تأليف
الدكتور سعد المرصفي
[ ٢ / ٢٤١ ]
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة
الطَّبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
مكتبة ابْن كثير
ص. ب: ١١٠٦ حَولي ٣٢٠١٢ الكويت
تليفون: ٢٢٦٣١٢٩٨ - فاكس: ٢٢٦٥٧٠٤٦
[ ٢ / ٢٤٢ ]
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾
[ ٢ / ٢٤٣ ]
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف]!
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء]!
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب]!
[ ٢ / ٢٤٤ ]
(في علم المغازي خير الدنيا والآخرة)!
الزهري
(كنا نعلّم مغازي رسول الله - ﷺ -، كما نعلم
السورة من القرآن الكريم)!
زين العابدين علي بن الحسين
(كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول:
يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيّعوا ذكرها)!
إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص
[ ٢ / ٢٤٥ ]
مقدمة
في عالم ادلهمت خطوبه، وعظمت ارتكاساته في أرجاس الوثنية المقيتة،
والجاهلية الضالة، والشرك الأعمى، يبزغ فجر جديد ببشارات نبوة خاتمة،
هادية مسترشدة، ورسالة بيضاء نقية غراء غالبة، قد لاحظتها عيون العناية
وصنعتها على عين الله جل وعلا، لنشر هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل
ليكون قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد!
وها نحن في هذا الكتاب نتنفس أجواء هذه البشارات، ونتتبع إرهاصات
نبوة خير نبي لخير أمة أخرجت للناس (الأمة الوسط الخيرة)، بدينها الذي
ارتضاه لها الله (ذلك الدين القيم).
والله أسأل: التوفيق والسداد!
والعون والرشاد!
إنه سميع مجيب!
الكويت في: ٧ من رجب ١٤٢٨ هـ
١٠ من يوليو ٢٠٠٨ م
راجي عفو ربه
سعد محمد محمد الشيخ (المرصفي)
أستاذ الحديث وعلومه
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
جامعة الكويت. سابقًا
[ ٢ / ٢٤٧ ]
العصر الجاهلي
[ ٢ / ٢٤٩ ]
العصر الجاهلي
١ - أحط أدوار التاريخ
٢ - الصحف السماوية في ميزان العلم والتاريخ
٣ - العهد القديم: شواهد اليهودية
٤ - العهد الجديد: شهادة إيتين دينيه (ناصر الدين) - شواهد
داخلية
٥ - الإمبراطورية الرومانية الشرقية
٦ - الإمبراطورية الإيرانية
٧ - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾
٨ - الجزيرة العربية
٩ - أوروبا
١٠ - ظلام مطبق ويأس قاتل
١١ - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
١٢ - الحاجة إلى محمد رسول الله - ﷺ -
[ ٢ / ٢٥٠ ]
العصر الجاهلي
الحديث عن العصر الجاهلي له جوانب عديدة، وحسبنا أن نبصر معالمه فيما يلي:
١ - أحط أدوار التاريخ:
كان القرن السادس الميلادي أحط أدوار التاريخ بلا خلاف (١)، وكانت قافلة الحياة جائرة السبيل، حائرة الدليل، خائرة العزيمة، وكانت في الهيكل المنحل للعالم الإنساني عوامل البلى من وثبة توبق الروح، وجاهليّة توثق العقل، وماديّة ترهق الجسد، وكانت الإنسانيّة متدلّية متدنّية منحدرة، منذ قرون، وما على وجه الأرض قوة تمسك بيدها، وتمنعها من التردّي، وقد زادتها الأيام سرعة في هبوطها، وشدّة في إسفافها، فقد نسي الإنسان خالقه، فنسي نفسه ومصيره، وفقد رشده، وقوة التمييز بين الخير والشر، والحسن والقبيح، وقد خفقت دعوة الأنبياء من زمن، والمصابيح التي أوقدوها قد انطفأت من العواصف التي هبت بعدهم، وما بقي منها فهو ضئيل لا ينير إلا في بعض القلوب، فضلًا عن البيوت، فضلًا عن البلاد، وأصبحت الصحف والشرائع التي مثلت في أزمان مختلفة دورها الخاص في مجال الدّين والخلق والعلم، فريسة العابثين والمتلاعبين، ولعبة المحرّفين والمخرّفين، وعرضة الحوادث الدامية، والخطوب الجسيمة، حتى فقدت روحها وشكلها!
_________________
(١) انظر: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: أبو الحسن الندوي: ٣٧ وما بعدها، دار القلم، ط. تاسعة ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م.
[ ٢ / ٢٥١ ]
المرة الأولى
٢ - الصحف السماويّة في ميزان العلم والتاريخ:
وما زالت الصحف السماويّة عرضة للتحريف والتخريف، والتبديل والضياع (١)، فلم يتكفّل الله -﷿- بحفظها وبقائها، بل أسند ذلك إلى علمائها وحملتها، ولم تحتَج إليها الأمم التي خوطبت بها إلا لفترة من الزمان: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة]!
٣ - العهد القديم:
وقد ثبت ذلك تاريخيًّا، وتواتر، وأقرَّت به الأمم والطوائف التي نزلت فيها هذه الصحف، وقد استهدفت صحف العهد القديم للتلف والإحراق والإبادة بصورة واضحة، وباتفاق المؤرخين اليهود ثلاث مرات في التاريخ:
المرة الأولى: حين قضى (نبوخذ نصر) (٦٠٥) Nabuchodonosor (ملك بابل) على (اليهود) سنة ٥٨٦ ق. م.، وأشعل النيران في (بيت المقدس) الذي حفظ فيه النبي - ﷺ - سليمان ﵇ ألواح التوراة، وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وأخذ من سَلمَ من القتل من اليهود أسيرًا إلى بابل، حيث مكثوا فيه خمسين سنة، وقد أعَاد (عزرا) الصحف الخمس الأولى التي تسمى (تورة) بحفظه، وقيد الحوادث في أسلوب تاريخي، ثم ضم إليها (نحميا) السلسلة الثانية من الكتب، مضيفًا إليها (زبور داود)!
_________________
(١) النبوة والأنبياء: أبو الحسن الندوي: ١٩٨ وما بعدها بتصرف، دار القلم، دمشق، ط. خامسة ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
والمرة الثانية
والمرة الثالثة
والمرة الثانية: حين كرّ (أنطيوخوس) (Antiochus) الرابع، الملقب (أبيقانس)، (ملك أنطاكلية) اليوناني، على (بيت المقدس) سنة ١٦٨ ق. م.، وأحرق الصحف المقدسة، ومنع من تلاوة (التوراة)، وممارسة الشعائر اليهودية رسميًا، ونشط يهودا المكابي في جمع الصحف المقدسة وترتيبها، وضم إليها السلسلة الثالثة من (صحف العهد القديم)!
والمرة الثالثة: حين هجم (تيطس) (titus) الإمبراطور الروماني ٤٠ - ٨١ على (بيت المقدس) في ٧ من سبتمبر سنة ٧٠ م ودمره بما فيه (هيكل سليمان)، وحوله إلى أنقاض وخرائب، واستولى على الصحف المقدّسة، ونقلها إلى بلاطه في روما، تذكارًا للفتح، وأجلى اليهود من القدس، واستعمر غيرهم حول الدينة (١)!
شواهد من دائرة المعارف اليهوديّة:
وقد جاء في دائرة المعارف اليهوديّة ما يلي: (إن الأخبار اليهوديّة، وإن كانت تلح على أن صحف العهد القديم من تأليف الأبطال، أو الشخصيات التي تتحدث عنها هذه الصحف، وذلك لا يبعد عن الصواب، ولكنهم لا يتحرجون في الإقرار بأن بعض هذه الصحف تناولها التعديل والزيادة في العهود المتأخرة) (٢)!
وجاء فيها -أيضًا- ما معناه: (إن الكتب الخمسة الأولى من الكتاب
_________________
(١) راجع دائرة المعارف اليهوديّة، وقد وردت إشارات إلى هذه الصحف في سفر نحميا وسفر المكابين وغيرها.
(٢) Vellentis's one volume jewish Encyclopaecia london P. ٩٣ .
[ ٢ / ٢٥٣ ]
المقدس (العهد القديم) كما تقول الأخبار اليهوديّة القديمة، من تأليف النبي موسى، باستثناء ثماني آيات أخيرة، جاء فيها الحديث عن موت موسى، وما زال الربيون يعنون بتناقضات واختلافات وردت في هذه الصحف، وما زالوا يصلحونها بحكمتهم ولباقتهم) (١)!
وتزيد هذه الموسوعة: إن (اسفينوزا) (Spiniza) يقول:
(إن الكتب الخمسة الأولى من العهد القديم ليست من تأليف موسى؛ بل هي من تأليف عزرا، وإن آخر ما توصل إليه البحث العلمي، هو أن هذه الكتب (الخمسة الأولى) ترجع إلى ثمانية وعشرين مصدرًا (٢)، استقيت واستفيدت منها هذه الكتب)!
وجاء فيها ما معناه: (إن سخط الأنبياء وغضبهم على عبادة الأوثان يدل على أن عبادة الأوثان والآلهة، كانت قد تسربت إلى نفوس الإسرائيليّين، ولم تستأصل شأفتها إلى يوم رجوعهم من الجلاء والنفي في بابل، وقد قبلوا معتقدات خرافية مشركة، إن التلمود -أيضًا- يشهد بأن الوثنية كانت فيها جاذبية خاصة لليهود) (٣)!
ويدل تلمود بابل الذي يبالغ اليهود في تقديسه، وقد يفضلونه على التوراة، وكان متداولًا بين اليهود في القرن السادس المسيحي، وما زخر به من نماذج غريبة من خفة العقل، وسخف القول، والاجتراء على الله، والعبث
_________________
(١) Jewis Encyclopaedia V. ٩ .p. ٥٨٩ .
(٢) المرجع السابق.
(٣) السيرة النبويّة: الندوي: ٢٠ نقلًا عن: Jewis Encyclopaedia vol ١١ و١١ × ص ٧ و٧٧
[ ٢ / ٢٥٤ ]
بالحقائق، والتلاعب بالدين والعقل، على ما وصل إليه المجتمع اليهودي في هذا القرن من الانحطاط العقلي، وفساد الذوق الديني (١)!
وقد أورد الشيخ محمد رشيد رضا - ﵀ - خلاصة مفيدة عن مكانة (عزرا) عند اليهود، وعلق عليها كذلك تعليقًا مفيدًا، ننقل منه هنا ما يفيدنا في موضوعنا، قال (٢):
جاء في دائرة المعارف اليهوديّة الإِنجليزيّة ط ١٩٠٣ م: (إن عصر عزرا هو ربيع التاريخ الملّي لليهوديّة، الذي تفتحت فيه أزهاره، وعبق شذا ورده، وإنه جدير بأن يكون هو ناشر الشريعة (وفي الأصل عربة أو مركبة الشريعة) لو لم يكن جاء بها موسى (التلمود ٢١ ب) فقد كانت نسيت، ولكن عزرا أعادها أو أحياها، ولولا خطايا بني إسرائيل لاستطاعوا رؤية الآيات (المعجزات) كما رأوها في عصر موسى)!
وذكر فيها أنه كتب الشريعة بالحروف الأشورية -وكان يضع علامات على الكلمات التي يشك فيها- وأن مبدأ التاريخ اليهودي يرجع إلى عهده!
وقال الدكتور (جورج يوسف) في (قاموس الكتاب المقدس): عزرا (عون) كاهن يهودي، وكاتب شهير، سكن بابل، مدة ملك (أرتحششتا) الطويل الباع، وفي السنة السابعة لملكه أباح لعزرا بأن يأخذ عددًا وافرًا من الشعب إلى أورشليم نحو سنة ٤٥٧ ق. م. (عزرا ص ٧) وكانت مدة السفر أربعة أشهر!
_________________
(١) اقرأ (الكنز المرصود في قواعد التلمود) للدكتور يوسف حنا نصر الله.
(٢) تفسير المنار: ١٠: ٣٢٢ وما بعدها بتصرف، دار المعرفة، بيروت، ط. ثانية.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
ثم قال: (وفي تقليد اليهود يشغل عزرا موضعًا مُهمًا يقابل بموضع موسى وإيليا، ويقولون: إنه أسس المجمع الكبير، وإنه جمع أسفار الكتاب المقدس، وأدخل الأحرف الكلدانية عوض العبرانية القديمة، وإنه ألف أسفار الأيام وعزرا ونحميا)!
ثم قال: (ولغة سفر عزرا من ص ٤: ٨ - ٦: ١٩ كلدانية، وكذلك ص ٧:
١ - ٢٧ وكان الشعب بعد رجوعهم من السبي يفهمون الكلدانية أكثر من العبرانية)!
وأقول (١): إن المشهور عند مؤرخي الأمم، حتى أهل الكتاب منهم، أن التوراة التي كتبها -موسى ﵇- ووضعها في تابوت العهد أو بجانبه (تث ٣١: ٢٥، ٢٦) قد فقدت قبل عهد سليمان -﵇- فإنه لما فتح التابوت في عهده لم يجد فيه غير اللوحين اللذين كتب فيهما الوصايا العشر، كما تراه في سفر الملوك الأول، وأن (عزرا) هذا هو الذي كتب التوراة وغيرها بعد النبي بالحروف الكلدانية، واللغة الكلدانية الممزوجة ببقايا اللغة العبرية التي نسي اليهود معظمها، ويقول أهل الكتاب: إن (عزرا) كتبها كما كانت بوحي أو بإلهام من الله، وهذا ما لا يسلمه لهم غيرهم، وعليه اعتراضات كثيرة مذكورة في مواضعها من الكتب الخاصة بهذا الشأن، حتى من تآليفهم، كذخيرة الألباب للكاثوليك، وأصله فرنسي، وقد عقد الفصلين: الحادي عشر، والثاني عشر، لذكر بعض الاعتراضات على كون الأسفار الخمسة لموسى. ومنها قوله:
(٧ - جاء في سفر عزرا (٤ ف ١٤ عدد ٢١) أن جميع الأسفار المقدسة
_________________
(١) المرجع السابق.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
حرقت بالنار في عهد (نبوخذ نصر)، حيث قال: (إن النار أبطلت شريعتك، فلم يعد سبيل لأي امرئ أن يعرف ما صنعت ويزاد على ذلك أن عزرا أباح بوحي الروح المقدس تأليف الأسفار المقدسة التي أبادتها النار، وعضده فيها كتبة خمسة معاصرون، ولذلك ترى (ثرثوليانوس) والقديس (إيريناوس) والقديس (إيرونيموس) والقديس (يوحنا الذهبي) والقديس (باسيليوس) وغيرهم، يدعون عزرا مرمم الأسفار المقدسة المعروفة عند اليهود!
نكتفي بهذا البيان هنا، ولنا فيه غرضان:
أحدهما: أن جميع أهل الكتاب مدينون لعزير هذا في مستند دينهم، وأصل كتبهم المقدسة عندهم!
وثانيهما: أن هذا المستند واهي البيان، متداعي الأركان، وهذا هو الذي حققه علماء أوروبا الأحرار، فقد جاء في ترجمته من دائرة المعارف البريطانية بعد ذكر ما سفر (نحميا) من كتابته للشريعة:
(إنه جاء في روايات أخرى متأخرة عنها، أنه لم يعد إليهم الشريعة التي أحرقت فقط، بل أعاد جميع الأسفار العبرية التي كانت أتلفت، وأعاد سبعين سفرًا غير قانونية (أبو كريف) ثم قال كاتب الترجمة فيها:
وإذا كانت الأسطورة الخاصة بعزرا هذا قد كتبها من كتبها من المؤرخين بأقلامهم، من تلقاء أنفسهم، ولم يستندوا في شيء منها إلى كتاب آخر، فكتّاب هذا العصر يرون أن أسطورة عزرا قد اختلقها أولئك الرواة اختلافًا)!
(انظر ص ١٤ جـ ٩ من الطبعة الرابعة عشر سنة ١٩٢٩ م)!
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وجملة القول: أن اليهود كانوا وما يزالون يقدسون (عزرا) هذا، حتى إن بعضهم أطلق عليه لقب (ابن الله) (١)!
٤ - العهد الجديد:
أما أمر الأناجيل التي تسمى (العهد الجديد) (٢)، فأمرها أغرب من صحف العهد القديم، فإنه يكتنف تدوينها ومؤلفيها الشيء الكثير من الغموض والالتباس والاضطراب، وبينها وبن المسيح -﵇- هوة عميقة واسعة، ليس في إمكان باحث أو مؤرخ ردمها أو إقامة جسر عليها، وقد تعرضت للتحوبر والتطوير، والتعديل والتحسين، في مجامع دينية، وفترات زمانية عديدة، فضلًا عن أن هذه الصحف التي بأيدينا اليوم ليست باللغة التي كان لمجلم بها المسيح -﵇- وقومه، بل نقلت من لغة إلى أخرى، وتناولتها أيدي المترجمين الناقلين حتى وصلت إلينا!
شهادة إيتين دينيه (ناصر الدين) (٣):
وإليك شهادة إيتين دينيه (ناصر الدين) الذي ولد في باريس سنة ١٨٦١ م والذي نشأ مسيحيًّا، وشبّ وترعرع على عقيدة التثليث والصلب، والفداء والغفران، بيد أنه قد استولى عليه شعور بالقلق والحيرة من الناحية الدينيّة،
_________________
(١) انظر ما تثبته النصارى بخلاف نص التوراة وتكذيبهم لنصوصها التي بأيدي اليهود، في: الفصل في الملل والأهواء والنحل: ٢: ٧ - ١٠: ابن حزم، وبهامشه: الملل والنحل: الشهرستاني، دار الفكر: ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م.
(٢) النبوة والأنبياء: الندوي ٢٠١.
(٣) انظر مقدمة الدكتور عبد الحليم محمود -يرحمه الله- لكتاب: محمد رسول الله - ﷺ -: ٣٧ وما بعدها، دار الكتاب اللبناني.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وأداه بحثه في الأناجيل، وقيمتها التاريخية إلى قوله
وأخذ يبحث عن معالم الدّين الحق، فتأمل وأطال التفكير في الكون، والنصوص والعقائد التي يدين بها، وأعاد قراءة الأناجيل من جديد، محاولًا جهده أن يراها تتسم بسمة الحق، فيؤمن بابن الله، وبالكاثوليكيّة، فرأى فيها ما يتنافى مع الصورة المثلى للإنسان الكامل، فضلًا عن الصورة التي تريد المسيحيّة أن توحي بها (١)!
وأداه بحثه في الأناجيل، وقيمتها التاريخيّة إلى قوله: (لا شك أن الله أوحى الإنجيل إلى عيسى بلغته ولغة قومه، ولا شك -أيضًا- أن هذا الإنجيل قد ضاع واندثر، ولم يبق له أثر، أو أنه باد، أو أنه قد أُبيد، ولهذا قد جعلوا مكانة (توليفات) أربعًا، مشكوكًا في صحتها، وفي نسبتها التاريخيّة، كما أنها مكتوبة باللغة اليونانيّة، وهي لغة لا تتفق طبيعتها مع لغة عيسى الأصليّة التي هي لغة سامية، لذلك كانت صلة السماء بهذه الأناجيل اليونانيّة أضعف بكثير من صلتها بتوراة اليهود) (٢)!
ورأى في النهاية في وضوح: (أن الديانة الكاثوليكيّة لا تتحمل البحث والمناقشة؛ فقد أظهرت الأدلة العديدة -سواء أكانت أخلاقيّة أم تاريخيّة أم علميّة أم لغويّة، أم سيكولوجيّة، أم دينيّة- أن الكاثوليكيّة ملأى بالأغلاط الواضحة)!
ولم يمكنه أن يقول ما قال (أوغسظين) مما يعتبر شعار كل مسيحي:
(إنني أؤمن بذلك؛ لأن ذلك غير معقول) (٣)!
_________________
(١) انظر مقدمة المرجع السابق: ١٠.
(٢) المرجع السابق: ١١ نقلًا عن: أشعة خاصة بنور الإسلام.
(٣) المرجع السابق.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
وثار شعوره الديني على أوضاع مبهمة، وألفاظ غامضة، ومشكلات لا تحل، وانتهى به المطاف، بعد بحث وجدل ومناظرات وتأملات، إلى رفض المسيحيّة، وبلغت حيرته حينئذ أشدها، ولكن اليأس لم يتطرق إلى نفسه قط، وإذا لم يجد الهداية في المسيحيّة، فليس معنى ذلك أنه لم يجدها مطلقًا، فالحقيقة عزيزة المجال، ولكنها موجودة!
ورأى (دينيه) أن يتجه إلى العقل، يستمد منه الهداية إلى الطريق المستقيم، ولكنه انتهى إلى أن العقل عاجز في ميدان ما وراء الطبيعة، وفي الواقع:
(يسعى كثير من ذوي العقول المستنيرة -بعد أن أفاقوا من غفلتهم، وبعد أن رأوا إخفاق مذهب استقلال العقل بالمعرفة- لتعرف طريق الهداية، وأن مذهب الحس الذي يتهافتون عليه خلف حامل لوائه المسيو (برجسون) الشهير، هو عبارة عن رد فعل واضح لمذهب استقلال العقل بالمعرفة، أو هو -وهو الأصح- رد فعل لعجز هذا المذهب)!
فقد جدّد هذا المفكر -في قلوب الناس النَهمين إلى الإيمان- آمالًا كان يظهر أنها ضاعت ضياعًا نهائيًّا، فهو يأذن لهم بأن يأملوا في خلود الروح، ويقول لهم: (إن الدنيا ليست مشتبكًا عظيمًا لقوى عمياء، وإن العقل ليس هو الطريقة الوحيدة للمعرفة) (١)!
أخفقت المسيحيّة في إرضاء ضميره الديني، وأخفق العقل في قيادته إلى النور، وتلفت حوله ونظر: ماذا فعل أمثاله ممن شكّوا في المسيحيّة، وشكّوا في العقل، وهداه الله لـ (الدّين القيّم) (٢)!
_________________
(١) المرجع السابق: ١٢.
(٢) انظر المرجع السابق: ١٢ وما بعدها.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
شواهد داخلية:
وهناك شواهد داخليّة (١)، من أغلاط تاريخيّة صريحة، وتناقضات واضحة، وأمور مستحيلة، ينكرها العقل، ونسبة أشياء إلى الله لا تليق بجلاله وكماله، ولا تتفق مع صفاته التي اتفقت عليها الشرائع السماويّة، والعقول السليمة، ومطاعن في أنبياء الله المكرمين، واتهامهم بأفعال وأخلاق يترفع عنها أواسط الناس، إلى غير ذلك من الشواهد الجليّة، الكثيرة العدد، التي تدل على الدس والإلحاق والتغيير في كتب العهدين: القديم والجديد، التي تسمى مجموعًا (Bible) أو (الكتاب المقدس) (٢)!
ويتحدث كاتب مسيحي عن مدى تغلغل عقيدة التثليث في المجتمع المسيحي، منذ أواخر القرن الرابع الميلادي، فيقول:
(تغلغل الاعتقاد بأن الإله الواحد مركب من ثلالة أقانيم، في أحشاء حياة العالم المسيحي وفكره، منذ ربع القرن الرابع الأخير، ودامت كعقيدة رسميّة مسلمة، عليها الاعتماد في جميع أنحاء العالم المسيحي، ولم يرفع الستار عن تطور عقيدة التثليث وسرها إلا في المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر الميلادي) (٣)!
ويتحدث مؤرخ مسيحي معاصر عن ظهور الوثنيّة في المجتمع المسيحي في مظاهر مختلفة، وألوان شتى، وتفنّن المسيحيّين في اقتباس الشعائر والعادات
_________________
(١) النبوة والأنبياء: ٢٠٤ وما بعدها بتصرف.
(٢) انظر كتاب (إظهار الحق) رحمة الله الهندي، المتوفى سنة ١٣٠٨ هـ.
(٣) السيرة النبويّة: الندوي ٢١ - ٢٢ نقلًا عن ملخص ما جاء في دائرة العارف الكاثوليكية الجديدة، مقال التثليث المقدس: ١٤: ٢٩٥.
[ ٢ / ٢٦١ ]
والأعياد والأبطال الوثنيّة، من أمم عريقة في الشرك، بحكم التقليد، أو الإعجاب، أو الجهل، فقد جاء في (تاريخ المسيحيّة في ضوء العلم المعاصر):
(لنقد انتهت الوثنيّة، ولكنها لم تلق إبادة كاملة، بل إنها تغلغلت في النفوس، واستمر كل شيء فيها باسم المسيحيّة، وفي ستارها، فالذين تجردوا عن آلهتهم وأبطالهم، وتخلوا عنها، أخذوا شهيدًا من شهدائهم، ولقبوه بأوصاف الآلهة، ثم صنعوا له تمثالًا، وهكذا انتقل هذا الشرك، وعبادة الأصنام، إلى هؤلاء الشهداء المحليّين، ولم ينته هذا القرن حتى عمّت فيهم عبادة الشهداء والأولياء، وتكونت عقيدة جديدة، وهي أن الأولياء يحملون صفات الألوهيّة، وصار هؤلاء الأولياء والقديسون خلقًا وسطًا بين الله والإنسان، يحمل صفة الألوهيّة، على أساس عقائد الأريسيّين، وأصبحوا رمزًا لقداسة القرون الوسطى وورعها وطهرها، وغيرت أسماء الأعياد الوثنيّة بأسماء جديدة، حتى تحول في عام ٤٠٠ ميلادي عيد الشمس القديم إلى عيد ميلاد المسيح) (١)!
وجاء القرن السادس المسيحي، والحرب قائمة على قدم وساق، بين نصارى الشام والعراق من جهة، ونصارى مصر من جهة أخرى مقابلة، حول حقيقة المسيح وطبيعته، وتحولت المدارس والكنائس والبيوت، معسكرات متنافسة، يكفّر بعضها بعضًا، ويقتل بضعها بعضًا، كأنها حرب بين دينين متنافسين، أو أمتين متحاربتين (٢)، فأصبح العالم المسيحي في شغل بنفسه
_________________
(١) Rev، James Houston Baxter in the History of Christianity in the light of Modernknwledge. (Glasgow، ١٩٢٩) P ٤٠ z.
(٢) راجع (فتح العرب لمصر): (الفرد بتلر) تعريب محمد فريد أبو حديد: ٣٧، ٣٨، ٤٧.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
عن محاربة الفساد، وإصلاح الحال، ودعوة الأمم إلى ما فيه صلاح للإنسانيّة (١)!
٥ - الإمبراطوريّة الرومانية الشرقية:
وهي المعروفة بالإمبراطوريّة البيزنطيّة، ويعرفها العرب بالروم، وكانت تحكم في العصر الذي نتحدث عنه، دول: يونان، وبلقان، وآسيا الصغرى، وسوريا، وفلسطين، وحوض البحر الأبيض المتوسط بأسره، ومصر، وكل أفريقيا الشماليّة، وكانت عاصمتها القسطنطينية، وكان ابتداء الإمبراطوريّة المذكورة سنة ٣٩٥ م، وانتهاؤها بغلبة العثمانيّين على القسطنطينيّة سنة ١٤٥٣ م (٢)!
وقد ازدادت فيها الإتاوات، وتضاعفت الضرائب، حتى أصبح أهل البلاد يفضلون على حكومتهم كل حكومة أجنبيّة، وحدثت اضطرابات إثر اضطرابات وثورات إثر ثورات، وقد هلك عام ٥٣٢ م في اضطراب واحد في عهد (جيستن الأول) (Justini) ثلاثون ألف شخص في القسطنطينيّة (٣) -عاصمة المملكة- وأصبح الهم الوحيد اكتساب المال من أي وجه، ثم إنفاقه في التطرف، وقد أمعنوا في طرق التسلية، حتى وصلوا فيها إلى الوحشية (٤)!
_________________
(١) انظر مناقضات الأناجيل الأربعة وما فيها من الكذب، والكلام في الحواريّين، وذكر بعض ما في كتبهم غير الآناجيل من الكذب، في: الفصل في الملل والأهواء والنحل: ٢ - ١١ - ٧٨: ابن حزم، وبهامشه: الملل والنحل: الشهرستاني، دار الفكر: ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م.
(٢) السيرة النبويّة: الندوي: ٢٩ وما بعدها بتصرف.
(٣) انظر (تاريخ العالم) للمؤرخين Historian's of the World. Vol. Vilp. ٧٣ .
(٤) اقرأ كتاب (سقوط دولة روما وانحطاطها) أيدوار ديجيبون: ٣ - ٥.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
وجاء في كتاب (الحضارة ماضيها وحاضرها) تصوير لما كان عليه المجتمع البيزنطي من التناقض والاضطراب، والهيام بالتمتّع والتسلية، وإن وصلت إلى حد القسوة والهمجيّة:
(كان هناك تناقض هائل في الحياة الاجتماعيّة للبيزنطيّن، فقد رسخت النزعة الدينيّة في أذهانهم، وعمت الرهبانيّة، وشاعت في طول البلاد وعرضها، وأصبح الرجل الاعتيادي في البلاد يتدخل في الأبحاث الدينيّة العميقة، والجدل البيزنطي، ويتشاغل بها، كما طبعت الحياة الاعتيادية العامة بطابع المذهب الباطني، ولكن نرى هؤلاء -في جانب آخر- حريصين أشد الحرص على كل نوع من أنواع اللهو واللعب، والطرب والترف؛ فقد كانت هناك ميادين رياضيّة واسعة تتسع لجلوس ثمانين ألف شخص، يتفرجون فيها على مصارعات بين الرجال والرجال أحيانًا، وبين الرجال والسباع أحيانًا أخرى، وكانوا يقسمون الجماهير في لونين:
لون أزرق!
ولون أخضر!
وكانوا يحبون الجمال، ويعشقون العنف والهمجيّة، وكانت ألعابهم دمويّة ضارية أكثر الأحيان، وكانت عقوباتهم فظيعة، تقشعر منها الجلود، وكانت حياة سادتهم وكبرائهم عبارة عن المجنون والترف، والمؤامرات والمجاملات الزائدة، والقبائح والعادات السيّئة) (١)!
أما مصر -إحدى ولايات الدولة البيزنطيّة- فكانت عرضة لاضطهاد ديني
_________________
(١) M. Taylor: Girvilisation. Past and Present. T. Walter. Wallbank and Alastain.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
فظيع، واستبداد سياسي شنيع، وكان البؤس والشقاء مما كانت تعانيه مصر، التي كانت مصدرًا كبيرًا لرخاء الدولة وغناها، وقد اتخذها الروم شاة حلوبًا يحسنون حلبها، ويسيئون علفها (١)!
أما سورية -ولاية الإمبراطوريّة البيزنطيّة الأخرى- فكانت مطيّة المطامع الرومانيّة، وكان الحكم حكم الغرباء الذي لا يعتمد إلا على القوة ولا يشعر بشيء من العطف على الشعب المحكوم، وكثيرًا ما كان السوريّون يَبيعُون أبناءهم ليوفروا ما عليهم من ديون، وقد كثرت المظالم وكثر الرقيق (٢)!
٦ - الإمبراطوريّة الإيرانيّة:
وقد كانت أعظم من الإمبراطوريّة الرومانيّة الشرقيّة، بعد انشقاقها عن الإمبراطوريّة الرومانيّة الكبرى مساحة وأبهة وثروة، وقد تأسست على يد (أردشير) في سنة ٢٢٤ م، وكانت تحكم حين بلغت أوجها: أسبرية، وخوزستان، وميديه، وفارس، وأذربيجان، وطبرستان، وسرخس، وجوزجان، وكرمان، ومرو، وبلخ، وسفد، وسيستان، وهرات، وخراسان، وخوارزم، والعراق، واليمن، وقد دخلت بعض ولايات الهند، مثل: كجه، وكاتهياوار، ومالوه، في حكمها في بعض الفترات، وقد اتسعت هذه الإمبراطوريّة اتساعًا كبيرًا في القرن الرابع المسيحي، وأوغلت في الشمال والشرق، وبلغت إلى أقصى حدودهما!
وكانت طيسيفون (المداين) عاصمة الإمبراطورية، ومقر الإمبراطور
_________________
(١) انظر: (فتح العرب لمصر): (الفرد بتلر)، وتاريخ العالم للمؤرخين: جـ ٧.
(٢) انظر: (خطط الشام): كرد علي: ١: ١٠١.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
الإيراني، وكانت مجموع مداين كما يبدو من اسمها العربي، وبلغت أوجها في الرقي والمدنية والبذخ، في القرن الخامس إلى ما بعد (١)!
وكانت الزرادشتية -وهي التي خلفت المزدكية- دين إيران القديمة، ومن المرجح أن (زرادشت) قد ظهر في القرن السابع قبل الميلاد، وكانت مؤسسة منذ أول يومها على الحرب القائمة بين النور والظلام، وبين روح الخير وروح الشر، أو بين إله الخير وإله الشر!
وجاء (ماني) في أوائل القرن الثالث المسيحي مجددًا لهذه العقيدة، مضيفًا إليها (٢)، وتبعه (شاه بور) الذي خلف (أردشير) (٢٤١ م) مؤسس الدولة الساسانيّة، واحتضن دعوته ثم أصبح معارضًا له، فقد كان (ماني) يدعو إلى حياة العزوبة، لحسم مادة الفساد والشر من العالم، ويعلن أن امتزاج النور بالظلمة شر، يجب الخلاص منه، فحرم النكاح استعجالًا للفناء، وانتصارًا للنور على الظلمة، بقطع النسل، وقضى أعوامًا في النفي، ثم عاد إلى إيران، وقتل في عهد (بهرام الأول) ولكن تعاليمه لم تمت، بل بقيت تؤثر في التفكير الإيراني، والمجتمع الإيراني، مدة طويلة!
وظهر (مزدك) في أوائل القرن الخامس المسيحي، فدعا إلى إباحة الأموال والنساء، وجعل النساء شركاء فيها، وقويت دعوته، وكان الناس يدخلون الرجل في داره، فيغلبونه على منزله وأمواله، لا يستطيع الامتناع منهم، وقد جاء في وثيقة إيرانيّة تاريخيّة، تعرف بـ (نامه تنسر) تصوير لذلك العصر الذي انتشرت فيه الدعوة المزدكية، وكانت لها السيطرة والنفوذ:
_________________
(١) راجع (إيران في عهد الساسانيين): البروفيسور آرتهر كرستن سين.
(٢) انظر تعليمات (ماني) ودعوته وفلسفته: المرجع السابق: الباب الرابع: النبي ماني وديانته: ٢٣٣ - ٢٦٩.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
(وانتهكت الأعراض، وعم خلع العذار، لقد نشأ جيل لا كرامة فيه ولا عمل، ولم يكن له رصيد، ولا ماض مجيد، وليس لهم هم لمصير الشعب، ولا إشفاق عليه، ولا يتصف بكمال ومهارة، كانت تسيطر عليهم اللامبالاة والبطالة، وكانوا بارعين في النميمة، والخبث، والافتراء، والبهتان، وقد اتخذوا ذلك وسيلة لكسب القوت، والوصول إلى الثروة والجاه) (١)!
ويقول (أرتهركرستن سين): (كانت النتيجة أن انتشرت ثورات الفلاحين، وكان النهابون يدخلون إلى قصور الأغنياء، وينهبون ما يجدون فيها من أموال وأثاث، ويلقون القبض على النساء، ويستولون على الأملاك والعقارات، فأصبحت الأراضي والمزارع مقفرة خربة؛ لأن هؤلاء الملاك الجدد لم يكن لهم عهد ولا معرفة بالفلاحة) (٢)!
ظهر من ذلك أنه كان في إيران القديمة استعداد عجيب دائمًا لقبول الدعوات المتطرفة الغالية، وكانت دائمًا تحت تأثير ردود فعل عنيفة، وكانت تتأرجح بين (أبيقورية) (٣) جامعة، وتنسك مغال حينًا، وبن احتكار سلالي، أو طبقي، أو ديني، وشيوعية متطرفة، وفوضوية مطلقة حينًا آخر، أفقدها هذا التاريخ الاتزان والاقتصاد والهدوء!
وكانت الأحول سيئة جدًا في هذه الإمبراطوريّة الساسانية، في القرن السادس المسيحي، فكانت تحت رحمة الملوك الذين كانوا يحكمون بالوراثة، ويرون أنفسهم فوق الناس، وفوق بني آدم، وكانوا يخاطبون بكلمة (الإله)،
_________________
(١) انظر (نامه تنسر) ط. مينوي: ١٣.
(٢) إيران في عهد الساسانيين: ٤٤٧.
(٣) مذهب (أبيقور) الفيلسوف الإغريقي الذي قال بأن المتعة هي الخير الأسمى.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وتضاف إليهم كلمة الألوهيّة بطريق مكشوف، وكان الإمبراطور (الإنسان الأول) وكان لا يسمى باسمه عند الخطاب، وكان يعتبر من نسل الآلهة (١)!
وكانت موارد البلاد كلها ملكًا لهؤلاء الملوك، وقد تطرفوا في اكتناز الأموال، وادخار الطُّرَف، والأشياء الغالية، والتأنق في المعيشة، والتمتع بالحياة، وقد وصل الولوع بالتلذذ، وترفيه الحياة، والمسابقة في مظاهر الغنى والعظمة، إلى حد الخيال والشعر، لا يتصوره إلا من توسع في تاريخ إيران القديمة، وشعرها وأدبها (٢)، واطلع على تفاصيل مدينة (طيسيفون) وإيوان كسرى، وبهار كسرى (٣) (بساط الربيع)، وتاج كسرى، وما كان يختص بملوكهم من خدم وحشم، وزوجات وجوار، وغلمان وطهاة، وما كان للطيور والسباع، وأوان وقنص، التفاصيل الأسطورية التي يدهش لها الإنسان (٤)، وقد بلغ ذلك إلى حد أن (يزدجرد) آخر ملوك إيران لما خرج من عاصمته (المداين) هاربًا ينجو بنفسه من الفتح الإسلامي، أخذ معه -وهو في حالة الفرار- ألف طاه، وألف مغنٍّ، وألف قيم للنمور، وألف قيم للبزاة، وحاشية أخرى، وكان يستقل هذا العدد، ويعتبر نفسه لاجئًا فقيرًا، ويتصور أنه في حالة يرثى لها من قلة الحاشية، وفقدان أسباب الترفيه والتسلية (٥)!
هذا بجانب ما كان يعانيه الشعب من بؤس وشقاء، وتعب وعناء، وتذمر وبكاء، فكان أفراد هذا الشعب في جهد من العيش للحصول على ما يسد
_________________
(١) إيران في عهد الساسانيين: ٣٣٩.
(٢) اقرأ المرجع السابق: ١٦١ - ١٦٢.
(٣) راجع تاريخ الطبري: ٤: ١٧٨.
(٤) راجع تاريخ إيران: شاهين مكاريوس: ٩٠ ط. ١٨٩٨ م.
(٥) راجع إيران في عهد الساسانيين: ٦٨١.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
رمقهم، ويستر عورتهم، يرزحون تحت أثقال الضرائب والإتاوات، ويرسفون في القيود والأغلال، ويعيشون عيش البهائم، حتى ترك كثير من المزارعين أعمالهم، أو دخلوا الأديرة فرارًا من الضرائب، والخدمة العسكريّة (١)، وكانوا وقودًا حقيرًا في حروب طاحنة مدمرة، قامت في فترات من التاريخ، ودامت سنين طوالًا بين المملكة الشرقيّة الساسانيّة والمملكة الغربيّة البيزنطيّة، لا مصلحة للشعب فيها ولا رغبة (٢)!
ولا نتحدث عن المجوسيّة، والبوذيّة، والهندكيّة، وغير ذلك مما كان منتشرًا في هذا العصر الجاهلي، حتى لا يطول بنا الحديث!
وحسبنا ما ذكرنا من الحديث عن الإمبراطوريّة الإيرانيّة كنموذج؛ لأنها كانت الإمبراطوريّة المقابلة للإمبراطوريّة الرومانيّة الشرقيّة!
٧ - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾:
قال تَعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة]!
وفي هذا بيان ضلال عقيدة أهل الكتاب، وأنها تضاهئ عقيدة المشركين من العرب، والوثنيّين من قدامى الرومان وغيرهم، وأنهم لم يستقيموا على
_________________
(١) راجع المصدر السابق.
(٢) راجع المصدر السابق: مملكة الشرق ومملكة الغرب: ٢٦٩ - ٣٣٣.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
العقيدة الصحيحة التي جاءت بها كتبهم، فلا عبرة إذن بأنهم أهل كتاب، وهم يخالفون في الاعتقاد والأصل الذي تقوم عليه العقيدة الصحيحة في كتبهم!
ومن قرأ كتب اليهود والنصارى رأى فيها لقب (ابن الله) قد أطلق (١) على آدم (انظر إنجيل لوقا: ٣: ٣٨) وعلى يعقوب، وداود، مع لقب البكر (انظر سفر الخروج: ٤: ٢٢، ٢٣، والمزمور: ٩٨: ٢٦، ٢٧) وكذلك على أفرام (انظر نبوة أرمياء: ٣١: ٩)، وعلى المسيح، ولكن مع لقب الحبيب، وأطلق مجموعًا على الملائكة، وعلى المؤمنين الصالحين، وهذا الاستعمال كثير في العهد الجديد، ومنه ما حكاه متى في وعظ المسيح على الجبل (٥: ٩ طوبى لصانعي السلام؛ لأنهم أبناء الله يدعون)!
وقال بولس في رسالته إلى أهل رومية: (٨: ١٤ لأن كل الذين ينقادون بروح الله، فأولئك هم أبناء الله)!
وجاء في سياق المناظرة بين المسيح واليهود من إنجيل يوحنا ما نصه:
(٨: ٤١ أنتم تعلمون أعمال أبيكم، فقالوا له: إننا لم نولد من زنى، لنا أب واحد، وهو الله: ٤٢ فقال لهم يسوع: لو كان الله أباكم لكنتم تحبوني -إلى أن قال-: ٤٤ أنتم من أب هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا)!
وفي هذا المعنى ما جاء في الرسالة الأولى من رسالتي يوحنا:
(٣: ٩ كل من هو مولود من الله لا يفعل خطيئة؛ لأن زرعه يثبت فيه، ولا يستطيع أن يخطئ؛ لأنه مولود من الله ١٠ بهذا أولاد الله ظاهرون، وأولاد إبليس)!
وقال جورج بوست في قاموس الكتاب المقدس (٢): (الله) اسم خالق
_________________
(١) تفسير المنار: ٦: ٣١٤.
(٢) المرجع السابق: ١٠: ٣٣٢ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
جميع الكائنات، والحاكم الأعظم، على جميع العوالم، والمعطي كل المواهب الحسنة، و(الله) "روح غير محدود، أزلي غير متغير في وجوده وحكمته وقدرته وقداسته وعدله، وجودته وحقه" وهو يظهر لنا بطرق متنوعة، وأحوال مختلفة، في أعماله وتدبير عنايته (رو: ١: ٢٠) ولا سيما في الكتب المقدسة، حيث يتجلى غاية التجلي في شخصيّته وأعمال ابنه الوحيد المخلص يسوع المسيح .. ثم قال: "طبيعة الله" عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر (مت ٢٨: ١٩، ٢ كو ١٣: ١٤) الله الآب، والله الابن، والله الروح القدس، فإلى الآب ينتمي الخلق بواسطة الابن (مز ٣٣: ٦، وكو ١: ١٦، وعب: ٢٠١) وإلى الابن الفدى، وإلى الروح القدس التطهير، غير أن الثلاثة أقانيم تتقاسم جميع الأعمال الإلهيّة على السواء، أما مسألة التثليث فغير واضحة في العهد القديم، كما هي في العهد الجديد، وقد أشير إلى هذا الأمر في تك ص ١ حيث ذكر (الله) و(روح الله) (قابل مز ٣٣: ٦، ويو: ١: ١، ٣) والحكمة الإلهيّة المشخصة (أم ص ٨) تقابل (الحكمة) في (يو ص ١) وربما تشير إلى الأقنوم الثاني. وتطلق نعوت القدير على كل أقنوم من هذه الأقانيم على حدته .. ثم قال:
وهذا اللقب يدل على طبيعة المسيح الإلهيّة، كما أن القول بأنه (ابن الإنسان) يدل على طبيعته البشريّة، والمسيح هو ابن الله الأزلي، والابن الوحيد (قابل يو ١٨٠١، ٥: ١٩ - ٢٦، و٩: ٣٥: ٣٨، ومت ١١: ٢٧، ١٦، ٢١: ٣٧ وآيات أخرى غير هذه في الرسائل) ومع أن المسيح يأمرنا بأن ندعو الله (أبانا) فهو لا يدعوه كذلك، إنما يدعوه (أبي) وذلك إيماء لما هنالك من الألفة العظيمة، والعلاقة الشديدة الكائنة بينهما، مما تفوق علاقته كل علاقة بشريّة،
[ ٢ / ٢٧١ ]
وإشارة إلى أننا نحن أولاده ليس على سبيل البنوة التي للمسيح ربنا، من قبيل البنوة التي أنعم علينا بها بواسطة التبني والتجديد) ا. هـ بحروفه!
وقد ناقش صاحب المنار - ﵀ - هذه الأقوال وفندها (١)!
وقال (٢): والجدال عن الأقانيم في اللاهوت ابتدأ في العصر الرسولي، وقد نشأ على الأكثر عن تعاليم الفلاسفة الهيلانيّين، والغنوسطيّين، فإن (ثيوفيلوس) أسقف أنطاقية في القرن الثاني استعمل كلمة (ثرياس) باليونانيّة، ثم كان (ترتليانوس) أول من استعمل كلمة (ترينيتاس) باليونانيّة، ثم كان (ترتليانوس) أول من استعمل كلمة (ترينيتاس) المرادفة لها، ومعناها (الثالوث)!
وفي الأيام السابقة للمجمع النيقاوي حصل جدال مستمر في هذا التعليم، وعلى الخصوص في الشرق، وحكمت الكنيسة على كثير من الآراء بأنها (أراتيكيّة) (٣)، ومن جملتها (آراء الأبيونيّين) الذين كانوا يعتقدون أن المسيح إنسان محض، و(السابيليّن) الذين كانوا يعتقدون أن الآب، والابن، والروح القدس إنما هي صور مختلفة، أعلن بها الله نفسه للناس، و(الآريوسيّين) الذين كانوا يعتقدون أن الابن ليس أزليًّا كالأب؛ بل هو مخلوق منه قبل العالم، ولذلك هو دون الأب، وخاضع له، و(المكدونيّين) الذين كون الروح القدس أقنوما!
_________________
(١) انظر تفسير المنار: ١٠: ٣٣٤ وما بعدها.
(٢) المرجع السابق: ٣٢٩ وما بعدها بتصرف.
(٣) المراد بالأراتيكية: المبتدعة، من الأرتقة، والأشهر: الهرتقة، وبعضهم يقول: هرطقة، بقلب التاء طاء، وأصله تفخيمها.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وأما تعليم الكنيسة فقد قرره المجمع النيقاوي سنة ٣٢٥ للميلاد، ومجمع القسطنطينيّة سنة ٣٨١ وقد حكما بأن الابن، والروح القدس مساويان للأب في وحدة اللاهوت، وأن الابن قد ولد منذ الأزل من الأب، وأن الروح القدس منبثق من الأب، ومجمع طليطلة المنعقد سنة ٥٨٩ حكم بأن الروح القدس منبثق من الابن أيضًا، وقد قبلت الكنيسة اللاتينية بأسرها هذه الزيادة وتمسكت بها، وأما الكنيسة اليونانية فمع أنها كانت في أول الأمر ساكتة لا تقاوم، قد أقامت الحجة فيما بعد على تغيير القانون، حاسبة ذلك بدعة!
وعبارة (ومن الابن أيضًا) لا تزال من جملة الموانع الكبرى للاتحاد بين الكنيسة اليونانيّة والكاثوليكيّة، وكتب اللوثريّين والكنائس المصلحة أبقت تعليم الكنيسة الكاثوليكيّة للثالوث على ما كان عليه من دون تغيير، ولكن قد ضاد ذلك منذ القرن الثالث عشر جمهور كبير من اللاهوتيّين، وعدة طوائف جديدة، كـ (السوسينيانيّين)، و(الجرمانيّن)، و(العموميّين)، وغيرهم .. حاسبين ذلك مضادًا للكتاب المقدس والعقل، وقد أطلق (سويدنبرغ الثالوث) على أقنوم المسيح، معلمًا بثالوث، ولكن لا ثالوث الأقانيم، بل ثالوث الأقنوم، وكان يفهم بذلك أن ما هو إلهي في طبيعة المسيح هو الأب، وأن الإلهي الذي اتحد بناسوت المسيح هو الابن، وأن الإلهي الذي انبثق منه هو الروح القدس، وانتشار مذهبي العقليين في الكنائس اللوثيريّة، والمصلحة أضعف مدة من الزمان اعتقاد الثالوث بين عدد كبير من اللاهوتيّين الجرمانيّين!
وقد ذهب (كنت) إلى أن الأب والابن والروح القدس إنما تدل على صفات أساسية في اللاهوت، وهي القدرة والحكمة والمحبة، أو على ثلاثة فواعل عليا، وهي الخلق والحفظ والضبط، وقد حاول كل من (هيجين) و(شلنغ) أن يجعلا
[ ٢ / ٢٧٣ ]
لتعليم الثالوث أساسًا تخيليًا، وقد اقتدى بهما اللاهوتيون الجرمانيون المتأخرون، وحاولوا المحاماة عن تعليم الثالوث بطرق مبنية على أسس تخيلية ولاهوتية، وبعض اللاهوتيين الذين يعتمدون على الوحي لا يتمسكون بتعليم استقامة الرأي الكنائسية بالتدقيق، كما هي مقررة في مجمعي نيقية والقسطنطينية المسكونيين، وقد قام محامون كثيرون في الأيام المتأخرة لعضد أراء السابيليين على الخصوص. اهـ!
من هذا العرض المجمل المفيد، نرى أن هؤلاء لا يدينون دين الحق!
ونرى التعقيب القرآني، الذي بدأنا به حديثنا على قول ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وقول النصارى ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ يثبت أنهم في هذا يماثلون قول الذين كفروا من قبلي ومعتقداتهم وتصوراتهم:
﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾!
فهو أولا يثبت (١) أن هذا القول صادر منهم، وليس مقولًا عنهم، ومن ثم يذكر (أفواههم) لاستحضار الصورة الحسيّة الواقعيّة -على طريقة القرآن في التصوير- إذ إنه مفهوم أن قولهم يكون بأفواههم، فهذه الزيادة ليست لغوًا -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- وليست إطنابًا زائدًا، إنما هي طريقة التعبير القرآنية التصويرية، فهي التي تستحضر صورة القول، وتحيلها واقعية، وكأنها مسموعة مرئية!
وذلك فضلًا على ما تؤديه من معنى بياني آخر -إلى جانب إحياء الصورة وإثباتها-، وهو أن القول لا حقيقة له في عالم الواقع، إنما هو مجرد قول بالأفواه ليس وراءه موضوع ولا حقيقة!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٣: ١٦٤٠ بتصرف.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
وهو ثانيًا يثبت جانبًا من جوانب الإعجاز في القرآن الكريم، يدل على مصدره الرباني، ذلك قوله جل شأنه:
﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾!
ولقد كان المفسرون يقولون عن هذه الآية: إن المقصود بها أن قولتهم بنبوة أحد لله، تماثل قول المشركين العرب بنبوة الملائكة لله، وهذا صحيح، ولكن دلالة هذا النص القرآني أبعد مدى، ولم يتضح هذا المدى البعيد إلا حديثًا، بعد دراسة عقائد الوثنيين في الهند، ومصر القديمة، والإغريق. . مما اتضح مع أصل العقائد المحرفة عند أهل الكتاب -وبخاصة النصارى- وتسربها من هذه الوثنيات إلى تعاليم (بولس) أولًا، ثم إلى تعليم المجامع أخيرًا!
إن الثالوث المصري المؤلف من (أوزوريس)، و(إيزيس)، و(حورس) هو قاعدة الوثنية الفرعونية، و(أوزوريس) يمثل الأب، و(حورس) يمثل الابن في هذا الثالوث!
وفي علم اللاهوت الإسكندري الذي كان يدرس قبل المسيح بسنوات كثيرة (الكلمة هي الإله الثاني) ويدعى أيضًا (ابن الله البكر)!
والهنود كانوا يقولون بثلاثة أقانيم، أو ثلاث حالات يتجلى فيها الإله (برهما) في حالة الخلق والتكوين، و(فشنو) في حالة الحفظ والقوامة، و(سيفا) في حالة الإهلاك والإبادة .. وفي هذه العقيدة، أن (فشنو) هو (الابن) المنبثق والمتحول عن اللاهوتية في (برهما)!
وكان الأشوريّون يؤمنون بالكلمة، ويسمونها (مردوخ) ويعتقدون أن مردوخ هذا هو ابن الله البكر!
[ ٢ / ٢٧٥ ]
وكان الإغريق يقولون بالإله المثلث الأقانيم، وإذا شرع كهنتهم في تقديم الذبائح يرشون المذبح بالماء المقدس ثلاث مرات، ويأخذون البخور من المبخرة بثلاث أصبع، ويرشون المجتمعين حول المذبح بالماء المقدس ثلاث مرات، إشارة إلى التثليث، وهذه الشعائر هي التي أخذتها الكنيسة بما وراءها من العقائد الوثنية، وضمتها للنصرانية تضاهئ بها قول الذين كفروا من قبل!
ومراجعة عقائد الوثنيين القدامى -التي لم تكن معروفة وقت نزول القرآن- مع هذا النص القرآني: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾!
كما أنها تثبت أن أهل الكتاب لا يدينون دين الحق، ولا يؤمنون بالله الإيمان الصحيح تبين كذلك جانبًا من جوانب الإعجاز في القرآن الكريم، بالدلالة على مصدره، وأنه من لدن عليم خبير!
وبعد هذا التقرير والبيان تختم الآية المبينة لحقيقة ما عليه أهل الكتاب من الكفر والشرك بقول الله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾!
قاتلهم الله!
كيف يصرفون عن الحق الواضح البسيط، إلى هذه الوثنية المعقدة الغامضة التي لا تستقيم لدي عقل أو ضمير؟!
