - ﷺ - فأخبره الخبر، فشقَّ ذلك عليه، وهَمّ بالبعثة إليهم، فبلغه أنهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم (٢).
٦ - وفي هذه السنة: كانت سرية زيد بن حارثة إلى مَدْينَ فأصابوا سبيًا من أهل مِيناءَ.
الشرح:
قال ابن إسحاق:
وسرية زيد بن حارثة إلى مدين، ذكر ذلك عبد الله بن حسن بن حسن، عن
_________________
(١) "الطبقات الكبرى" ٢/ ١٢٧.
(٢) "الطبقات الكبرى" ٢/ ١٢٧.
[ ٤١٣ ]
أمه فاطمة ابنة الحسين بن علي - عليهم رضوان الله-، أن رسول الله - ﷺ - بعث زيد بن حارثة نحو مدين، ومعه ضُمرة مولى علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - وأخ له، قالت: فأصاب سبيًا من أهل ميناء، وهي السواحل وفيها جُمَّاع من الناس، فبيعوا ففرق بينهم، فخرج رسول الله - ﷺ - وهم يبكون، فقال: "ما لهم؟ "، فقيل يا رسول الله، فُرّق بينهم، فقال رسول الله - ﷺ -: "لا تبيعوهم إلا جميعًا".
قال ابن هشام:
أراد الأمهات والأولاد (١).
٧ - وفي جمادى الأولي من هذه السنة: كانت سرية مؤته فَقُتِل الأُمراءُ الثلاثة، ثم فتح الله على يد خالد بن الوليد.
الشرح:
لم يأت خبر صحيح يذكر السبب المباشر لهذه الغزوة.
قال الدكتور أكرم العُمَري - ﵀ -:
والحق أنَّ البحث عن الأسباب المباشرة لغزو القبائل العربية في أطراف الشام لا يؤثر على تفسير الأحداث كثيرًا؛ لأن تشريع الجهاد يقتضي الاستمرار في إخضاع القبائل العربية، وتوسيع رقعة الدولة الإِسلامية بصرف النظر عن الأسباب المباشرة. اهـ (٢).
أما عن أحداث تلك السرية (٣)، فإنَّ النبي - ﷺ - أقام بالمدينة بعد عمرة
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" ٤/ ١٦٦.
(٢) "السيرة النبوية الصحيحة" ٢/ ٤٦٧.
(٣) اصطلح أهل التاريخ والسير على إطلاق اسم (الغزوة) على كل وقعة يقودها =
[ ٤١٤ ]
القضاء بقية شهر ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، والثاني، وبعث في جمادى الأولى جيشًا إلى الشام، قوامه ثلاثة آلاف مقاتل (١).
وكانت هذه القبائل من بلاد الشام موالية للإمبراطورية الرومية البيزنطية وخاضعة تحت سيطرتها وكان هذا هو أول احتكاك للمسلمين بهذه الإمبراطورية العظيمة أو لقبائل موالية لها.
وعين زَيْدَ بن حَارِثَةَ - ﵁ - قائدًا للجيش وقَالَ: إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ بن أبي طالب، وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعبد الله بن رَوَاحَةَ (٢).
ومضى الجيش حتى نزل مَعان من أرض الشام، فبلغ الناس أنَّ هرقل قد نزل مآب، من أرض البلقاء، في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من لخم وجزام والقَيْن وبهراء وبليٍّ مائة ألف أخرى، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله - ﷺ -، فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره، فنمض له، فشجع الناس عبد الله بن رواحة، وقال؛ يا قوم والله إن التي تكرهون لَلَّتي خرجتم تطلبون، الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة، فقال الناس قد والله صدق ابن رواحة، فمضى الناس، حتى إذا كانوا
_________________
(١) = النبي - ﷺ - بنفسه، أما ما لم يشترك فيها النبي - ﷺ - فيُسمُّونها (سرية)، وهذه السرية برغم أن النبي - ﷺ - لم يشترك فيها بنفسه إلا أنك ترى جمهور أهل السير والمغازي يسمونها (غزوة)، وإنما ذلك لكبرها وكثرة عدد الجيش فيها وتأثيرها واشتهارها الكبير بين الناس.
(٢) "سيرة ابن هشام" ٣/ ٢٢١.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٦١)، كتاب: المغازي، باب: غزوة مؤتة.
[ ٤١٥ ]
بتَخوم البلقاء (١) لقيتهم جموع هرقل، من الروم والعرب، بقرية من قرى البلقاء يقال لها: مشارف، ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها، فتعبأ لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلًا من بني عُذْرة، يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلًا من الأنصار يقال له: عَبَاية بن مالك، ثم التقى الناس واقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله - ﷺ - حتى شاط (٢) في رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم أخذ يقاتل وهو يقول:
يا حَبَّذا الجنةُ واقْترابُها طيِّبةً وباردًا شرابُها
والرومُ رومٌ قد دنا عذابُها .. كافرةٌ بعيدةٌ أنسابُها
عليَّ إذ لاقيتُها ضِرابُها
ثم قاتل - ﵁ - حتى قُتل، ويقال أنه أخذ الراية بيمينه، فقُطِعت يمينه، فأخذها بشماله فقُطِعت، فاحتضنها بعضديه حتى قُتِل - ﵁ -، فأثابه الله جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء.
ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة - ﵁ -، وتقدَّم بها وهو على فرسه، فجعل يتردَّد بعض الشيء ثم قال:
أقْسَمتُ يا نفسُ لتنزلنَّهْ لتَنْزلنْ أوْ لَتُكرهَنَّهْ
إنْ أجْلَبَ الناسُ وشدُّوا الرنَّهْ (٣) ماليْ أَراكِ تكرهين الجنه
_________________
(١) التخوم: حدود الأرضَيْن التي تقع بين أرض وأرض، ويقال بفتح التاء أو ضمها.
(٢) شاط: أي هلك تقول شاط الرجل، إذا سال دمه فهلك.
(٣) أجلب الناس: صاحوا واجتمعوا، والرنة: صوت فيه ترجيع يُشبه البكاء.
[ ٤١٦ ]
قد طالما قد كنتِ مُطْمئنه هل أنتِ إلا نطفة في شَنَّه (١)
وقال أيضًا:
يا نفسُ إلا تُقْتلي تموتي هذا حِمامُ الموتِ قد صليتِ
وما تمنَّيت فقد أعْطيتِ إن تفعلي فعلهما هديتِ
يريد صاحبيه: زيدًا وجعفرًا، ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عم له بعَرْق (٢) من لحم فقال: شُدَّ بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذا ما لقيت، فأخذه من يده ثم انتهش (٣) منه نهشة، ثم سمع الحَطْمَة (٤) في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا، ثم ألقاه من يده، ثم أخذ بسيفه فتقدم، فقاتل حتى قُتِل.
فلما قُتل القوَّاد الثلاثة - ﵃ - أخذ الراية ثابت بن أرقم - ﵁ -، ثم قال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، وعند الطبراني أن ثابت أعطى الراية خالد وقال: أنت أعلم بالقتال مني.
فلما أخذ الراية دافع وانحاز بالمسلمين حتى انصرف وكان انسحابًا منظمًا لم يُلحق بالمسلمين خسائر كثيرة، بل لم يستشهد من المسلمين في المعركة كلها سوى ثلاثة عشر صحابيًا فقط - كما ذكر أهل المغازي - واستحق خالد - ﵁ - لقب: سيف الله، الذي منحه إياه الذي لا ينطق عن الهوى - ﷺ - (٥).
_________________
(١) النطفة: الماء القليل الصافي، والشَّنة: القربة القديمة.
(٢) العَرْق: العظم الذي عليه بعض اللحم.
(٣) انتهش: أخذ منه بفمه يسيرًا.
(٤) الحطمة: الكسرة.
(٥) ذكر هذه الأحداث ابن إسحاق "سيرة ابن هشام" (٢٢٢ - ٢٢٤)، قصة عقر جعفر لفرسه وإنشاده، وخبر تردد ابن رواحة حتى قتل بسند حسن.
[ ٤١٧ ]
وكان النبي - ﷺ - قد أخبر مَنْ بالمدينة خبر المعركة، ومقتل قادة المسلمين الثلاثة، وأخذ خالد - ﵁ - الراية، ثم انسحابه، وهو يبكي - ﷺ - وعيناه تذرفان.
عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قال نَعَى النبي - ﷺ - زَيْدًا، وَجَعْفَرًا، وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ: أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ، حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ الله حَتَّى فَتَحَ الله عَلَيْهِمْ (١).
وهذه من معجزاته - ﷺ -، حيث أخبر الناس خبر القوم قبل أن يأتيه الرسول بالخبر، وقد سمَّى النبي - ﷺ - انسحاب خالد - ﵁ - المنظم بالجيش فتحًا، وإنما ذلك لما أوقعه المسلمون بالروم من خسائر رغم تفوقهم العددي الكبير (٢).
بعض الأحداث المتعلقة بالغزوة:
عن ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى جَعْفَرٍ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ قَتِيلٌ، قال: فَعَدَدْتُ بِهِ خَمْسِينَ بَيْنَ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ لَيْسَ مِنْهَا شَيْء في دُبُرِهِ - يَعْنِي: في ظَهْرِهِ (٣).
وفي رواية أن ابن عمر قال: فَالْتَمَسْنَا مَا في جَسَدِهِ بِضْعًا وَتِسْعِينَ مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ (٤).
والظاهر هنا -والله أعلم- أَنَّ الْعَدَدَ ليس بمَفْهُوم؛ وإنما أراد ابن عمر - ﵁ - أن يُكنّى عن كثرة الطعنات (٥).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٦٢)، كتاب: المغازي، باب: غزوة مؤتة من أرض الشام.
(٢) "السيرة النبوية الصحيحة" ٢/ ٤٦٩.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٦٠)، كتاب: المغازي، باب: غزوة مؤتة.
(٤) السابق (٤٢٦١).
(٥) انظر: "فتح الباري" ٧/ ٥٨٥.
[ ٤١٨ ]
وَقَوْله ابن عمر - ﵁ -: لَيْسَ مِنْهَا شَيْء في دُبُرِهِ، بَيَان فَرْطِ شَجَاعَتِهِ وَإِقْدَامِهِ - ﵁ - (١).
وعن خَالِدِ بن الْوَلِيدِ - ﵁ - قال: لَقَدْ انْقَطَعَتْ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، وصبرتْ في يَدِي إِلَّا صَفِيحَةٌ يَمَانِيَةٌ (٢).
قال ابن حجر - ﵀ -:
وَهَذَا الْحَدِيث يَقْتَضِي أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَتَلُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَثِيرًا. اهـ (٣).
وكَانَ ابْنُ عُمَرَ - ﵄ - إِذَا حَيَّا ابْنَ جَعْفَرٍ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ (٤).
وعن عَائِشَةَ - ﵂ - قالت: لَمَّا جَاءَ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرِ بن أبي طَالِبٍ، وَعبد الله بن رَوَاحَةَ - ﵃ - جَلَسَ رَسُولُ الله - ﷺ - يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ -تَعْنِي: مِنْ شَقِّ الْبَابِ- فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَيْ رَسُولَ الله إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، قَالَ: وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، قَالَ: فَذَهَبَ الرَّجُلُ، ثُمَّ أَتَى فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُطِعْنَهُ، قَالَ: فَأَمَرَ أَيْضًا، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَى، فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ غَلَبنَنَا، فَزَعَمَتْ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: فَاحْثُ في أَفْوَاهِهِنَّ مِنْ التُّرَابِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَرْغَمَ الله أَنْفَكَ، فَوَاللهِ مَا أَنْتَ تَفْعَلُ، وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ الله - ﷺ - مِنْ الْعَنَاءِ (٥).
_________________
(١) السابق.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٦٥، ٤٢٦٦)، كتاب: المغازي، باب: غزوة مؤتة.
(٣) "فتح الباري" ٧/ ٥٨٩.
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٦٤)، كتاب: المغازي، باب: غزوة مؤتة.
(٥) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٢٦٣)، كتاب: المغازي، باب: غزوة مؤتة، ومسلم (٩٣٥)، كتاب: الجنائز، باب: التشديد في النياحة.
[ ٤١٩ ]
وعَنْ النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ - ﵄ - قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عبد الله بن رَوَاحَةَ، فْجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي وَا جَبَلَاهْ، وَا كَذَا وَا كَذَا، تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي: آنْتَ كَذَلِكَ؟ فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ (١).
وعَنْ عبد الله بن جَعْفَرٍ - ﵄ - قَالَ: لما جاء نعي جعفر، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - "اصْنَعُوا لآِلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَإنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ ما يشغلهم - أو أمْرٌ شَغَلَهُمْ" (٢).
٨ - وفي جمادى الآخرة من هذه السنة: كانت سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل، فنصرهم الله.
الشرح:
جهز النبي - ﷺ - هذه السرية لتأديب قُضاعة، التي غرَّها ما حدث للمسلمين في مؤتة فتجمعت للإغارة على المدينة، فعلم بهم النبي - ﷺ - فجهَّز جيشًا قوامه ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار بقيادة عمرو بن العاص - ﵁ -.
ومضى الجيش يسير الليل ويكمن النهار حتى إذا قرب من القوم بلغه أن لهم جمعًا كثيرًا، فبعث عمرو - ﵁ - رافعَ بن مَكيث الجهني إلى النبي - ﷺ - يستمدَّه، فبعث إليه النبي - ﷺ - أبا عُبيدة بن الجراح في مائتين فيهم أبو بكر وعمر، وعقد له لواءً.
ونزل الجيش على ماء لقبيلة جذام يقال له: السلسل.
وبذلك سُمِّيت ذات السلاسل، وقيل سُمِّيت بذلك لأن المشركين ارتبط
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٦٧، ٤٢٦٨)، كتاب: المغازي، باب: غزوة مؤتة.
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٣١٣٢)، كتاب: الجنائز، باب: في صنعة الطعام لأهل الميت، ابن ماجه (١٦١٠)، كتاب: الجنائز، باب: في الطعام يبعث لأهل الميت، وحسنه الألباني في "صحيح السنن".
[ ٤٢٠ ]
بعضهم ببعض مخافة أن يفروا- وهذا المكان الذي نزلوا فيه بينه وبين المدينة عشرة أيام.
فحمل المسلون عليهم فهربوا في البلاد، وتفرقوا، وبعث عمرو عوفَ بن مالك الأشجعي بريدًا إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره بقفولهم وسلامتهم وما كان في غزاتهم (١).
٩ - وفي هذه السريه أجنب عمرو بن العاص، فتيمم من شدة البرد، فأقره رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
يقول عَمْرُوبن الْعَاصِ - ﵁ -: احْتَلَمْتُ في لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ في غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ، فَأَشْفَقْتُ إِنْ اغْتَسَلْتُ فأَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأصحابي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لرسول الله - ﷺ -، فَقَالَ:"يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ "، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الِاغْتِسَالِ، وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ الله يَقُولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فضَحِكَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا (٢).
١٠ - وفي شعبان من هذه السنه: كانت سرية أبي قتادة إلى خَضِرة وهي أرض مُحارب بنجدٍ فغنموا وأسروا.
الشرح:
قال ابن سعد - ﵀ -:
ثم سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضرة، وهي أرض
_________________
(١) انظر هذه السرية "سيرة ابن هشام"، "الطبقات" ٢/ ١٣١، "زاد المعاد" ٣/ ٣٤٠ - ٣٤٢.
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٣٤)، كتاب: الطهارة، باب: إذا خاف الجنب البرد، أيتيمم؟.
[ ٤٢١ ]
مُحارب بنجد في شعبان سنة ثمان، قالوا: بعث رسول الله - ﷺ - أبا قتادة، ومعه خمسة عشر رجلًا إلى غطفان، وأمره أن يشنَّ عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار، فهجم على حاضر منهم عظيم، فأحاط به، فصرخ رجل منهم: يا خضرة! وقاتل منهم رجال، فقتلوا من أشراف لهم، واستاقوا النعم، فكانت الإبل مائتي بعير والغنم ألفي شاة، وسَبَوْا سبيًا كثيرًا، وجمعوا الغنائم، وغابوا في هذه السرية خمس عشرة ليلة (١).
عَنْ عبد الله بن عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ فَكُنْتُ فِيهَا، فَبَلَغَتْ سِهَامُنَا اثْنَي عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلْنَا بَعِيرًا بَعِيرًا، فَرَجَعْنَا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا (٢).
وقيل: هذه السرية التي ذكرها ابن عمر - ﵄ - في الحديث المتقدم هي سرية أبي قتادة تلك (٣).
١١ - وفي شعبان أيضًا من هذه السنة: كانت سرية ابن أبي حَدْرَد إلى الغابة، فقتلوا رئيس القوم، وغنموا.
الشرح:
عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلميِّ قال: تزوجتُ امرأة من قومي فأصدقتها مائتي درهم، فجئت رسول الله - ﷺ - أستعينه على نكاحي، فقال: "وكم أصدقْتَ؟ " قلت: مائتي درهم يا رسول الله قال:"سبحان الله، لو كنتم إنما تأخذون الدراهم من بطن واد ما زدتُم! والله ما عندي ما أعينك به".
قال: فلبثتُ أيامًا، وأقبل رجل من بني جُشم بن معاوية يقال له رفاعة بن
_________________
(١) "الطبقات الكبرى" مختصرًا.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٣٣٨)، كتاب: المغازي، باب: السرية التي قِبَل نجد، ومسلم (١٧٤٩)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الأنفال.
(٣) انظر:"الطبقات"٢/ ١٣٢.
[ ٤٢٢ ]
قيس، أو قيس بن رفاعة في بطن عظيم من جُشم، حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة، يريد أن يجمع قيسًا على حرب رسول الله -ﷺ -. قال: وكان ذا اسم وشرف في جُشم، قال: فدعاني رسول الله - ﷺ - ورجلين من المسلمين فقال: اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتونا به أو تأتونا منه بخبر وعلم، قال: وقدم لنا شارفًا عَجْفاء، فحُمل عليها أحدنا، فوالله ما قامت به ضعفًا، حتى دعَمَها الرجالُ من خلفها بأيديهم حتى استقلت، وما كادت، ثم قال: تبلغوا على هذه واعتقُبوها.
