وفيها تسعة وعشرون حدثًا:
١ - في المحرم من هذه السنة: ردَّ النبي - ﷺ - ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول.
الشرح:
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - قَالَ: رَدَّ النبي - ﷺ - ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أبي الْعَاصِ بن الربيع، بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، ولَمْ يُحْدِثْ شيئًا (١) أي بعد ست سنين من الهجرة.
٢ - وفي المحرم من هذه السنة: كانت غزوة ذي قَرَد على الراجح.
الشرح:
وذو قرد: اسم ماء على بعد يوم من المدينة.
عن سلمة بن الأكوع - ﵁ - وهو يحكي قصة الحديبية، ومبايعته للنبي - ﷺ - ثلاث مرات قال: ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إلى الْمَدِينَةِ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، بَيْنَنَا وَبَيْنَ بني لَحْيَانَ جَبَلٌ، وَهُم الْمُشْرِكُونَ، فَاسْتَغْفَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - لِمَنْ رَقِيَ هَذَا الْجَبَلَ اللَّيلَةَ، كَأَنَّهُ طَلِيعَةٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - وَأَصْحَابِهِ، قَالَ سَلَمَةُ: فَرَقِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَرَّتَينِ أَوْ
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (٢٢٤٠)، كتاب: الطلاق، باب: إلى من تُردُّ عليه امرأته إذا أسلم بعدها، الترمذي (١١٤٣)، كتاب: النكاح، باب: ما جاء عن الزوجين المشركين يُسلم أحدهما، ابن ماجه (٢٠٠٩)، كتاب: النكاح، باب: الزوجين يُسلم أحدهما قبل الآخر، قال الترمذي: هذا حديث ليس بإسناده بأس، وصححه الألباني "صحيح أبي داود" (١٩٣٨)، "الإرواء" (١٩٢١).
[ ٣٥٧ ]
ثَلَاثًا، ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَبَعَثَ رَسُولُ الله - ﷺ - بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَأَنَا مَعَهُ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ بِفَرَسِ طَلْحَةَ أُنَدِّيهِ مَعَ الظَّهْرِ (١)، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عبد الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ الله - ﷺ - فَاسْتَاقَهُ أَجْمَعَ وَقَتَلَ رَاعِيَهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ خُذْ هَذَا الْفَرَسَ فَأَبْلِغْهُ طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ الله وَأَخْبِرْ رَسُولَ الله - ﷺ - أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَغَارُوا عَلَى سَرحِهِ (٢)، قَالَ: ثُمَّ قُمتُ عَلَى أَكَمَةٍ (٣)، فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ فَنَادَيْتُ ثَلَاثًا يَا صَبَاحَاهْ، ثُمَّ خَرَجْتُ في آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ، وَأَرْتَجِزُ أَقُولُ:
أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ (٤)
فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَصُكُّ (٥) سَهْمًا في رَحْلِهِ حَتَّى خَلَصَ نَصْلُ السَّهْمِ إلى كَتِفِهِ، قَالَ: قُلْتُ: خُذْهَا
أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
قَالَ: فَوَاللهِ مَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُ بِهِمْ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ أَتَيْتُ شَجَرَةً
_________________
(١) أُنديه مع الظهر: قال النووي: ومعناه: أن يورد الماشية الماء فتُسقى قليلًا ثم ترسل إلى المرعى، ثم ترد الماء فترد قليلًا، ثم تُردُّ إلى المرعى. اهـ "شرح مسلم" ٦/ ٣٥٧.
(٢) سرحه: أي ماشيته التي يُسرح بها.
(٣) الأكمة: هي الكومة من الرمل أصغر من الجبل.
(٤) اليوم يوم الرضع: أي يوم اللئام، حيث كان أحدهم إذا أراد سرقة اللبن من الشاة أو الناقة ليشربه لا يحلبه في إناء ثم يشربه لئلا يسمع أصحابها صوت اللبن وهو يُحلب في الإناء، إنما كان يضع فمه في ضرع الناقة أو الشاة فيشرب كالذي يرضع فلا يُسمع له صوت وهذا فعل اللئلام من السَرَقة.
(٥) أصك: أضرب.
[ ٣٥٨ ]
فَجَلَسْتُ في أَصْلِهَا، ثُمَّ رَمَيْتُهُ فَعَقَرْتُ بِهِ، حَتَّى إِذَا تَضَايَقَ الْجَبَلُ فَدَخَلُوا في تَضَايُقِهِ عَلَوْتُ الْجَبَلَ فَجَعَلْتُ أُرَدِّيهِمْ بِالْحِجَارَةِ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ أَتْبَعُهُمْ، حَتَّى مَا خَلَقَ الله مِنْ بَعِيرٍ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ الله - ﷺ - إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي وَخَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَهُ ثُمَّ اتَّبَعْتُهُمْ أَرْمِيهِمْ حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً وَثَلَاثِينَ رُمْحًا يَسْتَخِفُّونَ وَلَا يَطْرَحُونَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَامًا مِنْ الْحِجَارَةِ يَعْرِفُهَا رَسُولُ الله - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ حَتَّى أَتَوْا مُتَضَايِقًا مِنْ ثَنِيَّةٍ فَإِذَا هُم قَدْ أَتَاهُم فُلَانُ بن بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ، فَجَلَسُوا يَتَضَحَّوْنَ - يَعْنِي: يَتَغَدَّوْنَ - وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ، قَالَ الْفَزَارِيُّ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى، قَالُوا: لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبَرحَ (١) وَاللهِ مَا فَارَقَنَا مُنْذُ غَلَسٍ يَرمِينَا حَتَّى انْتَزَعَ كُلَّ شَئءٍ في أَيْدِينَا، قَالَ: فَلْيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ أَرْبَعَةٌ، قَالَ: فَصَعِدَ إِلَيَّ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ في الْجَبَلِ، قَالَ: فَلَمَّا أَمْكَنُونِي مِنْ الْكَلَامِ، قَالَ: قُلْتُ: هَلْ تَعْرِفُونِي، قَالُوا: لَا وَمَنْ أَنْتَ، قَالَ: قُلْتُ: أَنَا سلَمَةُ بن الْأَكْوَعِ، وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَا أَطْلُبُ رَجُلًا مِنْكُمْ إِلَّا أَدْرَكْتُهُ وَلَا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكَنِي، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَنَا أَظُنُّ (٢)، قَالَ: فَرَجَعُوا فَمَا بَرِحْتُ مَكَانِي حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ الله - ﷺ - يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ، قَالَ: فَإذَا أَوَّلُهُمْ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ عَلَى إِثْرِهِ أبو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَعَلَي إِثْرِهِ الْمِقْدَادُ بن الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: فَأَخَذْتُ بِعِنَانِ الْأَخْرَمِ، قَالَ: فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، قُلْتُ: يَا أَخْرَمُ احْذَرْهُمْ لَا يَقْتَطِعُوكَ حَتَّى يَلْحَقَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ، قَالَ: يَا سَلَمَةُ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخرِ وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ، قَالَ: فَخَلَّيْتُهُ فَالْتَقَى هُوَ وَعبد الرَّحْمَنِ، قَالَ: فَعَقَرَ بِعبد الرَّحْمَنِ فَرَسَهُ وَطَعَنَهُ عبد الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ وَتَحَوَّلَ عَلَى فَرَسِهِ، وَلَحِقَ أبو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ الله - ﷺ - بِعبد الرَّحْمَنِ فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ فَوَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَتَبِعْتُهُمْ أَعْدُو عَلَى رِجْلَىَّ حَتَّى مَا أَرَى
_________________
(١) البرح: أي شدة.
(٢) أظن هنا بمعنى اليقين، أي: أنا أتيقن وأعلم هذا.
[ ٣٥٩ ]
وَرَائِي مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَلَا غُبَارِهِمْ شَيئًا حَتَّى يَعْدِلُوا قَبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ، يُقَالُ لَهُ: ذَو قَرَدٍ لِيَشْرَبُوا مِنْهُ وَهُمْ عِطَاشٌ، قَالَ: فَنَظَرُوا إِلَيَّ أَعْدُو وَرَاءَهُمْ فَخَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ - يَعْنِي: أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ - فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةً، قَالَ: وَيَخْرُجُونَ فَيَشْتَدُّونَ في ثَنِيَّةٍ (١)، قَالَ: فَأَعْدُو فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ في نُغْضِ كَتِفِهِ، قَالَ: قُلْتُ: خُذْهَا
أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
قَالَ: يَا ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ أَكْوَعُهُ بُكْرَةَ (٢)، قَالَ: قُلْتُ: نَعَم يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ أَكْوَعُكَ بُكْرَةَ، قَالَ: وَأَرْدَوْا (٣) فَرَسَيْنِ عَلَى ثَنِيَّةٍ، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إلى رَسُولِ الله - ﷺ -، قَالَ: وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ وَسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ (٤)، فَتَوَضَّأْتُ وَشَرِبْت، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي حَلَّأْتُهُمْ عَنْهُ فَإِذَا رَسُولُ الله - ﷺ - قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الْإِبِلَ وَكُلَّ شَيءٍ اسْتَنْقَذْتُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَكُلَّ رُمْحٍ وَبُرْدَةٍ وَإِذَا بِلَالٌ نَحَرَ نَاقَةً مِنْ الْإِبِلِ الَّذِي اسْتَنْقَذْتُ مِنْ الْقَوْمِ، وَإِذَا هُوَ يَشْوِي لِرَسُولِ الله - ﷺ - مِنْ كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله خَلِّنِي، فَأَنْتَخِبُ مِنْ الْقَوْمِ مِائَةَ رَجُلٍ فَأَتَّبعُ الْقَوْمَ فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ إِلَّا قَتَلْتُهُ (٥)، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ الله - ﷺ - حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ في ضَوْءِ النَّارِ، فَقَالَ: "يَا سَلَمَةُ أَتُرَاكَ كُنْتَ فَاعِلًا"، قُلْتُ: نَعَمْ وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، فَقَالَ: "إِنَّهُمْ الْآنَ لَيُقْرَوْنَ في أَرْضِ غَطَفَانَ"، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ، فَقَالَ: نَحَرَ لَهُمْ فُلَانٌ جَزُورًا، فَلَمَّا كَشَفُوا
_________________
(١) الثنية: الطريق أعلى الجبل، ويشتدون: أي يُسرعون.
(٢) أكوعه بكرة: أي أنت الأكوع الذي كنت في أول هذا النهار.
(٣) أردوا: أي تركوا.
(٤) السطيحة: إناء من جلودٍ سُطح بعضها على بعض، مَذقة: قيل: لبن ممزوج بماء.
(٥) أي: فلا يبقى منهم أحد يخبر من وراءهم فيستمدونهم علينا.
[ ٣٦٠ ]
جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا، فَقَالُوا: أَتَاكُمْ الْقَوْمٌ فَخَرَجُوا هَارِبِينَ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أبو قَتَادَةَ وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ"، قَالَ: ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ الله - ﷺ - سَهْمَيْنِ سَهْمَ الْفَارِسِ وَسَهْمَ الرَّاجِلِ فَجَمَعَهُمَا لِي جَمِيعًا، ثُمَّ أَرْدَفَنِي رَسُولُ الله - ﷺ - وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ (١) رَاجِعِينَ إلى الْمَدِينَةِ. قَالَ: فَبَينَمَا نَحْنُ نَسِيرُ، قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ لَا يُسْبَقُ شَدًّا (٢)، قَالَ: فَجَعَلَ يَقُولُ أَلَا مُسَابِقٌ إلى الْمَدِينَةِ هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ؟ فَجَعَلَ يُعِيدُ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلَامَهُ، قُلْتُ: أَمَا تُكْرِمُ كَرِيمًا وَلَا تَهَابُ شَرِيفًا، قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله بِأبي وَأُمِّي ذَرْنِي فَلِأُسَابِقَ الرَّجُلَ، قَالَ: "إِنْ شِئْتَ". قَالَ: قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَيْكَ وَثَنَيْتُ رِجْلَيَّ فَطَفَرْتُ (٣) فَعَدَوْتُ، قَالَ: فَرَبَطْتُ (٤) عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ أَسْتَبْقِي نَفَسِي (٥)، ثُمَّ عَدَوْتُ في إِثْرِهِ فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ، ثُمَّ إِنِّي رَفَعْتُ حَتَّى أَلْحَقَهُ، قَالَ: فَأَصُكُّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، قَالَ: قُلْتُ: قَدْ سُبِقْتَ وَاللهِ، قَالَ: أَنَا أَظُنُّ، فَسَبَقْتُهُ إلى الْمَدِينَةِ (٦).
وكانت غزوة ذي قرد قبل الحديبية بثلاث كما ذكر ذلك سلمة - ﵁ - كما سيأتي في غزوة خيبر -إن شاء الله- ورجح ذلك أنها كانت في السنة السابعة قبل خيبر بثلاث (٧).
_________________
(١) العضباء: ناقة رسول الله - ﷺ -، وكانت ناقة نجيبة لا تُسبق.
(٢) شدًا: أي جريًا.
(٣) طفرت: أي قفزت.
(٤) ربطت: أي توقفت عن الجري.
(٥) أستبقي نفسي: أي أريحها.
(٦) صحيح: سبق تخريجه.
(٧) صحيح: أخرجه البخاري، باب: غزوة ذي قرد، كتاب: المغازي، ورجحه ابن حجر في "الفتح" ٧/ ٥٢٦، وابن كثير في "البداية" ٤/ ١٧٤.
[ ٣٦١ ]
٣ - وفي المحرم من هذه السنة: كانت غزوة خيبر.
الشرح:
قَالَ سلمة بن الأكوع - ﵁ - في حديثه السابق عن عزوة ذي قَرَد: فَوَاللهِ مَا لَبِثْنَا إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ حَتَّى خَرَجْنَا إلى خَيبَرَ مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - (١).