٨ - الجزيرة العربية:
أما العرب فساءت أخلاقهم، وأولعوا بالخمر والقمار (١)، وبلغت بهم القساوة والحمية المزعومة إلى أن وأد بعضهم البنات، وشاعت فيهم الغارة وقطع الطريق على القوافل، وسقطت منزلة المرأة، فكانت تورث كما يورث
_________________
(١) السيرة النبوية: الندوى: ٤٠ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
المتاع أو الدابة، ومن المأكولات ما هو خاص للذكور محرم على الإناث، وكان يسوغ للرجل أن يتزوج ما شاء من النساء من غير تحديد، ومنهم من كان يقتل أولاده خشية الإنفاق، وخوف الفقر والإنفاق!
وكانت العصبية القبلية والدموية شديدة جامحة، وأغرموا بالحرب حتى صارت مسلاة لهم وملهى، وهانت عليهم إراقة الدماء فتثيرها حادثة تافهة، وتدوم أربعين سنة، ويقتل فيها ألوف من الناس!
٩ - أوروبا:
أما الأمم الأوروبية -المتوغلة في الشمال والغرب- فكانت تعيش في ظلام الجهل والأمية والحروب الدامية، وكانت بعيدة عن جادة قافلة الحياة الإنسانية، والعلوم والآداب، لا شأن للعالم بها ولا شأن لها بالعالم!
كانت أجسامهم قذرة، ورؤوسهم مملوءة بالأوهام، وكانوا يزهدون في النظافة واستعمال الماء، ويغالي الرهبان منهم في تعذيب الأجسام، والفرار من الإنسان (١)، وكانوا يبحثون في المرأة أهي حيوان أم إنسان؟ ولها روح خالدة أم ليست لها روح خالدة، وأن لها حق الملكية، والبيع والشراء، أم ليس لها شيء من ذلك؟!
يقول Robert Briffault:
(لقد أطبق على أوروبا ليل حالك من القرن الخامس إلى القرن العاشر، وكان هذا الليل يزداد ظلامًا وسوادًا، وقد كانت همجية ذلك العهد أشد
_________________
(١) انظر كتاب: (تاريخ الأخلاق الأوروبية): ٢: باب: (من قسطنطين إلى شارلمان): لمؤلفه Lecky.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
هولًا، وأفظع من همجيّة العهد القديم لأنها كانت أشبه بجثة حضارة كبيرة قد تعفنت، وقد انطمست معالم هذه الحضارة، وقُضي عليها بالزوال، وقد كانت الأقطار الكبيرة التي ازدهرت فيها هذه الحضارة وبلغت أوجها في الماضي، كإيطاليا، وفرنسا، فريسة الدمار والفوضى والخراب) (١)!
١٠ - ظلام مطبق وليل دامس:
كان عالمًا متداعيًا قد شارف النهاية (٢)، خلاصة ما يقال فيه: إنه عالم فقد العقيدة كما فقد النظام، فقد أسباب الطمأنينة في الباطن والظاهر!
طمأنينة الباطن قد تنشأ من الركون إلى قوة في الغيب، تبسط العدل، وتحمي الضعيف، وتجزي الظلم، وتختار الأصلح الأكمل من جميع الأمور!
وطمأنينة الظاهر التي تنشأ من الركون إلى دولة تقضي بالشريعة، وتفصل بين البغاة والأبرياء، وتحرس الطريق، وتخيف المبطلين!
بيزنطة قد خرجت من الدين إلى الجدل العقيم الذي أصبح بعد ذلك علمًا عليها، وتضاءلت سطوتها في البر والبحر، حتى طمع فيها من كان يحتمي بجوارها!
وفارس قد سخر فيها المجوس من دين المجوس، وكمنت حول عرشها كوامن الغيلة، وبواعث الفتن، ونوازع الشهوات!
والحبشة ضائعة بين الأوثان المستعارة من الماديّة تارة، ومن الهمجيّة تارة، وبين ما هو ضرب من عبادة الأوثان، ثم هي بعد هذا التشويه ليست بذات
_________________
(١) The Making of Humanity، P. ١٦٤
(٢) عبقرية محمد: العقاد: ١٢ بتصرف، دار الشعب.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
رسالة في الدنيا ولا بذات طور من أطوار التاريخ، فليس لها عمل باق في سجل الأعمال الباقيات!
كان عالمًا يتطلع إلى غير حاله، يتهيّأ للتبديل أو الهدم، ثم للبناء!
كان القرن السادس المسيحي من أحط أدوار التاريخ، ومن أشدها ظلامًا ويأسًا، من مستقبل الإنسانيّة وصلاحيتها للبقاء والازدهار!
وقد أحسن المؤلف الإنجليزي (هـ. ج. ولس H.G. Wells) تصوير هذا العصر فقال وهو يبحث الظروف السائدة في عهد الحكومتين: الساسانيّة، والبيزنطيّة، في القرن السادس للميلاد:
(كانت العلوم والفلسفة والسياسة في حالة احتضار في عهد هذين النظامين المتحاربين، والمتجهين إلى الانحطاط، فقد كان الجيل الأخير من فلاسفة أثينا عاضًا على المؤلفات الأدبيّة العتيقة بالنواجذ، بكل احترام وحب، ولو بدون فهم لها، فلما انقرض هذا الجيل، لم تبق طبقة ولا أفراد أحرار شجعان، يتزعمون حريّة الفكر، وحريّة التعبير، ولا الذي يحتفظون -على الأقل -بتراث فكر حر، وبحث نزيه جدي، على دأب القدماء والسابقين لهم، وبجانب ما كان للفوضى السياسيّة والاجتماعيّة من دور كبير على مثل هذه الطبقة، كان من العوامل التي ساعدت على شلل الفكر الإنساني، وتجمد القرائح البشريّة، أن هذا العصر كان عصر العصبية وعدم التسامح في ظلام الحكومتين: الإيرانيّة، والبيزنطيّة، فقد كانت هاتان الحكومتان دينيتين نوعًا ما، وكانتا قد فرضتا قيودًا على العقل البشري)!
وبعدما قص الكاتب قصة زحف الإمبراطوريّة الإيرانيّة على الإمبراطوريّة البيزنطيّة، ثم انتصار البيزنطيّين على الإيرانيّين، في شيء من التوسع، عاد
[ ٢ / ٢٧٩ ]
إلى وصف التدهور الاجتماعي والخلقي السائد في أواخر القرن السادس المسيحي، فقال: (كان يسوغ لمتتبع -غير محنك ناضج الفكر- للأوضاع السائدة في أوائل القرن السابع المسيحي، أن يتنبأ بسهولة وثقة أن أوروبّا وآسيا ستقعان تحت رحمة المغول الوحوش في غضون بضعة قرون قادمة، فلم تكن في أوروبّا الغربيّة أمارات للأمن والنظام وحكم القانون، وقد كانت المملكتان: البيزنطيّة، والإيرانيّة مشغولتين في حرب إبادة وتدمير، بينما كانت الهند في حالة توزعّ ويؤس) (١)!
وبالجملة فقد كانت الإنسانية حينئذ في طريق الانتحار (٢)، وكان الإنسان في هذا القرن قد نسي خالقه، فنسي نفسه ومصيره، وفقد رشده، وفقد قوة التمييز بين الخير والشر، والحسن والقبيح، وكان الناس في شغل شاغل، وفكر ذاهل، لا يرفعون إلى الدّين والآخرة رأسًا، ولا يفكرون في الروح والقلب، والسعادة الأخروية وخدمة الإنسانية، وإصلاح الحال لحظة!
وهنا نبصر القرآن الكريم يكشف عن ارتباط أحوال الحياة وأوضاعها بأعمال الناس وكسبهم، ويبين أن فساد قلوب الناس وعقائدهم وأعمالهم يوقع في الأرض الفساد، ويملؤها برًا وبحرًا بهذا الفساد، ويجعله مسيطرًا على أقدارها، غالبًا عليها: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم]!
فظهور الفساد هكذا واستعلاؤه لا يتم عبثًا، ولا يقع مصادفة (٣)!
_________________
(١) السيرة النبويّة: الندوي: ٤٢ - ٤٣ نقلًا عن: A short History of the world (London، ١٩٢٤) P. ١٤٠ - ٤١، ١٤٤ .
(٢) المرجع السابق: ٤٤.
(٣) انظر: في ظلال القرآن: ٥: ٢٧٧٣.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
١١ - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾:
وإذا كانت الصحف السابقة لم يتكفّل الله بحفظها -كما عرفنا- وأنه قد ثبت التحريف تاريخيًّا وتواتر، وأقرت به الأمم والطوائف انتي نزلت فيها هذه الصحف، وأن هناك شواهد كثيرة على ذلك، فإن منهجيّة البحث تدفعنا إلى بيان السر في ذلك، وأن الله -﷿- قد تكفل بحفظ القرآن الكريم:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر]!
والسر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد (١)، وأن هذا القرآن الكريم جيء به مصدقًا لما بين يديه من الكتب ومهيمنًا عليها، فكان جامعًا لما فيها من الحقائق الثابتة، زائدًا عليها بما شاء الله زيادته، وسادًّا مسدّها، ولم يكن شيء منها ليسدَّ مسدّه، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، وإذا قضى الله أمرًا يسر له أسبابه، وهو العليم الحكيم!
وهنا نبصر القرآن الكريم يختلف كل الاختلاف عن جميع الكتب السماوية، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت]!
ونبصر الحديث عن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم (٢)، ولا يذكر ماذا هم، ولا ماذا سيقع لهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾!
_________________
(١) النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن: دكتور محمد عبد الله دراز: ١٣ ط. ثانية، ١٣٩٠ هـ ١٩٧٠ م.
(٢) في ظلال القرآن: ٥: ٣١٢٦ بتصرف.
[ ٢ / ٢٨١ ]
كأنما ليقال: إن فعلتهم لا يوجد وصف ينطبق عليها ويكافئها لشدة بشاعتها!
لذلك يترك النص خبر (إن) لا يأتي به، ويمضي في ذكر الذكر، وهو القرآن الذي كفروا به، لتفظيع الفعلة وتبشيعها: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾!
وأنى للباطل أن يدخل على هذا الكتاب، وهو كلام الله -﷿- الذي تكفل بحفظه، يصدع بالحق، ويتصل بالحق الذي تقوم عليه السموات والأرض؟
وأنى يأتيه الباطل وهو عزيز محفوظ بأمر الله الذي تكفل بحفظه، وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾!
والمتدبّر لهذا القرآن يجد فيه ذلك الحق الذي نزل به، والذي نزل ليقره .. يجده في روحه، ويجده في نصه .. يجده في بساطة ويسر، حقًا مطمئنًا فطريًا، يخاطب أعماق الفطرة، ويؤثر فيها التأثير العجيب!
إنه عزيز منيع محمي بحماية الله تعالى، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يتطرق إليه ولا يجد إليه سبيلًا من جهة من الجهات، حتى يصل إليه، ويتعلق به، ولا يخدعنك طعن الطاعنين وتأوُّلُ المبطلين؛ فإن الله قد حفظه بأن قيض قومًا عارضوهم بإبطال تأوليهم، وإفساد أقاويلهم، ومن ثم لا يخلو طعن طاعن إلا ممحوقًا، وقول مبطل إلا مضمحلًا (١)!
وهو ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾!
_________________
(١) تفسير الكشاف: ٣: ٣٩٣ بتصرف.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
والحكمة ظاهرة في بنائه، وفي توجيهه، وفي طريقة نزوله، وفي علاجه للقلب البشري من أقصر طريق، والله الذي نزله خليق بالحمد .. وفي القرآن ما يستجيش القلب لحمده الكثير!
وننظر اليوم من وراء القرون إلى وعد الله الحق بحفظ هذا الذكر (١)، فنرى فيه المعجزة الشاهدة بربانيّة هذا الكتاب -إلى جانب غيرها من الشواهد الكثيرة- ونرى الأحوال والظروف والملابسات والعوامل التي تقلبت على هذا الكتاب في خلال هذه القرون، ما كان يمكن أن تتركه مصونًا محفوظًا لا تتبدل فيه كلمة، ولا تُحرف فيه جملة، لولا أن هنالك قدرة خارجة عن إرادة البشر، أكبر من الأحوال والظروف والملابسات والعوامل، تحفظ هذا الكتاب من التغيير والتبديل، وتصونه من العبث والتحريف!
لقد جاء على هذا القرآن زمان في أيام الفتن الأولى كثرت فيه الفرق، وكثر فيه النزاع، وطمت فيه الفتن، وتماوجت فيه الأحداث، وراحت كل فرقة تبحث لها عن سند في هذا القرآن، وفي حديث الرسول - ﷺ -، ودخل في هذه الفتن وساقها أعداء هذا الدين الأصلاء من أهل الكتاب -خاصة- ثم من القوميّين دعاة القوميّة الذين عرفوا بالشعوبيّين!
ولقد أدخلت هذه الفرق على حديث رسول الله - ﷺ - ما احتاج إلى جهد الكثيرين من أئمة السنة وعلمائها، لمعرفة المقبول من المردود!
كما استطاعت هذه الفرق في تلك الفتن أن تؤوّل المعاني، وأن تحاول أن تلوي هذه النصوص لتشهد لها بما تريد تقريره من الأحكام والاتجاهات، ولكن كان لها بالمرصاد حماة هذا الدين!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٤: ٢١٢٧ بتصرف.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
بيد أنها عجزت -وفي أشد أوقات الفتن حلوكة واضطرابًا- أن تحدث حديثًا واحدًا في نصوص هذا الكتاب المحفوظ، وبقيت نصوصه كما أنزلها الله، حجة باقية على كل محرّف وكل مخرّف وكل مؤول، وحجة باقية كذلك على ربانيّة هذا الذكر المحفوظ!
ثم جاء على المسلمين زمان -ما نزال نعانيه- ضعفوا فيه عن حماية أنفسهم، وعن حماية عقيدتهم، وعن حماية نظامهم، وعن حماية أرضهم، وعن حماية أعراضهم وأخلاقهم، وحتى عن حماية عقولهم وإدراكهم!
وغيّر عليهم أعداؤهم الغالبون كل معروف عندهم، وأحلوا مكانه كل منكر فيهم .. كل منكر من العقائد والتصورات، ومن القيم والموازين، ومن الأخلاق والعادات، ومن الأنظمة والقوانين .. وزينوا لهم الانحلال والفساد والتوقح والتعري من كل خصائص (الإنسان) وردوهم إلى حياة كحياة الحيوان، وأحيانًا إلى حياة دون حياة الحيوان .. ووضعوا لهم الشر كله تحت عناوين براقة من (التقدم)، و(التجديد) إلى آخر تلك الشعارات والعناوين، وأصبح البعض غثاء كغثاء السيل، لا يمنع ولا يدفع، ولا يصلح لشيء إلا أن يكون وقودًا للنار، وهو وقود هزيل!
ولكن أعداء هذا الدين -بعد هذا كله- لم يستطيعوا تبديل نصوص هذا الكتاب ولا تحريفها، ولم يكونوا في هذا من الزاهدين، فلقد كانوا أحرص الناس على بلوغ هذا الهدف لو كان في مقدورهم، وعلى نيل هذه الأمنية لو كانت تُنال!
ولقد بذل أعداء هذا الدين -وفي مقدمتهم اليهود- رصيدهم من تجارب أربعمائة وألف سنة أو تزيد في الكيد لهذا الدين، وقدروا على أشياء كثيرة ..
[ ٢ / ٢٨٤ ]
قدروا على تزوير الأحداث ودس الأشخاص في جسم المجتمع الإسلامي، ليؤدوا الأدوار التي يعجزون عن أدائها وهم سافرون .. وقدروا على تحطيم الدول والمجتمعات والأنظمة والقوانين .. وقدروا على تقديم عملائهم الخونة في صورة الأبطال الأمجاد، ليقوموا لهم بأعمال الهدم والتدمير في أجسام المجتمعات الإسلاميّة على مدار القرون، وبخاصة في العصر الحديث!
ولكنهم لم يقدروا على شيء واحد -والظروف الظاهرية كلها مهيّأة- لم يقدروا على إحداث شيء في هذا الكتاب المحفوظ، الذي لا حماية له من أهله المنتسبين إليه، وهم بعد أن نبذوه وراء ظهورهم غثاء كغثاء السيل لا ينفع ولا يدفع ولا يمنع .. فدل هذا مرة أخرى على ربانيّة هذا الكتاب، وشهدت هذه المعجزة الباهرة بأنه حقًّا تنزيل من حكيم حميد!
لقد كان هذا الوعد على عهد رسول الله - ﷺ - هكذا .. أما اليوم -من وراء كل تلك الأحداث الضخام، ومن وراء تلك القرون الطوال- فهو المعجزة الشاهدة بربانيّة هذا الكتاب، والتي لا يماري فيها إلا عنيد جهول!
وإذا كنا قد عرفنا أن الكتب السماويّة قد أصابها التحريف والتزييف، والتبديل والتخريف، فإن الانحطاط قد بلغ غايته في العالم يومئذ:
في الدولة الرومية الشرقية، وفي مصر ذات النيل السعيد، والخصب المزيد!
والحبشة التي لم تكن بذات روح ولا طموح!
والأمم الأوروبيّة المتوغلة في الشمال والغرب، التي كانت تتسكع في ظلام الجهل والخرافة، والأميّة الفاشية، والحروب الدامية، ولم ينبثق فيها فجر الحياة بعد، ولم تظهر على مسرحها الأندلس الإسلاميّة، لتؤدي رسالتها في العلم
[ ٢ / ٢٨٥ ]
والمدنيّة، وكانت بمعزل عن جادة قافلة الحضارة الإنسانية بعيدة عنها، وأطبق عليها ليل حالك، وازداد هذا الليل ظلامًا وسوادًا!
ولم يكن اليهود عاملًا من عوامل الدين يؤثر في غيرهم، بل قُضي عليهم منذ قرون طويلة أن يكونوا مصدر بلاءً وشقاء، وقد أورثهم تاريخهم وما تفردوا به من أمم الأرض من العنصريّة والجشع، والأنانيّة والطمع، نفسيّة غريبة، لم توجد في أمة من الأمم، وانفردوا بخصائص خلقيّة كانت لهم شعارًا على تعاقب الأحوال والأجيال، منها الخنوع عند الضعف، والبطش وسوء السيرة عند الغلبة، والختل والنفاق في عامة الأحوال، والقسوة والأثرة، وأكل أموال الناس بالباطل، والصد عن سبيل الله!
ونجد فارس التي شاطرت الروم في حكم العالم آنذاك، ونبصر أخلافًا هدّهم الغلول والطمع، والانحراف والجشع، ونرى أساس الأخلاق مضطربًا مائجًا منذ عهد عريق في القدم، لدرجة أن (يزدجرد الثاني) الذي حكم في أواسط القرن الخامس الميلادي تزوج بنته ثم قتلها، وأن (بهرام جويين) الذي تملك في القرن السادس كان متزوجًا بأخته (١)، وكان تقديس الأكاسرة مظهرًا من المظاهر العامة؛ لأنهم كانوا يدّعون أن دمًا إلهيًّا يجري في عروقهم!
أما الهند فقد اتفقت كلمة المؤرخين في تاريخها على أن أحط أدوارها عقيدة وخلقًا واجتماعًا ذلك العهد الذي يبتدئ من مستهل القرن السادس الميلادي، فقد ساهمت الهند جاراتها وشقيقاتها في التدهور الخلقي والاجتماعي، الذي شمل الكرة الأرضيّة في هذه الحقبة من الزمن، وأخذت نصيبًا غير منقوص من
_________________
(١) انظر: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: ٤٧ وما بعدها، وتاريخ الطبري: ٣: ١٣٨.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
هذا الظلام الذي مد رواقه على المعمورة، وامتازت عنها في ظواهر وخلال يمكن تلخيصها في ثلاث:
الأولى: كثرة المعبودات والآلهة كثرة فاحشة!
الثانية: الشهوات الجنسيّة الجامحة!
الثالثة: التفاوت الطبقي المجحف، والامتياز الاجتماعي الجائر!
وقد بلغت الوثنيّة أوجها في هذا القرن، كما بلغ الفساد الأخلاقي مبلغه، حيث كانوا يعبدون آلة التناسل لمعبودهم (مهاديو) وكانوا يعبدون النساء العاريات، والنساء يعبدن الرجال العراة، وكان كهنة المعابد الخونة والفساق يرزؤون الراهبات والزائرات، وإذا كان هذا شأن البيوت التي أقيمت للعبادة فما ظنك ببلاط الملوك وقصور الأغنياء؟!
أما العرب فقد عرفت عنهم الوثنية الجاهليّة، والأدواء الخلقيّة، والعصبيّة القبليّة، وكانوا يعيشون في جاهليّة جهلاء، وفوضى عمياء!
أرأيت كيف كانت الإنسانيّة في الاحتضار؟!
أرأيت عالمًا قد خيّم عليه الجحود والكنود، والفسوق والعقوق، كهذا العالم الذي طفنا حوله في هذه العُجالة؟!
حقًّا، إنه عالم يضطرب في رق المادة، وعبوديّة الشهوة، وسلطان البطش، ليس للمثل الأعلى وجود في ذهنه، ولا للغرض النبيل أثر في سعيه، ولا للشعور الإنساني مجرى في حسه، ولا للسمو معنى في نفسه، كان حيوانيًّا شهوته الغلب، ماديًّا غايته الجشع، أنانيًّا شريعته الطمع، شيطانيًّا سبيله الهوى، ومآله الردى!
[ ٢ / ٢٨٧ ]
١٢ - الحاجة إلى محمد رسول الله - ﷺ -:
وقد كانت الأوضاع الفاسدة، والدرجة التي وصل إليه الإنسان في منتصف القرن السادس الميلادي (١)، أكبر من أن يقوم لإصلاحها مصلحون ومعلمون من أفراد الناس، فلم تكن القضية قضية إصلاح عقيدة من العقائد، أو إزالة عادة من العادات، أو قبول عبادة من العبادات، أو إصلاح مجتمع من المجتمعات، فقد كان يكفي له المصلحون والمعلمون الذين لم يخل منهم عصر ولا مصر!
ولكن القضيّة كانت قضيّة إزالة أنقاض جاهليّة، ووثنيّة تخريبيّة، تراكمت عبر القرون والأجيال، ودفنت تحتها تعاليم الأنبياء والمرسلين، وجهود المصلحين والمعلّمين، وإقامة بناء شامخ مشيّد البنيان، واسع الأرجاء، يسع العالم كله، ويُؤوي الأمم كلها، قضية إنشاء إنسان جديد، يختلف عن الإنسان القديم في كل شيء، كأنه ولد من جديد، أو عاش من جديد:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام]!
وهنا نبصر تصوير طبيعة الهدى وطبيعة الإيمان في تعبير قرآني معجز عن حقيقة واقعيّة، وما يبدو فيها من تشبيه ومجاز إنما هو لتجسيم هذه الحقيقة في الصورة الموحية المؤثرة (٢)!
إن نوع الحقيقة هنا هو الذي يقتضي هذه الإيقاعات التصويريّة، فهي حقيقة، نعم. ولكنها حقيقة روحيّة فكريّة، حقيقة تُذاق بالتجربة، ولا تملك
_________________
(١) السيرة النبويّة: الندوي: ٦٤.
(٢) في ظلال القرآن: ٣: ١٢٠٠ بتصرف.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
العبارة إلا أن تستحضر مذاق التجربة، ولكن لن ذاقها فعلًا!
إن هذه العقيدة تنشئ في القلب حياة بعد الموت .. وتطلق فيه نورًا بعد الظلمات .. حياة يعيد بها تذوق كل شيء، وتصور كل شيء، وتقدير كل شيء بحسّ آخر لم يكن يعرفه قبل هذه الحياة .. ونورًا يبدو كل شيء تحت أشعّته وفي مجاله جديدًا، كما لم يبد من قبل قط لذلك القلب الذي نوّره الإيمان!
هذه التجربة لا تنقلها الألفاظ، يعرفها فقط من ذاقها، والعبارة القرآنيّة هي أقوى عبارة تحمل حقيقة هذه التجربة؛ لأنها تصورها بألوان من جنسها ومن طبيعتها!
إن الكفر انقطاع عن الحياة الأزليّة الأبديّة، التي لا تفنى ولا تغيض ولا تغيب!
هو موت .. وانعزال عن القوة الفاعلة المؤثرة في الوجود كله .. هو موت .. وانطماس في أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية .. هو موت!
والإيمان اتصال، واستمداد، واستجابة .. فهو حياة!
إن الكفر حجاب للروح عن الاستشراف والاطلاع .. فهو ظلمة .. وختم على الجوارح والمشاعر .. فهو ظلمة .. وتيه في التيه والضلال .. فهو ظلمة!
وإن الإيمان تفتّح ورؤية، وإدراك واستقامة .. فهو نور بكل مقومات النور!
إن الكفر انكماش وتحجر .. فهو ضيق .. وشرود عن الطريق الفطري الميسر .. فهو عسر .. وحرمان من الاطمئنان إلى الكنف الآمن .. فهو قلق!
وإن الإيمان انشراح وشر وطمأنينة وظل ممدود!
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وما الكافر؟ إن هو إلا نبتة ضالة لا وشائج لها في تربة هذا الوجود ولا جذور .. إن هو إلا فرد منقطع الصلة بخالق الوجود، فهو منقطع الصلة بالوجود، لا تربطه به إلا روابط هزيلة من وجوده الفردي المحدود .. في أضيق الحدود. في الحدود التي تعيش فيها البهيمة .. حدود الحسّ وما يدركه الحسّ من ظاهر هذا الوجود!
إن الصله بالله، والصلة في الله، لتصل الفرد الفاني بالأزل القديم والأبد الخالد .. ثم تصله بالكون الحادث والحياة الظاهرة .. ثم تصله بموكب الإيمان والأمة الواحدة الضاربة في جذور الزمان .. الموصولة على مدار الزمان .. فهو في ثراء من الوشائج، وفي ثراء من الروابط، وفي ثراء من الوجود الزاخر الممتد اللاحب، الذي لا يقف عند عمره الفردي المحدود!
ويجد الإنسان في قلبه هذا النور، فتتكشف له حقائق هذا الدين، ويتكشف له منهجه في العمل والحركة، تكشفًا عجيبًا!
إنه مشهد رائع باهر، هذا الذي يجده الإنسان في قلبه حين يجد هذا النور .. مشهد التناسق الشامل العجيب في طبيعة هذا الدين وحقائقه .. ومشهد التكامل الجميل الدقيق في منهجه للعمل وطريقته!
إن هذه الرسالة التي حملها الرسول - ﷺ - تبصرنا بأن هذا (الدّين القيّم) يبدو تصميمًا واحدًا متراكبًا متناسقًا .. يبدو حيًّا يتجاوب مع الفطرة، وتتجاوب معه في ألفة عميقة وفي صداقة وثيقة، وفي حب ودود!
ويجد الإنسان في قلبه هذا النور، فتتكشف له حقائق الوجود، وحقائق الحياة، وحقائق الناس، وحقائق الأحداث التي تجري في هذا الكون، وتجري في عالم الناس .. تتكشف له في مشهد كذلك رائع باهر .. مشهد السنة
[ ٢ / ٢٩٠ ]
الدقيقة التي تتوالى مقدماتها ونتائجها في نظام محكم، ولكنه فطري ميسر .. ومشهد المشيئة القادرة من وراء السنة الجارية تدفع بالسنة لتعمل، وهي من ورائها محيطة طليقة .. ومشهد الناس والأحداث، وهم في نطاق النواميس، وهي في هذا النطاق أيضًا!
ويجد الإنسان في قلبه هذا النور، حين يبصر معالم الرسالة وعظمة الرسول - ﷺ -، فيجد الوضوح في كل شأن، وفي كل أمر، وفي كل حدث!
يجد الوضوح في نفسه، وفي نواياه وخواطره وخطئه وحركته!
ويجد الوضوح فيما يجري حوله، سواء من سنة الله النافذة، أو من أعمال الناس ونواياهم، وخططهم المستترة والظاهرة!
ويجد تفسير الأحداث والتاريخ، في نفسه وعقله، وفي الواقع من حوله، كأنه يقرأ من كتاب!
ويجد الوضاءة في خواطره ومشاعره وملامحه!
ويجد الراحة في باله وحاله ومآله!
ويجد الرفق واليسر في إيراد الأمور وإصدارها، وفي استقبال الأحداث واستدبارها!
ويجد الطمأنينة والثقة واليقين في كل حالة وفي كل حين!
وهكذا يصور القرآن الكريم تلك الحقيقة بإيقاعاته الموحية:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾!
وهنا نبصر قضية اقتلاع جرثومة الفساد، واستئصال شأفة الوثنيّة،
[ ٢ / ٢٩١ ]
واجتثاثها من جذورها، بحيث لا يبقى لها عين ولا أثر، وترسيخ عقيدة التوحيد في أعماق النفس الإنسانية ترسيخًا، لا تصور فوقه، وغرس ميل إلى إرضاء الله وعبادته، وخدمة الإنسانية، وانتصار للحق، يتغلّب على كل رغبة، ويقهر كل شهوة، ويجرف بكل مقاومة .. وبالجملة الأخذ بحجز الإنسانيّة المنتحرة التي استجمعت قواها للتوثب في جحيم الدنيا والآخرة، والسلوك بها على طريق، أولُها سعادة يحظى بها العارفون المؤمنون، وآخرها جنة الخلد الذي وُعد المتقون، ولا تصوير أبلغ وأصدق من قول الله تعالى في معرض المن ببعثة محمد - ﷺ -!
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران]!
كذلك كانوا قبل هذه الرسالة، قبل أن يُرسل الله خاتم النبيّين - ﷺ -، قبل أن ينفخ الإيمان في قلوبهم فيُحييها، ويطلق فيها هذه الطاقة الضخمة من الحيويّة والحركة والتطلع والاستشراف!
كانت قلوبهم مواتًا!
وكانت أرواحهم ظلامًا!
ثم إذا قلوبهم تتفتّح للإيمان فتهتز، وإذا أرواحهم يشرق فيها النور فتضيء، ويفيض منها النور فتمشي به في الناس، تهدي الضال، وتلتقط الشارد، وتطمئن الخائف، وتحرر المستعبد، وتكشف معالم الطريق للبشر، وتعلن في الأرض ميلاد الإنسان الجديد .. الإنسان المتحرر المستنير، الإنسان الذي خرج بعبوديته لله من عبودية العبيد!
[ ٢ / ٢٩٢ ]
أفمن نفخ الإيمان في روحه الحياة، وأفاض الحق على قلبه النور، كمن حاله في الظلمات، لا مخرج له منها؟!
إنهما عالمان مختلفان، شتان بينهما شتان!
حقًّا، إنه لم يعرف في تاريخ البشريّة كله عمل أدق وأعقد، ومسؤوليّة أعظم وأضخم، من مسؤوليّة محمد - ﷺ - كنبي مرسل، كما أنه لم يعرف غرس أثمر مثل غرسه، وسعي تكلّل بالنجاح مثل سعيه!
وهكذا قالت حوادث الكون:
لقد كانت الدنيا في حاجة إلى رسالة محمد - ﷺ -!
وقالت حقائق التاريخ:
لقد كان خاتم النبيّين - ﷺ - هو صاحب تلك الرسالة!
ولا كلمة لقائل بعد شهادة حوادث الكون، وحقائق التاريخ، ونزول الوحي!
[ ٢ / ٢٩٣ ]
بشارات النبوّة
[ ٢ / ٢٩٥ ]
بشارات النبوّة
١ - البشارة الأولى: عشرة أوجه
٢ - البشارة الثانية
٣ - البشارة الثالثة
٤ - البشارة الرابعة
٥ - البشارة الخامسة
٦ - رواية البخاري وغيره لصفات النبي - ﷺ - في التوراة
٧ - أشهر أسماء النبي - ﷺ -
٨ - أسماؤه في الشعر
٩ - ميثاق النبيين
١٠ - القرآن يسجّل على أهل الكتاب يقينهم بمعرفة الرسول - ﷺ -
[ ٢ / ٢٩٦ ]
بشارات النبوّة
تمهيد:
قال الماوردي (١): (إن لله تعالى عونًا على أوامره، وإغناء عن نواهيه، فكان أنبياء الله تعالى معانين على تأسيس النبوّة بما تقدّمه من بشائرها، وتُبديه من أعلامها وشعائرها، ليكون السابق مبشّرًا ونذيرًا، واللاحق مصدّقًا وظهيرًا، فتدوم بهم طاعة الخلق، وينتظم بهم استمرار الحق، وقد تقدّمت بشائر من سلف من الأنبياء بنبوة محمد - ﷺ -، مما هو حجة على أممهم، ومعجزة تدل على صدقه عند غيرهم، بما أطلعه تعالى على غيبه، ليكون عونًا للرسول - ﷺ -، وحثًا على القبول)!
ثم سرد الماوردي البشائر من نصوص كتبهم:
وجاء في (منية الأذكياء في قصص الأنبياء) ما نصه (٢)!
(إن نبينا - ﵊ - قد بشرت به الأنبياء السالفون، وشهدوا بصدق نبوّته، ووصفوه وصفًا رفع كل احتمال، حيث صرّحت باسمه وبلده، وجنسه وحليته وأطواره وسمته، غير أن أهل الكتاب حذفوا اسمه -يعني من نسخهم الأخيرة- إلا أن ذلك لم يجدهم نفعًا، لبقاء الصفات التي اتفق عليها المؤرخون من كل جنس وملّة، وهي أظهر دلالة من الاسم على المسمّى، إذ قد يشترك اثنان في اسم، ويمتنع اشتراك اثنين في جميع الأوصاف، لكن من أمد غير بعيد قد شرعوا في تحريف بعض الصفات، ليبعد صدقها على النبي - عليه
_________________
(١) أعلام النبوة: ١٢٩.
(٢) تفسير القاسمي: ٧: ٢٨٧٣.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
الصلاة والسلام - فترى كل نسخة متأخرة تختلف عما قبلها في بعض المواضع اختلافًا لا يخفى على اللبيب أمره، ولا ما قصده به، ولم يفدهم ذلك غير تقوية الشبهة عليهم، لانتشار النسخ بالطبع، وتيسر المقابلة بينها)!
وجاء في (إظهار الحق) ما نصه (١):
(إن الإخبارات الواقعة في حق محمد - ﷺ - توجد كثيرة إلى الآن أيضًا، مع وقوع التحريفات في هذه الكتب، ومن عرف أولًا طريق إخبار النبيّ المتقدم عن النبيّ المتأخّر، على ما عرفت في الأمر الثاني -يعني في كلامه- ثم نظر ثانيًا بنظر الإنصاف إلى هذه الإخبارات، وقابلها بالإخبارات التي نقلها الإنجيليّون في حق عيسى - ﵇ - جزم بأن الإخبارات المحمدية في غاية القوة)!
وقد نقل صاحب المنار البشارات التالية، وعلق عليها (٢)!
١ - البشارة الأولى:
في الباب الثامن عشر من سفر الاستثناء (التثنية) هكذا:
(١٧ فقال الرب لي نعم جميع ما قالوا ١٨ وسوف أقيم لهم نبيًّا مثلك من بين إخوتهم، وأجعل كلامي في فمه، ويكلمهم بكل شيء آمره به ١٩ ومن لم يطع كلامه الذي يتكلّم به باسمي فأكون أنا المنتقم من ذلك ٢٠ فأما النبيّ الذي يجترئ بالكبرياء ويتكلم في اسمي ما لم آمره بأنه يقوله أم باسم آلهة غيري فليقتل ٢١ فإن أجبت وقلت في قلبك كيف أستطيع أن أميز الكلام الذي لم يتكلم به الرب ٢٢ فهذه تكون لك آية أن ما قاله ذلك النبي في اسم الرب ولم
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) تفسير المنار: ٩: ٢٥١ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
يحدث فالرب لم يكن تكلم به، بل ذلك النبي صورته في عظم نفسه، ولذلك لا تخشاه)!
عشرة أوجه:
وهذه البشارة ليست بشارة بيوشع، كما يزعم الآن أحبار اليهود، ولا بشارة بعيسى - ﵇ - كما زعم علماء بروتستانت، بل هي بشارة بمحمد - ﷺ - لعشرة أوجه:
الوجه الأول: قد عرفت في الأمر الثالث -أي الذي سبق ذكره في تفسير المنار (١) - أن اليهود المعاصرين لعيسى - ﵇ - كانوا ينتظرون نبيًّا آخر مبشرًا به في هذا الباب، وكان هذا المبشّر به عندهم غير المسيح، فلا يكون هذا المبشّر به يوشع، ولا عيسى!
الوجه الثاني: أنه وقع في هذه البشارة لفظ مثلك، ويوشع، وعيسى لا يصح أن يكونا مثل موسى ﵇!
أما أولًا: فلأنهما من بني إسرائيل، ولا يجوز أن يقوم أحد من بني إسرائيل مثل موسى، كما تدل عليه الآية العاشرة من الباب الرابع والثلاثين من سفر الاستثناء (التثنية) وهي هكذا: (١٠ ولم يقم بعد ذلك نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهًا لوجه) إلخ!
وأما ثانيًا: فلأنه لا مماثلة بين يوشع وبين موسى؛ لأن موسى - ﵇ - صاحب كتاب وشريعة جديدة مشتملة على أوامر ونواهي، ويوشع ليس كذلك، بل هو متبع لشريعته!
_________________
(١) المرجع السابق: ٢٣٥ - ٢٣٦.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
وكذا لا توجد المماثلة التامة بين موسى، وعيسى ﵉؛ لأن عيسى - ﵇ - كان إلهًا وربًا على زعم النصارى، وموسى - ﵇ - كان عبد إله، وأن عيسى - ﵇ - على زعمهم صار ملعونًا لشفاعة الخلق، كما صرح به بولس في الباب الثالث من رسالته إلى (أهل غلاطية)، وموسى - ﵇ - ما صار ملعونًا لشفاعتهم، وأن عيسى - ﵇ - دخل الجحيم بعد موته كما هو مصرح به في عقائد أهل التثليث، وموسى - ﵇ - ما دخل الجحيم، وأن عيسى - ﵇ - صلب على زعم النصارى ليكون كفارة لأمته، وموسى - ﵇ - ما صار كفارة لأمته بالصلب، وأن شريعة موسى مشتملة على الحدود والتعزيرات وأحكام الغسل والطهارات والمحرمات من المأكولات والمشروبات، بخلاف شريعة عيسى - ﵇ - فإنها فارغة منها على ما يشهد به هذا الإنجيل المتداول بينهم، وأن موسى - ﵇ - كان رئيسًا مطاعًا في قومه نفاذًا لأوامره ونواهيه، وعيسى - ﵇ - لم يكن كذلك!
الوجه الثالث: أنه وقع في هذه البشارة لفظ: (من بين إخوتهم) ولا شك أن الأسباط الاثني عشر كانوا موجودين في ذلك الوقت مع موسى - ﵇ - حاضرين عنده، فلو كان المقصود كون النبي المبشر به منهم لقال منهم لا (من بين إخوتهم)؛ لأن الاستعمال الحقيقي لهذا اللفظ أن لا يكون المبشر به له علاقة الصلبيّة والبطنية ببني إسرائيل، كما جاء لفظ الإخوة بهذا الاستعمال الحقيقي في وعد الله هاجر في حق إسماعيل - ﵇ - في الآية الثانية عشرة من الباب السادس عشر من سفر التكوين، وعبارتها في الترجمة العربيّة المطبوعة سنة ١٨٤٤ م هكذا:
[ ٢ / ٣٠٠ ]
(وقبله جميع إخوته بنصب المضارب) وفي الترجمة العربيّة المطبوعة سنة ١٨١١ م هكذا:
(بحضرة جميع إخوته يسكن)!
وجاء بهذا الاستعمال أيضًا في الآية الثامنة عشرة من الباب الخامس والعشرين من سفر التكوين في حق إسماعيل في الترجمة العربيّة سنة ١٨٤٤ م، هكذا:
(منتهى إخوته جميعهم سكن)!
وفي الترجمة العربيّة المطبوعة سنة ١٨١١ م، هكذا:
(أقام بحضرة جميع إخوته)!
والمراد بالإخوة هاهنا بنو عيسى، وإسحاق وغيرهم من أبناء إبراهيم - ﵇ -!
وفي الآية الرابعة عشرة من الباب العشرين من سفر العدد هكذا:
(ثم أرسل موسى رسلًا من قادس إلى ملك الروم قائلًا: هكذا يقول أخوك إسرائيل إنك قد علمت كل البلاء الذي أصابنا)!
وفي الباب الثاني من سفر (التثنية) هكذا:
(٢ وقال لي الرب ٤ ثم أوصى الشعب أنكم ستجوزون في تخوم إخوتكم بني عيسو الذي في ساعير وسيخشونكم ٨ فلما جزنا إخوتنا بني عيسو الذين يسكنون ساعير) إلخ!
والمراد بإخوة بني إسرائيل بنو عيسو، ولا شك أن استعمال لفظ إخوة بني إسرائيل في بعض منهم كما جاء في بعض المواضع من التوراة استعمال
[ ٢ / ٣٠١ ]
مجازي، ولا تترك الحقيقة ولا يصار إلى المجاز ما لم يمنع من الحمل على المعنى الحقيقي مانع قوي، ويوشع، وعيسى كانا من بني إسرائيل فلا تصدق هذه البشارة عليهما!
الوجه الرابع: أنه قد وقع في هذه البشارة لفظ (سوف أقيم)، ويوشع كان حاضرًا عند موسى - ﵇ - داخلًا في بني إسرائيل نجيًّا في ذلك الوقت -كما يقولون-، فكيف يصدق عليه هذا اللفظ؟!
الوجه الخامس: أنه وقع في هذه البشارة: (أجعل كلامي في فمه)، وهو إشارة إلى أن ذلك النبيّ ينزل عليه الكتاب، وإلى أنه يكون أميًا حافظًا للكلام، وهذا لا يصدق على يوشع؛ لانتفاء كلا الأمرين فيه!
الوجه السادس: أنه وقع في هذه البشارة: (ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم به فأنا أكون المنتقم منه)!
فهذا الأمر لما ذكر لتعظيم هذا النبيّ المبشر به، فلابد أن يمتاز ذلك المبشر به بهذا الأمر عن غيره من الأنبياء، فلا يجوز أن يراد بالانتقام من المنكر العذاب الأخروي الكائن في جهنم، أو المحن والعقوبات الدنيوية التي تلحق المنكرين من الغيب؛ لأن هذا الانتقام لا يختص بإنكار نبي دون نبي، بل يعم الجميع، فحينئذ يراد بالانتقام الانتقام التشريعي!
فظهر منه أن هذا النبي يكون مأمورًا من جانب الله بالانتقام من منكره، فلا يصدق على عيسى - ﵇ - لأن شريعته خالية عن أحكام الحدود والقصاص والتعزير والجهاد!
الوجه السابع: في الباب الثالث من كتاب الأعمال في الترجمة العربيّة المطبوعة سنة ١٨٤٤ م هكذا:
[ ٢ / ٣٠٢ ]
(١٩ فتوبوا وارجعوا كي تمحى خطاياكم ٢٠ حتى إذا تأتي أزمنة الراحة من قدام وجه الرب، ويرسل المنادي به لكم وهو يسوع المسيح ٢١ الذي إياه ينبغي للسماء أن تقبله إلى الزمان الذي يسترد فيه كل شيء تكلم به الله على أفواه أنبيائه القديسين منذ الدهر ٢٢ أن موسى قال: إن الرب إلهكم يقيم لكم نبيًّا من إخوتكم مثلي له تسمعون في كل ما يكلمكم به ١٣ ويكون كل نفس لا تسمع ذلك النبي تهلك من الشعب)!
وفي الترجمة الفارسيّة .. (حذفنا النص الفارسي استغناء عنه بما يذكره من مضمونه وهو قوله):
فهذه العبارة سيما بحسب التراجم الفارسيّة تدل صراحة على أن هذا النبي غير المسيح - ﵇وأن المسيح لا بد أن تقبله السماء إلى زمان ظهور هذا النبي، ومن ترك التعصب الباطل من المسيحيّين- وتأمّل في عبارة بطرس ظهر له أن هذا القول من بطرس لإبطال ادعاء علماء بروتستانت أن هذه البشارة في حق عيسى ﵇!
وهذه الوجوه السبعة التي ذكرتها تصدق في حق محمد - ﷺ - أكمل صدق؛ لأنه غير المسيح، ويماثل موسى - ﵇ - في أمور كثيرة:
١ - كونه عبد الله ورسوله!
٢ - كونه ذا الدين!
٣ - كونه ذا نكاح وأولاد!
٤ - كون شريعته مشتملة على السياسات المدنيّة!
٥ - كونه مأمورًا بالجهاد!
[ ٢ / ٣٠٣ ]
٦ - اشتراط الطهارة وقت العبادة في شريعته!
٧ - وجوب الغسل للجنب والحائض والنفساء في شريعته!
٨ - اشتراط طهارة الثوب من البول والبراز فيها!
٩ - حرمة غير المذبوح وقرابين الأوثان فيها!
١٠ - كون شريعته مشتملة على العبادات البدنية والرياضات الجسمانية!
١١ - أمره بحد الزنى!
١٢ - تعيين الحدود والتعزيرات والقصاص!
١٣ - كونه قادرًا على تنفيذها!
١٤ - تحريم الربا!
١٥ - أمره بإنكار من يدعو إلى غير الله!
١٦ - أمره بالتوحيد الخالص!
١٧ - أمره الأمة بأن يقولوا عبد الله ورسوله، لا ابن الله أو الله، والعياذ بالله!
١٨ - موته على الفراش!
١٩ - كونه مدفونًا كموسى!
٢٠ - عدم كونه ملعونًا لأجل أمته!
وهكذا أمور أخر تظهر إذا تؤمل في شريعتهما، ولذلك قال الله تعالى في كلامه المجيد: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥)﴾ [المزمل]!
[ ٢ / ٣٠٤ ]
وكان من إخوة بني إسرائيل؛ لأنه من بني إسماعيل، وأنزل عليه الكتاب، وكان أميًّا جعل كلام الله في فمه، وكان ينطق بالوحي، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم]!
وكان مأمورًا بالجهاد، وقد انتقم الله لأجله من صناديد قريش، والأكاسرة والقياصرة وغيرهم، وظهر قبل نزول المسيح من السماء، وكان للسماء أن تقبل المسيح - ﵇ - إلى ظهوره، ليرد كل شيء إلى أصله، ويمحق الشرك والتثليث وعبادة الأوثان .. ثم قال:
الوجه الثامن: أنه صرح في هذه البشارة بأن النبي الذي ينسب إلى الله ما لم يأمره يقتل، فلو لم يكن محمد - ﷺ - نبيًا حقًّا لكان قتل، وقد قال الله في القرآن المجيد أيضًا: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة]!
وما قتل، بل قال الله في حقه:
﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]!
وأوفى وعده ولم يقدر على قتله أحد، حتى لقي - ﷺ - الرفيق الأعلى، وعيسى - ﵇ - قتل وصلب على زعم أهل الكتاب، فلو كانت هذه البشارة في حقه لزم أن يكون نبيًّا كاذبًا كما يزعمه اليهود. والعياذ بالله!
الوجه التاسع: أن الله بيّن علامة النبي الكاذب، وهي أن إخباره عن الغيب المستقبل لا يخرج صادقًا، ومحمد - ﷺ - أخبر عن الأمور الكثيرة المستقبلة كما علمت في المسلك الأول، وظهر صدقه فيها (١)، فيكون نبيًّا صادقًا لا كاذبًا!
_________________
(١) ظهر صدق بعضها في زمنه كانتصاره على المشركين، ودخوله المسجد الحرام مع المؤمنين =
[ ٢ / ٣٠٥ ]
الوجه العاشر: أن علماء اليهود سلموا كونه مبشرًا به في التوراة، لكن بعضهم أسلم، وبعضهم بقي في الكفر!
ثم قال: فتلك عشرة كاملة!
فإن قيل: إن إخوة بني إسرائيل لا تنحصر في بني إسماعيل؛ لأن بني عيسى وبني أبناء قطورا زوجة إبراهيم ﵉ من إخوتهم أيضًا!
قلت: نعم هؤلاء أيضًا من إخوة بني إسرائيل، لكنهم لم يظهر أحد منهم يكون موصوفًا بالأمور المذكورة، ولم يكن وعد الله في حقهم أيضًا، بخلاف بني إسماعيل، فإنهم كان وعد الله في حقهم لإبراهيم ولهاجر ﵉، مع أنه لا يصح أن يكون مصداق هذا الخبر بني عيسو على ما هو مقتضى دعاء إسحاق ﵇ المصرح به في الباب السابع والعشرين من سفر التكوين!
ولعلماء بروتستانت اعتراضان نقلهما صاحب الميزان في كتابه المسمى بـ (حل الإشكال في جواب الاستفسار):
الأول: أنه وقع في الآية ١٥ من الباب ١٨ من سفر الاستثناء (التثنية) هكذا (فإن الرب إلهك يقيم من بينك من بين إخوتك) إلخ!
_________________
(١) = محلقين رؤوسهم ومقصّرين، وغلب الروم للفرس، وبعضها لأصحابه كفتح مصر وبلاد كسرى وقيصر، وقتل الفئة الباغية لعمار، ولا يزال يظهر الكثير منها عصرًا بعد عصر، ومن أغربها قوله - ﷺ - فيما رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁: "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من سيرة كذا وكذا"! مسلم ٣٧ - اللباس (٢١٢٨) وأحمد: ٢: ٣٥٥ - ٣٥٦، ٤٤٠، وأيضًا (٨٦٥٠) تحقيق أحمد محمد شاكر، والبيهقي: ٢: ٢٣٤.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
فلفظ من بينك يدل دلالة ظاهرة على أن هذا النبي يكون من بني إسرائيل، لا من بني إسماعيل!
والثاني: أن عيسى ﵇ نسب هذه البشارة إلى نفسه فقال في الآية ٤٦ من الباب الخامس من إنجيل يوحنا: إن موسى كتب في حقي!
أقول: آية (التثنية) على وفق التراجم الفارسية وتراجم أردو هكذا (فإن الرب إلهك يقيم من بينك من بين إخوتك نبيًا مثلي فاسمع منه)!
والقسيس أيضًا نقلها هكذا!
والجواب أن اللفظ المذكور لا ينافي مقصودنا؛ لأن محمدًا - ﷺ - لما هاجر إلى المدينة، وبها تكامل أمره، قد كان حوله أماكن وجود اليهود كخيبر، وبني قينقاع، والنضير، وغيرهم، فقد قام من بينهم، ولأنه إذا كان من إخوتهم فقد قام من بينهم؛ ولأن قوله من بين إخوتك، بدل من قوله من بينك بدل اشتمال، على رأي ابن الحاجب ومتبعيه القائلين بكفاية علاقة الملابسة غير الكلية والجزئية في تحقق هذا البدل، نحو جاءني زيد أخوه، وجاءني زيد غلامه، وبدل إضراب على رأي ابن مالك، والمبدل منه على كلا التقديرين غير مقصود، يدل على كونه غير مقصود أن موسى - ﵇ - لما أعاد هذا الوعد من كلام الله في الآية الثامنة عشرة لم يوجد فيه لفظ من بينك، ونقل بطرس الحواري أيضًا هذا القول، ولم يوجد فيه هذا اللفظ كما علمت في الوجه السابع، وكذا نقله استفانوس أيضًا، ولم يوجد في نقله أيضًا هذا اللفظ، كما صرح به في الباب السابع من كتاب الأعمال، وعبارته هكذا (هذا هو موسى الذي قال لبني إسرائيل نبيًّا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم له تسمعون) فسقوطه في هذه المواضع دليل على كونه غير مقصود، فاحتمال البدل قوي جدًا!
[ ٢ / ٣٠٧ ]
وقال صاحب الاستفسار: إن لفظ (من بينك) إلحاقي زِيد تحريفًا، ويدل عليه ثلاثة أمور:
الأول: أن المخاطبين في هذا الموضوع كانوا بني إسرائيل كلهم لا البعض، فقوله: من بينك خطاب لجميع القوم، فصار لفظ من إخوتك لغوًا محضًا لا معنى له، لكن لفظ من إخوتك جاء في الموضع الآخر أيضًا فيكون صحيحًا، ولفظ (من بينك) إلحاقيًا زيد تحريفًا!
الثاني: أن موسى ﵇ لما نقل كلام الله لإثبات قوله لم يوجد فيه هذا اللفظ، ولا يجوز أن يكون ما قال موسى مخالفًا لما قال الله!
الثالث: إن الحواريّين كلما نقلوا هذا الكلام لم يوجد فيه لفظ (من بينك)، وإن قلتم إن المحرف إذا حرف فلِمَ لمْ يحرف الكلام كله؟
قلت: نحن نرى في محاكم العدالة دائمًا أن القبالجات المحرفة يثبت تحريف الألفاظ المحرفة فيها من مواضع أخرى منها غالبًا (١)، وأن شهود الزور يؤخذ ببعض بياناتهم، فالوجه الوجيه على أن عادة الله جارية بأنه لا يهدي كيد الخائنين، وبأنه يظهر خيانة خائن الدين بمقتضى رحمته، فبمقتضى هذه العادة يصدر عن الخائن شيء ما تظهر به خيانته، على أنه لا توجد ملة يكون أهلها كلهم خائنين، فالخائنون الذين حرفوا كتب العهدين كان لهم لحاظ ما (٢)، من جانب بعض المتدينين، فلذلك بدلوا الكل!
أقول: هذا الجواب بالنسبة إلى عادة أهل الكتاب كما عرفت في الأمر السابع!
_________________
(١) لعل معنى القبالجات الوثائق والمستندات، ومعنى الجملة أنها على وجود التحريف فيها يحتج ببعض عباراتها على إثبات التحريف فيها و(كذا على غيره).
(٢) لعله أراد أن يقول: كان عليهم عيون ورقباء.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
وأقول في الجواب عن الاعتراض الثاني: إن آية الإنجيل هكذا (لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني) وليس فيها تصريح بأن موسى - ﵇ - كتب في حقه في الموضع الفلاني، بل المفهوم منه أن موسى كتب في حقه (مطلقًا) وهذا يصدق إذا وجد في موضع من التوراة إشارة إليه، ونحن نسلم هذا الأمر كما ستعرف في ذيل بيان البشارة الثالثة، لكننا ننكر أن يكون قوله إشارة إلى هذه البشارة للوجوه التي عرفتها، وقد ادعى هذا المعترض في الفصل الثالث من الباب الثاني من الميزان أن الآية الخامسة عشرة من الباب الثالث من سفر التكوين إشارة إليه!