قال فخرجنا ومعنا سلاحُنا من النبل والسيوف، حتى جئنا قريبًا من الحاضر عُشَيْشِيَة مع غروب الشمس، فكمنتُ في ناحية، وأمرتُ صاحَبيِّ فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم وقلتُ لهما: إذا سمعتماني قد كبَّرْتُ وشددتُ على العسكر، فكَبِّرَا وشُدَّا معي، قال: فوالله إنا لكذلك ننتظر أن نرى غِرَّة أو نُصيب منهم شيئًا، غَشِيَنا الليل حتى ذهَبتْ فحمةُ العشاء، وقد كان لهم راع قد سرح في ذلك البلد، فأبطأ عليهم حتى تخوفوا عليه، قال: فقام صاحبهم ذلك رفاعة بن قيس، فأخذ سيفه فجعله في عنقه، ثم قال: والله لأتبعن أثر راعينا هذا ولقد أصابه شر، فقال نفر ممن معه: والله لا تذهب، نحن نكفيك. فقال: والله لا يذهب إلا أنا. قالوا: فنحن معك. قال: والله لا يتبعني منكم أحد، قال: وخرج حتى مر بي، فلما أمكنني نفحته بسهم فوضعته في فؤاده، فوالله ما تكلم، ووثبت إليه فاحترزتُ رأسه، ثم شددت في ناحية العسكر وكبرت، وشد صاحباي وكبرا، فوالله ما كان إلا النجاء ممن كان فيه عندك، بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم. قال: فاستقنا إبلًا عظيمة وغنمًا كثيرة، فجئنا بها إلى رسول الله -ﷺ -، وجئت برأسه أحمله معي. قال: فأعانني رسول الله - ﷺ - من تلك الإبل بثلاثة عشر بعيرًا، فجمعت إليَّ أهلي.
[ ٤٢٣ ]
وأما الواقدي، فذكر أن محمَّد بن سهل بن أبي حَثْمَة حدثه عن أبيه أن النبي - ﷺ - بعث ابن أبي حَدْرَد في هذه السرية مع أبي قتادة، وأن السرية كانت ستة عشر رجلًا، وأنهم غابوا خمس عشرة ليلة، وأن سهمانهم كانت اثني عشر بعيرًا يُعْدَلُ البعير بعشر من الغنم وأنهم أصابوا في وجوههم أربع نسوة، فيهن فتاة وضيئة، فصارت لأبي قتادة، فكلم محمية بن الجزء فيها رسول الله -ﷺ -، فسأل رسول الله - ﷺ - أبا قتادة عنها فقال: اشتريتها من المغنم، فقال: هَبْها لي، فوهبها له، فأعطاها رسول الله محميةَ بن جزء الزُّبَيْديّ (١).
١٢ - وفي شعبان من هذه السنة: نقضت قريش عهدها مع رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
كما تقدم في صلح الحديبية كان من بنود المعاهدة بين المسلمين والمشركين أنه من أراد أن يدخل في حلف المسلمين وعهدهم دخل فيه ومن أراد أن يدخل في حلف قريش وعهدهم دخل فيه، وأن القبيلة التي تنضم إلى أيِّ من الفريقين تعتبر جزءًا من هذا الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من تلك القبائل يعتبر عدوانًا على ذلك الفريق، وأن خزاعة دخلت في حلف المسلمين، ودخلت بنو بكر في حلف المشركين.
ثم كان من أمر القبيلتين أنه كان بينهما ثأر قديم قبل تلك المعاهدة، فغدرت بنو بكر بخزاعة ولم تحترم المعاهدة، فوثبوا على خزاعة ليلًا بماء يقال له: الوتير، وهو قريب من مكة، وقالت قريش: ما يعلم بنا محمَّد وهذا الليل وما يرانا أحد، فأعانوهم عليهم بالسلاح وقاتل معهم من قاتل بالليل مُستخفيًا،
_________________
(١) "تاريخ الطبري" ٣/ ٢٠، ٢١، من رواية بن إسحاق بسند صحيح، لولا عنعنة ابن إسحاق.
[ ٤٢٤ ]
حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر: يا نوفل بن معاوية -وهو قائد الجيش- إنا قد دخلنا الحرم! إلهك إلهك فقال كلمة عظيمة: لا إله اليوم، ثم قال: يابني بكر أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه؟! ولجأت خزاعة إلى دار بُديل بن ورقاء بمكة، وإلى دار مولى له يقال له رافع.
وركب عمرو بن سالم الخزاعيُّ إلى النبي - ﷺ - يخبره الخبر، فوقف أمام النبي - ﷺ - وأنشد يقول:
لاهُمَّ إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا (١)
فانصر هداك الله نصرًا أَعْتدا وادع عباد الله يأتوا مدد (٢)
فقال رسول الله - ﷺ -:"نصرت يا عمرو بن سالم" وأمر رسول الله - ﷺ - الناس بالجهاز، وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يعمي على قريش خبره، حتى يبغتهم في بلادهم (٣).
١٣ - وفي شعبان من هذه السنة: جاء أبوسفيان في حرب ليُجَدِدَ العهد مع رسول الله - ﷺ - فلم يرُدَّ عليه.
الشرح:
قال ابن إسحاق - ﵀ -:
ثم خرج بُديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) الأتلد: القديم.
(٢) إسناده حسن: أخرجه البيهقي في "الدلائل" ٥/ ١٣ بإسناد حسن إلى أبي هريرة - ﵁ -. نصرًا أعتدا: أي نصرًا حاضرًا، والمدد: العون.
(٣) إسناده حسن: "البداية والنهاية" (٣١٢)، من رواية ابن إسحاق بإسناد حسن.
[ ٤٢٥ ]
المدينة، فأخبروه بما أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة.
ومضى بُديل بن ورقاء وأصحابه حتى لقوا أبا سفيان بن حرب بعُسْفان قد بعثته قريش إلى رسول الله -ﷺ - ليشدَّ العقد، ويزيد في المدة، وقد رهبوا الذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بُديل بن ورقاء، قال: من أين أقبلت يا بُديل؟ ظنَّ أنه قد أتى رسول الله - ﷺ -، قال: تسيرتُ في خزاعة في هذا الساحل، وفي بطن هذا الوادي، قال: أو ما جئت محمدًا؟ قال: لا، فلما راح بُديل إلى مكة، قال: أبو سفيان: لئن كان جاء بُديل المدينة لقد علف بها النوى، فأتى مبرك راحلته، فأخذ من بعرها ففتَّه، فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بُديل محمدًا. ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله -ﷺالمدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله -ﷺ - طوته عنه، فقال: يابنيَّة ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله -ﷺ - وأنت رجل مشرك نجس، ولم أُحب أن تجلس على فراش رسول الله -ﷺ -، قال: والله لقد اصابك يابنيَّة بعدي شر، ثم خرج حتى أتى رسول الله - ﷺ - فكلمه فلم يرد عليه شيئًا، ثم ذهب إلى أبي بكر، فكلمه أن يكلم له رسول الله - ﷺ -، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله -ﷺ -؟ فوالله لو لم أجد إلا الذر (١) لجاهدتكم به، ثم خرج فدخل على عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه وعنده فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - وعندها حسن بن عليّ غلام يدبُّ بين يديها فقال: يا عليّ إنك أمسّ القوم بي رحمًا، وإني جئت في حاجة فلا ترجعني كما جئت خائبًا فاشفع لي إلى رسول الله - ﷺ - فقال: ويحك يا أبا سفيان والله لقد عزم رسول الله -ﷺ - على
_________________
(١) الذَّر: صغار النمل.
[ ٤٢٦ ]
أمر ما تستطيع أن تكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة فقال: يا ابنة محمَّد هل لك أن تأمري بنيَّك هذا فيجير بين الناس فيكون سيِّد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بنيَّ ذلك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله -ﷺ -، قال: يا أبا الحسن، إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني، قال: والله ما أعلم لك شيئًا يغني عنك شيئًا، ولكنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مُغْنيًا عني شيئًا؟ قال: لا والله ما أظنه ولكني لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره فانطلق، فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدًا فكلمته، فوالله لم يردَّ علىَّ شيئًا، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد منه خيرًا، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أعدى العدو، ثم جئت عليًّا فوجدته ألين القوم، وقد أشار عليَّ بشيء صنعته، فوالله ما أدري هل يغني ذلك شيئًا أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال أمرني أن أُجير بين الناس ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمَّد؟ قال: لا، قالوا: ويلك! والله إن زاد الرجل على أن لعب بك، فما يغني عنك ما قلت، قال: لا والله ما وجدت غير ذلك. اهـ (١).
١٤ - وفي رمضان من هذه السنة: أرسل حاطب بن أبي بلتعه كتابًا إلى قريش يخبرهم بمَسير رسول الله -ﷺ - إليهم، فعذره رسول الله - ﷺ - وعفا عنه.
الشرح:
عَنْ جَابِرِ بن عبد الله - ﵄ - أَنَّ حَاطِبَ بن أبي بَلْتَعَةَ كَتَبَ إلى أَهْلِ مَكَّةَ، يَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - أَرَادَ غَزْوَهُم، فَدُلَّ رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي مَعَهَا الْكِتَابُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَأُخِذَ كِتَابُهَا مِنْ رَأْسِهَا، وَقَالَ: "يَا حَاطِبُ أَفَعَلْتَ؟ "، قَالَ:
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" ٤/ ٧، ٨.
[ ٤٢٧ ]
نَعَمْ، أَمَا إِنِّي لَمْ أَفْعَلْهُ غِشًّا لِرَسُولِ الله - ﷺ - وَلَا نِفَاقًا، قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الله مُظْهِرٌ رَسُولَهُ وَمُتِمٌّ لَهُ أَمْرَهُ، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ عَزِيزًا بَيْنَ ظَهْرِيهِمْ، وَكَانَتْ وَالِدَتِي مِنْهُمْ فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَّخِذَ هَذَا عِنْدَهُمْ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَلَا أَضْربُ رَأْسَ هَذَا؟ قَالَ رسول الله - ﷺ -: "أَتَقْتُلُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ مَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الله - ﷿ - قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ" (١).
وعن عليّ بن أبي طالب - ﵁ - قال: بَعَثَنِي رَسُولُ الله - ﷺ - أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ، فَقَالَ:"انْطَلِقُواحَتَّى تَأتُوا رَوْضَةَ خَاخ فَإنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوا مِنْهَا"، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بنا خَيْلُنَا حَتَّى أتَيْنَا الرَّوْضَةَ فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، قُلْنَا لَهَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ، قَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، قَالَ: فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَينَا بِهِ رَسُولَ الله - ﷺ - فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بن أبي بَلْتَعَةَ إلى نَاسٍ بِمَكَّةَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:"يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟ "، قَالَ: يَا رَسُولَ الله لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ، يَقُولُ: كُنْتُ حَلِيفًا وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مَنْ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنْ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ ارْتِدَادًا عَنْ دِيني، وَلَاَ رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:"أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ"، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: "إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الله اطَّلَعَ عَلَى مَنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ"، فَأَنْزَلَ الله السُّورَةَ: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ إلى
_________________
(١) صحيح: أخرجه أحمد (١٤٧١٠) بإسناد صحيح، وله شاهد في "الصحيحين"، كما سيأتي.
[ ٤٢٨ ]
قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١] (١).
١٥ - وفي رمضان من هذه السنة: كانت سريةُ أبي قتادة الأنصاري - ﵁ - إلى إضَمٍ للتمويه على المشركين.
الشرح:
قال ابن سعد - ﵀ -:
قالوا: لما هَمَّ رسولَ الله - ﷺبغزوة أهل مكة بعث أبا قتادة بن ربعي في ثمانية نفر سرية إلى بطن إضَم، وهي فيما بين ذي خُشُب وذي المروة، وبينها وبين المدينة ثلاثة بُرَد، ليظنَّ ظانٌّ أن رسول الله - ﷺ - توجه إلى تلك الناحية، ولأن تذهب بذلك الأخبار، وكان في السرية مُحَلِّم بن جثَّامة الليثي، فمرَّ عامر بن الأضبط الأشجعي، فسلَّم بتحية الإِسلام، فأمسك عنه القوم، وحمل عليه محلِّم بن جثامة فقتله وسلبه متاعه وبعيره ووطْب لبن (٢) كان معه، فلما لحقوا بالنبي - ﷺ - نزل فيه القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ [النساء: ٩٤] فمضوا فلم يلقوا جمعًا، فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذي خُشُب، فبلغهم أن رسول الله - ﷺ - قد توجَّه إلى مكة، فأخذوا على بين (٣)، حتى لقوا النبي - ﷺ - بالسُّقيا (٤).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٢٧٤)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الفتح، وما بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يخبرهم بغزو النبيﷺ -، ومسلم (٢٤٩٤)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل أهل بدر، وقصة حاطب بن أبي بلتعة.
(٢) وطْب لبن: وعاء كبير من جلد يُشبه القربة.
(٣) بين: قالوا: وادٍ به عين مِن أعراض المدينة.
(٤) "الطبقات الكبرى" ٢/ ١٣٣، والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (٢٣٧٦٦) عن عبد الله بن أبي حدرد،- بإسناد صحيح، وأخرجه البخاري (٤٥٩١)، كتاب: التفسير مختصرًا.
[ ٤٢٩ ]
١٦ - وفي رمضان من هذة السنة: خرج رسول الله - ﷺ - بجيشه من المدينة لفتح مكه.
الشرح:
عَنْ عبد الله بن عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيّ - ﷺ - خَرَجَ في رَمَضَانَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ، فَسَارَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلى مَكَّةَ (١).
وقد تكتم النبي - ﷺ - الخبر وحرص على السرية التامة، حتى لا يصل الخبر لقريش فيستعدوا له.
عن عائشة - ﵂ - أنَّ أبا بكر دخل عليها وهي تُغربل حِنطة، فقال: ما هذا؟ أمركم رسول الله - ﷺ - بالجهاز؟ قالت: نعم فتجهزْ، قال: وإلى أين؟ قالت: ما سمَّى لنا شيئًا، غير أنه قد أمرنا بالجهاز (٢).
واستخلف النبي - ﷺ - على المدينة أبا رهم كلثوم بن حُصين بن عتبة بن خلف الغفاريَّ (٣).
١٧ - وفي رمضان من هذه السنة: جاء العباس بن عبد المطلب بعياله من مكه مهاجرًا إلى المدينة، فالتقى بالنبي - ﷺ - بالجُحْفة.
الشرح:
قال ابن إسحاق - ﵀ -:
وقد كان العباس بن عبد المطلب لقي رسول الله -ﷺ - ببعض الطريق.
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٢٧٦)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الفتح في رمضان، ومسلم (١١١٣)، كتاب: الصيام، باب: جواز الفطر في شهر رمضان للمسافر في غيرمعصية.
(٢) إسناده حسن: أخرجه البيهقي في "الدلائل" ٥/ ١٢، وابن كثير في "البداية والنهاية" ٤/ ٣١٧، من رواية ابن إسحاق في "المغازي" بإسناد حسن.
(٣) إسناده صحيح: "سيرة ابن هشام" ٤/ ١٠، بإسناد صحيح.
[ ٤٣٠ ]
قال ابن هشام - ﵀ -:
لقيه بالجحفة مهاجرًا بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيمًا بمكة على سقايته، ورسول الله - ﷺ - عنه راضٍ. فيما ذكر ابن شهاب الزهري (١).
١٨ - وفي رمضان من هذه السنة: جاء مَخْرمة بن نوفل، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية، فالتقوا بالنبي - ﷺ - وأسلموا.
الشرح:
قد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية قد لقيا رسول الله -ﷺ - أيضًا بنيق العُقاب، فيما بين مكة والمدينة، والتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فيهما- وهي أخت عبد الله بن أبي أمية- فقالت: يا رسول الله ابن عمك، وابن عمتك وصهرك، قال:"لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال" فلما خرج إليهما الخبر بذلك ومع أبي سفيان بنيّ له، فقال: والله ليأذننَّ لي أو لآخذنَّ بيد بنيَّ هذا، ثم لنذهبنَّ في الأرض حتى نموت عطشًا وجوعًا، فلما بلغ ذلك النبي - ﷺ - رق لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما (٢).
ولقيه مخرمة بن نوفل بنيق العُقاب أيضًا (٣).
١٩ - وفي رمضان من هذه السنة: وقبل دخول النبي - ﷺ - مكة أسلم أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حِزام وبُديل بن ورقاء.
الشرح:
عن عروة بن الزبير قَالَ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ الله - ﷺ - عَامَ الْفَتْحِ فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا،
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" ٤/ ١٠.
(٢) إسناده حسن: أخرجه البيهقي في "الدلائل" ٥/ ٢٧، من طريق ابن إسحاق بإسناد حسن، والحاكم (٤٣٥٩)، "الصحيحة" (٣٣٤١).
(٣) "تاريخ الطبري" ٣/ ٣١.
[ ٤٣١ ]
خَرَجَ أبو سُفْيَانَ بن حَرْبٍ، وَحَكِيمُ بن حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بن وَرْقَاءَ يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَأَقْبَلُوَا يَسِيرُونَ حَتَّى أَتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ، فَإِذَا هُمْ بنيرَانٍ كَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ، فَقَالَ أبو سُفْيَانَ: مَا هَذِهِ؟ لَكَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ، فَقَالَ بُدَيْلُ بن وَرْقَاءَ: نِيرَانُ بني عَمْرٍو، فَقَالَ أبو سُفْيَانَ: عَمْرٌو أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، فَرَآهُمْ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولِ الله - ﷺ - فَأَدْرَكُوهُمْ فَأَخَذُوهُم فَأَتَوْا بِهِمْ رَسُولَ الله - ﷺ - فَأَسْلَمَ أبو سُفْيَانَ (١).
وفي رواية: عن عروة أن حكيم بن حزام وبُديل بن ورقاء ذهبا إلى النبي - ﷺ - مع أبي سفيان فأسلما (٢).