وخيبر واحة زراعية تقع شمال المدينة المنورة، وتبعد عنها بحوالي ١٦٥كم (٢)، وترتفع عن سطح البحر ٨٥٠ م، وهي من أعظم حرار العرب بعد حرَّة بني سليم، وامتازت خيبر بخصوبة أرضها ووفرة مياهها، فاشتهرت بكثرة نخيلها، هذا سوى ما تنتجه من الحبوب والفواكه، لذلك كانت توصف بأنها قرية الحجاز ريفًا ومنعة ورجالًا، وكان بها سوق يعرف بسوق النطاة تحميه قبيلة غَطَفَان التي تُعْتَبر خيبر ضمن أراضيها.
ونظرًا لمكانتها الاقتصادية فقد سكنها العديد من التجار وأصحاب الحرف، وكان فيها نشاط واسع للصيرفة.
وكان يسكنها قبل الفتح أخلاط من العرب واليهود، وزاد عدد اليهود فيها بعد إجلاء يهود المدينة (٣) حيث ذهب يهود المدينة الذين أجلاهم النبي - ﷺ - إلى خيبر فأقاموا فيها.
سبب الغزوة:
تقدم أنَّ قبائل اليهود الثلاثة بني النضير، وبني قينقاع، وبني قريظة نقضوا
_________________
(١) صحيح: سبق تخريجه.
(٢) قال الدكتور/ العُمري: هذا بالنسبة للطريق المسفلت، وهو يختلف عن الطريق التي سلكها الرسول - ﷺ - إلى خيبر. اهـ "السيرة النبوية الصحيحة" هامش ١/ ٣١٨.
(٣) "السيرة النبوية الصحيحة" ١/ ٣١٨.
[ ٣٦٢ ]
عهدهم مع النبي - ﷺ -، فقتل بني قريظة وأجلى بني قينقاع وبني النضير عن المدينة، فذهب بعضهم إلى خيبر وأصبحوا يُشكلون خطرًا على المسلمين، وكان لبعضهم يدًا في تأليب قريش وجمعهم الأحزاب لمحاربة المسلمين- كما تقدم ذلك.
فأراد النبي - ﷺبعدما عاهد قريشًا- أن يعالج الموقف بعدما صارت خيبر مصدر خطر كبير على الإِسلام والمسلمين.
خروج النبي - ﷺ - إلى خيبر:
فخرج النبي - ﷺ - إلى خيبر بقريب من ألف وخمسمائة مقاتل معهم مائتا فرس.
عَنْ مُجَمِّعِ بن جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قُسِمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَكَانَ الْجَيْشُ أَلْفًا وَخَمْسَ مِائَةٍ، فِيهِمْ ثَلَاثُ مِائَةِ فَارِسٍ (١)، فسار النبي - ﷺ - إلى خيبر ليلًا (٢)، واستخلف النبي - ﷺ - على المدينة سِباع بن عُرْفُطة (٣)، وكان الله تعالى قد وعد المؤمنين مغانم خيبر، في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ
_________________
(١) روى هذا الحديث أبو داود (٣٠١٥)، وحسنه الشيخ الألباني ﵀، ولكن ضعفه في موضع آخر برقم (٢٧٣٦)، قال أبو داود: وأرى الوهم في حديث مُجَمِّع أنه قال: ثلاث مئة فارس، وكانوا مئتي فارس.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١٩٦)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، ومسلم (١٨٠٢)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة خيبر، من حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ -.
(٣) إسناده قوي: أخرجه أحمد ٢/ ٣٤٥، ٣٤٦، وقال شعيب الأرنؤوط: وإسناده قوي.
[ ٣٦٣ ]
وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠)﴾ [الفتح: ١٨ - ٢٠].
فأراد المنافقون الذين تخلفوا عن رسول الله -ﷺ - في الحديبية أن يخرجوا معه إلى خيبر، لما علموا ما بها من مغانم وأموال كثيرة، فمنعهم النبي - ﷺ - من الخروج، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ﴾ عن الحديبية ﴿إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾ أي: إلى خيبر، ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ أي: يريدون أن يبدلوا كلام الله لما ووعده بأن المغانم ستكون لمن شهد الحديبية وبايع تحت الشجرة -كما تقدم في الآيات- ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قال بأن المغانم ستكون لأهل الحديبية، ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ أي: أن نشرككم في المغانم، ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥)﴾ [الفتح:١٥] أي: ليس الأمر كما زعموا، ولكن لا فهم لهم (١).
ومضى جيش المسلمين حتى نزل بالرجيع.
عن مَرْوان بن الحكم، والمسوَر بن مخرمة قالا: انصرف رسول الله -ﷺ - عام الحديبية، فنزلت عليه سورة الفتح بين مكة والمدينة، فقدم المدينة في ذي الحجة، فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم، فنزل بالرجيع- واد بين خيبر وغطفان- فتخوف أن تُمدَّهم غطفان، فبات حتى أصبح، فغدا إليهم (٢).
وَكَانَ النبي - ﷺ - إِذَا أَتَى قَوْمًا بِلَيلٍ لَم يُغِرْ بِهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ (٣).
_________________
(١) انظر: "مختصر تفسير ابن كثير" ٣/ ٢٩٦. الشيخ /أحمد شاكر.
(٢) إسناده حسن: أخرجه البيهقي في "الدلائل" ٤/ ١٩٦، ١٩٧، وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيق "زاد المعاد": رجاله ثقات.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١٩٧)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، ومسلم (١٣٦٥)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة خيبر، واللفظ للبخاري.
[ ٣٦٤ ]
فصلى النبي - ﷺ - الصبح قريبًا من خيبر بغلس (١).
يقول أَنَسُ بن مَالِك - ﵁ -: فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ النَبِيُّ - ﷺ -، وَرَكِبَ أبو طَلْحَةَ، وَأَنَا رَدِيفُ أبي طَلْحَةَ، فَأَجْرَى نَبِي الله - ﷺ - في زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ الله - ﷺ -، وانحَسَرَ الْإِزَارُ عَنْ فَخِذِ نبي الله، وإِنِّي لأرى بَيَاضَ فَخِذِ نَبِيِّ الله - ﷺ -.
يقول أنس: فأتيناهم حين بزغت الشمس، وقد أخرجوا مواشيهم وخرجوا بفئوسهم، ومكاتلهم (٢)، ومرورهم (٣)، فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ (٤)، فقال رسول الله - ﷺ -: "الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنْذَرين" قالها ثلاث مرات (٥).
فلما رأى أهل خيبر جيش المسلمين هربوا إلى حصونهم، فتحصنوا بها.
وصدق الله إذ يقول: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر: ١٤].
وكانت خيبر منقسمة إلى شطرين، شطر فيها خمسة حصون:
١ - حصن ناعم.
٢ - حصن الصعب بن معاذ.
_________________
(١) الغلس: اختلاط ظلمة الليل بضوء النهار.
(٢) المكاتل: جمع مِكتل- بكسر الميم -وهو القُفة.
(٣) المرور: جمع مَرّ -بفتح الميم- وهي المساحي.
(٤) الخميس: هو الجيش، وسمي خميسًا، لأنه خمسة أقسام ميمنة وميسرة ومقدمة ومؤخرة وقلب.
(٥) متفق عليه: انظر التخريج السابق.
[ ٣٦٥ ]
٣ - حصن قلعة الزبير.
٤ - حصن أُبيٍّ.
٥ - حصن نزار.
والحصون الثلاثة الأولى منها تقع في منطقة يقال لها: (النطاة) وأما الحصنان الآخران فيقعان في منطقة تسمى بالشَّق.
أما الشطر الثاني، ويعرف بالكتيبة، ففيه ثلاثة حصون فقط:
١ - حصن القَموص (وكان حصن بني أبي الحقيق من بني النضير).
٢ - حصن الوَطيح.
٣ - حصن السُّلالم.
وفي خيبر حصون وقلاع غير هذه الثمانية، إلا أنها كانت صغيرة لا تبلغ إلى درجة هذه القلاع في مناعتها وقوتها (١).
فحاصرهم النبي - ﷺ -، فكان أول الحصون افتتح حسن ناعم، وعنده قُتل محمود بن مسلمة، أُلْقيت عليه منه رحى فقتلته (٢).
وكان النبي - ﷺ - قد أعطى اللِّوَاءَ أَبا بَكْر الصديق - ﵁ -، فَانْصَرَفَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْ الْغَدِ، فَخَرَجَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ، وَأَصَابَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ شِدَّةٌ وَجَهْدٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "إِنِّي دَافِعٌ اللِّوَاءَ غَدًا إلى رَجُلٍ يُحِبُّهُ الله وَرَسُولُهُ وَيُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ لَا يَرْجِعُ حَتَّى يُفْتَحَ لَهُ"، فَبِات الصحابة وأنفسهم طَيِّبَةٌ أَنَّ الْفَتْحَ غَدًا،
_________________
(١) "الرحيق المختوم" (٣١٨، ٣١٩)، وقد ذكر هذه الحصون ابن إسحاق، والواقدي. انظر: "سيرة ابن هشام"، "الطبقات الكبرى" غزوة خيبر.
(٢) "تهذيب سيرة ابن هشام" (١٨٤).
[ ٣٦٦ ]
فَلَمَّا أَنْ أَصبَحَ رَسُولُ الله - ﷺ - صَلَّى الْغَدَاةَ، ثُمَّ قَامَ قَائِمًا فَدَعَا بِاللِّوَاءِ وَالنَّاسُ عَلَى مَصَافِّهِمْ، فَدَعَا عَلِيًّا وَهُوَ أَرْمَدُ (١)، فَتَفَلَ في عَيْنَيْهِ وَدَفَعَ إِلَيْهِ اللِّوَاءَ وَفُتِحَ لَهُ (٢).
وكَانَ عَلِيُّ بن أبي طَالِبٍ - ﵁ - قد تَخَلَّفَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - في خَيْبَرَ لمرض عينه، فَقَالَ: أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -؟ فَلَحِقَ بِهِ (٣).
وعن سَهْل بن سَعْد - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: "لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ الله عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ الله وَرَسُولُهُ"، قَالَ: فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُم أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: "أَيْنَ عَلِيُّ بن أبي طَالِبٍ؟ "، فَقِيلَ: هُوَ يَا رَسُولَ الله يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، قَالَ: "فَأَرْسَلُوا إِلَيهِ"، فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَقَ رَسُولُ الله - ﷺ - في عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ عَلِيُّ: يَا رَسُولَ الله أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: "انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْاِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيهِمْ مِنْ حَقِّ الله فِيهِ، فَوَاللهِ لَأَنْ يَهْدِيَ الله بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ" (٤).
_________________
(١) الرمد: مرض العين.
(٢) صحيح: أخرجه أحمد (٢٢٨٨٩)، الحاكم ٣/ ٣٧، الهيثمي في "الزوائد" ٦/ ١٥٠، صححه الحاكم، ووافقه الذهبي والهيثمي. وذكر الواقدي في مغازيه ٢/ ٦٥٧ أن حصن ناعم فتح بعد عشرة أيام، ولكن هذه الرواية تبين أنه فتح بعد ثلاثة أيام فقط.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٢٠٩)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، ومسلم (١٨٠٧)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة ذي قرد. من حديث سلمة بن الأكوع، واللفظ للبخاري.
(٤) متفق عليه أخرجه البخاري (٤٢١٠)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، ومسلم (٢٤٠٦)، كتاب: "فضائل الصحابة" باب: فضائل علي - ﵁ -. وحُمْر النعم: هي الإبل الحمر، وهي أنفس أموال العرب، يضربون بها المثل في نفاسة الشيء.
[ ٣٦٧ ]
وعن سلمة بن الأكوع - ﵁ - قال: خَرَجْنَا إلى خَيبَرَ مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ -، فَجَعَلَ عَمِّي عَامِرٌ يَرْتَجِزُ بِالْقَوْمِ:
تَاللهِ لَوْلَا الله مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا فَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "مَنْ هَذَا؟ "، قَالَ: أَنَا عَامِرٌ، قَالَ: "غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ"، قَالَ: وَمَا اسْتَغْفَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - لِإِنْسَانٍ يَخُصُّهُ إِلَّا اسْتُشْهِدَ، قَالَ: فَنَادَى عُمَرُ بن الْخَطَّابِ وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ يَا نَبِي الله لَوْلَا مَا مَتَّعْتَنَا بِعَامِرٍ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ قَالَ خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَبٌ يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ، وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَت تَلَهَّبُ
قَالَ: وَبَرَزَ لَهُ عَمِّي عَامِرٌ، فَقَالَ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرٌ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرٌ
قَالَ: فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ في تُرْسِ عَامِرٍ، وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ (١)، فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ، فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ (٢).
قَالَ سَلَمَةُ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَقُولُونَ: بَطَلَ عَمَلُ
_________________
(١) يسفل له: أي يضربه من أسفل.
(٢) أي: قُتل.
[ ٣٦٨ ]
عَامِرٍ قَتَلَ نَفْسَهُ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِي - ﷺ - وَأَنَا أَبْكِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ؟ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "مَنْ قَالَ ذَلِكَ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ، قَالَ: "كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ"، ثُمَّ أَرْسَلَنِي إلى عَلِيٍّ وَهُوَ أَرْمَدُ، فَقَالَ: "لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ أَوْ يُحِبُّهُ الله وَرَسُولُهُ"، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ وَهُوَ أَرْمَدُ، حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ الله - ﷺ -، فَبَسَقَ في عَينَيهِ فَبَرَأَ، وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، وَخَرَجَ مَرْحَبٌ، فَقَالَ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
فَقَالَ عَلِيٌّ:
أَنَا الذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ كَلَيثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ
أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ
قَالَ: فَضَرَبَ رَأْسَ مَرْحَبٍ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ كَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ (١)
وهكذا تم فتح حصن ناعم.
وكانت غطفان قد سمعت بمنزل رسول الله - ﷺ - بخيبر، فجمعوا له، ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه، حتى إذا ساروا منقلة (٢) سمعوا خلفهم في أموالهم حِسّا، ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أهلهم وأموالهم وخلوا بين رسول الله - ﷺ - وبين خيبر (٣).