فهذا القدر يكفي لتصحيح قول عيسى - ﵇ -.
نعم لو قال عيسى ﵇ إن موسى - ﵇ - ما أشار في أسفاره إلى نبي من الأنبياء إلا إليّ لكان لهذا التوهم مجال في هذه الحال!
٢ - البشارة الثانية:
الآية ٢١ من الباب ٣٢ من سفر الاستثناء (التثنية) هكذا (هم أغاروني بغير إله، وأغضبوني بمعبوداتهم الباطلة، وأنا أيضًا أغيرهم بغير شعب وبشعب جاهل أغضبهم)!
والمراد بشعب جاهل: العرب لأنهم كانوا في غاية الجهل والضلال، وما كان عندهم علم، لا من العلوم الشرعية، ولا من العلوم العقلية، وما كانوا يعرفون سوى عبادة الأوثان والأصنام، وكانوا محقرين عند اليهود، لكونهم من هاجر ..، فمقصود الآية أن بني إسرائيل أغاروني بعبادة المعبودات الباطلة، فأغيرهم باصطفاء الذين هم عندهم محقرون وجاهلون، فأوفى بما وعد،
[ ٢ / ٣٠٩ ]
فبعث من العربي النبي - ﷺ -، فهداهم إلى الصراط المستقيم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة]!
وليس المراد بالشعب الجاهل اليونانيّين، كما يفهم من ظاهر كلام مقدّسهم بولس في الباب العاشر من الرسالة الروميّة؛ لأن اليونانيّين قبل ظهور عيسى - ﵇ - بأزيد من ثلثمائة سنة كانوا فائقين على أهل العالم كلهم في العلوم والفنون، وكان منهم جميع الحكماء المشهورين، مثل سقراط، وبقراط، وفيثاغورس، وأفلاطون، وأرسطو طاليس، وأرشميدس، وبليناس، وأقليدس، وجالينوس، وغيرهم، الذين كانوا أئمة الإلهيّات والرياضيّات والطبيعيّات وفروعها قبل عيسى - ﵇ - وكان اليونانيون في عهده على غاية درجة الكمال في فنونهم، وكانوا واقفين على أحكام التوراة وقصصها، وعلى سائر كتب العهد العتيق أيضًا بواسطة ترجمة (سبتوجنت) التي ظهرت باللسان اليوناني قبل المسيح بمقدار مائتين وستة وثمانين سنة، لكنهم ما كانوا معتقدين للملة الموسويّة، وكانوا متفحصين عن الأشياء الحكمية الجديدة، كما قال مقدسهم هذا في الباب الأول من الرسالة الأولى إلى أهل قورنيثوس هكذا (٢٢ لأن اليهود يسألون آية واليونانيّين يطلبون حكمة ٢٣ ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبًا لليهود عثرة ولليونيين جهالة) فلا يجوز أن يكون المراد بالشعب الجاهل اليونايّين، فكلام مقدسهم في الرسالة الروميّة إما مؤول أو مردود -وقد عرفت في الأمر الثامن أن قوله ساقط عن الاعتبار عندنا!
[ ٢ / ٣١٠ ]
٣ - البشارة الثالثة:
في الباب الثاني والثلاثين (١)، من سفر (التثنية) في الترجمة العربيّة المطبوعة سنة ١٨٤٤ م هكذا (٢ وقال: جاء الرب من سينا، وأشرق لنا من ساعير (٢)، واستعلن من جبل فاران ومعه ألوف الأطهار في يمينه سنة من نار) (٣)!
فمجيئه من سينا إعطاؤه التوراة لموسى - ﵇ - وإشراقه من ساعير إعطاؤه الإنجيل لعيسى - ﵇ - واستعلانه من جبل فاران إنزاله القرآن؛ لأن فاران جبل من جبال مكة، فقد جاء في بيان حال إسماعيل - ﵇ - من سفر التكوين (٢١: ٢٠ وكان الله معه، ونما وسكن في البريّة، وصار شابًا يرمي بالسهام ٢١ وسكن بريّة فاران، وأخذت له أمه امرأة من أرض مصر)!
ولا شك أن إسماعيل - ﵇ - كانت سكناه بمكة، ولا يصح أن يراد أن النار لما ظهرت من طور سيناء ظهرت من ساعير ومن فاران أيضًا، فانتشرت في هذه المواضع؛ لأن الله لو خلق نارًا في موضع لا يقال جاء الله من ذلك الموضع إلا إذا اتبع تلك الواقعة وحين نزل في ذلك الموضع أو عقوبة أو ما أشبه ذلك. وقد اعترفوا بأن الوحي أَتبع تلك (النار التي رآها موسى) في طور سيناء فكذا لابد أن يكون في ساعير وفاران!
_________________
(١) هذا الباب هو الأخير من سافر (التثنية)، وفي الآية الأولى منه أن هذه البشارة قالها موسى قبل موته مباركًا بها بني إسرائيل.
(٢) في التراجم الأخيرة سعير، بالكسر، والمراد بها واحد، وفيها زيادة "وأتى من".
(٣) المراد بالسنة الشريعة، وترجمة الجزويت "عن يمينه قبس شريعة لهم" ربوات القدس، وليس فيها ألوف الأطهار.
[ ٢ / ٣١١ ]
٤ - البشارة الرابعة:
في الآية العشرين من الباب السابع عشر من سفر التكوين وعد الله في حق إسماعيل ﵇ إبراهيم - ﵇ - في الترجمة العربيّة المطبوعة سنة ١٨٤٤ م، هكذا (وعلى إسماعيل أستجيب لك، هو ذا أباركه وأكبره وأكثره جدًا، فسيلد اثني عشر رئيسًا، واجعله لشعب كبير)!
قوله: أجعله لشعب كبير يشير إلى محمد - ﷺ -؛ لأنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان لشعب كبير غيره، وقد قال الله تعالى حاكيًا دعاء إبراهيم وإسماعيل في حقه ﵈ في كلامه المجيد أيضًا:
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة]!
وقال الإمام القرطبي في الفصل الأول من القسم الثاني من كتابه: وقد تفطن بعض النبهاء ممن نشأ على لسان اليهود وقرأ بعض كتبهم فقال: يخرج مما ذكر من عبارة التوراة في موضعين اسم محمد - ﷺ - بالعدد على ما يستعمله اليهود فيما بينهم!
الأول: قوله جدًّا جدًّا بتلك اللغة (بماد ماد) وعدد هذه الحروف اثنان وتسعون؛ لأن الباء اثنان، والميم أربعون، والألف واحد، والدال أربعة، والميم الثانية أربعون، والألف واحد، والدال أربعة، وكذلك الميم من محمد أربعون، والحاء ثمانية، والميم أربعون، والدال أربعة (١)!
_________________
(١) يؤيد هذا ما روي عن أحبار اليهود المجاورين للمدينة في زمن البعثة من ظنهم أن الحروف المقطعة في أوائل بعض السور لبيان أجل الأمة الإسلاميّة!
[ ٢ / ٣١٢ ]
والثاني: قوله لشعب كبير بتلك اللغة (لغوي غدول) فاللام عندهم ثلاثون، والغين ثلاثة -لأنه عندهم في مقام الجيم، إذ ليس في لغتهم جيم ولا صاد- والواو ستة، والياء عشرة، والغين أيضًا ثلاثة، والدال أربعة، والواو ستة، واللام ثلاثون، فمجموع هذه أيضًا اثنان وتسعون، انتهى كلامه بتلخيص ما!
وعبد السلام كان من أحبار اليهود، ثم أسلم في عهد السلطان المرحود بايزيد خان، وصنف رسالة صغيرة أسماها بالرسالة الهادية فقال فيها:
(إن أكثر أدلة أحبار اليهود بحرف الجُمَّل الكبير، وهو حرف أبجد، فإن أحبار اليهود حين بني سليمان ﵇ بيت المقدس اجتمعوا وقالوا: يبقى هذا البناء أربعمائة وعشر سنين، ثم يعرض له الخراب؛ لأنهم حسبوا لفظة "بزأت" ثم قال:
(واعترضوا على هذا الدليل بأن الباء في "بمادماد" ليست نفس الكلمة، بل هي أداة وحرف جيء به للصلة، فلو أخرج منه لاحتاج اسم محمد إلى باء ثانية ويقال: ببمادماد")!
قلنا: من المشهور عندهم إذا اجتمع الباءان: أحدهما: أداة، والآخر: من نفس الكلمة، تحذف الأداة، وتبقى التي هي من نفس الكلمة، وهذا شائع عندهم في مواضع غير معدودة، فلا حاجة إلى إيرادها" انتهى كلامه بلفظه!
أقول: قد صرح العلماء بأن من أسمائه - ﷺ - (مادماد) كما في شفاء القاضي عياض!
[ ٢ / ٣١٣ ]
٥ - البشارة الخامسة:
جاء في ترجمات سنة ١٧٢٢ م وسنة ١٨٣١ م وسنة ١٨٤٤ م العربيّة من سفر التكوين: (٤٩: ١٠ فلا يزول القضيب من يهوذا والمدبر من فخذه، حتى يجيء الذي له الكل، وإياه تنتظر الأمم)!
وفي ترجمة سنة ١٨١١ م (فلا يزول القضيب من يهوذا والراسم من تحت أمره إلى أن يجيء الذي هو له، وإليه تجتمع الشعوب)!
ولفظ الذي له الكل أو الذي هو له ترجمة لفظ (شيلوه)!
وفي ترجمة هذا اللفظ اختلاف كثير فيما بينهم، كما عرفت في الأمر السابع أيضًا!
وقال عبد السلام في الرسالة الهادية هكذا: (لا يزول الحاكم من يهوذا، ولا راسم من بين رجيله، حتى يجيء الذي له وإليه تجتمع الشعوب)!
(وفي هذه الآية دلالة على مجيء سيدنا محمد - ﷺ - بعد تمام حكم موسى، وعيسى؛ لأن المراد من الحاكم هو موسى؛ لأنه بعد يعقوب ما جاء صاحب شريعة إلى زمان موسى إلا موسى، والمراد من الراسم هو عيسى؛ لأنه بعد موسى إلى زمان عيسى ما جاء صاحب شريعة إلا عيسى، وبعدهما ما جاء صاحب شريعة إلا محمد، فعلم أن المراد من قول يعقوب في آخر الأيام هو نبينا محمد - ﷺ -؛ لأنه في آخر الزمان بعد مضي حكم الحاكم والراسم ما جاء إلا سيدنا محمد - ﵇ - ويدل عليه أيضًا قوله: (حتى يجيء الذي له) أي الحكم، بدلالة مساق الآية وسباقها، وأما قوله: (وإليه تجتمع الشعوب). فهي علامة صريحة ودلالة واضحة على أن المراد منها هو سيدنا (محمد) لأنه ما
[ ٢ / ٣١٤ ]
اجتمعت الشعوب إلا إليه، وإنما لم يذكر الزبور؛ لأنه لا أحكام فيه، وداود النبي تابع لموسى، والمراد من خبر يعقوب هو صاحب الأحكام) انتهى كلامه بلفظه!
أقول: إنما أراد من الحاكم موسى - ﵇ - لأن شريعته جبريّة انتقاميّة، ومن الراسم عيسى - ﵇ - لأن شريعته ليست بجبريّة ولا انتقاميّة. وإن أريد من القضيب السلطة الدنيويّة، ومن المدبّر الحاكم الدنيوي -كما يفهم من رسائل القسّيسين من فرقة بروتستانت ومن بعض تراجمهم -فلا يصح أن يراد (بشيلوه) مسيح اليهود كما هو مزعومهم، ولا عيسى - ﵇ - كما هو مزعوم النصارى!
أما الأول: فظاهر؛ لأن السلطة الدنيويّة والحاكم الدنيوي زالا من آل يهوذا من مدة هي أزيد من ألفي سنة من عهد بخت نصر، ولم يسمع إلى الآن حسيس مسيح اليهود!
وأما الثاني: فلأنهما زالا من آل يهوذا أيضًا قبل ظهور عيسى - ﵇ - بمقدار ستمائة سنة من عهد بختنصر، وهو أجلى بني يهوذا إلى بابل، وكانوا في الجلاء ثلاثًا وستين سنة لا سبعين، كما يقول بعض علماء بروتستانت تغليظًا للعوام -كما عرفت في الفصل الثالث من الباب الأول- ثم وقع عليهم في عهد (أنتيوكس) ما وقع؛ فإنه عزل (أونياس) حبر اليهود وباع منصبه لأخيه (ياسون)، بثلثمائة وستين وزنة ذهب يقدمها له خراجًا كل سنة، ثم عزله وباع ذلك لأخيه (مينالاوس) بستمائة وستين وزنة، ثم شاع خبر موته فطلب (ياسون) أن يسترد لنفسه الكهنوت، ودخل (أورشليم) بألوف من الجنود، فقتل كل من كان يظنه عدوًا له - وهذا الخبر كان كاذبًا- فهجم (أنتيوكس) على أورشليم وامتلكها ثانية في سنة ١٧٠ قبل الميلاد قبل ميلاد المسيح وقتل من أهلها أربعين ألفًا، وباع مثل ذلك عبيدًا!
[ ٢ / ٣١٥ ]
وفي الفصل العشرين من الجزء الثاني من مرشد الطالبين في بيان الجدول التاريخي في الصفحة ٤٨١ من النسخة المطبوعة سنة ١٨٥٢ من الميلاد (أنه نهب أورشليم وقتل ثمانين ألفًا) انتهى. وسلب ما كان في الهيكل من الأمتعة النفيسة التي كانت قيمتها ثمانمائة وزنة ذهب، وقرب خنزيرة وقودًا على المذبح للإهانة، ثم رجع إلى (أنطاكية) وأقام (فيلبس) أحد الأرذال حاكما على اليهوديّة!
وفي رحلته الرابعة إلى مصر أرسل (أبولوينوس) بعشرين ألفًا من جنوده، وأمرهم أن يخربوا (أورشليم) ويقتلوا كل من كان فيها من الرجال، ويسبوا النساء، والصبيان، فانطلقوا إلى هناك، وبينما كان الناس في المدينة مجتمعين للصلاة يوم السبت هجموا عليهم على غفلة، فقتلوا الكل، إلا من أفلت إلى الجبال أو اختفى في المغاور، ونهبوا أموال المدينة وأحرقوها، وهدموا أسوارها، وخربوا منازلها، ثم ابتنوا لهم من بسائط ذلك الهدم قلعة حصينة على جبل (أكرا)، وكانت العساكر تشرف منها على جميع نواحي الهيكل، ومن دنا منهم يقتلونه، ثم أرسل (أنتيوكس أثانيوس) ليعلم اليهود طقوس عبادة الأصنام اليونانية، ويقتل كل من لا يمتثل ذلك الأمر، فجاء أثانيوس إلى أورشليم، وساعده على ذلك بعض اليهود الكافرين، وأبطل الذبيحة اليومية، ونسخ كل طاعة للدين اليهودي عمومًا وخصوصًا، وأحرق كل ما وجده مخالفًا أمر (أنتيوكس)، ونجا (متاثياس) الكاهن مع أبنائه الخمسة في هذه الداهية، وفروا إلى وطنهم (مودين) في (سبط دان)، فانتقم من هؤلاء الكفار انتقامًا ما قدروا عليه على استطاعته، كما هو مصرح به في التواريخ، فكيف يصدق هذا الخبر على عيسى - ﵇ -؟!
وإن قالوا إن المراد ببقاء السلطة امتياز القوم كما يقول بعضهم الآن، قلنا:
[ ٢ / ٣١٦ ]
هذا الأمر كان باقيًا إلى ظهور محمد - ﷺ -، وكانوا في أقطار العرب ذوي حصون وأملاك غير مطيعين لأحد، مثل يهود خيبر، وغيرهم، كما تشهد به التواريخ، وبعد ظهور محمد - ﷺ - ضربت عليهم الذلة والمسكنة، وصاروا في كل إقليم مطيعين للغير - فالأليق أن يكون المراد بـ (شيلوه) النبي - ﷺ - لا مسيح اليهود ولا عيسى - ﵇ -!
وقد أطال صاحب المنار في النقل من الزبور والأناجيل مع التعليق (١)!
فليرجع إليه من شاء!
٦ - رواية البخاري وغيره لصفات النبي - ﷺ - في التوراة:
هذا، وقد روى البخاري وغيره عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن هذه الآية التي في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب]!
قال في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميّين، أنت عبدي ورسولي، سميّتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، ولا يدفع السيّئة بالسيّئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا (٢)!
_________________
(١) انظر: المرجع السابق: ٢٦٥ - ٣٠٠.
(٢) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٨٣٨)، وانظر: الأدب المفرد (٢٤٦ - ٢٤٧)، والدارمي: ١: ٤ وما بعدها، والطبري في التفسير: ٩: ٨٣. ووقع فيه: عبد العزيز بن سلمة، وهو خطأ ناسخ أو طابع؛ لأنه عبد العزيز بن أبي سلمة، وأحمد ١٠: ١١٤ - ١١٦ (٦٦٢٢) تحقيق أحمد شاكر، وابن كثير في التفسير: ٣: ٤٩٦ - ٤٩٧ وزاد نسبته لابن أبي حاتم، والسيوطي =
[ ٢ / ٣١٧ ]
وفي رواية للدارمي، قال كعب: (نجده مكتوبًا محمد رسول الله - ﷺ -، لا فظ ولا غليظ، ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، وأمته الحمادون، يكبرون الله -﷿- على كل نجد، ويحمدونه في كل منزلة، ويتأزرون على أنصافهم، ويتوضؤون على أطرافهم، مناديهم ينادي في جو السماء، صفهم في القتال وصفهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دوي كدوي النحل، ومولده بمكة، ومهاجره بطيبة، وملكه بالشام) (١)!
قال ابن حجر (٢): والملة العوجاء: أي ملة العرب، ووصفها بالعوج لما دخل فيها من عبادة الأصنام، والمراد بإقامتها: أن يخرج أهلها من الكفر إلى الإيمان!
والأميون: هم العرب (٣)!
٧ - أشهر أسماء النبي - ﷺ -:
وحسبنا بعد ذلك أن نقرأ قول الحق ﵎:
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ
_________________
(١) = في الدر المنثور: ٣: ١٣١، والبيهقي في "الدلائل": ١: ٣٧٣ وما بعدها، وانظر: ابن سعد: الطبقات: ١: ٣٦٠، والأصبهاني في "الدلائل" (١٢٨).
(٢) الدارمي: ١: ٤ - ٥.
(٣) فتح الباري: ٤: ٣٤٣ ط. الرياض.
(٤) المرجع السابق: ٨: ٥٨٦.
[ ٢ / ٣١٨ ]
يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ [الصف]!
وإيذاء بني إسرائيل لموسى -وهو منقذهم من فرعون وملئه، ورسولهم وقائدهم ومعلمهم- إيذاء وتطاول، ومتعدد الأولوان (١)، وجهاده في تقويم اعوجاجهم جهاد مضن عسير شاق!
وهناك صور شتى متنوعة من صور هذا الإيذاء وذلك العناء، حيث كانوا يتسخّطون على موسى - ﵇ - وهو يحاول مع فرعون إنقاذهم، ويتعرض لبطشه وجبروته، وهم آمنون بِذِلَّتهم لهّ فكانوا يقولون له لائمين متبرمين:
﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: ١٢٩]!
كأنهم لا يرون في رسالته خيرًا، أو كأنما يحملونه تبعة هذا الأذى الأخير!
وما كاد ينقذهم من ذل فرعون باسم الله الذي أنقذهم من فرعون وأغرقه وهم ينظرون، حتى مالوا إلى عبادة فرعون وقومه: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ الأعراف: ١٣٨)!
وما كاد يذهب لميقات ربه على الجبل، ليتلقى الألواح، حتى أضلهم السامري: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)﴾ [طه]!
ثم جعلوا يتسخّطون على طعامهم في الصحراء: المن والسلوى، فقالوا:
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٦: ٣٥٥٥ بتصرف.
[ ٢ / ٣١٩ ]
﴿يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة: ٦١]!
وفي حادث البقرة التي كلفوا ذبحها ظلوا يماحكون ويتعللون ويسيئون الأدب مع نبيهم وربهم، وهم يقولون: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة: ٦٨]!
﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩]!
﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠]!
﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة]!
وأمام الأرض المقدسة التي بشرهم الله بدخولها وقفوا متخاذلين يصعِّرون خدهم في الوقت ذاته لموسى:
﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢)﴾ [المائدة]!
فلما كرر عليهم التحضيض والتشجيع تبجّحوا وكفروا:
﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة]!
ذلك إلى إعنات موسى بالأسئلة والاقتراحات والعصيان والتمرد، مما يطول الحديث فيه!
وتذكر الآيات التي بدأنا بها هاهنا قول موسى لهم في عتاب ومودة:
﴿يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾!
[ ٢ / ٣٢٠ ]
وهم يعلمون عن يقين، إنما هي لهجة العتاب والتذكير!
وكانت النهاية أنهم زاغوا بعد ما بذلت لهم كل أسباب الاستقامة!
﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾!
وبهذا انتهت قوامتهم على دين الله، فلم يعودوا يصلحون لهذا الأمر، وهم على هذا الزيغ والضلال!
ثم جاء عيسى ابن مريم .. جاء ليقول لبني إسرائيل:
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾!
في هذه الصيغة التي تصور حلقات الرسالة المترابطة يسلم بعضها إلى بعض .. وهي متماسكة في حقيقتها، واحدة في اتجاهها، ممتدة من السماء إلى الأرض، حلقة بعد حلقة في السلسلة الطويلة المتصلة، وهي الصورة اللائقة بمنهج الحق، فهو منهج واحد في أصله، متعدد في صوره .. وفق استعداد البشريّة وحاجاتها وطاقاتها .. ووفق تجاربها ورصيدها من المعرفة، حتى تبلغ مرحلة الرشد العقلي والشعوري، فتجيء الحلقة الأخيرة في الصورة الأخيرة كاملة شاملة، تخاطب العقل الراشد، في ضوء تلك التجارب، وتطلق هذا العقل يعمل في حدوده، داخل نطاق المنهج المرسوم للإنسان في جملته، المتفق مع طاقاته واستعداداته:
وتطالعنا البشارة: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾!
يروي الشيخان وغيرهما عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، أن النبي - ﷺ - قال: "لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي
[ ٢ / ٣٢١ ]
الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدميّ، وأنا العاقب" (١)!
وفي رواية لمسلم وغيره عن أبي عبيدة، عن أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله - ﷺ - يسمي لنا نفسه بأسماء. فقال (٢): "أنا محمد، وأنا أحمد، والمقفّى، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة"!
قال ابن القيّم: الفرق بين محمد وأحمد من وجهين:
(أحدهما: أن (محمدًا) هو المحمود حمدًا بعد حمد، فهو دال على كثرة حمد الحامدين له، وذلك يستلزم كثرة موجبات الحمد فيه. و(أحمد) أفعل تفضيل من الحمد، يدل على أن الحمد الذي يستحقه أفضل مما يستحقه غيره!
فمحمد زيادة في حمد في الكميّة، وأحمد زيادة في الكيفيّة، فيحمد أكثر حمد، وأفضل حمد حمده البشر!
والوجه الثاني: أن (محمدًا) هو المحمود حمدًا متكرّرًا -كما تقدم-
_________________
(١) البخاري: ٦١ - المناقب (٣٥٣٢)، وانظر (٤٨٩٦)، ومسلم (٢٣٥٤)، وأحمد: ٤: ٨٠، ٨٤، والطيالسي (٩٢٤)، وعبد الرزاق (١٩٦٥٧)، والحميدي (٥٥٥)، وابن سعد: ١: ١٠٥، وابن أبي شيبة: ١١: ٤٥٧، والترمذي (٢٨٤٠)، والشمائل (٣٦٠)، وأبو يعلى (٧٣٩٥)، والطحاوي: شرح المشكل (١١٥٠)، والطبراني: الكبير (١٥٢٠ - ١٥٣٠)، والآجري: الشريعة: ٤٦٢، وأبو نعيم: "الدلائل" (١٩)، والبيهقي: "الدلائل": ١: ١٥٢ - ١٥٤، والبغوي (٣٦٢٩، ٣٦٣٠)، وابن أبي عاصم: الآحاد والمثاني (٤٧٣)، وابن عبد البر: التمهيد: ٩: ١٥٣، والفاكهي: أخبار مكة (١٨٧١)، وابن حبان (٦٣١٣).
(٢) مسلم: ٤٣ - الفضائل (٢٣٥٥)، والبيهقي: ١: ١٥٦ - ١٥٧، وابن أبي شيبة: ١١: ٤٥٧، وابن سعد: ١: ١٠٤ - ١٠٥، وأحمد: ٤: ٣٩٥، ٤٠٤، ٤٠٧، والطحاوي: شرح مشكل الآثار: ٢: ٥١، والطبراني: الصغير (٢١٧)، والحاكم: ٢: ٦٠٤، وابن حبان (٦٣١٤).
[ ٢ / ٣٢٢ ]
و(أحمد) الذي حمده لربه أفضل من حمد الحامدين غيره. فدل أحد الاسمين -وهو (أحمد) - على كونه محمودًا. ودل الاسم الثاني -وهو (أحمد) - على كونه أحمد الحامدين لربه. وهذا هو القياس؛ فإن أفعل التفضيل والتعجب عند جماعة البصريين لا يبنيان إلا من فعل الفاعل، لا من فعل المفعول، ذهابًا إلى أنهما إنما يصاغان من الفعل اللازم لا المتعدي، ونازعهم آخرون وجوزوا بناءهما من الفعل الواقع على المفعول، لقول العرب: (ما أشغله بالشيء)!
إلى أن قال: والمقصود أنه - ﷺ - سُمِّي (محمَّدًا) و(أحمد)؛ لأنه يحمد أكثر مما يحمد غيره، وأفضل مما يحمد غيره، فالاسمان واقعان على المفعول، وهذا هو المختار. وذلك أبلغ في مدحه، وأتم معنى. ولو أريد به اسم الفاعل لسمي (الحماد) وهو كثير الحمد، كما سمي (محمدًا)، وهو المحمود كثيرًا، فإنه - ﷺ - كان أكثر الخلق حمدًا لربه. فلو كان اسمه باعتبار الفاعل، لكان الأولى أن يسمى (حمادًا)، كما أن اسم أمته (الحمادون). وأيضًا فإن الاسمين إنما اشتقا من أخلاقه وخصائله المحمودة التي لأجلها استحق أن يسمى (محمّدًا) و(أحمد)، فهو الذي يحمده أهل الدنيا وأهل الآخرة، ويحمده أهل السموات والأرض. فلكثرة خصائله التي تفوت عد العادين سمي باسمن من أسماء الحمد، يقتضيان التفضيل والزيادة في القدر والصفة) (١)!
تلك أشهر أسماء الرسول - ﷺ -، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك، جمعها الحافظان: أبو بكر البيهقي، وأبو القاسم بن عساكر، وأفرد الناس في
_________________
(١) تفسير القاسمي: ١٦: ٥٧٨٩ - ٥٧٩٠.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
ذلك مؤلفات، حتى رام بعضهم أن يجمع له - ﷺ - ألف اسم، وأما الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي شارح الترمذي بكتابه (عارضة الأحوذي) فإنه ذكر من ذلك أربعة وستين اسمًا (١)!
٨ - أسماؤه في الشعر:
وقال المرحوم عبد الحميد الخطيب في أسماء النبي - ﷺ -:
إِن رمت تعلم من عنيت فإِنه هو أحمد المكتوب في التوراة
ومحمد من نص في الإِنجيل عنه بأنه سيجئ بالخيرات
ماحي صنوف الكفر عاقب من تقد مه من الداعين بالآيات
الحاشر الأقوام للمولى على قدميه يوم البعث في الميقات
وهو المقفّى والبشير برحمة الـ ـولي النذير بأعظم الويلات
وهو المبشّر خاتم متوكل ونبيّ ملحمة مع التوبات
_________________
(١) السيرة النبويّة: ابن كثير: ١: ١٨٣ - ١٨٤، وانظر زاد المعاد: ١: ٨٦ وما بعدها.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
الشاهد الداعي إِلى الرحمن بالتوحيد يمحو حالك الظلمات
المرسل الأمي قثم الخير مَن قد كان يعطي المال بالكثرات
وهو الأمين وفاتح الأبواب مَن سُمي نبي الله والرحمات (١)
٩ - ميثاق النبيّين:
وإذا كنا قد أبصرنا بعض البشائر بالنبوة، وعلمنا أن صفات الرسول - ﷺ - في التوراة قد ذكرها البخاري وغيره، فإننا نبصر حقيقة الترابط بين موكب الرسل والرسالات، على عهد من الله وميثاق، ينبني عليه فسوق من يتولى عن اتباع آخر الرسالات، وخاتم النبيّين - ﷺ - وعلى إخوانه من الرسل .. ونبصر شذوذ من يتولى عن ذلك، عن عهد الله وناموس الكون كله على الإطلاق، ونحن نقرأ:
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [آل عمران]!
_________________
(١) تائية الخطيب: ٣٨.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
لقد أخذ الله -﷿- موثقًا رهيبًا جليلًا على كل رسول (١)، أنه مهما آتاه من كتاب وحكمة، ثم جاء رسول مصدق لما معه، أن يؤمن به وينصره، ويتبع دينه، وجعل هذا عهدًا بينه وبين كل رسول!
والتعبير القرآني يطوي الأزمنة المتتابعة بين الرسل، ويجمعهم كلهم في مشهد، والله الجليل الكبير يخاطبهم جملة: هل أقروا هذا الميثاق، وأخذوا عليه عهد الله؟:
﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾!
وهم يجيبون: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾!
وتأتي الشهادة على هذا الميثاق:
﴿قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾!
هذا المشهد الهائل الجليل، يرسمه التعبير القرآني، فيهتز له الجَنان في الإنسان، وهو يتمثل المشهد .. ومن ثم يبدو هذا الموكب الكريم متصلًا متساندًا، مستسلمًا للتوجيه العلوي، ممثلًا للحقيقة الواحدة التي شاء الحق ﵎ أن تقوم عليها البشريّة، ولا تنحرف، ولا تتعدد، ولا تتعارض، ولا تتصادم، إنما يُصطفى لها المختار من عباد الله، ثم يسلمها إلى المختار بعده، ويسلم نفسه معها لأخيه اللاحق به، فما للنبي في نفسه من شيء، وما له في هذه المهمة من أَرب شخصي، ولا مسجد ذاتي، إنما هو عبد مُصطفَى، ومبلغ مختار، والحق -﵎- هو الذي ينقل خطأ هذه الدعوة بين أجيال البشر، ويقود هذا الموكب ويصرفه كيف يشاء!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ١: ٤٢٠ بتصرف.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
ويخلص دين الله -بهذا العهد وبهذا التصوّر- من العصبية الذاتية .. عصبية الرسول لشخصه، وعصبيّته لقومه، وعصبيّة أتباعه لنحلتهم، وعصبيّتهم لأنفسهم، وعصبيّتهم لقوميّتهم .. ويخلص الأمر كله لله في هذا الدين الواحد، الذي تتابع به وتوالى كل ذلك الموكب السنيّ الكريم!
وفي ظل هذه الحقيقة يبدو الذين يتخففون من أهل الكتاب عن الإيمان بخاتم النبيّين محمد - ﷺ - ومناصرته وتأييده -تمسكًا بعقيدتهم كما يزعمون، لا بحقيقتها؛ لأن حقيقتها تدعوهم إلى الإيمان به ونصرته- يبدون متعصبين لأنفسهم في صورة التعصّب لعقيدتهم!
مع أن رسلهم الذين حملوا إليهم هذه الرسالات قد قطعوا على أنفسهم عهدًا ثقيلًا غليظًا مع ربّهم في مشهد مرهوب جليل!
في ظل هذه الحقيقة يبدو أولئك الذين يتخلفون من أهل الكتاب فسقة عن تعاليم أنبيائهم، فسقة عن عهد الله معهم، فسقة كذلك عن نظام الكون كله، المستسلم لبارئه، الخاضع لناموسه:
﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾!
إنه لا يتولّى عن اتباع خاتم النبيّين - ﷺ - إلا فاسق، ولا يتولى عن دين الله إلا شاذ .. شاذ في هذا الوجود الكبير .. ناشز في وسط الكون الطائع المستسلم المستجيب!
إن دين الله واحد، بعث به الرسل جميعًا، وتعاقدت عليه الرسالات جميعًا، وإن عهد الله واحد، أخذه على كل رسول، والإيمان بهذا الدين واتباع رسوله، ونصرة منهجه على كل منهج، هو الوفاء بهذا العهد، فمن تولّى عن
[ ٢ / ٣٢٧ ]
الإسلام فقد تولّى عن دين الله كله، وقد خان عهد الله كله. كما فعل يهود ومن على شاكلتهم!
والإسلام -الذي يتحقق في إقامة منهج الله في الأرض واتباعه والخلوص له- هو ناموس هذا الوجود، وهو دين كل حي في هذا الوجود!
إنها صورة شاملة عميقة للإسلام والاستسلام .. صورة كونيّة تأخذ بالمشاعر، وترتجف لها الضمائر .. صورة الناموس القاهر الحاكم، الذي يرد الأشياء والأحياء إلى سنن واحد، ومصير واحد: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾!
فلا مناص لهم في نهاية المطاف من الرجوع إلى الحاكم المسيطر المدبّر الجليل!
ولا مناص للإنسان حين يبتغي سعادته وراحته وطمأنينة باله وصلاح حاله، من الرجوع إلى منهج الله في ذات نفسه، وفي نظام حياته، وفي منهج مجتمعه، ليتناسق مع النظام الكوني كله. فلا ينفرد بمنهج من صنع نفسه، لا يتناسق مع ذلك النظام الكوني من صنع بارئه .. في حين أنه مضطر أن يعيش في إطار هذا الكون، وأن يتعامل بجملته مع النظام الكوني، والتناسق بين نظامه هو في تصوره وشعوره، وفي واقعه وارتباطاته، وفي عمله ونشاطه، مع النظام الكوني .. هو وحده الذي يكفل له التعاون مع القوى الكونية الهائلة بدلًا من التصادم معها .. وهو حين يصطدم بها يتمزق وينسحق، أو لا يؤدي -على كل حال- وظيفة الخلافة في الأرض كما وهبها الله له، وحين يتناسق ويتفاهم مع نواميس الكون التي تحكمه وتحكم سائر الأحياء فيه، يملك معرفة أسرارها وتسخيرها، ويملك الانتفاع بها على وجه يحقق له السعادة والراحة والطمأنينة، ويعفيه من الخوف والقلق والتناحر .. الانتفاع بها، لا ليحترق بنار الكون، ولكن لينتفع بها ويستضيء!
[ ٢ / ٣٢٨ ]
والفطرة البشريّة في أصلها متناسقة مع ناموس الكون، مسلمة لربها إسلام كل شيء وكل حي، فحين يخرج الإنسان بنظام حياته عن ذلك الناموس لا يصطدم مع الكون فحسب، إنما يصطدم أولًا بفطرته التي بين جنبيه، فيشقى ويتمزّق، ويحتار ويقلق، ويحيا كما تحيا البشريّة الضالة النكدة اليوم في عذاب من هذا الجانب .. على الرغم من جميع الانتصارات العلميّة، وجميع التسهيلات الحضاريّة الماديّة!
وكل ذلك من صنع (يهود) ومن على شاكلتهم!
إن البشريّة اليوم تعاني من الخواء المرير .. خواء الروح من الحقيقة التي لا تطيق فطرتها أن تصبر عليها .. حقيقة الإيمان، وخواء الحياة من المنهج الإلهي .. هذا المنهج الذي ينسق بين حركتها وحركة الكون الذي تعيش فيه!
إنها تعاني من الهجير المحرق الذي تعيش فيه بعيدًا بعيدًا عن ذلك الظل الوارف الندي، ومن الفساد المقلق الذي تتمرغ فيه بعيدًا بعيدًا عن ذلك الخط القويم والطريق المأنوس المطروق!
وكل ذلك من صنع (يهود) ومن على شاكلتهم!
ومن ثم تجد الشقاء والحيرة والاضطراب، وتحسّس الخواء والجوع والحرمان، وتهرب من واقعها هذا بالمسكرات، على اختلاف أنواعها، وبالسرعة المجنونة والمغامرات الحمقاء، والشذوذ في كل شيء!
وكل ذلك من صنع (يهود) ومن على شاكلتهم!
وذلك على الرغم من الرخاء المادي، والإنتاج الوفير، والحياة الميسورة، والفراغ الكثير .. لا، بل إن تلك الآلام تتزايد كلما تزايد الرخاء المادي، والإنتاج الحضاري، واليسر في كل وسائل الحياة ومرافقها!
[ ٢ / ٣٢٩ ]
إن هذا الخواء المرير ليطارد البشريّة كالشبح المخيف .. يطاردها فتهرب منه، ولكنها تنتهي كذلك إلى الخواء المرير!
وكل ذلك من صنع (يهود) ومن على شاكلتهم!
وما من أحد يزور البلاد الغنيّة الثريّة في الأرض حتى يكون الانطباع الأول في حسه أن هؤلاء قوم هاربون!
هاربون من أشباح تطاردهم!
هاربون من ذوات أنفسهم!
وسرعان ما يكتشف الرخاء المادي والحسي الذي يصل إلى حد التمرغ في الوحل والطين، عن الأمراض العصبية والنفسيّة، والشذوذ والقلق، والمرض والجنون، والمسكرات والمخدرات والجريمة، وفراغ الحياة من كل تصور كريم!
وكل ذلك من صنع (يهود) ومن على شاكلتهم!
إنهم لا يجدون سعادتهم؛ لأنهم لا يجدون المنهج الإلهي الذي ينسق بين حركتهم وحركة الكون، وبين نظامهم وناموس الوجود!
إنهم لا يجدون طمأنينتهم؛ لأنهم لا يعرفون الله الذي إليه يرجعون!
وكل ذلك من صنع (يهود) ومن على شاكلتهم!
١٠ - القرآن يسجل على أهل الكتاب يقينهم بمعرفة الرسول - ﷺ -:
وقد سجل القرآن الكريم على أهل الكتاب يقينهم بمعرفة محمد رسول الله - ﷺ -، لوجود نعوته في التوراة والإنجيل، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي
[ ٢ / ٣٣٠ ]
التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف]!
وهنا نبصر نبأ الملة الأخيرة التي سيكتب الله لها رحمته التي وسعت كل شيء .. بهذا التعبير الذي يجعل رحمة الله أوسع من ذلك الكون الهائل الذي خلقه، والذي لا يدرك البشر مداه .. فيا لها من رحمة لا يدرك مداها إلا الله (١)!
وإنه لنبأ عظيم، يشهد بأن بني إسرائيل قد جاءهم الخبر اليقين بالنبي الأمي - ﷺ -، منذ أمد بعيد، على يدي نبيهم موسى، ونبيهم عيسى - ﵉ -!
جاءهم الخبر اليقن ببعثته، وبصفاته، وبمنهج رسالته، وخصائص ملته، فهو (النبي الأميّ) وهو يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهو يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، وهو يضع عمن يؤمنون به من بني إسرائيل الأثقال والأغلال التي كانت عليهم، فيرفعها عنهم النبي الأميّ حين يؤمنون به، وأتباع هذا النبي يتقون ربهم، ويخرجون زكاة أموالهم، ويؤمنون بآيات الله!
وجاءهم الخبر اليقين بأن الذين يؤمنون بهذا النبي الأمي، ويعظمونه،
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٣: ١٣٧٨ بتصرف.
[ ٢ / ٣٣١ ]
ويوقرونه، وينصرونه، ويؤيدونه، ويتبعون النور الهادي، الذي معه ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾!
وبذلك البلاغ المبكر لبني إسرائيل على يد نبيهم موسى - ﵇ - كشف الحق -جل شأنه- عن مستقبل دينه، وعن حامل رايته، وعن طريق أتباعه، وعن مستقر رحمته؛ فلم يبق عذر لهؤلاء ومن على شاكلتهم بعد ذلك البلاع المبكر بالخبر اليقين!
وهذا الخبر اليقين من ربّ العالمين لموسى - ﵇ - وهو السبعون المختارون من قومه لميقات ربّه. يكشف كذلك عن مدى جريمة بني إسرائيل في استقبالهم لهذا النبي وللدّين الذي جاء به، وفي التخفيف عنهم والتيسير، إلى جانب ما فيه من البشارة بالفلاح للمؤمنين!
إنها الجريمة عن علم، وعن بينة!
الجريمة التي لم يألوا فيها جهدًا، فقد سجل التاريخ أن بني إسرائيل كانوا هم ألأم خلقٍ وقف لهذا النبي وللدين الذي جاء به، اليهود أولًا، ومن على شاكلتهم أخيرًا، وأن الحرب التي شنوها على هذا النبي ورسالته والمؤمنين كانت حربًا خبيثة ماكرة لئيمة قاسية، وأنهم أصرّوا عليها ودأبوا، وما زالوا يصرّون ويدأبون!
والذي يراجع -فقط- ما سجله القرآن من حرب أهل الكتاب للإسلام والمسلمين، يطلع على المدى الواسع المتطاول الذي أداروا فيه المعركة مع الرسالة والرسول - ﷺ - في عناد لئيم!
والذي يراجع التاريخ بعد ذلك، منذ اليوم الأول الذي استعلن فيه هذا
[ ٢ / ٣٣٢ ]
الدّين، وقامت له دولة في المدينة، يدرك كذلك مدى الإصرار العنيد على الوقوف لهذا الدّين وإرادة محوه من الوجود!
ولقد استخدمت الصهيونيّة ومن على شاكلتها في العصر الحديث من ألوان الحرب والكيد والمكر أضعاف ما استخدمته طوال القرون الماضية كلها!
وهي في هذه الفترة -خاصة- تعالج إزالة هذا الدّين بجملته، وتحسب أنها تدخل معه في المعركة الأخيرة الفاصلة؛ لذلك تستخدم جميع الأساليب التي جرّبتها في القرون الماضية كلها، بالإضافة إلى ما استحدثته منها، جملة واحدة!
ذلك في الوقت الذي يقوم ناس ممن ينتسبون إلى الإسلام، يدعون في سذاجة إلى التعاون بين أهل الإسلام وأهل الكتاب للوقوف في وجه تيار المادية والإلحاد!
ومن ثم أبصرنا الدعوة إلى مؤتمرات الأديان ومجتمع المسجد، ودور العبادة عند أهل الكتاب!
أهل الكتاب الذين يذبحون من ينتسبون إلى الإسلام في كل مكان، ويشنون عليهم حربًا تتسم بكل بشاعة الحروب التي سجلها التاريخ، وسجلتها محاكم التفتيش في الأندلس!
سواء عن طريق أجهزتهم المباشرة في المستعمرات في آسيا، وأفريقيا، أو عن طريق الأوضاع التي يقيمونها في البلاد -وما أكثرها! - لتحل محل الإسلام عقائد ومذاهب علمانيّة!
تنكر الغيبيّة، وتطوّر الأخلاق لتصبح حيوانيّة كالبهائم التي ينزو بعضها على بعض في حريّة -كما يزعمون- وتقيم مؤتمرات المستشرقين للتطوّر في كل شيء!
[ ٢ / ٣٣٣ ]
إنها المعركة الوحشيّة الضارية يخوضها أهل الكتاب مع هذا (الدّين القيم)، الذي بشّروا به وبنبيّه منذ ذلك الأمد البعيد، ولكنهم تلقوه هذا التلقي اللئيم الخبيث العنيد!
وقبل أن يمضي السياق إلى مشهد جديد، يقف عند هذا البلاغ المبكر، يوجه الخطاب إلى خاتم النبيين - ﷺ -، يأمره بإعلان الدعوة إلى الناس جميعًا، تصديقًا لوعد الله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾!
إنها الرسالة الأخيرة، فهي الرسالة الشاملة، التي لا تختص بقوم دون قوم، ولا أرض دون أرض، ولا جيل دون جيل، ولا قبيل دون قبيل!
ولقد كانت الرسالات قبلها رسالات محليّة قوميّة محدودة بفترة من الزمان -ما بين عهدي رسولين- وكانت البشرية تخطو على هدي هذه الرسالات خطوات محدودة، تأهيلًا للرسالة الأخيرة، وكانت كل رسالة تتضمن ما يناسب تدرج الشريعة، حتى إذا جاءت الرسالة الأخيرة جاءت كاملة في أصولها، قابلة للتطبيق المتجدد في فروعها، وجاءت للبشر جميعًا، في كل جيل وفي كل قبيل، وفي كل عصر، وفي كل مصر، وفي كل زمان، وفي كل مكان .. وجاءت وفق الفطرة الإنسانية التي يلتقي عندها الناس جميعًا، ومن ثم حملها النبي الأمي الذي لم يدخل على فطرته الصافية -كما خرجت من يد الحق- إلا تعليم الله، فلم تَشُبْ هذه الفطرة شائبة من تعاليم الأرض ومن أفكار الناس! ليحمل رسالة الفطرة إلى فطرة الناس جميعًا:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾!
[ ٢ / ٣٣٤ ]
وهذه الآية التي يؤمر فيها رسول الله - ﷺ - أن يواجه برسالته الناس جميعًا، هي آية مكيّة في سورة مكيّة، وهي تُجبه المزوّرين من أهل الكتاب، الذين يزعمون أن خاتم النبيّين - ﷺ - لم يكن يفكّر وهو في مكة أن يمد بصره برسالته إلى غير أهلها، وأنه إنما بدأ يفكّر في أن يتجاوز بها قريشًا، ثم يتجاوز بها العرب إلى دعوة أهل الكتاب، ثم يجاوز بها الجزيرة العربيّة إلى ما وراءها، كل أولئك بعد أن أغراه النجاح الذي ساقته إليه الظروف!
وإن هي إلا فرية من ذيول الحرب التي شنّوها قديمًا على هذا الدّين وأهله، وما يزالون ماضين فيها!
وليست البليّة في أن يرصد أهل الكتاب كيدهم لهذا الدّين وأهله، وأن يكون المستشرقون الذين يكتبون مثل هذا الكذب هم طليعة الهجوم على هذا الدّين وأهله، إنما البليّة الكبرى أن كثيرًا من السذج الأغرار من أبناء جلدتنا، الذين يتكلمون بألسنتنا، يتخذون من هؤلاء المزوّرين على أنبيائهم، المحاربين لعقيدتهم، أساتذة لهم، يتلقون عنهم في هذا الدّين نفسه، ويستشهدون بما يكتبونه عن تاريخ هذا الدّين وحقائقه، ثم يزعم هؤلاء السذّج الأغرار لأنفسهم أنهم مثقفون!
ونعود إلى السياق القرآني بعد تكليف الرسول - ﷺ - أن يعلن رسالته للناس جميعًا، فنجد بقيّة التكليف في تعريف الناس بربّهم الحق - جل شأنه -:
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾!
إنه - ﷺ - رسول للناس جميعًا من ربّهم الذي يملك هذا الوجود كله، وهم من هذا الوجود، والذي يتفرّد بالألوهية وحده، فالكل له عبيد، والذي تتجلّى قدرته وألوهيّته في أنه الذي يحيي ويميت!
[ ٢ / ٣٣٥ ]
والذي يملك الوجود كله، والذي له الألوهيّة على الخلائق وحده، والذي يملك الحياة والموت للناس جميعًا .. هو الذي يستحق أن يدين الناس بدينه، الذي يبلغه إليهم رسوله، فهو تعريف للناس بربّهم، لتقوم على هذا التعريف عبوديّتهم له، وطاعتهم لرسوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾!
وهذا النداء الأخير في هذا التعقيب يتضمن لفتات دقيقة ينبغى أن نقف أمامها لحظات:
إنه يتضمن ابتداءً ذلك الأمر بالإيمان بالله ورسوله، وهو ما تتضمنه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، في صورة أخرى من صور هذا المضمون الذي لا يقوم بدونه إيمان ولا إسلام، ذلك أن هذا الأمر بالإيمان بالله سبقه في الآية التعريف بصفاته تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾!
فالأمر بالإيمان هو أمر الإيمان بالله الذي هذه صفاته الحقة، كما سبقه التعريف برسالة النبي - ﷺ - إلى الناس جميعًا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾!
ثم يتضمن ثانية أن النبي الأمي- صلوات الله وسلامه عليه- يؤمن بالله وكلماته .. ومع أن هذه بديهيّة، إلا أن هذه اللفتة لها مكانها ولها قيمتها، فالدعوة لا بد أن يسبقها إيمان الداعي بحقيقة ما يدعو إليه، ووضوحه في نفسه، ويقينه منه، لذلك يجيء وصف النبي المرسل إلى الناس جميعًا بأنه:
﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾!
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وهو نفس ما يدعو إليه!
ثم يتضمن أخيرًا لفتة إلى مقتضى هذا الإيمان الذي يدعوهم إليه، وهو اتباعه فيما يأمر به ويدعو إليه ويحث عليه، واتباعه كذلك فيما يبيّنه، وهو ما يقرره قول الحق سبحانه:
﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾!
فليس هناك رجاء في أن يهتدي الناس بما يدعوهم إليه رسول الله - ﷺ - إلا باتباعه فيه. ولا يكفي أن يؤمنوا به في قلوبهم!
إن هذا (الدّين القيّم) يعلن عن حقيقته في كل مناسبة .. إنه ليس مجرد عقيدة تستكنّ في الضمير .. كما أنه كذلك ليس مجرد شعائر تؤدى وطقوس، إنما هو الاتباع لرسول الله - ﷺ - فيما يبلغه عن ربه، وفيما يبيّنه ويسنه، والرسول - ﷺ - لم يأمر الناس بالإيمان بالله ورسوله فحسب، ولم يأمرهم كذلك بالشعائر التعبديّة فحسب، ولكنه أبلغهم شريعة الله في قوله وفعله .. ولا رجاء في أن يهتدي الناس إلا إذا اتبعوه في هذا، فهذا هو دين الله، وليس لهذا الدّين من صورة أخرى إلا هذه الصورة التي تشير إليها هذه اللفتة:
﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾!
بعد الإيمان بالله ورسوله، ولو كان الأمر في هذا الدّين أمر اعتقاد وكفى، لكان في قوله ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الكفاية!
[ ٢ / ٣٣٧ ]
خصائص الجزيرة العربيّة
[ ٢ / ٣٣٩ ]
خصائص الجزيرة العربيّة
١ - البيت الحرام
٢ - دعوة إبراهيم ﵇
٣ - أنبياء في الجزيرة
٤ - صفات العرب
٥ - وحدة اللغة
٦ - الموقع الجغرافي
٧ - حرم الإسلام
[ ٢ / ٣٤٠ ]
خصائص الجزيرة العربيّة
تمهيد:
اقتضت حكمة الله أن تطلع شمس الهداية التي تبدد الظلام، وتملأ الدنيا نورًا وهداية، من أفق جزيرة العرب!
والجزيرة من حيث الاسم -كما نرى- مضافة إلى العرب لا غير، ويطلق عليها (جزيرة العرب)، و(أرض العرب)، و(بلاد العرب)، و(ديار العرب)، ويقال الآن (الجزيرة العربيّة)، و(شبه جزيرة العرب)، و(شبه الجزيرة العربيّة) (١)!
ونذكر خصائصها فيما يلي:
١ - البيت الحرام:
أول ما يطالعنا من خصائص الجزيرة: البيت الحرام، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران]!
وهنا نبصر تقرير أن البيت الحرام أول بيت وضع في الأرض للعبادة وخصص لها، وجعله الله مباركًا وهدى للعالمين، يجدون عنده الهدى، وفيه آيات بيّنات على أنه مقام إبراهيم، وأنه مثابة الأمن لكل خائف، وليس هذا لمكان آخر في الأرض!
_________________
(١) انظر حدودها في: خصائص جريرة العرب: الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد: ١٥ وما بعدها، دار ابن الجوزي، السعودية، ط. أولى ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.
[ ٢ / ٣٤١ ]
ونبصر البيئة الطبيعيّة للرسالة والرسول - ﷺ - هي الجزيرة العربيّة بوجه عام (١)، سماؤها، وأرضها، شمالها وجنوبها، جبالها ووديانها، نجودها وتهائمها، وبوجه خاص شمال تلك الجزيرة المعروف بأرض الحجاز، وبوجه أخص (مكة المكرمة) من أرض الحجاز!
والتاريخ الطبيعي عرف للجزيرة العربيّة في جملتها خصائص شاملة تشترك فيها جميع أجزائها .. وعرف بعد ذلك خصائص فَصلَت الجنوب عن الشمال .. كما عرف خصائص امتازت بها أرض الحجاز، وخصائص امتازت بها (مكة المكرمة) في موقعها من أرض الحجاز!
عاصرت تلك الخصائص الجزيرة العربيّة مفرّقة بين شمالها وجنوبها آمادًا طويلةً، وأحقابًا متعدّدةً، تدخل مع التاريخ في أعماقه البعيدة، حتى تقف معه عند مجاهد العصور التي لم تتبيّن له معالمها، ولم تزل تمخّضها الحوادث، وتدافعها الأحداث، وتمرّ مع الزمن في أطوار طبيعية، حتى تبلورت إلى صورة واحدة مشت بالجنوب إلى الشمال، فمزجته به في خصائصه، حتى صار كأنه هو، جدبًا وشظف عيش، وقسوة طبيعيّة، وجفوةَ حياة، وعبوس جو، ولفح سموم، وكثرة تقلّبات، وقلق إقامة، وتطلعًا إلى السماء، رجاء غيث، وتوثّبًا في أرجاء الأرض، طلبًا لمرعى أو قطرة ماء!
وهي بعد ذلك بيئةٌ تَدَّرِعُ الليل، وتأنس بالوحش، وتستضيء بالنجوم، وتطرب لصوت الرعد، يكتنفها فضاء لا نهاية له، وتظلّها سماء لا تستقر على حال، تصفو مرّة فتلمحُ بالليل نجومها، وتَضْحى بالنهار شمسها، وتَغيم مرّة فيسودّ أديمها، وتتوارى كواكبها، وتحتجب شمسها، ويكفهرّ أفقها، ويتجهّم
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٤٠ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
منظرها، أكنافُها الجبال، ومسارحها الوديان، لا صناعة تشذِّب من مظاهرها، ولا زراعة ترفِّه من جوّها، وكل الأمل المرجوّ منها مرعى تجود به الطبيعة، لتحيا عليه قطعان من إبل وشاء، عليها قوام تلك البيئة القاسية!