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا نَزَلَ النبي - ﷺ - بمَرِّ الظَّهْرَانِ، قَالَ الْعَبَّاسُ: وَاللهِ لَئِنْ دَخَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - مَكَّةَ عَنْوَةً قَبلَ أَنْ يَأْتُوهُ فَيَسْتَأْمِنُوة إِنَّهُ لَهَلَاكُ قُرَيْشٍ، فَجَلَسْتُ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقُلْتُ: لَعَلِّي أَجِدُ ذَا حَاجَةٍ يَأْتِي أَهْلَ مَكَّةَ، فَيُخْبِرُهُمْ بِمَكَانِ رَسُولِ الله - ﷺ - لِيَخْرُجُوا إِلَيْهِ، فَيَسْتَأْمِنُوهُ فَإِنِّي لَأَسِيرُ إِذْ سَمِعْتُ كَلَامَ أبي سُفْيَانَ، وَبُدَيْلِ بن وَرْقَاءَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَنْظَلَةَ، فَعَرَفَ صَوْتِي، فَقَالَ: أبو الْفَضْلِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: مَا لَكَ فِدَاكَ أبي وَأُمِّي؟! قُلْتُ: هَذَا رَسُولُ الله - ﷺ - وَالنَّاسُ، قَالَ: فَمَا الْحِيلَةُ؟ قَالَ: فَرَكِبَ خَلْفِي وَرَجَعَ صَاحِبُهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَوْتُ بِهِ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - فَأَسْلَمَ، فقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ هَذَا الْفَخْرَ، فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا، قَالَ: "نَعَمْ مَنْ دَخَلَ دَارَ أبي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيهِ دارَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ"، قَالَ: فَتَفَرَّقَ النَّاسُ إلى دُورِهِمْ وإلَى الْمَسْجِدِ (٣).
فقَالَ النبي - ﷺ - لِلْعَبَّاسِ:"احْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ خطم الجبل حَتَّى يَنْظُرَ إلى
_________________
(١) انظر:"صحيح البخاري" (٤٢٨٠) من مرسل عروه.
(٢) انظر: "البداية والنهاية" ٤/ ٣٢٤.
(٣) حسن: أخرجه أبو داود (٣٠٢٢)، كتاب: الجهاد، باب: ما جاء في خبر مكة، وحسنه الألباني.
[ ٤٣٢ ]
الْمُسْلِمِينَ"، فَحَبَسَهُ الْعَبَّاسُ، فَجَعَلَتْ الْقَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيّ - ﷺ -، تَمُرُّ كَتِيبَةً كَتِيبَةً عَلَى أبي سُفْيَانَ، فَمَرَّتْ كَتِيبَةٌ، قَالَ: يَا عَبَّاسُ مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَذِهِ غِفَارُ، قَالَ: مَا لِي وَلِغِفَارَ، ثُمَّ مَرَّتْ جُهَيْنَةُ، قَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَرَّتْ سَعْدُ بن هُذَيْمٍ، فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ، وَمَرَّتْ سُلَيْمُ، فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى أَقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا، قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَنْصَارُ عَلَيْهِمْ سَعْدُ بن عُبَادَةَ مَعَهُ الرَّايَةُ، فَقَالَ سَعْدُ بن عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ، فَقَالَ أبو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ (١)، ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ وَهِيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ فِيهِمْ رَسُولُ الله - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ، وَرَايَةُ النَّبِي - ﷺ - مَعَ الزُّبَيرِ بن الْعَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ الله - ﷺ - بِأبي سُفْيَانَ، قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بن عُبَادَةَ؟ قَالَ رسول الله -ﷺ -: "مَا قَالَ؟ "، قَالَ: كَذَا وَكَذا، فَقَالَ: "كَذَبَ سَعْدٌ (٢)، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ الله فِيهِ الْكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ"، قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُة بِالْحَجُونِ (٣).
وقيل أن النبي - ﷺ - أخذ الراية من سعد بن عبادة فدفعها إلى ابنه قيس، ثم كلم سعد الرسول - ﷺ - أن يأخذ الراية من ابنه قيس مخافة أن يقع في خطأ، فأخذها منه (٤).
٢٠ - وفي رمضان من هذه السنة: بعد العصر، لما بلغ رسول الله - ﷺ - كُراع الغميم أفطر على راحلته ليراه الناس.
الشرح:
عَنْ جَابِرِ بن عبد الله - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - خَرَجَ عَامَ الْفَتحِ إلى مَكَّةَ في
_________________
(١) يوم الذِّمار: أي يوم الهلاك.
(٢) كذب سعد: بمعنى أخطأ سعد.
(٣) الحجون: موضع بقرب مقابر مكة، المصدر قبل السابق.
(٤) "مختصر زوائد البزار" (٢٤٨)، وقال ابن حجر: صحيح.
[ ٤٣٣ ]
رَمَضانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ، فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ".
وفي رواية: أنه قِيلَ للنبى - ﷺ -: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصرِ (١).
ولَمْ يَزَلْ النبي - ﷺ - مُفْطِرًا حَتَّى انْسَلَخَ الشَّهْرُ (٢).
وعن أنس: لَمَّا اسْتَوَى النبي - ﷺ - عَلَى رَاحِلَتِهِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ عَلَى رَاحَتِهِ أَوْ رَاحِلَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ إلى النَّاسِ، فَقَالَ الْمُفْطِرُونَ لِلصُّوَّامِ: أَفْطِرُوا (٣).
٢١ - وفي رمضان من هذه السنة: دخل رسول الله - ﷺ - مكة فاتحًا منصورًا مؤيدًا.
الشرح:
ثم جهز النبي - ﷺ - جيشه استعدادًا لدخول مكة، فقسم الجيش وجعل خالد بن الوليد ﵁ على المَجنِّبة اليمنى، والزبير بن العوام - ﵁ - على المَجنِّبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة بن الجراح - ﵁ - على الرجالة الذين هم في آخر الجيش (٤).
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (١١١٤)، كتاب: الصيام، باب: جواز الفطر في شهر رمضان للمسافر في غيرمعصية. كُراع الغميم: تبعد عن المدينة ٣٠١ كم وعن مكة ٨٦ كم.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٧٥)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الفتح في رمضان.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٧٧)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الفتح في رمضان.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (١٧٨٠)، كتاب: الجهاد والسير، باب: فتح مكة.
[ ٤٣٤ ]
ثم أمر النبي - ﷺ - أَبَا هُرَيْرَةَ أن يجمع له الْأَنْصَارَ، فَجَاءُوا يُهَرْوِلُونَ، فَقَالَ النبي - ﷺ -: "يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ (١)؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: "انْظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا أَنْ تَحْصُدُوهُمْ حَصْدًا"، ثم قال بيده -أي: أشار- وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ (٢).
ثم أمر النبي - ﷺ - خالد بن الوليد أن يأخذ بطن الوادي أسفل مكة (٣)، وقام بتوزيع الزبير بن العوام وأبا عبيدة - ﵄ - (٤).
وسار النَّبِي - ﷺ - ناحية كَدَاءٍ (٥) الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ (٦)، وواعدهم أن يوافوه عند جبل الصفا، وَقَالَ: "مَوْعِدُكُمْ الصَّفَا".
يقول أبو هريرة - ﵁ - فَانْطَلَقْنَا، فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ، وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا شَيْئًا (٧).
ويُذكر أنَّ صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو جمعوا ناسًا بمكان يقال له: الخندمة؛ ليقاتلوا، وكان رجل اسمه حِماس بن قيس بن خالد يُعدُّ سلاحًا قبل دخول النبي - ﷺ - ويصلح منهم، فقالت له: امرأته: لماذا تُعدُّ ما أرى؟ قال لمحمد وأصحابه، قالت: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه
_________________
(١) أوباش قريش: أي جموع قريش.
(٢) صحيح: التخريج السابق.
(٣) صحيح: التخريج السابق.
(٤) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٠٢٤)، كتاب: الجهاد، باب: ما جاء في خبر مكة، وصححه الألباني.
(٥) كَداء: جبل بأعلى مكة.
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٩٠)، كتاب: المغازي، باب: دخول النبي - ﷺ - من أعلى مكة.
(٧) صحيح: الحديث قبل السابق.
[ ٤٣٥ ]
شيء، قال: والله إني لأرجوا أنْ أُخْدمَكِ بعضهم (١)، ثم أنشد يقول:
إنْ يُقبِلوا اليوم فما لي عِلَّهْ هذا سلاحٌ كاملٌ وأَلَّهْ (٢)
وذو غِرارين سريع السَّلَّة (٣)
ثم شهد حِماس هذا الخندمة مع صفوان وعكرمة وسهيل ومن معهم، فهزمهم المسلمون، وقتلوا منهم (٤)، وفرَّ حماس هذا حتى دخل بيته، ثم قال لامرأته: أغلقي علىَّ بابي، قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال:
إنكِ لوشهدتِ يومَ الخندمة إذ فرَّ صفوانُ وفرَّ عِكرمهْ
وأبو يزيد قائمٌ كالمؤتمهْ (٥) واستقبلتهم بالسيوف المسلمة
يَقْطَعْنَ كلَّ ساعدٍ وَجُمْجُمهْ ضربًا فلا يُسْمعُ إلا غَمغَمة (٦)
لهم نَهيتٌ خَلْفَنا وهَمْهَمَهْ لم تنطقي في اللَّوم أدنى كلمة (٧)
_________________
(١) أي نتخذ بعضهم عبيدًا لنا.
(٢) الأَلَّة: الحربة لها سنان طويل.
(٣) ذو غِرارين: يعني به سيفًا، والغرار: الحدُّ.
(٤) ذكر ابن إسحاق أن عدد قتلى المشركين في هذه الوقعة كان قريبًا من اثني عشر رجلًا، وذكر موسى بن عقبة أنهم بلغوا أربعة وعشرين.
(٥) المؤتمة: هي التي قُتل زوجها فبقي لها أولاد أيتام.
(٦) الغمغمة: أصوات الرجال في الحرب.
(٧) "سيرة ابن هشام" ٤/ ١٤، ١٥، من رواية ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح وعبد الله بن أبي بكر مرسلًا. النهيت: نوع من صياح الأسد، والهمهمة: صوت في الصدر.
[ ٤٣٦ ]
وقُتِلَ مِنْ خَيْلِ خَالِدٍ يَوْمَئِذٍ رَجُلَانِ، هما: حُبَيْشُ بن الْأَشْعَرِ، وَكُرْزُ بن جابِرٍ الْفِهْرِيُّ (١).
ودَخَلَ النبي - ﷺ - مَكَّةَ فاتحًا منتصرًا دون أدنى مقاومة تُذكر، وَكان على رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ (٢)، وكانت رَايَةَ النبي - ﷺ - حين دخوله سَوْدَاءَ، وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ (٣)، ودخل النبي - ﷺ - من أعلى مَكَّةَ عَلَى نَاقَتِهِ، وَهُوَ يَقْرَأ سُورَةَ الْفَتْحِ يُرَجِّعُ (٤). وكان مُردِفًا أُسَامَةَ بن زَيْدٍ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، وَمَعَهُ عُثْمَانُ بن طَلْحَةَ مِنْ الْحَجَبَةِ (٥)، حَتَّى أَنَاخَ النبي - ﷺ - في الْمَسْجِدِ، فَأَمَرَ عثمان بن طلحة أَنْ يَأْتِيَ بِمِفْتَاحِ الْبَيْتِ، فَدَخَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَمَعَهُ أُسَامَةُ وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ بن طلحة، فَمَكَثَ فِيهَا نَهَارًا طَوِيلًا، ثُمَّ خَرَجَ، فَاسْتَبَقَ النَّاسُ، وَكَانَ عبد الله بن عُمَرَ - ﵄ - أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ، فَوَجَدَ بِلَالًا وَرَاءَ الْبَابِ قَائِمًا، فَسَأَلَهُ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ الله - ﷺ -؟ قال: جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ثم صلى (٦).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٨٠)، كتاب: المغازي، باب: أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٨٦)، كتاب: المغازي، باب: أين ركز النبي الراية يوم الفتح. المغفر: واقي الرأس، الذي يلبسه الفرسان في الحروب.
(٣) صحيح: أخرجه ابن ماجه (٢٨١٨)، كتاب: الجهاد، باب: الرايات والألوية.
(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٢٨١)، كتاب: المغازي، باب: أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح، ومسلم (٧٩٤)، كتاب: صلاة المسافرين، باب: ذكر قراءة النبي - ﷺ - سورة الفتح يوم فتح مكة. الترجيح: ترديد الحرف في الحلق.
(٥) الحجبة: الذين معهم مفتاح الكعبة.
(٦) متفق عليه: أخرجه البخاري (٢٩٨٨)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الردف على الحمار، ومسلم (١٣٢٩)، كتاب: الحج، باب: استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره، والصلاة فيها، والدعاء في نواحيها كلها.
[ ٤٣٧ ]
وعن عمر - ﵁ - أنه صَلَّى ركْعَتَيْنِ (١).
وقام النَّبِيُّ - ﷺ - بالدَعَاء في نَوَاحِيهِا كُلِّهَا (٢).
ولم يدخل النبي - ﷺ - البيت، ولم يُصل فيه إلا بعد أن طهره من كل مظاهر الشرك، من أوثان وصور وغير ذلك.
فأمر النبي - ﷺ - بتحطيم الأصنام، وتطهير البيت الحرام منها، وشارك هو بنفسه في ذلك.
وَكان حَوْلَ الْبَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُ مِائَةِ صنم، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ في يَدِهِ، وَيَقُولُ: "جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيد" (٣).
وعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبى - ﷺ - أَتَى عَلَى صَنَمٍ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، كَانُوا يَعْبُدُونَهُ وَفِي يَدِه قَوْسٌ، وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ (٤)، فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّنَمِ جَعَلَ يَطْعُنُهُ في عَيْنِهِ، وَيَقُولُ: "جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ" (٥).
وفي رواية: عن ابن مسعود أن النبي - ﷺ - جعل يطعنها وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]، ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (٢٠٢٦)، كتاب: المناسك، باب: الصلاة في الكعبة، وصححه الألباني.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٢٨٨)، كتاب: المغازي، باب: أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح، ومسلم (١٣٣٠)، كتاب: الحج، باب: استحباب دخول الكعبة.
(٣) متفق عليه أخرجه البخارى، (٤٢٨٧)، كتاب: المغازي، باب: أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح، ومسلم (١٧٨١)، كتاب: الجهاد والسير، باب: إزالة الأصنام من حول الكعبة.
(٤) سِيَة القوس: أي طرفه.
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (١٧٨٠)، كتاب: الجهاد والسير، باب: فتح مكة.
[ ٤٣٨ ]
﴿يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾ [سبأ: ٤٩] (١).
وعن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: دخلنا مع النبي - ﷺ - مكة، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنمًا تُعبد من دون الله قال: فأمر بها رسول الله - ﷺ - فكُبَّت كلها لوجوهها، ثم قال: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١]، ثم دخل رسول الله - ﷺ - البيت فصلى ركعتين، فرأى فيه تمثال إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وقد جعلوا في يد إبراهيم الأزلام يستقسم بها (٢)، فقال رسول الله -ﷺ -: "قاتلهم الله، ما كان إبراهيم يستقسم بالأزلام" ثم دعا رسول الله - ﷺ - بزعفران فلطخه بتلك التماثيل (٣).
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - لَمَّا دخل مَكَّةَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الْآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، فَأُخرِجَ صُورَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْمَاعِيلَ في أَيْدِيهِمَا مِنْ الْأَزْلَامِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "قَاتَلَهُم الله لَقَدْ عَلِمُوا مَا اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطُّ" (٤).
وعن صفية بنت شيبة أن رسول الله - ﷺ - لما نزل مكة، واطمأن الناس، خرج
_________________
(١) متفق عليه: التخريج قبل السابق.
(٢) الأزلام: مفردها زلم، بفتح الزاي أو ضمها، وهي الرماح، فكان أهل الجاهلية إذا كان الواحد منهم مقبلًا على أمر مهم جاء برماح ثلاثة مكتوب على أحدها: (افعل)، والآخر (لاتفعل)، والثالث ليس عليه شيء، أو مكتوب على أحدها: (أمرني ربي)، والآخر (نهاني ربى)، والثالث ليس عليه شيء، ثم وضعها في شيء، ثم يمدُّ يده فيخرج أحدها، فإذا خرج سهم الأمر، فعله، وإذا خرج سهم النهي، تركه، وإن طلع الفارغ، أعاد، والاستقسام: مأخوذ من طلب القَسْم من هذه الأزلام.
(٣) حسن: أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٨٧٥١)، وحسنه ابن حجر في "المطالب العالية" (٤٣٦٤)، وله شواهد مما تقدم، وانظر الحديث الآتي.
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٨٨)، كتاب: المغازي، باب: أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح.
[ ٤٣٩ ]
حتى جاء البيت، فطاف به سبعًا على راحلته، يستلم الركن بمِحْجَن (١) في يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففُتحت له، فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكفَّ (٢) له الناس في المسجد (٣).
وعن جَابِر بن عبد الله - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَ عُمَرَ بن الْخَطَّاب - ﵁ - زَمَنَ الْفَتْحِ، وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ، أَنْ يَأْتِيَ الْكَعْبَةَ فَيَمْحُوَ كُلَّ صُورَةٍ فِيهَا، فلَمْ يَدْخُلْها النبي - ﷺ - حَتَّى مُحِيَتْ كُلُّ صُورَةٍ فِيهِا.
وفي رواية: فَبَلَّ عُمَرُ ثَوْبًا وَمَحَاهَا بِهِ (٤).
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - الْبَيْتَ فَوَجَدَ فِيهِ صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ، وَصُورَةَ مَرْيَمَ، فَقَالَ: "أَمَا لَهُمْ فَقَدْ سَمِعُوا أنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ صُورَةٌ، هَذَا إِبْرَاهِيمُ مُصَوَّرٌ فَمَا لَهُ يَسْتَقْسِمُ" (٥).
وهكذا تم تطهير البيت العتيق من مظاهر الوثنية وأوضار الجاهلية، ليعود كما أراد له الله تعالى وكما قصد ببنائه إبراهيم وإسماعيل، مكانًا لعبادة الله وتوحيده، ولا شك أن تطهير البيت من الأصنام كان أكبر ضربة للوثنية في أرجاء الجزيرة العربية حيث كانت الكعبة أعظم مراكزها (٦).