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (١٨٠٧)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة ذي قرد.
(٢) منقلة: أي مرحلة.
(٣) "تهذيب سيرة ابن هشام" (١٨٤).
[ ٣٦٩ ]
وفتح النبي - ﷺ - حصن القموص، حصن بني أبي الحقيق، وأصاب رسول الله - ﷺ - منهم سبايا، منهن صفية بنت حُييِّ بن أخطب، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق، وبنتي عم لها، فاصطفى رسول الله -ﷺ - صفية لنفسه (١).
ثم فتح رسول الله - ﷺ - حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعامًا وودكًا منه (٢).
ولما افتتح رسول الله -ﷺ - من حصونهم ما افتتح، وحاز من الأموال ما حاز، انتهوا إلى حصنيهم الوطيح والسُّلالم، وكان آخر حصون أهل خيبر افتتاحًا (٣).
تصالح النبي - ﷺ - مع أهل خيبر:
عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيبَرَ أَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، وَكَانَتْ الْأَرْضُ حِينَ ظُهِرَ عَلَيْهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، فَأَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، فَسَأَلَتْ الْيَهُودُ رَسُولَ الله - ﷺ - أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا، وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله - ﷺ -: "نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا" (٤).
فكان الصلح مع يهود خيبر مشروطًا بإخراجهم إذا شاء المسلمون ذلك.
ولذلك أخرجهم عُمَرُ - ﵁ - في إمارته وقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -
_________________
(١) "سيرة ابن هشام" ٣/ ١٩٥.
(٢) "سيرة ابن هشام" ٣/ ١٩٦، والودك: اللحم السمين.
(٣) السابق.
(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٣١٥٢)، كتاب: فرض الخمس، باب: ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه، ومسلم (١٥٥١)، كتاب: المساقاة، باب: المساقاة والمعاملة بجزء من التمر والزرع.
[ ٣٧٠ ]
كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَنَّا نُخْرِجُهُمْ إِذَا شِئْنَا، ومَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَلْيَلْحَقْ بِهِ، وإِنِّي مُخْرِجٌ يَهُودَ، فَأَخْرَجَهُمْ (١).
وكان سبب إخراجهم أنهم اعتدوا على عبد الله بن عمر - ﵁ - عندما ذهب إلى ماله هناك ليلًا، فقَامَ عُمَرُ - ﵁ - خَطِيبًا فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - عَامَلَ أهل خَيبَرَ عَلَى أمْوَالِهِمْ، وَقَالَ: نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ الله وَإِنَّ عبد الله بن عُمَرَ خَرَجَ إلى مَالِهِ هُنَاكَ فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنْ اللَّيْلِ فَفُدِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ (٢)، وَلَيْسَ لَنَا هُنَاكَ عَدُوٌّ غَيْرَهُمْ، هُمْ عَدُوُّنَا وَتُهْمَتُنَا، وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ، فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ أَتَاهُ أَحَدُ بني أبي الْحُقَيْقِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتُخْرِجُنَا وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ - ﷺ - وَعَامَلَنَا عَلَى الْأَمْوَالِ وَشَرَطَ ذَلِكَ لَنَا؟ فَقَالَ عُمَرُ: أَظَنَنْتَ أَنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ الله - ﷺ -: "كَيفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيبَرَ تَعْدُو بِكَ قَلُوصُكَ لَيلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ" (٣)، فَقَالَ: كَانَتْ هَذِهِ هُزَيْلَةً مِنْ أبي الْقَاسِمِ (٤)، فقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ الله، فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ، وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ الثَّمَرِ مَالًا وَإِبِلًا وَعُرُوضًا مِنْ أَقْتَابٍ وَحِبَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ (٥).
وكان النبي - ﷺ - قد صالح أهل خيبر على أَنْ لَا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيِّبُوا شَيئًا، فَإِنْ
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٠٠٧)، كتاب: الخراج والإمارة والفيء، باب: ما جاء في حكم أرض خيبر، وقال الألباني في "صحيح سنن أبي داود": حسن صحيح.
(٢) الفدع: هو زوال المفصل. وأخرج البخاري حديثًا معلقًا: أنهم ألقوه من فوق بيت ففدعوا يديه.
(٣) القلوص -بفتح القاف-: الناقة الصابرة على السير، وقيل: الشابة، وفي ذلك إشارة من النبي - ﷺ - إلى إخراجهم من خيبر وكان ذلك من إخباره بالغيبيات قبل وقوعها.
(٤) هزيلة: تصغير هزل، وهو ضد الجد.
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٢٧٣٠)، كتاب: الشروط، باب: إذا اشترط في المزارعة إذا شئت أخرجتك.
[ ٣٧١ ]
فَعَلُوا فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ وَلَا عَهْدَ، فَغَيَّبُوا مَسْكًا لِحُيَيِّ بن أَخْطَبَ، وَقَدْ كَانَ قُتِلَ قَبْلَ خَيْبَرَ، كَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ يَوْمَ بني النَّضِيرِ حِينَ أُجْلِيَتْ النَّضِيرُ، فِيهِ حُلِيُّهُمْ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِسَعْيَةَ (١): "أَيْنَ مَسْكُ حُيَيِّ بن أَخْطَبَ؟ "، قَالَ: أَذْهَبَتْهُ الْحُرُوبُ وَالنَّفَقَاتُ، فَوَجَدُوا الْمَسْكَ، فَقَتَلَ رسول الله -ﷺ - ابْنَ أبي الْحُقَيقِ وَسَبَى نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ (٢).
تقسيم النبي - ﷺ - غنائم خيبر:
لَمَّا أَفَاءَ الله عَلَى رسوله - ﷺ - خَيْبَرَ قَسَمَهَا عَلَى ثلاثة آلاف وستمائة سَهْمًا، فكان لرسول الله - ﷺ - وللمسلمين النصف من ذلك، وهو ألف وثمانمائة سهم، لرسول الله -ﷺ - سهم كسهم أحد المسلمين، وهو ما غنمه المسلمون من منطقتي الشِّقَّ وَالنَّطَاةَ وَمَا أُحِيزَ مَعَهُمَا، وَعَزَلَ رسول الله -ﷺ - النِّصْفَ الْآخَرَ، وهو ألف وثمانمائة سهم لِنَوَائِبِهِ وما ينزل من أمور الْمُسْلِمِينَ، وجعل النبي - ﷺ - لهذا القسم ما حازه المسلمون من حصون: الْوَطِيحَ، وَالْكُتَيْبَةَ، والسُّلالم وتوابعها (٣).
قال البيهقي ﵀:
وهذا لأن خيبر فُتح شطرها عَنْوة (٤)، وشطرها صلحًا، فقسم ما فُتح عنوة
_________________
(١) عم حيي بن أخطب.
(٢) حسن: أخرجه أبو داود (٣٠٠٦)، كتاب: الخراج والإمارة والفيء، باب: ما جاء في حكم أهل خيبر، وحسنه الألباني.
(٣) ورد هذا التقسيم في عدة أحاديث- صحيحة، صححها العلامة محمَّد ناصر الدين الألباني، أخرجها أبو داود في سننه، انظر: "سنن أبي داود"، كتاب: الخراج والإمارة والفيء، باب: ما جاء في حكم أرض خيبر.
(٤) عَنوة: أي قهرًا.
[ ٣٧٢ ]
بين أهل الخمس والغانمين، وعزل ما فتُح صلحًا لنوائبه وما يحتاج إليه من أمور المسلمين. اهـ (١).
قال ابن القيم ﵀:
فالصواب الذي لا شك فيه: أنها فتحت عَنوة، والإمام مُخيَّر في أرض العنوة بين قَسْمها ووقفها، أو قَسْم بعضها ووقف البعض، وقد فعل رسول الله -ﷺ - الأنواع الثلاثة، فقسم قريظة والنضير، ولم يقسم مكة، وقسم شطر خيبر، وترك شطرها، وقد تقدم تقرير كون مكة فتحت عنوة بما لا مدفع له. اهـ (٢).
قلت: والأدلة ترجح كلام بن القيم ﵀ من أنها فتحت عَنوة، وذلك لما رواه أبو داود (٣٠٠٩) عن أنس - ﵁ - أن رسول الله -ﷺ - غزا خيبر، فأصبناها عَنوة، وصححه الألباني وقد وردت أحاديث تفيد بأن بعضها فُتح عنوة وبعضها فتح صلحًا (٣)، وهي ضعيفة، ضعفها الشيخ الألباني ﵀، فأعطى النبي - ﷺ - للفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه، وللراجل (٤) سهمًا واحدًا (٥).
وقد أسهم النبي - ﷺ - لأهل السفينة من مهاجرة الحبشة الذين حضروا بعد الفتح، جعفر بن أبي طالب وأصحابه، ولم يقسم لأحد لم يشهد الغزوة غيرهم (٦).
_________________
(١) "زاد المعاد" ٣/ ٢٩١.
(٢) "زاد المعاد" ٣/ ٢٩٢.
(٣) انظر: "سنن أبي داود" (٣٠١٧).
(٤) الراجل: الذي يقاتل على رجله بلا فرس.
(٥) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٢٢٨)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، ومسلم (١٧٦٢)، كتاب: الجهاد والسير، باب: كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين.
(٦) متفق عليه: وسيأتي تخريجه، وذكر ابن إسحاق أنه أسهم لجابر بن عبد الله ولم يشهد الغزوة، وليس له إسناد.
[ ٣٧٣ ]
وأعطى النبي - ﷺ - بني هاشم وبني المطلب من سهم ذي القربى، ولم يقسم لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل من ذلك السهم (١).
عن جُبَيرِ بن مُطْعِمٍ - ﵁ - قَالَ: فلَمَّا كَاد يَوْمُ خَيْبَرَ وَضَعَ رَسُولُ الله - ﷺ - سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى في بني هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَتَرَكَ بني نَوْفَلٍ وَبَنِي عبد شَمْسٍ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بن عَفَّانَ حَتَّى أَتَيْنَا النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله هَؤُلَاءِ بنو هَاشِمٍ لَا نُنْكِرُ فَضلَهُمْ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَكَ الله بِهِ مِنْهُمْ، فَمَا بَالُ إِخْوَانِنَا بني الْمُطَّلِبِ أَعْطَيْتَهُمْ وَتَرَكْتَنَا وَقَرَابَتُنَا وَاحِدَةٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "إِنَّا وَبَنُو الْمُطَّلِبِ لَا نَفْتَرِقُ في جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيءٌ وَاحِدٌ"، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ - ﷺ - (٢).
قال ابن كثير ﵀:
وأما سهم ذوي القربى فإنه يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب، لأن بني المطلب وازروا بني هاشم في الجاهلية وفي أول الإِسلام، ودخلوا معهم في الشعب غضبًا لرسول الله - ﷺ - وحماية له: مسلمهم طاعة لله ولرسوله، وكافرهم حَميَّةً للعشيرة وأنفة وطاعة لأبي طالب عم رسول الله، وأما بنو عبد شمس
_________________
(١) تُقَسَّم غنيمة المسلمين إلى خمسة أخماس: أربعة منها توزع على المقاتلين، وخمس لله ورسوله ويقسم خمسة أسهم، توزع على من ذكرهم الله في هذه الآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١].
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٣١٤٠)، كتاب: فرض الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس للإمام وأنه يعطي بعض قرابته دون بعض، ما قسم النبي - ﷺ - بني المطلب وبني هاشم من خُمس خيبر، وأبو داود (٢٩٨٠)، كتاب: الخراج والإمارة والفيء، باب: في بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى، واللفظ له.
[ ٣٧٤ ]
وبنو نوفل- وإن كانوا أبناء عمهم- فلم يوافقوهم على ذلك، بل حاربوهم ونابذوهم، ومالؤوا بطون قريش على حرب الرسول (١).
وقد أعطى النبي - ﷺ - عبدًا يقال له عميرًا من الغنيمة ولم يُسهم له (٢). يقول عُمَيْرٌ مَوْلَى آبي اللَّحْمِ (٣): شَهِدْتُ خَيْبَرَ مَعَ سَادَتِي، فَكَلَّمُوا فِيَّ رَسُولَ الله - ﷺ - (٤)، فَأَمَرَ بِي، فَقُلِّدْتُ سَيْفًا، فَإِذَا أَنَا أَجُرُّهُ (٥)، فَأُخْبِرَ أَنِّي مَمْلُوكٌ، فَأَمَرَ لِي بِشَيءٍ مِنْ خُرْثِيِّ (٦) الْمَتَاعِ (٧).
ويروي أبو هُرَيْرَةَ قصة له مع أبان بن سَعِيدِ بن الْعَاصِ فيقول - ﵁ -: بَعَثَ رسول الله - ﷺ - أَبَانَ بن سَعِيدِ بن الْعَاصِ عَلَى سَرِيَّةٍ مِنْ الْمَدِينَةِ قِبَلَ نَجْدٍ، فَقَدِمَ أَبَانُ بن سَعِيدٍ وَأَصْحَابُهُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - بِخَيْبَرَ بَعْدَ أَنْ فَتَحَهَا، وإِنَّ حُزُمَ (٨) خَيْلِهِمْ لِيفٌ، فَقَالَ أَبَانُ: اقْسِم لَنَا يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ أبو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ لَا تَقْسِمْ لَهُمْ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ أَبَانُ: أنْتَ بِهَا يَا وَبْرُ تَحَدَّرُ عَلَئنَا مِنْ رَأسِ ضَالٍ (٩)! فَقَالَ
_________________
(١) "مختصر تفسير ابن كثير" ٢/ ١١٢.
(٢) لم يُسْهم له: أي لم يعطه سهمًا معلومًا كبقية الجيش، وإنما أعطاه شيئًا من الغنيمة ترضية له، وهذا هو حكم العبد المملوك في الشريعة الإِسلامية أنه إذا قاتل مع المسلمين لا يسهم له كبقية الجنود، وإنما يعطى من الغنيمة ما يراه الأمير.
(٣) قال وكيع: كان لا يأكل اللحم. اهـ. فلذلك سمي آبي اللحم.