وقد اشتهر ذلك عن الجزيرة العربيّة، حتى عرفه جيرانهم من الفرس والرومان، فزهدوا فيها مع طغيان روح الاستغلال الاستعماري في الدولتين!
هذه الخصائص الطبيعيّة كانت خلاصة ما انتهت إليه الأحداث الضخمة، والحوادث الهائلة، التي انتابت الجزيرة العربيّة في مدى الأحقاب المتوغّلة في مجاهد التاريخ، تجمعت من أرجائها كلها، وتلاقت في شمالها من أرض الحجاز، فكانت -فوق أنها خصائص الجزيرة منذ بدأ انسياح القبائل الجنوبيّة إلى الشمال طلبًا للعيش عقب انهيار سد مأرب وتخريب عمران اليمن- هي في الوقت ذاته خصائص بلاد الحجاز منذ عرفها التاريخ!
أما (مكة المكرمة) بلد الرسول - ﷺ -، وبيئته اللصيقة به، فسمّها قرية أو مدينة أو ما شئت من أسماء الأمكنة التي كانت موئلًا لاستقرار قبيل من الناس، يضطربون فيه طلبًا لوسائل الحياة والعيش، فيتسع لهم ويعطيهم ما تسمح به طبيعته، ويظهر أن أمر هذه التسمية يرجع إلى العرف ومصطلح الناس، وقد يختلف باختلاف الأزمنة والعصور، والقرآن الكريم أطلق عليها (بلدًا)، وسماها مرة (قرية)، ومرة أخرى سماها (أم القرى)، وأصول الاجتماع لا تأبى عليها اسم (المدينة)!
ومهما يكن من أمر ذلك كله، فإنها منذ كانت عاصمة الحجاز من غير منازعة ولا مزاحمة، وإطلاق اسم المدينة عليها أقرب إلى تسمية القرآن لها (أم القرى) وأدنى ما عُرف لها من مكانة واحترام قبل البعثة المحمدية، وأشبه ما صارت إليه في الإسلام من منزلة دينيّة واجتماعيّة!
[ ٢ / ٣٤٣ ]
يقول ابن القيم - ﵀ (١) - عند تفسير قول الله تعالى:
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]!
ومن هذا اختياره ﷾ من الأماكن والبلاد خيرها وأشرفها، وهي البلد الحرام، فإنه ﷾ اختاره لنبيّه - ﷺ -، وجعله مناسك لعباده، وأوجب عليهم الإتيان إليه، من القرب والبعد، من كل فج عميق، فلا يدخلونه إلا متواضعين متخشعين متذللين، كاشفي رؤوسهم، متجردين من لباس أهل الدنيا!
وأقسم به في كتابه العزيز في موضعين منه، فقال تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين]!
وقال جل شأنه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ [البلد]!
وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها، والطواف بالبيت الذي فيها غيرها، وليس على وجه الأرض موضع يشرع تقبيله واستلامه، وتحط الخطايا والأوزار فيه، غير الحجر الأسود، والركن اليماني!
يروي أحمد وغيره بسند صحيح عن عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع رسول الله - ﷺ -، وهو واقف على راحلته بالحزورة من مكة يقول: "والله! إِنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إِلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت" (٢)!
_________________
(١) زاد المعاد: ١: ٤٦ وما بعدها بتصرف.
(٢) أحمد: ٤: ٣٠٥، وابن عبد البر: التمهيد: ٢: ٢٨٨، والاستذكار: ٢٦: ١٥ - ١٦، ويعقوب بن سفيان: المعرفة والتاريخ: ١: ٢٤٤، والبيهقي: الدلائل: ٢: ٥١٧ - ٥١٨، والترمذي (٣٩٢٥)، وابن ماجه (٣١٠٨)، والحاكم: ٣: ٧، ٤٣١، وابن حبان (٣٧٠٨).
[ ٢ / ٣٤٤ ]
تلك المدينة التي كانت مسقط رأس الرسول - ﷺ -، وموطن أسرته، ووطن قبيلته، وصفها القرآن الكريم على لسان خليل الله إبراهيم - ﵇ - في قوله جل شأنه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [ابراهيم: ٣٧]!
وهذا أصدق وصف (١)، وأجمع كلمة لخصائصها الطبيعيّة، فكلمة (واد) تصورأتم تصوير وضعها على الأرض، فهي منخفض تحيط به الجبال، وكلمة ﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ تعطيك أن هذا الوادي له طبيعة شحيحة أشد الشح بالماء، فهي لا تكاد تجود به نبعًا، وإذا جادت به غيثًا تفرّق في غير كبير فائدة، وتعطيك نتيجة لذلك جدوبة الأرض، وتعطيك صرامة الجو، ولفح السموم، وهو وصف في جملته يُدْخل على النفس يأسًا، قلما أن تجد وسيلة من العيش الرغيد، أو سببًا من أسباب الكسب الربيح، في هذا البلد السجين بين شاهقات الجبال!
بيد أن (مكة المكرمة) بلد الرسول - ﷺ - لم تستسلم للطبيعة تحبسها في واديها الأجرد، بين جبالها السود المكفهرّة القاسية، بل تداركتها العناية الإلهيّة، فأهدت إليها (الكعبة) بيت الله الحرام، فصارت بها (مكة المكرمة) بلد الله الحرام، وكان الذي أقام الكعبة إبراهيم وإسماعيل - ﵉ - وإبراهيم جد العرب الذي تنتهي إليه مفاخرهم، وإسماعيل أبوهم، وقد تعرّب منذ كان، فلم يعرف غير العرب شعبًا، ولا غير الجزيرة وطنًا، ولا غير (مكة المكرمة) بلدًا، فحفظ الأبناء تراث الآباء، ووعى الأحفاد ذخيرة الأجداد!
وعظّم العرب (الكعبة البيت الحرام) وعظّموا لتعظيمها (مكة المكرمة)
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٤٢ بتصرف.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
واتخذوها حرمًا آمنًا يقدّسونه، ويتحاملون فيه المآثم، وينزهونه عن وقوع المظالم، ويؤمنون فيه الخائف، ويجبرون الكسير، وينصرون المظلوم، ويخافون الظلم فيه .. يحجون إليها، ويجتمعون في مواسمها، يتعبدون ويتجرون، ويجلبون إليها الأرزاق والسلع، ويتبادلون ذلك فيما بينهم، فيصدر عنها من وردها بغير ما ورد، ويردها من صدر عنها بغير ما صدر، ثم اتخذوها منارًا لإذاعة مفاخرهم، ومحكمة لتحاكمهم، وملجأ لضعفائهم، وملاذًا يلوذ به أصحاب التبعات والجرائر منهم، ومصدرًا لمحالفاتهم وتعهداتهم، ووضعوا لذلك سننًا متبعة لا يحيدون عنها، ونظامًا مأثورًا يأثره الخلف عن السلف، من غيره أو انتهك حرمته فقد جاء بإحدى الكبر!
وهكذا أصبحت (مكة المكرمة) شيئًا آخر، غير كونها واديًا محصورًا بين الجبال، فقد أصبحت متعبد العرب قاطبة، تهفو إليها قلوبهم، تحنثًا فيها وتعبدًا بالطواف حول بيتها المحرم، يقدسونها تقديسًا لا يفوقه تقديس، ويفدون بيتها المعظم بالمهج والأرواح!
قال الشاعر: محاسنه هولي كل حسن ومغناطيس أفئدة الرجال
قال ابن القيم (١): أخبر سبحانه أنه مثابة للناس، قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة]!
_________________
(١) زاد المعاد: ١: ٥ أو ما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
أي يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرًا، بل كلما ازدادوا له زيارة، ازدادوا اشتياقًا!
لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها حتى يعود إِليها الطرف مشتاقا
فللَّه كم لها من قتيل وسليب وجريح، وكم أنفق في حبّها من الأموال والأرواح، ورضي المحب بمفارقة فلذات الأكباد والأهل، والأحباب والأوطان، مقدّمًا بين يديه أنواع المخاوف والمتالف، والمعاطف والمشاق، وهو يستلذّ ذلك كله ويستطيبه، ويراه -لو ظهر سلطان المحبة في قلبه- أطيب من نعم المتحلية وترفهم ولذاتهم!
وليس محبًا من يَعُدُّ شقاءه عذابًا إِذا ما كان يَرضَى حبيبُه
وهذا كله سرّ إضافته إليه ﷾ بقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦]!
فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة ما اقتضته، كما اقتضت إضافته لعبده ورسوله إلى نفسه ما اقتضته من ذلك، وكذلك إضافته عباده المؤمنين إليه كستهم من الجلال والمحبة والوقار ما كستهم، فكل ما أضافه الرب تعالى إلى نفسه، فله من المزيّة والاختصاص على غيره ما أوجب له الاصطفاء والاجتباء، ثم يكسوه بهذه الإضافة تفضيلًا آخر، وتخصيصًا وجلاله زائدًا على ما كان له قبل الإضافة!
[ ٢ / ٣٤٧ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - (١):
كذلك ما خص به الكعبة الحرام من حين بناه إبراهيم، وإلى هذا الوقت من تعظيمه وتوقيره وانجذاب القلوب إليه .. ومن المعلوم أن الملوك وغيرهم يبنون الحصون والمدائن والقصور بالآلات العظيمة البناء المحكم، ثم لا يلبث أن ينهدم ويهان، والكعبة بيت مبني من حجارة سود بواد غير ذي زرع، ليس عنده ما تشتهيه النفوس من البساتين والمياه وغيرها، ولا عنده عسكر يحميه من الأعداء، ولا في طريقه من الشهوات ما تشتهيه الأنفس؛ بل كثيرًا ما يكون في طريقه من الخوف والتعب والعطش والجوع ما لا يعلمه إلا الله، ومع هذا فقد جعل الله من أفئدة الناس التي تهوي إليه ما لا يعلمه إلا الله!
وقد جعل للبيت من العز والشرف والعظمة ما أذل به رقاب أهل الأرض، حتى تقصده عظماء الملوك ورؤساء الجبابرة، فيكون هؤلاء هناك في الذل والمسكنة كآحاد الناس!
وهذا مما يعلم بالاضطرار أنه خارج عن قدرة البشر، وقوى نفوسهم وأبدانهم، والذي بناه قد مات من ألوف السنين!
وإذا كان العرب لم ينسوا الله في وثنيّتهم، وأنهم قد أشركوا، فإن السبب يرجع إلى أن الأصل عندهم هو التوحيد، كما تلقوه عن إبراهيم وإسماعيل - ﵉ - والذي كان بقيّة مما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب - ﵈ -!
وإذا كانت الإنسانيّة قد عاشت حياتها في حمأة الوثنيّة الهابطة (٢)، وإذا
_________________
(١) خصائص جزيرة العرب: ٤٧ نقلًا عن الصفدية: ١: ٢٢٠ - ٢٢١.
(٢) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٢٢ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
كان عند كل أمة من أمم الجاهليّة الأولى آلهة شتى تُعبد من دون الله، فإن التاريخ قد استيقظ من غمرات غفلاته، وحزم تراثه وحمله على مناكبه، وسار به في سرعة خاطفة، ميمّمًا مشرق الشمس، حتى إذا بلغ (الربوة الحمراء) في فيافي الجزيرة العربيّة، ألقى عن كاهله أثقاله!
والجزيرة العربيّة يومئذ في عزلة موحشة، ونسيان شرود، ولكن ضربات المخاض القاسية التي كانت أناتها بانفراجها عن الحدث الجليل ذكّرت التاريخ بها، فذهب إليها وهو يلهث مكدودًا، وألقى بثقله في أحضانها، على ربوتها في أرض أم القرى، وغطّ في نوم قلق مليء بالرؤى وأضغاث الأحلام، رجعًا لصدى ماضيه السحيق!
وعلى صوت حفيف أقدام خافت في رمال الصحراء تيقّظ من غفوته، وانتبه من غفلته، فانبعث من مرقده متكاسلًا يتمطى ويمسح عن عينيه رماص الكبر، وإذا به مع نفسه وحيدًا إلا من طفل في مهده يضغُو من شدة العطش، وإلى جانبه أم رصينة، لهفانة، لا تستقر نظرتها على شيء، حتى على طفلها المتضاغي في مهده، كأنها تخاف أن تنظر إليه .. بيد أنها كانت تنوء تحت وطأة الآلام تعصر قلبها، وتحرق كبدها، كلما حرك الطفل قدميه يفحص بهما رمال الصحراء، كأنه يطلب شيئًا أودعه له فيها حفيظ أمن!
وانفجرت الرمال عن الوديعة، فإذا هي (زمزم) عين لا تغيض!، وصدق إلهام (هاجر) حين قالت لإبراهيم الذي جاء بابنه مع أمّه إلى هذا الوادي الأجرد اليابس، فيما رواه البخاري عن ابن عباس: "آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إِذن لا يضيعنا"!
وحين كانت زمزم عينًا معينًا، شربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك:
[ ٢ / ٣٤٩ ]
"لا تخافوا الضيعة، فإِن هاهنا بيت الله، يبني هذا الغلام وأبوه، وإِن الله لا يضيِّع أهله" (١)!
وعلينا أن نتصور هاجر ومعها طفلها، ولا أنيس ولا جليس، ونتصور نفس الكلمات التي قالتها، حين أراد إبراهيم أن يرجع، ويتركها وطفلها في هذا الوادي، وقد علمت أن ذلك بأمر الله تعالى .. ومن ثم فإن شدة الموقف التي تعجز الكلمات عن تصويرها لا وجود لها ما دام الأمر من الله، والله لا يضيع أهله!
أجل، يا أم إسماعيل: لن يضيّعكما الله، وفي صلب وليدك وديعة الوجود، وهداية السماء إلى الحياة بمن فيها وما فيها!
أجل، يا أم إسماعيل: إن الله تعالى سيجدّد بوليدك صادق الوعد ديباجة الحياة، وسيخلع عليها من جلابيب الفيض السماوي ما يحوّل ظلامها نورًا، وجبالها مآذن، وهضابها منابر للهداية، ووديانها مساجد يتعبّد في محاريبها الموّحدون، وآفاقها مراتع للحريّة الإنسانيّة، يرتفع في مسارحها المؤمنون بقداسة الحياة، وتتفلّق صخورها عن سر الأسرار في هذا الوجود .. عن النور المخبوء في مشكاة كنز الغيب، عن كلمة الحق وأمانته!
صبرًا يا أم إسماعيل، إن إبراهيم - ﵇ - خليل الله، وله مع ربّه مناجاة، وفي المناجاة أسرار وأسرار، وفي المصافاة أضواء وأنوار، سوف تتفجّر عنها رمال الحياة، كما انفجرت عن زمزم رمال الصحراء!
أجل، يا أم إسماعيل، لقد جيء بك وبوليدك إلى هنا لتؤديا أمانة الله إلى
_________________
(١) البخاري: ٦٠ - الأنبياء (٣٣٦٤).
[ ٢ / ٣٥٠ ]
الحياة، في هذا الوادي (الصَّدْيان) لتكون الآية الإلهية أضخم من تراث التاريخ كله، في فلسفته وعلومه ومعارفه، وتجاربه وأنظمته، منذ وعى التاريخ حقيقة الحياة!
وافترّ ثغر (هاجر) عن ابتسامة الرضى، وهي ترى هذا الوادي الأجرد المقفر يجذب إليها لثامًا من الناس، كانوا يقرون به من قبل، فلا يجدون فيه أثرًا للحياة!
وشبّ إسماعيل وترعرع بين أطفال (جرهم) وشبابها عربيًّا خالصًا، ولما استوت رجوليّته أصهر فيهم إلى سيّدهم، وجاء إبراهيم خليل الله زائرًا ولده، ولقي إسماعيل أباه، وتحدثا حديث حنان الأبوة، ووَلَه البنوة، وأفضى خليل الله إلى ابنه إسماعيل بسرّ الحياة في رمال الصحراء التيَ كان قد أودعه فيها مع أمّه في هذا الوادي الأجرد، ليؤديّا أمانة الله إلى الحياة!
ونبأه بأمر الله في بناء بيته، وقد بوأه الله مكانه من الربوة الحمراء، وبنى إبراهيم وإسماعيل - ﵉ - (الكعبة المشرفة) بيتًا لله تعالى، ليكون رمزًا إلى الحقيقة الكبرى في الوجود .. حقيقة التوحيد في توحيد التوجه إلى الله الواحد الأحد، وتضرّع خليل الله ودعا، وأمّن إسماعيل، أن يجعل الله أفئدة من الناس تهوي إلى ذريته في جوار هذا البيت الحرام:
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم]!
وهذه ضراعة داعية تنساب من قلب خليل الله إبراهيم، لجوءًا إلى أرحم الراحمين، أن يجعل من هذا الوادي الأفْيَح المقفر اليابس، بلدًا عامرًا بذريّة
[ ٢ / ٣٥١ ]
هذا الوليد الذي جاء به إلى هنا وحيدًا إلا من أمّه الراضية الوالهة، استجابة لأمر الله تعالى .. ولمّا يعلم الخليل ما كتبه قلم القدر الحكيم في لوح الكون من أسرار تحجبها رمال الصحراء في هذا الوادي .. ولكن إلهام (الخُلّة) في وحي النبوة ألْقَى إليه كلمة الله في رسالة التوحيد .. تلك الرسالة التي حاف عليها تاريخ المجتمع البشري، فلم تجد له في تراثه إلا سمَّ الخياط منفذًا تَنْسرب منه، متسلّلة في مسارب الحياة!
وكانت هذه الضراعة الداعية دعوة عامة، تستهدف الاستقرار والأمن، وجلب الرزق لذرية إسماعيل، وتبرز ما استسر وراء سجُف الغيب من تجليّات وأحداث تجعل من إسماعيل دوحةً تُلقي بظلال أفنانها على جنبات الوادي الأجرد، فتُحيله حياة حيّة خالدة، تهوي إليه الأفئدة من أطراف الأرض، هائمة وَالهةً بحب الحقيقة الكبرى في رمزها العظيم (الكعبة المشرفة)!
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ [الحج]!
واستجاب إبراهيم وإسماعيل - ﵉ - لأمر الله، وطهّرا بيت ربّهما الذي جعله الله مثابة للناس وأمنًا!
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة]!
طهّراه من رجس الوثنيّة التي أثقلت كاهل التاريخ على طول مسيرته في حياة المجتمع البشري، ونادى إبراهيم في الناس بالحج إلى بيت الله، وأبلغ الله
[ ٢ / ٣٥٢ ]
النداء إلى أهله في عالَمي الغيب والشهود، وأتَوْا من كل فجٍّ عميق، وأوب سحيق، ملبِّين دعوة ربّهم على لسان خليله إبراهيم، يتداولون عصرًا بعد عصر، وجيلًا بعد جيل، تحقيقًا لوعد الله بقبول دعاء إبراهيم وإسماعيل!
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة]!
ونبصر التعبير هنا يرسم مشهد تنفيذ إبراهيم وإسماعيل للأمر الذي تلقياه من ربّهما بإعداد البيت وتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود (١)، يرسمه مشهودًا كما لو كانت الأعين تراهما اللحظة وتسمعهما في آن!
ونبصره يبدأ بصيغة الخبر:
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾!
وبينما نحن في انتظار بقيّة الخبر، إذا بالسياق يكشف لنا عنهما، ويُرينا إياهما، كما لو كانت رؤية العين .. إنهما أمامنا حاضران، نكاد نسمع صوتيهما: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾!
إنه طلب القبول، هذه هي الغاية، فهو عمل خالص لله، الاتجاه في قنوت وخشوع إلى الله، والغاية المرتجاة من ورائه هي الرضا والقبول، والرجاء في قبوله متعلق بأن الله سميع للدعاء، عليم بما وراءه من النية والشعور!
ونبصر جو الدعاء، كأنما الدعاء يقع اللحظة حاضرًا شاخصًا متحركًا .. ونبصو رد المشهد الغائب الذاهب حاضرًا يُسمع ويُرى، ويتحرك وتفيض منه الحياة، ونبصر تضامن الأجيال في العقيدة: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾
_________________
(١) في ظلال القرآن: ١: ١١٤ بتصرف.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة]!
وماذا في ثنايا الدعاء؟
إنه أدب النبوة، وإيمان النبوة، وشعور النبوة بقيمة العقيدة في هذا الوجود .. وهو الأدب والإيمان والشعور الذي يريد القرآن أن يعلمه لورثة الأنبياء، وأن يعمّقه في قلوبهم ومشاعرهم!
إنه رجاء العون من ربّهما في الهداية إلى الإسلام، والشعور بأن قلبيهما بين أصبعن من أصابع الرحمن، وأن الهدى هداه، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فهما يتجهان ويرغبان، والله المستعان!
ثم هو طابع الأمة المسلمة، التضامن، تضامن الأجيال في العقيدة: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾!
وهي دعوة تكشف عن اهتمامات القلب المؤمن، فأمر العقيدة هو الشغل الشاغل، وشعور إبراهيم وإسماعيل - ﵉ - بقيمة النعمة التي أسبغها الله عليهما، نعمة الإيمان، تدفعهما إلى الحرص عليها في عقبهما، وإلى دعاء الله ألا يحرم ذريتهما هذا الإنعام الذي لا يكافئه إنعام، لقد دَعَوَا الله ربهما أن يرزق ذريتهما من الثمرات، ولم ينسيا أن يدعواه ليرزقهم من الإيمان، وأن يريهم جميعًا مناسكهم، ويبيّن لهم عباداتهم، وأن يتوب عليهم بما أنه هو التواب الرحيم!
وتزاحفت القرون والعصور متواثبة، وهي تطوي بساط التاريخ، وتسوق
[ ٢ / ٣٥٤ ]
الأجيال، جيلًا إثر جيل، وبلغت دعوة إبراهيم العامة مداها في الانتشار، وتكاثر ولد إسماعيل، حتى كانوا غمرة العرب وجمهرتهم، وسادوا وتسيّدوا، وتشعبوا وتفرعوا، ملؤوا السهل والجبل، ونزلوا الوديان، وتسنموا المكانة الرفيعة!
بيد أنهم إذ كثر عددهم، نسوا دعوة أبيهم إبراهيم - ﵇ - وهم في غمرة الحياة الجاهلة، وجهلوا منها الحقيقة الكبرى، حقيقة التوحيد، وأوغلوا في وثنيّة بليدة، وكانت الوثنيّة الأولى يضاهئون بها وثنيّة فجور من قبلهم في أمم الفلسفة الضالة!
٢ - دعوة إبراهيم ﵇:
وثاني ما يطالعنا: دعوة إبراهيم ﵇، فقد تنفّس الغيب، وبدت إشراقة الفجر الجديد، ترسل أشعتها من أفق (الربوة الحمراء) وتعالى صوت الحق في ترنيمة الرسالة العظمى، رسالة التوحيد والعلم والطُّهر، علم الكتاب والحكمة، لا علم الهلوسة والفلسفة الضالة .. ورتّل القدر مرة أخرى ضراعة أخرى للخليل في دعوته الخاصة، بعد أن حقق الله له دعوته العامة، وكانت هذه الدعوة الخاصة هي ميراث الحياة في خُلّة الخليل، والعنوان المشرق في ملّته الحنيفيّة، والكلمة الباقية من نبوته ورسالته، وجاءت هذه الدعوة متوافقة تمام التوافق مع نَفَس الغيب في إشراقة الفجر، وكان الإلهام سر الوجود في ضراعة خاصة، يطلب فيها إظهار مكنون الغيب حين يحين الحين:
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة]!
[ ٢ / ٣٥٥ ]
وكانت الاستجابة هي بعثة محمد خاتم النبيّين - ﷺ - بعد قرون وعمرون (١) .. بعثة رسول من ذريّة إبراهيم وإسماعيل يتلو عليهم آيات الله، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويطهرهم من الأرجاس والأدناس .. ولهذا الدعاء دلالته ووزنه فيما كان شجر بين أهل الكتاب والجماعة المسلمة من نزاع عنيف متعدد الأطراف، فإبراهيم وإسماعيل - ﵉ - قالا وهما يرفعان قواعد البيت باللسان الصريح: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾!
وهما بهذا يقرران وراثة الأمة المسلمة لإمامة إبراهيم .. ووراثتهما للبيت الحرام سواء!
يروي الحاكم وغيره بسند صحيح عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله - ﷺ - أنهم قالوا: يا رسول الله! أخبرنا عن نفسك؟ فقال: "دعوة أبي إِبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له بصرى، وبصرى من أرض الشام" (٢)!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ١: ١١٥.
(٢) الحاكم: ٢: ٦٠٠ وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، والطبري: ١: ٥٥٦ ط. ثالثة، الحلبي ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م، وابن كثير: البداية: ٢: ٢٧٥ قال: قال ابن إسحاق: ثنا ثور ابن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله - ﷺ -، أنهم قالوا له: أخبرنا عن نفسك؟ قال: "نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى - ﵉ -، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج نها نور أضاءت له قصور الشام، واسترفعت في بني يعد بن بكر " الحديث. ثم قال: وهذا إسناد جيد قوي، وابن إسحاق قال: وحدثني ثور بن يزيد، عن بعض أهل العلم، ولا أحسب إلا خالد بن معدان الكلاعي، أن نفرًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - قالوا له: يا رسول الله! أخبرنا عن نفسك؟ قال: "نعم " الحديث: السيرة النبويّة: ابن هشام: ١: ٢١٩ - ٢٢٠ مكتبة المنار، الأردن، ط. أولى ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م، وأحمد عن أبي أمامة قال: قلت: يا =
[ ٢ / ٣٥٦ ]
٣ - أنبياء في الجزيرة:
وثالث ما يطالعنا: أنها كانت مكانًا لكثير من الرسالات، ومن ثم فبعثة خاتم النبيّين في الجزيرة لم تكن وحيدة، فهذا هود - ﵇ - أقدم من إبراهيم - ﵇ - كان من قوم عاد، وكان موطنها الأحقاف، والحِقْف: ما استطال واعوج من الرمل (١)، وكانت منازل عاد على المرتفعات المتَفرقة في جنوب الجزيرة: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١)﴾ [الأحقاف]!
وقد قالوا إنه كان أول نبي بعد نوح ﵇: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾ [الأعراف]!
وهذا النص يومئ كما يقول الشيخ أبو زهرة - ﵀ - (٢): إلى أن هودًا جاء من بعد نوح، وأن قومه كانوا خلفاء من بعد نوح، ويُشير من جهة أخرى إلى أن قوم نوح كانوا في أرض العرب، كما كان خلفاؤهم!
_________________
(١) = نبي الله! ما كان أول بدء أمرك؟ قال: "دعوة أبي إبراهم " الحديث: ٥: ٢٦٢، وابن سعد: ١: ١٠٢، وإسناده حسن، كما قال الهيثمي، وله شواهد تقوية: مجمع الزوائد: ٨: ٢٢٢، وانظر الطيالسي: منحة المعبود: ٢: ٨٦، وفي سنده فرج بن فضالة، والطبراني في الكبير: ٨: ١٧٥ (٧٧٢٩)، والأصبهاني في دلائل النبوة: ١: ٢٣٩.
(٢) المعجم الوسيط (حقف).
(٣) خاتم النبيّين: ١: ٤٧.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
وإن عادًا كانوا من أقوى قبائل العرب منعة، وأقواها شكيمة، ولكن كانوا أشد غرورًا، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾ [فصلت]!
وكذلك صالح نبي ثمود، وكانوا عربًا يسكنون الحجر، الذي بين الحجاز وتبوك!
كان يدعوهم نبيّهم إلى التوحيد، وكانت بيّنتُه ناقة لا يمسوها بسوء، وإلا كانوا خاسرين: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ [الأعراف]!
ولقد كان قوم صالح من بعد عاد وقوم هود، إذ كانوا خلفاءهم، وكانوا أقوى قوة، وأكثر عددًا: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)﴾ [الأعراف]!
ولكن ثمود بعدت عن أمر ربها، واعتدوا على صالح، فنزل عليهم عذاب واصب أبادهم!
وقد كانت ديارهم أطلالًا هامدة، وآثارًا باقية، تذكّر بغضب الله على من كذبوا رسله، وتعجلوا عقابه، وقد روى الشيخان وغيرهما عن ابن عمر - ﵄ - قال: لما مرّ النبيّ - ﷺ - بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين
[ ٢ / ٣٥٨ ]
ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم، إِلا أن تكونوا باكين"، ثم قَنَّع رأسه، وأسرع السير، حتى أجازَ الوادي!
وفي رواية: قال رسول الله - ﷺ - لأصحاب الحجر: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين، إِلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم مثل ما أصابهم" (١)!
ووجه هذه الخشية أن البكاء يبعث على التفكير والاعتبار، عند المرور بقبور الظالمين، وبما أصابهم، وإظهار الافتقار إلى الله تعالى، والتحذير من الغفلة عن ذلك، حتى المياه التي كانت في آبار هؤلاء نهى الرسول - ﷺ - عن استعمالها، وحتى لا يغفل المسلمون عن مواطن العظة، وألا يستهينوا بما خلا قبلهم من مَثُلات!
وجاء شعيب بعد إبراهيم وبعد لوط، وقيل إنه بعد يوسف -﵈ - ومن المؤكد أنه جاء بعد لوط؛ لأنه جعل من إنذاره لقومه أن يصيبهم مثل ما أصاب قوم لوط: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩)﴾ [هود]!
وهذا يدل على أمرين:
الأول: أن مبعث شعيب - ﵇ - كان بعد مبعث هود وصالح ولوط، فقد جعل في بيانه ما حدث لأقوام هؤلاء من عذاب دنيوي ماحق، كان موضع إنذار لهم!
_________________
(١) البخاري: ٦٤ - المغازي (٤٤١٩، ٤٤٢٠)، وانظر (٤٣٣، ٣٣٨٠، ٣٣٨١، ٤٧٠٢)، ومسلم (٢٩٨٠)، وأحمد: ٢: ٩، ٧٢، ٧٤، ٩٢، ١١٣، ١٣٧، والبيهقي: ٢: ٤٥١، والدلائل: ٥: ٢٣٣، والبغوي (٤١٦٦)، والحميدي (٦٥٣)، والنسائي: الكبرى (١١٢٧٤)، والتفسير (٢٩٤)، وابن حبان (٦٢٠٠ - ٦٢٠١).
[ ٢ / ٣٥٩ ]
الثاني: أنه يدل على أن قوم لوط كانوا في العرب، ولذلك قال:
﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩)﴾!
فهم كانوا على مقربة منهم، وكانوا مثلهم في أطراف أرض العرب من ناحية الشام!
وهنا نذكر أمرين:
الأول: أنه بعث لمدين، وهم أهل الأيكة، فقد كانوا يعبدون شجرة عظيمة هي الأيكة، وهم أصحاب يوم الظلة، أي سحابة ظللتهم، فلما اجتمعوا تحتها التهبت عليهم نارًا وأحرقتهم (١)! كما أصابتهم الرجفة والصيحة!
وهي عقوبات متتالية، أرهقتهم الذلة، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، حتى فروا من أماكنهم، فجاءتهم الغمامة فرجوا أن يستظلوا، أو أن يجدوا فيها الرحمة، فكانت الصيحة العنيفة، وكانت الرجفة التي أصابتهم!
وقد استحقوا هذه الأنواع من العقوبات، والأصناف من المثلات، والأشكال من البليّات، لما اتصفوا به من قبيح الصفات، حيث سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت الحركات، وصيحة عنيفة أخمدت الأصوات، وظلّة أرسل منها شرر النار من سائر أرجائها والجهات!
الثاني: أن أهل مدين جمعوا مع عبادة الشجرة فساد الأخلاق وسوء المعاملات، حيث كانوا يطفّفون في الكيل والميزان، وقُطّاع طريق!
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري: ١٩: ١٠٩ وما بعدها، وابن كثير: ٣: ٣٤٦ - ٣٤٧.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
هذا، وقد اختصت الجزيرة العربيّة بالرسالات الأولى، رسالة إدريس، ونوح، وهود، وصالح، وكان لإبراهيم رفع القواعد من البيت وإسماعيل -كما أسلفنا-، وكان شعيب قد بعث في مدين، وانبعث منها نور رسالة موسى!
كما كانت مهجر اليهود عندما نزل بهم الأذى، ولجأت النصرانية إلى أرض نجران، فرارًا من حكم القياصرة!
وقد يسأل سائل: لماذا كانت الجزيرة مهجر المضطهدين عندما نزل بهم الأذى، وحل سوء العذاب؟
والجواب على ذلك بأمور ثلاثة (١):
أولها: أن البلاد العربيّة ليست بلادًا متوحّشة، كما يتوهّم الذين يحكمون بغير بيّنات، أو الذين يرمون الكلام على عواهنه، أو الذين يتجنون على الحقائق مغرضين غير منصفين، إنما هي بلاد فيها ذكاء ونفوس صافية كصفاء سمائها، وقوةُ الاستجابة فيها متكافئة مع قوة المقاومة!
الأمر الثاني: أن الجزيرة مع ذكاء أهلها لهم في عقولهم معتصم، حتى وهم يعبدون الأوثان التي أغرموا بها إغرامًا شديدًا، وصارت جزءًا من مداركهم وعقولهم، وأصبحوا يستنصرون بالأحجار، ويظنّون أنها تجيب على سؤالهم، حتى وهم على هذا الحال لم ينسوا الله في وثنيّتهم، وكانوا كما قال الله:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ [الزخرف]!
_________________
(١) خاتم النبيّين: ١: ٦١ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٣٦١ ]
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١]!
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]!
وهنا تفترق الوثنيّة الرومانيّة واليونانيّة عن وثنيّة العرب؛ لأن العرب كانوا يشركون مع الله غيره، أما الآخرون فقد كانت نظريّة الحلول تسري فيهم، ولا يجيء في وثنيّتهم ذكر الله تعالى قط!
وبيداء الجزيرة وقراها وبرها، فيها حصون ليست في غيرها لمنع الاعتداء الوحشي من الأمم التي اشتدت إغارتها في الماضي، وإن كان النبيون قد قوِوموا في إقناعهم ابتداء، فلأنهم في حصنين منيعين:
حصن من الأرض المانعة لكل وافد من أن يقتطعها!
وحصن من النفوس التي إذا آمنت قاومت واعتزت بإيمانها!
وإن قوة النفوس هي التي تتميز بها أخلاق الأمم؛ فإن العقول إذا انحرفت قد تقوم وتستقيم، والقلوب إذا غشيتها غاشيات الضلال في نفوس ملتوية غير مستقيمة، فالحق لا يصل إليها إلا من رحم الله!
واعتبر بحال العرب بين دولتن قويّتين من الدول التي لاصقتها، فإنهما لم يتجاوزا في سلطانهما أطرافها، ولم تتمكن إحداهما أن تنتقل من الأطراف إلى داخلها، فإنهما عندئذ تجدان قلوبًا صلدة قواها ضوء الشمس الساطع، وقوة الحياة فيها، والتعرض لأوابد الحيوان ليلًا ونهارًا!
الأمر الثالث: قوة الشكيمة، وقوة الخلُق العربي، وما امتاز به العربي من
[ ٢ / ٣٦٢ ]
جود وسماحة، وحسن تأت، إذا وُجدت القيادة الحكيمة، فإن العربي أنف إلا إذا رأى القائد الحكيم الذي يقوده، ولعل أحسن تصوير للنفس العربيّة ما قاله أمير المؤمنين عمر الفاروق عندما تولى الإمارة، فقد قال - ﵁ -:
مثل العرب كمثل جمل أنف، فليعلم قائده أين يقوده!
وبذلك يلتقي في العرب عناصر ثلاثة تجعلهم في أهلية الاختيار لموطن الرسالة في المكان اللائق، وفي المقدمة:
العنصر الأول: قوة في النفس تقاوم، ولا تستسلم، واعتبر ذلك في أتباع المسيح الذين لم يغيّروا ولم يبدّلوا، ولَما حاول تبّع أن يغيرهم ووضعهم في الأخدود، ما نال مأربًا، ولا وصل إلى مبتغى!
العنصر الثاني: صفاء نفسي، وقوةُ مدارك، احتفظوا بها حتى في جاهليتهم، وصدق النفس، والصدق في القول، والعمل الذي يُوَجَّهون إليه!
العنصر الثالث: الأنفة، وألا يطيعوا في ذلة، بل يتبعون في هداية ورشد مختارين، غير مجبرين، ولقد جاءت بعثة النبي - ﷺ - فيهم، فبدت هذه السجايا، وشقت طريق النور في وسط الظلمات!
٤ - صفات العرب:
ورابع ما يطالعنا: صفات العرب، الذين اختارهم الله -﷿- ليتلقوا هذه الدعوة أولًا (١)، ثم يبلغوها إلى الناس؛ لأن ألواح قلوبهم كانت صافية، لم تكتب عليها كتابات دقيقة عميقة، يصعب محوها وإزالتها، شأن الروم،
_________________
(١) السيرة النبويّة: الندوي: ٤٤ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
والفرس، وأهل الهند، الذين كانوا يتيهون ويزهون بعلومهم وفلسفاتهم، فكانت عندهم عقد نفسية وفكرية لم يكن من السهل حلّها، أما العرب فلم تكن على ألواح قلوبهم إلا كتابات بسيطة خطّتها يد الجهل والبداوة، ومن السهل الميسور محوها وغسلها، ورسم غيرها مكانها!
وبالتعبير العلمي المعاصر كانوا أصحاب (الجهل البسيط) الذي تسهل مداواته، بينما كانت الأمم الأخرى تمثل (الجهل المركب) الذي تصعب مداواته وإزالته!
وكانوا على الفطرة، وأصحاب إرادة قوية، إذا التوى عليهم فهم الحق حاربوه، وإذا انكشف الغطاء عن عيونهم أحبوه واحتضنوه، واستماتوا في سبيله!
يعبّر عن هذه النفسيّة العربيّة خير تعبير، ما قاله سهيل بن عمرو فيما رواه البخاري، حين سمع ما جاء في كتاب الصلح في الحديبيّة -كما سيأتي- من حديث المسور ومروان:
هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله: (والله! لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك) (١)!
وما رواه البخاري عن أبي هريرة - ﵁ - قال:
بعث النبي - ﷺ - سريّة عينًا، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت -وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب- فانطلقوا، حتى إِذا كان بين عُسفان ومكة، ذُكروا لحيّ من هذيل، يقال لهم: بنو لحِيان، فتبعوهم بقريب من مائة رام،
_________________
(١) البخاري: ٥٤ - الروم (٢٧٣١ - ٢٧٣٢).
[ ٢ / ٣٦٤ ]
فاقتصّوا آثارهم، حتى أتوا منزلًا نزلوه، فوجدوا معهم نوى تمر تزوّدوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصمٌ وأصحابه، لجؤوا إِلى فَدْ فَدٍ، وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إِن نزلتم إِلينا ألا نقتل منكم رجلًا، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمّة كافر، اللهم! أخبر عنا نبيّك، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصمًا في سبعة نفر بالنّبل، وبقي خُبَيبْ وزيد ورجل، فأعطَوْهُم العهد والميثاق، فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إِليهم، فلما استمكنوا منهم حلّوا أوتار قِسِيّهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث معهما: هذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم، فجروه وعالجُوه على أن يصحبهم، فلم يفعل، فقتلوه، وانطلقوا بخُبيب وزيد، حتى باعوهما بمكة، فاشترى خُبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خُبيب هو قَتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيرًا، حتى إِذا أجمعوا على قتله، استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها، فأعارته، قالت: فغفلت عن صبيّ لي، فدرج إِليه، حتى أتاه، فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرفَ ذلك منّي، وفي يده الموسى، فقال: أتخشينَ أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذاك إِن شاء الله!. وكانت تقول: ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خُبيب. لقد رأيته يأكل قِطف عنب، وما بمكة يومئذ ثمرة، وإِنه لموثق في الحديد، وما كان إِلا رزق رزقه الله، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين. ثم انصرف إِليهم فقال: لولا أن تروْا أن ما بي جزع من الموت لزِدت، فكان أول من سنّ الركعتين عند القتل هو، ثم قال:
اللهم! أحصهم عددًا، ثم قال:
[ ٢ / ٣٦٥ ]
ما أن أبالي حين أُقتل مُسلمًا على أي شِقٍّ كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإِله وإن يشأ يبارك على أوصال شلْوٍ ممزّع
ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله، وبعثت قريش إلى عاصم ليُؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظُّلة من الدَّبْر، فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء (١)!
وقد قال عكرمة بن أبي جهل حين حمي الوطيس في معركة اليرموك، واشتد عليه الضغط: (قاتلت رسول الله - ﷺ - في كل موطن، وأفرّ منكم اليوم؟ ثم نادى من يبايع على الموت؟ فبايعه من بايعه، ثم لم يزل يقاتل حتى أثبت جراحًا، وقتل شهيدًا) (٢)!
وكانوا واقعيّين جادّين، أصحاب صراحة وصرامة، لا يخدعون غيرهم ولا أنفسهم، اعتادوا القول السديد، والعزم الأكيد، يدل على ذلك دلالة واضحة ما رواه أحمد وغيره بإسناد حسن عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: مكث رسول الله - ﷺ - بمكة عشر سنين، يتَّبع الناس في منازلهم بعكاظ ومَجَنّة وفي المواسم بمنى يقول:
"مَن يُؤويني، مَن ينصرني، حتى أبلِّغ رسالة ربي، وله الجنة"!
_________________
(١) البخاري: ٦٤ - المغازي (٤٠٨٦).
(٢) السيرة النبويّة: الندوي ٤٥ - ٤٦، وانظر: تاريخ الطبري: ٤: ٣٦.
[ ٢ / ٣٦٦ ]
حتى إِن الرجل ليخرج من اليمن أو مُضر، فيأتيه قومه، فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتِنْك، ويمشي بين رجالهم، وهم يُشيرون إِليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إِليه من يَثْرب، فآويناه وصدّقناه، فيخرج الرجل منّا فيؤمنُ به ويقرئُه القرآن، فينقلبُ إِلى أهله، فيسْلِمون بإِسلامه، حتى لم يبق دُورٌ من الأنصار إِلا وفيها رهطٌ من المسلمين، يظهرون الإسلام، ثم ائْتَمروا جميعًا، فقلنا: حتى متى نتركُ رسولَ الله - ﷺ - يُطرد في جبال مكة ويُخافَ، فرحل إِليه منا سبعون رجلًا، حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شِعْب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين، حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله! نبايعك، قال: "تبايعوني على السّمع والطّاعة، في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله، لا تخافون في الله لومةَ لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إِذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة"!
قال: فقمنا إِليه فبايعناه، وأخذ بيده أسعدُ بن زُرارة، وهو من أصغرهم، فقال: رويدًا يا أهل يثرب، فإِنا لم نضرب أكبادَ الإِبل إِلا ونحن نعلم أنه رسول الله - ﷺ -، وإِن إِخراجه اليوم مفارقةُ (١) العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تَعضَّكم السيوف، فإِما أنكم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإِما أنكم تخافون من أنفسكم جُبَيْنةً (٢)، فبيّنوا ذلك، فهو أعْذر
_________________
(١) أي معاداتهم جميعًا، وربما قامت بينكم وبينهم حرب فيقتلون خياركم، وتعمل فيكم سيوفهم.
(٢) أي جبنا.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
لكم عند الله. قالوا: أمِط عنّا يا أسعد (١)، فوالله! لا ندع هذه البيعة أبدًا، ولا نَسْلِيها أبدًا (٢)، قال: فقمنا إِليه فبايعناه، فأخذ علينا وشرط يعطينا على ذلك الجنة (٣)!
﵃ أجمعين!
وقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وبايعوا الرسول - ﷺ - على ذلك، وقد تجلّى هذا الصدق في العزم، والجد في العمل، وروح الامتثال للحق!
أما اليونان والرومان (٤)، وأهل إيران، فقد اعتادوا مجاراة الأوضاع، ومسايرة الزمان، ولا يهيجهم ظلم، ولا يستهويهم حق، ولا تملكهم فكرة ودعوة، ولا تستحوذ عليهم استحواذًا يتناسون فيه أنفسهم، ويجازفون فيه بحياتهم ولذاتهم!
وكان العرب بمعزل عن أدواء المدنيّة والترف، التي يصعب علاجها، والتي تحول دون التحمّس للعقيدة والتفاني في سبيلها!
وكانوا أصحاب صدق وأمانة وشجاعة، ليس النفاق والمؤامرة من طبيعتهم، وكانوا مغاوير حرب، وأحلاس خيل، وأصحاب جلادة وتقشّف في الحياة، وكانت الفروسيّة هي الخُلق البارز الذي لا بد أن تتصف به أمة
_________________
(١) معناه: أمط عنا يدك، أي: نحّها وأبعدها عنا.
(٢) أي لا نرفضها ولا نتركها.
(٣) أحمد: ٣: ٣٢٢ - ٣٢٣، والفتح الرباني: ٢: ٢٦٩ - ٢٧٠، والبزار (١٧٥٦) كشف الأستار، والبيهقي،: ٨: ١٤٦، والدلائل: ٢: ٤٤١ - ٤٤٣، والحاكم: ٢: ٦٢٥ - ٦٢٦ وقال: صحيح الإسناد جامع لبيعة العقبة ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال ابن كثير في تاريخه: هذا إسناد جيد على شرط مسلم، وابن حبان (٦٢٧٤، ٧٠١٢)، وانظر؛ "المجمع: ٦: ٤٦.
(٤) السيرة النبويّة: الندوي: ٤٧ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
تضطلع بعمل جليل؛ لأن العصر كان عصر الحروب والمغامرات، والفتوة والبطولة!
وكانت قواهم العمليّة والفكريّة، ومواهبهم الفطريّة، مذخورة فيهم، لم تُستهلك في فلسفات خياليّة، وجدال عقيم (بيزنطي)، ومذاهب كلاميّة دقيقة، وحروب إقليميّة سياسيّة، فكانت أمة بكرًا، دافقة بالحياة والنشاط، والعزم والحماس!
وكانوا أمة نشأت على الهيام بالحريّة والمساواة، وحب الطبيعة والسذاجة، لم تخضع لحكومة أجنبيّة، ولم تألف الرق والعبوديّة، واستعباد الإنسان للإنسان، ولم تتمرّس الغطرسة الملوكيّة الإيرانية أو الرومانيّة، واحتقارها للإنسان والإنسانيّة، فكان الملوك في إيران -المملكة المجاورة للجزيرة- فوق مستوى الإنسان والإنسانيّة، فكان الملك إذا احتجم، أو فصد له، أو تناول دواء، كان ينادى في الناس ألا يمارس إنسان من رجال البلاط، أو سكان العاصمة عملًا، ويكفوا عن كل صناعة أو ممارسة لنشاط (١)، وإذا عطس فلا يسوغ لأحد من رعاياه أن يدعو له، وإذا دعا أن يؤمّن عليه؛ لأنه فوق مستوى البشر، وإذا زار أحدًا من وزرائه أو أمرائه في بيته كان يومًا مشهودًا خالدًا، يؤرخ به في رسائله، ويصبح تقويمًا جديدًا، ويعفى من الضريبة إلى مدّة معيّنة، ويتمتّع باستثناءات أو مسامحات وتكريمات؛ لأن الملك شرفه بالزيارة (٢)!
هذا فضلًا عن الآداب الكثيرة التي يتقيّد بها رجال البلاط، وأركان الدولة، وأفراد الشعب، ويحافظون عليها محافظة دقيقة من الوقوف بحضرته،
_________________
(١) إيران في عهد الساسانيين: ٥٣٥ - ٥٣٦.
(٢) المرجع السابق: ٥٤٣.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
والتكفير له (١)، وقيام كقيام العباد أمام الرب في الصلوات، وهو تصوير حال كانت عليه إيران الساسانية في عهد أفضل ملوكها بالإطلاق، وهو (كسرى الأول المعروف بأنوشروان العادل ٥٣١ - ٥٧٩) فكيف في عهد الملوك الذين اشتهروا في التاريخ بالظلم والعسف والجبروت؟!
وقد كانت حريّة إبداء الرأي والملاحظة فضلًا عن النقد مفقودة تقريبًا في المملكة الإيرانيّة الواسعة، وقد حكى الطبري حكايته طريفة عن عهد أفضل ملوكها وأعدلهم (كسرى أنوشروان العادل) تدل كل الدلالة على مدى ما وصل إليه الحكم الإيراني من الاستبداد والحظر على إبداء الرأي الحر، والتعليق الجريء، في البلاد الإيراني، يقول الطبري:
(أمر الملك قباذ بن فيروز في آخر ملكه بمسح الأرض سهلها وجبلها، ليضع الخراج عليها، فمسحت، غير أن قباذ هلك قبل أن يستحكم له أمر تلك المساحة، حتى إذا ملك ابنه كسرى أمر باستتمامها وإحصاء النخل والزيتون والجماجم، ثم أمر كتابه فاستخرجوا جعل ذلك، وأذن للناس إذنًا عامًا، وأمر كاتب خراجه أن يقرأ عليه الجعل التي استخرجت من أصناف غلات الأرض وعدد النخيل والزيتون والجماجم، فقرأ ذلك عليهم، ثم قال لهم كسرى: إنا
_________________
(١) كفر له: خضع، بأن يضع يده على صدره، ويطأطئ رأسه ويتطامن تعظيمًا، وكانت عادة متبعة في إيران، ومن هنا شاع هذا التعبير، ودخل في لغة العرب، جاء في لسان العرب (كفر): والكفر: تعظيم الفارسي لملكه: والتكفير لأهل الكتاب: أن يطأطئ أحدهم رأسه لصاحبه، كالتسليم عندنا، وقال في شرح قول جرير: وإِذا سمعت بحرب قيس بعدها فضعوا السلاح وكفروا تكفيرًا يقول: ضعوا سلاحكم فلستم قادرين على حرب قيس، لعجزكم عن قتالهم، فكفّروا لهم كما يكفّر العبد لمولاه، وكما يكفَر العلج للدهقان، يضع يده على صدره، ويتطامن له، واخضعوا وانقادوا.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
قد رأينا أن نضع على ما أحصي من جريان هذه الساحة من النخل والزيتون والجماجم وصنائع، ونأمر بإنجامها في السنة في ثلاثة أنجم، ونجمع في بيوت أموالنا من الأموال، ما لو أتانا من ثغر من ثغورنا أو طرف من أطرافنا فتق أو شيء نكرهه، واحتجنا إلى تداركه أو حسمه، ببذله فيه مالًا كانت الأموال عندنا معدة موجودة، ولم نرد استئناف اجتبائها على تلك الحال، فما ترون فيما رأينا من ذلك، وأجمعنا عليه؟ فلم يشر عليه أحد منهم بمشورة، ولم ينبس بكلمة، فكرر كسرى هذا القول عليهم ثلاث مرات، فقام رجل من عرضهم وقال لكسرى: أتضع أيها الملك -عمرك الله- الخالد من هذا الخراج على الفاني من كرم يموت، وزرع يهيج، ونهر يفور، وعين أو قنا ينقطع ماؤها؟
فقال له كسرى: يا ذا الكلفة المشؤوم! من أي طبقات الناس أنت؟ قال: أنا رجل من الكتاب، فقال كسرى: اضربوه بالدّويّ حتى يموت، فضربه به الكتَّاب خاصة، تبرؤوا إلى كسرى من رأيه وما جاء منه، حتى قتلوه، وقال الناس: نحن راضون (١)!
ولم يكن الرومان يختلفون عن الإيرانيّين كثيرًا، وإن لم يبلغوا شأوهم في الوقاحة وامتهان الإنسانيّة وإهدار كرامتها، فقد روى المؤرخ الأوروبي: في كتابه (العالم الروماني) ما ترجمته:
(كانت القياصرة آلهة، ولم يكن ذلك عن طريق الوراثة، بل كان كل من تملك زمام البلاد كان إلهًا، وإن لم تكن هناك أمارة تدل على وصوله إلى هذه الدرجة، ولم يكن لقب (أغسطس) الملوكي المفخم ينتقل من إمبراطور إلى إمبراطور بموجب دستور أو قانون، ولكن لم يكن من شغل مجلس الشيوخ
_________________
(١) تاريخ الطبري: ٢: ١٢١ - ١٢٢، وانظر: إيران في عهد الساسانيين.
[ ٢ / ٣٧١ ]
الروماني إلا أن يؤكد صحة كل حكم يصدر بحكم السيف، ولم تكن هذه الإمبراطوريّة إلا صورة دكتاتورية عسكرية) (١)!
ولم يكن السجود للملوك نادرًا، فقد حكى أبو سفيان بن حرب في القصة التي رواها هرقل قيصر الروم حين بلغه كتاب رسول الله - ﷺ - يدعوه إلى الإسلام وفي آخره:
(فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان قال: ردّوهم عليّ، وقال: إني قلت مقالتي آنفًا أختبر بها شدّتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل) (٢)!
أما الهند فقد بلغ فيها إهدار كرامة الإنسان وازدراء الطبقات التي اعتبرها الشعب الآري المحتل للبلاد، والقانون المدني الذي وضعه مشرعوه مخلوقًا خسيسًا، لا يتميز عن الحيوان الداجن إلا بأنه يمشي على اثنين، ويحمل صورة الآدمي، وإن كانوا سكان البلاد الأصلين .. بلغوا مبلغًا يصعب تصوره، فقد نص هذا القانون على أنه:
(إذا مد أحد من المنبوذين إلى برهمي يدًا أو عصا، ليبطش به، قطعت يده، وإذا رفسه في غضب فرعت رجله (٣)، وإذا ادعى أنه يعلمه سقي زيتًا فائرًا (٤)، وكفارة قتل الكلب، والقطة، والضفدع، والوزغ، والغراب، والبومة، ورجل من الطبقة المنبوذة سواء) (٥)!
_________________
(١) The Roman world، (London. ١٩٢٨) P. ٤١٨ .
(٢) انظر: البخاري: ١ - بدء الوحي (٧)، وكتابنا: (دفاع عن حديث فضائل أبي سفيان - ﵁ -).
(٣) "منوشا ستر" الباب العاشر.
(٤) المرجع السابق.
(٥) D. C. Dutt Ancientindia، P. ٣٢٤، ٣٤٣ .