النبي - ﷺ - يخطب الناس بعد الفتح:
عن عَمْرِو بن حُرَيْثٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - خَطَبَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ
_________________
(١) المِحْجَن: عود مِعْوَجُّ الطرف، يمسكه الراكب للبعير في يده.
(٢) استكفَّ الناس: أي: اجتمعوا.
(٣) إسناده حسن: أخرجه ابن هشام في "السيرة" عن ابن إسحاق بإسناد حسن.
(٤) صحيح: أخرجه أحمد ٣/ ٣٣٥، ٣/ ٣٩٦، وأبو داود (٤١٥٦)، كتاب: اللباس، باب: في الصور، وصححه الألباني.
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٣٣٥١)، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥].
(٦) "السيرة النبوية الصحيحة" ٢/ ٤٨٣، ٤٨٤.
[ ٤٤٠ ]
سَوْدَاءُ، قد أرخى طرفيها بين كتفيه (١).
وعَنْ عبد الله بن عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَامَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَهُوَ عَلَى دَرَجِ الْكَعْبَةِ، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلَا إِنَّ كُلَّ مَأْثُرَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تذكر وتدعى من دَمٍ أو مال تَحْتَ قَدَمَيَّ، إِلَّا مَا كَانَ وسِدَانَةِ الْبَيْتِ، ألا إن دية الخطإ شبه العمد، ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها" (٢).
وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بني لَيْثٍ، عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ، بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رسول الله - ﷺ - فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فَقَالَ: "إِنَّ الله حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَه وَالْمُؤْمِنِون، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْبط (٣) شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا (٤)، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا مُنْشِدٍ، ومَنْ قُتِلَ له قتيل فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ (٥»، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يقال له: أبو شاة، فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ: "اكْتُبُوا لأِبي شاة" (٦).
وعَنْ أبي شُرَيْحٍ العدوي أن النَّبِيَّ - ﷺ - خطب يَوْمَ الغد من فَتْحِ مكة، فحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا الله وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (١٣٥٩)، كتاب: الحج، باب: جواز دخول مكة بغير إحرام.
(٢) حسن: أخرجه أبو داود (٤٥٤٧)، كتاب: الديات، باب: الدية كم هي؟، وابن ماجه (٢٦٢٨)، كتاب: الحدود، باب: دية شبه العمد.
(٣) يخبط: أي يُضرب بالعصا ليقع.
(٤) يُعضد: يقطع.
(٥) بخير النظرين: أي إما أن يقبل الدية، وإما أن يُقاد من القاتل.
(٦) متفق عليه: أخرجه البخاري (١١٢)، كتاب: العلم، باب: كتابة العلم، ومسلم (١٣٥٥)، كتاب: الحج، باب: تحريم مكة.
[ ٤٤١ ]
لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْأخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ الله - ﷺ - فِيهَا: فَقُولُوا له: إِنَّ الله قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ" (١).
وقال النَّبِيُّ - ﷺ -: "لَا تُغْزَى هَذِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (٢).
وعن عبد الله بن مُطِيعٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (٣).
وعَنْ عبد الله بن عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الله قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، فَالنَّاسُ رَجُلَانِ: بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى الله وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى الله، وَالنَّاسُ بنو آدَمَ، وَخَلَقَ الله آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، قَالَ الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ " [الحجرات: ١٣] (٤).
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَوْمَ الْفَتْحِ: "لَا هِجْرَةَ بعد
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (١٠٤)، كتاب: العلم، باب: ليبلغ الشاهد الغائب، ومسلم (١٣٥٤)، كتاب: الحج، باب: تحريم مكة.
(٢) صحيح: أخرجه الترمذي (١٦١١)، كتاب: السير، باب: ما قال النبي - ﷺ - يوم فتح مكة، وقال: حسن صحيح، "الصحيحة" (٢٤٢٧).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (١٧٨٢)، كتاب: الجهاد والسير، باب: لا يقتل قرشي صبرًا بعد الفتح.
(٤) صحيح: أخرجه الترمذي (٣٢٧٠)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الحجرات، وصححه الألباني.
[ ٤٤٢ ]
الفتح، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِزتُمْ فَانْفِرُوا"، ثم ساق ابن عباس خطبة النبي - ﷺ - بنحو حديث أبي هريرة في تحريم مكة وشجرها ونباتها، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ الله إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ (١)، وَلِبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ النبي - ﷺ -: "إِلَّا الْإِذْخِرَ" (٢).
وعَنْ جَابِرِ بن عبد الله - ﵄ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: "إِنَّ الله وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ (٣)، فَقَالَ: "لَا هُوَ حَرَامٌ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - عِنْدَ ذَلِكَ: "قَاتَلَ الله الْيَهُودَ إِنَّ الله لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ (٤)، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ" (٥).
وبعد ذلك مضى النبي - ﷺ - حتى أتى الصفا حيث واعد قوَّاد جيشه هناك، فلما أتى الصفا علا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه فجعل يحمد الله، ويدعو بما شاء أن يدعوا، وَجَاءَتْ الْأَنْصَارُ فَأَطَافُوا بِالصَّفَا، فَجَاءَ أبو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ (٦)، فقَالَ
_________________
(١) قينهم، بفتح القاف: الحداد والصائغ، وهم يحتاجون إليه في وقود النار.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (١٣٤٩)، كتاب: الجنائز، باب: الإذخر والحشيش في القبر، ومسلم (١٣٥٣)، كتاب: الحج، باب: تحريم مكة، وفي رواية قال العباس: ولقبورهم.
(٣) يستصبح بها الناس: أي يوقدون بها مصابيحهم.
(٤) جملوه: أي: أذابوه.
(٥) متفق عليه: أخرجه البخاري (٢٢٣٦)، كتاب: البيوع، باب: بيع الميتة والأصنام، ومسلم (١٥٨١)، كتاب: المساقاه، باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام.
(٦) خضراء قريش: أي جماعتهم، ويعبَّر عن الجماعة المجتمعة بالسواد والخضرة، ومنه السواد الأعظم. (نووي).
[ ٤٤٣ ]
رَسُولُ الله - ﷺ -: "مَنْ دَخَلَ دَارَ أبي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ" (١).
فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، وجاء الْوَحْيُ، وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرْفه إلى رسول الله - ﷺ - حتى ينقضي الوحي، فلما انقضى الوحي قال رسول الله -ﷺ -: "يا معشر الأنصار" قالوا: لبيك يا رسول الله، قَالَ: "قُلْتُمْ أَمَّا الرَّجُلُ فأدركته رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتهِ"، قالوا: قد كان ذلك، قال: "كلا إني عبد الله وَرَسُولِهِ، هَاجَرْتُ إِلَى الله وَإِلَيْكُمْ، فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ"، فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: وَاللهِ مَا قُلْنَا إِلَّا ضِنًّا بِاللهِ وَرَسُولِهِ (٢)، قَالَ: "إنَّ الله وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ، وَيَعْذِرَانِكُمْ"، فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان وأغلق الناس أبوابهم (٣).
ورغم أن النبي - ﷺ - أمَّن أهل مكة جميعهم إلا أنه - ﷺ - استثنى ستة نفر، أهدر دماءهم.
عَنْ سَعْدِ بن أبي وقاص - ﵁ - قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ الله - ﷺ - النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خَطَل، ومِقَيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، فأما عبد الله بن خَطَل فأُدرك وهو متعلق
_________________
(١) الذي يظهر من الروايات الصحيحة أن النبي - ﷺ - قال هذه الكلمة مرتين، مرة حينما جاء أبو سفيان مسلمًا، وهذه المرة عند الصفا، ولا تعارض في ذلك. والله أعلم.
(٢) ضنًّا بالله ورسوله: أي حرصًا عل وجودك عندنا ومصاحبتك، فالضنُّ بالشيء الحرص عليه.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (١٧٨٠)، كتاب: الجهاد والسير، باب: فتح مكة.
[ ٤٤٤ ]
بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حُريث، وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عمارًا- وكان أشبَّ الرجلين- فقتله، وأما مقيس بن صبابة، فأدركه الناس في السوق فقتلوه، وأما عكرمة فركب البحر، فأصابتهم عاصفة، فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغنى عنكم شيئًا هاهنا، فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص، لا ينجني في البَرِّ غيره، اللهم إن لك عليَّ عهدًا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفوًا كريمًا، فجاء فأسلم، وأما عبد الله بن أبي سَرْحٍ، فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بن عَفَّانَ، فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ الله - ﷺ - النَّاسَ إلى الْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النبي - ﷺ - قَالَ: يَا رسول الله بَايعْ عبد الله، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَنَظَرَ إِلَيهِ ثَلَاثًا- كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى- فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: "أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ، يَقُومُ إلى هَذَا حَيثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ؟! "، فَقَالُوا: ومَا يدْرِينا يَا رَسُولَ الله مَا في نَفْسِكَ؟ هلَا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَينِكَ؟ قَالَ: "إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ" (١).
النبي - ﷺ - يُبايع أهل مكة:
عن الْأَسْوَدِ بن خلف - ﵁ - أنه رأى النَّبِيَّ - ﷺ - يُبَايعُ النَّاسَ يَوْمَ الْفَتْحِ، قَالَ: جَلَسَ عِنْدَ قَرْنِ مَصْقَلَةَ (٢)، فَبَايَعَ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالشَّهَادَةِ (٣).
وعن مُجَاشِعِ بن مسعود - ﵁ - قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - بِأَخِي بَعْدَ الْفَتْحِ، قُلْتُ: يَا
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (٢٦٨٣)، كتاب: الجهاد، باب: قتل الأسير، ولا يُعرض عليه الإِسلام، والنسائي (٤٠٦٧)، كتاب: تحريم الدم، باب: الحكم في المرتد، وصححه الألباني في "الصحيحة" (١٧٢٣).
(٢) مكان في الكعبة.
(٣) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (١٥٣٦٩)، بإسناد صحيح.
[ ٤٤٥ ]
رَسُولَ الله جِئْتُكَ بِأَخِي لِتُبَايِعَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ، قَالَ: "ذَهَبَ أَهْلُ الْهِجْرَةِ بِمَا فِيهَا"، فَقُلْتُ: عَلَى أَيِّ شَيءٍ تُبَايِعُهُ؟ قَالَ: "أُبَايِعُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ" (١).
حدث في فتح مكة:
عن أُمِّ هَانِئٍ بنتِ أبي طَالِبٍ - ﵂ - قالت: ذَهَبْتُ إلى رَسُولِ الله - ﷺ - عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ "، قُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بنتُ أبي طَالِبٍ، فَقَالَ: "مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ"، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرتُهُ فُلَانَ ابْنَ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "قَدْ أَجَرنَا مَنْ أَجَرتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ" (٢).
وعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ- المخزومية- الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - في غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ الله - ﷺ -؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بن زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ الله - ﷺ -، فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بن زَيْدٍ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ الله - ﷺ - فَقَالَ: "أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله؟ "، فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ الله، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ، قَامَ رَسُولُ الله - ﷺ - فَاخْتَطَبَ، فَأَثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: فَإنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَإِنِّي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بنتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا"، ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ يَدُهَا،
_________________
(١) متفق عليه أخرجه البخاري (٤٣٠٥، ٤٣٠٦)، كتاب: المغازي، باب: مقام النبي - ﷺ - بمكة زمن الفتح، ومسلم (١٨٦٣)، كتاب: الإمارة، باب: المبايعة بعد فتح مكة.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٣٥٧)، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به، ومسلم (٣٣٦)، كتاب: الحيض، باب: تستر المغتسل بثوب ونحوه.
[ ٤٤٦ ]
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأتِينِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إلى رَسُولِ الله - ﷺ - (١).
وعَنْ عَمْرِو بن سَلَمَةَ - ﵁ - قَالَ: كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرَّ النَّاسِ، وَكَانَ يَمُرُّ بنا الرُّكْبَانُ، فَنَسْأَلُهُمْ مَا لِلنَّاسِ مَا لِلنَّاسِ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ الله أَرْسَلَهُ أَوْحَى إِلَيْهِ، أَوْ أَوْحَى الله بِكَذَا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ، وَكَأَنَّمَا يُقَرُّ فِي صَدْرِي، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِمْ الْفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ؛ فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ، بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي (٢) قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيّ حَقًّا، فَقَالَ: صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا في حِينِ كَذَا وَصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا في حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا، فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِي لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنْ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ عَلَىَّ بُرْدَةٌ كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْحَيِّ: أَلَا تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ؟ فَاشْتَزَوْا فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ الْقَمِيصِ (٣).
وعَنْ عَائِشَةَ - ﵁ - قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بن أبي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدٍ أَنْ يَقْبِضَ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وَقَالَ عُتْبَةُ: إِنَّهُ ابْنِي، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ الله - ﷺ - مَكَّةَ فِي الْفَتْحِ، أَخَذَ سَعْدُ بن أبي وَقَّاصٍ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَأَقْبَلَ بِهِ إلى رَسُولِ الله - ﷺ -، وَأَقْبَلَ مَعَهُ عبد بن زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدُ بن أبي وَقَّاصٍ: هَذَا ابْنُ أَخِي عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٣٧٣٣)، كتاب: "فضائل الصحابة" باب: ذكر أسامة بن زيد، ومسلم (١٦٨٨)، كتاب: الحدود، باب: النهي عن الشفاعة في الحدود.
(٢) بدر أبي: أي سبق.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٤٣٠٢)، كتاب: المغازي، باب: مقام النبي - ﷺ - بمكة زمن الفتح.
[ ٤٤٧ ]
ابْنُهُ، قَالَ عبد بن زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ الله هَذَا أَخِي، هَذَا ابْنُ زَمْعَةَ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - إلى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ فَإِذَا أَشْبَهُ النَّاسِ بِعُتْبَةَ بن أبي وَقَّاصٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "هُوَ لَكَ هُوَ أَخُوكَ يَا عبد بن زَمْعَةَ" - مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ- وَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ"، لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِ عُتْبَةَ بن أبي وَقَّاصٍ، قَالَ رَسُولُ الله "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ" (١).
وعن أسماء بنت أبي بكر - ﵄ - قالت: لما وقف رسول الله - ﷺ - بذي طوى قال أبو قحافة لأبنة له من أصغر ولده: أي بنيَّة اظهري بي على أبي قُبيس (٢)، قالت: وقد كُفَّ بصره، قالت: فأشرفت به عليه، فقال: أيْ بنيَّة، ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادًا مجتمعًا، قال: تلك الخيل، قالت: وأرى رجلًا يسعى بين يدي ذلك السواد مقبلًا ومدبرًا، قال: أيْ بنيَّة ذلك الوازع -يعني: الذي يأمر الخيل ويتقدَّم إليها- ثم قالت: قد والله انتشر السواد، قالت: فقال: قد والله إذن دُفِعت الخيل، فأسرعي بي إلى بيتي، فانحطت به، وتلقاه الخيلُ قبل أن يصل إلى بيته، قال: وفي عُنُق الجارية طوق من ورِق (٣)، فتلقاها رجل فيقتطعه من عنقها، قالت: فلما دخل رسول الله - ﷺ - مكة، ودخل المسجد، أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله -ﷺ - قال: "هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟ " قال أبو بكر: يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت، فأجلسه النبي - ﷺ - بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال له: أسلم، فأسلم، قالت: فدخل به أبو بكر، وكأن رأسه ثغامة (٤)، فقال رسول الله -ﷺ -: "غيِّروا هذا
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٣٠٣)، كتاب: المغازي، باب: مقام النبي - ﷺ - بمكة زمن الفتح، ومسلم (١٤٥٧)، كتاب: الرضاع، باب: الولد للفراش.
(٢) اظهري بي: اصعدي وارتفعي، وأبو قُبيس: جبل بمكة.
(٣) الطوق: القلادة، والورق: الفضة.
(٤) الثَّغامة بفتح أوله: شجرة، ومن شأن هذا النوع من الشجر أنه إذا يبس ابيضت أغصانه، والعرب تشبه الشيب به.
[ ٤٤٨ ]
من شعره" ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته وقال: أنشد الله والإِسلام طوق أختي، فلم يجبه أحد، فقال: أيْ أُخيَّه احتسبي طوقك، فوالله إن الأمانة في الناس اليوم لقليل (١).
٢٢ - وفي رمضان من هذه السنة: أقام النبي - ﷺ - بمكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة.
الشرح:
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - بمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يقصر الصلاة (٢).
٢٣ - وفي هذه السنة: كانت سرية أسامة بن زيد - ﵁ - إلى الحرقات.
الشرح:
ذكر البخاري هذه السرية في صحيحه (٣)، وفيها قصة الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، فقتله أسامة بن زيد، فأنكر عليه النبي - ﷺ -.
قال ابن حجر - ﵀ -:
وَهَذِهِ السَّرِيَّة يُقَال لَهَا: سَرِيَّة غَالِب بن عُبَيد الله اللَّيْثِيّ، وَكَانَتْ فِي رَمَضَان سَنَة سَبْع فِيمَا ذَكَرَهُ اِبْن سَعْد عَنْ شَيْخه، وَكَذَا ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَق فِي "الْمَغَازِي": حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَسْلَمَ عَنْ رِجَال مِنْ قَوْمه، قَالُوا: بَعَثَ رَسُول الله - ﷺ - غَالِب بن
_________________
(١) إسناده حسن: أخرجه ابن هشام في "السيرة" ٤/ ١٤، ١٥، بإسناد حسن.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٩٨)، كتاب: المغازي، باب: مقام النبي - ﷺ - بمكة زمن الفتح.
(٣) حديث رقم (٤٢٦٩)، كتاب المغازي، باب: بعث النبي - ﷺ - أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة.
[ ٤٤٩ ]
عُبَيْد الله الْكَلْبِيّ، ثُمَّ اللَّيْثِي إلى أَرْض بني مُرَّة وَبِهَا مِرْدَاس بن نَهِيك حَلِيف لَهُمْ مِنْ بني الْحُرَقَة فَقَتَلَهُ أُسَامَة. اهـ (١).
وعليه؛ فهذه السرية هي هي سرية غالب بن عبيد الله الليثي التي سبق شرحها (٢).