(٤) أي: في شأني وحقي بما هو مدح لي. "عون المعبود" ٥/ ١٧٠.
(٥) فإذا أنا أجُرُّه: أي أسحب السيف على الأرض من صغر سنين. "عون المعبود" ٥/ ١٧٠.
(٦) خُرثَى المتاع: أي أثاث البيت كالقدر وغيره. "عون المعبود" ٥/ ١٧٠.
(٧) صحيح: أخرجه أبو داود (٢٧٣٠)، كتاب: الجهاد، باب: في المرأة والعبد يُحذيان من الغنيمة، الترمذي (١٥٥٧)، كتاب: السير، باب: هل يُسهم للعبد؟، أحمد (٢٧٩١٤)، وصححه الألباني "صحيح سنن أبي داود" (٢٤٤٠).
(٨) حُزُم: جمع حزام، وهو ما يُشَدُّ به الوسط.
(٩) فقال أبان: أنت بها، أي: أنت تقول بهذا، يا وَبْرُ. عن أبي حاتم أن العرب يُسمى كل =
[ ٣٧٥ ]
النَّبِيُّ - ﷺ -: "اجْلِسْ يَا أَبَانُ"، وَلَمْ يَقْسِمْ لَهُمْ رَسُولُ الله - ﷺ - (١).
وكانت ثمار خيبر كثيرة جدًا، حتى إن عبد الله بن رواحة - ﵁ - قدرها بأربعين ألف وَسْق.
تقدم أن النبي - ﷺ - صالح أَهْلَ خَيبَرَ على نِصْفَ ما يخرج من ثمارها، فَلَمَّا كَانَ حِينَ يُصْرَمُ النَّخْلُ (٢)، بَعَثَ إِلَيْهِم النبي - ﷺ - عبد الله بن رَوَاحَةَ فَحَزَرَ عَلَيهِمْ النَّخْلَ (٣)، فَقَالَ: في ذِهْ كَذَا وَكَذَا، فقَالُوا: أَكْثَرْتَ عَلَيْنَا يَا ابْنَ رَوَاحَةَ، فَقَالَ ابن رواحة: فَأَنَا أَلِي حَزْرَ النَّخْلِ وَأُعْطِيكُمْ نِصْفَ الَّذِي قُلْتُ (٤)، قَالُوا: هَذَا الْحَقُّ وَبِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، قَدْ رَضِينَا أَنْ نَأْخُذَهُ بِالَّذِي قُلْتَ (٥).
فلما قال لهم ابْنُ رَوَاحَةَ ذلك أَخَذُوا الثَّمَرَ وَعَلَيْهِمْ عِشْرُونَ أَلْفَ وَسْقٍ (٦).
ولكثرة ثمار خيبر، وما أخذه المسلمون منها، كان في ذلك توسعة على
_________________
(١) = دابة من حشرات الجبال وَبْرًا، وقيل هي دابة صغيرة كالهرة وحشية، تَحدَّر علينا: أي تهجم علينا بغتة، من رأس ضال: قال ابن دقيق العيد: الضال هو السدر البري. اهـ والمعنى تنزل علينا من رأس شجر السدر.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٣٨)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، وأبو داود (٢٧٢٣)، كتاب: الجهاد، باب: في من جاء بعد الغنيمة لا سهم له، واللفظ له.
(٣) يصرم النخل: أي يقطع.
(٤) الحزر: التقدير.
(٥) المعنى: أنهم لما قالوا له: أكثرت علينا، واتهموه بالظلم وأن الثمار أقل من ذلك، فلو أعطوه عشرين ألف وَسْق وهو نصف ما قدَّره ابن رواحة سيتبقى لهم أقل من ذلك، فقال لهم ابن رواحة إذن أعطيكم أنا عشرين ألف وسق وآخذ ما تبقى.
(٦) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٤١٠)، كتاب: البيوع، باب: في المساقاة، ابن ماجه (١٨٢٠)، كتاب: الزكاة، باب: خرص النخل والعنب، وصححه الألباني.
(٧) صحيح: أخرجه أبو داود (٣٤١٥)، كتاب: البيوع، باب: في الخرص، وصححه الألباني.
[ ٣٧٦ ]
المسلمين وإغناءً لهم، حتى إن عبد الله بن عُمَرَ - ﵄ - يقول: مَا شَبِعْنَا حَتَّى فَتَحْنَا خَيْبَرَ (١).
وقالت عَائِشَةَ - ﵂ -: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ، قُلْنَا: الآنَ نَشْبَعُ مِنْ التَّمْرِ (٢).
ولما وسع الله على المهاجرين وأخذوا من غنائم خيبر، رَدَّ الْمُهَاجِرُونَ إلى الْأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمْ الَّتِي كَانُوا مَنَحُوهُمْ إياها حين هاجروا من مكة، حتى إن النَّبِيَّ - ﷺ - قد ردَّ عِذَاقًا (٣) على أم سليم كانت قد أعطتهم للنبي - ﷺ -، وكان النبي - ﷺ - أَعْطَاها لأُمِّ أَيْمَنَ، فرد على أم سُليم عِذاقها، وأعطنى أم أيمن مَكَانَهُنَّ مِنْ حَائِطِهِ (٤).
النبي - ﷺ - يؤمِّر أحد الأنصار على خيبر:
عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأبي هُرَيْرَةَ - ﵄ - أَن النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ أَخَا بني عَدِيٍّ مِنْ الْأَنْصَارِ إلى خَيْبَرَ فَأَمَّرَهُ عَلَيْهَا (٥).
وعنهما أيضًا أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيبَرَ فَجَاءَهُ بتَمْرٍ جَنِيب (٦)، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "أَكُلُّ تَمْرِ خَيبَرَ هَكَذَا؟ "، فَقَالَ: لَا وَاللهَ يَا رَسُول الله إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، والصاعين بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ: "لَا
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٤٣)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٤٢)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر.
(٣) العذاق: جمع عذق، وهو عرجون النخل.
(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٢٦٣٠)، كتاب: الهبة، باب: فضل المنيحة، ومسلم (١٧٧١)، كتاب: الجهاد والسير، باب: رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم من الشجر والتمر حين استغنوا عنها بالفتوح.
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٤٦، ٤٢٤٧)، كتاب: المغازي، باب: استعمال النبي - ﷺ - على أهل خيبر.
(٦) قال ابن حجر: بتمر جنيب: قال مالك: هو الكبيس، وقال الطحاوي: هو الطيب، وقيل: هو الصلب، وقيل: الذي أُخرج من حشفة ورديئه، وقال غيرهم: هو الذي لا يخلط بغيره. اهـ "فتح الباري" ٤/ ٤٦٧.
[ ٣٧٧ ]
تَفْعَلْ بعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا" (١).
وهذا الرجل- الذي أمره رسول الله -ﷺ - على خيبر- هو سواد بن غزية (٢).
وعَنْ أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا غزَا رَسُولُ الله - ﷺ - خَيْبَرَ أَوْ قَالَ: لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ الله - ﷺ - أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ الله أَكْبَرُ، الله أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُم، إِنكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ"، وَأَنَا خَلْفَ دَابَّةِ رَسُولِ الله - ﷺ - فَسَمِعَنِي وَأَنَا أَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَقَالَ لِي: "يَا عبد الله بن قَيسٍ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله قَالَ: "أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ "، قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ الله فَدَاكَ أبي وَأُمِّي، قَالَ: "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ" (٣).
وفي غزوة خيبر أُصيب سلمة بن الأكوع - ﵁ - في ساقه، فَنَفَثَ فِيهِا النبي - ﷺ - ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ، يقول سلمة: فَمَا اشْتَكَيتُهَا حَتَّى السَّاعَة (٤).
وفي خيبر أيضًا نَهَى النبي - ﷺ - عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ (٥)، ونَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ أيضًا عَنْ أَكْلِ الثُّومِ (٦).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٤٤، ٤٢٤٥)، كتاب: المغازي، باب: استعمال النبي - ﷺ - على أهل خيبر.
(٢) "فتح الباري" من رواية أبي عوانة والدارقطني.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٢٠٥)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، ومسلم (٢٧٠٤)، كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر.
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٠٦)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر.
(٥) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٢١٦)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، ومسلم (١٤٠٧)، كتاب: النكاح، باب: نكاح المتعة.
(٦) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٢١٥)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، ومسلم =
[ ٣٧٨ ]
وعن سُوَيْدِ بن النُّعْمَانِ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ وَهِيَ أَدْنَى خَيْبَرَ، فَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ دَعَا بِالْأَزْوَادِ (١)، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّيَ (٢)، فَأَكَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَأَكَلْنَا، ثُمَّ قَامَ إلى الْمَغْرِب فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا، ثُمَّ صلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (٣).
- وعن عبد الله بن مغفل - ﵁ - قال: رُميَ إلينا جراب فيه طعام وشحم (٤) يوم خيبر، فوثبت لآخذه، فالتفتُّ فإذا رسول الله - ﷺ -، فاستحييت منه.
وفي رواية: فَقُلْتُ: لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا، فَإِذَا رَسُولُ الله - ﷺ - مُتَبَسِّمًا (٥).
٤ - وفي غزوة خيبر: حُرِّمت لحوم الحُمُر الأهلية.
الشرح:
وفي غزوة خيبر نهى النبي عن لحوم الحمر الأهلية (٦).
عَنْ سَلَمَةَ بن الْأَكْوَعِ - ﵁ - قَالَ: فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ مَسَاءَ الْيَوْمِ الَّذِي فُتِحَتْ
_________________
(١) = (٥٦١)، كتاب: المساجد، باب: نهى من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو نحوها مما له من رائحة كريهة عن حضور المسجد حتى تذهب تلك الريح وإخراجه من المسجد. النهي عن أكل الثوم للكراهة لا للتحريم، وعلل النبي - ﷺ - هذا بأن ريحها يؤذي الناس كما يؤذي الملائكة أيضًا.
(٢) الأزواد: جمع زاد، وهو الطعام.
(٣) ثرى: أي بُل بالماء، لما لحقه من يبس.
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٢٠٩)، كتاب: الوضوء، باب: من مضمض من السويق ولم يتوضأ.
(٥) الشحم: الدهن.
(٦) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٢١٤)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، ومسلم (١٧٧٢)، كتاب: الجهاد والسير، باب: أخذ الطعام من أرض العدو.
(٧) الحمر الأهلية، ويقال الإنسية: هي الحمر المستأنسة التي تعيش في البيوت، وهي غير الحمر الوحشية.
[ ٣٧٩ ]
عَلَيْهِمْ أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "مَا هَذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أَيِّ شَيءٍ تُوقِدُونَ؟ "، قَالُوا: عَلَى لَحْمٍ، قَالَ:"عَلَى أَيِّ لَحْمٍ؟ "، قَالُوا: لَحْمِ حُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "أَهْرِيقُوهَا وَاكْسِرُوهَا"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله أَوْ نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ: "أَوْ ذَاكَ" (١).
وعَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - جَاءَهُ جَاءٍ، فَقَالَ: أُكِلَتْ الْحُمُرُ، فَسَكَتَ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: أُكِلَت الْحُمُرُ، فَسَكَتَ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: أُفْنِيَتْ الْحُمُرُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى في النَّاسِ: إِنَّ الله وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُم عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَأُكْفِئَتْ الْقُدُورُ، وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِاللَّحْمِ (٢).
٥ - وفي غزوة خيبر: قدم على رسول الله - ﷺ - جعفر بن أبي طالب، ومن معه من مهاجري الحبشة، ومعهم أبو موسى، ومن معه من الأشعريين.
الشرح:
عَنْ أبي مُوسَى الأشعري - ﵁ - قَالَ: بَلَغَنَا مَخْرَجُ النبي - ﷺ - وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ (٣)، فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغَرُهُمَا أَحَدُهُمَا أبو بُرْدَةَ وَالْآخَرُ أبو رُهْمٍ، إِمَّا قَالَ: بِضْعًا، وَإِمَّا قَالَ: ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ أَوْ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي، فَرَكِبْنَا سَفِينَةً، فَألْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إلى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ، فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بن أبي طَالِبٍ، فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا، فَوَافَقْنَا النبي - ﷺ - حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ (٤).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١٩٦)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، ومسلم (١٨٠٢)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة خيبر.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١٩٩)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، ومسلم (١٩٤٠)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: تحريم أكل لحم الحمر الإنسية.
(٣) أي: بلغنا مبعثه، وكان النبي - ﷺ - حينها بمكة.
(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٢٣٠)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، ومسلم (٢٥٠٢)، كتاب: "فضائل الصحابة" باب: من فضائل جعفر بن أبي طالب.
[ ٣٨٠ ]
وعَنْ أبي مُوسَى الأشعري - ﵁ - قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بَعْدَ أَنْ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، فَقَسَمَ لَنَا، وَلَمْ يَقْسِمْ لِأَحَدٍ لَمْ يَشْهَدْ الْفَتْحَ غَيْرَنَا (١).
٦ - وفي غزوة خيبر: قدم ابو هريرة على رسول الله - ﷺ - مسلمًا.
الشرح:
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - بِخَيْبَرَ بَعْدَ مَا افْتَتَحُوهَا (٢).
٧ - وفي هذه السنة: تزوج النبي - ﷺ - أم حبيبة - ﵂ -.
الشرح:
كانت أم حبيبة، رملة بنت أبي سفيان أم المؤمنين - ﵂ - تحت عبيد الله بن جحش قبل زواجها من رسول الله - ﷺ - فأسلما ثم هاجرا إلى الحبشة، وهناك تنصَّر عبيد الله بن جحش وارتد عن الإِسلام.