[ ٢ / ٣٧٢ ]
إذا قورن هذا بما اعتاده العرب من الحريّة، وعزة النفس، والاقتصاد في التعظيم والأدب قبل ظهور الإسلام، ظهر فرق هائل بين طبيعة الأمتين: ووضع المجتمعين: العجمي، والعربي، فكانوا يخاطبون ملوكهم بقولهم:
(أبيت اللعن) و(عم صباحًا)، وقد بلغت هذه الحريّة وبلغ ذلك الاحتفاظ بالكرامة بالعرب إلى أنهم كانوا يمتنعون في بعض الأحيان عن الخضوع لمطالب بعض الملوك والأمراء (١)!
ولما دخل المغيرة بن شعبة رسول المسلمين على رستم، وهو في أبّهته وسلطانه، جلس معه -على عادة العرب- على سريره ووسادته، فوثبوا عليه، وأنزلوه، فقال: (كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قومًا أسفه منكم، إنا معشر العرب سواء، لا يستعبد بعضنا بعضًا، إلا أن يكون محاربًا لصاحبه، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه، ولم آتكم، ولكن دعوتموني) (٢)!
ومن ثم كانت الجزيرة العربيّة مهد النبوات -كما أسلفنا-، وكانت مهجر المضطهدين الذين حلّ بهم الأذى، ونزل بهم سوء العذاب!
ومعلوم أن الرسالة أمرها هائل خطير -كما عرفنا-، أمر كوني تتصل فيه الإرادة الأزليّة الأبديّة بحركة عبد مصطفى، ويتصل فيه الملأ الأعلى بعالم الإنسان المحدود، وتتصل فيه السماء بالأرض، والدنيا بالآخرة، ويتمثل فيه الحق الكلي، في قلب البشر، وفي واقع الحياة!
_________________
(١) انظر: كتاب "الشعر والشعراء" لابن قتيبة: ٣٦.
(٢) الطبري: ٤: ١٠٨.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
والله -﷿- هو وحده الذي يختار مكان الرسالة، والذين يحملون الرسالة، والذين ينزل عليهم الوحي: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]!
وقد اختار أرض العرب؛ لأن فيها العرب، والمثلات، والآثار التي تدعو إلى الاعتبار!
وإن كانت في العرب عيوب، فإن الجزيرة لم يجر فيها الذل الذي يفرضه الملوك الذين يفسدون النفوس، ويجعلون أعزة أهلها أذلة، كما قال القرآن حكايته عن ملكة سبأ: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)﴾ [النمل]!
ومن ثم كانت نفوس أولئك الذين لم يعيشوا تحت حكم الملوك في جاهليّتهم، هي التي حملت رسالة العزة والكرامة إلى بقاع الأرض .. وإذا كانوا هكذا فإنهم قد قوّضوا عروش هؤلاء الملوك؛ لأنهم أعداء التحكم الفردي، ومن ثم قوّضوا قصورهم، بعد أن أشربوا حبّ (الدين القيّم)، وحملوا لواءه شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا!
ولو كان لنا اختيار في قوم آخرين، وأرض أخرى، لأعيانا الاختيار؛ لأن هؤلاء العرب أهل عزّة وكرامة، ولأن أرض العرب لا ذلة فيها، وهي أرض الحريّة، وأرض الشجاعة، ولا يحمل دين العزة والإقدام، والعمل الصالح إلا الأحرار الذين يتأبَّون الدنيّة، ويتسابقون في البذل، ويتحمّلون الشدائد، وليس ذلك إلا في العرب، وأرض العرب، ولذلك ما إن انطلقوا بالإِسلام رأيناهم يهدون إليه في غير مواناة، ولا فرار، ولا يأس!
ترى، لو تصورنا أرضًا للنبوة في غير أرض العرب، أتكون أرض
[ ٢ / ٣٧٤ ]
القياصرة، حيث تطامَن العامة لحكم قيصر، وديّثوا له بالصغار نفوسهم، حتى حسبوه من طينة غير طينتهم، وحيث يختلفون في كل شيء، وحيث لا يحكم بينهم إلا الهوى، وحيث العنصريّة الجاثمة على الرؤوس، وحيث رق النفوس لهوى الحكام، والخروج على كل منطق للمساواة الإنسانية!
وإذا لم يكن الرومان، أفتكون أرض الفرس أرض النبوة، وكسرى وقد فرض عليهم المذلة والهوان، وتوزّعتهم سيادة الأشراف، حتى إذا بعدوا عن ذل كسرى، وجدوا ذل الحاشية، ووجدوا أنفسهم يتنقلون في الذل والهوان، وقد لانت نفوسهم، وخنعوا وهانوا أمام الملوك، وهل هؤلاء في ذلتهم هم الذين يحملون دعوة الإسلام إلى العزة؟!
وهل هؤلاء في رقّهم النفسي هم الذين يدعون إلى الكرامة الإنسانيّة التي سجلها القرآن في قوله تعالت حكمته؟: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء]!
لا يمكن أن تكون دعوة الحق ممن تمرّسوا بالظلم، حتى أمات نخوتهم، أو ممن ألفوا الذلة والخضوع، والهوان والخنوع، حتى لا يستطيعوا الابتعاد عنه، والخروج منه، ولا ممن قنعوا بالحياة الدون، ورضوا بالهون!
ولو تركنا الشرق الأدنى إلى الهند لوجدنا الطبقات قد قَتلت النخوة، ودفعت شعبها إلى الاستسلام للذل!
وهكذا .. شأن الناس، وشأن الأرض في كل القارات!
وعليه؛ فليس لدعوة الحق والعزة والحرية إلا العرب!
[ ٢ / ٣٧٥ ]
ومع هذا، فالوثنيّة العربيّة تزيّن باطلها بطلاء من الحق (١)، ليسهل على النفوس ازدراد ما فيها من مرارة، حيث تزعم الإيمان بإله خلق السموات والأرض، وفي الوقت نفسه تشرك معه آلهة أخرى، هي مزدلف إليه ووسيلة .. ولما كان خلق السموات والأرض بعيدًا عن مرأى الأعين، فقد أنس العبّاد المشركون بالآلهة المزعومة القريبة من أيديهم، والتي يتردّدون عليها صباحًا ومساءً، حتى صارت صلتهم بها هي الصلة الوثيقة، وأصبح ذكر هذا الإله المتوسّل إليه بغيره لا يَرد -كما أسلفنا- إلا في معرض الجدال والاعتذار:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١]!
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]!
غير أن هذا التعصب لهذا السخف جاوز الحدود، فأما العامة فهم بُهم، أحلاس ما توارثوا، ما داموا قد فقدوا نعمة العقل المدرك، وعاشوا يهرفون بما لا يعرفون!
وأما الذين أوتوا حظًّا من التفكير، فإن تفكيرهم يرتطم بحدود شهواتهم، وربما كتموا ما عرفوا، بل ربما حاربوا ما عرفوا!
وقليل من الناس من يتجرأ على التقاليد المستحكمة، ويجهر بالحق!
وقد وجد قبل البعثة من نظر إلى وثنيّة العرب نظرة استهزاء، وعرف أن قومه يلتقون على أباطيل مفتراة، ولكنه لم يجد الطريق أو الطاقة على كفهم!
_________________
(١) فقه السيرة: الغزالي: ٨١ بتصرف.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
يروي البخاري عن عبد الله بن عُمر ﵄: أن النبي - ﷺ - لقيَ زيدَ بن عمرو بن نُفَيل بأسفل أبطح، قبل أن ينزل على النبي - ﷺ - الوحي، فُقدِّمت إِلى النبي - ﷺ - سُفْرَةٌ، فأبَى أن يأكل منها!
ثم قال زيد: إِني لست آكل مما تذبحون على أصنامكم، ولا آكل إِلا مما ذكر اسمُ الله عليه، وإِن زيد بن عمرو كان يَعيبُ على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله؟ إِنكارًا لذلك وإِعظامًا له!
قال موسى: حدثني سالم بن عبد الله -ولا أعلمه إلا تحدث به عن ابن عمر- أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إِلى الشام، يسأل عن الدِّين ويتّبِعُه، فلقيَ عالمًِا من اليهود، فسأله عن دينهم، فقال: إِنِّي لعلّي أن أدينَ دينكم، فأخبرني، فقال: لا تكونُ على ديننا، حتى تأخذَ بنصيبك من غضب الله! قال زيد: ما أفِرُّ إلا مِن غضب الله، ولا أحملُ من غضب الله شيئًا أبدًا، وأنى أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إِلا حنيفًا! قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دينُ إِبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولا يعبد إِلا الله! فخرج زيدٌ، فلقيَ عالمًا من النصارى، فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا، حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله! قال: ما أفِرُّ إِلا مِن لعنة الله، ولا أحملُ من لعنة الله ولا من غضبه شيئًا أبدًا، وأنّي أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إِلا أن يكون حنيفًا! قال: وما الحنيف؟ قال: دين إِبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولا يعبد إِلا الله! فلما رأى زيد قولهم في إِبراهيم ﵇ خرج، فلما برز رفع يديه فقال: اللهم! إِني أشهدك أني على دين إِبراهيم!
[ ٢ / ٣٧٧ ]
وقال الليث: كتب إليّ هشام عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: رأيتُ زيد بن عمرو بن نفيل قائمًا مسندًا ظهره إِلى الكعبة يقول: يا معشر قريش، والله ما منكم على دين إِبراهيم غيري، وكان يُحيي الموءودة، يقول للرجل إِذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتُلها، أنا أكفيك مُؤْنتها، فيأخذُها فإِذا ترعرعت قال لأبيها: إِن شئت دفعتها إِليك، وإِن شئت كفيتك مؤنتها (١)!
و(زيد بن عمرو بن نفيل) هو ابن عم عمر بن الخطاب بن نفيل، ووالد سعيد بن زيد، أحد العشرة، وكان ممن طلب التوحيد، وخلع الأوثان، وجانب الشرك، لكنه مات قبل البعثة (٢)!
وهذا يبيّن مقدار الحيرة التي سادت الدنيا (٣)، وغطّت بضبابها الكثيف على الرسالات الظاهرة!
اليهود يشعرون بأنهم مطاردون في الأرض، منبوذون من أقطارها، فعلى الداخل في دينهم أن يحمل وزرًا من المقت المكتوب عليهم!
والنصارى وقع بينهم شقاق رهيب رعيب في طبيعة المسيح ووضعه، ووضع أمه، مع الإله الكبير -كما يزعمون- وقد أثار هذا الخلاف بينهم الحروب المهلكة، وقسمهم فرقًا يلعن بعضهم بعضًا!
وكان نصارى الشام الذين سألهم زيد (يعاقبة) يخالفون المذهب الرسمي لكنيسة الرومان، فلا غرابة إذا أشعروا زيدًا بما يقع عليه من عذاب لو دخل في
_________________
(١) البخاري: ٦٣ - مناقب الأنصار (٣٨٢٦ - ٣٨٢٨).
(٢) انظر: فتح الباري: ٧: ١٧٧.
(٣) فقه السيرة - الغزالي: ٨٣ بتصرف.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
عقيدتهم، أو لعل هذه اللعنة المرهوبة هي تبعات الخطيئة التي اقترفها آدم واستحقها من بعده بنوه كما يدعي ذلك النصارى، وهم يبررون صلب المسيح!
ومن حق زيد أن يدع هؤلاء وأولئك، ويرجع إلى دين إبراهيم - ﵇ - يبحث عن أصوله وفروعه!
وإن زيدًا من المفكرين القلائل، الذين سخطوا ما عليه الجاهليّة من نكر، وإنه ليشكر على تحريه الحق، ولا يغمط هو ولا غيره المكان اللائق بين قومهم ..
ومن شعره في التوحيد، ما حكاه محمد بن إسحاق والزُّبيرُ بن بكار وغيرهما (١):
وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخرًا ثِقالًا
دَحَاها فلما استوت شَدَّهَا سواءً وأرْسَى عليها الجِبالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المُزْنُ تحمل عذبًا زَلالا
إِذا هيَ سِيقَت إِلى بلدةٍ أطاعتْ فصبّت عليها سِجالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الريح تَصرِفُ حالًا فحالا
* * *
_________________
(١) السيرة النبويّة: ابن كثير: ١: ١٦٢ وما بعدها.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
وروى ابن إسحاق أيضًا:
أربًّا واحدًا أم ألفَ ربٍّ أَدين إِذا تقسّمت الأمور
عزلتُ اللَّات والعُزَّى جميعًا كذلك يفعل الجلْدُ الصبور
فلا العُرى أَدينُ ولا ابْنَتَيْهَا ولا صَنَمي بَني عمرو أزور
ولا هُبلًا (١) أَدينُ وكان ربًّا لنا في الدهر إِذ حُلْمي يسير
عجبْتُ وفي الليالي معجباتٌ وفي الأيام يعرفها البصير
بأن الله قد أفْنَى رجالًا كثيرًا كان شأنَهم الفُجور
وأبقَى آخرينَ بِبِرّ قومٍ فَيَرْبُل منهم الطفل الصغير
وبينا المرءُ يعثُر ثاب يومًا كما يتَرَوَّحُ الغُصن النضير
_________________
(١) الروض الأنف: ١: ٢٥٧ وفي المرجع السابق: (ولا غنما).
[ ٢ / ٣٨٠ ]
ولكن أعبدُ الرحمن ربِّي ليغفر ذنبي الربُّ الغفور
فتقوى الله ربكمُ احفظوها جمَتَى ما تحفظوها لا تَبوروا
ترى الأبرارَ دارُهم جِنانٌ وللكفار حاميةٌ سعير
وخِزيٌ في الحياة وإِن يَمُوتوا يُلاقوا ما تضيق به الصدور
وقالت أسماء بنت أبي بكر: قال ورقة لزيد بن عمرو:
رَشَدْتَ وأنعمت ابن عمرو وإِنما تَجَنَّبْتَ تنورًا من النار حاميا
بدينك ربا ليس رب كمثله وترك جنان الخبال كما هيا
تقول إِذا جاورت أرضًا مخوفة حنانيك لا تظهر عليّ الأعاديا
حنانيك إِن الجن كانت رجاؤهم وأنت إِلهي ربَّنا ورجائيا
[ ٢ / ٣٨١ ]
أدين لرب يستجيب لخلقه ولا أدين لمن لا يسمع الدهر داعيا
أقول إِذا صليت في كل بيعة تباركت قد أكثرتُ باسمك داعيا (١)
لكن القدر كان يتخير رجلًا يبصر الحق، ويملك من الطاقة ما يدفع إلى آفاق العالمين، في وجه مقاومة تسترخص النفس والنفيس للإبقاء على الضلال، والإمساك بليله البارد الثقيل!
وإذا كان هذا الإلحاد المغرق الطامس -كما أسلفنا- قد غزا النفوس بالقلق البالغ، فإلى أين تصير القلة الحائرة؟
وإلى أين يمكن أن يصير عدد هؤلاء الذين سخطوا ما عليه الجاهلية من نكر؟ وإلى أي مدى يكون تأثيرهم؟
أما من بصيص نور خلال هذا الظلام المخيّم؟
لقد كان القدر المعد لهذه الرسالة الضخمة هو خير خلق الله، وخاتم رسله - ﷺ - ليواجه الإلحاد الذي شاع وذاع!
٥ - وحدة اللغة:
وخامس ما يطالعنا: وحدة اللغة، حيث كانت هذه الجزيرة، التي تكاد
_________________
(١) انظر: دلائل النبوة للأصبهاني: ٢: ٦٩٣ - ٦٩٧ تحقيق مساعد بن سليمان الراشد الحميد، دار العاصمة، السعودية، ط. أولى ١٤١٢ هـ، وهو حسن، وانظر: الطبراني في المعجم الكبير: ٢٤: ٨٢ (٢١٦)، والمجمع: ٩: ٤١٨، وتغليق التعليق: ٤: ٨٣ - ٨٤.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
تكون شبه قارة، خليقة أن تتعدّد فيها اللغات (١)، وتتنوّع، لبعد المسافة بين مواطن القبائل وبن جنوبي الجزيرة وشماليها، وقلة اتصال أهل الجنوب بأهل الشمال، وأهل الشرق بأهل الغرب، وبحكم العصبيّة القبليّة والسلاليّة السائدة عليهم، وتأثر القبائل المتاخمة للروم والفرس بلغاتهم، وقد كثر عدد اللغات في أوروبا الوسطى، وفي شبه القارة الهنديّة، كثرة هائلة، ولا يزال عدد اللغات المعترف بها في دستور الهند يبلغ (١٥) لغة إقليميّة، تختلف فيما بينها اختلاف لغات مستقلة، قائمة بذاتها، حتى يحتاج أبناؤها للتفاهم إلى ترجمات، أو لغة أجنبية كالإِنجليزيّة!
بيد أن الجزيرة العربيّة قد امتازت على سعتها، وترامي أطرافها، وتشتّت قبائلها، بوحدة اللغة، التي كانت ولا تزال أداة تفاهم والتقاء لجميع أبناء هذه الجزيرة، حضرهم وبدوهم، القحطاني منهم والعدناني، وهي اللغة العربيّة على اختلاف لهجاتها وفروقها الإقليميّة التي تقتضيها طبيعة اللغات وفلسفتها، وطبيعة الأقاليم والأجواء، وطبيعة الانعزال والانطواء، فاللغات تختلف في لهجاتها بمسافات، قد تطول وقد تقصر، وكانت هذه الوحدة اللغويّة التي امتازت بها هذه الجزيرة من أهم أسباب تيسير مهمة الدعوة الإسلاميّة، وسرعة انتشار الإسلام فيها، ومخاطبة الوحدات العربيّة المنتشرة، في لغة واحدة هي اللغة العربيّة الفصحى، وبكتاب واحد هو القرآن العربي المبين!
_________________
(١) السيرة النبويّة: الندوي: ٧٣ بتصرف.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
٦ - الموقع الجغرافي:
وسادس ما يطالعنا: الموقع الجغرافي الذي يجعل الجزيرة جديرة بأن تكون مركزًا لدعوة عالميّة تخاطب الشعوب كلها!
وقد أعلن الأخ الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين - ﵀ - رئيس قسم الهندسة المدنية بكلية الهندسة جامعة الرياض، في حديث صحفي نشر في الأهرام المصرية في ١٥/ ١ / ١٣٩٧ هـ - ٥/ ١ / ١٩٧٧ م العدد ٣٣٩٨ - السنة ١٠٣:
أنه توصل إلى ما يشبه النظريّة الجغرافيّة التي تؤكد أن (مكة المكرمة) في مركز اليابس في الكرة الأرضيّة، أي مركز الأرض، وقد بدأ بحثه برسم خريطة تحسب أبعاد كل الأماكن على الأرض عن مدينة (مكة المكرمة) - وذلك لتصميم جهاز عملي رخيص يساعد على تحديد القبلة -فجأة اكتشف على الخريطة أن مكة تقع في وسط العالم!
ومن خلال بحثه هذا توصل إلى معرفة الحكمة الإلهيّة في اختيار (مكة المكرمة) لتكون مقرًا لبيت الله الحرام، ومنطلقًا للرسالة العالميّة (١)!
وهي مع كونها جزءًا من قارة آسيا تقع بمقربة من قارة أفريقيا، ثم قارة أوروبّا، وكل منها مركز الحضارات، والثقافاات الواسعة، والفلسفات الكثيرة، وتمر بها القوافل التجارية التي تصل بين بلاد مختلافة، وقد تصل بين قارات تحمل من بلد ما يستطرف وينتج فيه إلى بلد يفتقر إليه!
_________________
(١) انظر كتابنا: (الكعبة مركز العالم)، الذي ترجم إلى الإنجليزية وغيرها، وأيضًا: (الإعجار العلمي في إثبات الوسطيَّة في المكان)، وهو في طريقه إلى الترجمة!
[ ٢ / ٣٨٤ ]
وتقع الجزيرة بين قوتين متنافستين:
قوة المسيحيّة وقوة المجوسيّة!
قوة الغرب وقوة الشرق!
وقد ظلت رغم ذلك كله محتفظة بحريتها وشخصيتها، ولم تخضع لإحدى الدولتين، إلا في بعض أطرافها، وفي قليل من قبائلها، وكانت في خير موقع لتكون مركزًا لدعوة إنسانيّة عالميّة، تقوم على الصعيد العالمي، وتتحدث عن مستوى عال، بعيدة عن كل نفوذ سياسي وأجنبي (١)!
٧ - حرم الإسلام:
وسابع ما يطالعنا من خصائص الجزيرة: أنها الأرض المباركة، التي قدّر الله ﷿ أن تكون حرم الإسلام، ومعلمه الأول، وداره الأولى، وأن الشيطان قد يئس أن يعبده المسلمون فيها، يروي مسلم وغيره عن جابر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إِن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم" (٢)!
وهي وقف في الإسلام على أهل الإسلام، يروي مسلم وغيره عن عمر ابن الحطاب، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "لأخرجن اليهود والنصارى من
_________________
(١) السيرة النبويّة: الندوي: ٥٩ - ٦٠ بتصرف.
(٢) مسلم: ٥٠ - صفات المنافقين (٢٨١٢)، وأحمد: ٣: ٣١٣، ٣٣٤، ٣٦٦، والترمذي (١٩٣٧)، وأبو يعلى (٢٠٩٥، ٢١٥٤، ٢٢٩٤)، والبيهقي: الدلائل: ٦: ٣٦٣، والبغوي (٣٥٢٥)، والفسوي: المعرفة: ٢: ٣٣٢، وابن أبي عاصم: السنة (٨)، والطبراني: مسند الشاميين (١٠١٥)، وابن حبان (٥٩٤١).
[ ٢ / ٣٨٥ ]
جزيرة العرب، حتى لا أدع إِلا مسلمًا" (١)!
و(الدين القيّم) حين يضطهد خارج الجزيرة ينحاز إليها، يروي الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: "إِن الإِيمان ليأرز إِلى المدينة، كما تأرز الحيّة إِلى جحرها" (٢)!
* * *
_________________
(١) مسلم: ٣٢ - الجهاد (١٧٦٧)، وأحمد: ١: ٢٩، ٣٢، ٣٤٥، وعبد الرزاق (٩٩٨٥، ١٩٣٦٥)، وأبو داود (٣٠٣٠، ٣٠٣١)، والترمذي (١٦٠٦، ١٦٠٧)، والحاكم: ٤: ٢٧٤، والبيهقي: ٩: ٢٠٧، والبزار (٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣٤)، والبغوي (٢٧٥٦)، والطحاوي: شرح مشكل الآثار (٢٧٥٦، ٢٧٥٧)، وابن حبان (٧٣٥٣).
(٢) البخاري: ٢٩ - فضائل المدينة (١٨٧٦)، ومسلم (١٤٧)، وأحمد: ٢: ٢٨٦، ٤٢٢، ٤٩٦، وابن أبي شيبة: ١٢: ١٨١، وابن ماجه (٣١١١)، وابن حبان (٣٧٢٨، ٣٧٢٩).
[ ٢ / ٣٨٦ ]
أصحاب الفيل
[ ٢ / ٣٨٧ ]
أصحاب الفيل
١ - ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾
٢ - موقف الإيمان وموقف العقل
٣ - رواج قصة الحصبة والجدري وردها
٤ - دوافع المدرسة العقلية
٥ - دروس وعبر
٦ - مكانة العقل
٧ - دور الرسالات في قيادة العقل
٨ - سطوة الغرائز
٩ - الدور الأول للرسالات
١٠ - الدور الثاني للرسالات
[ ٢ / ٣٨٨ ]
أصحاب الفيل
تمهيد:
الحديث عن قصة أصحاب الفيل له معالم متنوعة، نبصرها فيما يلي:
١ - ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾!:
أول ما يطالعنا: أن حادثًا عظيمًا لم يحدث مثله في تاريخ العرب (١)، كان دليلًا على ظهور حادث أكبر، وعلى أن الله -﷿- يريد بالعرب خيرًا، وأن للكعبة شأنًا ليس لغيرها من بيوت الدنيا، ومراكز العبادة، وقد نيطت بها رسالة ونيط بها دور في تاريخ الإنسانيّة، لا بد أن تؤديه: وأن تقوم به!
أرادوا بالفيل أن يسير متجهًا إلى البيت الحرام، فوقف ولم يسر إليه، وحبسه الله تعالى عنه، فوجهوه إلى الجهات الأخرى فاتجه، ثم أرادوا أن يوجهوه إلى البيت فامتنع!
ولو أن (أبرهة) اعتبر واعتزم العودة إلى حيث جاء لرجع من الغنيمة بالإياب، ولكنه اعتزم تنفيذ نيّته، فلم يبق إلا أن يأخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [سورة الفيل]!
وإنما أضيف أمر القصة إلى الفيل، واشتهرت به (٢)، لاصطحابهم الفيل
_________________
(١) السيرة النبويّة: الندوي: ٨٩ بتصرف.
(٢) تفسير القاسمي: ١٧: ٦٢٦٥ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
معهم للبطش والتخريب؛ فإنه لو تم لقائديه كيدهم، لكان الفيل يدهم العاملة وسهمهم النافذ، وذلك أن جبابرة البلاد التي يوجد فيها الفيل يتخذونه آلة بطش وانتقام. فإذا غضبوا على محارب وأسروه، أو وزير وأوثقوه، أو بلد ونازلوا حصنه، أرسلوا على دار المغضوب عليه أو حصنه الفيل، فنطح برأسه ونابه الصرح فيدكه، وقواعد البنيان فيهدمها؛ فيكون أمضى من معاول وفؤوس، وأعظم رعبًا ورهبة في النفوس، وربما ألقوا المسخوط بين يديه، فأعمل فيه نابه، ولف عليه خرطومه وحمله ومثّل به تمثيلًا، كان أشد بطشًا وتنكيلًا!
قال القاشاني: قصة أصحاب الفيل مشهورة، وواقعتهم قريبة من عهد الرسول - ﷺ -، وهي إحدى آيات قدرة الله، وأثر من سخطه على من اجترأ عليه بهتك حرمه، وإلهامُ الطيور والوحوش أقرب من إلهام الإنسان، لكون نفوسهم ساذجة، وتأثير الأحجار بخاصية أودعها الله تعالى فيها، ليس بمستنكر!
وقال الماوردي (١): آيات الملك باهرة، وشواهد النبوات قاهرة، تشهد مباديها بالعواقب، فلا يُلتبس فيها كذب بصدق، ولا منتحل بمحق، ويحسب قوتها وانتشارها يكون بشائرها وإنذارها!
ولما دنا مولد رسول الله - ﷺ - تقاطرت آيات نبوته، وظهرت آيات بركته، فكان من أعظمها شأنًا، وأظهرها برهانًا، وأشهرها عيانًا وبيانًا، أصحاب الفيل، أنفذهم النجاشي من أرض الحبشة، في جمهور جيش إلى مكة، لقتل رجالها، وسبي ذراريها، وهدم الكعبة .. ثم قال:
_________________
(١) أعلام النبوة: ١٨٥ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
وآية الرسول من قصة الفيل أنه كان في زمانه حملًا في بطن أمه بمكة؛ لأنه ولد بعد خمسين يومًا من الفيل .. ثم قال:
فكانت آيته في ذلك من وجهين:
أحدهما: أنهم لو ظفروا لسبوا واسترقوا، فأهلكهم الله تعالى لصيانة رسوله أن يجري عليه السبي حملًا ووليدًا!
والثاني: أنه لم يكن لقريش من التأله ما يستحقّون رفع أصحاب الفيل عنهم، وما هم أهل كتاب؛ لأنهم كانوا بين عابد صنم، أو متديّن وثن، أو قائل بالزندقة، أو مانع من الرجعة، ولكن لما أراده الله تعالى من ظهور الإسلام تأسيسًا للنبوة، وتعظيمًا للكعبة، وأن يجعلها قبلة للصلاة ومنسكًا للحج!
فإن قيل: فكيف منع الكعبة قبل مصيرها قبلة ومنسكًا، ولم يمنع الحجاج ميت هدمها، وقد صارت قبلة ومنسكًا، حتى أحرقها، ونصب المنجنيق عليها؟
قيل: فعلُ الحجاج كان بعد استقرار الدِّين، فاستغنَى عن آيات تأسيسه، وأصحابُ الفيل كانوا قبل ظهور النبوة، فجُعل المنعُ منها آية، لتأسيس النبوة ومجيء الرسالة، على أن الرسول - ﷺ - قد أنْذَر بهدمها، فصار الهدم آية، فلذلك اختلف حكمها في الحالين، والله تعالى أعلم!
ولما انتشر في العرب ما صنع الله تعالى بجيش الفيل تهيّبوا الحرم وأعظموه، وزادت حرمته في النفوس، ودانت لقريش بالطاعة، وقالوا: أهل الله قاتل عنهم، وكفاهم كيد عدوهم، فزادوهم تشريفًا وتعظيمًا، وقامت قريش لهم بـ (الرفادة) و(السدانة) و(السقاية)، والرفادة مال تخرجه قريش في
[ ٢ / ٣٩١ ]
كل عام من أموالهم، يصنعون به طعامًا للناس أيام مني، فصاروا أئمة ديّانين، وقادة متبوعين، وصار أصحاب الفيل مثلًا في الغابرين .. ثم قال:
وكان شأن الفيل رادعًا لكل باغ، ودافعًا لكل طاغ، وقد عاصر رسول الله - ﷺ - في زمن نبوّته وبعد هجرته جماعةٌ شاهدوا الفيل، وطير الأبابيل، منهم حكيم بن حزام، وحاطب بن عبد العزى، ونوفل بن معاوية؛ لأن كل واحد من هؤلاء عاش مائة وعشرين سنة، منها ستّين سنة في الجاهلية، وستين في الإسلام!
وقد ورد في كثير من الأحاديث الصحيحة ما يشير إلى نبأ الفيل .. منها ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: لما فتح الله على رسوله - ﷺ - مكة، قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إِن الله حبس عن مكة الفيل .. " الحديث (١)!
ونقف أمام مفتتح سورة الفيل، ونقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ في مقام ألم تعلم، كما قال مجاهد وغيره (٢)، وقال الفراء: ألم تخبر عن الحبشة والفيل، وإنما قال ذلك؛ لأنه - ﷺ - لم يدرك قصة أصحاب الفيل؛ لأنه ولد في تلك السنة!
وفي خطاب الرسول - ﷺ - في مفتتح السورة بهذا الأسلوب التقريري التعجيبي (٣)، وانصباب الاستفهام على الرؤية، وهو - ﷺ - لم يكن من شهود
_________________
(١) البخاري: ٤٥ - اللقطة (٢٤٣٤)، ومسلم: ١٥ - الحج ٤٤٧ (١٣٥٥)، وأحمد: ٢: ٢٣٨، وأبو داود (٤٥٠٥)، والترمذي (١٤٠٥، ٢٦٦٧)، والنسائي في الكبرى كما في التحفة: ١١: ٧١، وفي المجتبى: ٨: ٣٨، وابن ماجه (٢٦٢٤)، والبيهقي في السنن: ٥: ١٧٧، ٨: ٥٣، و"الدلائل": ٥: ٨٤، وابن حبان: الإحسان (٣٧١٥).
(٢) فتح الباري: ٨: ٦٠١.
(٣) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٨٨ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
الحادث عند وقوعه، دليل على أن هذا الحادث كان معروفًا متعالمًا مشهورًا بشهوده وآثاره، لدى الخاصة والعامة، حتى كان الحديث عنه ممن شهدوه إلى من لم يشهدوه حديث رؤية، وعلم يقين، يستوي مع المشاهدة والعيان، وفي انصباب الاستفهام على رؤية كَيفية فعل الله بهؤلاء الطغاة دون انصبابه على ذات الفعل أو أثره، فقال:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾!
ولم يقل: ألم تر ما فعل، أو آثار ما فعل ربّك، وفي هذا إشارة إلى تهويل الحادث، وإيذان بوقوعه على كيفيّة وحالة، هي فوق مستوى ما عهده الناس، وجرت به عادة فيما بينهم من طرائق وقوع الأحداث!
وإضافة الفعل المعجِّب عن طريقة وقوعه إلى الله بعنوان الربوبيّة المختصّة بمحمد - ﷺ - على ما تقتضيه الإضافة إلى ضمير الخطاب له خاصة، دون ضمير غيره، أو دون مشاركة معه، هذه الإضافة رمزٌ إلى مزيد اختصاص هذا الحادث به، وأنه كان من أجله، ومن أجل رسالته!
وإبهام ما فعل الله بهم في صدر الكلام، ثم توضيحه وتفصيله، في صورة الاستفهام التعجيبي، والتعبير عن مقاصدهم الفاجرة، بالكيد الدال على خفي التدبير، وسيء المكر، وامتنان الله بجعل ذلك هباءً مضيعًا، لا يحظى منه صاحبه بطائل، دليل على شدة قهر الله لهم، وبطشه بهم، وعلى فظاعة ما كانوا يستهدفون، من هدم بيت الله وتخريبه، والعبث بحرمه، وهتك حرمات أهله، وفي العناية بالتنصيص على طريقة إهلاكهم، وذكر ما أُهلكوا به، بعنوان متعارف، في صورة لم تجر بها عادة، ولا تعارفها الناس فيما بينهم، في الحروب والغزوات كافة، وتجمعات الجيوش، آية على أن هذه النهاية السريعة
[ ٢ / ٣٩٣ ]
الخاطفة، والصورة البشعة الهائلة، التي انتهى بها هذا الحادث، ليست من سنن الحياة المألوفة المكررة، ولكنها من سنن الوجود المدخرة، لأحيانها ومناسباتها، فهو محجزة لنبوة محمد - ﷺ -، مقدمة عليها، إرهاصًا لها وتأسيسًا بوقوعها، أعلم الله به نبيه ممتنًا بها عليه عند تشريفه بدواعيها!
وإلا فمتى كان في معهود الناس، ومتعارف الأحداث، أن طيرًا -بهذا العنوان الذي له صورة خاصة لدى من يسمعه- تَفِدُ جماعات في إثر جماعات، تحمل معها حجارة من طين يابس متحجر، حتى كأنه طُبخ بالنار، ثم تعمد هذه الجماعات من الطير إلى جماعات من الناس مخصوصة، لا تتعداهم إلى غيرهم، فترميهم بما حملت من الحجارة، فتصيب مقاتلهم، إلا قليلًا ممن نجا سقيمًا، ليكون عنوانًا على هول ما أنزل الله بهم من نقمة في هذا الحادث الجسيم!
٢ - موقف الإيمان وموقف العقل:
وثاني ما يطالعنا: أن هذا هو الذي قال الله تعالى، وقصه علينا في صراحة لا تحتمل لبسًا ولا تأويلًا، وقد آمن بهذا المؤمنون، وعلموا أن سنن الكون أجل من أن يحيط بها علمنا، وأخطر من أن تكون حبيسة في دائرة عقولنا المحدودة، وأن منها سننًا عامة معهودة متعارفة، وأن منها سننًا خاصة تقع عندما تتهيّأ لها دواعيها، وخوارق العادات التي يجريها الله على أيدي أنبيائه ورسله من سنن الكون الخاصة التي جعلها الله عنوانًا على صدقهم وتكريمهم!
أما الذين وقفت بهم عقولهم عند مألوف الناس، واحتكموا في الحادث إلى العادات الجارية المتكررة، وأرادوا أن يخضعوا سنن الله في الكون، وإرادته
[ ٢ / ٣٩٤ ]
في خلقه، وسلطان قدرته عليهم، إلى ما جرت به العادة، وتعارفه الناس، فقد فظع بهم أن يؤمنوا بهذا، كما آمن المؤمنون بجلال الله، وواسع قدرته، ومحكم إرادته، وعظيم سلطانه، وأبوا إلا تحريف كلام الله عن مواضعه، وتأويل آياته الصريحة الصادقة، والتمسوا في الأمور الاعتيادية ملجأ للتأويل!
والطير في لغة العرب عامة معروف المعنى، والحجارة كذلك معروفة المعنى، والقرآن إذ عبّر بهما أراد إلى هذا المعنى المكشوف البين المتبادر إلى فهم السامع!
وإذا كان وزر المتزيّدين في الروايات أنهم تزيدوا وأغرقوا، وقبلوا كل تافه وغثاء، فوزر المتأولين أنهم أجحفوا، وتنقصوا وظلموا الحقيقة، وردوا ظاهر القرآن لغير ضرورة ملجئة!
وإذا جاء التأويل في شيء من موضوعات القرآن الكريم، وصرف ألفاظه عن معانيها الظاهرة المتبادرة، لاعتياصها على بعض الأفهام، فالقصص القرآني أبعد ما يكون عن ذلك؛ لأن ألفاظ هذا القصص من الوضوح والبيان بمكان رفيع؛ لأن المقصود الأول من القصص في القرآن هو العظة والعبرة والتأسي، وذلك لا يتحقق إلا بألفاظ بيّنة المعاني، واضحة الدلالة على مقصودها!
٣ - رواج قصة الحصبة والجدري وردها:
وثالث ما يطالعنا: رواج قصة الحصبة والجدري، فقد روى الطبري عن عكرمة قال: كانت ترميهم بحجارة معها، قال: فإذا أصاب أحدهم خرج به الجدري، قال: كان أول يوم رُؤي فيه الجدري، قال: لم يُر قبل ذلك
[ ٢ / ٣٩٥ ]
اليوم ولا بعده! وروى -أيضًا- عن يعقوب في عتبة بن المغيرة بن الأخنس: أنه حدّث، أن أول ما رُؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام (١)!
وقد قال بعض الكتّاب:
إنهم أصيبوا بالجدري قَرَّحَ أجسامهم، ولعل جرثومة ذلك الداء الوبيل كانت من الأحجار التي رمتها الطيور التي جاءتهم وباء وبلاء وإهلاكًا، وقد كادوا من الشر كيدهم، ودبروا بالفساد أمرهم!
قال الشيخ أبو زهرة - ﵀ -:
وليس عندي ما يمنع أن يكونوا قد أصيبوا بالجدري بما رماهم الله تعالى به .. إذا قلنا إن الحجارة كانت تحمل معها جرثومة هذه الأمراض الفتاكة، ولكن ما لا يقبل هو القول بأن الطير هي جراثيم ذلك المرض؛ لأن هذا يكون مخالفًا لنص الآية الكريمة الذي يفيد أن الطير رمتهم بحجارة قوية شديدة (٢)!
وقال الشيخ محمد عبده - ﵀ - (٣):
وفي اليوم الثاني فشا في جند الجيش داء الجدري والحصبة .. وذكر الروايتين السابقتين عن عكرمة ويعقوب .. وقال: وقد فعل الوباء بأجسامهم ما يندر وقوع مثله، فكان لحمهم يتناثر ويتساقط، فذُعر الجيش وصاحبه، وولوا هاربين، وأصيب قائد الجيش، ولم يزل يسقط لحمه قطعة قطعة، وأنملة أنملة، حتى انصدع صدره، ومات في صنعاء!
_________________
(١) تفسير الطبري: ٣٠: ٢٩٨، ٣٠٣، وانظر: تفسير القرطبي: ٢٠: ١٩٨.
(٢) خاتم النبيين: ١: ١٣٣ بتصرف.
(٣) تفسير جزء عم: سورة الفيل، بتصرف، وانظر كتابنا: السنة بين أنصارها وخصومها: ١: ٤١١ وما بعدها.
[ ٢ / ٣٩٦ ]
قال: هذا ما اتفقت عليه الروايات، ويصح الاعتقاد به. وقد بينت لنا هذه السورة الكريمة أن ذلك الجدري أو تلك الحصبة نشأت من حجارة يابسة سقطت على أفراد الجيش، بواسطة فرق عظيمة من الطير، مما يرسله الله مع الريح!
فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الظن المسموم اليابس الذي تحمله الرياح، فيعلق بأرجل هذه الحيوانات، فإذا اتصل بجسده دخل في مسامه، فأثار فيه تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه، وأن كثيرًا من هذه الطيور الضعيفة يعد من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر، وأن هذا الحيوان الصغير -الذي يسمونه الآن بالميكروب- لا يخرج عنها، وهو فرق وجماعات لا يُحصي عددها إلا بارئها .. ولا يتوقف ظهور أثر قدرة الله تعالى في قهر الطاغين، على أن يكون الطير في ضخامة رؤوس الجبال، ولا على أن يكون من نوع عنقاء مغرب، ولا على أن يكون له ألوان خاصة به، ولا على مقادير الحجارة وكيفية تأثيرها .. فلله جند من كل شيء:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
وليست في الكون قوة إلا وهي خاضعة لقوته .. فهذا الطاغية الذي أراد أن يهدم البيت، أرسل الله عليه من الطير ما يوصل إليه مادة الجدري أو الحصبة، فأهلكته وأهلكت قومه، قبل أن يدخل مكة، وهي نعمة غمر الله بها أهل حرمه -على وثنيّتهم- حفظًا لبيته، حتى يرسل من يحميه بقوة دينه!
وقال: هذا ما يصح الاعتماد عليه في تفسير السورة، وما عدا ذلك فهو مما
[ ٢ / ٣٩٧ ]
لا يصح قبوله إلا بتأويل، إن صحت روايته .. ومما تعظم به القدرة أن يؤخذ من استعز بالفيل -وهو أضخم حيوان من ذوات الأربع جسمًا- ويهلك، بحيوان صغير لا يظهر للنظر، ولا يدرك بالبصر، حيث ساقه القدر. لا ريب عند العاقل أن هذا أكبر وأعجب وأبهر!
وهذا الرأي الذي ذهب إليه الشيخ الإمام ليس أولى بتفسير الحادث من ظاهر النصوص -كما أسلفنا-، وبالتالي لا يصح الاعتماد عليه، ذلك أن ابن الأثير علّق على رواية الطبري عن يعقوب بن عتبة التي أوردها الطبري -كما سبق- بقوله:
وهذا مما لا ينبغي أن يعرج عليه، فإن هذه الأمراض قبل الفيل منذ خلق الله العالم (١). وأن الماوردي نقل قول أبي صالح: رأيت في دار أم هانئ نحو قفيز من الحجارة التي رمي بها أصحاب الفيل مخططة بحمرة، كأنها الجزع. وقال ابن مسعود: ولما رمت الطير بالحجارة بعث الله ريحًا فزادتها شدة، وكانت لا تقع على أحد إلا هلك، ولم يسلم منهم إلا رجل من كندة (٢)!
ولذلك يتبيّن لنا مدى الخطأ الذي وقع فيه بعض الذين قالوا (٣): إن الله -﷿- يريد بالطير الرياح المتجمعة، وبالحجارة ذرات التراب التي حملت ميكروب الجدري، كما ذهب الدكتور (هيكل) وغيره!
فإنه لم يعهد في لغة العرب أن يقال عن الرياح: إنها طير أبابيل، ولا ينبغي
_________________
(١) انظر: محمد رسول الله - ﷺ -: ١:، ٩٧.
(٢) تفسير الماوردي: ٤: ٥٢١.
(٣) القول المبين في سيرة سيد المرسلين: ١٦ - ١٧، وانظر قول الدكتور هيكل في (حياة محمد): ١٠٢.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
أن يقال ذلك، ولا يصح أن يلجأ إلى مثل هذا المجاز ما دامت الحقيقة غير مستحيلة على قدرة الله!
وإذا كانت الريح قد حملت ميكروب الجدري فلماذا هلك الأحباش وحدهم، ولِمَ لم يهلك معهم العرب؟!
وإذا كان حادث الفيل قد وقع عام ميلاد الرسول - ﷺ -، فمن الثابت -كما أسلفنا- أن سورة الفيل قد نزلت على الرسول - ﷺ - في وقت كان يعيش فيه من أهل مكة أناس رأوا الحادث بأعينهم، وبعضهم من أعداء الرسالة والرسول، فلو لم تكن الطيور طيورًا حقيقة، والحجارة حجارة حقيقيّة، لظهر من العرب من يسارع إلى تكذيب حادث الفيل بهذه الصورة في تلك السورة، ويعلن ذلك على رؤوس الأشهاد، وينتهزها فرصة في الكيد للرسالة والرسول - ﷺ -!
ولكن الواقع أن سورة الفيل قد نزلت تقرّر حقيقة واقعة معروفة عند العرب، لا شك فيها، ولا يجرؤ أحد على إنكارها!
ثم إن سنة الله ليست فقط هي ما عهده البشر وما عرفوه (١)، وما يعرف البشر من سنة الله إلا طرفًا يسيرًا يكشفه الله لهم بمقدار ما يُطيقون، وبمقدار ما يتهيّؤون له بتجاربهم ومداركهم في الزمن الطويل، فهذه الخوارق-كما يسمّونها- هي من سنّة الله، ولكنها خوارق بالقياس إلى ما عهدوه وما عرفوه!
ومن ثم فنحن لا نقف أمام الخارقة متردّدين ولا مؤوّلين لها -متى صحت الرواية- أو كان في النصوص وفي ملابسات الحادث ما يوحي بأنها جرت
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٦: ٣٩٧٧ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
خارقة، ولم تجر على مألوف الناس ومعهودهم. في الوقت ذاته لا نرى أن جريان الأمر على السنة المألوفة أقل وقعًا ولا دلالة من جريانه على السنة الخارقة للمألوف، فالسنة المألوفة هي في حقيقتها خارقة بالقياس إلى قدرة البشر!
إن طلوع الشمس وغروبها خارقة -وهي معهودة كل يوم- وإن ولادة كل طفل خارقة - وهي تقع كل لحظة - وإلا فليجرّب من شاء أن يجرّب!
وإن تسليط طير -كائنًا ما كان- يحمل حجارة مسحوقة ملوّثة بميكروبات الجدري والحصبة وإلقاءها في هذه الأرض، في هذا الأوان، وإحداث هذا الوباء في الجيش، في اللحظة التي يهم فيها باقتحام البيت .. إن جريان قدر الله على هذا النحو خارقة، بل عدة خوارق كاملة الدلالة على القدرة وعلى التقدير .. وليست أقل دلالة ولا عظمة من أن يرسل الله طيرًا خاصًا يحمل حجارة خاصة تفعل بالأجسام فعلًا خاصًا في اللحظة المقررة .. هذه من تلك .. هذه خارقة، وتلك خارقة، على السواء!
فأما في هذا الحادث خاصة، فنحن أميل إلى اعتبار أن الأمر قد جرى على أساس الخارقة غير المعهودة، وأن الله أرسل طيرًا أبابيل غير معهودة - وإن لم تكن هناك حاجة إلى قبول الروايات التي تصف أحجام الطير وأشكالها وصفًا مثيرًا، نجد له نظائر في مواضع أخرى تشير بأن عنصر المبالغة والتهويل مضافًا إليها! - تحمل حجارة غير معهودة، تفعل بالأجسام فعلًا غير معهود!
نحن أميل إلى هذا الاعتبار؛ لا لأنه أعظم دلالة ولا أكبر حقيقة، ولكن لأن جو السورة وملابسات الحادث تجعل هذا الاعتبار هو الأقرب، فقد كان الله سبحانه يريد بهذا البيت أمرًا .. يريد أن يحفظه ليكون مثابةً للناس وأمنًا، وليكون نقطة تجمع للعقيدة تزحف منه حرة طليقة، في أرض حرة طليقة، لا
[ ٢ / ٤٠٠ ]
يهيمن عليها أحد من خارجها، ولا تسيطر عليها حكومة قاهرة تحاصر الدعوة في محضنها .. ويجعل هذا الحادث عبرة ظاهرة مكشوفة لجميع الأنظار في جميع الأجيال، حتى ليمتنّ بها على قريش بعد البعثة في هذه السورة، ويضربها مثلًا لرعاية الله لحرماته وغيرته عليها .. فممّا يتناسق مع جو هذه الملابسات كلها أن يجيء الحادث غير مألوف ولا معهود، بكل مقوماته وبكل أجزائه .. ولا داعي للمحاولة في تغليب صورة المألوف من الأمر في حادث هو ذاته وبملابساته مفرد فذ!
وبخاصة أن المألوف في الجدري أو الحصبة لا يتفق مع ما روي من آثار الحادث بأجسام الجيش وقائده، فقد روى ابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير قال: لما أراد الله أن يُهلك أصحاب الفيل، بعث عليهم طيرًا أنشئت من البحر، أمثال الخطاطيف، كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار مجزّعة، حجرين في رجليه، وحجرًا في منقاره، قال: فجاءت حتى صفت على رؤوسهم، ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما يقع حجر على رأس رجل إِلا خرج من دبره، ولا يقع على شيء من جسده إِلا خرج من الجانب الآخر، وبعث الله ريحًا شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة، فأهلكوا جميعًا (١)!
ومنهم من هلك سريعًا، ومنهم من جعل يتساقط عضوًا عضوًا وهم هاربون، كما قال عطاء وغيره (٢)!
والجدري أو الحصبة لا يسقط الجسم عضوًا عضوًا!
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٤: ٥٥١، وانظر: تفسير الطبري: ٣٠: ٣٠٣.
(٢) تفسير ابن كثير: ٤: ٥٥١.
[ ٢ / ٤٠١ ]
وهذه الصورة هي التي يوحي بها النص القرآني: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ إيماءً مباشرًا قريبًا!
٤ - دوافع المدرسة العقليّة:
ورابع ما يطالعنا: دوافع المدرسة العقليّة، التي كان الأستاذ الإمام محمد عبده، ﵀، على رأسها في تلك الحقبة .. ونحن ندرك ونقدّر دوافع المدرسة العقلية إلى تضييق نطاق الخوارق والغيبيّات في تفسير القرآن الكريم وأحداث التاريخ، ومحاولة ردّها إلى المألوف المكشوف من السنن الكونيّة .. فلقد كانت هذه المدرسة تواجه النزعة الخرافيّة الشائعة التي تسيطر على العقليّة العامة في تلك الفترة، كما تواجه سير الأساطير والإسرائيليّات التي حشيت بها الكتب، في الوقت الذي وصلت فيه الفتنة بالعلم الحديث إلى ذروتها، وموجة الشك في مقولات الدّين إلى قمتها، فقامت هذه المدرسة تحاول أن تردّ إلى الدين اعتباره، على أساس أن كل ما جاء به موافق للعقل، ومن ثم تجتهد في تنقيته من الخرافات والأساطير، كما تحاول أن تنشئ عقليّة دينيّة تفقه السنن الكونيّة، وتدرك ثباتها واطرادها، وترد الحركات الإنسانيّة، كما ترد الحركات الكونيّة في الأجرام والأجسام!
والقرآن يردّ الناس إلى سنن الله الكونيّة، باعتبارها القاعدة الثابتة المنظمة لمفردات الحركات والظواهر المتناثرة!
ولكن مواجهة ضغط الخرافة من جهة، وضغط الفتنة بالعلم من جهة أخرى، تركت آثارها في تلك المدرسة من المبالغة في الاحتياط، والميل إلى جعل مألوف السنن الكونيّة هو القاعدة الكليّة لسنة الله، فشاع في هذا التفسير
[ ٢ / ٤٠٢ ]
الرغبة الواضحة في رد الكثير من الخوارق إلى مألوف سنة الله دون الخارق منها، وإلى تأويل بعضها بحيث يلائم ما يسمونه (المعقول) وإلى الحذر والاحتراس الشديد في تقبل الغيبيّات!
ومع إدراكنا وتقديرنا للعوامل البيئيّة الدافعة لمثل هذا الاتجاه، فإننا نلاحظ عنصر المبالغة فيه، وإغفال الجانب الآخر للتصور القرآني الكامل، وهو طلاقة مشيئة الله وقدرته من وراء السنن التي اختارها -سواء المألوف منها للبشر أو غير المألوف- هذه الطلاقة التي لا تجعل العقل البشري هو الحاكم الأخير، ولا تجعل معقول هذا العقل هو مرد كل أمر، بحيث يتحتم تأويل ما لا يوافقه-كما يتكرر هذا القول في تفسير أعلام هذه المدرسة!
هذا إلى جانب أن المألوف من سنة الله ليس هو كل سنة الله، إنما هو طرف يسير لا يفسر كل ما يقع من هذه السنن في الكون، وأن هذه كتلك دليل على عظمة القدرة ودقة التقدير!
وكل ذلك مع الاحتياط من الخرافة ونفي الأسطورة في اعتدال كامل، غير متأثر بإيحاء بيئة خاصة، ولا مواجهة عرف تفكيري شائع في عصر من العصور!
إن هنالك قاعدة مأمونة في مواجهة النصوص القرآنيّة، لعل هنا مكان تقديرها .. إنه لا يجوز لنا أن نواجه النصوص القرآنيّة بمقررات عقليّة سابقة، لا مقررات عامة، ولا مقررات في الموضوع الذي تعالجه النصوص .. بل ينبغي أن نواجه هذه النصوص لنتلقى منها مقرراتنا .. فمنها نتلقى مقرراتنا الإيمانيّة .. ومنها نكوّن قواعد منطقنا وتصوراتنا جميعًا، فإذا قررت لنا أمرًا فهو المقرر كما قررته!
[ ٢ / ٤٠٣ ]
ذلك أن ما نسميه (العقل) ونريد أن نحاكم إليه مقررات القرآن عن الأحداث الكونيّة والتاريخية والإنسانيّة والغيبيّة هو إفراز واقعنا البشري المحدود، وتجاربنا البشريّة المحدودة!
وهذا العقل وإن يكن في ذاته قوة مطلقة لا تتقيّد بمفردات التجارب والوقائع، بل تسمو عليها إلى المعنى المجرد وراء ذواتها، إلا أنه في النهاية محدود بحدود وجودنا البشري .. وهذا الوجود لا يمثل المطلق كما هو عند الله، والقرآن صادر عن هذا المطلق فهو الذي يحكمنا، ومقرراته هي التي نستقي منها مقرراتنا العقلية ذاتها، ومن ثم لا يصلح أن يقال: إن مدلول هذا البحر يصطدم مع العقل فلابد من تأويله -كما يرد كثيرًا في مقررات أصحاب هذه المدرسة- وليس معنى هذا هو الاستسلام للخرافة، ولكن معناه أن (العقل) ليس هو الحكم في مقررات القرآن، ومتى كانت المدلولات التعبيريّة مستقيمة واضحة فهي التي تقرر كيف تتلقاها عقولنا، وكيف تصوغ منها قواعد تصورها ومنطقها تجاه مدلولاتها، وتجاه الحقائق الكونية الأخرى!
فأما كيف جعل كيدهم في تضليل فقد بيّنه في صورة وصفية رائعة:
﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾!