٢٤ - وفي رمضان من هذه السنة: كانت سرية خالد بن الوليد - ﵁ - لهدم العُزَّى فَهُدِمَتْ.
الشرح:
قال ابن إسحاق - ﵀ -: ثم بعث رسول الله - ﷺ - خالد بن الوليد إلى العُزَّى، وكانت بنخلة (٣)، وكانت بيتًا يعظمة هذا الحيُّ من قريش، وكنانة ومضر كلها، وكانت سدنتها (٤) وحُجَّابها بني شيبان من بني سُلَيم حلفاء بني هاشم، فلما سمع صاحبها السُّلَمي بمسير خالد إليها، علَّق عليها سيفه، وأسند (٥) في الجبل، الذي هي فيه وهو يقول:
أيَّا عُزَّ شُدّي شدَّة لا شَوَى (٦) لها على خالدٍ، ألْقي القناعَ وشَمّري
أيا عُزَّ إنْ لم تقتلي المرءَ خالدًا فبوئي بإثمٍ عاجلٍ أو تنصّرَي
_________________
(١) "فتح الباري" ١٢/ ٢٠٢.
(٢) انظر: فقرة رقم (٢٤) من السنة السابعة للهجرة.
(٣) نخلة: اسم مكان، على بعد يومين من مكة.
(٤) سدنتها: جمع سَدَن، وهو خادم بيت
(٥) أسند: ارتفع وعلا.
(٦) لا شوى لها: أي: لا تبقى على شىء.
[ ٤٥٠ ]
فلما انتهى إليها خالد هدمها، ثم رجع إلى رسول الله -ﷺ -. اهـ (١). وكانت العُزَّى أعظم آلهة قريش.
٢٥ - وفي رمضان من هذه السنة: كانت سرية عمرو بن العاص - ﵁ - لهدم سواعٍ فَهُدِمَتْ.
الشرح:
قال ابن سعد - ﵀ -:
ثم سرية عمرو بن العاص إلى سُواع في شهر رمضان سنة ثمان، وهو صنم لهذيل ليهدمه.
قال عمرو: فانتهيت إليه وعنده السادن، فقال: ما تريد؟ قلت: أمرني رسول الله -ﷺ - أن أهدمه، قال: لا تقدر على ذلك، قلت: لِمَ؟ قال: تُمنع، قلت: حتى الآن وأنت على الباطل؟ ويحك وهل يسمع أو يبصر. قال: فدنوت منه فكسرته، وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته، فلم يجدوا فيها شيئًا، ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمتُ لله تعالى. اهـ (٢).
٢٦ - وفي رمضان من هذه السنة: كانت سرية سعد بن زيد الأشهلي لهدم مَناة فهدمها.
الشرح:
ثم سرية سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة في شهر رمضان سنة ثمان، وكانت بالمُشلَّل، للأوس، والخزرج وغسَّان.
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" ٤/ ٣٥.
(٢) "الطبقات" ٢/ ١٤٦.
[ ٤٥١ ]
فخرج في عشرين فارسًا حتى انتهى إليها وعليها سادن، فقال السادن: ما تريد؟ قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك، فأقبل سعد يمشي إليها، وتخرج إليه امرأة سوداء عُريانة ثائرة الرأس، تدعو بالويل، وتضرب صدرها، فقال السادن: مناة! دُونَكِ بعضَ عُصاتكِ، ويضربها سعد بن زيد فيقتلها، ويُقبل إلى الصنم مع أصحابه فهدموه، ولم يجدوا في خزانتها شيئَّا، وانصرف راجعًا إلى رسول الله - ﷺ - لستٍّ بقيت من شهر رمضان. اهـ (١).
٢٧ - وفي شوال من هذه السنة: كانت سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فقتل منهم رجالًا بعدما أسلموا، فعنَّفهُ رسول الله - ﷺ - وأرسل عليًا فوداهم وأرضاهم.
الشرح:
عَنْ عبد الله بن عُمَرَ - ﵁ - قال: بَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَالِدَ بن الْوَلِيدِ إِلَى بني جَذِيمَةَ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا أَسْلَمْنَا، فَقَالُوا: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ فَأَمَرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَسِيرَهُ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أصحابي أَسِيرَهُ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدُ بن الْوَلِيدِ مَرَّتَيْنِ" (٢).
ثم أمر النبي - ﷺ - على بن أبي طالب أن يذهب إلى هؤلاء القوم فودى لها الدماء، وما أصيب لهم من الأموال (٣).
_________________
(١) "الطبقات" ٢/ ١٤٧.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٧١٨٩)، كتاب: الأحكام، باب: إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو ردٌّ.
(٣) "سيرة ابن هشام" ٤/ ٣١.
[ ٤٥٢ ]
٢٨ - وفي هذه السنة: كانت سرية قيس بن سعد بن عبادة إلى صُدَاءٍ ناحية اليمن.
الشرح:
لما انصرف رسول الله - ﷺ - من الجعرانة سنة ثمان بعث قيس بن سعد بن عبادة إلى ناحية اليمن، وأمره أن يطأ صُداء، فعسكر بناحية قناة في أربعمائة من المسلمين، وقدم رجل من صُداء فسأل عن ذلك البعث فأُخبر بهم، فخرج سريعًا حتى ورد على رسول الله -ﷺ -، فقال: جئتك وافدًا على من ورائي، فاردد الجيش وأنا لك بقومي، فردَّهم رسول الله -ﷺ - (١).
٢٩ - وفي شوال من هذه السنة: كانت غزوة حنين.
الشرح:
هوازن قبيلة عربية شهيرة من عرب الشمال، فهي مضرية عدنانية، تفرعت منها فروع كثيرة منها: ثقيف، وقد استقرت ثقيف في مدينة الطائف الحصينة وما حولها.
وفي ديار ثقيف كانت تقام أسواق العرب في الجاهلية، منها سوق عكاظ الشهير بين نخلة والطائف، حيث تتم البيوع والمقايضات التجارية، وتُعقد الندوات الأدبية والشعرية، ومنها: سوق ذي المجاز قرب عرفات على بُعد فرسخ منها من جهة الطائف، وسوق مِجَنَّة بمر الظهران التي تبعد عن الطائف، وتقرب من مكة.
ولا شك أن الثقفيين كانوا يستفيدون فوائد عظيمة من أسواق العرب هذه
_________________
(١) "الطبقات" ١/ ٣٢٦، وانظر الفقرة رقم (٥٥) من هذه السنة.
[ ٤٥٣ ]
سواء في تجارتهم وتصريف نتاجهم الزراعي حيث يمتلكون بساتين الأعناب والرمان والخضروات، أوفي رقيهم الأدبي وتفتح مداركهم حيث التلاقح الثقافي في هذه اللقاءات الموسمية المنظمة وحيث يقومون بالوساطة في التجارة الخارجية بين الشام واليمن من ناحية وسكان البوادي من ناحية أخرى.
وقد تشابكت مصالح ثقيف وهوازن مع مصالح قريش تشابكًا وثيقًا بحكم الجوار، فمكة والطائف قريبتان من بعضهما بينهما ٩٠ كم فقط، وكان القرشيون يصطافون بالطائف، ويمتلكون فيها البساتين والدور حتى سُمَّيت الطائف (بستان قريش)، وقد وطَّد هذه العلاقات ما كان بين قريش وهوازن من صلات نسبية قديمة توثقها المصاهرات المتجددة فكلاهما من مُضر الذي هو الجد السادس لهوازن والسابع أو الخامس لقريش، تبعًا لاختلاف النسابين.
وإن نظرة إلى كتب معرفة الصحابة يمكن أن توضح تشابك العلاقات بين قريش وهوازن نتيجة المصاهرات الكثيرة بين القبلتين، ولتوثيق هذه الصلات نجد أن عروة بن مسعود الثقفي كان رسولًا لقريش إلى المسلمين في الحديبية.
فلا غرابة وقد تشابكت علاقة قريش وهوازن بهذا الوثوق أن تقف هوازن مع قريش في صراعها ضد المسلمين منذ المرحلة المكية، وأن يئول إليها حمل الراية ضد الإِسلام بعد فتح مكة؛ لتملأ الفراغ إثر سقوط عامة قريش لمعسكر الشرك في الجزيرة العربية.
فمنذ أن لجأ رسول الله - ﷺ - إلى ثقيف في الطائف يدعوهم بدعوة الإسلام، ثم يطلب منهم بعد رفضهم دعوته أن يكتموا ذلك، أبوا إلا أن يظهروا العداء الصريح، وأمروا صبيانهم فرشقوه بالحجارة إن قريشًا وهوازن أمرهم واحد، فمن خرج على قريش ودينها ومصالحها فقد خرج على دين هوازن وهدد مصالحها.
[ ٤٥٤ ]
ويبدو أن عدم اشتراك ثقيف في الأحداث التي جرت حتى فتح مكة يرجع إلى اعتمادها على قريش وضعف تصورها لحقيقة القوة الإِسلامية (١).
سبب الغزوة:
قال ابن إسحاق - ﵀ -:
ولما سمعت هوازن برسول الله -ﷺ - وما فتح الله عليه من مكة، جمعها ملكها مالك بن عوف النصري، واجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها، واجتمعت مُضر وجُشَم كلها، وسعد بن بكر، وناس من بني هلال، وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء، ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، وفي جُشَم دريد بن الصّمة شيخ كبير ليس فيه شيء إلا رأيه ومعرفته بالحرب، وكان قد عمي، وكان شيخًا مجربًا، وجماع أمر الناس إلى ملك بن عوف النصري، فلما أجمع المسير إلى رسول الله -ﷺ - ساق مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة، فلما نزل قال: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نِعْم مجال الخيل، لا حَزْنٌ ضرس، ولا سهل دَهْس (٢)، مالي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصبي، ويُعار الشاء؟! قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس نساءهم وأموالهم وأبناءهم، قال: أين مالك؟ قيل: هذا مالك، ودعي له، قال: يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، مالي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟! قال: سقت مع الناس أبناءهم، ونساءهم، وأموالهم، قال: ولِمَ؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل
_________________
(١) "السيرة النبوية الصحيحة" ٢/ ٤٨٩، ٤٩١ باختصار.
(٢) الحزن: ما ارتفع من الأرض، والضرس: الذي فيه حجارة محدوب، والدهس: ما سهل ولان من الأرض، ولم يبلغ أن يكون رملًا.
[ ٤٥٥ ]
أهله وماله ليقاتل عنهم، فقال: راعي ضأن والله، هل يَرُدُّ المنهزم شيء، إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك، فُضحت في أهلك ومالك، قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد، قال: غاب الحدُّ (١) والجدُّ، لو كان يوم علاء ورفعة لم تغلب عنه كعب ولا كلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، قال: ذانك الجذعان من عامر (٢) لا ينفعان ولا يضران، يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئًا، ارفعهم إلى متمنع بلادهم وعُليا قومهم، ثم الق الصباة على متون الخيل، فإن كانت لك، لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك، قال: والله لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر عقلك، والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئنَّ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي، فقالوا: أطعناك، فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني.
يا لَيتَني فيها جَذَع أَخُبُّ فيها وَأَضَع
أَقودُ وَطفاءَ الزَمَع (٣) كَأَنَّها شاةٌ صَدَع
ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فأكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد (٤).
_________________
(١) الحدُّ: النشاط والسرعة والمضاء في الأمور.
(٢) أي: أنهما ضعيفان في العرب بمنزلة الجذع في سنة.
(٣) الجذع: الشاب، والوطفاء: طويلة الشعر، والزمع: الشعر فوق مربط قيد الدابة، يريد فرسًا صفتها هكذا، وهو محمود في وصف الخيل.
(٤) "سيرة ابن هشام" ٤/ ٣٥ - ٣٧ باختصار يسير.
[ ٤٥٦ ]
تجهيز جيش المسلمين:
ولما سمع بهم رسول الله -ﷺ - بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، وأمره أن يدخل في الناس، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدرد، فدخل فيهم، فأقام فيهم، حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله -ﷺ -، وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه، فأقبل حتى أتى رسول الله - ﷺ - فأخبره الخبر (١).
فَلَمّا أَجْمَعَ رَسُولُ الله - ﷺ - السّيْرَ إلَى هَوَازِنَ، وقام - ﷺ - بتجهيز جيشه المكون من اثنى عشر ألفًا (٢)، العشرة آلاف الذين فتحوا مكة، وألفان من الطلقاء، وهو أكبر جيش للمسلمين في حياة النبي - ﷺ -، واستعمل رسول الله -ﷺ - عَتَّاب بن أسيد على مكة (٣).
فَلَمّا أَجْمَعَ رَسُولُ الله - ﷺ - السّيْرَ ذُكِرَ لَهُ أَنّ عِنْدَ صَفْوَانَ بن أُمَيَّةَ أَدْرَاعًا لَهُ وَسِلَاحًا- وكان صفوان لا يزال مُشْرِكًا، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: يا صفوان هل عندك سِلَاح؟ قَالَ: عارية أَم غَصْبًا؟ قَالَ: لا بَلْ عَارِيَةٌ، فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين درعًا (٤).
فخرج النبي - ﷺ - من مكة خامس شوال (٥).
ووصلوا إلى حنين في مساء العاشر من شوال (٦).
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" ٤/ ٣٧.
(٢) "سيرة ابن هشام" (٤/ ٣٨.
(٣) السابق.
(٤) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٥٦٣)، كتاب: الإجارة، باب: في تضمين العارية، وصححه الألباني في "الصحيحة" (٦٣١).
(٥) "سيرة ابن هشام" ٤/ ٣٩.
(٦) السابق.
[ ٤٥٧ ]
عن سَهْلِ بن الْحَنْظَلِيَّةِ أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَتْ عَشِيَّةً، فَحَضَرْتُ الصَّلَاةَ عِنْدَ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَجَاءَ رَجُلٌ فَارِسٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِي انْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ حَتَّى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَنَا بِهَوَازِنَ عَلَى بَكْرَةِ آبَائِهِمْ بِظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمْ وَشَائِهِمْ اجْتَمَعُوا إلى حُنَيْنٍ، فَتَبَسَمَ رَسُولُ الله - ﷺ -، وَقَالَ: "تِلْكَ غَنِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ الله"، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ؟ "، قَالَ أَنَسُ بن أبي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ: أَنَا يَا رَسُولَ الله، قَالَ: فَارْكَبْ، فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ، وجَاءَ إلى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ -: "اسْتَقْبِلْ هَذَا الشِّعْبَ حَتَّى تَكُونَ في أَعْلَاهُ، وَلَا نُغَرَّنَّ مِنْ قِبَلِكَ اللَّيْلَةَ"، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا خَرَجَ رَسُولُ الله - ﷺ - إلى مُصَلَّاهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: "هَلْ أَحْسَسْتُمْ فَارِسَكُمْ؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله مَا أَحْسَسْنَاهُ، فَثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ، فَجَعَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ، قَالَ: "أَبْشِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ فَارِسُكُمْ"، فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إلى خِلَالِ الشَّجَرِ فِي الشِّعْبِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، وقَالَ: إِنِّي انْطَلَقْتُ حَتَّى كُنْتُ في أَعْلَى هَذَا الشِّعْبِ حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ الله - ﷺ -، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ اطَّلَعْتُ الشِّعْبَيْنِ كِلَيْهِمَا، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ -: "هَلْ نَزَلْتَ اللَّيْلَةَ؟ "، قَالَ: لَا، إِلَّا مُصَلِّيًا أَوْ قَاضِيًا حَاجَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ -: "قَدْ أَوْجَبْتَ، فَلَا عَلَيْكَ أَنْ لَا تَعْمَلَ بَعْدَهَا" (١).
بداية المعركة:
خرج مَالِك بن عَوْف بمن معه إِلَى حُنَيْنٍ، فسبق رسول الله - ﷺ - إليها، فَأَعَدُّوا وَتَهَيَّأُوا فِي مَضَايِق الْوَادِي وأجنابه، وَأَقْبَلَ رسول الله -ﷺ - وَأَصْحَابه حَتَّى
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (٢٥٠١)، كتاب: الجهاد، باب: في فضل الحرس في سبيل الله ﷿، وصححه الألباني.
[ ٤٥٨ ]
اِنْحَطَّ بِهِمْ الْوَادِي فِي عِمَايَةِ الصُّبْح (١)، وقد أعجبت بعض المسلمين كثرتهم، فحمل المسلمون على المشركين في أول المعركة فهزموهم، وفرَّ المشركون من الميدان، فانكبَّ المسلمون على الغنائم يجمعونها، فاستقبلهم رماة المشركين بِالسِّهَامِ (٢)، فَثَارَتْ في وُجُوه المسلمين الْخَيْل، فَشَدَّتْ عَلَيْهِمْ، وَانْكَفَأَ النَّاس مُنْهَزِمِينَ، لا يُقْبِل أَحَد على أحد (٣)، وَرَسُولُ الله - ﷺ - عَلَى بَغْلَته البَيْضَاءَ، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله -ﷺ -، والعَبَّاس آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَته، يكُفُّهَا عن الجري، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "أَيْ عَبَّاسُ نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ (٤) "، قَالَ عَبَّاسٌ - وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا-: فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَالَ: فَوَاللهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ، يَا لَبَّيْكَ، قَالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ، وَالدَّعْوَةُ في الْأَنْصَارِ، يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: ثُمَّ قُصِرَتْ الدَّعْوَةُ عَلَى بني الْحَارِثِ بن الْخَزْرَجِ، فَقَالُوا: يَا بني الْحَارِثِ بن الخَزْرَجِ، يَا بني الْحَارِثِ بن الْخَزْرَجِ (٥)، وكان الذين ثبتوا مع النبي - ﷺ - في أول الأمر لا يتعدون المائة (٦)، منهم رهط من أهله، علىُّ بن أبي طالب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأخوه ربيعة، والفضل بن العباس- وقيل: الفضيل بن أبي سفيان-، وأيمن بن أم
_________________
(١) إسناده حسن: أخرجه أحمد ٣/ ٣٧٦ بإسناد حسن.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٣١٧)، كتاب: المغازي، باب: قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ﴾ ومسلم (١٧٧٦)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة حنين.
(٣) التخريج قبل السابق.
(٤) أصحاب السَّمُرَةِ: هم أصحاب البيعة تحت الشجرة، وكانت شجرة سمر.