عن أم حبيبة - ﵂ - قالت: رأيت في المنام كأنَّ زوجي عبيد الله بن جحش بأسوأ صورة، ففزعت، فأصبحت فإذا به قد تنصَّر، فأخبرته بالمنام، فلم يحفل به، وأكبَّ على الخمر حتى مات، فأتاني آت في نومي، فقال: يا أم المؤمنين، ففزعت، فما هو إلا أن انقضت عدتي، فما شعرت إلا برسول النجاشي يستأذن، فإذا هي جارية له يقال لها: أبرهة، فقالت: إن الملك يقول لك وكِّلي من يزوجك، فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص بن أمية فوكلته، فأعطيت أبرهة سوارين من فضة فلما كان العشي أمر النجاشيُّ جعفر بن أبي طالب، فحمد الله وأثنى عليه وتشهد، ثم قال: أما بعد، فإن رسول الله - ﷺ - كتب إليَّ أنْ أزوجه أم حبيبة، فأجبتُ وقد أصدقتها عنه أربعمائة دينار، ثم سكب الدنانير،
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٣٣)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٢٨٢٧)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الكافر يقتل المسلم.
[ ٣٨١ ]
فخطب خالد، فقال: قد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله -ﷺ -، وزوجته أم حبيبة، وقبض الدنانير، وعمل لهم النجاشي طعامًا فأكلوا.
قالت أم حبيبة: فلما وصل إليَّ المال أعطيت أبرهة منه خمسين دينارًا، قالت: فردتها عليَّ، وقالت: إن الملك عزم عليَّ بذلك، وردَّت عليَّ ما كنت أعطيتها أولًا، ثم جائتني من الغد بعود وورس وعنبر وزباد كثير، فقدمت به معي على رسول الله - ﷺ - (١).
قال ابن حجر ﵀:
وروى ابن سعد أن ذلك كان سنة سبع، وقيل كان سنة ست، والأول أشهر. اهـ (٢).
٨ - وفي غزوة خيبر: اصطفى رسول الله - ﷺ - صفية بنت حُييٍّ من السَّبْي فأعتقها وتزوجها.
الشرح:
عَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ - ﵁ - في قصة خيبر، قَالَ: فَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً فَجُمِعَ السَّبْيُ فَجَاءَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ - ﵁ - فَقَالَ: يَا نَبِي الله أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ، قَالَ: "اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً"، فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بنتَ حُيَيِّ، فَجَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ: يَا نَبِي الله أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بنتَ حُيَيٍّ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ، قَالَ: "ادْعُوهُ بِهَا"، فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ: "خُذْ جَارِيَةً مِنْ السَّبْي غَيْرَهَا"، قَالَ: فَأَعْتَقَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - وَتَزَوَّجَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ أمُّ سُلَيْمٍ، فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنْ اللَّيْلِ، فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَرُوسًا، فَقَالَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ
_________________
(١) "الطبقات الكبرى" ٨/ ٣٢٧. نقلًا عن "الإصابة".
(٢) "الاصابة" ٤/ ٢٥٠٨، ٢٥٠٩.
[ ٣٨٢ ]
شَيءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ"، وَبَسَطَ نِطَعًا فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَدْ ذَكَرَ السَّوِيقَ، قَالَ: فَحَاسُوا حَيْسًا، فَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ الله - ﷺ - (١).
وعن أنس أيضًا قال: أَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إلى وَلِيمَتِهِ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا إِلَّا أَنْ أَمَرَ بِلَالًا بِالْأَنْطَاعِ فَبُسِطَتْ، فَأَلْقَى عَلَيْهَا التَّمْرَ، وَالْأَقِطَ، وَالسَّمْنَ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، قَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّأَ لَهَا خَلْفَهُ وَمَدَّ الْحِجَابَ (٢).
ويقول أنس - ﵁ -: قَدِمْنَا خَيْبَرَ، فَلَمَّا فَتَحَ الله عَلَيْهِ الْحِصْنَ، ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صفِيَّةَ بنتِ حُيَيِّ بن أَخْطَبَ، وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا، وَكَانَتْ عَرُوسًا، فَاصْطَفَاهَا النَّبِيُّ - ﷺ - لِنَفْسِهِ فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الصَّهْبَاءِ حَلَّتْ، فَبَنَى بِهَا رَسُولُ الله - ﷺ - ثُمَّ صَنَعَ حَيسًا في نِطَعٍ صَغِيرٍ، ثُمَّ قَالَ لِي: "آذنْ مَنْ حَوْلَكَ"، فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَتَهُ عَلَى صَفِيَّةَ، ثُمَّ خَرَجْنَا إلى الْمَدِينَةِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ، فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ، وَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ (٣)، وجَعَلَ النبي - ﷺ - عِتْقَهَا صَدَاقَهَا (٤).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٣٧١)، كتاب: الصلاة، باب: ما يذكر في الفخذ، ومسلم (١٣٦٥)، كتاب: النكاح، باب: فضيلة إعتاقه أمة ثم يتزوجها.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢١٣)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢١١)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر.
(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٢٠٠)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، ومسلم (١٣٦٥)، كتاب: النكاح، باب: فضيلة إعتاقه أمه ثم يتزوجها.
[ ٣٨٣ ]
٩ - وفي هذه السنة: كانت سرية أبان بن سعيد بن العاص قِبَل نجدٍ.
الشرح:
ولم تأت تفاصيل عن تلك السرية، إلا ما جاء ذكره من حديث أبي هريرة الذي سبق ذكره في غزوة خيبر، أنه قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ الله - ﷺ - أَبَانَ بن سعيد بن العاص عَلَى سَرِيَّةٍ مِنْ الْمَدِينَةِ قِبَلَ نَجْدٍ، قَالَ أبو هُرَيْرَةَ - ﵁ -: فَقَدِمَ أَبَانُ وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِخَيْبَرَ بَعْدَ مَا افْتَتَحَهَا، وَإِنَّ حُزْمَ خَيْلِهِمْ لَلِيفٌ، قَالَ أبو هُرَيْرَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله لَا تَقْسِمْ لَهُم الحديث (١).
١٠ - وفي هذه السنة: أهدت يهودية شاةً مصلية مسمومة إلى رسول الله - ﷺ - فأخذ لقمة فأخبرته الشاة بأنها مسمومة.
الشرح:
قامت زينب بنت الحارث زوج سلام بن مشكم اليهودية بإهداء شاة مصلية (٢) مسمومة إلى النبي - ﷺ - وقد سألت: أي عضو أحب إلى رسول الله - ﷺ -؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السُّم، ثم سَّمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله - ﷺ -، تناول الذراع، فلاك منها مُضغة، فلم يُسغْها، ومعه بشر بن البراء بن معرور، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله -ﷺ -، فأما بشر فأساغها (٣)، وأما رسول الله -ﷺ - فلفظها، ثم قال: "إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم" (٤)، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "اجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ
_________________
(١) متفق عليه: وقد سبق تخريجه.
(٢) مصلية: مشوية.
(٣) أساغها: بلعها.
(٤) "سيرة ابن هشام" ٣/ ٢٠٠.
[ ٣٨٤ ]
الْيَهُود"، فَجُمِعُوا لَهُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله - ﷺ -: "إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ؟ "، فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله - ﷺ -: "مَنْ أَبُوكُم؟ "، قَالُوا: أَبُونَا فُلَانٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ"، فَقَالُوا: صدَقْتَ وَبَرِرْتَ، فَقَالَ: "هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ "، فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَاكَ عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ في أَبِينَا، قَالَ لَهُم رَسُولُ الله - ﷺ -: "مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ "، فَقَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَنَا فِيهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله - ﷺ -: "اخْسَئُوا فِيهَا وَاللهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا"، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: "فَهَلْ أَنْتُم صَادِقِيَّ عَنْ شَيءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: "هَلْ جَعَلْتُمْ في هَذِهِ الشَّاةِ سَمًّا؟ "، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: "مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ "، فَقَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَذَّابًا نَسْتَرِيحُ مِنْكَ، وإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَم يَضُرَّكَ (١).
وعَنْ أَنسِ بن مَالِكٍ - ﵁ - أَن النبي - ﷺ - سَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ، فَقَالَ: "مَا كَانَ الله لِيُسَلِّطَكِ عَلَيَّ"، قَالَ أنس: فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا في لَهَوَاتِ (٢) رَسُولِ الله - ﷺ - (٣).
وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَكَلَ مِنْهَا وَأَكَلَ الْقَوْمُ، فَقَالَ رسول الله -ﷺ -: "ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ فَإنَّهَا أَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ" (٤).
فرفض النبي قتلها في أول الأمر -كما تقدم- ثم إن بِشْرَ بن الْبَرَاءِ بن
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٥٧٧٧)، كتاب: الطب، باب: ما يُذكر في سُمِّ النبي - ﷺ -.
(٢) لَهَوَات: جمع لهاة، وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أصل الحنك، كأنه بقي للسم علامة في فم النبي - ﷺ -.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٢٦١٧)، كتاب: الهبة، باب: قبول الهدية من المشركين، ومسلم (٢١٩٠)، كتاب: السلام، باب: السَّم.
(٤) صحيح: أخرجه أبو داود (٤٥١٢)، كتاب: الديات، باب: فيمن سقى رجلًا سمًا أو أطعمه فمات أيقاد منه؟، وصححه الألباني "صحيح السنن".
[ ٣٨٥ ]
مَعْرُورٍ مات عن جرَّاء ما أكل من السم، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ الله - ﷺ - فَقُتِلَتْ به (١).
وكان هذا السم من أسباب مرض النبي - ﷺ - مرض الوفاة.
عن عَائِشَة - ﵂ - قالت: كَانَ رسول الله - ﷺ - يَقُولُ في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: "يَا عَائِشَةُ، مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ" (٢).
١١ - وفي هذه السنة: قدم حاطبُ بن أبي بلعتة من عند المقوقِس وقد أرسل معه للنبي - ﷺ - مارية وأختها سيرين وبغلة وحمارًا وكُسوة، فأسلمت مارية وأختها قَبْل قدومهما على رسول الله - ﷺ -، فأخذ مارية لنفسه، فولدت له إبراهيم، ووهب سيرين لحسان بن ثابت فهي أم ابنه عبد الرحمن، فهو وإبراهيم ابنا خالة.
الشرح:
قال ابن القيم ﵀:
وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس، واسمه جُريج بن ميناء ملك الإسكندرية عظيم القبط، فقال خيرًا، وقارب الأمر ولم يسلم، وأهدى للنبي - ﷺ - مارية وأختها سيرين وقيسرى، فتسرَّى مارية، ووهب سيرين لحسان بن ثابت، وأهدى له جارية أخرى، وألف مثقال ذهبًا، وعشرين توبًا من قباطي مصر، وبغلة شهباء، وهي دُلْدُل، وحمارًا أشهب وهو عُفير، وغلامًا خصيًا يقال له: مابور، وقيل: هو ابن عم مارية، وفرسًا وهو اللزار، وقدحًا من
_________________
(١) صحيح: المصدر السابق رقم (٤٥١١)، وصححه الألباني.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٤٤٢٨)، كتاب: المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ - ووفاته، معلقًا، وأحمد ٦/ ١٨.
[ ٣٨٦ ]
زجاج، وعسلًا (١).
١٢ - ولما انصرف رسول الله - ﷺ - من خيبر بعث مُحيّصة بن مسعود إلى فدك يدعوهم إلى الإسلام، فصالحوا رسول الله - ﷺ - على نصف فدك خالصًا لرسول الله - ﷺ - لأنه لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكان يصرف ما يأتيه منه على أبناء السبيل.
الشرح:
لما فتح الله على المسلمين حصون خيبر، وسمع بهم أهل فدك، قد صنعوا ما صنعوا، بعثوا إلى رسول الله - ﷺ - يسألونه أن يسيرهم، وأن يحقن دماءهم، ويخلوا له الأموال، ففعل وكان فيمن مشى بين رسول الله - ﷺ - وبينهم في ذلك مُحيصة بن مسعود، أخو بني حارثة فلما نزل أهل خيبر على ذلك، سألوا رسول الله - ﷺ - أن يعاملهم في الأموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم، وأَعْمر لها، فصالحهم رسول الله - ﷺ - على النصف، على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم، فصالحه أهل فدك علي ذلك، فكانت خيبر فيئًا بين المسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله - ﷺ -؛ لأنهم لم يُجْلبوا عليها بخيل ولا ركاب (٢).
وعن عُمَر بن الخطاب - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ لِرَسُولِ الله - ﷺ - ثَلَاثُ صَفَايَا: بنو النَّضِيرِ، وَخَيبَرُ، وَفَدَكُ، فَأَمَّا بنو النَّضِيرِ: فَكَانَتْ حُبُسًا لِنَوَائِبِهِ، وَأَمَّا فَدَكُ: فَكَانَتْ حُبُسًا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَأَمَّا خَيْبَرُ: فَجَزَّأَهَا رَسُولُ الله - ﷺ - ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزْأَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَجُزْءًا نَفَقَةً لِأَهْلِهِ، فَمَا فَضُلَ عَنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ جَعَلَهُ بَينَ
_________________
(١) "زاد المعاد" ١/ ١١٨، ابن سعد في "الطبقات" ١/ ٢٦١.
(٢) "سيرة ابن هشام" ٣/ ٢٠٠.
[ ٣٨٧ ]
فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ (١).
١٣ - وفي مُنصرفة من خيبر أيضًا فتح وادي القرى، وغنم أموالها وترك أرضها مع اليهود على شَطر ما يخرج منها كأهل خيبر.
الشرح:
ثم انصرف رسول الله -ﷺ - متوجهًا إلى وادي القرى، التي لم يستسلم أهلها كأهل فدك إنما استقبلوا جيش المسلمين بالرمى، فقتلوا مِدْعَم عبد رسول الله -ﷺ -، وحاصرهم النبي - ﷺ -، حتى فتحها عنوة، وأقام بوادي القرى أربعة أيام، وقسم ما أصاب على أصحابه بوادي القرى، وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود، وعاملهم عليها (٢).