ومعنى أبابيل كما قال مجاهد: شتّى متتابعة، ومعنى سجيل كما قال ابن عباس: طين وحجارة (١)، والعصف المأكول كما قال سعيد بن جبير: التبن الذي تسميه العامة هبّور، والمعنى كما قال ابن كثير: أن الله ﷾ أهلكهم ودمّرهم وردّهم بكيدهم وغيظهم لم ينالوا خيرًا، وأهلك عامتهم، ولم
_________________
(١) فتح الباري: ٨: ٦٠١.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
يرجع منهم مخبر إلا وهو جريح، كما جرى لمهلكهم أبرهة، فإنه انصدع صدره عن قلبه حين وصل إلى بلده صنعاء وأخبرهم بما جرى لهم ثم مات (١)!
إنها صورة حسيّة للتمزيق البدني بفعل هذه الأحجار التي رمتهم بها جماعات الطير .. ولا ضرورة لتأويلها بأنها تصوير لحال إهلاكهم بمرض الجدري أو الحصبة!
٥ - دروس وعبر:
وخامس ما يطالعنا: العبر المستفادة من التذكير به، وهي كثيرة:
وأول ما توحي به أن الله سبحانه لم يرد أن يكل حماية بيته إلى المشركين، ولو أنهم يعتزون بهذا البيت، ويحمونه ويحتمون به، فلما أراد أن يصونه ويحرسه ويعلن حمايته له، وغيرته عليه، ترك المشركين يُهزمون أمام القوة المعتدية، وتدخلت القدرة سافرة لتدفع عن بيت الله الحرام، حتى لا تكون للمشركين يد على بيته ولا سابقة في حمايته، بحميّتهم الجاهليّة، ولعل هذه الملابسة تُرجِّح ترجيحًا قويًّا أن الأمر جرى في إهلاك المعتدين مجرى السنة الخارقة -لا السنة المألوفة المعهودة- فهذا أنسب وأقرب!
ولقد كان من مقتضى هذا التدخل من القدرة الإلهيّة لحماية البيت الحرام أن تبادر قريشر ويبادر العرب، إلى الدخول في دين الله، حينما جاءهم به الرسول - ﷺ -، وألا يكون اعتزازهم بالبيت وسدانته وما صاغوا حوله من وثنيّة هو المانع لهم من الإسلام!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٤: ٥٥٢ بتصرف.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
وهذا التذكير بالحادث على هذا النحو هو طرف من الحملة عليهم، والتعجّب من موقفهم العنيد!
كذلك توحي دلالة الحادث بأن الله لم يقدّر لأهل الكتاب - أبرهة وجنوده - أن يحطّموا البيت الحرام أو يسيطروا على الأرض المقدّسة، حتى والشرك يدنّسه، والمشركون هم سدنته. ليبقى هذا البيت عتيقًا من سلطان المتسلّطين، مصونًا من كيد الكائدين، وليحفظ لهذه الأرض حريتها حتى تنبت فيها العقيدة الجديدة حرة طليقة، لا يهيمن عليها سلطان، ولا يطغى فيها طاغية، ولا يهيمن على هذا الدين الذي جاء ليهيمن على الأديان وعلى العباد، ويقود البشريّة ولا يُقاد، وكان هذا من تدبير الله لبيته ولدينه قبل أن يعلم أحد أن خاتم النبيّين - ﷺ - قد ولد في هذا العام!
ونحن نستبشر بإيحاء هذه الدلالة اليوم ونطمئن، إزاء ما نعلمه من أطماع فاجرة ماكرة ترف حول الأماكن المقدسة من الصليبيّة والصهيونيّة، ولا تني أو تهدأ في التمهيد الخفي اللئيم لهذه الأطماع الفاجرة الماكرة، فالله الذي حمى بيته من أهل الكتاب، وسدنَتُهُ مشركون، سيحفظه إن شاء الله، ويحفظ مدينة رسوله من كيد الكائدين ومكر الماكرين!
والإيحاء الثالث هو أن العرب لم يكن لهم دور في الأرض، بل لم يكن لهم كيان قبل الإسلام .. كانوا في اليمن تحت حكم الفرس أو الحبشة، وكانت دولتهم حين تقوم هناك أحيانًا تقوم تحت حماية الفرس .. وفي الشمال كانت الشام تحت حكم الروم، إما مباشرة وإما بقيام حكومة عربيّة تحت حماية الرومان!
ولم ينج إلا قلب الجزيرة من تحكم الأجانب فيه .. ولكنه ظل في حالة
[ ٢ / ٤٠٦ ]
بداوة، أو في حالة تفكك لا تجعل منه قوة حقيقية في ميدان القوى العالمية .. وكان يمكن أن تقوم الحروب بين القبائل أربعين سنة -كما أسلفنا- ولكن لم تكن هذه القبائل متفرقة ولا مجتمعة ذات وزن عند الدول القوية المجاورة، وما حدث في عام الفيل كان مقياسًا لحقيقة هذه القوة حين تتعرض لغزو أجنبي!
وتحت راية الإسلام، ولأول مرة في تاريخ العرب، أصبح لهم دور عالمي يؤدّونه، وأصبحت لهم قوّة دوليّة يحسب لها حساب .. قوة غالبة تكتسح الممالك، وتحطم العروش، وتتولى قيادة البشرية، بعد أن تزيح القيادات الجاهليّة المزيّفة الضالة!
وتحت راية الإسلام ولأول مرة في تاريخهم نسوا نعرة الجنس، وعصبيّة العنصر، وذكروا أنهم مسلمون .. ومسلمون فقط، ورفعوا راية الإسلام، وراية الإسلام وحدها، وحملوا عقيدة ضخمة قويّة يُهدونها إلى البشرية رحمة وبرًا بالبشريّة .. ولم يَحملوا قوميّة ولا عنصريّة ولا عصبيّة .. حملوا عقيدة يُعَلِّمون الناس بها، لا مذهبًا أرضيًا يخضعون الناس لسلطانه، وخرجوا من أرضهم جهادًا في سبيل الله وحده، ولم يخرجوا ليؤسّسوا إمبراطوريّة عربيّة ينعمون ويرتعون في ظلها، ويشمخون ويتكبرون تحت حمايتها، ويُخرجون الناس من حكم الروم والفرس إلى حكم العرب، وإلى حكم أنفسهم!
إنما قاموا ليُخرجوا الناس من عبادة العباد جميعًا إلى عبادة الله وحده!
عندئذ فقط كان للعرب وجود، وكانت لهم قوة، وكانت لهم قيادة .. ولكنها كانت كلها لله وفي سبيل الله، وقد ظلت لهم قوتهم، وظلت لهم
[ ٢ / ٤٠٧ ]
قيادتهم ما استقاموا على الطريقة، حتى إذا انحرفوا عنها وذكروا عنصريتهم وعصبيتهم، وتركوا راية الحق ليرفعوا راية العصبيّة نبذتهم الأرض وداستهم الأمم!
وما العرب بغير الإسلام؟!
ما الفكرة التي قدموها للبشريّة أو يملكون تقديمها، إذا هم تخلوا عن هذه العقيدة؟!
وما قيمة أمة لا تقدم للبشريّة هذه العقيدة؟!
إن كل أمة قادت البشريّة في فترة من فترات التاريخ كانت تمثل فكرة .. والأمم التي لم تكن تمثل فكرة كالتتار الذين اجتاحوا الشرق، والبرابرة الذين اجتاحوا الدولة الرومانيّة لم يستطيعوا الحياة طويلًا، إنما ذابوا في الأمم التي فتحوها، والفكرة الوحيدة التي تقدم بها العرب للبشريّة كانت هي العقيدة الإِسلاميّة .. العقيدة التي رفعتهم إلى مكان القيادة والريادة، فإذا تخلوا عنها لم تعد لهم في الأرض وظيفة، ولم يعد لهم في التاريخ دور، وهذا ما يجب أن يذكره العرب جيدًا، إذا هم أرادوا الحياة، وأرادوا القوة، وأرادوا القيادة والريادة، والله الهادي من الضلال!
٦ - مكانة العقل:
وسادس ما يطالعنا: أن (العقل) هو المرشد للإنسان (١)، يهديه إلى سواء الطريق، وينير له ظلمات الوجود، ويفتح له مغاليق الكون، ويسدده في مسيره ضاربًا في بيداء الزمن، حتى يقضي ما قدِّر له من بقاء!
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٢٩ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
وعلى قدر استعداده الفطري يكون كسبه من تجارب الحياة .. وعلى قدر ما يكسبه من تلك التجارب تكون فائدته .. وعلى قدر هذه الفائدة تكون مكانةُ الفرد في الجماعة ومكانته منها .. ومن ثم يتدخل (العقل) بوساطة الفرد في إرشاد الجماعة وهدايتها وتسديدها، والسمو بها صعدًا في مدارج الرقي والكمال!
وإذا كانت الحياة لم تعرف حدًا لرقيّ الفرد في الجماعة البشريّة تنتهي إليه، فلا يكون للجماعة نفسها هذا الحد، تقف عنده في رقيّها .. فالحياة متجددة، والمعارف الإنسانيّة متزايدة، و(العقل) البشري دائب العمل، وخزائن الكون لا تزال مغلقة، وأسراره ما برحت محجّبة، وحقائقه ما فتئت مجهولة!
وكيف يقف رقيّ الفرد أو الجماعة عند حد، ومهمّة (العقل) في الحياة هي كشف تلك الأسرار الكونيّة، ومعرفة حقائق الوجود واستخدامها في إفادة الإنسانيّة؟!
ومن الغرور العقلي أن يزعم إنسان أنه وصل إلى درجة من المعارف والعلم بحقائق الكون وأسرار الوجود، تقربه من الكمال المقدور للبشريّة، فالمجهول من تلك الأسرار، وهذه الحقائق، لا يزال أعظم بكثير جدًا مما عُرف، والذي عُرف لا يزال الكثير منه مستخدمًا في الحياة على غير جهته التي تفيد منها الحياة، فالجهاد أمام (العقل) واسع المدى، فسيح الجنبات!
بيد أن هذه المعارف العقليّة التي لا تنتهي عند حد في الأفراد والجماعات، هي في الواقع المشهود محدودة المنزع، لا تتعدى مشاهد الوجود ومظاهر الكون!
[ ٢ / ٤٠٩ ]
٧ - دور الرسالات في قيادة العقل:
وسابع ما يطالعنا: دور الرسالات الإلهية في قيادة (العقل) إلى مجاهد الطبيعة ومطبوعها ومداخل الوجود، وبواطن الحياة .. بل إلى ما وراء الطبيعة وإلى ما فوقها .. إلى الخالق جل شأنه، وإلى عظيم قدرته، وباسط سلطانه، وبالغ حكمته، وواسع علمه، وهيمنة إرادته .. وإلى الكون وما فيه من أسرار وآيات ودلائل، تدل بما اشتملت عليه من نظام متماسك، وقوى مترابطة، وسن متوافقة، ومنافع متتابعة، على فضل الله ورحمته، ولطفه وإحسانه، وجوده وقهره، وكبريائه ولطائف تدبيره!
وهذا مجال تنبيه وإرشاد، تتجه فيه الرسالات الإلهيّة إلى مخاطبة (العقل)، لتوجيهه إلى تعرّف جلال الكون، وعظمة الوجود، وخطر الحياة، ليقف منها على وشائج التكوين والإبداع التي تصل الخلوق بالخالق، وتربط بي أجزاء الوجود، وتكشف عما طوي فيها من منافع واستجابات لرغبات الإنسان المادية والروحية!
وكلما اتسعت معارف (العقل) عن حقائق الكون ازدادت استجابات الحياة له، وقوي سلطانه في تسخير قوى الطبيعة فيما يفيد النوع الإنساني، ويرقّي عناصره، ويدعم قواه، ويهيئ أمامه الفُرص للتغلب على احتمال أعباء الحياة في ثقة واطمئنان!
وليس (العقل) بمعصوم من الزلل والخطأ، بل ربما كان من الحق أن يقال إنه كثير الخطأ والزلل، ولا سيما إذا ضعف أمام الغرائز والقوى الحيوانيّة، واستجاب لدواعيها، وخضع لسلطانها، فإنه حينئذ يصبح أداة طيّعة لهوى
[ ٢ / ٤١٠ ]
تلك الغرائز، وعبدًا لشهواتها، تتحكّم فيه، وتوجّهه في طريق أغراضها، وتصبح معارفه وسيلة من وسائلها في تلوين الحياة، كما تشتهي وتريد!
٨ - سطوة الغرائز:
وثامن ما يطالعنا: أن تاريخ الحياة والأحياء يدل على أن سلطان الغريزة كان أقوى في الأفراد والجماعات من سلطان (العقل)، كما يدل على أن الحياة أسرع استجابة لنداء الغريزة من منطق (العقل)، وأساس قيادة في يد الغرائز منها في يد (العقل)، والغرائز في الإنسان شبيه بعضها ببعض في مطالبها وغاياتها، ولكنها تختلف في الأفراد قوةً وضعفًا، وظهورًا وكمونًا، وليس (العقل) الإنساني على هذا الغرار في أفراد الإنسان، فهو مختلف فيهم أشد الاختلاف، وقلما يتفق (عقل) و(عقل)، فاتفاق الغرائز في الغايات يكسبها قوة في مطالبها وتنفيذ أغراضها، واختلاف (العقول) يوهن من سلطان (العقل) على الغرائز، والغرائز منافذ للقوى الماديّة تتنفس منها، ومن ثم نراها تشتطّ في تنفيذ رغائب الجسد، وتحاول أن توجّه قوى الحياة -حتى العليا منها- إلى مقاصد ماديّة، لا وزن عندها للقيم الخلقيّة من العدل والرحمة والإيثار، إلا إذا كانت وسيلة لنفع مادي، وقضاء شهوة جسديّة، فالظلم والقسوة والأثرة في لغة الغرائز ومنطق المادة الصماء تساوي العدل والرحمة والإيثار في كثير من الأحايين والأوقات!
والغرائز إذا انطلقت على سجاياها، وتغلّبت على (العقل)، كيّفت أعمال الأفراد والجماعات، على حساب ميولها وهواها، وخلعت على تصرفات الأشخاص والأشياء نعوتًا من لغتها، حتى تصبح القوة الغاشمة هي
[ ٢ / ٤١١ ]
الميزان الأعلى في شرعة الحياة، ولا فرق بين أن يكون هذا الميزان منصوبًا على حشائش الأحراش والأدغال وعلى أبواب الكهوف والغيران، أو موضوعًا على بساط من سندس الحضارة الزائفة الملوثة بدماء الضعفاء، وهذا هو المنبع الذي نبعت منه المذاهب الماديّة الملحدة منذ قامت الحياة!
وهنا يأتي دورآخر للرسالات الإلهيّة، هو دور إيقاظ (العقل) من ظهور سطوة الغرائز، وإفساح المجال أمامه لتنظيم رغائبها، في صورة تخضعها لموازين الأخلاق، وإعطاء الفضائل قيمتها في الحياة، ووضع الرذائل في مواضعها منها، حتى تقاس كل فضيلة أو رذيلة في أعمال الأفراد والجماعات بمقياسها العادل الذي لا يعرف الغش والخداع!
٩ - الدور الأول للرسالات:
وتاسع ما يطالعنا: أن الدور الأول للرسالات الإلهيّة دور قيادة وتعليم، ومجالها في هذا الدور هو الحقائق الكليّة، والمعارف العليا، فهي التي تنبئ عن الغيب، وتكشف عن حقائق كليّة في صور واقعيّة، وأمثال تقربها إلى الواقع المشهود، حتى تكون دانية إلى مجال (العقل) ومدركاته، وهي التي تتحدّث عن الخالق ونعوت كماله، وعن فيض الحياة من خزائن رحمته، وعن عوالم السماء والأرواح، وعن الوحي والنبوة، وعن نظام الكون وقوانين ترابطه، وعن الحياة الأخرى وما فيها من ثواب وعقاب!
ولا سبيل لـ (العقل) وحده إلى إدراك هذه الحقائق إدراكًا يتجاوب صداه مع الواقع الغيبي في هذا المجال؛ لأن الغيب محجوب عن الحس، والحس بأدواته المادية هو المشكاة التي يستضيء بمصباحها (العقل)، فيهتدي إلى
[ ٢ / ٤١٢ ]
أوليّات من الحقائق، يحمل عليها مثيلاتها بضرب من القياس والتشبيه، ومن هذه الحقائق تتولد القضايا العقلية المنتزعة من الوجود المشهود انتزاعًا مباشرًا أو غير مباشر!
و(العقل) الإنساني في هذا الدور العجيب يجب أن يكون خاضعًا للرسالات الإلهيّة، آخذًا عنها، فهي التي تمده وترشده وتهديه، فإذا استجاب لها أمن العشار والزلل، وإذا تأبّى عليها وقع في أغلال الغرائز، وانقلب عمله إلى استجابات ماديّة تصب المعارف العليا في قوالب وثنيّة تعتمد على التشبيه والتصوير .. وتاريخُ الفلسفات والأديان مليء بالشواهد الصادقة على ذلك!
١٠ - الدور الثاني للرسالات:
وعاشر ما يطالعنا: أن الدور الثاني للرسالات دور مؤاخاة (العقل) ومظاهرته، حتى يتغلّب على جموح الغرائز ويكفكف من حدّتها، ويطامِنَ مِنْ غرورها، ويقلل من اندفاعها، ويوجّهها وجهة صالحة، دون كبت يميتها أو انطلاق يفسدها!
ومجال هذا الدور هو الحياة الواقعيّة التي يحياها الأفراد والجماعات، وتحديد علاقة الفرد بالفرد، وعلاقة الجماعة بالجماعة، بل علاقة الفرد والجماعة بالحياة والأحياء، وتنظيم هذه العلاقات على أسس من العدل، تعطي كل ذي حق حقه، وتشيع بين الأحياء الثقة والاطمئنان والتعاطف، والتواسي والمحبّة والإخاء!
و(العقل) الإنساني في هذا الدور يجب أن يكون هو المسيطر على الغرائز
[ ٢ / ٤١٣ ]
يقودها بحكمته، ويوجهها بسياسته، والرسالات الإلهيّة هي المرشد العليم، والمستشار الأمين، والناصح الحكيم، وعلى ضوء إرشادها ونصحها ومشورتها يسير (العقل) في طريقه مؤديًا واجبه على أكمل وجه في الحياة!
ولقد مرت الإنسانيّة بأطوار متعددة، اختلفت عليها في تلك الأطوار الرسالات الإلهيّة، فكانت فيها معالم للتاريخ على تلك الأطوار، وكانت كل رسالة بداية لطور ونهاية لآِخر .. وقد احتفظت تلك الرسالات بخصائص ومميّزات، هي في الواقع -خصائص ومميزات الأطوار التي سايرتها، ومن تلك الخصائص يُعرف نصيب (العقل) في تلك الأطوار، فهو مولود مع الإنسانيّة، وخاضع لما تخضع له من حكم التدرج في طريق الاكتمال!
وكما مرّت الإنسانيّة في مرحلة الطفوليّة الغريزيّة بالغرائز المنطلقة، مرّ معها (العقل) الإنساني في هذه المرحلة، منطلقًا مع الغرائز، يفتح لها أبواب المادية المجنونة الجائعة، وجاءت الرسالات الإلهيّة في هذا الطور تومئ إلى الحقائق العليا ولا تُفصح، وتَرمز ولا تُصرِّح، تمشيًا مع طاقة الإنسانيّة الساذجة وحالة الطفولة التي يمر (العقل) بها في مرحلتها في هذا الطور من أطوار التاريخ البشري!
واستعراض الصور الجدليّة التي يقصها التاريخ، وتحدثنا بها كتب الرسالات الإلهيّة عن أوائل الأنبياء والرسل ومتقدميهم في الزمن، كنوح، وإبراهيم، وهود، وصالح، وشعيب مع أممهم، قد لنا على أن (العقل) البشري وقتئذ كان مدثّرًا في مهاد الطفولية، محاطًا بالغرائز تهدهده، حتى يظل نائمًا لصيقًا بالأرض محجوبًا عن السماء!
[ ٢ / ٤١٤ ]
وقد يكون هذا هو السبب فيما يقع من الوهم في صلاحية (العقل) وحده لإدراك الحقائق العليا إدراكًا مباشرًا، دون اعتماد على الحس، ولعل هذا الوهم يستند إلى تاريخ الفلسفات القديمة التي أطلقت لـ (العقل) أعنة السبح فيما وراء الطبيعة: في الخالق ونعوته، وفي عوالم الأرواح والملائكة والأفلاك والسموات، وفي الحياة وطريقة صدورها عن الخالق. ولاشك أن هذه حقائق عليا، لا سبيل لتدخل الحس فيها، بل استقل (العقل) في خوض بحارها، فغرق في أعماقها، ثم طفا وفي يديه قضايا ومعارف آمن بها، وأقام عليها صرح أعرق فلسفاته القديمة، وهي الفلسفة الإغريقية التي فُتن بها كثيرون، وها هو ذا العلم التجريبي وفلسفات (العقل) المتوسب وقد زعزعا أركان تلك الفلسفات القديمة!
والرسل الكرام -عليهم صلوات الله وتسليماته- يضيقون ذرعًا بهذه البلادة العقليّة، وذلك التعبّد الذليل للغرائز العمياء التي تستلهم المادة، وتستهدي بها في أغراضها، وتستوحي الأرض في تحقيق مطالبها، وتتصامّ عن سماع صوت السماء، حتى إذا استيأس الرسل، وظنوا أن منافذ الأمل قد سدّت، وأبواب الرجاء في تخليص (العقل) من سلطان الغرائز وسيطرتها قد أُوصدت، لم يبق لهم إلا التطلُّع إلى طور إنساني جديد، يتجدد به ميلاد الإنسانيّة بـ (عقل) يشبّ عن الطوق، وتتهيّأ له وسائل التغلب للتفلّت من أغلال الغرائز، مستعدًا لفهم لغة فوق لغة الحس، تتحدث عن عوالم الغيب وموازين الأخلاق!
ولقد كان لـ (العقل) الإنساني ومضات في هذا الطور من أطوار الحياة، إذا نبَّهته الرسالات الإلهيّة تنبّه، وأشرقت آفاقه بنور الحق في سرعة خاطفة .. أما
[ ٢ / ٤١٥ ]
إذا غلبَت عليه كثافة الغرائز المتحكّمة فإنه سرعان ما ينكص على عقبيه، وعاد كأنه لم يبصر من الحق والهُدى شيئًا!
وفي ذلك يقول القرآن الكريم في سورة الأنبياء في قصة إبراهيم رسول الله وخليله -﵊-: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾ [الأنبياء]!
وهذا تصوير بارع لمغالبة الطبيعة الماديّة القائمة في جبلة هؤلاء الوثنين الملحدين لي (العقل) الحبيس في أتون الغرائز، مع قارعات الحجج الإلهية، وداويات النذر، فلم يبق إلا الأسف الحزين على إهدار كرامة (العقل) الذي بدأ يشب على رقدة المهد: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [الأنبياء]!
[ ٢ / ٤١٦ ]
لقد سمى إبراهيم الأحجار باسمها ﴿هَذِهِ التَّمَاثِيلُ﴾ (١)، واستنكر أن يعكفوا عليها بالعبادة، وكلمة ﴿عَاكِفُونَ﴾ تفيد الانكباب المستمر .. وهذا يفيد تعلقهم بها .. وجاء الجواب ليدل على التحجر العقلي والنفسي داخل قوالب التقليد الميتة، في مقابل حريّة الإيمان، وانطلاقه للنظر والتدبر، وتقويم الأشياء والأوضاع بقيمها الحقيقيّة لا التقليديّة، والوراثات المتحجرة التي لا يقوم عليها دليل!
﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤)﴾!
وما كانت عبادة الآباء لتكسب هذه التماثيل قيمة ليست لها، ولا لتخلع عليها قداسة لا تستحقها .. فالقيم لا تنبع من تقليد الآباء وتقديسهم؛ إنما تنبع من التقويم المتحرر الطليق!
وعندما واجههم إبراهيم - ﵇ - بهذه الطلاقة في التقدير، وبهذه الصراحة في الحكم، راحوا يسألون:
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥)﴾؟!
وهو سؤال المزعزع العقيدة، الذي لايطمئن إلى ما هو عليه؛ لأنه لم يتدبّره ولم يتحقّق منه، ولكنه كذلك معطّل الفكر والروح بتأثير الوهم والتقليد، فهو لا يدري أيّ الأقوال حق، والعبادة تقوم على اليقين لا على الوهم المزعزع الذي لا يستند إلى دليل!
وهذا هو التّيه الذي يخبط فيه من لا يدينون بعقيدة التوحيد الناصعة الواضحة المستقيم في (العقل والضمير)!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٤: ٢٣٨٥ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٤١٧ ]
فأما إبراهيم - ﵇ - فهو مستيقن واثق عارف بربّه، متمثل له في خاطره وفكره، يقولها كلمة المؤمن المطمئن لإيمانه:
﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦)﴾!
فهو ربّ واحد، ربّ الناس وربّ السموات والأرض .. ربوبيّته ناشئة عن كونه الخالق، فهما صفتان لا تنفكان .. وهذه هي العقيدة المستقيمة الناصعة، لا كما يعتقد المشركون أن الآلهة أرباب، في الوقت الذي يقرون أنها لا تخلق، وأن الخالق هو الله .. ثم هم يعبدون تلك الآلهة التي لا تخلق شيئًا وهم يعلمون!
وإبراهيم ﵇ لم يشهد خلق السموات والأرض، ولم يشهد خلق نفسه ولا قومه .. ولكن الأمر من الوضوح والثبوت إلى حدّ أن يشهد المؤمنون عليه واثقين .. إن كل ما في الكون لينطق بوحدة الخالق المدبّر .. وإن كل ما في كيان الإنسان ليهتف به إلى الإقرار بوحدانية الخالق المدبّر، وبوحدة الناموس الذي يدبّر الكون ويصرّفه!
ثم يعلن إبراهيم ﵇ لمن كان يواجههم من قومه بهذا الحوار، أنه قد اعتزم في شأن آلهتهم أمرًا لا رجعة فيه:
﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾!
ويترك ما اعتزمه من الكيد للأصنام مبهمًا لا يفصح عنه .. ولا يذكر السياق كيف ردوا عليه. ولعلهم كانوا مطمئنين إلى أنه لن يستطيع لآلهتهم كيدًا فتركوه!
﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)﴾!
[ ٢ / ٤١٨ ]
وتحولت الآلهة المعبودة إلى قطع صغيرة من الحجارة والأخشاب المهشّمة .. إلا كبير الأصنام فقد تركه لعلهم يرجعون إليه فيسألونه كيف وقعت الواقعة وهو حاضر فلم يدفع عن صغار الآلهة؟!
ولعلهم حينئذ يراجعون القضيّة كلها، فيرجعون إلى صوابهم، ويدركون منه ما في عبادة هذه الأصنام من سخف وتهافت!
وعاد القوم ليروا آلهتهم جذاذًا إلا ذلك الكبير، ولكنهم لم يرجعوا إليه يسألونه، ولا إلى أنفسهم يسألونها: إن كانت هذه آلهة فكيف وقع لها ما وقع، دون أن تدفع عن أنفسها شيئًا، وهذا كبيرها كيف لم يدفع عنها؟!
لم يسألوا أنفسهم هذا السؤال؛ لأن الخرافة قد غطّت عقولهم عن التفكير، ولأن التقليد قد غل أفكارهم عن التأمّل والتدبّر .. فإذا هم يدعون هذا السؤال الطبيعي لينقموا على من حطّم آلهتهم، وصنع بها هذا الصنيع:
﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢)﴾!
فهم ما يزالون يصرّون على أنها آلهة، وهي هكذا مهشمة! فأما إبراهيم - ﵇ - فهو يتهكم بهم، ويسخر منهم، وهو فرد وحده وهم كثير .. ذلك أنه ينظر بعقله المفتوح وقلبه الواصل، فلا يملك إلا أن يهزأ بهم ويسخر، وأن يجيبهم إجابة تناسب هذا المستوى العقلي الدون:
﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾!
[ ٢ / ٤١٩ ]
والتهكم واضح في هذا الجواب الساخر!
إن هذه التماثيل لا تدري من حطمها، فهي جماد لا إدراك له أصلًا، وأنتم كذلك مثلها مسلوبو الإدراك لا تميزون بين الجائز والمستحيل!
ويبدو أن هذا التهكم الساخر قد هزّهم هزًّا، وردّهم إلى شيء من التدبّر والتفكّر: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤)﴾!
وكانت بادرة خير أن يستشعروا ما في موقفهم من سخف، وما في عبادتهم لهذه التماثيل من ظلم، وأن تتفتح بصيرتهم لأول مرة، فيتدبّروا ذلك السخف الذي يأخذون به أنفسهم، وذلك الظلم الذي هم فيه سادرون!
ولكنها لم تكن إلا ومضة واحدة أعقبها الظلام، وإلا خفقة واحدة عادت بعدها قلوبهم إلى الخمود: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾!
وحقًا، لقد كانت الأولى رجعة إلى النفوس، وكانت الثانية نكسة على الرؤوس، كما يقول التعبير القرآني المصور العجيب!
كانت الأولى حركة في النفس للنّظر والتدبّر!
أما الثانية فكانت انقلابًا على الرأس فلا عقل ولا تفكير، وإلا فإن قولهم هذا الأخير هو الحجة عليهم، وأية حجة لإبراهيم أقوى من أن هؤلاء لا ينطقون؟!
ومن ثم يجبههم بعنف وضيق على غير عادته، وهو الصبور الحليم؛ لأن السخف هنا يجاوز صبر الحليم:
﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾!
[ ٢ / ٤٢٠ ]
وهي قولة يظهر فيها ضيق الصدر، وغيظ النفس، والعجب من السخف الذي يتجاوز كل مألوف!
عندئذ أخذتهم العزة بالإثم، كما تأخذ الطغاة البغاة العتاة دائمًا، حين يفقدون الحجة، ويعوزهم الدليل، فيلجؤون إلى القوة الغاشمة، والعذاب الغليظ:
﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾ [الأنبياء]!
فيا لها من آلهة ينصرها عبّادها، وهي لا تملك لأنفسها نفعًا ولا ضرًا، ولا تحاول لها ولا لعبّادها نصرًا!
قالوا: ﴿حَرِّقُوهُ﴾ ولكن كلمة أخرى قد قيلت .. فأبطلت كل قول، وأحبطت كل قيد .. ذلك أنها الكلمة العليا التي لا ترد:
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء]!
فكانت بردًا وسلامًا على إبراهيم - ﵇ -!
كيف؟!
ولماذا نسأل عن هذه وحدها، و﴿كُونِي﴾ هذه الكلمة التي تكوّن بها أكوان، وتنشأ بها عوالم، وتخلق بها نواميس:
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس]!
يكون هذا الشئ سماءً أو أرضًا .. يكون نارًا أو غيرها (١) .. هذا وذاك سواء أمام الكلمة .. كن .. فيكون!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٥: ٢٩٧٨.
[ ٢ / ٤٢١ ]
ليس هناك صعب ولا سهل .. وليس هناك قريب ولا بعيد .. فتوجه الإرادة لخلق الشيء كاف وحده لوجوده، كائنًا ما يكون .. إنما يقرّب الله للبشر الأمور ليدركوها بمقياسهم البشري المحدود!
فلا نسأل: كيف لم تحرق النار إبراهيم -﵇-!، والمشهود المعروف أن النار تحرق الأجسام الحيّة؟ فالذي قال للنار: كوني حارقة، هو الذي قال لها: كوني بردًا وسلامًا .. كوني (مكيّفًا) بلغة العصر .. لأنها لو كانت بردًا دون أن تكون سلامًا لكان لها شأن آخر يؤذي ولا ينفع، وربما كانت قاتلة .. وهي الكلمة الواحدة التي تنشئ مدلولها عند قولها، كيفما كان هذا المدلول، مألوفًا للبشر أو غير مألوف!
إن الذين يقيسون أعمال الحق إلى أعمال البشر هم الذين يسألون:
كيف كان هذا؟
وكيف أمكن أن يكون؟
فأما الذين يدركون اختلاف الطبيعتين، واختلاف الأداتين، فإنهم لا يسألون أصلًا، ولا يحاولون أن يخلقوا تعليلًا .. علميًّا أو غير علمي، فالمسألة ليست في هذا الميدان أصلًا، ليست في ميدان التعليل والتحليل بموازين ومقاييس البشر، وكل منهج في تصوّر مثل هذه المعجزات غير منهج الإحالة إلى القدرة المطلقة هو منهج فاسد من أساسه؛ لأن أعمال الحق غير خاضعة لمقاييس البشر وعلمهم القليل المحدود!
إن علينا فقط أن نؤمن بأن هذا قد كان؛ لأن صانعه يملك أن يكون، أما كيف صنع بالنار فإذا هي برد وسلام؟ وكيف صنع بإبراهيم فلا تحرقه النار؟
[ ٢ / ٤٢٢ ]
فذلك ما سكت عنه النص القرآني؛ لأنه لا سبيل إلى إدراكه بعقل البشر المحدود. وليس لنا سوى النص القرآني من دليل، فتلك معجزة!
١١ - المعجزة الكبرى:
وآخر ما يطالعنا: أن (العقل) وقف وحده في مكانه من الحياة، يتطلّع مشدوهًا في رجاء وأمل إلى السماء يستهديها الرشد، ويسترشدها الهداية، ويسألها في ضراعة أن تمدّه بمددها في رسالة إلهيّة كاملة شاملة، توائم نضجه ورشده، تعرف الحق والعدل، وتتخذهما أساسًا لبناء حياة الإخاء الإنساني، وتعرف قبل هذا وذاك فطريّة العقيدة التي تعتمد في معرفة خالق السموات والأرض على دراسة الكون في غير غموض ولا تلبيس، ولا تغمض عين (العقل) على قذى فلسفات جوفاء، ولا تقبل عليه وصاية من خارج تفكيره، بل تمنحه حريّة الانطلاق الكامل في كل ما تملك قوته العمل في مجاله، وتحجزه حفاظًا عليه من متاهات الاسترسال فيما لا يستطيع ولا يطيق من عوالم الغيب التي لا تخضع لسنن البحث والتفكير بعيدًا عن الوحي، وإن كان الإيمان المطلق بهذا يعتمد على مقدّمات تخضع للبحث الذي يجعل من نتائجها قضايا يطمئن (العقل) إلى الإيمان بها، كإيمانه بأي قضية بحث من قضاياه!
ومن هنا كان القرآن الكريم تبيانًا لكل شيء، وهو المعجزة الكبرى لخاتم النبيّين - ﷺ -، وقد أبان فيه مكانة العلم والمعرفة، وجعل لـ (العقل) قيادهما، ومن هنا كان العلم بأوسع معانيه هو المعجزة الخالدة لهذه الرسالة الخاتمة!
[ ٢ / ٤٢٣ ]
وفي هذا يقول الرسول - ﷺ - فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة - ﵁ -: "ما من الأنبياء نبي إِلا أُعطيَ من الآيات ما مِثْلُهُ آمن عليه البشر، وإِنما كان الذي أُوتيته وحيًا أوحاه الله إِليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" (١)!
* * *
_________________
(١) البخاري: ٩٦ - فضائل القرآن (٤٩٨١)، وانظر (٧٢٧٤)، ومسلم (٢٣٩)، وأحمد: ٢: ٣٤١، ٤٥١، والبيهقي: ٩: ٤، والبغوي (٣٦٥١)، والنسائي: الكبرى (٧٩٧٧)، وأبو نعيم: الحلية: ١٠: ٢٣٣.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
من الميلاد إلى البعث
[ ٢ / ٤٢٥ ]
من الميلاد إلى البعث
١ - النسب الشريف
٢ - التربية الإلهيّة
٣ - المسؤوليّة والإيجابيّة
٤ - التكامل المحمّدي
٥ - الرسول - ﷺ - في غار حراء
[ ٢ / ٤٢٦ ]
من الميلاد إلى البعث
تمهيد:
الحديث عن حياة الرسول - ﷺ - من الميلاد إلى البعث متنوع المعالم، غزير العوالم، واسع الآفاق .. وحسبنا أن نبصر معالمه فيما يلي:
١ - النسب الشريف:
أول ما يطالعنا: النسب الشريف، وطيب الأصل المنيف، فرسول الله - ﷺ - خير أهل الأرض نسبًا على الإطلاق، ولنسبه من الشرف أعلى ذروة، وأعداؤه -كما أسلفنا- كانوا يشهدون له بذلك!
وهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مُدْرِكة بن إِلياس بن مضر بن نزار بن معد ابن عدنان! وينتهي نسب عدنان إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵉!
إلى هنا معلوم الصحة، متّفق عليه بين النسّابين، ولا خلاف فيه البتّة، وما فوق عدنان مختلف فيه، ولا خلاف بينهم أن عدنان من ولد إسماعيل - ﵇ - وإسماعيل: هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم (١)!
_________________
(١) زاد المعاد: ١: ٧١، وعيون الأثر: ١: ٢١ وما بعدها، والسيرة النبويّة: ابن كثير: ١: ١٨٣ وما بعدها، والطبقات الكبرى: ابن سعد: ١: ٥٥ وما بعدها، والسيرة النبويّة: الندوي: ١١٢، والسيرة النبويّة: ابن هشام: ١: ٣٣ وما بعدها، وشرح المواهب اللدنية: ١: ٧١ وما بعدها.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
وأمه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤي بن غالب بن فهو بن مالك بن النضر!
وأمها: برّة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهو بن مالك بن النضر!
وأم برّة: أم حبيب بنت عبد الأسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهو بن مالك بن النضر!
وأم أم حبيب: برّة بنت عوف بن عبيد بن عُويج بن عدي بن كعب بن لؤي ابن غالب بن فهو بن مالك بن النضر!
قال ابن هشام: فرسول الله - ﷺ - أشرف ولد آدم حسبًا، وأفضلهم نسبًا، مِنْ قِبَل أبيه وأمه - ﷺ - (١)!
ومع هذا فهناك مستغربون بهرهم ما عند أعداء الإسلام من مناهج الفكر المنحرف، ووقعوا في الطعن في النسب الشريف!
تعريض الدكتور طه حسين:
ومعلوم أن الدكتور طه حسين قد ساير ركب المستشرقين -كما أسلفنا- وذكر أن علينا أن نسير سيرة الأوربيّين، ونسلك طريقهم .. وقال في مجال فصل الدّين عن الدولة والسياسة (٢):
_________________
(١) الروض الأنف: ١: ١٣٣.
(٢) انظر: (مستقل الثقافة): ١٥، ٤٥، ٤٩، ٥٠ دار المعارف ١٩٥٤ م، وكتابنا: (السنة بين أنصارها وخصومها): ٢: ٧٥١ وما بعدها، ففيه تكذيبه القرآن، وتعريضه بالقراءات وبالرواية في صدر الإسلام، وإنكاره بعض الأحاديث الصحيحة .. وطعونه في الصحابة ﵃!
[ ٢ / ٤٢٨ ]
(من المحقق أن تطوير الحياة الإنسانيّة قد قضى منذ عهد بعيد بأن وحدة الدّين، ووحدة اللغة، لا تصلحان أساسًا للوحدة السياسيّة، ولا قوامًا لتكوين الدول)!
وقد ضمّن كتابه (في الشعر الجاهلي) ما يثبت تلك المسايرة لركب المستشرقين، وردّ عليه الكثيرون!
وكتابه (على هامش السيرة) مثل واضح على ذلك (١) .. وحسبنا أن نذكر تعريضه بنسب النبي، حتى لا يطول بنا الحديث!، قال:
(ونوع آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليّين، وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه في قريش؛ فلأمر ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة بني هاشم، وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصي، وأن تكون قصي صفوة قريش، وقريش صفوة مضر، ومضر صفوة عدنان، وعدنان صفوة العرب، والعرب صفوة الإنسانيّة كلها، وأخذ القصاص يجتهدون في تثبيت هذا النوع من التصفية والتنقية، ما يتصل منه بأسرة النبي خاصة، فيضيفون إلى عبد الله، وعبد المطلب، وهاشم، وعبد مناف، وقصي، من الأخبار ما يرفع شأنهم، ويعلي مكانتهم). (٢)
وفي هذا تعريض بنسب النبي - ﷺ -، وتحقير من قدره، وتعبير خال من كل احترام!
_________________
(١) انظر: (إسلاميّات طه حسين): (على هامش السيرة): ١٧٣ - ٥٦٣ دار العلم للملايين، بيروت، و(محاكمة طه حسين): ٦٠ نقلًا عن كتاب (في الشعر الجاهلي) ٧٢!
(٢) (في الشعر الجاهلي): ٧٢ - ٧٣ دار الكتب المصرية، ط. أولى ١٣٤٤ هـ - ١٩٢٦ م.
[ ٢ / ٤٢٩ ]
وفي نص قرار الاتهام ضد طه حسين سنة ١٩٢٧ م حول ما جاء في كتابه: (في الشعر الجاهلي) الذي نقلنا منه هذا النص، والذي رد عليه الكثيرون بالمقالات والكتب والمحاضرات في حين صدوره، نذكر منهم:
(محاضرات): (للشيخ محمد الخضري)!
وكتاب: (الشهاب الراصد): (للأستاذ محمد لطفي جمعة)!
وكتاب: (نقد كتاب في الشعر الجاهلي): (للشيخ الإمام شيخ الجامع الأزهر محمد الخضر حسين)!
ثم انتقلت القضيّة إلى النيابة العامة .. وجاء في قول رئيس النيابة في ٣٠ مارس سنة ١٩٢٧ م:
(إنه تكلم فيما يختص بأسرة النبي - ﷺ - ونسبه في قريش بعبارة خالية من كل احترام، بل وبشكل تهكمي غير لائق) (١)!
تعريض المستشرقين:
ولقد نظر المستشرقون إلى شجرة نسب النبي - ﷺ - (٢)، القريب منها والبعيد، على أنها مأثورات دينيّة إسلاميّة، قد صُنعت بعد الإسلام، ومن الغريب ألا يخطر ببالهم حين أثاروا هذه الشبهات، أو أرادوا أن يثيروها أن العرب لو عرفوا مغمزًا في نسب النبي لوجّهوه إليه، ولذكره القرآن في معرض الرد، كما ذكر
_________________
(١) (محاكمة طه حسين): ٦١ - ٦٢ تحقيق وتعليق خيري شلبي، المؤسسة العامة للدراسات والنشر، بيروت ١٩٧٢ م.
(٢) سيرة الرسول - ﷺ -: صور مقتبسة من القرآن الكريم: ١: ٩ بتصرف، وانظر: البحث الطويل في الجزء الأول من كتاب كايتاني -ترجمة تركية- في نسب النبي - ﷺ -.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
التهم والمغامز التي وجهوها إليه، ومن الغريب كذلك ألا يخطر ببالهم، أن ينعموا النظر، أو لعلهم عجزوا عن إنعام النظر، في الآيات القرآنية، والأحاديث النبويّة، ليكفُوا أنفسهم مؤونة هذه الحيرة أو هذا التشكيك، والتحويم الذي يحلو لهم حول كثير مما ورد في شأن النبي - ﷺ -!
أسرة الرسول - ﷺ -:
وهذا يدعونا إلى أن نبصر النبعة التي انشقت عنه - ﷺ - (١)، ونعرف ماذا كان لها في شخصيته من أثر وراثي، أو أثر اجتماعي!
عبد مناف وزهرة:
وننظر إلى الفرعين الفارعين، والغصنين الزاكيين: (عبد مناف)، و(زهرة) اللذين انفرجا عن محمد - ﷺ -؛ لأن عبد مناف غصن من الدوحة القرشيّة، زكا وأينع، فأثمر لسيدها عبد المطلب ابنه (عبد الله) وزهرة غصنها الذي زها ونما، فأثمر لوهب سيدها ابنته (آمنة)!
وهاتان الثمرتان ضمّهما القدر المغلّف بأسرار الغيب على وساد من الحب الشفيف، واللقاء الشريف، في سنة فطرية للزواج بين كرام العرب معروفة، وشرعة إلهيّة -منذ كان الناس- مقدورة، فكان منهما محمد رسول الرحمة للعالمين!
وكان فرع عبد مناف أمجد أغصان دوحة قصي، وأعلاهم كعبًا في السيادة والشرف، وقد شرف في زمان أبيه (٢)، وذهب كل مذهب، وقد اجتمعت
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٥٤ وما بعدها بتصرف.
(٢) انظر: تاريخ الطبري: ١: ٥٠٥.
[ ٢ / ٤٣١ ]
قريش على عبد مناف، وصيّرته أمجاده دوحة في نساب المكارم، فكان أصلًا انتهى إليه محور القربى في تحديدها الإسلامي (١)، وعليه كان قول النبي - ﷺ - في بيان القرابة في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾!
فقد روى مسلم عن قبيصة بن المخارق، وزهير بن عمرو، قالا: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾!
قال: انطلق نبيّ الله إِلى رَضْمَةٍ (٢) من جبل، فعلا أعلاها حجرًا. ثم نادى: "يا بني عبد منافاه! إِني نذير. إِنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ (٣) أهله. فخشي أن يسبقوه. فجعل يهتف: يا صباحاه" (٤)!
وروى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله - ﷺ - حين أنزل الله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾!
قال: "يا معشر قريش! -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا بني عبد مناف! لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئًا. ويا صفية عمة رسول الله - ﷺ - لا أغني عنك من الله شيئًا. ويا فاطمة بنت محمد - ﷺ -! سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا"!
_________________
(١) انظر: الطبقات الكبرى: ١: ٧٤.
(٢) الرضمة: حجارة مجتمعة ليست بثابتة في الأرض، كأنها منثورة.
(٣) يربأ: يحفظهم ويتطلع لهم، ويقال لفاعل ذلك: ربيئة، وهو العين والطليعة الذي ينظر للقوم، لئلا يدهمهم العدو، ولا يكون في الغالب إلا على جبل أو شرف أو شيء مرتفع، لينظر إلى بُعد.
(٤) مسلم: ١ - الإيمان (٢٠٧).
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وفي رواية:
دعا رسول الله - ﷺ - قريشًا فاجتمعوا، فعمّ وخص، فقال: "يا بني كعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد شمس! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد الطلب! أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار. فإِني لا أملك لكم من الله شيئًا. غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها (١) "!
وهذا يكفي سندًا لوقوفنا عند (عبد مناف) في تطلّب الأصل القريب، الذي ترجع إليه شخصيّة محمد خاتم النبيّين - ﷺ - بالوراثة، في بعض الخلائق والسجايا (٢)، فأنت ترى أن النبي - ﷺ - وهو في مقام بيان القرابة التي لها المقدمة في الإنذار، حسمًا للأطماع، والتي أوثرت من قبل الله العلي الأعلى بالسبق، لتعتمد على وشائج القربى في حميّتها، لحماية دعوته وحمايته، لتجاوب ما بينه وبينهم من المشاركة في خصائص تنزع إلى عرق واحد - قد سلك مسلك التدرجّ في التخصيص، حتى إذا بلغ مجتمعها الحافل، رآها سويّةً في (عبد مناف)، فأخبرهم أنهم أخصّ من يجتمع به في عرق من قريش!
_________________
(١) البخاري: ٦٥ - التفسير (٤٧٧١)، ومسلم: ١: الإيمان (٢٠٤، ٢٠٦)، وأحمد: ٢: ٢٣٣، ٣٦٠، ٣٦١، ٥١٩، والترمذي (٣١٨٤، ٣١٨٥)، والنسائي: ٦: ٢٤٨، ٢٤٩، والبيهقي: ٦: ٢٨٠، والبغوي في شرح السنة (٣٧٤٤)، وابن حبان: الإحسان (٦٤٦).
(٢) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٥٦ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
ولهذا التدرّج الذي سلكه النبي - ﷺ - من الأعمّ إلى الأخصّ حكمة لطيفة، تبيّن أن الخصائص المشتركة بين فروع الأصل الواحد موزّعة على الفروع كلها بنسب متفاوتة!
ولكنها قد تنتهي مجتمعة عند فرع ينزل منها منزلة القلب من الشجرة، وذلك الفرع هو الذي يسقي الأغصان المتفرّعة عنه يجمع مواد الخصائص السابقة واللاحقة!
وهذا التفسير العملي للقرابة -في هذا المقام- يوحي بأن (عبد مناف) هو الفرع القرشي الذي تحدرت إليه جداول الخلائق الموروثة من أعراق آبائه!
وهو الذي تقاطر فيه غيث (قصي) وأمجاده، وانتهت إليه خصائصه، فنبل وساد ومجد في حياة أبيه، على رغم صغر سنه، وعلى رغم وصية أبيه لأخيه أكبر (عبد الدار) بكر (قصي)، بما كان لـ (قصي) من مناصب السيادة والشرف، وترك (عبد مناف) لهمته وفواضله!
روى ابن الأثير قال: لما كبر (قصي) ورقّ، وكان ولده (عبد الدار) أكبر ولده، وكان ضعيفًا، وكان (عبد مناف) قد ساد في حياة أبيه، وكذلك إخوته، فقال (قصي) لـ (عبد الدار): والله! لألحقنك بهم، فأعطاه دار الندوة، والحجابة -وهي حجابة الكعبة- واللواء، فهو كان يعقد لقريش ألويتهم، والسقاية كان يسقي الحجيج، والرفادة وهي خرج تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى (قصي) بن كلاب، فيصنع منه طعامًا للحجاج، يأكله الفقراء!
لكن بني (عبد مناف) لم يرضهم أن تذهب منهم مكرمتا الجود والبذل،
[ ٢ / ٤٣٤ ]
والسقاية، والرفادة، فانتزعوها من بني (عبد الدار)، وتركوا لهم من شارات المجد ما سواهما، حتى جاء الإسلام، فأقرّ حجابة الكعبة في بني (عبد الدار) (١)!
وهو يشير بذلك إلى أن اللواء صار في الإسلام مرتبة من مراتب المسلمين عامة، ولم يعد منصبًا من مناصب أمجاد (قريش)، بل ولا عامة العرب، فانتزعه منهم، وجعله لعامة المسلمين، وأقرّ السقاية والرفادة في بني (عبد مناف) يتوارثها الخلف منهم عن السلف، حتى أدركت أبا جعفر المنصور ثاني خلفاء بني العباس، وتعاقبها الخلفاء من بعده!
أما (زُهرة) الجدُّ الأعلى للسيدة (آمنة) أم خاتم النبيّين - ﷺ -، فهو الأخ الأكبر لـ (قصي) والد (عبد مناف)، وقد أقام (زُهرة) بمكة حياته كلها، لم يفارقها ولم يرحل عنها!
ولما رجع (قصي) من بلاد قضاعة تعرف إليه فعرفه وأدناه، ولم يزل ولده مع ولده لا يفارقونهم، يدخلون معهم في كل حلف، ويشاركونهم فيما يقومون به من عمل!
وكان (بنو زُهرة) شركاء (بني عبد مناف) في نصيبهم عند تجزئة الكعبة لبنائها!
وهذا الترابط الذي كان بين (زهرة) و(عبد مناف) هو الذي يوحي بجعل فرعيهما في قريش ملتقى ما تنقله الوراثة من الخصائص الإنسانيّة المنسابة مع تيار التوالد في الأشخاص!
بيد أن هناك فرقًا بين فرعي (عبد مناف)، و(زهرة)، في مقدار ما عند كل
_________________
(١) انظر: ابن الأثير: ٢: ١٠.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
منهما من الجاذبيّة للخصائص والطباع، والتاريخ يذكر لـ (بني عبد مناف) خلائق القوة والصلابة والتمجد بالمكان، وحب الشرف، والسيادة والبذل، ودقة الشعور، وسرعة البداهة، وهي خصائص كانت كلها متوافرة في جدهم الأعلى، فأخذها منه وراثة ابنه (عبد مناف)، وأورثها (عبد مناف) بنيه من بعده!
ويذكر التاريخ -أيضًا- لـ (بني زهرة) الأناة والهدوء، ورقة الحاشية .. وهي خصائص كانت طبعًا لأبيهم (زهرة)، ومنه تحدرت إلى ولده، موزعة عليهم، على حسب ما فيهم من استعداد مفطور ..
والناظر إلى سيرة النسل المتجدّد من (عبد مناف)، ولا سيما الفرع الذي انتهى إثماره إلى محمد - ﷺ -، يجد صدق هذا في طباعهم وأحلامهم!
والناظر في (بني زهرة) يجد -كذلك- خصائص أبيهم ممثلة في طبائعهم!
هاشم:
وكان (هاشم) على خلق أبيه، في التمجّد بالكرم والبذل، يقوم بالرفادة، وإطعام الحاج في الموسم كله، وكان رجلًا موسرًا، فإذا حضر الحج قام في قومه فقال: (يا معشر قريش، إنكم جيران الله (١)، وأهل بيته، وإنه يأتيكم في هذا الموسم زوّار الله، يعظمون حرمة بيته، فهم ضيف الله، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه وزوّاره، يأتون شُعثًا غُبرًا، من كل بلد، فأقروهم واسقوهم)، وكانت قريش ترافد على ذلك، حتى إن كان أهل البيت ليرسلون بالشيء اليسير على قَدْرهم، وكان (هاشم) يُخرج في كل عام مالًا كثيرًا ويقول: (لو أن مالي يسع ذَلك ما كلفتكم شيئًا)!
_________________
(١) انظر: الطبقات الكبرى: ١: ٧٧: ٧٨.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
الرفادة والسقاية:
وكان لهذه المكرمات والمناقب أثر خطير في مكانة (عبد مناف) وأبنائه عند جميع العرب، فعرفوا لهم فضلهم، وقدروهم قدرهم، ونظروا إليهم نظرة فيها قداسة واحتشام، لم ينظروها لغيرهم ممن يساميهم من أبناء عمومتهم، مع ما كان في أيديهم من مراتب المجد والشرف، وشارات السيادة والتقدم مثلهم، لكن بني (عبد مناف) امتازوا بالصنائع والمكارم، يسدونها إلى قومهم، واختيارهم من بين مراتب الشرف مرتبتي الرفادة والسقاية -وهما مظهر الجود والبذل- وهو الذي زاد في مكانتهم، ورفعهم في نظر العرب قاطبة، وهو الذي عقد لهم وشيجة المحبة والإعظام في قلوبهم!
عبد المطلب:
أما (عبد المطلب) جد محمد الأدنى فكان أشبه بجده الأعلى (قصي)، في شرفه وتساميه وطموحه إلى عوالي الأمور، ومن غرائب هذا التشابه أن كلًا منهما نشأ بعيدًا عن قومه وبلده، في حضن أمه، حتى اشتد ساعده، وبلغ مبلغ الرجال، وعرف أنه فرع الدوحة القرشيّة، وابن هامتها، فتحمل إلى قومه وبلده، فاستقبله الشرف والمجد، ودانت له السيادة!