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (١٧٧٥)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة حنين.
(٦) صحيح الإسناد: أخرجه الترمذي (١٦٨٩)، كتاب: الجهاد، باب: ما جاء في الثبات عند القتال، وصحح إسناده الألباني ﵀.
[ ٤٥٩ ]
أيمن، وأسامة بن زيد، وقُثم بن العباس، ورهط من المهاجرين منهم: أبو بكر وعمر (١)، فلما دعاهم العباس، والنبي - ﷺ - يدعوهم ويَقُولُ: "أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عبد الْمُطَّلِبْ، اللهمَّ نَزِّلْ نَصْرَكَ" (٢)، فاستجاب الله ﷿ لرسوله، واجتمع المسلمون مرة أخرى، والنبي - ﷺ - يقول: "اللَّهُمَّ إِنَّكَ إِنْك تَشَأْ أَنْ لَا تُعبد بعد اليوم" (٣)، ويقول: "أين أَيُّهَا النَّاسُ؟ هَلُمَّ إِلَيَّ، أَنَا رَسُولُ الله، أَنَا رَسُولُ الله، أَنَا مُحَمَّدُ بن عبد الله " (٤).
واستعاد المسلمون توازنهم، ونظموا صفوفهم، فَنَظَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيهَا إلى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ"، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ الله - ﷺ - حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: "انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ"، يقول العباس - ﵁ -: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى، قَالَ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا، قَالَ العباس: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلى النَّبِيّ - ﷺ - يَرْكُضُ خَلْفَهُمْ عَلَى بَغْلَتِهِ (٥).
وقد أنزل الله ﷿ جندًا من السماء لإعانة المسلمين على عدوهم.
وعن سَلَمَةَ بن الأكوع - ﵁ - قَالَ: لَمَّا وَاجَهْنَا الْعَدُوَّ تَقَدَّمْتُ فَأَعْلُو ثَنِيَّةً، فَاسْتَقْبَلَنِي رَجُلٌ مِنْ الْعَدُوِّ، فَأَرْمِيهِ بِسَهْمٍ فَتَوَارَى عَنِّي، فَمَا دَرَيْتُ مَا صَنَعَ،
_________________
(١) إسناده حسن: أخرجه أحمد ٣/ ٣٧٦ بإسناد حسن.
(٢) متفق عليه: سبق تخريجه.
(٣) صحيح: أخرجه أحمد ٣/ ١٢١.
(٤) إسناده حسن: أخرجه أحمد ٣/ ٣٧٤ بإسناد حسن.
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (١٧٧٥)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة حنين.
[ ٤٦٠ ]
وَنَظَرْتُ إلى الْقَوْمِ فَإِذَا هُمْ قَدْ طَلَعُوا مِنْ ثَنِيَّةٍ أُخْرَى، فَالْتَقَوْا هُمْ وَصحَابَةُ النَّبِي - ﷺ -، فَوَلَّى صَحَابَةُ النَّبِي - ﷺ -، وَأَرْجِعُ مُنْهَزِمًا، وَعَلَيَّ بُرْدَتَانِ مُتَّزِرًا بِإِحْدَاهُمَا مُرْتَدِيًا بِالْأُخْرَى، فَاسْتَطْلَقَ إِزَارِي فَجَمَعْتُهُمَا جَمِيعًا، وَمَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - مُنْهَزِمًا، وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "لَقَدْ رَأَى ابْنُ الأَكْوَعِ فَزَعًا"، فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ الله - ﷺ - نَزَلَ عَنْ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنْ الْأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَقَالَ: "شَاهَتْ الْوُجُوهُ"، فَمَا خَلَقَ الله مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلَأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَهَزَمَهُمْ الله ﷿ (١).
وفي غزوة حنين يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٧].
حدث في حنين:
عن الْحَارِثِ بن مَالِك - ﵁ - قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - إلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيّةِ، قَالَ: فَسِرْنَا مَعَهُ إلَى حُنَيْنٍ، قَالَ: وَكَانَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْعَرَبِ لَهُمْ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ خَضرَاءُ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، يَأْتُونَهَا كُلّ سَنَةٍ، فَيُعَلّقُونَ أَسْلِحَتَهُمْ عَلَيْهَا، وَيَذْبَحُونَ عِنْدَهَا، وَيَعْكُفُونَ عَلَيْهَا يَوْمًا، قَالَ: فَرَأَيْنَا وَنَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - سِدْرَةً خَضرَاءَ عَظِيمَةً، قَالَ: فَنَادَيْنَا مِنْ جَنَبَاتِ الطّرِيقِ: يَا رَسُولَ الله اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "اللهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ وَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قَوْمُ
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (١٧٧٧)، كتاب الجهاد والسير، باب: غزوة حنين.
[ ٤٦١ ]
مُوسَى لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾ [الأعراف: ١٣٨] إنّهَا السّنَنُ، لَتَرْكَبُنّ سُنَنَ منْ كَانَ قَبْلَكُم" (١).
وعن سَلَمَةَ بن الأَكْوَعِ - ﵁ - قَالَ: غزَوْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - هَوَازِنَ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَحَّى (٢) مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، فَأَنَاخَهُ ثُمَّ انْتَزَعَ طَلَقًا مِنْ حَقَبِهِ (٣)، فَقَيَّدَ بِهِ الْجَمَلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ يَتَغَدَّى مَعَ الْقَوْمِ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ، وَفِينَا ضعْفَةٌ وَرِقَّةٌ في الظَّهْرِ، وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ، إِذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ، فَأَتَى جَمَلَهُ فَأَطْلَقَ قَيْدَهُ، ثُمَّ أَنَاخَهُ وَقَعَدَ عَلَيْهِ، فَأَثَارَهُ، فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَمَلُ، فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ.
قَالَ سَلَمَةُ: وَخَرَجْتُ أَشْتَدُّ، فَكُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ النَّاقَةِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ، حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ الْجَمَلِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ فَأَنَخْتُهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رُكْبَتَهُ في الْأَرْضِ اخْتَرَطْتُ سَيْفِي فَضَرَبْتُ رَأْسَ الرَّجُلِ، فَنَدَرَ، ثُمَّ جِئْتُ بِالْجَمَلِ أَقُودُهُ، عَلَيْهِ رَحْلُهُ وَسِلَاحُهُ، فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ الله - ﷺ - وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَالَ:"مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ "، قَالُوا: ابْنُ الْأَكْوَعِ، قَالَ لَهُ: "سَلَبُهُ أَجْمَعُ" (٤).
وعَنْ رَبَاحِ بن رَبِيعٍ - ﵁ - قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - في غَزْوَةٍ، فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيءٍ، فَبَعَثَ رَجُلًا، فَقَالَ: "انْظُرْ عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ؟ "، فَجَاءَ، فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ، فَقَالَ: "مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ! "، قَالَ: وَعَلَى الْمُقَدِّمةِ
_________________
(١) صحيح: رواه ابن إسحاق بسند صحيح، "سيرة ابن هشام" ٤/ ٣٩، والحديث أخرجه الترمذي (٢١٨٠)، كتاب: الفتن، باب: ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم، عن أبي واقد الليثي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في "صحيح السنن".
(٢) نتضحى: نتغذى.
(٣) الطَّلَق: هو العقال من الجلد.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (١٧٥٤)، كتاب: الجهاد والسير، باب: استحقاق القاتل سَلَب القتيل.
[ ٤٦٢ ]
خَالِدُ بن الْوَلِيدِ، فَبَعَثَ رَجُلًا، فَقَالَ: "قُلْ لِخَالِدٍ: لَا تقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا" (١).
وعَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهﷺ - يَوْمَئِذٍ- يَعْنِي يَوْمَ حُنَيْنٍ -: "مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ"، فَقَتَلَ أبوطَلحَةَ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَجُلًا وَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ (٢).
وعَنْ أبي قَتَادَةَ - ﵁ - قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِي - ﷺ - عَامَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا من الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَضَرَبْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ بِالسَّيْفِ فَقَطَعْتُ الدِّرْعَ، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ، فَقُلْتُ: مَا بَال النَّاسِ، قَالَ: أَمْرُ الله ﷿، ثُمَّ رَجَعُوا وَجَلَسَ النَّبِي - ﷺ -، فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي ثُمَّ جَلَسْتُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ النَّبِي - ﷺ - مِثْلَهُ، فَقُلتُ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ، قَالَ: ثمَّ قَالَ النَّبِي - ﷺ - مِثْلَهُ، فَقُمْت، فَقَالَ: "مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟ "، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "رَجُلٌ صَدَقَ، وَسَلَبُهُ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ مِنِّي"، فَقَال أبو بَكْرٍ: لَاهَا الله إذًا لَا يَعْمِدُ إلى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ الله يُقَاتِلُ عَنْ الله وَرَسُولِهِ - ﷺ - فَيُعْطِيَكَ سَلَبَهُ (٣)، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "صَدَقَ فَأَعْطِهِ"، فَأَعْطَانِيهِ فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا (٤) في بني سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُه (٥)
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (٢٦٦٩)، كتاب: الجهاد، باب.- في قتل النساء، وصححه الألباني.
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٢٧١٩)، كتاب: الجهاد، باب: في السَّلَب يعطى للقاتل.
(٣) يريد أبو بكر - ﵁ - أن أبا قتادة معه بنية، فقد يأخذ حق غيره، ولذلك قال: لَا يَعْمِدْ إلى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ الله يُقَاتِلُ عَنْ الله وَرَسُولِهِ فَيُعْطِيَكَ سَلَبَهُ ولكن النبي - ﷺ - بيَّن صدق أبي قتادة فَقَالَ: "صَدَقَ فَأَعْطِه".
(٤) مخرفًا: أي بستانًا، سُمّي بذلك لأنه يُخترف منه التمر، أي: يُجتنى.
(٥) تأثَّلته: أي: أصلته أو تملكته.
[ ٤٦٣ ]
في الْإِسْلَامِ (١).
وعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ خِنْجَرًا فَكَانَ مَعَهَا، فَرَآهَا أبوطَلْحَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله هَذِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَهَا خِنْجَرٌ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله - ﷺ -: "مَا هَذَا الْخِنْجَرُ؟ "، قَالَتْ: اتَّخَذْتُهُ إِنْ دَنَا مِنّي أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بَقَرْتُ بِهِ بَطْنَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَضْحَكُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا مِنْ الطُّلَقَاءِ (٢) انْهَزَمُوا بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "يَا أُمَّ سُلَيْمِ إِنَّ الله قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ" (٣).
٣٠ - في شوال من هذه السنة: كانت سرية أوطاس بقيادة أبي عامر الأشعري.
الشرح:
وكان سببها أنَّ هوازن لما انهزمت ذهبت فرقة منهم، فيهم الرئيس مالك بن عوف النصري فلجئوا إلى الطائف فتحصنوا بها، وتوجَّه بنو غيرة من ثقيف نحو نخلة، وسارت فرقة فتحصنوا بمكان يقال له: أوطاس، فبعث إليهم رسول الله - ﷺ - سرية من أصحابه عليهم أبو عامر الأشعري، فقاتلوهم
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٣٢١)، كتاب: المغازي، باب: قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ﴾ [التوبة: ٢٥]، ومسلم (١٧٥١)، كتاب: الجهاد والسير، باب: استحقاق القاتل سلب القتيل.
(٢) اُقْتُلْ مَن بَعْدنَا مِنْ الطُّلَقَاء، هُمْ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْل مَكَّة يَوْم الْفَتْح، سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِي - ﷺ - مَنَّ عَلَيْهِمْ وَأَطْلَقَهُمْ، وَكَانَ في إِسْلَامهمْ ضَعْف، فَاعْتَقَدَتْ أُمّ سَلِيم أَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ، وَأَنَّهُمْ اِسْتَحَقُّوا الْقَتْل بِانْهِزَامِهِمْ. (نووي).
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (١٨٠٩)، كتاب: الجهاد والسير، باب: في غزوة النساء مع الرجال.
[ ٤٦٤ ]
فغلبوهم (١).
وكان قائد المشركين في أوطاس دُريد بن الصّمة.
عَنْ أبي مُوسَى الأشعري - ﵁ - قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِي - ﷺ - مِنْ حُنَينٍ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إلى أَوْطَاسٍ، فَلَقِيَ دُرَيْدَ بن الصِّمَّةِ فَقُتِلَ دُرَيْدٌ، وَهَزَمَ الله أَصْحَابَهُ، قَالَ أبو مُوسَى: وَبَعَثَنِي مَعَ أبي عَامِرٍ، فَرُمِيَ أبو عَامِرٍ في رُكْبَتِهِ؛ رَمَاهُ جُشَمِيٌّ بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَهُ في رُكْبَتِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا عَمِّ مَنْ رَمَاكَ! فَأَشَارَ فَقَالَ: ذَاكَ قَاتِلِي الَّذِي رَمَانِي، فَقَصَدْتُ لَهُ فَلَحِقْتُهُ فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى، فَاتَّبَعْتُهُ وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ: أَلَا تَسْتَحْيِ؟ أَلَا تَثْبُتُ؟ فَكَفَّ، فَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ بِالسَّيْفِ، فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ لِأبي عَامِرٍ: قَتَلَ الله صاحِبَكَ، قَالَ: فَانْزعْ هَذَا السَّهْمَ فَنَزَعْتُهُ فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَقْرِئْ النَّبِيَّ - ﷺ - السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: اسْتَغْفِرْ لِي، وَاسْتَخْلَفَنِي أبو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ فَمَكُثَ يَسِيرًا ثُمَّ مَاتَ، فَرَجَعْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيّ - ﷺ - في بَيْتِهِ عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ (٢).
وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ قَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِهِ وَجَنْبَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أبي عَامِرٍ، وَقَالَ: قُلْ لَهُ: اسْتَغْفِرْ لِي، فَدَعَا النبي - ﷺ - بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أبي عَامِرٍ"، قال أبو موسى: وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيهِ، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنْ النَّاسِ" فَقُلْتُ: وَلِي فَاسْتَغْفِر، فَقَالَ: "اللهُمَّ اغْفِرْ لِعبد الله بن قَيسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مًدْخَلًا كَرِيمًا" (٣).
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" ٤/ ٤٧، "البداية والنهاية" ٥/ ٢٢.
(٢) سرير مُرْمل: أي معمول بالرمال؛ وهي حبال الحصر التي تُضفر بها الأَسِرَّة "فتح".
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٣٢٣)، كتاب: المغازي، باب: غزوة أوطاس، ومسلم (٢٤٩٨) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين - ﵄ -.
[ ٤٦٥ ]
ويقال أنَّ الذي قتل دُريد بن الصِّمة هو الزبير بن العوام - ﵁ - (١).
وعَن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - أَنَّ سُولَ الله - ﷺ - يَومَ حُنَينٍ بَعَثَ جَيشًا إلى أَوْطَاسَ، فَلَقُوا عَدُوًّا فَقَاتَلُوهُمْ، فَظَهَرُوا عَلَيهِمْ، وَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايا، فَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله - ﷺ - تَحَرَّجُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَأَنْزَلَ الله ﷿ في ذَلِكَ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أَيْ فَهُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ إِذَا انْقَضَت عِدَّتُهُنَّ (٢).
٣١ - وفي شوال من هذه السنة: كانت سرية الطفيل بن عمرو الدَّوسي لهدم الصنم ذي الكفَّين، فأشعل فيه النار.
الشرح:
قال ابن سعد ﵀:
لما أراد رسول الله - ﷺ - المسير إلى الطائف، بعث الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين- صنم عمرو بن حمحمة الدوسي- يهدمه وأمره أن يستمدَّ قومه ويوافيه بالطائف، فخرج سريعًا إلى قومه فهدم ذا الكفين، وجعل يحشُّ (٣) النار في وجهه ويحرقه ويقول:
يا ذا الكفَّين لستُ مِنْ عبادكا ميلادنا أقدم مِنْ ميلادكا
أنا حششتُ النار في فؤادكا (٤)
_________________
(١) "فتح الباري" ٧/ ٦٣٨، وقال ابن حجر: رواه البزار في مسند أنس بإسناد حسن.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (١٤٥٦)، كتاب: الرضاع، باب: جواز وطء المسبيِّة بعد الاستبراء.
(٣) يحشُّ: يوقد.
(٤) "الطبقات الكبرى" ٢/ ١٥٧.
[ ٤٦٦ ]
٣٢ - وفي شوَّال من هذه السنة: وفي طريقه - ﷺ - لحصار الطائف مَرَّ ببُحرة الرُّغاء فابتنى بها مسجدًا، فصلى فيه قبل وصوله إلى الطائف.
الشرح:
سلك رسول الله - ﷺ - إلى الطائف فمر من حنين على نخلة اليمانية، ثم على قرن، ثم علي المليح، ثم على بُحرة الرُّغاء من لبَّة، فابتنى بها مسجدًا، فصلى فيه (١).
٣٣ - وفي شوَّال من هذه السنة: في بُحرةَ أيضًا قتل رجلًا من بني ليث قصاصًا برجل من هُذيل، وهو أوَّل قصاص في الإسلام.
الشرح:
فأقاد يومئذ ببحرة الرغاء حين نزلها بدم -وهو أول دم أقيد به في الإِسلام- رجلًا من بني ليث؛ قتل رجلًا من هذيل، فقتله رسول الله -ﷺ - (٢).
٣٤ - وفي شوَّال من هذه السنة: كانت غزوة الطائف.
الشرح:
بعد أن شتت المسلمون هوازن وتعقبوها في نخلة وأوطاس، اتجهوا إلى مدينة الطائف التي تحصنت فيها ثقيف ومعهم مالك بن عوف النصري قائد هوزان.
وكانت الطائف تمتاز بموقعها الجبلي وبأسوارها القوية وحصونها الدفاعية، وليس إليها منفذ سوى الأبواب التي أغلقتها ثقيف بعد أن أدخلت من الأقوات ما يكفي لسنة كاملة، وهيأت من وسائل الحرب ما يكفل لها الصمود طويلًا، وكان وصول المسلمين إلى الطائف في حدود العشرين من شوال دون أن يستجم الجيش طويلًا من غزوة حنين وسرايا نخلة وأوطاس
_________________
(١) "تاريخ الطبري" ٣/ ٥٠، "سيرة ابن هشام" ٤/ ٦٧.