وعن أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قال: افْتَتَحْنَا خَيْبَرَ وَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً، إِنَّمَا غَنِمْنَا الْبَقَرَ وَالْإِبِلَ وَالْمَتَاعَ وَالْحَوَائِطَ (٣)، ثُمَّ انْصَرَفْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - إلى وَادِي الْقُرَى، وَمَعَة عبد لَهُ يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ أَهْدَاهُ لَه أَحَدُ بني الضِّبَابِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ الله - ﷺ - إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ (٤)، حَتَّى أَصَابَ ذَلِكَ الْعَبْدَ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "بَلْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ (٥) الَّتِي أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا"، فَجَاءَ رَجُلٌ
_________________
(١) إسناده حسن: أخرجه أبو داود (٢٩٦٧)، كتاب: الخراج والإمارة والفيء، باب: في صفايا رسول الله - ﷺ - من الأموال، وحسن إسناده الألباني "صحيح سنن أبي داود".
(٢) انظر: انصراف النبي - ﷺ - من خيبر إلى وادي القرى، "سيرة ابن هشام" ٣/ ٢٠٠، "زاد المعاد" ٣/ ٣١٤، و"عيون الأثر" ٢/ ١٩٧.
(٣) الحوائط: أي الحدائق.
(٤) عائر: أي لا يُدرى من رمى به.
(٥) الشملة: كساء غليظ يُلْتحف به.
[ ٣٨٨ ]
حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ - ﷺ - بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ (١)، فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ" (٢).
١٤ - ولما علم يهود تيماء ما جرى لإخوانهم في خيبر وفدك ووادي القرى، صالحوا رسول الله - ﷺ - وأقاموا بأموالهم.
الشرح:
قال ابن القيم ﵀:
فلما بلغ يهود تيماء ما واطأ عليه رسول الله - ﷺ - أهل خيبر وفدك ووادي القرى، صالحوا رسول الله -ﷺ -، وأقاموا بأموالهم، فلما كان زمن عمر بن الخطاب - ﵁ - أخرج يهود خيبر وفدك، ولم يخرج أهل تيماء، ووادي القرى؛ لأنهما داخلتان في أرض الشام، ويرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز، وأن ما وراء ذلك من الشام، وانصرف رسول الله - ﵁ - راجعًا إلى المدينة. اهـ (٣).
١٥ - وفي مرجعهم إلى المدينة نام رسول الله - ﷺ - وأصحابه عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس.
الشرح:
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، سَارَ لَيْلَهُ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى (٤) عَرَّسَ (٥)، وَقَالَ لِبِلَالٍ: اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ (٦)، فَصَلَّى بِلَالٌ مَا
_________________
(١) الشراك: هو جلدة النعل على ظهر القدم.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٢٣٤)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، ومسلم (١١٥)، كتاب: الإيمان، باب: غلظ تحريم الغلول، وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون.
(٣) "زاد المعاد" ٣/ ٣١٤، ٣١٥، وانظر: "تاريخ الطبري" ٣/ ٩١، و"عيون الأثر" ٢/ ١٩٩.
(٤) الكرى: النعاس.
(٥) التعريس: نزول المسافرين آخر الليل للنوم والاستراحة.
(٦) اكلأ لنا الليل: أي ارقبه واحفظه.
[ ٣٨٩ ]
قُدِّرَ لَهُ، وَنَامَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلَالٌ إلى رَاحِلَتِهِ مُوَاجِهَ الْفَجْرِ (١)، فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إلى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ الله - ﷺ - وَلَا بِلَالٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمْ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - أَوَّلَهُمْ اسْتِيقَاظًا، فَفَزعَ رَسُولُ الله - ﷺ - فَقَالَ: "أَيْ بِلَالُ"، فَقَالَ بِلَالٌ: أَخَذَ بنفْسِي الَّذِي أخَذَ بأبي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ الله بنفْسِكَ، قَالَ: "اقْتَادُوا"، فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُم شَيئًا (٢)، ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِهِمْ الصُّبْحَ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ: "مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإنَّ الله قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤] (٣).
١٦ - وبعد فتح خيبر احتال الحجاج بن عِلاط السُّلميّ على مشركي مكة حتى استنقذ ماله منهم.
الشرح:
عَنْ أَنَس بن مالك - ﵁ - قَالَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ الله - ﷺ - خَيبَرَ، قَالَ الْحَجَّاجُ بن عِلَاطٍ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ لِي بِمَكَّةَ مَالًا وَإِنَّ لِي بِهَا أَهْلًا وإِنِّي أرِيدُ أَنْ آتِيَهُم، فَأَنَا في حِلٍّ إِنْ أَنَا نِلْتُ مِنْكَ أَوْ قُلْتُ شَيْئًا، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ - أَنْ يَقُولَ مَا شَاءَ، فَأَتَى امْرَأَتَهُ حِينَ قَدِمَ، فَقَالَ: اجْمَعِي لِي مَا كَانَ عِنْدَكِ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ مِنْ غَنَائِمِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ قَدْ اسْتُبِيحُوا، وَأصِيبَتْ أَمْوَالُهُمْ، قَالَ: فَفَشَا ذَلِكَ في مَكَّةَ، وَانْقَمَعَ الْمُسْلِمُونَ وَأَظْهَرَ الْمُشْرِكُونَ فَرَحًا وَسُرُورًا، قَالَ: وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْعَبَّاسَ، فَعَقِرَ وَجَعَلَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ، فَأَخَذَ ابْنًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: قُثَمُ، فَاسْتَلْقَى فَوَضَعَهُ عَلَى صَدْرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
_________________
(١) مواجه الفجر: أي مستقبله.
(٢) اقتادوا رواحلهم: أي قادوها وساروا بها.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٦٨٠)، كتاب: المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها.
[ ٣٩٠ ]
حَيَّ قُثَمْ حَيَّ قُثَمْ شَبِيهَ ذِي الْأَنْفِ الْأَشَمْ
بَنِي ذِي النَّعَمْ يَرْغَمْ مَنْ رَغَمْ
ثُمَّ أَرْسَلَ- العباس- غُلَامًا إلى الْحَجَّاجِ بن عِلَاطٍ: وَيْلَكَ مَا جِئْتَ بِهِ وَمَاذَا تَقُولُ، فَمَا وَعَدَ الله خَيْرٌ مِمَّا جِئْتَ بِهِ؟ قَالَ الْحَجَّاجُ بن عِلَاطٍ لِغُلَامِهِ: اقْرَأْ عَلَى أبي الْفَضْلِ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ فَلْيَخْلُ لِي في بَعْضِ بُيُوتِهِ لآتِيَهُ فَإِنَّ الْخَبَرَ عَلَى مَا يَسُرُّهُ، فَجَاءَ غُلَامُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ بَابَ الدَّارِ، قَالَ: أَبْشِرْ يَا أَبَا الْفَضْلِ، قَالَ: فَوَثَبَ الْعَبَّاسُ فَرَحًا حَتَّى قَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ الْحَجَّاجُ، فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ جَاءَهُ الْحَجَّاجُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَدْ افْتَتَحَ خَيْبَرَ وَغَنِمَ أَمْوَالَهُم، وَجَرَتْ سِهَامُ الله ﷿ في أَمْوَالِهِمْ، وَاصْطَفَى رَسُولُ الله - ﷺ - صَفِيَّةَ بنتَ حُيَيٍّ فَاتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ، وَخَيَّرَهَا أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ أَوْ تَلْحَقَ بِأَهْلِهَا، فَاخْتَارَتْ أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ، وَلَكِنِّي جِئْتُ لِمَالٍ كَانَ لِي هَاهُنَا أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَهُ فَأَذْهَبَ بِهِ، فَاسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - فَأَذِنَ لِي أَنْ أَقُولَ مَا شِئْتُ، فَأَخْفِ عَنِّي ثَلَاثًا ثُمَّ اذْكُرْ مَا بَدَا لَكَ، قَالَ: فَجَمَعَتْ امْرَأَتُهُ مَا كَانَ عِنْدَهَا مِنْ حُليٍّ وَمَتَاعٍ فَجَمَعَتْهُ فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثٍ أَتَى الْعَبَّاسُ امْرَأَةَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ زَوْجُكِ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَتْ: لَا يُخْزِيكَ الله يَا أَبَا الْفَضْلِ، لَقَدْ شَقَّ عَلَيْنَا الَّذِي بَلَغَكَ، قَالَ: أَجَلْ لَا يُخْزِنِي الله وَلَمْ يَكُنْ بِحَمْدِ الله إِلَّا مَا أَحْبَبْنَا فَتَحَ الله خَيبَرَ عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ -، وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ الله، وَاصْطَفَى رَسُولُ الله - ﷺ - صَفِيَّةَ بنتَ حُيَيٍّ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَتْ لَكِ حَاجَةٌ، في زَوْجِكِ فَالْحَقِي بِهِ، قَالَتْ: أَظُنُّكَ وَاللهِ صَادِقًا، قَالَ: فَإِنِّي صَادِقٌ الْأَمْرُ عَلَى مَا أَخْبَرْتُكِ، فَذَهَبَ حَتَّى أَتَى مَجَالِسَ قُرَيْشٍ وَهُمْ يَقُولُونَ إِذَا مَرَّ بِهِمْ: لَا يُصِيبُكَ إِلَّا خَيْرٌ يَا أَبَا الْفَضْلِ، قَالَ لَهُمْ: لَمْ يُصِبْنِي إِلا خَيْرٌ بِحَمْدِ الله، قَدْ أَخْبَرَنِي الْحَجَّاجُ بن عِلَاطٍ أَنَّ خَيْبَرَ قَدْ فَتَحَهَا الله عَلَى رَسُولِهِ وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ الله، وَاصْطَفَى صَفِيَّةَ
[ ٣٩١ ]
لِنَفْسِهِ، وَقَدْ سَأَلَنِي أَنْ أُخْفِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، وإِنَّمَا جَاءَ لِيَأْخُذَ مَالَهُ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ شَيءٍ هَاهُنَا ثُمَّ يَذْهَبَ، قَالَ: فَرَدَّ الله الْكَآبَةَ الَّتِي كَانَتْ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ، وَمَنْ كَانَ دَخَلَ بَيْتَهُ مُكْتَئِبًا حَتَّى أَتَوْا الْعَبَّاسَ، فَأَخْبَرَهُمْ الْخَبَرَ فَسُرَّ الْمُسْلِمُونَ، وَرَدَّ الله يَعْنِي مَا كَانَ مِن كَآبَةٍ أَوْ غَيْظٍ أَوْ حُزْنٍ عَلَى الْمُشْرِكِينَ (١).
١٧ - وفي هذه السنة: كانت غزوة ذات الرقاع على الراجح.
الشرح:
عَنْ أبي مُوسَى الأشعري - ﵁ - قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - في غَزْوَةٍ وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ، فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا، وَنَقِبَتْ قَدَمَايَ (٢)، وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي، وَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ، فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ، لِمَا كُنَّا نَعْصِبُ مِنْ الْخِرَقِ عَلَى أَرْجُلِنَا (٣).
وكانت هذه الغزوة لمحاربة مُحارب وثعلبة من غطفان وقد صلى النبي - ﷺ - في هذه الغزوة صلاة الخوف.
عَنْ صَالِحِ بن خَوَّاتٍ عَمَّنْ شهد رَسُولَ الله - ﷺ - يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ -وهو سهل بن أبي حثمة- صلى رسول الله عليه وسلم - فصفت طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ من
_________________
(١) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (١٢٣٤٩)، بإسناد صحيح كما قال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" ٤/ ٢١٥.
(٢) نقبت: أي رقَّت، يقال: نقب البعير إذا رقَّ خفه.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١٢٨)، كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، ومسلم (١٨١٦)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة ذات الرقاع.
[ ٣٩٢ ]
صلاته، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ (١).
وعَن جَابِرِ بن عبد الله - ﵄ - أنه كان مع النبي - ﷺ - بذات الرقاع، فلما قفل رسول الله -ﷺ - قفل معه، فأدركتهم القائلة في وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ (٢)، فَنَزَلَ رَسُولُ الله - ﷺ -، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ في الْوَادِي يَستَظِلُّونَ بِالشَّجرِ، ونزل رسول الله - ﷺ - تحت سَمُره فعلَّق بها سيفه، قال جابر: فنمنا نومة ثم إذا رسول الله -ﷺ - يدعونا فجئناه، فإذا عنده أعرابي جالس فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "إِنَّ هذا اخترط سيف وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ في يَدِهِ صلتًا (٣)، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: الله، فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ"، ثُمَّ لَمْ يعاقبه رَسُولُ الله - ﷺ - (٤).
وفي رواية أحمد عَنْ جَابِرِ - ﵁ - قَالَ: قَاتَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - مُحَارِبَ بن حفصة فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: غَوْرَثُ بن الْحَارِثِ، حَتَّى قَامَ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - بِالسَّيْفِ، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: "الله ﷿"، فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ الله - ﷺ - فَقَالَ: "مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ "، قَالَ: كُنْ كَخَيرِ آخِذٍ، قَالَ: "أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وأني رسول الله"، قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أُعَاهِدُكَ أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ، وَلَا أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فأتى قومه فقَالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ (٥).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١٢٩)، كتاب: المغازي، باب. غزوة ذات الرقاع، ومسلم (٨٤٢)، كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف.
(٢) العضاه: كلُّ شجر عظيم له شوك. (نهاية).
(٣) صلتًا: أي مجردًا من غمده.
(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤١٣٥)، كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، ومسلم (٨٤٣)، كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف.
(٥) صحيح: أخرجه أحمد (١٥١٢٨)، بإسناد صحيح.
[ ٣٩٣ ]
قال ابن إسحاق ﵀:
فلقي- بذات الرقاع- جمعًا عظيمًا من غطفان، فتقارب الناس، ولم يكن بينهم حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضًا (١)، حتى صلى رسول الله - ﷺ - بالناس صلاة الخوف، ثم انصرف بالناس. اهـ (٢).
قال بعض أهل السير:
إن غزوة ذات الرقاع كانت سنة أربع، ومنهم ابن إسحاق ﵀ (٣).
والراجح أنها كانت سنة سبع بعد خيبر وممن رجح ذلك: البخاري (٤)، وابن القيم (٥)، وابن كثير (٦).