ورحل (قصي) إلى مكة (١)، فوجد أمرها بيد خزاعة وبني بكر، وليس لقريش منه شيء، فانتزعه منهما انتزاعًا، وأخذه غلابًا، فساد على أهل مكة، وملّكه قومُه عليهم، فلا يصدرون إلا عن رأيه!
_________________
(١) انظر: السيرة النبويّة: ابن كثير: ١: ٩٦ وما بعدها.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
و(عبد المطلب) نشأ في أخواله بني عدي بن النجار، مع أمه سلمى بنت عمرو النجاريّة الخزرجيّة، وكان أبوه (هاشم) رآها وهو في طريقه على المدينة (١)، فرأى امرأة حازمة جلدة، فأعجبته وعرف نسبها، وكانت لشرفها لا تنكح الرجال، حتى يشترطوا لها أن أمرها بيدها، فتزوجها (هاشم)، وشرطت الإقامة في قومها، فلما بني بها حملت ب (عبد المطلب)، وسمته (شيبة) لبياض في شعر رأسه، وكان (هاشم) ارتحل في تجارته إلى الشام، فمات بغزّة، وشب (عبد المطلب) بين لداته وأقرانه من فتيان يثرب، حتى كان يومًا مع غلمان من أخواله ينتضلون، فجعل كلما أصاب الهدف صاح مفتخرًا: أنا ابن عمرو العلا، أنا ابن سيد البطحاء، فسمعه ثابت بن المنذر أبو حسان بن ثابت الشاعر وكان خليلًا لعمه المطلب - فلما قدم ثابت مكة معتمرًا لقي المطلب، فقال له:
لو رأيت ابن أخيك شيبة فينا، لرأيت جمالًا وهيبة وشرفا! لقد نظرتُ إليه وهو يناضل فتيانًا من أخواله، فَيُدْخل مَرْماتيه (أي سهميه) جميعًا في مثل راحَتي هذه، ويقول كلما خَسَق (أيَ أصاب الهدف) أنا ابن عمرو العلا، فشغُف بإحضاره إلى قومه وبلده، فأحضره ووقفه على ملك أبيه وسلّمه إليه!
والد النبيّ:
وجاء (عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم) .. جاء وقد شرف في قومه شرفًا عظيمًا ..
وأمه فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزوميّة، من صميم البيت القرشي وقد
_________________
(١) انظر: الطبقات الكبرى: ١: ٧٨ - ٧٩.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
أنجبت لـ (عبد المطلب): أبا طالب، والزبير، وعبد الله، وأم حكيم البيضاء، توأمة عبد الله، وعاتكة، وبرة، وأميمة، وأروى (١)!
وجدة (عبد الله) لأبيه (سلمى) بنت عمرو النجارية، التي كانت -كما سبق- لا تنكح الرجال لشرفها في قومها، حتى يشترطوا لها أمرها بيدها، إذا كرهت رجلًا فارقته!
وجدته لأمه (تخمر) بنت عبد بن قصي القرشية ..
وتفرض علينا منهجية البحث أن نذكر حفر بئر زمزم، ونذر (عبد المطلب)، للصلة المباشرة بـ (عبد الله) والد النبي!
حفر زمزم:
روى ابن إسحاق وغيره بسند حسن ذكر حفر زمزم، قال:
وكان أول ما ابتدئ به (عبد المطلب) من حفرها، كما حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن عبد الله بن زرير الغافقي: أنه سمع علي بن أبي طالب - ﵁ -، يحدث حديث زمزم، حين أُمر (عبد المطلب) بحفرها، قال:
قال (عبد المطلب): إني لنائم في الحِجر، إذ أتاني آتٍ فقال: احفر طِيبة، قال: قلت: وما طِيبة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءني آت فقال: احفر بَرّة. قال: فقلتُ: وما برّة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءني
_________________
(١) أم النبي: دكتورة بنت الشاطئ: ٧٧ نقلًا عن: جمهرة الأنساب: ١٢ نسب قريش، وتحرف فيها اسم (برة) بمرة، ثم جاء على صواب: ١٨.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
فقال: احفر المضنونة (١)، قال: قلت: وما المضنونة؟ قال: ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر زمزم. قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف (٢) أبدًا، ولا تُذَم (٣)، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث (٤) والدم، عند نقرة الغراب الأعصم (٥)، عند قرية النمل (٦)!
قال ابن إسحاق: فلما بُيّن له شأنها، ودُلّ على موضعها، وعرف أنه قد صُدِق، غدا بمعوله، ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، ليس له يومئذ ولد غيره، فحفر فيها، فلما بدا لـ (عبد المطلب) الطّي (٧)، كبّر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا (عبد المطلب)، إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقًا، فأشركنا معك فيها، قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خُصِصْتُ به دونكم، وأُعطيته من بينكم، فقالوا له: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم، أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد هُذَيم، قال: نعم. قال: وكانت بأشراف الشام (٨)، فركب (عبد المطلب) ومعه نفر من بني (عبد مناف)، وركب من
_________________
(١) المضنونة: أي الغالية النفيسة التي يضنّ بمثلها.
(٢) لا تنزف: أي لا يفرغ ماؤها، ولا يلحق قعرها.
(٣) ولا تذم: أي لا توجد قليلة الماء، تقول: أذممت البئر: إذا وجدتها ذَميّة، وهي القليلة الماء.
(٤) الفرث: ما يكون في كرش ذي الكرش.
(٥) الغراب الأعصم: الذي في ساقه بياض، وهو ضرب من الغربان، والأعصم أيضًا: الوعل في غير هذا الموضع، قيل سمي بذلك لبياض في ذراعيه، وقيل لاعتصامه في الجبال.
(٦) قرية النمل: الموضع الذي يجتمع فيه النمل.
(٧) الطيّ: يعني طيّ البئر.
(٨) المراد: ما ارتفع من أرض الشام.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
كل قبيلة من قريش نفر قال: والأرض إذ ذاك مفاوز قال: فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز (١)، بين الحجاز والشام، فني ماء (عبد المطلب) وأصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا الهلكة، فاستَسْقَوْا من معهم من قبائل قريش، فأبَوْا عليهم، وقالوا: إنا بمفازة، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم. فلما رأى (عبد المطلب) ما صنع القوم، وما يتخوف على نفسه وأصحابه، قال: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأيُنا إلا تَبعٌ لرأيك، فمرنا بما شئت، قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه، بما بكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته، ثم واروْه، حتى يكون آخركم رجلًا واحدًا، فضيْعَةُ رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعًا، قالوا: نِعْم ما أمرت به، فقام كل واحد منهم فحفر حفرته، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشًا، ثم إن (عبد المطلب) قال لأصحابه: والله! إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت، لا نضرب في الأرض، ولا نبتغي لأنفسنا، لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد .. ارتحلوا، فارتحلوا، حتى إذا فرغوا، ومن معهم من قبائل قريش، ينظرون إليهم ما هم فاعلون، تقدم (عبد المطلب) إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عينٌ من ماء عذب، فكبّر عبد المطلب، وكبّر أصحابه، ثم نزل فشرب، وشرب أصحابه، واستقَوْا حتى ملؤوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش فقال: هلمّ إلى الماء، فقد سقانا الله، فاشربوا واستقوا، فجاءوا فشربوا واستقوا، ثم قالوا: قد والله! قُضيَ لك علينا يا (عبد المطلب)، والله! لا نخاصمك في زمزم أبدًا، إن الذي سقاك هذا
_________________
(١) المفاوز: واحدتها: مفازة، وسميت بذلك على سبيل التفاؤل، وقيل: هي مشتقة من فوّز الرجل: إذا هلك.
[ ٢ / ٤٤١ ]
الماء بهذه الفلاة هو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى ساقيتك راشدًا، فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلّوا بينه وبينها (١)!
وكان لحادث حفر بئر زمزم أثر خطير في ازدياد مكانة (عبد المطلب) رفعة وعلوًا بين قومه، وفي بلده، بل بين العرب أجمعين (٢)، حيث يَسَّرَ الماء -وهو أعز شيء في وجود مكة ومنزلتها- على أهل الحرم، وعلى الحجيج كله، وعلى (عبد المطلب) نفسه، وهو صاحب مرتبتي الرفادة والسيادة، من مراتب السؤدد والشرف في قريش!
وكان (عبد المطلب) وقريش على يقين أن بالحرم إلى جوار البيت بئر أبيهم إسماعيل، وأنها عين ثرَّارَةٌ، لا تنزف أبدًا، ولكن أين مكانها بالتحديد، هذا ما حيّرهم وصدّهم عن التفكير فيها طول مدة التاريخ الغابرة، وهم يتهيبون أن يجعلوا من ساحة المسجد منطقة تفتيش وتنقيب عن شيء، مهما بلغ عندهم من العزة، فإن عزّة البيت وحرمته فوق عزّته، وما أدراهم، إن هم أقدموا على البحث ألا يتعرضوا للهلاك، بل ما يدريهم ألا تضار جدران البيت من أثر البحث، بيد أن (عبد المطلب) كان أكثرهم شغلًا وتفكيرًا في ذلك؛ لأنه صاحب السقاية، مكرمته ومكرمة أبيه من قبله، وآبار مكة التي يستقي منها الماء للناس في الموسم الأعظم متناثرة متباعدة، وليست كلها غزيرة الماء، مما يجعله
_________________
(١) السيرة النبويّة: ابن هاشم: ١: ١٩٣ - ١٩٦ تحقيق الدكتور همام عبد الرحيم سعيد، ومحمد عبد الله أبو صعيليك، المنار، الأردن ط. أولى ١٤٠٩ هـ ١٩٨٨ م، وقال فيه الفاسي: رجاله ثقات: انظر شفاء الغرام: ١: ٢٤٦، والبيهقي في الدلائل: ١: ٩٣ من طريق ابن إسحاق، والأزرقي: ٢: ٤٤ - ٤٦ من طريق ابن إسحاق أيضًا، وعبد الرزاق في مصنفه: ٥: ٣١٣ - ٣١٦ مرسلًا عن الزهري، وابن سعد عن الواقدي: ١: ٨٣ - ٨٤.
(٢) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٦٢ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
يطمئن إلى كفاية الحجيج منها، وهو وحيد وليس معه إلا الحارث، وينو عبد شمس، وبنو عبد الدار، منافسوه في الشرف، يتربّصون به، وهنا تذكر الرواية التي معنا أن عبد المطلب أُريَ مكان زمزم منامًا، وهي رواية -كما قلنا- سندها حسن، وكلمة التاريخ في مصادره العربيّة متفقة على أن إسماعيل ابن إبراهيم ﵉، كانت له عين ماء إلى جوار مكان البيت الحرام، أغيث بها ليشرب هو وأمه!
وسبق أن عرفنا في حديثنا عن الخصيصة الأولى من خصائص الجزيرة، كيف أن هذه الجريرة كانت في عزلة موحشة، ونسيان شرود، وأن الرمال قد انفجرت عن زمزم، بعد أن قالت هاجر لإبراهيم حين أراد أن يتركها وإسماعيل، فيما رواه البخاري عن ابن عباس: (آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إِذن لا يضيعنا .. وكانت زمزم عينًا معينًا)!
وكذلك اتفقت كلمة التاريخ على أن هذه العين طمّت، وأن قريشًا لما سكنت مكة وعمرتها، ودانت لها بسلطانها الديني تقاسمت مراتب الشرف في بيوتاتها، فكانت سقاية الحجيج في بني (عبد مناف) يتوارثونها، حتى انتهت إلى (عبد المطلب بن هاشم)، وهو أحوج في هذا الموقف إلى الماء الغزير القريب!
نَذْر عبد المطلب:
ومر أبو جعفر الطبري على قصة حفر زمزم مرورًا عابرًا، فلم يحفل برواياتها، واكتفى بقوله في صدد الحديث عن مكانة (عبد المطلب)!
وهو الذي كشف عن زمزم، بئر إسماعيل بن إبراهيم (١)!
_________________
(١) تاريخ الطبري: ١: ٣٠٥.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
مع أنه روى قبل ذلك بسند حسن عن ابن عباس ﵄:
وقد كان (عبد المطلب) بن هاشم نذر إن توافى له عشرة رهط، أن ينحر أحدهم، فلما توافى له عشرة، أقرع بينهم. أيهم ينحر؟ فطارت القرعة على (عبد الله) بن عبد المطلب، وكان أحب الناس إلى عبد المطلب، فقال (عبد المطلب): اللهم هو أو مائة من الإبل؟ ثم أقرع بينه وبين الإبل، فطارت القرعة على المائة من الإبل (١)!
يقول الدكتور العمري (٢): ولم تحدد رواية صحيحة تاريخ عزم (عبد المطلب) على الوفاء بنذره بنحو عبد الله ابنه، لكن رواية ضعيفة من طريق الواقدي تذكر أن ذلك قبل مولد النبي - ﷺ - بخمس سنين (٣)، ولعل هذا يوافق ما ذكره موسى بن عقبة عن الصحابي حكيم بن حزام بن خويلد الأسدي -ابن أخي خديجة- قال: ولدت قبل الفيل بثلاث عشرة سنة، وأنا أعقل حين أراد (عبد المطلب) أن يذبح ابنه (عبد الله) (٤)!
والحادث يوحي بما خطه القدر الإلهي من ميلاد الرسول - ﷺ - من أبيه عبد الله ابن عبد المطلب!
_________________
(١) المرجع السابق: ٤٩٧، وابن أبي شيبة: المصنف: ٤: ١: ٥٥، وانظر الطبقات: ١: ٨٤ - ٨٥، ومصنف عبد الرزاق: ٥: ٣١٦ - ٣١٧، والبيهقي في "الدلائل": ١: ٨٧، والسيرة النبويّة الصحيحة: ١: ٩٣.
(٢) السيرة النبويّة الصحيحة: ١: ٩٣.
(٣) المستدرك: ٣: ٤٨٢ - ٤٨٣، وتفسير الطبري: ٢٣: ٨٥ ط. ثالثة، الحلبي.
(٤) الإصابة: ٢: ١١٢.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
الزواج المبارك: ونجد أنفسنا أمام الزواج المبارك، زواج عبد الله بآمنة ..
هذا عن النسب الشريف من الناحية التاريخية الثابتة التي لا خيال فيها ولا غرابة!
قصيدة أبي طالب:
قال أبو طالب (١):
إِذا اجتمعت يومًا قريشٌ لمَفْخَرٍ فعبدُ مناف سِرُّها وصميمُها
فإِن حُصِّلَت أشرافُ عبدِ مَنَافِها ففي هاشم أشرافُها وقديمُها
وإِن فخرت يومًا فإِن مُحمَّدًا هو المصطفى من سرِّها وكريمُها
تداعت قريشٌ غَثُّها وسمينُها علينا فلَمْ تَظفر وطاشتْ حلُومُها
وكنّا قديمًا لا نُقِرُّ ظلامةً إِذا ما ثَنوا صُعْرَ الخدود نُقيمُها
_________________
(١) السيرة النبويّة: ابن كثير: ١: ١٩٤ - ١٩٥.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
ونحمي حِماها كُل يومٍ كريهة ونضربُ عن أحجارها من يرومُها
بنا انْتعشَ العُودُ الذَّواء وإِنما بأكنافنا تَنْدى وتنمي أرُومُها
قصيدة العباس:
وقال العباس بن عبد المطلب - ﵁ -:
مِنْ قبلها طِبت في الظلال وفي مُستودعٍ حيثُ يُخصْفُ الوَرَقُ
ثم هبطت البلاد لا بشَرٌ أنْـ ـتَ ولا مُضْغةٌ ولا عَلَقُ
بل نُطفةٌ تركب السَّفينَ وقد ألجمَ نسرًا وأهله الغرقُ
تُنْقلُ من صُلب إِلى رحمٍ إِذا مضى عالمٌ بدَا طبقُ
حتى احتوى بيتك المُهيمن مِنْ خِنْدفَ علياءَ تحتها النُّطقُ
وأنت لما ولِدت أشرقت الأرْ ضُ وضاءت بنورِكَ الأفقُ
[ ٢ / ٤٤٦ ]
فنحن في ذلك الضياء وفي الـ نُور وسُبُل الرشادِ نَخْتَرِقُ
قصيدة الناشئ:
يقول الحافظ ابن كثير:
وما أحسن ما نَظم النسبَ النبويّ أبو العباس عبد الله بن محمد الناشئ،
في قصيدته المشهورة المنسوبة إليه، وهي قوله (١):
مدحتُ رسول الله أبغي بمدحه وُفور حُظوظي من كريم المآربِ
مدحت امرءًا فاق المديحَ مُوحدًا بأوصافه عن مُبعد ومُقاربِ
نبيًّا تسامى في المشارق نورُهُ فلاحت هَوَاديه لأهل المغاربِ
أتتْنا به الأنباء قبل مجيئه وشاعت به الأخبارُ في كل جانبِ
وأصبحت الكُهَّانُ تهتف باسمِه وتَنْفي به رجْم الظُّنون الكواذبِ
_________________
(١) المرجع السابق: ١: ٧٧ - ٨١.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
وأُنطقت الأصنامُ نُطقًا تبرّأت إِلى الله فيه من مقال الأكاذبِ
وقالت لأهل الكفر قولًا مُبيَّنًا: أتاكم نبيٌّ من لؤيِّ بن غالبِ
وذكر بعض المعجزات .. ثم قال:
تأبّى بعبد الله أكرم والدٍ تبلَج منه عن كريم المناسبِ
وشيبةَ ذي الحمد الذي فَخَرَتْ بِهِ قريشٌ على أهل العُلا والمناصبِ
ومَنْ كان يُستسقى الغمام بوجهه ويُصدرُ عن آرائه في النوائبِ
وهاشم الباني مشيد افتخاره بغُرّ المساعي وامتنان المواهبِ
وعبدِ مناف وهو عَلَّم قومه اشْـ تِطاطَ الأماني واحتكام الرَّغائِبِ
وذكر النسب الشريف إلى إسماعيل .. ثم قال:
هم نسل إِسماعيل صادق وعْده فما بعده في الفجر مسْعًى لذاهبِ
[ ٢ / ٤٤٨ ]
وكان خليل الله أكرم مَنْ عَنَتْ له الأرضُ من ماش عليها وراكبِ
ومضى في ذكر النسب بعد ذلك .. إلى أن قال:
وكان رسول الله أكرم مُنجبٍ جرى في ظُهور الطيبين المناجبِ
مقابلةٌ آباؤه أُمَّهاته مُبرأةٌ من فاضحات المثالبِ
عليك سلامُ الله في كل شارق ألاح لنا ضوءًا أو في كل غاربِ
قصيدة الخطيب:
وقال عبد الحميد الخطيب (١):
وهو الذي حفظ الإِله من السفا ح أصوله من مبدأ الخلقاتِ
من آدم وإِلى أبيه وأمه فغدا بحق صفوة الصفواتِ
فهو (ابن عبد الله) من في وجهه لاحت نبوة سيد السادات
_________________
(١) تائية الخطيب: ٤٢.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
(وأبوه) حقًا (عبد مطلب بن ها شم من إِليه يمت بالكنياتِ
وهو (ابن عبد مناف بن قصي) من سمي بذاك لكثرة الغرباتِ
(وحكيم والده) الذي يدعى كلا ب وابن مرة) صادق الكلماتِ
(كعب لؤي ثم غالب ثم فهر ثم مالك) طيب العتراتِ
(والنضر) ثم (كنانة) و(خزيمة) وكذاك (مدركة) من النخباتِ
(إِلياس) من (مضر) (نزار) من "معـ ـدٍ" وهو من (عدنان) في الحقباتِ
هو من (لإِسماعيل) حقًا قد نمى وإِلى (خليل الله) بالنسباتِ
فأبوه (عبد الله) من نسل الذبيـ ـح وأمه من هذه الدوحاتِ
إِذ إِنها من نسله ومن (الحكيم) تفرعا في غابر السنواتِ
[ ٢ / ٤٥٠ ]
هي بنت وهب واسمها قد كان (آمنة) وكانت أشرف الفتياتِ
ولقد تزوجها أبوه وعندما حملت به في أشرف البقعاتِ
قد سار نحو الشام ثم بيثرب حول القضاء فكان من أمواتِ
ولقد توارى في ثراها والرسو ل ببطن آمنة من المضغاتِ
شرف نسب النبي:
أما عن الأحاديث الواردة في شرف نسب النبي - ﷺ - فكثيرة .. وحسبنا أن نذكر ما رواه مسلم وغيره عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إِن الله اصطفى كنانة من ولد إِسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" (١)!
وفي رواية لأحمد بسند حسن عن المطلب بن أبي وداعة قال: قال العباس: بلغه - ﷺ - بعض ما يقول الناس، قال: فصعد المنبر فقال: "من أنا"؟ قالوا: أنت رسول الله! فقال: "أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إِن الله خلق الخلق، فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين، فجعلني في
_________________
(١) مسلم: ٤٣ - الفضائل (٢٢٧٦)، والترمذي (٣٦٠٥، ٣٦٠٦)، وأحمد: ٤: ١٠٧، وابن حبان: الإحسان (٦٢٤٢، ٦٣٣٣، ٦٤٧٥)، والطبراني في الكبير: ٢٢: ٦٦ - ٦٧ (١٦١).
[ ٢ / ٤٥١ ]
خير فرقة، وخلق القبائل، فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتًا، فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيركم بيتًا، وخيركم نفسًا" (١)!
وفي رواية لمسلم وغيره عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفّع" (٢)!
وفي رواية للترمذي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وبيدي لواء الحمد، ولا فخر، وما من نبي يومئذ، آدم فَمن سواه، إِلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض، ولا فخر" (٣)!
قال النووي: قال الهروي: السيد هو الذي يفوق قومه في الخير، وقال غيره: هو الذي يُفزع إليه في النوائب والشدائد، فيقوم بأمرهم، ويتحمل عنهم مكارههم، ويدفعها عنهم!
وأما قوله - ﷺ -: "يوم القيامة" مع أنه سيدهم في الدنيا والآخرة، فبسبب التقييد أنه في يوم القيامة يظهر سؤدده لكل أحد، ولا يبقي منازع ولا معاند ونحوه، بخلاف الدنيا، فقد نازعه ذلك فيها ملوك الكفار وزعماء المشركين، وهذا التقييد قريب من معنى قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر]!
_________________
(١) أحمد: ١: ٢١٠، والبيهقي: ١: ١٦٩ - ١٧٠، والدلائل: ١: ١٦٧ - ١٦٨، وأبو نعيم: "الدلائل" (١٦)، ويعقوب بن سفيان: المعرفة والتاريخ: ١: ٤٩٧، ٤٩٩، والترمذي (٣٦٠٧).
(٢) مسلم: ٤٣ - الفضائل ٣ (٢٢٧٨)، وأبو داود (٤٦٤٥) عون المعبود، وليس فيه (يوم القيامة).
(٣) الترمذي (٣٦١٥) وفي الحديث قصة: وقال: وهذا حديث حسن صحيح.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
مع أن الملك له سبحانه قبل ذلك، لكن كان في الدنيا من يدعي الملك، أو من يضاف إليه مجازًا، فانقطع كل ذلك في الآخرة!
قال العلماء في قوله: "ولا فخر": وإنما قاله لوجهين:
أحدهما: امتثال قوله تعالى:
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى]!
والثاني: أنه من البيان الذي يجب تبليغه إلى أمته، ليعرفوه ويعتقدوه، ويعملوا بمقتضاه، ويوقروه - ﷺ -، بما تضي مرتبته، كما أمرهم تعالى!
وهذا الحديث دليل لتفضيله - ﷺ - على الخلق كلهم؛ لأن مذهب أهل السنة أن الآدمين أفضل من الملائكة، وهو - ﷺ - أفضل الآدمين وغيرهم (١)!
ترى، هل يقبل بعد ذلك تعريض الدكتور طه حسين بنسب النبي - ﷺ -، وتحقيره من قدره، بعبارة خالية من كل احترام -على حد تعبير رئيس النيابة كما سبق- وبشكل تهكمي غير لائق؟! وهل تقبل شبهات المستشرقين والمستغربين في ذلك؟!
وُلد الهُدى:
وسبقت الرسول - ﷺ - في الوجود بركاته (٢)، وولد عام الفيل (٣)!
والمعروف المشهور أن الرسول - ﷺ -، ولد يتيم الأب.
_________________
(١) مسلم بشرح النووي: ١٥: ٣٧، وانظر: عون المعبود: ١٢: ٤٢٧.
(٢) انظر: السيرة النبويّة: ابن كثير: ١: ١٩٨، والروض الأنف: ١: ١٨١ وما بعدها، وعيون الأثر: ١: ٢٦ وما بعدها.
(٣) انظر: الحاكم: ٢: ٦٥٣، وابن هشام: ١: ٢١١، وأحمد: ٤: ٢٥١.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
قال ابن كثير: وهذا أبلغ اليتم وأعلى مراتبه (١)!
وقد صحت الرواية بذلك في صحيح مسلم من حديث طويل.
قال ابن شهاب: (وكان من شأن أم أيمن، أم أسامة بن زيد، أنها كانت وصيفةً لعبد الله بن عبد المطلب، وكانت من الحبشة، فلما ولدت آمنة رسول الله - ﷺ -، بعد ما توفي أبوه، فكانت أم أيمن تحضنه، حتى كبر رسول الله - ﷺ -، فأعتقها) (٢)!
ومكان ولادته - ﷺ - معروف بمكة مشهور ..
وإن وقوع حوادث كونيّة تخفى على العقول أسبابها في حينها، وعواملها المنشئة، وهو ما نسميه بالأعاجيب، ويُسمّى في مشهور عرف العلماء بالإرهاصات إن وقع قبل النبوة، وبالمعجزات إن وقع في زمان النبوة (٣)، أمر قامت على جوازه ووقوعه الدلائل من النصوص القطعية في الكتب السماوية، والنقول التاريخية التي بلغت في جملتها مبلغ التواتر القاطع، ومن البراهين العقليّة التي تقرّر هذه السنن الخاصة، وقيّوميّة الخالق عز شأنه، وإطلاق قدرته من قيود القوانين، والعادات المعلومة، في حدود مدارك العقول الإنسانيّة، إلى سنن كونيّة، وقوانين للوجود، فوق آمال تلك العقول، تحدث على وفقها تلك الأحداث الكونيّة، والأعاجيب الإعجازيّة، إذا تطلبتها أسابها، وحانت مناسباتها، والله فعّال لما يريد!
_________________
(١) السيرة النبويّة: ١: ٢٠٦.
(٢) مسلم: ٣٢ - الجهاد (١٧٧١)، وانظر الأقوال في حادثة وفاة عبد الله في: مصنف عبد الرزاق: ٥: ٣١٧، والحاكم: ٢: ٦٠٥، وابن سعد: ١: ٩٩ - ١٠٠، والروض الأنف: ١: ١٨٠.
(٣) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ١٠٧ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
والقرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قصّ علينا في قصص الأنبياء بعض آياتهم المعجزة من الأحداث الكونيّة التي وقعت على أيديهم مما جرى مجرى التشريف والتكريم، ومما تحدّوا به أقوامهم، مما لا يمكن أن يدخل تحت سنّة من سن الحياة المعروفة للعقول، والمعهودة في عادات الناس ومألوفهم .. وقد سمى القرآن بعض تلك الآيات الكونيّة المتحديّة براهين، فانقلاب عصى موسى حيّة تسعى، وإخراج يده بيضاء من غير سوء، وانفلاق البحر له ولقومه، ونتق الجبل فوقهم كالظلة!
وإحياء عيسى للموتى، وإبراؤه الأكمه والأبرص، وإنباؤه قومه بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم .. وخلقه من غير أب، وإيتاء أمه مريم -﵇- رزقًا دون حركة آليّة، أو تسبب، مما بعث كافلها زكريا -﵇- على التعجب!
ونقل عرش بلقيس من المسافة البعيدة في أسرع من لمح البصر!
وما وقع لأصحاب الكهف!
وعدم إحراق النار إبراهيم -﵇!
وسائر آيات الأنبياء في قصصهم التي لا تحتمل تمحّلًا ولا تأويلًا .. كل ذلك من الأعاجيب المعجزة، والخوارق التي وقعت فعلًا، وشاهدها الوجود واستفاضت بها روايات التاريخ بنقل الأجيال عن الأجيال، منذ كانت النبوة لبني الإنسان إلى يوم الناس، استفاضة تدفع بمنكريها إلى محابس الممرورين، وذوي العته العقلي، ونقص التكوين الإدراكي!
وإذا ثبت وقوع الأعاجيب المعجزة، والحوادث الكونيّة الخارقة لمعروف
[ ٢ / ٤٥٥ ]
العقول في سنن الحياة، فالنظر فيما يُروَى منها جُملة في سيرة الرسول - ﷺ - قبل نبوّته أو في زمنها يجري على سنن تلك الآيات وقوانينها، ويبقى على الباحث النظر في إثبات أفراد تلك الحوادث والجزئيّات التي سجلتها السيرة النبويّة، فما ثبت بطريق صحيح السند، صادق الرواية، وجب قبوله والإذعان بوقوعه؛ لأن رده أو التشكيك فيه بعد ثبوته بهذه الطريقة التي لا طريق للإثبات التاريخي فوقها، والتي التزمناها في هذه الدراسات، ردٌّ لبرهان العقل القاطع، وردٌّ للنصوص القطعيّة في إثبات الآيات المعجزة، ولا فرق بين آية وآية، وردُّ البرهان العقلي والدلائل القطعية، إلحاد في الدين، أو جهل بسنن الله، أو تشكيك في قدرة الله!
٢ - التربية الإلهيّة:
وثاني ما يطالعنا: التربيّة الإلهية .. ونبصر معالمها فيما يلي:
شق الصدر:
كان لموت عبد الله بن عبد المطلب، وهو في مقتبل شبابه، أثر من الحزن الفادح، والألم الممض على نفس أبيه الشيخ، الذي أفنت السنون جلده وناء بأثقالها، فلما بشر بميلاد حفيده محمد - ﷺ - صب به صبابته بأبيه من قبله، وقد كان أحب أبناء عبد المطلب إليه، وحظي محمد - ﷺ - عند جده حظوة لم تكن لأحد من ولده، فأخذه من مهده بين يديه، وطاف به حول الكعبة يباركه ويدعو له، ويستعذب النظر إليه، في حنان الأبوة الثاكلة، ثم رده إلى أمه، وأخذ يفكر ويقدر، ويطلب له المراضع، وقد كان ذلك من عادة أشراف قريش، اتقاء لوخامة المدن، ووضر الحواضر، وتخريجًا في التعرب
[ ٢ / ٤٥٦ ]
والتفاصح، وانتجاعًا لجو البادية صحة، وانطلاقًا مع مظاهر الطبيعة في الأرض والسماء (١)!
وكانت المرضعات يردن مكة في المواسم تطلبًا للرضع الذين يؤملن فيهم جِدَة وسعة من العطاء، وكان في قبائل العرب وبيوتاتهم بيوت وقبائل عرفت بخصب الدر، ونقاء الجو، وصفاء الطبيعة، وفصاحة اللهجة، ونصاعة البيان، ونقاء المربي، منهم بنو سعد بن بكر، من قبيلة هوازن المعروفة بتعربها وفصاحتها، فأقبلن على غيره، وأعرضن عنه؛ لأنه يتيم، وكن يرتجين وسيع المطايا، وغامر المنح من آباء الأطفال، وكان في نساء بني سعد حليمة بنت عبد الله بن الحارث!
ورضاع النبي - ﷺ - في بني سعد من قبل حليمة السعديّة ثابت من طرق سيأتي ذكرها!
وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره - كما سبق في ردنا على الدكتور هيكل في موقفه من حديث شق الصدر- أن ذلك قد وقع للرسول - ﷺ -، وهو صغير مسترضع في بادية بني سعد!
موقف عجيب:
بيد أن الشيخ (محمد أبو زهرة) -﵀- ذكر ما رواه مسلم وغيره عن أنس بن مالك: أن رسول الله - ﷺ - أتاه جبريل ﵇، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ١٣١ أو ما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إِلى أمِّه (يعني ظئره) فقالوا: إِن محمدًا قد قتل: فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره (١)!
وقال: وإننا نلاحظ في ذلك الخبر أمرين (٢):
أولهما: أن الخبر فيه أنه غسل بماء من زمزم، ويلاحظ أن الواقعة إن صحّت كانت في البادية، في مكان ناء عن زمزم، وإذا كان من ماء مع جبريل، فمن أين علم أنه من زمزم؟!
وثانيهما: أنه ذكر أنه كان يرى أثر المخيط في صدره -﵇- وإذا صحت الواقعة فإن المعقول أنه عمل ملك، والملك لا يكون لعمله أثر محسوس!
ونحن نرى أن الأخبار بالنسبة للشق لا تخلو من اضطراب!
وعلى فرض أنها صحيحة، لا نقول إنها غير مقبولة، بل إنا نقبلها إن صحت، ولكن الاضطراب في خبرها يجعلنا نقف غير رادّين ولا مصدقين!
وهذا موقف عجيب، فالرواية صحيحة، ولا وجه لما ذهب إليه بحال!
السنن العامة والخاصة:
وشق الصدر من الإنسان حسيًّا، وإخراج قلبه المحسّ المعروف في التكوين الجسمي للإنسان بأنه لحمة صنوبريّة الشكل داخل القفص الصدري (٣)،
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) خاتم النبين: ١: ١٥٤.
(٣) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ١٣٧ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
وسطه مائلًا إلى الجهة اليسرى قليلًا في الأعم الغالب، وتتصل به مفاتيح الحركة الدمويّة، ومغاليقها، وقنواتها .. ثم فتح هذا القلب فتحًا ماديًّا حسيًّا، وإخراج علقة دمويّة منه، وغسله بالماء ثم إعادته إلى مكانه بعد خياطته، وخياطة الصدر، والتئامه مع بقاء الحياة الإنسانيّة بعد ذلك .. كانت أمورًا تأباها قوانين الحياة العامة، وتنكرها معارف العقول، وتردها أبسط قضايا العلم، وبداءة المنطق في تاريخ الحياة، ما دام الإنسان لم يؤمن بالله وبقدرة الله!
فإذا وقعت وشهدتها الحياة الوجوديّة، كانت من غير شك جارية على غير ما ألفته العقول من سنن الحياة، وعلى غير ما عرفه العلم التجريبي في قوانين الحياة، بل تكون جارية على سنن خاصة خارقة لمتعارف العقول، متخطية قضايا العلم في تجاربه الحسيّة!
وهذه السنن الخاصة لا ينكرها العقل؛ لأنه دائب البحث في أسرار الكون وسنن الله فيه، ولا يزال يكشف عن كثير من هذه الأسرار والسنن بما كان يجهله!
ولم يقف هذا العقل عند هذه القضايا العلميّة المعروفة له باعتبارها نهايات لمدركاته، ولم يؤمن بأنها هي الغاية لجولاته في الكون المحجّب بسحائب الغيب؛ بل هو مؤمن أشدّ الإيمان أن وراء ما وصل إليه من حقائق أمورًا كثيرة لم تُكتشف له، وهو دائب العمل في سبيل إدراك المجهول من حقائق الكون، وسنن الله المنظمة لوجود هذا الكون العظيم!
والراسخون من علماء الكونيّات يرون أن ما وصلوا إليه في الكشف عن
[ ٢ / ٤٥٩ ]
بعض أسرار الحياة إنما هو قطرة من محيط العجائب الكونيّة والسنن الإلهيّة، ولم يدّع أحد منهم أن العقل يستطيع أن يصل إلى مجهول الأسرار جميعها في هذا الكون العظيم!
آيات الله:
وجيلنا اليوم -وهو في أول القرن الخامس عشر الهجري- يشهد أعمالًا في طبّ الجراحة وزرع الأعضاء الداخليّة والخارجيّة في جسم الإنسان وسائر الحيوان، كانت في الماضي من المحاولات في نظر العقل والعلم، ولا نذكر هذا لنفسر به المعجزات الإلهيّة التي يُجريها الله تعالى على مقتضى سنن إلهيّة خاصة، تختلف في أسلوبها وحقائقها مع أسلوب وحقائق السنن الإلهيّة العامة، وكلها من عند الله!
ومن ثم كان وقوع هذا الحدث الخطير للرسول - ﷺ - من أعجب الأعاجيب الكونيّة، وأعظم خوارق السنن العامة، وأضخم الآيات الحسيّة التي تحيلها عادات الناس ومألوفاتهم، وتستبعدها عقول غير المؤمنين بالنظر لمعارفها من سنن الحياة العامة المتكررة، وبالنظر إلى قضايا العلم التجريبي!
ومجرد إحالة العادة المألوفة للناس في مجرى حياتهم العامة، ومجرد استبعاد العقول المقيِّدة بأغلال الحسّ والحواسّ، وسنن الحياة العامة المكررة، لا يكفي كل ذلك للحكم بعدم الوقوع، وتبقى المسألة في دائرة الإمكان، مستندة إلى سلطان القدرة الإلهية، والإرادة الربانيّة، التي لا تتقيّد بسنن الحياة العامة، ومعروف العقل القاصر، وقضايا العلم المادي؛ لأن الله تعالى الذي خلق هذه السنن العامة لنظام الحياة، وأوصل العقول إلى معارفها، وهداها إلى قضايا العلم، هو الذي يخلق سننًا لأحداث يُجريها في أوقاتها ومناسباتها!
[ ٢ / ٤٦٠ ]
فليس من العدل العلمي، ولا من الإنصاف العقلي، تحكيم متعارف العقول، وقضايا العلم المادي، ومألوف الناس في عاداتهم وتجاربهم في سنن الله، وتقييدها بما عُرف من قضايا تجريبيّة أو معارف عقليّة!
ولو حُكّم متعارف عقول غير المؤمنين، ومألوف العادات في فهم سنن الله تحكيمًا مطلقًا، لبطلت أصول الرسالات السماوية؛ لأن العادات، ومتعارف هذه العقول، وقوانين المنطق المادي، لا تُدرك حقيقة النبوة، فتُحيلها بصورتها الدينيّة؛ لأن النبوة قائمة على الوحي، وهو معنى لم تحدد حقيقته بغير الاتصال البشري بالملأ الأعلى الذي هو غيب مطلق في حقيقته، وطريق الاتصال به من قبل البشر، واتصاله بالبشر، وكل ما يعرفه العلم الديني عن الوحي أنه يتم باتصال فرد من البشر يصطفيه الله لنبوته، بروح علوي، تسميه الشرائع السماويّة (مَلكًا) وهو أمر يجهل العقل الإنساني حقيقته، وفي هذا الاتصال تتلقى الشخصيّة البشرية عن هذا الروح العلوي أمورًا من قِبل الحق، هي شرائعه التي يتعبّد الله بها خلقه، وينظم بها حياتهم، ليقوم الناس بالقسط!
وهنا يتساءل العقل الإنساني:
كيف يتصل فرد من البشر بما فيه من خصائص البشريّة بـ (ملَك) بما له من خصائص الملكوتيّة؟
وكيف يتلقّى عنه ما يبلغه عن الله تعالى؟
ثم يتساءل العقل مرة أخرى:
كيف يتلّقى الملَك عن الله -﷿- ما يؤديه إلى آحاد البشر؟
ولا ريب أن العقل سيقف أمام هذا التساؤل في جانبيه حائرًا، لا يحير جوابًا
[ ٢ / ٤٦١ ]
يطمئن إليه في حدود معارفه، وقضايا علمه، وأقيسة منطقه، ولا يُخرجه من هذه الحَيْرة إلا التسليم والإقرار بأنه ليس من حقه أن يرفض جميع ما لم يعلم، ولا جميع ما لم يفهم؛ لأنه أمام نفسه يعلم أنه لم يُحط خُبرًا بكل ما يمكن أن يُعلم، وأن الذي يجهله من سنن الكون أكثر بكثير مما علمه!
وإذا انتهى العقل إلى هذا الموقف وجب عليه أن يسلّم بقوة القدرة الإلهيّة على الخلق والإبداع، واتساع سنن الله تعالى في الكون بما يستطيع أن يصل إليه من البراهين القاطعة على قهر القدرة الإلهيّة لقوانين الطبيعة، وما وصل إليه العلم والعقل من سنن الحياة في الكون، وأن يسلّم بمطلق تصرفاتها ليسهل عليه الإيمان بما صح الإخبار به من أحداث لم تجر على مقتضى معروف من العلم، وإنما جرت على مقتضى نمط خاص في سنن الله تعالى!
فالتقيّد بحكم العادة المتكررة، ومجرد متعارف العقول، وقضايا العلم المادي، هادم لقضايا أصول الشرائع السماويّة، فالذين يتشبّثون بهذا التقييد في فهم حقائق الأحداث الكونية يجعلون من معارف العقل وقضايا العلم حواجز أمام فهم سنن الله تعالى في الكون، وهم عندئذ بين أمرين:
إما إيمان ينتهي بهم إلى التسليم بالعجز عن إدراك بعض الحقائق الكونيّة التي جاءت بها الرسالات السماويّة بأخبار ثابتة الصحة عن طريق الرواية والدراية!
وإما إلحاد ينكر جاحدًا أصل الرسالات الإلهيّة، فلا يبقى -في نظرهم- بين الحقائق الوجوديّة نبوة ولا رسالة من الله إلى الخلق، وهذا ما انتهى إليه ملاحدة الماديّين من كل مَنْ حكَّم الحسّ، وأنزل العقل عن منزلته إلى هاوية الحسّ المادي!
[ ٢ / ٤٦٢ ]
وجميع المؤمنين بالرسالات السماويّة -عامتهم وخاصتهم- يطمئنون إلى أن هذا اللون من العجز هو محض الإيمان الذي يأخذ بيد صاحبه إلى ساحة رضا الله تعالى، وهو في حقيقته تكريم للعلم وللعقل!
منهج القرآن:
ورد ما يعتاص فهمه على العقول من الأحداث لعدم جريه على مقتضى معارف العقل، وقضايا العلم، إلى سلطان القدرة الإلهيّة في الخلق والإبداع، وإلى الإيمان بأن الله تعالى يفعل في ملكه ما يشاء كما يشاء، هو نهج القرآن الكريم!
قصة زكريا:
وفي قصة زكريا -﵇- حينما بُشِّر بأن الله تعالى سيرزقه غلامًا، وكان قد بلغ من الكبر سن اليأس والجفاف الذي لا يكون معه ولادة وإنجاب، وكانت امرأته عقيمًا لا تلد، فتعجّب من أمر نفسه، أن يخرج منه ومن زوجه ولد، وهما على حالهما التي لا يظهر فيها سبب قريب أو بعيد لإخراج الولد منهما، وعبّر عن تعجّبه بما حكاه القرآن عنه في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ (آل عمران: ٤٠)!
فجذبه الحق من دائرة الأسباب والتقيّد بالسنن العامة، إلى حظيرة الإطلاق والسنن الخاصة، فقال له في نفس الآية:
﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠)﴾!
أي شأنُ الله في الإيجاد والإبداع فوق الأسباب ومتعارف العقول
[ ٢ / ٤٦٣ ]
والعادات، وكيف تقيّده الأسباب والسنن وهو خالقها ومبدعها، فقدرته تعالى على إبراز الأحداث من الغيب إلى الوجود العيني لا تتقيد بأسباب جرت بها السنن العامة في نظام الكون؛ لأن وراء هذه الأسباب والسنن العامة أسبابًا وسننًا خاصة، يفعل بها ما يشاء كما يشاء، متى شاء، ولذلك زاد نبيّه زكريا تلطّفًا في جذبه إلى حظيرة الإطلاق، عندما سجّل القرآن الكريم قصّته أيضًا في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ (مريم)!
فنبّهه إلى ما هو أعظم من الجاد الولد منه ومن زوجه، وهما على حالهما من البعد عن الإنجاب، فقال له عقب هذه الآية مباشرة: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ (مريم)!
مريم وعيسى:
وفي قصة مريم -﵍- حينما بُشِّرت بالولد من غير أب، عجبت من أمر نفسها أن تأتي بولد وليس لها زوج، يكون منه الولد، في مجرى العادة، ومتعارف العقول، وعبّرت عن عجبها بما حكى القرآن عنها:
﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾!
فنبّهها الله تعالى إلى مطالع جلاله، وعظيم قدرته، حتى لا تقف مع الأسباب والسنن العامة، ومتعارف العقول، ومجريات العادة، فقال لها في نفس الآية: ﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾!
أي أن شأن الله تعالى ألا تتقيّد قدرته في إيجاد ما يشاء بما تعرفه العقول، وتعهده العادات من أسباب، وإنما مرد أمره في الخلق والإبداع إلى قضائه، فإذا
[ ٢ / ٤٦٤ ]
قضى الأمر كان ما قضاه بكلمته وحكمته، كما جاء في ختام نفس الآية:
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾ (آل عمران)!
إبراهيم وسارة:
وفي قصة إبراهيم -﵇- وزوجه أم إسحاق -﵇- لمَّا بُشِّر بالولد من زوجه العجوز العقيم، وهو شيخ كبير عتا عن الإنجاب، عجبت امرأته من أمرها وأمر زوجها فرحة ضاحكة من شدة سرورها بالبشرى، وقالت معبرة لوقوفها آنذاك مع الأسباب والسنن العامة: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)﴾ (هود)!
فنبّهها الملائكة المبشرون إلى أن هذا الإنعام من أمر الله الذي لا يتقيّد بظواهر الأسباب، ولا ينبغي التعجّب من أمر الله؛ لأن أمره جل شأنه فوق الأسباب والسنن العامة، ومتعارف العقول، ومجاري العادات في الكون؛ لأن الله تعالى يفعل من الأسباب والمسببات ما يريد!
العقل والعلم:
وعلى الذين يؤلّهون العقل، ويتعبّدون لمعارفه، ويجمدون مع متكرّر العادات أن يكفكفوا من غوائلهم في تفسير الأحداث الكونيّة في الإنسان وفي غيره من سائر الموجودات، فما اتضح لهم تفسيره واطمأنوا إليه قبلوه -بحمد الله- وإن لم يتضّح لهم تفسير بعض الأحداث لاذوا بالتواضع العلمي، ووضعوا نصب أعينهم هذا القانون الإلهي المعبّر عن أصدق ما وصل إليه العقل والعلم، وما يمكن أن يصلا إليه:
[ ٢ / ٤٦٥ ]
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ (الإسراء)!
وهم يعلمون أن العقل والعلم عجزا عن تفسير كثير من الحقائق الكونيّة، وهما دائبان على البحث وراءهما، عساهما يصلان إلى شيء مما عجزا عنه!
وحسب الباحثين أن يقفوا مع العقل والعلم في أوج توثّباتهما الفكريّة والتجريبيّة، ليعلموا -إن كان هناك وسيلة للعلم- ما شأن الحياة بأعم معانيها في الكون؟
وماذا بلغ العقل والعلم من الكشف عن حقيقتها، ما هي؟ وما كنهها؟ والحياة بها كل شيء في الوجود، أو هي كل شيء، فإذا كان العقل والعلم لم يصلا إلى معرفة حقيقتها في عمومها، ولم يصلا إلى حقيقتها في الإنسان خاصة، فكيف يعطى العقل والعلم حق التحكم في تفسير الأحداث الدينيّة التي تستند إلى أمور غيبيّة لا تزال محجوبة عنها؟
إن العلم والعقل لهما مكانتهما التي لا تجحد، وبهما تتقّدم الحياة نحو الكشف عن المجهول، وعلى المعتصمين بالعلم والعقل أن يسيروا معهما في حدود مبلغ أمرهما، دون أن يتجاوزوا بهما طبيعتهما في تفسير الأحداث!
وجوب التسليم:
وإن الفيصل في قبول ما يروى من أحداث كونيّة، وأعاجيب خارقة لنواميس السنن العامة في الكون، مما جرى على أيدي أنبياء الله ورسله، هو صحة الرواية صحة لا تتعرض لطعن في النقل أو تجريح في السند، ثم بعد ذلك وجوب التسليم بما صح الإخبار به، وردّ إبداعه إلى الله تعالى، وعظيم قدرته، وبالغ حكمته!
[ ٢ / ٤٦٦ ]
وقصة شق الصدر سبيلها هذه الأحداث الكونيّة الدينيّة .. وقد سبق ذكر الروايات الصحيحة!
حقائق التاريخ:
وقد تكلم العلماء فأوسعوا في شرح ألفاظ القصة، وذكروا حكمتها، وحكمة كل فعل روي فيها، من الغسل بماء زمزم أو غيره، ونزع العلقة، وذرّ السَّكينة، وإدخال الإيمان والحكمة والرأفة والرحمة، بما لا يدع مجالًا لمؤمن في التوقف عن قبول القصة، والإيمان بها .. ولا عبرة بعدم اطمئنان المستشرقين وجماعة المستغربين من الباحثين المعاصرين إلى القصة ووقوعها!
وأما غمز القصة بطفوليّة الرسول - ﷺ -، واستعظام ما حدث به على سنه في الرواية، فهذا من قبيل الإيهام المضلل!
وقصد شق الصدر سبيلها سبيل هذه الأحداث الكونيّة الدينيّة، فما شأن الروايات التي تحدثت بها؟
وقد سبق أن ذكرنا رواية مسلم في ذلك!
والحديث مع هؤلاء في وقع القصة، لا في زمانها ومكانها؛ لأن ذلك تحقيق تاريخي، لا يضير البحث ألا يؤمنوا به!
وكيف يستعظم تحدث الرسول - ﷺ - على سنه، والأمر كله من قبيل الإعجاز؟ على أن تحدثه - ﷺ - كان وهو نبيّ رسول، إذ سئل من بعض أصحابه، كما روى أحمد وغيره بسند حسن من طريق بقية، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن ابن عمرو السلمي، عن عتبة بن عبد السلمي، أنه
[ ٢ / ٤٦٧ ]
حدثهم أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال: "كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بَهم (١) لنا، ولم نأخذ معنا زادًا، فقلت: يا أخي، اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق أخي، ومكثت عند البَهم، فأقبل طائران أبيضان، كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهُوَ هُوَ؟ قال: نعم، فأقبلا يبتدراني، فأخذاني فبطحاني إِلى القفا فشقّا بطني، ثم استخرجا قلبي، فشقّاه، فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه - قال يزيد في حديثه: ائتني بماء ثلج - فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء بَرَد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة، فذرّاها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: حُصه (٢)، فحاصه، وختم عليه بخاتم النبوة،- وقال حيوة في حديثه: خصه فخمه واختم عليه بخاتم النبوّة، فقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفّة واجعل ألفًا من أمته في كفّة، فإِذا أنا انظر إِلى الألف فوقي، أُشفق أن يخر عليّ بعضهم، فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم، ثم انطلقا وتركاني، وفرِقت فرَقًا شديدًا، ثم انطلقت إِلى أمي، فأخبرتها بالذي لقيته، فأشفقتْ عليّ أن يكون أُلْبِسَ بي، قالت: أعيذك بالله! فرحلت بعيرًا لها فجعلتني -وقال يزيد: فحملتني- على الرحل، وركبت خلفي، حتى بلغنا إِلى أمي، فقالت: أو أدّيت أمانتي وذمّتي؟
_________________
(١) بهم -بفتح الموحدة وسكون الهاء- جمع بهمة، وهي ولد الضأن، الذكر والأنثى، والمراد أنه - ﷺ - كان يرعى الغنم مع أخيه من الرضاع: الفتح الرباني: ٢ -: ١٩١.
(٢) حُصه -بضم الحاء المهملة- أي خطه، يقال حاص الثوب يحصه حوصًا: إذا خاطه: المرجع السابق!
[ ٢ / ٤٦٨ ]
وحدّثَتْهَا بالذي لقيت، فلم يَرُعْها ذلك، فقالت: إِني رأيت خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام" (١)!
وهكذا يتضح أن الرسول - ﷺ -، سئل وهو نبي رسول، فأجاب بما جاء في هذه الرواية!
والذي يعني البحث أن قصة شق الصدر حادث كوني، ومعجزة عجيبة، وقعت للرسول - ﷺ -، وجاءت بها الروايات الصحيحة الثابتة، ولا يردها تشكيك مستشرق ولا مستغرب ولا متعوقل ولا متعالم، ولم يتخذ منها النبي - ﷺ - آية للتحدي والبرهنة على صدق رسالته، كغيرها من المعجزات الكونيّة، والخوارق العجيبة قبل البعثة أو بعدها!
ونحن نعلم أن هذا اللون من الآيات المعجزة لو لم يذكر في سيرة الرسول - ﷺ - لم يُنقص من جلالها شيئًا، وأن معجزته العظمى الخالدة التي حملت بين طواياها التحدي بها هي (القرآن العظيم)، ولكن حقائق التاريخ يجب أن يرتفع بها البحث إلى قدس الحق، بعيدًا عن التعصّب الحقود، والتقليد الأبله، والتأثر بالنزعات المجافية لحقيقة الدين والإيمان به!
وعلى الذين يؤرخون لحياة الرسول - ﷺ - ويكتبون في سيرته الطاهرة، أن يجعلوا نصب أعينهم أنه نبيّ من أنبياء الله، ورسول من رسل الله، وأن عظمته في نبوّته ورسالته، مع اتصافه بكل صفات الكمال المثالي، فهو بالنبوة والرسالة
_________________
(١) أحمد: ٤: ١٨٤ - ١٩٥، والدارمي: ١: ٨ - ٩، والحاكم: ٢: ٦١٦ - ٦١٧، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، والبيهقي في "الدلائل": ٢: ٧ - ٨، وأورده في المجمع: ٨: ٢٢٢، وقال: رواه أحمد، وإسناده حسن، وله شواهد تقويه، ورواه الطبراني: الكبير: ١٧ (٣٢٣)، والشامين (١١٨١)، وانظر: أحمد: ٣: ١٢١ عن أنس، وسنده صحيح، وابن سعد: ١: ١٥٠، وعبد بن حميد (١٣٠٨).
[ ٢ / ٤٦٩ ]
قد سما على العبقريّة والبطولة، ونبصر فضله على إخوانه الأنبياء والمرسلين بما منحه الله تعالى من فضل في شريعته التي ختم الله الشرائع بها، وجعلها جامعة لجميع ما جاءت به الشرائع المتقدمة، من خير وإصلاح وتهذيب مع زيادة ما يقتضيه تقدم الإنسانيّة في تفكيرها وعقلها وروحها وضميرها!