(٢) المصدر السابق.
[ ٤٦٧ ]
التي بدأت في العاشر من شوال واستغرقت أكثر من أسبوع.
وقد حاصر المسلمون الطائف بضع عشرة ليلة.
كما في رواية عروة بن الزبير وموسى بن عقبة، وحددت رواية عن عروة أيضًا المدة بنصف شهر، ورغم أن سائر هذه الروايات مراسيل لا تقوم بها حجة، فإن عروة وموسى من أجلّ كتاب المغازي وأوثقهم، وروايتهما تتفق مع تواريخ الأحداث وسياقها (١).
وقيل أن النبي - ﷺ - حاول اقتحام الحصين بالدبابات (٢)، والمنجنيق (٣)، فلم يستطع المسلمون اقتحام الحصين، وأمر النبي - ﷺ - برميهم بالسهام، وشجع المسلمين على ذلك.
فعَنْ أبي نَجِيحٍ السُّلَمِيِّ - ﵁ - قَالَ: حَاصَرْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - بِحِصنِ الطَّائِفِ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ بَلَغَ بِسَهْمٍ في سَبِيلِ الله ﷿ فَلَهُ دَرَجَةٌ" (٤).
ثم أمر رسول الله -ﷺ - بفك الحصار.
عَنْ عبد الله بن عُمَرَو - ﵄ - قَالَ: لَمَّا حَاصَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - أهل الطَّائِفَ فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيئًا، فقَالَ: إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ الله، قال أصحابه: نرجِع ولم نفتحه، فَقَالَ لهم رسول الله -ﷺ -: "اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ"، فَغَدَوْا عليه، فَأصَابَهُم جِرَاحٌ،
_________________
(١) "السيرة النبوية الصحيحة" ٢/ ٥٠٧.
(٢) الدبابات: آلات تصنع من خشب وتغطى بجلود ثم يدخل فيها الرجال، لتحميهم من سهام الأعداء.
(٣) يتكون المنجنيق من عمود طويل قوي موضوع على عربة ذات عجلتين في رأسها حلقة أو بكرة، يمر بها حبل متين، في طرفه الأعلى شبكة في هيئة كيس، توضع حجارة أو مواد محترقة في الشبكة، ثم تحرك بواسطة العمود والحبل، فيندفع ما وضع في الشبكة من القذائف ويسقط على الأسوار فيقتل أو يحرق ما يسقط عليه. "الرسول القائد" (٢٥٤) محمود شيت خطاب نقلًا عن "السيرة النبوية الصحيحة".
(٤) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٩٦٥)، كتاب: العتق، باب: أي الرقاب أفضل، وصححه الألباني في "الصحيحة" (١٧٥٦).
[ ٤٦٨ ]
فَقَالَ لهم رسول الله - ﷺ -: "إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا"، قال: فَأَعْجَبَهُمْ ذلك، فَضَحِكَ رسول الله - ﷺ - (١).
٣٥ - وفي شوَّال من هذه السنة: في حصار الطائف نزل نفر من رقيق الطائف، فأعتقهم رسول الله منهم أبو بكرة - ﵁ -.
الشرح:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: أَعْتَقَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَوْمَ الطَّائِفِ مَنْ خَرَجَ إِلَيْهِ مِنْ عَبِيدِ الْمُشْرِكِينَ (٢).
وعنه أيضًا - ﵁ - قال: حاصر رسول الله -ﷺ - أهل الطائف، فخرج إليه عبدان، أحدهما: أبو بكرة، وكان رسول الله -ﷺ - يعتق العبيد إذا خرجوا إليه (٣).
٣٦ - وفي أواخر شوَّال من هذه السنة: رفع رسول الله - ﷺ - الحصار عن الطائف، ثم رجع إلى الجُعرانة، فقدم عليه وفود هوازن قد أسلموا فردّ عليهم أسراهم.
الشرح:
أتى رسولَ الله - ﷺ - وفدُ هوازن وهو بالجعرانة، وكان مع رسول الله - ﷺ - من سبي هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء، ومن الإبل والشاء مالا يُدرى ما عدَّته (٤).
عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - أن وفد هوازن أتوا رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٣٢٥)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الطائف في شوال سنة ثمان، قاله موسى بن عقبة، ومسلم (١٧٧٨)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة الطائف.
(٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (١٩٥٩)، وحسن إسناده الشيخ أحمد شاكر ﵀.
(٣) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٢١٧٦)، وحسن إسناده الشيخ أحمد شاكر ﵀.
(٤) "سيرة ابن هشام" ٤/ ٧١.
[ ٤٦٩ ]
وهو بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك، فامنن علينا، مَنَّ الله عليك، قال: وقام رجل من هوازن، يقال له: زهير يكنى أبا صُرَد، فقال: يا رسول الله إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك (١) اللاتي كنَّ يكفُلْنك، ولو أنا مَلَحْنا (٢) للحارث بن أبي شِمْر، أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل بنا بمثل الذي نزلت به، رجونا عطفه وعائدته (٣) علينا، وأنت خير المكفولين، فقال رسول الله - ﷺ -: "أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ " فقالوا: يا رسول الله خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا، بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا، فهو أحب إلينا، فقال لهم: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وإذا ما أنا صليت الظهر بالناس فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا، فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم"، فلما صلى رسول الله -ﷺ - بالناس الظهر قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به، فقال رسول الله - ﷺ -: "وأما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم". فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله - ﷺ -. وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله -ﷺ -. فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا. وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا. فقالت بنو سليم: بلى، ما كان لنا فهو لرسول الله -ﷺ -. قال: يقول عباس بن مرداس لبني سليم: وهنتموني. فقال رسول الله - ﷺ -: "أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبي أصيبه فردوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم" (٤).
وأعطى النبي - ﷺ - عمر بن الخطاب جارية فوصى بها عمر لابنه عبد الله،
_________________
(١) لأنَّ حاضنة رسول الله - ﷺ - من بني سعد وهم من هوازن.
(٢) ملحنا: أي أرضعنا.
(٣) عائدته: فضله.
(٤) حسن: "سيرة ابن هشام" ٤/ ٧١ - ٧٢، عن ابن إسحاق بإسناد حسن.
[ ٤٧٠ ]
وأعطى النبي - ﷺ - عمر بن الخطاب جارية فوصى بها عمر لابنه عبد الله، يقول عبد الله بن عمر: فبعثت بها إلى أخوالي من بن جُمح؛ ليُصلحوا لي منها، ويهيئوها، حتى أطوف البيت، ثم آتيهم، وأنا أريد أن أصيبها إذا رجعت إليها، قال فخرجت من المسجد حتى فرغت، فإذا الناس يشتدَّون، فقلت: ما شأنكم؟ قالوا: ردّ علينا رسول الله - ﷺ - نساءنا وأبناءنا، فقلت: تلكم صاحبتكم في بني جمح، فاذهبوا فخذوها، فذهبوا إليها فأخذوها (١).
وَعن الْمِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله - ﷺ -: "مَعِي مَنْ تَرَوْنَ وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ" (٢)، وَكَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - قد أَنْظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنْ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - غَيرُ رَادٍّ إِلَيهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَينِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ الله - ﷺ - في الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ الله عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ"، فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ في ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ"، فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ (٣)، ثُمَّ رَجَعُوا إلى رَسُولِ الله - ﷺ -
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه ابن هشام في "السيرة" بإسناد صحيح.
(٢) وقد كنت استأنيت بكم: أي أخرتُ قسم السبي لتحضروا فأبطأتم.
(٣) العرفاء: جمع عريف، وهو القائم بأمر طائفة من الناس، وسُمِّي بذلك لكونه يتعرف أمورهم حتى يُعَرِّف بها مَن فوقه عند الاحتياج "فتح".
[ ٤٧١ ]
فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا (١).
٣٧ - وفي ذي القعدة من هذه السنة: فرَّق النبي - ﷺ - الغنائم، وأعطى المؤلفة قلوبهم كثيرًا، ووكَّل المؤمنين إلى إيمانهم، فقام ذو الخويصرة فقال ما قال.
الشرح:
عَنْ رَافِعِ بن خَدِيجٍ - ﵁ - قَالَ: قسم رَسُولُ الله - ﷺ - غنائم يوم حنين فأعطى أَبَا سُفْيَانَ بن حَرْبٍ، وَصَفْوَانَ بن أُمَيَّةَ، وَعُيَيْنَةَ بن حِصْنٍ، وَالْأَقْرَعَ بن حَابِسٍ، كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَأَعْطَي عَبَّاسَ بن مِرْدَاسٍ دُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ عَبَّاسُ بن مِرْدَاسٍ:
أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ
فَمَاكَانَ بَدْرٌ وَلَاحَابِسٌ يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ في الْمَجْمَعِ
وما كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا وَمَنْ تَخْفِضْ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ
فَأَتَمَّ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ - مِائَةً (٢)
وعَنْ عبد الله بن زَيْدٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - لَمَّا فَتَحَ حُنَيْنًا قَسَمَ الْغَنَائِمَ، فَأَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ فَبَلَغَهُ أَنَّ الْأَنْصَارَ يُحِبُّونَ أَنْ يُصِيبُوا مَا أَصَابَ النَّاسُ فَقَامَ رَسُولُ الله - ﷺ - فَخَطَبَهُمْ فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ الله بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ الله بِي؟ وَمُتَفَرِّقِيِنَ
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٤٣١٨، ٤٣١٩)، كتاب: المغازي، باب ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦].
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (١٠٦٠)، كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم.
[ ٤٧٢ ]
فَجَمَعَكُمْ الله بِي؟ " وَهم يَقُولُونَ: الله وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، فَقَالَ: "أَلَا تُجِيبُونِي؟ " فَقَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، فَقَالَ: أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ شِئْتُمْ أَنْ تَقُولُوا كَنَا وَكَذَا، وَكَانَ مِنْ الْأَمْرِ كَذَا وَكَذَا، أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بالشَّاءِ وَالْإِبِلِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ الله إلى رِحَالِكُمْ، الْأَنْصارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ (١)، وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأ مِنْ الْأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهُمْ إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً (٢)، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ (٣).
وعَنْ جَابِرِ بن عبد الله - ﵄ - قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ الله - ﷺ - بِالْجِعْرَانَةِ مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، وَفِي ثَوْب بِلَالٍ فِضَّةٌ، وَرَسُولُ الله - ﷺ - يَقْبضُ مِنْهَا، يُعْطِي النَّاسَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اعْدِل، قَالَ: "ويلَكَ! وَمَن يَعْدِلُ إِذَاَ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ"، فَقَالَ عُمَرُ بن الْخَطَّابِ - ﵁ -: دَعْنِي يَا رَسُولَ الله فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ، فَقَالَ: "مَعَاذَ الله أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أصحابي، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّة" (٤).
وعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله - ﷺ - وَهُوَ يَقْسِمُ قِسْمًا، أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ- وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بني تَمِيمٍ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله اعْدِلْ، فَقَالَ رسول الله -ﷺ -: "وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ قَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلُ"، فَقَالَ عُمَرُ بن الخطاب: يَا رَسُولَ الله ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ
_________________
(١) الشعار: الثوب الذي يلي الجسد، والدثار: الثوب الذي يكون فوقه، ومعنى الحديث: الأنصار هم البطانة والخاصة والأصفياء وألصق بي من سائر الناس (نووي).
(٢) ستلقون بعدي أثرة: أي: ستلقون ناسًا يؤثرون أنفسهم وذويهم على غيرهم.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٣٣٠) كتاب: المغازي، باب: غزوة الطائف، ومسلم (١٠٦١)، كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم. والمؤلفة قلوبهم هم أناس قد أسلموا، حديثو عهد بكفر يعطون من الزكاة ليثبتوا على الإِسلام ويحسن إسلامهم، أو كافر يعطى من المال رجاء أن يُسلم.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (١٠٦٣)، كتاب: الزكاة، باب: ذكر الخوارج وصفاتهم.
[ ٤٧٣ ]
رسول الله - ﷺ -: "دَعْهُ فَإنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُم صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِم، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُم، يَمْرُقُونَ مِنْ الإِسلام كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَمَا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ (١)، ثُمَّ يُنْظَرُ إلى نَضِيِّهِ وَهوَ قِدْحُهُ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ (٢)، ثُمَّ يُنْظَرُ إلى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ (٣)، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ (٤)، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أسْوَدُ، إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْي الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تتَدَرْدَرُ (٥)، يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ"، قَالً أبو سَعِيدٍ: فَأشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَأشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بن أبي طَالِبٍ - ﵁ - قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ، فوجد، فَأُتِيَ بِهِ، حَتَّى نَظَرتُ إِلَيهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ - ﷺ - الَّذِي نَعَتَ (٦).
٣٨ - وفي ذي القعدة من هذه السنة، جيء بالشيماء أُخت رسول الله - ﷺ - من الرضاعة، أسيرة، فمنَّ عليها وأعطاها وأطلقها.
الشرح:
ذكر ذلك ابن إسحاق ﵀، وغير واحد من أهل السيرة، أنه جيء بالشيماء بنت الحارث بن عبد العُزَّى أخت رسول الله -ﷺ - في الرضاعة، فساقوها إلى رسول الله - ﷺ -، فعنفوا عليها في السياق، فقالت للمسلمين: تعلموا
_________________
(١) النصل: هو حديد السهم، والرصاف: هو مدخل النصل من السهم.
(٢) النضيُّ: عود السهم.
(٣) القُذَذُ: هي ريش السهم. فشبَّه النبيُّ - ﷺ - مروقهم وخروجهم من الدين بالسهم الذي يخرج بسرعة شديدة نحو الرميَّة.
(٤) الفرث: الروث في الكرش، أي: أن السهم من شدة سرعته خرج من الناحية الأخرى ولم يصبه فرث ولا دم.
(٥) البضعة -بفتح الباء-: القطعة عن اللحم، تتدردر: أي: تضطرب وتذهب وتجيء.
(٦) متفق عليه. أخرجه البخاري (٣٦١٠)، كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإِسلام، ومسلم (١٠٦٤) كتاب: الزكاة، باب: ذكر الخوارج وصفاتهم.
[ ٤٧٤ ]
والله إني لأختُ صاحبكم من الرضاعة، فلم يصدقوها حتى أتوا بها إلى رسول الله -ﷺ - (١)، فمنَّ عليها وأعطاها عطايا وأطلقها.
٣٩ - وفي ذي القعدة من هذه السنة: اعتمر رسول الله - ﷺ - من الجُعْرانة.
الشرح:
عن أنس بن مالك - ﵁ - قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلَّهُنَّ في ذِي الْقَعْدَةِ، إِلَّا الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ؛ عُمْرَةً مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ في ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ في ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنْ جِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ في ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ (٢).
٤٠ - وفي ذي القعدة من هذه السنة: تزوج رسول الله - ﷺ - فاطمة بنت الضَّحَّاك الكُلابية، فاستعاذت منه ففارقها، فكانت بعد ذلك تلقط البعر وتقول: أنا الشقية.
الشرح:
عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ الْكِلَابِيَّةَ لَمَّا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِي - ﷺ -، قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ الْحَقِي بِأَهْلِكِ" (٣).
٤١ - وفي ذي الحجة من هذه السنة: وَلَدَتْ ماريةُ إبراهيم بن النبي - ﷺ -.
الشرح:
عَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ فَسَمَّيتُهُ
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" ٤/ ٤٩.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (١٧٧٨)، كتاب: العمرة، باب: كم اعتمر النبي - ﷺ -؟، ومسلم (١٢٥٣)، كتاب: الحج، باب: بيان عدد عُمر النبي - ﷺ - وزمانهنَّ.
(٣) صحيح: أخرجه النسنائي (٣٤١٧)، كتاب: الطلاق، باب: مواجهة المرأة بالطلاق، وابن ماجة (٢٠٥٠)، كتاب: الطلاق، باب: ما يقع به الطلاق من الكلام، وصححه الألباني في "صحيح السنن".
[ ٤٧٥ ]
بِاسْمِ أبي إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى أُمِّ سَيْفٍ، امْرَأَةِ قَيْنٍ (١) يُقَالُ لَهُ: أبو سَيْفٍ، فَانْطَلَقَ يَأْتِيهِ وَاتَّبَعْتُهُ، فَانْتَهَيْنَا إلى أبي سَيْفٍ وَهُوَ يَنْفُخُ بِكِيرِهِ، قَدْ امْتَلَأَ الْبَيْتُ دُخَانًا، فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ بَينَ يَدَيْ رَسُولِ الله - ﷺ - فَقُلْتُ: يَا أَبَا سيفٍ أَمْسِكْ، جَاءَ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَأَمْسَكَ، فَدَعَا النَّبيَّ - ﷺ - بالصَّبيِّ فَضمَّهُ إلَيهِ، وَقَالَ: مَا شَاءَ الله أَنْ يَقُولَ (٢).
وكان مولده - ﵁ - في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة (٣).
وعَنْ أَنَسٍ أيضًا قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضعًا لَهُ في عَوَالِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ، فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ، وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا، فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ (٤).
٤٢ - وفي هذه السنة: ولَدَتْ زينب بنتُ رسول الله - ﷺ - من أبي العاص بن الربيع ابنتها أُمامة التي كان يحملها النبي - ﷺ - في الصلاة.
الشرح:
ذكر تاريخ ولادتها - ﵂ - الذهبي ﵀ في "مغازيه" (٥).
وعَنْ أبي قَتَادَةَ الْأَنْصارِيِّ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بنتَ زَيْنَبَ بنتِ رَسُولِ الله - ﷺ -.
_________________
(١) القين: الحداد.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (٢٣١٥)، كتاب: الفضائل، باب: رحمته - ﷺ - بالصبيان والعيال.
(٣) انظر: "أسد الغابة" ١/ ٤٤، "الاستيعاب" ١/ ٦٤، ٦٥، و"الإصابة" ١/ ١٨، و"عيون الأثر" ٢/ ٣٧١.