وهذه قصة عجيبة حدثت بذات الرقاع، يرويها جابر بن عبد الله - ﵁ -، يقول جابر: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - في غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ من نخل، فَأَصَابَ رَجُلٌ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فلما انصرف رسول الله - ﷺ -، قافلًا أتى زوجها وكان غائبًا، فلما أخبر الخبر حَلَفَ لا ينتهي في أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رسول الله -ﷺ -، فَنَزَلَ رسول الله - ﷺ - مَنْزِلًا، فَقَالَ: "مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا ليلتنا هذه؟ "، قال: فَانْتَدَبَ رَجُل مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فقالا: نحن يا
_________________
(١) قوله: وقد خاف الناس بعضهم بعضًا: ليس معناه أن المسلمين خافوا من المشركين فرجعوا، وإنما هذه الكلمة تقال كناية عن شدة قرب الفريقين من بعضهما، وعندها تُزلزل قلوب الرجال.
(٢) "سيرة ابن هشام" ٣/ ١٠٧.
(٣) "سيرة ابن هشام" ٣/ ١٠٧.
(٤) "صحيح البخاري" ٢/ ٣٠٩.
(٥) "زاد المعاد" ٣/ ٢٢٥.
(٦) "البداية والنهاية" ٤/ ٢١٥.
[ ٣٩٤ ]
رسول الله، قَالَ: "فكُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ"، قَالَ: وكان رسول الله -ﷺ - وأصحابه قد نزلوا إلى شعب من الوادي، فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إلى فَمِ الشِّعْبِ، قال الأنصاري للمهاجري: أي الليل تُحبُّ أن أكفيكه أوله أم آخره؟ قال: بل أكفني أوله، قال: فاضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ، فنام، وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّ، قال: وأَتَى الرَّجُلُ، فَلَمَّا رَأَى شَخْصَ الرجل عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَة لِلْقَوْمِ (١)، قال: فَرَمَي بِسَهْمٍ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، قال: فَنَزَعَهُ ووضعه، فثبت قائمًا، قال: ثم رماه سهمًا آخر، فوضعه فيه، قال: فنزعه فوضعه، وثبت قائمًا، ثم عاد له بالثالث، فوضعه فيه، قال: فنزعه فوضعه، ثم ركع وسجد، ثم أهبَّ صاحبه (٢)، فقال: اجلس فقد أُثْبِتُّ (٣)، قال: فوثب، فَلَمَّا رآهما الرجل عَرِفَ أَنَّهُمْ قَدْ نَذِرُوا بِهِ (٤)، فهَرَبَ، قال: وَلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالْأَنْصَارِيِّ مِنْ الدَّمِاء، قَالَ: سُبْحَانَ الله! أَفلَا أَنْبَهْتَنِي أَوَّلَ مَا رَمَاك؟ قَالَ: كُنْتَ في سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حتى أُنْفذها، فلما تابع عليَّ الرمي ركعت فأذنتك، وأيم الله لولا أن أضيعّ ثَغْرًا أمرني به رسول الله -ﷺ - لقَطَع نفسي قبل أن أقطعها أو أُنفذها (٥).
وقد سمى ابن هشام ﵀ هذين الرجلين، فقال هما: عمار بن ياسر، وعباد بن بشر (٦).
_________________
(١) الربيئة: الطليعة الذي يحرس للقوم، تقول: ربا القوم، إذا حرسهم.
(٢) أهبَّ صاحبه: أي أيقظه من نومه.
(٣) أُثْبِتُّ: أي جُرِحْتُ جُرحًا بليغًا لا أستطيع معه الحركه.
(٤) نذرا به: أي عَلِما بوجوده ومكانه.
(٥) حسن: أخرجه ابن هشام في "السيرة" عن ابن إسحاق بسند حسن، وأبو داود (١٩٨)، كتاب: الطهارة، باب: الوضوء من الدم، مختصرًا، وحسنه الألباني في "صحيح السنن".
(٦) السابق.
[ ٣٩٥ ]
١٨ - وفي هذه الغزوة نزلت آية التيمم.
الشرح:
عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - في بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيشِ، انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إلى أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ رَسُولَ الله - ﷺ - وَالنَّاسَ، وَلَيسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيسَ مَعَهُم مَاءٌ، فَجَاءَ أبو بَكْرٍ وَرَسُولُ الله - ﷺ - وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ الله - ﷺ - وَالنَّاسَ، وَلَيسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيسَ مَعَهُم مَاءٌ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أبو بَكْرٍ، وَقَالَ: مَا شَاءَ الله أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ في خَاصِرَتِي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ الله - ﷺ - عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ الله - ﷺ - حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ الله آيَةَ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ أُسَيدُ بن الْحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أبي بَكْرٍ، قَالَتْ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ (١).
١٩ - وفي مرجعهم من ذات الرقاع اشترى النبي - ﷺ - جمل جابر بن عبد الله، ثم أعطاه ثمنه ورده عليه.
الشرح:
عَنْ جَابِرِ بن عبد الله - ﵄ - قَالَ: خَرَجْت مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - إلى غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ من نخل، عَلَى جَمَلٍ لِي ضَعِيفٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - جَعَلَتْ الرِّفَاقُ تَمْضِي، وَجَعَلْتُ أَتَخَلَّفُ، حَتَّى أَدْرَكَنِي رَسُولُ الله - ﷺ - فَقَالَ: "مَا لَكَ يَا جَابِرُ؟ "، قَالَ: يَا رَسُولَ الله أَبْطَأَ بِي جَمَلِي هَذَا، قَالَ: أنخه، قال: فَأَنِخْتهُ وَأنَاخَ رَسُولُ الله - ﷺ -، ثُمَّ قَالَ: أَعْطِنِي هَذِهِ الْعَصَا مِنْ يَدِكَ، أَوْ اقْطَعْ لِي عَصًا مِنْ
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٣٣٤)، كتاب: التيمم، باب: رقم (١)، ومسلم (٣٦٧)، كتاب: الحيض، باب: التيمم.
[ ٣٩٦ ]
شَجَرَةٍ، قَالَ: فَفَعَلْتُ، قَالَ: فَأَخَذَها رَسُولُ الله - ﷺ - فَنَخَسَهُ بِهَا نَخَسَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: ارْكَبْ، فَرَكِبْتُ، فَخَرَجَ وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، يُوَاهِقُ نَاقَتَهُ مُوَاهَقَةً (١)، قَالَ: وَتَحَدَّثَت مَعِ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَقَالَ لي: "أَتَبيعُنِي جَمَلَكَ هَذَا يَا جَابِرُ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله بَلْ أَهَبُهُ لَكَ، قَالَ: "لَا، وَلَكِنْ بعْنِيهِ"، قَالَ: قُلْتُ: فَسُمْنِي يا رسول الله، قَالَ: "قَدْ قُلْتُ أَخَذْتُهُ بدِرْهَمٍ"، قَالَ: قُلْتُ: لَا، إِذًا يَغْبِنُنِي رَسُولُ الله قَالَ: "فَبِدِرْهَمَيْنِ"، قَالَ: قُلْتُ: لَاَ، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يَرْفَعُ لِي رَسُولُ الله - ﷺ - حَتَّى بَلَغَ الْأُوقِيَّةَ (٢)، قَالَ: فقُلْتُ: أفَقَدْ رَضِيتُ يا رسول الله؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: فهُوَ لَكَ، قَالَ: "قَدْ أَخَذْتُهُ"، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: "يَا جَابِرُ، هَلْ تَزَوَّجْتَ بَعْدُ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله قَالَ: "أَثَيِّبًا أَمْ بِكْرًا؟ "، قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا، قَالَ: "أَفَلَا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ! "، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنْ أبي أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ بناتٍ لَهُ سَبْعًا فَنَكَحْتُ امْرَأَةً جَامِعَةً، تَجْمَعُ رُءُوسَهُنَّ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ، قَالَ: "قد أَصَبْتَ إِنْ شَاءَ الله قَالَ أَمَا إِنَّا لَوْ قَدْ جِئْنَا صِرَارًا (٣) أمَرْنَا بجَزُورٍ فَنُحِرَتْ، وَأَقَمْنَا عَلَيْهَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَسَمِعَتْ بنا، فَنَفَضَتْ نَمَارِقَهَا (٤) "، قَال: قُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ الله مَا لَنَا مِنْ نَمَارِقَ، قَالَ: "إِنَّهَا سَتَكُونُ، فَإِذَا أَنْتَ قَدِمْتَ فَاعْمَلْ عَمَلًا كَيِّسًا"، قَالَ: فَلَمَّا جئْنَا صِرَارًا أَمَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - بِجَزُورٍ فَنُحِرَتْ، وأَقَمْنَا عَلَيهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَلَمَّا أَمْسَى رَسُولُ الله - ﷺ - دَخَلَ وَدَخَلْنَا، قَالَ: فَحدثت الْمَرْأَةَ الْحَدِيثَ وَمَا قَالَ لِي رَسُولُ الله - ﷺ -، قَالَتْ: فَدُونَكَ، فَسَمْعًا وَطَاعَةً، قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَخَذْتُ بِرَأسِ الْجَمَلِ، فَأَقْبَلْتُ بهِ حَتَّى أَنَخْتُهُ عَلَى بَاب رَسُولِ الله - ﷺ -، ثُمَّ جَلَسْتُ في الْمَسْجِدِ قَرِيبًا مِنْهُ، قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ الله - ﷺ - فَرَأَى الْجَمَلَ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله هَذَا جَمَلٌ جَاءَ بِهِ جَابِرٌ، قَالَ: "فَأَيْنَ جَابِرٌ؟ "، قال: فَدُعِيتُ لَهُ، فقَالَ: "يَا ابْنَ أَخِي خُذْ بِرَأْسِ جَمَلِكَ، فَهُوَ لَكَ"، ودَعَا بِلَالًا، فَقَالَ: "اذْهَبْ بِجَابِرٍ فَأَعْطِهِ أُوقِيَّةً"، قال: فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَأعْطَانِي وَزَادَنِي شَيْئًا يَسِيرًا، قَالَ: فَوَ اللهِ مَازَالَ يَنْمِي عِنْدَي، وَيُرَى مَكَانَهُ مِنْ بَيتِنَا، حَتَّى
_________________
(١) المواهقة: المسابقة، والمجاراة، السرعة في المشي.
(٢) الأوقَيَّة: أربعون درهمًا.
(٣) صرار: موضع قرب المدينة.
(٤) النمارق: جمع نُمرقة وهي الوسادة الصغيرة.
[ ٣٩٧ ]
أُصِيبَ أَمْسِ فِيمَا أُصِيبَ لنا- يَعْنِي: يَوْمَ الْحَرَّةِ (١).
٢٠ - وفي صفر من هذه السنة: كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني عبد ثعلبة.
الشرح:
ذَكَرَ هذه السرية ابن جرير الطبري (٢) ضمن أحداث السنة السابعة، والظاهر أنها هي هي السرية الآتي ذكرُها في الفقرة رقم (٢٤) من هذه السنة، والله أعلم.
٢١ - وفي شعبان من هذه السنة: كانت سرية أبي بكر الصديق - ﵁ - إلى نجد.
الشرح:
عن سملة بن الأكوع قَالَ: غَزَوْنَا فَزَارَةَ وَعَلَيْنَا أبو بَكْرٍ، أَمَّرَهُ رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَيْنَا، فَلَمَّا كَانَ بَينَنَا وَبَيْنَ الْمَاءِ سَاعَةٌ أَمَرَنَا أبو بَكْرٍ فَعَرَّسْنَا، ثُمَّ شَنَّ الْغَارَةَ، فَوَرَدَ الْمَاءَ، فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ عَلَيْهِ وَسَبَى، وَأَنْظُرُ إلى عُنُقٍ مِنْ النَّاسِ (٣) فِيهِمْ الذَّرَارِيُّ (٤) فَخَشِيتُ أَنْ يَسْبِقُونِي إلى الْجَبَلِ، فَرَمَيْتُ بِسَهمٍ بَيْنهُمْ وَبَيْنَ الْجَبَلِ، فَلَمَّا رَأَوْا السَّهْمَ وَقَفُوا فَجِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ، وَفِيهِمْ امْرَأَةٌ مِنْ بني فَزَارَةَ عَلَيْهَا قَشْعٌ مِنْ أَدَمٍ، قَالَ: الْقَشْعُ النِّطَعُ (٥) مَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ الْعَرَبِ، فَسُقْتُهُمْ حَتَّى أَتَيتُ بِهِمْ أَبَا بَكْرٍ، فَنَفَّلَنِي أبو بَكْرٍ ابْنَتَهَا، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَمَا كَشَفْتُ لَهَا
_________________
(١) صحيح: أخرجه ابن هشام في "السيرة" عن بن إسحاق بسند صحيح، وأصل الحديث في الصحيحين: البخاري (٢٠٩٧)، كتاب: البيوع، باب: شراء الدواب والحُمُر، ومسلم (٧١٥)، كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب الركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أوَّل قدومه.
(٢) "تاريخه" ٣/ ١٣.
(٣) عنق من الناس: أي جماعة.
(٤) الذراري: النساء والصبيان.
(٥) القشع أو النطع: هو الثوب من الجلد.
[ ٣٩٨ ]
ثَوْبًا، فَلَقِيَنِي رَسُولُ الله - ﷺ - في السُّوقِ، فَقَالَ: "يَا سَلَمَةُ هَبْ لِي الْمَرْأَةَ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله وَاللهِ لَقَدْ أَعْجَبَتْنِي وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، ثُمَّ لَقِيَنِي رَسُولُ الله - ﷺ - مِنْ الْغَدِ في السُّوقِ، فَقَالَ لِي: "يَا سَلَمَةُ هَبْ لِي الْمَرْأَةَ لِلَّهِ أَبُوكَ"، فَقُلْتُ: هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ الله، فَوَاللهِ مَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، فَبَعَثَ بِهَا رَسُولُ الله - ﷺ - إلى أَهْلِ مَكَّةَ فَفَدَى بِهَا نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا أُسِرُوا بِمَكَّةَ (١).
وكانت هذه السرية في شعبان سنة سبع (٢).
٢٢ - وفي شعبان من هذه السنة: كانت سرية عمر بن الخطاب - ﵁ - إلى تُربة.
الشرح:
قال ابن سعد ﵀:
ثم سرية عمر بن الخطاب إلى تُربة في شعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله - ﷺ -، قالوا: بعث رسول الله - ﷺ - عمر بن الخطاب في ثلاثين رجلًا إلى عُجز هوازن (٣) بتربة، وهي بناحية العبلاء، على أربع ليال من مكة، طريق صنعاء وبحران (٤)، فخرج وخرج معه دليل من بني هلال، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فأتى الخبرُ هوازن فهربوا، وجاء عمر بن الخطاب محالَّهم، فلم يلق
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم (١٧٥٥)، كتاب: الجهاد والسير، باب: التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى.
(٢) "عيون الأثر" ٢/ ٢٠٠. وانظر: فقرة رقم (١٣) من السنة السادسة ص ٣٠٣.
(٣) عُجَز هوازن: آخر منازلهم جنوبًا.
(٤) قال محقق "عيون الأثر": كذا في الأصول وكذا ضبطها صاحب النبراس، وقال: إنها موضع بناحية الفرع، ومن المعلوم أن تربة ليست في اتجاهها، فلعلها مصحفة من (نجران). اهـ.
[ ٣٩٩ ]
منهم أحدًا، فانصرف راجعًا إلى المدينة (١).
٢٣ - وفي شعبان أيضًا من هذه السنة: كانت سرية بشير بن سعد والد النعمان بن بشير الأنصاري إلى بني مُرَّة بناحية فدك.
الشرح:
قال ابن سعد ﵀:
ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى فدك في شعبان سنة سبع.
قالوا: بعث رسول الله -ﷺ - بشير بن سعد في ثلاثين رجلًا إلى بني مُرَّة بفدك، فخرج، فلقي رعاء الشاء، فسأل عن الناس، فقيل: في بواديهم، فاستاق النعم والشاء، وانحدر إلى المدينة، فخرج فأخبرهم، فأدركه الدَّهْم منهم (٢) عند الليل، فباتوا يرامونهم بالنبل حتى فنيت نَبْل أصحاب بشير، وقاتل بشير حتى ارتُثَّ وضرب كعبه، وقيل: قد مات، ورجعوا بنعمهم وشائهم، وقدم عُلْبة بن زيد الحارثي بخبرهم على رسول الله - ﷺ -، ثم قدم من بعده بشير بن سعد (٣).
٢٤ - وفي رمضان من هذه السنة: كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة، وفيها قتل أسامة بن زيد رجلًا بعد أن نطق بالشهادة فأنكر عليه النبي - ﷺ -.
الشرح:
سرية غالب بن عبد الله الليثي - ﵁ - إلى بني عبد بن ثعلبة وهم بمكان يقال له: الميفعة، بناحية نجد في رمضان سنة سبع.
_________________
(١) "الطبقات الكبرى" ٢/ ١١٧.
(٢) الدهم: العدد الكثير.
(٣) "الطبقات" ٢/ ١١٨، ١١٩.
[ ٤٠٠ ]
حيث بعث رسول الله - ﷺ - إليهم غالب بن عبد الله الليثي في مائة وثلاثين رجلًا، ودليلهم يسار مولى رسول الله - ﷺ -، فهجموا عليهم جميعًا، فقتلوا من أشراف لهم، واستاقوا نعمًا وشاءً، فحدروه إلى المدينة ولم يأسروا أحدًا، وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد الرجل الذي قال: لا إله إلا الله (١)، ويحكي أُسَامَةَ - ﵁ - قصته هذه يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ الله - ﷺ - إلى الْحُرَقَةِ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ، فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، فَكَفَّ الْأَنْصارِيُّ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: "يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله"، قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ (٢).
٢٥ - وفي شوال من هذه السنة: كانت سرية بشير بن سعد أيضًا إلى يمْنٍ وجَبَارٍ.
الشرح:
قال ابن سعد - ﵀ -:
ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمْنٍ وجبار في شوال سنة سبع، قالوا: بلغ رسول الله - ﷺ - أن جمعًا من غطفان بالجِناب، قد واعدهم عيينة بن حصن الفزاري؛ ليكون معهم، ليزحفوا إلى رسول الله - ﷺ -، فدعا رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) "الطبقات الكبرى" ٢/ ١١٩، "عيون الأثر" ٢/ ٢٠١.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٢٦٩)، كتاب: المغازي، باب: بعث النبي - ﷺ - أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة، ومسلم (٩٦)، كتاب: الإيمان، باب: تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله. قول أسامة - ﵁ - حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنَّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، أي: تمنيت أن لو كان هذا صدر مني ضمن أخطاء الجاهلية التي تُجَبُّ بالإسلام.
[ ٤٠١ ]
بشير بن سعد، فعقد له لواءً، وبعث معه ثلاثمائة رجل، فساروا الليل وكمنوا النهار، حتى أتوا إلى يمن وجَبَار وهي نحو الجِناب - والجناب مَعارض سِلاح (١) وخيبر وادي القرى - فنزلوا بسِلاح، ثم دنوا من القوم، فأصابوا لهم نعمًا كثيرًا، وتفرَّق الرعاء، فحذَّروا الجمع، فتفرَّقوا ولحقوا بِعُليا بلادهم، وخرج بشير بن سعد في أصحابه حتى أتى مَحالِّهم، فوجدها وليس فيها أحد، فرجع بالنعم وأصاب منهم رجلين فأسرهما وقدم بهما إلى رسول الله - ﷺ - فأسلما، فأرسلهما (٢).
٢٦ - وفي ذي القعدة من هذه السنة: كانت عُمْرة القضاء.
الشرح:
وتُسمى أيضًا:
١ - عمرة القضيَّة (٣).
٢ - عُمْرة الصلح (٤).
٣ - عُمْرة القصاص (٥).
أما عن أحداث هذه الرحلة؛ فإن النبي - ﷺ - قد توجه إلى مكة معتمرًا كما
_________________
(١) معارض: أي جبال، وسلاح: اسم موضع قريب من خيبر.
(٢) "الطبقات الكبرى" ٢/ ١٢٠.
(٣) سميت عمرة القضاء أو عمرة القضيَّة؛ لأنها كانت قضاءً عن عمرة الحديبية، أو لأنها وقعت حسب المقاضات - أي: المصالحة التي وقعت في الحديبية.
(٤) لأنه اتُفِق عليها في صلح الحديبية.
(٥) قال السهيلي: تسميتها عمرة القصاص أولى؛ لأن هذه الآية نزلت فيها: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]. "فتح الباري" ٧/ ٥٧١، ٥٧٢.
[ ٤٠٢ ]
اتفق مع مشركي مكة يوم الحديبية أن يرجع إلى المدينة عامه هذا على أن يُخلُّوا بينه وبين البيت عام قابل (١).
فخرج النبي - ﷺ - في ذي القعدة سنة سبع (٢) حيث اتفقوا أن لَا يُدْخِلُ مَكَّةَ السِّلَاحَ إِلَّا السَّيْفَ في الْقِرَابِ، وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَهُ، وَأَنْ لَا يَمْنَعَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا (٣)، وأن لا يقيم بها أكثر من ثلاثة أيام (٤).
فسار النَّبِيُّ - ﷺ - حتى دَخَلَ مَكَّةَ وَعبد الله بن رَوَاحَةَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
خَلُّوا بني الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ
ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا ابنَ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله - ﷺ - وَفِي حَرَمِ الله تَقُولُ الشِّعْرَ؟ فَقَالَ لَهُ رسول الله - ﷺ -: "خَلِّ عَنْهُ يَا عُمَرُ، فَلَهِيَ أَسْرَعُ فِيهِمْ مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ" (٥).
_________________
(١) انظر ذلك الشرط في صلح الحديبية.
(٢) قال ابن حجر - ﵀ -: وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند حسن عن ابن عمر قال: كانت عمرة القضية في ذي القعدة سنة سبع. اهـ "فتح الباري" ٧/ ٥٧٢، وهو قول بن إسحاق، وموسى بن عقبة.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٥١)، كتاب: المغازي، باب: عمرة القضاء.
(٤) انظر ذلك الشرط في صلح الحديبية.
(٥) صحيح: أخرجه الترمذي (٢٨٤٧)، كتاب: الأدب باب: ما جاء في إنشاد الشعر، النسائي (٢٨٧٣)، كتاب: الحج، باب: إنشاد الشعر في الحرم، والمشي بين يدي الإمام، وصححه الألباني في "مختصر الشمائل" (٢١٠).
[ ٤٠٣ ]
وطاف المسلمون بالكعبة، وصعد المشركون على جبل قُعَيْقِعان المواجه لما بين الركنين من الكعبة، حيث أشاعوا أن المسلمين ضعفاء ولن يستطيعوا الطواف بالبيت وتأدية المناسك (١).
وكان المشركون قد قالوا: إنه يقدم عليكم وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فأَمَرَهُمِ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَرْمُلُوا (٢) الأَشْوَاط الثَلَاثَةَ وَأن يَمْشُوا مَا بَينَ الرُّكْنَينِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا (٣).
وكذلك أمر النَّبِيُّ - ﷺ - أصحابه أن يرملوا بَينَ الصَّفَا وَالْمرْوَةِ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ (٤).
وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- يسترون رَسُولَ الله - ﷺ - مِنْ غِلْمَانِ الْمُشْرِكِينَ خشية أَنْ يُؤْذُوه (٥).
فَلَمَّا مَضَى الْأَجَلُ أَتَى المشركون عَلِيًّا، فَقَالُوا: قُلْ لِصاحِبكَ اخْرُجْ عَنَّا فَقَدْ مَضَى الْأَجَلُ فَخَرَجَ النَّبِي - ﷺ - (٦).
وتَبِعَتْهُ ابْنَةُ حَمْزَةَ - ﵁ - تُنَادِي: يَا عَمِّ يَا عَمِّ، فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ - ﵁ - فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ -﵍-: دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّكِ، فحَمَلَتْهَا، فَاخْتَصمَ فِيهَا عَلِيٌّ
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٥٦)، كتاب: المغازي، باب: عمرة القضاء.
(٢) الرمل: الإسراع في السير مع تقارب الخُطى.
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٢٥٦)، كتاب: المغازي، باب: عمرة القضاء، ومسلم (١٢٦٦)، كتاب: الحج، باب: استحباب الرمل في الطواف.
(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٢٥٧)، كتاب: المغازي، باب: عمرة القضاء، ومسلم (١٢٦٤)، كتاب: الحج، باب: استحباب الرمل في الطواف.
(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٥٥)، كتاب: المغازي، باب: عمرة القضاء.
(٦) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٥١)، كتاب: المغازي، باب: عمرة القضاء.
[ ٤٠٤ ]
وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ، قَالَ عَلِيُّ: أَنَا أَخَذْتُهَا وَهِيَ بنتُ عَمِّي، وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي (١)، وَقَالَ زَيْدٌ ابْنَةُ أَخِي (٢)، فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ - ﷺ - لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: "الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ"، وَقَالَ لِزَيْدٍ: "أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا" (٣).
فكانت تلك العمرة هي وعد الله ﷿ الذي وعد رسوله - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾ [الفتح: ٢٧].
٢٧ - وفي ذي القعدة من هذه السنة: تزوج النبي - ﷺ - بميمونة بنت الحارث - ﵂ -.
الشرح:
عَنْ عبد الله بن عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَيْمُونَةَ في عُمْرَةِ الْقَضَاءِ (٤).
وعَنْ مَيْمُونَةَ - ﵂ - قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ الله - ﷺ - وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفَ (٥).
٢٨ - وفي ذي الحجة من هذه السنة: كانت سرية ابن أبي العوجاء السُّلمي إلى بني سُليم.
الشرح:
قال ابن سعد - ﵀ -:
ثم سرية ابن أبي العوجاء إلى بني سُليم في ذي الحجة سنة سبع، قالوا:
_________________
(١) وخالتها هذه هي أسماء بنت عُميس، وكانت زوجة جعفر بن أبي طالب، وقيل ابنة حمزه هذه اسمها عمارة.
(٢) قال زيد: ابنة أخي، بالمؤاخاة التي بينه وبين آل البيت.
(٣) صحيح: الحديث السابق.
(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٥٩)، كتاب: المغازي، باب: عمرة القضاء.
(٥) صحيح: أخرجه مسلم (١٤١١)، كتاب: النكاح، باب: تحريم نكاح المحرم، وكراهة خطبته، وأبو داود (١٨٤٣)، كتاب: الحج، باب: المحرم يتزوج.
[ ٤٠٥ ]
بعث رسول الله - ﷺ - ابن أبي العوجاء السُّلمي في خمسين رجلًا إلى بني سُليم، فخرج إليهم، وتقدمه عين لهم كان معهم فحذَّرهم، فجمعوا، فأتاهم ابن أبي العوجاء وهم مُعَدُّون له، فدعاهم إلى الإسلام فقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا إليه، فتراموا بالنَّبْل ساعة، وجُعِلَت الأمدادُ تأتي، حتى أحدقوا بهم من كل ناحية، فقاتل القوم قتالًا شديدًا، حتى قُتِل عامتهم، وأصيب ابن أبي العوجاء جريحًا مع القتلى، ثم تحامل حتى بلغ رسول الله - ﷺ -، فقدموا المدينة في أول يوم من صفر سنة ثمان (١).
٢٩ - وفي هذه السنة: أسلم عمران بن حُصين وأبوه - ﵄ -.
الشرح:
قال الذهبي - ﵀ -:
أسلم هو وأبوه وأبو هريرة في وقت، سنة سبع (٢).
_________________
(١) "الطبقات الكبرى" ٢/ ١٢٣.
(٢) "السير" ٤/ ١١٣.
[ ٤٠٦ ]
السنة الثامنة من الهجرة
[ ٤٠٧ ]