(٤) صحيح: أخرجه مسلم (٢٣١٦)، كتاب: الفضائل، باب: رحمته - ﷺ - بالصبيان والعيال.
(٥) (٦٢١).
[ ٤٧٦ ]
وَلِأبي الْعَاصِ بن الربيع: فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا (١).
٤٣ - وفي هذه السنة: عُمِل منبر رسول الله - ﷺ - فخطب عليه، فحنَّ إليه الجذع الذي كان يخطب عليه.
الشرح:
عَنْ جَابِرِ بن عبد الله الأنصاري - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلى شَجَرَةٍ أَوْ نَخْلَةٍ، فَقَالَتْ: امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ أَوْ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله أَلَا نَجْعَلُ لَكَ مِنْبَرًا؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتُمْ"، فَجَعَلُوا لَهُ مِنْبَرًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دُفِعَ إلى الْمِنْبَرِ، فَصَاحَتْ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ، ثُمَّ نَزَلَ النَّبِي - ﷺ - فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّنُ، قَالَ: كَانَتْ تَبْكِي عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنْ الذِّكْرِ عِنْدَهَا (٢)، وذكر ذلك التاريخ الذهبي في "مغازيه" (٣).
٤٤ - وفي هذه السنة: وهبت سودة أم المؤمنين يومها لعائشة - ﵂ -.
الشرح:
عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ في مِسْلَاخِهَ (٤)، مِنْ سَوْدَةَ بنتِ زَمْعَةَ، مِنْ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ (٥)، قَالَتْ عائشة: فَلَمَّا كَبِرَتْ جَعَلَتْ
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٥١٦)، كتاب: الصلاة، باب: إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة، ومسلم (٥٤٣)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: جواز حمل الصبيان في الصلاة.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٣٥٨٤)، كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإِسلام.
(٣) (٦٢١).
(٤) المسلاخ: هو الجلد، ومعناه أن أكون أناهي.
(٥) من امرأة فيها حدة، تصفها بقوة النفس.
[ ٤٧٧ ]
يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - لِعَائِشَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله - ﷺ - قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ، فَكَان رَسُولُ الله - ﷺ - يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ، يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ (١).
وذكر ذلك التاريخ الذهبي في "مغازيه" (٢).
٤٥ - وفي ذي الحجة من هذه السنة: حجَّ بالناس عَتَّابُ بن أسيد - ﵁ -، أمير مكَّة.
الشرح:
قال ابن إسحاق ﵀:
وحجَّ الناس في تلك السنة على ما كانت العربُ تحج عليه، وحج بالمسلمين تلك السنة عَتَّابُ بن أَسيد، وهي سنة ثمان (٣).
٤٦ - وفي هذه السنة: تُوفّي مُغَفَّلُ بن عبد نَهْمٍ المزّنيُّ والدُ الصحابي عبد الله بن مَغَفَّلٍ، وله صُحْبة.
الشرح:
قال ابن عبد البر ﵀:
مُغَفَّل بن غَنَم، ويقال: ابن عبد نَهْم بن عفيف بن أُسَيْحم (٤)، وكان بن الكلبي يقول في أسيحم: سُحيم بن ربيعة بن عدي المزني، وهو والد
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٥٢١٢) كتاب: النكاح، باب: المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها، ومسلم (١٤٦٣)، كتاب: الرضاع، باب: جواز هبتها نوبتها لضرتها.
(٢) (٦٢١)
(٣) "سيرة ابن هشام" ٤/ ٧٩.
(٤) وفي نُسخة: ابن أَسْحم.
[ ٤٧٨ ]
عبد الله بن مغفل، مات بطريق مكة قبل أن يدخلها، وذلك سنة ثمان من الهجرة، عام الفتح، وقبل الفتح بقليل، وذكر ذلك الطبري. اهـ (١).
٤٧ - وفي هذه السنة: أسلَم كَعْبُ بن زهير، وقال قصيدته المشهورة في مدح النبي - ﷺ - بانتَ سُعَادُ
الشرح:
عن عبد الرحمن بن كعب بن زهير قال: خرج كعب وبجير ابنا زهير حتى أتيا أبرق العزاف، فقال بجير لكعب: أثبت في عجل هذا المكان حتى آتي هذا الرجل، يعني رسول الله فأسمع ما يقول: فثبت كعب وخرج بجير فجاء رسول الله - ﷺ - فعرض عليه الإِسلام فأسلم فبلغ ذلك كعبًا فقال:
أَلا أَبلِغا عَنَي بُجَيرًا رِسالَةً عَلَى أَيِّ شَيءٍ وَيْحَ غَيْرَكَ دَلَكا
عَلى خُلُقٍ لَم تُلفِ أُمًّا وَلا أَبًا عَلَيهِ وَلَم تُدرِك عَلَيه أَخًا لَكا
سَقَاكَ أبو بكرٍ بِكَأَسِ رَويِةٍ وَأَنَهلكَ المَأَمورُ مَنْهَا وعَلَكَا
فلما بلغت الأبيات رسول الله -ﷺ - أهدر دمه، فقال: "من لقي كعبًا فليقتله" فكتب بذلك بجير إلى أخيه يذكر له أن رسول الله - ﷺ - قد أهدر دمه ويقول له: النجا وما أراك تفلت ثم كتب إليه بعد ذلك: اعلم أن رسول الله - ﷺ - لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا قَبِل ذلك، فإذا جاءك كتابي هذا فأسلم، وأقبل، فأسلم كعب وقال القصيدة التى يمدح فيها رسول الله - ﷺ -، ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله - ﷺ - ثم دخل المسجد ورسول الله - ﷺ - مع أصحابه والقوم متحلقون معه حلقة دون حلقة
_________________
(١) "الاستيعاب" (٧٠٦)، وانظر: "أسد الغابة" ٤/ ١٧٨، و"الإصابة" ٣/ ١٨٧٧، ١٨٧٨.
[ ٤٧٩ ]
يلتفت إلى هؤلاء مرة فيحدثهم وإلى هؤلاء مرة فيحدثهم، قال كعب: فأنخت راحلتي بباب المسجد فعرفت رسول الله - ﷺ - بالصفة فتخطيت حتى جلست إليه فأسلمت، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله الأمان يا رسول الله قال: "ومن أنت؟ "، قلت: أنا كعب بن زهير: قال: "أنت الذي تقول" ثم التفت إلى أبي بكر: "كيف قال يا أبا بكر" فأنشده أبو بكر - ﵁ -:
سَقَاكَ أبو بكرٍ بِكَأَسِ رَويِةٍ وَأَنَهلكَ المَأَمورُ مَنْهَا وعَلَكَا
قال: يا رسول الله ما قلت هكذا قال: "وكيف قلت؟ " قال: إنما قلت:
سَقَاكَ أبو بكرٍ بِكَأَسِ رَويِةٍ وَأَنَهلكَ المَأَمونُ مَنْهَا وعَلَكَا
فقال رسول الله -ﷺ -: "مأمون والله" ثم أنشده القصيدة كلها حتى أتى على آخرها. واملاها على الحجاج بن ذي الرقيبة حتى أتى على آخرها:
بانَتْ سُعادُ فَقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ مُتَيَّمٌ إثْرَها لم يُفَدْ مَكْبولُ (١)
إلى آخر القصيدة.
٤٨ - وفي هذه السنة: تُوفِّيتْ زينبُ بنتُ رسول الله - ﷺ -، وهي أكبر أولاده، وغسَّلتها أمُّ عطية - ﵂ -.
الشرح:
عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - ﵂ - قَالَتْ: لما توفيت زينب بنت رسول الله - ﷺ - قال لنا رسول الله - ﷺ -: "اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ
_________________
(١) الحاكم في "المستدرك " (٦٤٧٧)، ابن هشام في "السيرة" ٤/ ٨٠ - ٨٨.
[ ٤٨٠ ]
وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ في الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي"، قالت: فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حقْوَهُ (١)، فَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا (٢). إِيَّاهُ".
وفي رواية: قالت أم عطية: أنهن نقضن شعرها ثم غَسَلْنه، ثم جعلنه ثلاثة قرون، وألقيناها خلفها.
وفي رواية: عن أم عطية أن رسول الله - ﷺ - حين أمرها أن تغسل ابنته قال لها: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها (٣).
قال ابن عبد البر ﵀:
كانت زينب أكبر بناته - ﷺ - لا خلاف أعلمه في ذلك، إلَّا ما لا يصح ولا يُلتفت إليه، وإنما الاختلاف بين زينب والقاسم أيها وُلد أولًا، وتُوفيِّت في حياة رسول الله -ﷺ - سنة ثمانٍ من الهجرة (٤).
٤٩ - وفي هذه السنة: بعث رسول الله -ﷺ - عمرو بن العاص إلى جَيْفَر وعمرو ابني الجَلَنْدي من الأزدْ، فأسلما.
الشرح:
بعث رسول الله -ﷺ - عمرو بن العاص في ذي القعدة سنة ثمان إلى جيفر وعبد (٥) ابني الجلندى، وهما من الأزد والملك منهما جيفر، يدعوهما إلى
_________________
(١) حِقْوهُ: إزاره.
(٢) أشعرنها: أَلْفِفْنها.
(٣) متفق عليها: انظر: "صحيح البخاري" (١٢٥٧، ١٢٥٨، ١٢٥٩، ١٢٦٠، ١٢٦١، ١٢٦٢)، و"صحيح مسلم" (٩٣٩).
(٤) "الاستيعاب" (٨٩٢)، وانظر: "الإصابة" ٤/ ٢٥١٦، ٢٥١٧.
(٥) في "تاريخ الطبري": عمرو.
[ ٤٨١ ]
الإِسلام، وكتب معه إليهما كتابًا وختم الكتاب، قال عمرو: فلما قدمت عمان عمدت إلى عبد، وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقًا، فقلت: إني رسولُ رسولِ الله - ﷺ - إليك وإلى أخيك، فقال: أخي المقدم عليَّ بالسن والملك وأنا أُوصلك إليه حتى يقرأ كتابك، فمكثت أياما ببابه، ثم إنه دعاني فدخلت عليه، فدفعت إليه الكتاب مختومًا ففض خاتمه وقرأه حتى انتهى إلى آخره ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قراءته، إلَّا أني رأيت أخاه أرقَّ منه، فقال: دعني يومي هذا وارجع إليَّ غدًا، فلما كان الغد رجعت إليه، قال: إني فكرت فيما دعوتني إليه، فإذا أنا أضعف العرب إذا ملَّكتُ رجلًا ما في يديَّ، قلتُ: فإني خارج غدًا، فلما أيقن بمخرجي أصبح فأرسل إليَّ، فدخلت عليه فأجاب إلى الإِسلام هو وأخوه جميعًا وصدَّقا بالنبي - ﷺ -، وخلَّيا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم، وكانا لي عونًا على من خالفني، فأخذت الصدقة من أغنيائهم فرددتها في فقرائهم، فلم أزل مقيمًا فيهم حتى بلغنا وفاة رسول الله" (١).
٥٠ - وفي هذه السنة: غلا السِّعر، فقالوا: يا سول الله سَعَّر لنا، فقال: "إنَّ الله هو المسَّعِّر والقابض الباسط الرَّزَّاق".
الشرح:
عَنْ أَنَس بن مالك - ﵁ - قَالَ: غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ: "إنَّ الله هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ في دَمٍ وَلَا مَالٍ" (٢).
_________________
(١) "الطبقات الكبرى" ١/ ٢٦٢، ٢٦٣.
(٢) صحيح: أخرجه الترمذي (١٣١٤)، كتاب: البيوع، باب ما جاء في التسعير، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني "صحيح السنن"، وراجع "شذرات الذهب" ١/ ٢٣.
[ ٤٨٢ ]
٥١ - وفي هذه السنة: نزلت سورة النصر.
الشرح:
قال ابن إسحاق - ﵀ -:
فلما افتُتحت مكة، ودانت لها قريش، ودوَّخها الإِسلام، عرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله - ﷺ - ولا عدواته، فدخلوا في دين الله كما قال الله ﷿: أفواجا يضربون إليه من كل وجه، يقول الله تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١]. أي: فأحمد الله على ما أظهر من دينك، واستغفره إنه كان توابا. اهـ (١).
٥٢ - وفي هذه السنة: جاء وفد ثعلبة إلى رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
عن رجل من بني ثعلبة، عن أبيه لما قدم رسول الله من الجعرانة سنة ثمان، قدمنا عليه أربعة نفر وقلنا: نحن رسل من خلفنا من قومنا، ونحن وهم مُقرُون بالإِسلام، فأمر لنا بضيافة وأقمنا أيامًا (٢).
٥٣ - وفي هذه السنة: جاء وفد سُلَيم إلى رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
قدم على رسول الله - ﷺ - رجل من بني سُلَيم يقال له: قيس بن نُسيبة، فسمع كلامه وسأله عن أشياء فأجابه، ووعى ذلك كله، ودعاه رسول الله - ﷺ - إلى
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" ٤/ ١١٧.
(٢) "الطبقات الكبرى" ١/ ٢٩٨.
[ ٤٨٣ ]
الإِسلام فأسلم، ورجع إلى قومه بني سُليم فقال: قد سمعت ترجمة الروم، وهينمة فارس، وأشعار العرب، وكهانة الكاهن، وكلام مقاول حمير، فما يشبه كلام محمَّد شيئًا من كلامهم، فأطيعوني وخذوا بنصيبكم منه فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم إلى رسول الله -ﷺ -، فلقوه بقُديد وهم تسعمائة، ويقال: كانوا ألفًا، فيهم العباس بن مرداس وأنس بن عياض بن رعل وراشد بن عبد ربه فأسلموا وقالوا: اجعلنا في مقدمتك، واجعل لواءنا أحمر، وشعارنا مقدم، ففعل ذلك بهم، فشهدوا معه الفتح والطائف وحنينًا (١).
٥٤ - وفي هذه السنة: جاء وفد ربيعة: عبد القيس إلى رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
عن عبد الله بن عباس - ﵄ - قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله - ﷺ - فقال: "مرحبًا بالقوم غير خزايا ولا الندامى"، فقالوا: يا رسول الله إن بيننا وبينك المشركين من مضر، وإنا لا نَصِلُ إليك إلا في أشهر الحُرُم، حدثنا بِجُمَلٍ من الأمر إن عملنا بها دخلنا الجنة، وندعوا من وراءنا، قال: "آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، الإيمان بالله، هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تُعْطوا من المغنم الخمس، وأنهاكم عن أربع: ما انتبذ في الدُّبَّاء والنقير والمزفَّت" (٢).
_________________
(١) "الطبقات" ١/ ٣٠٧.
(٢) متفق عليه أخرجه البخاري (٤٣٦٨)، كتاب: المغازي، باب: وفد عبد القيس، ومسلم (١٧)، كتاب: الإيمان، باب: الإيمان بالله ورسوله. و(المزفَّت): أوعية مطلية بالزفت، و(الدباء): القرع اليابس يُفَرَّغ ويُجعل إناء، و(الحنتم): آنية كبيرة مدهونة خُضْر كانت تحمل فيها الخمر إلى المدينة، و(النقير): النخل ينقرونه ثم يضعون فيه الخمر، وإنما نهى النبي - ﷺ - عن هذه الأنواع خاصة، قيل =
[ ٤٨٤ ]
وقال النبي - ﷺ - لأشج عبد القيس: "إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة".
وعن أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - أن النَّبِي - ﷺ - صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيها وَعِنْدِها نِسْوَةٌ مِنْ بني حَرَامٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فصلى ركعتين، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْخَادِمَة، فقلت: قُومِي إلى جَنْبِهِ فَقُولِي: تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ الله أَلَمْ أَسْمَعْكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخَرَت عنه، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "يَا بنتَ أبي أُمَيَّةَ سَأَلْتِ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، إِنَّهُ أَتَانِي أُنَاسٌ مِنْ عبد الْقَيْسِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَشَغَلُونِي عَنْ الرَّكْعَتَينِ اللتين بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ" (١).
٥٥ - وفي هذه السنة: جاء وفد صُدَاء إلى رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
لما انصرف رسول الله -ﷺ - من الجعرانة سنة ثمان بعث قيس بن سعد بن عبادة إلى ناحية اليمن وأمره أن يطأ صُدَاء فعسكر بناحية قناة في أربعمائة من المسلمين وقدم رجل من صداء فسأل عن ذلك البعث فَأُخْبر بهم فخرج سريعا حتى ورد على رسول الله -ﷺ - فقال جئتك وافدًا على من ورائي فاردد الجيش وأنا لك بقومي فردهم رسول الله -ﷺ - فقدم منهم بعد ذلك على رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) = لأنها كثيفة تُصَيّر النبيذ مسكرًا، ولا يعلم صاحبها، ثم نُسخ هذا؛ حيث أباح النبي - ﷺ - الشراب في كل الآنية، فقال: "اشْرَبُوا في كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا"، (مسلم) (٩٧٧).
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٣٧٠)، كتاب: المغازي، باب: وفد عبد القيس، ومسلم (٨٣٤) كتاب: صلاة المسافرين، باب: معرفة الركعتين اللَّتين بعد العصر.
[ ٤٨٥ ]
خمسة عشر رجلًا فأسلموا وبايعوا رسول الله - ﷺ - على من وراءهم من قومهم ورجعوا إلى بلادهم ففشا فيهم الإِسلام فوافى النبي - ﷺ - مائةُ رجل منهم في حجة الوداع (١).
٥٦ - وفي هذه السنة: جاء وفد ثمالة والحُدَّان إلى رسول الله - ﷺ -.
الشرح:
قدم عبد الله بن عَلَس الثُّمالي، ومُسيلمة بن هِزَّان الحُدَّاني على رسول الله -ﷺ - في رهط من قومهما بعد فتح مكة فأسلموا وبايعوا رسول الله - ﷺ - على قومهم، وكتب لهم رسول الله - ﷺ - كتابًا بما فُرض عليهم من الصدقة في أموالهم، كتبه ثابت بن قيس بن شماس، وشهد فيه سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة (٢).
_________________
(١) "الطبقات الكبرى" ١/ ٣٢٦.
(٢) "الطبقات" ١/ ٣٥٣، ٣٥٤.
[ ٤٨٦ ]
السنة التاسعة من الهجرة
[ ٤٨٧ ]