ولعل هذا هو ما أشار إليه القرآن الكريم بعد أن ذكر أولي العزم من الرسل في آية: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ (الأنعام: ٨٣)!
فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الأنعام: ٩٠)!
فهُدى الجميع هُدى للرسول - ﷺ -، فهو الجامع لما تفرّق في جميع الأنبياء والمرسلين من الفضائل، والمحامد، وإليه ينتهي خيرهم، وفي شريعته تنطوي شرائعهم، فهي خاتمة الشرائع، وهو خاتم النبيّين وإمام المرسلين!
ولعل التصور المقارب للواقع التاريخي (١)، يستطيع أن يسعف العقل ليرسم صورة موجزة مقاربة لمطلع حياة طفوليّة نهدت في لفائف اليتم، لأكرم من ضمه مهد في حياة البشريّة، حتى يستشف البحث من وراء ذلك حقائق الوجود الواقعي في مشهد الحياة لهذه الشخصيّة الكريمة، التي غيّرت معالم الحياة في تاريخ البشريّة!
تولى الله أمر الرسول - ﷺ - منذ أول لحظة حظي فيها الوجود بإشراق طلعته، فنشّأه تنشئة جمع له فيها خصائص الفطرة الإنسانيّة في أعلى مراتبها وأرفع درجاتها، فلم يكله إلى أب يكفله ويربّيه، وللأبوّة أثرها على الطفولة وتوجيهها في الحياة!
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ١٥٢ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
ولم يعرف الرسول - ﷺ - عن شمائل أبيه وأخلاقه وعاداته ووسائله في عيشه إلا ما حدّثته به أمّه عنه في طفوليته، وهي كسيرة القلب، حزينة الفؤاد، لفراق ذلك الزوج الحبيب والأب الكريم!
والرسول - ﷺ - يوم أن عقل هذا الحديث وتصور منه صورة أبيه، كان قد أخذ سمتًا في الحياة لا تغيّره الأحاديث، ولا تؤثّر فيه الصور الذهنيّة المركبة من مجموعة قصص عمن كان وما كان، إلا كما يؤثر بريق التاريخ اللامع في توجيه أمّة تكنفها عناصر الحياة بدوافعها الحيّة المتدفقة، وأي أثر لهذا البريق غير الإعجاب بالماضي الذي ذهب ولن يعود؟!
عاطفة الأمومة:
ولد الرسول - ﷺ - يتيمًا -كما أسلفنا- ولم يستشعر عطف الأبوّة يفيض به قلب والد فطره الله على لون من الحنان، لم يعطه الله غير قلوب الوالدين، وللطفولة إلهام تقرأ آياته في نظراتها الحالمة، وبسماتها الساهمة، وفي هذا الإلهام ضرب من الإدراك الخافت الذي يلمس به الطفل حنان الأبوّة وعطفها، فترسم على فمه بسمة صادقة، وعلى عينيه نظرة صافية صفاء الفطرة الخالية من الرسوم والأصداء!
ولقد ارتسمت على فم الرسول - ﷺ - البسمة الصادقة، وطافته بعينيه تلك النظرة الشافعية، ونظرت إليه أمّه آمنة بنت وهب -وكانت قريبة عهد بفراق زوجها الحبيب- فجدّد نظرها إليه في نفسها حزنًا مبرحًا وألمًا عظيمًا، فرأت على ثغره ابتسامة متوهّجة، وأبصرت في عينيه تطلعًا إلى السماء، ولعل خيالها المصور أسعفها فأراها في وجه وليدها المحبوب وجه والده الحبيب، وتنازعتها عاطفتان:
[ ٢ / ٤٧١ ]
عاطفة الوالدة، وقد أشرق عليها وجه وليدها وقرة عينها!
وعاطفة الزوجة، فَقَدتْ زوجها الحبيب؛ ولكنها تتمثله وترى وجهه في وجه هذا الوليد الحبيب!
وتغلّبت عاطفة الأمومة الحانية على عاطفة الزوجيّة الودود، وضمت آمنة وليدها إلى صدرها، واختلطت عليها الأحاسيس، واستنار وجهها!
حتى أهلّ على مكة موسم المراضع، فقدم السعديات إليها يطلبن الرُّضّع، وفيهن حليمة فكان الرسول نصيبها، وكانت هي من حظه، وحملته وارتحلت به إلى باديتها، وكان الصدر الذي يضمه ليس صدر آمنة أمّه، ولكن صدر حليمة ظئره، وفرق كبير بين العاطفتين:
عاطفة الأمومة الوالدة!
وعاطفة الأمومة المرضعة!
فحُرم حنان أمه بعد أن مضى القدر فحُرم عطف أبيه!
وذلك لون من اليتم الجديد، قضت به العادات المتوارثة فيما بين العرب، فهو قد حُرم عاطفة الأبوّة المُشفقة، وبُوعد عن عاطفة الأمومة الحانية، ونشأ بعيدًا عن بَلده وقومه، وبلده حاضرة البلادَ العربيّة، لها من طبيعة الحواضر ما يَسمُها بوسم اللين والدعة، وقومه أهل شرف وسيادة في بلده، وللشرف والسيادة آثارهما على الأخلاق والتطبّع وتوجيه الغرائز والسلوك!
انفعال الخواطر:
لقد نشأ الرسول - ﷺ - في بادية بين قوم من العرب عُرفوا بصفاء البيان، وفصاحة اللسان، وقد ضاق عيشهم، وعصفتهم السنون، يعيشون في بادية
[ ٢ / ٤٧٢ ]
ضاحية الأديم، تصهرها الشمس إذا أسفرت، وتتلألأ في سماء لياليها النجوم الزواهر، ويضيئها القمر المنير، ويزمجر في أرجائها الرعد، ويلمع في آفاقها البرق، وتَهْدر في وديانها العواصف، وتطبعها الحياة بطابع قاس متقلب، تنتشر على صفحتها هنا وهناك خيام يأوي إليها فئام من الناس إذا هجع الليل، أو هجّر النهار، يسرحون بالبُهم يرتادون لها المراعي وظلال الشجر ومجتمع الأنهار والغُدُر، ومساقط الغيث ومنابت الكلأ، وذلك هو كل ما يشغل أهل هذه البيئة، وفيما سواه فراغ لا يملؤه من العمل كثير ولا قليل، فهي بيئة تدعو إلى التأمل والتفكر، وتقليب النظر في ملكوت الله تعالى ومظاهر الوجود!
ماذا وراء هذا الفضاء الكبير الأفْيَح؟
وما هذه القبّة الزرقاء المتعاظمة في سعة آفاقها؟
وما هذه السابحات المتلألئات في أديمها؟
وما هذا الجرم الفضي الذي يبعث على هذه الأرض بأنواره المظلة بنسائم الأسحار؟
وما هذا اللهب المنبعث مع خيوط الضياء الوهاج، من الجرم النهاري السابح في آفاق السماء؟
وما الذي يمسك ذلك ويديره على هذا النظام المحكم البديع؟
وما هذا الصوت الهائل المزعج الذي يصحب دائمًا الغيث مبشّرًا أو نذيرًا؟
وما هذا الضوء الخاطف بلمعانه في أطراف السماء؟
وما هذه العواصف المزمجرة؟ وما الذي يهيجها ويحرّكها؟
وما هذه النباتات والأشجار في أشكالها وألوانها وروائحها وطعومها؟ من أين جاءت، وكيف نبتت؟
[ ٢ / ٤٧٣ ]
ثم ما أنا؟ ومن أنا؟ ومن أين جئت؟ وإلى أين أذهب؟
ثم ما هذه الحياة؟ وما هذا الوجود؟ وما مبدؤه؟ وما غايته؟ وهل فوقه قوة تدبّره؟ وإرادة قاهرة تحركه؟ وما حقيقة تلك القوة المدبرة الحكيمة، وأنى لنا بمعرفتها وأسلوب حكمتها وتدبيرها؟
كل هذه أسئلة لا بد أن تمر على خاطر من يقيم في بيئة مثل البيئة التي كانت مهدًا للرسول - ﷺ - في بادية بني سعد بن بكر .. ولابد أن تنفعل لها الخواطر التي تمر بها، وتتأثر بها الفطر المصقولة التي جعل الله لها قابليّة الانطباع لما يمرّ عليها!
أما النفوس الصدئة والفطر الكثيفة فليس لها من ذلك الانفعال شيء، فكم من نفوس شهدت جلال الصحراء وجمالها كما شهدها الرسول - ﷺ - في طفولته، ولكن قليل جدًّا هم الذين تأثروا بذلك الجلال الوجودي والكمال الكوني، وانفعلت له فطرهم كما تأثر الرسول - ﷺ - وهو طفل لم يجاوز الخامسة من عمره، وحتى هذا القليل لم يكتب له طرف مما كتب التاريخ من تسبيحات الفكر في محاريب الوجود، بل ضلوا وضل ذكرهم في متاهات الصحراء، وبقي الرسول - ﷺ - وحده على ربوة الوجود يجاذبه هذا الجلال ترانيم التقديس في صور من التأملات والتفكير!
حياة الصحراء:
رجع الرسول - ﷺ - من بادية بني سعد إلى مكة، بعد أن بلغ من عمره سنوات هي سن تبلغ فيها النفس أول مراحل النشاط والقوة والتطلع إلى معرفة كل مجهول!
وأي شيء في حياة الصحراء مجهول؟
[ ٢ / ٤٧٤ ]
أليست الحياة فيها مكشوفة عريانة؟
الأرض وما عليها من جبال ووديان وحيوان ونبات، والجو بعواصفه وأمطاره ورعوده وبروقه .. كلها أمور مرئيّة مشهودة، ولكن ما مبلغ علم الناس بها .. لا شيء سوى هذه الظواهر المكرورة في كل وقت وحين، أما ما وراء ذلك فهو محجب مغلق!
فأي شيء إذن في حياة الصحراء معلوم؟!
هذه الحيرة الفكريّة هي الآية الأولى التي قرأها الرسول - ﷺ - في كتاب الوجود على صفحة الصحراء .. وهي التي رجع بها إلى مكة السادرة في غي وثنيّتها، السكرى بخمر أصنامها، المحجوبة عن التفكير في جمال الكون بتجارتها وأسواقها ومواسمها وأعيادها وعاداتها، فنظرت إليه ونظر إليها!
نظرت إليه بمنظار وثنيتها فلم تره يمشي إلى أصنامها لاهيًا، كما يمشي أطفالها .. بل رأت فيه طفلًا كأنه يحمل من هموم الدنيا وأحزانها ما صرفه عن اللهو واللعب!
وارحمتا لهذا الصبي؛ إنه يتيم، يرى لداته من الأطفال يرتمون في أحضان آبائهم، فيضمّونهم إلى صدورهم، فيملؤه الحزن ألاّ يرى له أبًا بين هؤلاء الآباء، كذلك فكرت مكة في نظرتها إلى الرسول - ﷺ - في صمته وعزلته عن معابثها وملاهيها!
ونظر إليها الرسول - ﷺ - من خلال حيرته الفكريّة، فرأى صورًا هزليّة، ورأى مسخًا للكرامة الإنسانيّة!
ما هذه الأحجار المنحوتة؟ وما هذا الدوار بها؟
[ ٢ / ٤٧٥ ]
وما هذه القرابين؟
ولمن يتقرّب بها؟
وفيم هذه الدماء المسفوكة؟ والمساكين غرقى؟، والفقراء جوعى، لا يصلون إلى شيء، ولا يصل إليهم شيء!
ولكن ما حيلة الرسول - ﷺ -، وهو طفل في هذه الهامات الضخمة، واللحى المسترسلة، والرقاب الغليظة، والأصوات المفزعة، والمجد الزائف، والشرف المؤثل؟!
- فهي التي تطوف بهذه الأحجار، وهي التي تدور وتتقرّب، وهي التي تهذل وتمسخ!
لو كان يسمع له لقال وتكلّم، ولعلّه أن يكون!
وفي حياة الرسول - ﷺ - الخاصة ما يشغله عن صخب مكة ولهوها العابث حول أحجارها وأوثانها، فليذهب إلى أمّه ليسكن إلى ضمة صدرها وحنان قلبها، وقد كان يزورها مع ظئره، فتخطف له الحديث خطفًا عن أبيه وأسرته وقومه وبلده!
ولسان الحال يقول: أنت محمد بن عبد الله، الكريم بن الكريم، أبوك أنضر فتيان مكة وأشبّها شبابًا، وأعلاها ذكرًا، فأين هو؟
وتختنق آمنة العبرة، فلا تستطيع أن تمضي في الحديث، فينظر الرسول - ﷺ - فإذا العبرات المكتومة المتبادلة!
ويلتف إلى من يملأ حوله الملأ من صناديد قريش، فإذا هو شيبة الحمد عبد المطلب بن هاشم شريف مكة وكبير قريش، وهؤلاء الفتيان البهاليل المساميح
[ ٢ / ٤٧٦ ]
حول هذا الشيخ في وقفة الإجلال، هم الأعمام، وهؤلاء الصيد الأماجد، يملؤون السمع والبصر يغدون في طرقات مكة ويروحون في استعلاء، فم قريش، وهذا البلد الأمين مكة!
ووسط كل هذا لا ينسى الرسول - ﷺ - أنه يتيم، وأن أباه ليس له أوبة، وأنه قد مضى إلى حيث لا يعود!
وفيم يطيب الحديث بين الحبيب والحبيب إلا عن ذلك الراحل الحبيب!
صلة الرحم:
وكانت آمنة مثالًا للمرأة الكاملة (١)، وهي بعد لم تتجاوز العشرين إلا بقليل، فقد رأت أن تزور يثرب، والرسول - ﷺ - معها، وأم أيمن حاضنته، لأمرين:
أولهما: أن تزور مع ولدها قبر أبيه، وفي ذلك أجل الوفاء وأكرمه!
وثانيهما: أن تعرّفه بقرابته من ذوي الأرحام، وهم بنو النجار، إذ تزوج منهم جده هاشم -كما أسلفنا- وينتهي نسب هذا الزواج إلى عدي من بني النجار، وكان بالمدينة ذا شرف ومال!
وقد تحقق لها ما أرادت!
ولعل هناك باعثًا آخر، وهو أنها كانت تخشى على وليدها العزيز جو مكة ووباءه، فأرادت أن تخرج به من ذلك الجو المزدحم الآهل بالسكان، وقد كانت حليمة تأخذه من وقت لآخر، إلى جوّ البادية، حيث يكون متصلًا بالكون، لا يحجبه عنه حاجب، ولا يحول دونه باب!
_________________
(١) المرجع السابق، وخاتم النبيّين: ١: ١٥٦ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
سافرت به أمه لتزور قبر أبيه الحبيب الثاوي هناك، وأن يتعرّف -في الوقت نفسه، إلى أخوال أبيه المقيمن بيثرب آنذاك .. وعادت الأطياف ينطق بها لسان الحال أمام القبر، وإذا العبرات تنهمر، والأرواح تتناجى على مشهد من الغلام الذي عرف قبر أبيه، وأدرك محبّته من خلال الفطرة وعبرات أمه، فكان منظرًا مطبوعًا في نفسه، وهمسًا مسّ قلبه ومشاعره!
وقد رسمت تلك الرحلة صورًا متتابعة كانت لها آثارها فيما بعد!
يُتم يلاحقه يتم:
وأقامت آمنة بدار بني النجار ما طابت لها الإقامة، ولم تُرد الاستمرار بعيدة عن بني هاشم، وعن عبد المطلب، فكان لابدّ من العودة، ومن ثم أخذت في السير إلى مكة، وهنا أدركها الموت بـ (الأبواء)! وشهد الرسول - ﷺ - وهو في هذه السنن وفاة أمه كما شهد دفنها!
وإذا كان قد فقد أباه من قبل، فقد كان ذلك وهو في الغيب المكنون، وقد عوضه جده عطف الأب!
أما الأم فقد فقدها وهو في وعي، وبعد أن ذاق حلاوة حنان الأم، وبعد أن عرف أنه لا شيء يعوّض عطف الأمّ الرؤوم، وهو فوق ذلك حرمان من شيء موجود شعر به، وأصابته له لوعة، علّمته الصبر وعوده أخضر!
وزادت اللوعة، وزاد معها الصبر، أن الموت في حال الغربة لكل منهما، وليس لهما إلا الصحراء، وشقة بعيدة، لابد من قطعها، فاجتمع ألم الغربة، وألم الفقد، وألم الانقطاع، وصار الركب في رعاية الله، ليحسّ مع الصبر واحتمال الآلام كريم الرعاية الإلهيّة، والعناية الربانيّة، ويكون له من هذا زاد
[ ٢ / ٤٧٨ ]
نفسي يذكره عندما يلاقي الشدائد في الدعوة إلى الحق، ومناوأة الباطل، وتكاتف المشركين عليه، وتعرضه للأذى، والتجائه إلى الله!
أم أيمن:
وإن الذي حمله، وحل محل أمه في حضانته أم أيمن، وإذا كانت لم تعطه حنان الأم، وعزة العطف، فقد كلأته وحمته!
وإن ارتباط حياته الطاهرة بأم أيمن تزويد من الله تعالى به بزاد إنساني، ليشعره بأن الناس كلهم لآدم، وأن كل الفضل فيمن يُحسن في عمله، لا فيمن يفاخر بنسبه وكفى، وإنها لحكمة عالية أن تكون الحاضنة التي لا يستغني عنها الرسول - ﷺ - حبشيّة؛ لأنه تربية ربانيّة على المساواة الإنسانيّة، وأنه لا شرف إلا بالعمل والعاطفة، لذلك لم يكن غريبًا أن تعطيه حب الأمومة، وإن كان دون حب أمّه آمنة، وأن تصل به إلى جده محوطًا بعناية الله ثم بعطفها!
وهكذا كان قدر الله رصدًا لوفاة عبد الله قبل مولد النبي - ﷺ -!
ووفاة آمنة وهي في طريق عودتها بالنبي - ﷺ - من تلك الزيارة إلى (مكة) البلد الحرام!
وهكذا كان الرسول يتيم الأبوين، ليستخلصه الله بالتربية، ويصطنعه بالتأديب، حتى تكون نشأته ربانيّة خالصة، ويكون تأديبه إلهيًّا خالصًا، فتتم له النعمة، وتعظم من الله عليه المنّة!
وأي يتم أبلغ في النفس أثرًا وأعمق في القلب ألمًا من يتم يتلاحق فيه الأبوان قبل أن تشتد لصروف الحياة قناة اليد؟!
[ ٢ / ٤٧٩ ]
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾:
وهنا نبصر رحمة الله بخاتم رسله في آيات متعبّدة متلوة آناء الليل وأطراف النهار: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ (الضحى)!
وماذا عسى أن يفعله عبد الله لابنه لو بقي حيًا؟ (١)!
أكان يربّيه ليهب له النبوة؟
ما كان له ذلك؛ لأن الأب عنصر واحد من عناصر شتى، تتحكّم في مستقبل الطفل، وتحفر له في الحياة مجراه!
ولو كانت النبوة بالاكتساب ما قرّبتها حياة الوالد شبرًا، فكيف وهي اصطفاء؟!
كان يعقوب حيًّا يرزق، له شيخوخته وتجربته وحكمته، بل له نبوّته، وقد نظر يومًا فلم يجد يوسف قريبًا منه، إنه فقده في أخطر فترات العمر، فترة الصبا اللدن واليفاعة الغضة، ومع فساد البيئات التي احتوت يوسف فقد كان باطنه ينضح بالتقى والعفاف، كما يتقد المصباح في أعماء الليل المدلهم، فلما التقى الابن بوالده بعد لأي، رأى يعقوب ابنه نبيًّا صدّيقًا .. لقد ولّى عبد الله، وترك ابنه يتيمًا، وكذلك آمنة، وكان اليتم الذي تلاحق -كما أسلفنا- بيد أن هذا اليتم المتلاحق كان يعد من اللحظة الأولى لأمر جلل، أمر يصبح به الرسول - ﷺ - خاتم النبيّين وإمام المصطفين الأخيار، وما الأب والجد، ما
_________________
(١) فقه السيرة: الغزالي: ٥٩ بتصرف.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
الأقربون والأبعدون، ما الأرض والسماء إلا وسائل مسخّرة لإتمام قدر الله، وإبلاغ نعمة الله من اصطنعه الله!
كفالة عبد المطلب:
وعاد الرسول - ﷺ - إلى مكة، ومعه حاضنته وأمّه بعد أمّه السيدة البرّة أم أيمن (١)، وقلبه ينفطر أسى وحزنًا لفقد أمّه التي كان يجد في أحضانها وأحاديثها ومناغاتها غذاء لطفولته، ونشوةً لشبابه، وتلقّاه جده عبد المطلب، فقرأ على صفحات وجهه أبلغ الحزن، وأمْضَى الأسى، فكان يحرص على رعايته حرصًا شديدًا، ويتلطف معه ويدنيه منه، والتقت فيه محبتان (٢):
الأولى: محبة أبيه الذي اهتصره الموت، وعوده أخضر!
والثانية: محبة الغلام الطاهر في ذاته، المحبوب لذاته!
وإذا كان اليتم بطبيعتة يوجد انفرادًا نفسيًّا واعتزالًا، فإن الجدّ خشي أن يكون لذلك أثره في قلب هذا الغلام المحبوب، فكان يبالغ في تقريبه، حتى يأنس به دائمًا .. وكان ينسبه مباشرة؛ ليستأنس به ويؤنسه، ويمنع عنه الإحساس بغربته بين أولاده!
وإن أخشى ما يخشاه القوّامون على اليتامى أن يشعروا بانفراد، فلا يألفوا الناس، ومن ثم كان عبد المطلب يوليه عناية خاصة!
وبقي الرسول - ﷺ - في كفالة جده عبد المطلب، يرعاه الله برعايته، ويكلؤه بكلاءته، ويحفظه بعنايته، ما يقارب سنتين؛ لأن وفاة أمه كانت
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ١٦ أو ما بعدها بتصرف.
(٢) خاتم النبيين: ١: ١٦٣ بتصرف.
[ ٢ / ٤٨١ ]
وهو في السادسة من عمره على أرجح الروايات، فلما بلغ الثامنة كان جده قد فارق الحياة!
كفالة أبي طالب:
وتأسّى أبو طالب بأبيه عبد المطلب في حفاوته وحبه للرسول - ﷺ -، فهو ابن أخيه الشقيق عبد الله، ومن ثم كان يحبّه حبًّا شديدًا لا يحبّه لولده، وكان لا ينام إلا إلى جنبه، وكان يخصّه بما لم يحظ به أولاده، تمشيًّا مع ما طُبع عليه أبو طالب من جهة، ومراعاة لصلة القربى من جهة ثانية، والتزامًا بوصية عبد المطلب، بمزيد العناية والرعاية، عندما أحسّ بالموت من جهة ثالثة!
ومن هنا قام أبو طالب بما قام به .. وكان يرعاه حقّ الرعاية، ويصاحبه ما أمكنت الصحبة، فالرسول هنا في سن تحتاج إلى الصحبة والملازمة .. مع مراعاة اليُمن الذي كان يلازم الرسول - ﷺ - أينما حل وحيثما ذهب!
ونلمح أثر التربية الإلهيّة ونحن نبصر رسول الله - ﷺ - وهو في هذه السن أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأكرمهم مخالطة، وأحسنهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا وأمانة، وأصدقهم حديثًا، وأبعدهم من الفحش والأذى، وما رؤي ملاحيًا ولا مماريًا أحدًا، حتى سماه قومه الأمين، لما جمع الله له من الأمور الصالحة فيه (١)!
_________________
(١) انظر: الطبقات الكبرى: ١: ١٢١، وابن هشام: ١: ٢٤٠، ودلائل النبوة لأبي نعيم: ١: ٢١٦.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
٣ - المسؤوليّة والإيجابيّة:
وثالث ما يطالعنا: المسؤوليّة والإيجابيّة، فيما يلي:
الرسول - ﷺ - يرعى الغنم:
اتجه الرسول - ﷺ - إلى رعي الغنم، وهو عمل يستدعي رفقًا منه ورعاية، وفيه ثلاث مزايا (١):
الأولى: أن فيه سياسة لحيوان ضعيف، يقتضي عطفًا ورفقًا في سياسته!
الثانية: أنه يعاشر فيه الضعفاء من الغلمان الذين ليس فيهم استعلاء أهل الجاهليّة الأولى، الذين كانوا يستعلون عن مزاولة مثل هذا العمل!
الثالثة: أن فيه كسبًا ماديًّا من عمل اليد، وأفضل الكسب ما كان من عمل اليد!
يروي البخاري وغيره عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما بعث الله نبيًّا إِلا رعى الغنم" فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: "نعم. كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" (٢)!
قال العلماء (٣): الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرّن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم؛ ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة؛ لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع
_________________
(١) خاتم النبيين: ١: ١٦٨ بتصرف.
(٢) البخاري: ٣٧ - الإجارة (٢٢٦٢)، وابن ماجه (٢١٤٩)، والموطأ بلاغًا: ٢: ٩٧١.
(٣) فتح الباري: ٤: ٥١٦ دار الريان، ط. ثانية ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
وغيره، كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها، وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها، ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحمُّلهم لمشقة ذلك أسهل، مما لو كلّفوا القيام بذلك من أول وهلة، لما يحصل لهم من التدريج على ذلك، برعي الغنم، وخصت الغنم بذلك، لكونها أضعف من غيرها؛ ولأن تفرّقها أكثر من تفرّق الإبل والبقر، لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرّقها فهي أسرع انقيادًا من غيرها، وفي ذكر النبي - ﷺ - لذلك، بعد أن علم أنه أكرم الخلق على الله، ما كان عليه من عظيم التواضع لربّه، والتصريح بمنّته عليه وعلى إخوانه من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء!
وهذا لون من الحياة اختاره الله -جل شأنه- لكل من اصطفاهم لرسالته في سياسة الخلق، وتعليمهم شرائع الحياة الصالحة، وأدب العبوديّة، ومعرفة الخالق، ودلائل قدرته في صنائعه!
وإنما جعل الله هذا في الأنبياء تقدمة لهم؛ ليكونوا رعاة الخلق؛ ولتكون أممهم رعايا لهم في عصورهم؛ ولتكون خير أمة أخرجت للناس في مكان القيادة والريادة للإنسانيّة كافة!
قصة بحيرى الراهب:
وجاء الوقت الذي تهيّأ فيه أبو طالب للرحيل في تجارته إلى الشام، فتعلق به الرسول - ﷺ - ليأخذه معه، فرق له أبو طالب واصطحبه، وكان النبي - ﷺ - في التاسعة أو العاشرة أو الثانية عشرة من عمره، على اختلاف الروايات!
روى الترمذي قال: حدثنا الفضل بن سهل، أبو العباس الأعرج البغدادي،
[ ٢ / ٤٨٤ ]
حدثنا عبد الرحمن بن غزوان، أو نوح، أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، قال: خرج أبو طالب إِلى الشام، وخرج معه النبي - ﷺ - في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا، فحلّوا رحالهم، فخرج إِليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرّون به، فلا يخرج إِليهم، ولا يلتفت! قال: فهم يَحُلّون رحالهم، فجعل يتخلّلهم الراهب، حتى جاء فأخذ بيد رسول الله - ﷺ -! قال: هذا سيّد العالمين، هذا رسول ربّ العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين! فقال له أشياخ من قريش: ما علْمُك، فقال: إِنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إِلا خرَّ ساجدًا، ولا يسجدان إِلا لنبي، وإِني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه، مثل التفاحة! ثم رجع فصنع لهم طعامًا، فلما أتاهم به وكان هو في رِعْيَةِ الإِبل، قال: أرسلوا إِليه! فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إِلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إِلى فيء الشجرة مال عليه! قال: فبينما هو قائم عليهم، وهو يناشدهم أن لا يذهبوا به إِلى الروم، فإِن الروم إِذا رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه! فالتفت فإِذا بسبعة قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إِلا بُعِثَ إِليه بأناس، وإِنا قد أخبرنا خبره، بُعِتْنا إِلى طريقك هذا! فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إِنما اخترنا خِيرةً لك لطريقك هذا! قال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟! قالوا: لا. قال: فبايَعوه وأقاموا معه. قال: أنشدكم الله! أيّكم وليّه؟! قالوا: أبو طالب، فلم يزل يناشده
[ ٢ / ٤٨٥ ]
حتى رده أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالًا، وزوده الراهب من الكعك والزيت! قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إِلا من خلال هذا الوجه (١)!
هذا هو أقوى طريق في هذه القصة!
وقال الجزري: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح، أو أحدهما، وذكر أبي بكر وبلال فيه غير محفوظ، وعده أئمتنا وهمًا، وهو كذلك، فإن سن النبي - ﷺ - إذ ذاك اثنتا عشرة سنة، وأبو بكر أصغر منه بسنتين، وبلال لعله لم يكن ولد في ذلك الوقت (٢)!
ورواه ابن أبي شيبة (٣)، والطبري (٤)، وأبو نعيم (٥)، والحاكم (٦)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وليس كذلك؛ لأن قرادًا من رجال البخاري فقط، ويونس من رجال مسلم فقط.
وقال الذهبي في تعليقه على الحاكم: أظنه موضوعًا، فبعضه باطل،
_________________
(١) الترمذي: (٣٦٢٠) الحلبي ط. ثانية ١٣٩٥ هـ ١٩٧٥ م، و(٣٨٦٣) تحفة الأحوذي، دار الكتب العلمية، ط. أولى ١٤١٠ هـ ١٩٩٠ م، وانظر: عيون الأثر: ١: ٤٠، والسيرة النبوية: ابن كثير: ١: ٢٤٣، والطبقات الكبرى: ١: ١٥٠، والروض الأنف: ١: ٢٠٦، وشرح المواهب: ١: ١٩٣، والإصابة: ١: ١٨٣، وأبو نعيم في "الدلائل": ١: ٢١٧ (١٠٩) المكتبة العربية، حلب ١٣٩٠، والأصبهاني في "الدلائل": ٢: ٢٤ والسيرة النبوية: ابن هشام: ١: ٢٣٦ ط. أولى، المنار ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م.
(٢) تحفة الأحوذي: ١٠: ٦٦.
(٣) المصنف: ١١: ٤٧٩، ١٤: ٢٨٦.
(٤) تاريخ الطبري: ١: ٥١٩ - ٥٢٠.
(٥) الدلائل: ١٢٩.
(٦) الحاكم: ٢: ٦١٥ - ٦١٦.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
وبين اعتراضاته على سند الرواية ومتنها ووصفها بالنكارة، بل يفهم من كلامه شكه في الرواية كلها (١)!
فأما انتقاده للسند فقد قال عن عبد الرحمن بن غزوان -راويها- (له مناكير) ثم قال: أنكر ما له حديثه عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، في سفر النبي - ﷺ -، وهو مراهق مع أبي طالب إلى الشام، ومما يدل على أنه باطل قوله: ورده أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالًا، وبلال لم يكن خلق بعد، وأبو بكر كان صبيًا (٢)! وصححه السيوطي لشواهده (٣).
وقال الحافظ (٤): رجاله رجال ثقات، وزاد فيها لفظة منكرة، وهي قوله: وأتبعه أبو بكر بلالًا، وقال بعد أن نقل توثيق النقاد لقراد: وله عند الترمذي حديث من رواية أبي موسى الأشعري فيه ألفاظ منكرة (٥)، وقال في التعقيب على ذكر أبي بكر وبلال: وسبب نكارتها أن أبا بكر لم يكن متأهلًا، ولا اشترى يومئذ بلالًا، إلا أن يحمل أن هذه الجملة الأخيرة منقطعة من حديث آخر، درجت في هذا الحديث، وفي الجملة، هي وهم من أحد رواته (٦)، وقال ابن القيم (٧): وهو من الغلط الواضح!
وذكر الألباني تصحيح الجزري للإسناد، وقد سبق ذكره في مقدمة هذا
_________________
(١) انظر: السيرة النبوية: ٢٨، والسيرة النبوية الصحيحة: ١: ١٠٧.
(٢) ميزان الاعتدال: ٢: ٥٨١ (٤٩٣٤).
(٣) الخصائص: ١: ١٤٢ دار الكتب العلمية ط. أولى ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م.
(٤) الإصابة: ١: ١٨٣ (٧٩١).
(٥) هدي الساري: ٤١٨، ط. الخيرية، القاهرة، وانظر: السيرة النبوية الصحيحة: ١: ١٠٩.
(٦) الإصابة: ١: ١٨٣ - ١٨٤.
(٧) زاد المعاد: ١: ٧٦.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
التخريج، وعقب بذكر ما ورد في رواية البزار (وأرسل معه عمه رجلًا) مما يجعل التصحيف في عبارة حديث الترمذي قويًا بين (رجلًا) و(بلالًا) (١)، وقال: بل هي صحيحة (٢)!
وعلى كل فإن وجود النكارة في الفقرة الأخيرة لا يعني ضعف سائر الرواية، وأما توسع الذهبي في الرد لمجرد احتمالات قابلة للنقاش، ولا تصلح أدلة للطعن في سائر الرواية فلا مبرر له!
ويمكن أن تطمئن النفس إلى إثبات سفره - ﷺ - مع عمه إلى (بصرى) (٣)، وتحذير الراهب لعمه من يهود الروم، بالاعتماد على رواية الترمذي -التي ذكرناها- والاستئناس بالروايات الضعيفة الأخرى!
أما بالنسبة لمعلوماتنا عن بحيرى، فإن المصادر لا تكاد تتفق على شيء بشأنه، بل هل متضاربة في اسمه، فمرة (جرجيس)، وأخرى (جرجس) وثالثة (سرجيس)، ورابعة (سرجس) (٤)، ومرة أنه مشتق من الآرامية، معناه المنتخب، وأخرى من السريانية، معناه العالم المتبحر (٥)، ومرة لقبيلة عبد القيس، فهو عبقسي، ومرة هو نصراني (٦)، وأخرى يهودي (٧)!
_________________
(١) انظر: دفاع عن الحديث النبوي والسيرة: ٦٦: ٦٧ منشورات مؤسسة ومكتبة الخافقين، دمشق.
(٢) فقه السيرة: الغزالي: ٦٦ دار القلم، ط. ثانية ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م، وانظر: صحيح سنن الترمذي للألباني: ٣: ١٩١ (٢٨٦٢ - ٣٨٨١) مكتبة التربية العربي لدول الخليج، ط. أولى ١٤٠٨ هـ ١٩٨٨ م.
(٣) السيرة النبوية الصحيحة: ١: ١٠٩.
(٤) انظر: شرح المواهب: ١٩٤، والروض الأنف: ١: ١١٨، ومروج الذهب: ٢: ٧٥، ودائرة المعارف الإِسلامية: ٢: ٣٩٧.
(٥) انظر: دائرة المعارف الإِسلامية: ٢: ٣٩٧، ودائرة المعارف للبساني: ٥: ٢١٨.
(٦) انظر: مروج الذهبي: ١: ٧٥.
(٧) انظر: السيرة النبوية الصحيحة: ١: ١١١.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
أثر هذه الرحلة:
ولم يكن من المعهود في حياة الناس (١)، ولا سيما الذين أوتوا عقولًا لمّاحة، وقلوبًا يقظة واعية، وأرواحًا مشرقة مضيئة، أن تمر بهم أحداث في طريقهم -وهم بعيدون عن الجو الطبيعي والاجتماعي الذي عاشوا في جنباته- ولا يكون لهذه الأحداث أثر في أنفسهم، خصوصًا إذا كانت الأحداث تمسّهم من قريب أو بعيد، فلابد أن سفر الرسول - ﷺ - إلى الشام كان ذا أثر في نفسه، فهو قد رأى قومًا غير قومه، وعادات غير عاداتهم، وتفكيرًا غير تفكيرهم، وعقائد غير عقائدهم، ومتعبّدات غير متعبّداتهم، وأخلاقًا غير أخلاقهم، ومعيشة غير معيشتهم، وجوًّا غير جوّهم، وبلادًا غير بلدهم، وجرت أحاديث وأحداث كان هو محورها وقطبَ دائرتها!
وكان الرسول - ﷺ - من الذكاء والفطانة، ولقانة القلب، ولطف الخُلق، وإشراق الروح، وضياء العقل، وثُقُوب الذهن، ورجاحة التفكير، بالمكان الأرفع، فلا يمكن أن تمر هذه الصور ثم لا تترك أثرًا في نفسه يرجع به إلى بلده، ويأخذ حيّزًا من حياته وتفكيره .. ولكنه الأثر الذي تتسع له حياة طفل في هذه السن، نشأ نشأة صقلها اليتم -كما أسلفنا- وهذّبها كرم النحيزة، وشرف الأصل، وطهارة الأعراق، وعزة المنبت، مع رعاية الله وحفظه عن التدنس بدنس البيئة الجاهلية وأوضارها!
وعاد الرسول - ﷺ - إلى مكة من رحلته، وقد علم ما تحدّث به الرهبان عنه، مما دعا عمه إلى الإسراع به خوفًا عليه من غوائل اليهود!
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ١٧٥ - ١٧٦ بتصرف.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
فأي صورة ارتسمت في نفس الرسول - ﷺ - لهذه الأحاديث التي تتحدث عن النبوة والوحي، وعن هذا الغلام اليتيم الأمّي الذي سيكون نبي هذه الأمة!
فما النبوة؟
وما الوحي؟
ومتى؟
وكيف؟
هذه أسئلة من الممكن القريب أن تكون دارت في تفكير الرسول - ﷺ - وهو عائد إلى مكة، وهو يرى أهلها يسبحون في عمياء الوثنيّة الجاهليّة البليدة، وهو يعتزلهم في أعيادهم ومواسمهم، وينأى بجانبه كارهًا مبغضًا لأصنامهم، رائيًا لأحوالهم، متعجّبًا من ضلال عقولهم!
ولكن هل حظي الرسول - ﷺ - من داخل نفسه أو ما يحيط به من عوامل وعوالم بجواب عن هذه الأسئلة؟
ليس في حياته - ﷺ - في هذا الوقت ما يشعر بشيء، سوى أنه وجه إلى لون من الحياة يملؤها الإحساس بعظمة الكون وعظمة مدبّره جل شأنه، والشعور بسلطان قدرته المبسوط على الوجود!
تهافت المستشرقين:
وانتهز المستشرقون والمغرضون هذه الفرصة (١)، فصنعوا من الحبّة قبّة، وأسسّوا عليها بناءً متهاويًا، حيث زعموا أن الرسول - ﷺ - قد تلقى رسالة التوحيد النقيّة، من عالم نصراني، وأغرب من هذا أن أحدهم ألف كتابًا في هذا
_________________
(١) السيرة النبوية: الندوي: ١١٨ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
الموضوع، أسماه (مؤلف القرآن)!، حاول أن يثبت أن بحيرى قد لقّن الرسول القرآن كله في هذا الوقت القصير! وفاته أن الرسول - ﷺ - لم يكن قد بعث!
وهذا لا يقوله عاقل رزق من سلامة العقل والإنصاف ذرة، فكيف يُعقل أن غلامًا لم يُبعث بعد، قد تلقى وهو في هذه السن من شيخ لا يعرف لغته، ولم يجلس إليه إلا ما يستغرقه وقت الجلوس العابر، المسائل الدقيقة، والتفاصيل العميقة، في نقد عقيدة الشرك، والمسيحيّة الممسوخة في هذا القرن السادس المسيحي، التي لم يهتد إليها كبار النقاد في المذهب البروتستانتي، وكبار المصلحين في العالم المسيحي، والتمييز الدقيق بين عقائد الفرق المسيحيّة وأقوالها، وقد تعرض القرآن الكريم لحوادث لم تحدث إلا بعد ثلاثين أو أربعين سنة، حيث أصبحت عظام بحيرى نخرة .. كاندحار الروم أمام الفرس في الأعوام الأولى من القرن السابع المسيحي (٦٠٢ - ٦١٦) إلى آخر نقطة من تراجع الجيوش، وتقلّص الحكومات، حتى كادت الإمبراطوريّة البيزنطيّة تلفظ نفسها الأخير، وتصبح مستعمرة ساسانيّة حقيرة، وانقطع كل أمل في نهوض الدولة البيزنطية وعودتها إلى أوجها الأول، ثم انتصار الروم البيزنطيّين الرائع، النافي لكل تقدير وتخمين، على الفرس الظافرين المنتصرين، حتى أوغلت الجيوش الروميّة في إيران، وغرزت أعلام الفتح في قلب البلاد، وأثخنت الشعب الإيراني قتلًا وجرحًا، وأهانت المعابد والمقدسات الدينية، وعادت من أسوار العاصمة ظافرة مرفوعة الرأس، وذلك كله في ظرف تسع سنين (١)، وهذا ما أعلنه القرآن بقوله:
_________________
(١) انظر: نبوة تتحدى ومعجزة تتحقق: للندوي: مجلة البعث الإِسلامي: عدد ٤ جزء ١٥ رمضان ١٣٩٠ هـ نوفمبر ١٩٧٠ م.
[ ٢ / ٤٩١ ]
﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ (الروم).
وهي نبوة لا يقدر عليها إلا العلم القدير الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي!
ولم يكن شيء أغرب خيالًا، وأبعد منالًا، من هذه النبوة التي أعلنها القرآن عند فرح قريش المشركين بانتصار المجوس المشركين على أهل الكتاب المسيحيّن، وشماتتهم بهزيمة الروم المنكرة، فقال: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾!
والبضع هو ما دون العشر، واستبعدته قريش كل الاستبعاد، حتى قامروا على ذلك استبعادًا له، يقول المؤرخ الإنكليزي (جبون):
(إن محمدًا تَنبَّأ حين بلغت فتوح الإيرانيّين أوجها وقمتها، أن الرايات الروميّة سترتفع بالفتح والانتصار في بضع سنين، ولم يكن شيء أبعد عن القياس من هذه النبوة التي أعلنها محمد؛ لأن السنين الاثنتي عشرة الأولى من حكم هرقل كانت تعلن بتمزق الإمبراطوريّة الرومانيّة، ونهايتها القريبة) (١)!
ولكن تحققت هذه النبوة بشكل غريب خارق للعادة، وذلك في سنة ٦٢٥ م -العام الثاني من الهجرة النبويّة عند غزوة بدر- يقول (جبون):
_________________
(١) انظر. تاريخ انحطاط روما وسقوطها: ٣: ٣٠٢ - ٣٠٣ ط. ١٨٩٠ م.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
(كما أن ضباب الصبح والأصيل ينقشع ويتبدد بنور الشمس البازغة الوهّاج، كذلك تحوّل الأمير الرقيق المترف الذي لم يكن يعرف إلا الشباب والهوى، والذي كان قد قَدم (أركاديوس) في عصره (١)، فارسًا منتصرًا، يقول الجيوش، ويفتح البلاد (كسيزر) (٢)، لقد أنقذت كرامة هرقل وروما بطريقة غريبة رائعة، وعاد إليهما اعتبارهما وقيمتهما)!
هذا إلى نبوات أخرى، وإعلانات بعيدة!
ولا يصنع من هذه الحبّة قبّة إلا من أعماه التعصّب المديني، والاسترسال في الخيال، والإمعان في الافتراض والتخمين (٣)!
وسنعرض لإبطال هذا التهافت بشيء من التفصيل عند الحديث عن الوحي!
حماية الله للنبي:
وشب رسول الله - ﷺ - محفوظًا من الله تعالى، بعيدًا عن أقذار الجاهليّة وعاداتها، فكان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خُلقًا، وأشد هم حياءً، وأصدقهم حديثًا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش والبذاءة، حتى عُرف بين قومه بـ (الأمين)!
وقد عصمه الله تعالى من أن يتورط فيما لا يليق بشأنه، من عادات الجاهليّة، ولا مما لا يرون به بأسًا، ولا يرفعون له رأسًا، وكان واصلًا
_________________
(١) الملك الرومي الخليع المستهتر الذي أصبح مثلًا في تاريخ أوروبا للتمتع المسرف والترف الفاحش.
(٢) الإمبراطور الرومي الذي اشتهر بفتوحه وامتداد ملكه.
(٣) انظر تفصيل القول في رد هذا التهافت في مدخل إلى القرآن الكريم: دكتور محمد عبد الله دراز: ١٣٥ وما بعدها، دار القلم، الكويت ١٤٠٠ هـ ١٩٨٠ م.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
للرحم، حاملًا لما يثقل كواهل الناس، مكرمًا للضيوف، عونًا على البر -كما سيأتي من شهادة خديجة -﵂- حين رجع من حراء، وكان يأكل من نتيجة عمله، ويقنع بالقوت!
ولقد كانت طبيعة العمل في رعي الغنم (١) -كما أسلفنا- تدعو إلى الاختلاط بصبيان من طبقات مختلفة، أكثرهم طبقات الفقراء والخدم والعبيد .. أولئك الذين كانوا يؤجرون لهذا العمل الذي لا يعد من معالي الأعمال، بل يعد من صغارها، ومع أنه - ﷺ - كان معهم، لم تنزل نفسه عن عزتها من غير استعلاء، فكان يجذبه إلى العلا شرف نسبه، وطيب محتده، وما يراه في أسرته من سمو وعلو وسيادة، وما يكمن في طبعه الكريم من حب لمكارم الأخلاق، من غير غطرسة، ولا كبرياء، ولا استهانة أو استصغار للضعفاء، ويجذبه إلى التطامن والرضا بالقليل صغر العمل في ذاته، من غير نظر إلى ثمراته وأثره في تربية النفس على حسن المعاملة، والرفق بالناس!
وكان الأحداث منهم، خصوصًا الذين انغمس ذووهم أو أولياؤهم في الشهوات يستولي على قلوبهم حب اللهو البريء وغير البريء، ومنهم من ينزع إلى الشر من بعد، ويكون عنصر فساد في المجتمع إذا بلغ أشده!
وإذا كان الضعف يثير الرحمة، ويدفع إلى الحب الخالص البريء، فهؤلاء يدفعون إلى المجون، والمجون يهدي إلى سيطرة الهوى، وسيطرة الهوى تهدي إلى الفساد، والصحبة تجعل السقيم يعدي البريء!
وهكذا كانت حماية الله -﷿- لعبده ومصطفاه، وكانت العصمة والتربية الإلهية!
_________________
(١) خاتم النبيين: ١: ١٧٠ بتصرف.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
يروي ابن إسحاق وغيره بسند حسن عن علي بن أبي طالب عنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهليّة يهمّون به من النساء، إِلا ليلتين، كلتاهما عصمني الله منهما، قلت ليلة لبعض فتيان مكة، ونحن في رعاية غنم أهلنا، فقلت لصاحبي: أبصر لي غنمي، حتى أدخل مكة، فأسمر بها، كما يسمر الفتيان، فقال: بلى، فدخلت حتى إِذا جئت أول دار من دور مكة، سمعت عزفًا بالغرابيل والمزامير، قلت: ما هذا؟ فقيل: تزوج فلان وفلانة، فجلست انظر، وضرب الله على أذني، فوالله! ما أيقظني إِلا مسّ الشمس، فرجعت إِلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ قلت: ما فعلت شيئًا، ثم أخبرته بالذي رأيت، ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي، حتى أسمر بمكة، ففعل، فدخلت، فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة، فجلست أنظر، وضرب الله على أذني، فوالله! ما أيقظني إِلا مسّ الشمس، فرجعت إِلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ قلت: لا شيء، ثم أخبرته الخبر، فوالله! ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك، حتى أكرمني الله بنبوّته"!
قال ابن حجر: إسناده حسن متصل، ورجاله ثقات (١)!
_________________
(١) الخصائص الكبرى: السيوطي: ١: ١٤٩ - ١٥٠ دار الكتب العلمية، ط. أولى ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م، والبخاري في التاريخ الكبير: ١: ١٣٠ (٣٨٩)، والبيهقي: "الدلائل": ٢: ٣٣، والحاكم: ٤: ٢٤٥، وقال: على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وأبو نعيم: "الدلائل": ٢: ٣٣، وابن حبان: الإحسان (٦٢٧٢)، وذ كره الهيثمي في المجمع: ٨: ٢٢٦، وقال: رواه البزار، ورجاله ثقات.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
الرسول - ﷺ - يشهد حلف الفضول (المطيّبين):
وعاش الرسول - ﷺ - في مطلع حياته مع قومه، يشاركهم وجدانهم في الخير، ويتجنب الشر ولا ينغمس فيه، فهو يعقل ما يتفق مع الفطرة المستقيمة التي فطره الله عليها، والمنهاج القويم الذي هداه الله تعالى إليه، وأدبه بأدبه!
ومن ذلك حلف الفضول (المطيّبين) الذي قال فيه ابن كثير: أكرم حلف سُمِع به، وأشرفُه في العرب (١)!
وقد كان ذلك الحلف والنبي - ﷺ - قد بلغ العشرين (٢)، وقالوا: إنه كان بعد حرب الفجَار بأربعة أشهر، وأن الفجار كان في شعبان من هذه السنة (٣)!
وكاَن سببه أن رجلًا من زبيد قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل، فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف: عبد الدار، ومخزومًا، وجمحًا، وسهمًا، وعدي بن كعب، فأبوا أن يعينوا على العاص ابن وائل، وزبروه -أي انتهروه- فلما رأى الزبيدي الشر أوفى على أبي قبيس عند طلوع الشمس، وقريش في أنديتهم حول الكعبة، فنادى بأعلى صوته:
يا آل فِهر لمظلوم بضاعته ببطن مكة نائي الدار والنفر
وَمُحْرِمٍ أشعثٍ لم يَقضِ عُمرته يا للرجال وبين الحِجر والحَجَر
_________________
(١) السيرة النبوية: ١: ٢٥٩.
(٢) انظر: السيرة النبوية الصحيحة: ١: ١١٢، والسيرة النبوية: الذهبي: ٣٠.
(٣) السيرة النبوية: ابن كثير: ١: ٢٥٨ وما بعدها.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
إِن الحرام لمَنْ تَّمت كرامتُه ولا حَرَام لثوبِ الفاجِر الغَدِر
فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مَتْرك!
فاجتمعت هاشم، وزهرة، وتيم بن مُرَّة، في دار عبد الله بن جُدعان فصنع لهم طعامًا، وتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونُنَّ يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم، حتى يُؤَدَّى إليه حقه ما بَلّ بَحْرٌ صوفةً، وما رسَا ثَبيرٌ وحِراء مكانهما، وعلى التآسي في المعاش!
فسمّت قريش ذلك الحلف (حلف الفضول)، وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فَضْل من الأمر. ثم مشوا إلى العاص بن وائل، فانتزعوا منه سلعة الزَّبيدِي، فدفعوها إليه!
وقال الزبير بن عبد المطلب في ذلك:
حَلَفْتُ لنَعقدنْ حِلفًا عليهم وإِن كنا جميعًا أهلَ دارِ
نُسمِّيه الفضول إِذا عَقَدنا يعز به الغريبُ لذي الجوارِ
ويعلمُ مَنْ حوالي البيت أنَّا أباةُ الضيم نمنع كل عارِ
وقال الزبير أيضًا:
[ ٢ / ٤٩٧ ]
إِن الفضول تعاقدوا وتحالفوا ألا يقيم ببطن مكة ظالمُ
أمرٌ عليه تعاقدوا وتواثقوا فالجارُ والْمُعْتَرُ فيهم سالمُ
وقد شهد الرسول - ﷺ - هذا الحلف، وأثنى عليه حين ذكره في الإِسلام!
يروي أحمد وغيره بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي - ﷺ - قال: "شهدت حلف المطيّبين، مع عمومتي، وأنا غلام، فما أحب أن لي حمْر النعم، وإني أنكثه" (١)!
والمطيّبون: هاشم، وأمية، وزهرة، ومخزوم، وهو تحالف على التناصر، والأخذ للمظلوم من الظالم، ورد الفضول إلى أصحابها .. (٢)!
وأمثال العاصي في ميدان التجارة والسياسة وأكل أموال الناس كثير .. والرسول - ﷺ - أولى الناس بخصومتهم .. وأولى الناس بالرسول - ﷺ - من أعان عليهم!
ترى، هل فقه أتباع خاتم النبيّين ذلك في عصرنا الحاضر؟! اللهم! وفق!
_________________
(١) أحمد: ١: ١٩٠، والبخاري: الأدب المفرد (٥٦٧)، والحاكم: ٢: ٢٢٠، والبيهقي: ٦: ٣٦٦، والدلائل: ٢: ٣٧، ٣٨، وابن حبان (٤٣٧٣)، وانظر: المجمع: ٨: ١٧٢، وابن عدي: الكامل: ٤: ١٦١٠، وأبو نعيم: معرفة الصحابة (٤٩٥)، والبزار (١٠٠٠)، وأبو يعلى (٨٤٥، ٨٤٤).
(٢) انظر: أحمد (١٦٥٥) تحقيق أحمد شاكر، والنهاية: ١: ٤٤٩ - ٤٥٠، والمعجم الوسيط (طيب)، والطبقات: ١: ١٢٨ - ١٢٩، وعيون الأثر: ١: ٤٦ - ٤٧.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
الرسول - ﷺ - يتزوج خديجة:
وتشير روايات كثيرة إلى تفاصيل تتعلق بزواج الرسول - ﷺ - من أم المؤمنين خديجة التي كانت ثريّة تضارب بأموالها، وتحدد هذه الروايات بداية التعارف عن طريق عمل الرسول - ﷺ - في تجارة خديجة!
ولا حاجة بنا إلى تحقيق القول في تلك الروايات (١)، فالثابت يقينًا أن الرسول - ﷺ - تزوج من أم المؤمنين خديجة -﵂- وهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، يقول ابن حجر (٢): تجتمع مع النبي - ﷺ - في قصي، وهي من أقرب نسائه إليه في النسب، ولم يتزوج من ذرية قصي غيرها -إلا أم حبيبة- وتزوجها سنة خمس وعشرين من مولده في قول الجمهور، زوجه إياها أبوها خويلد، ذكره البيهقي في حديث الزهري، بإسناده عن عمار بن ياسر، وقيل: عمها عمرو بن أسد، ذكره الكلبي، وقيل: أخوها عمرو بن خويلد، ذكره ابن إسحاق، وكانت قبله عند أبي هالة بن النباش بن زرارة التميمي، حليف بني عبد الدار، واختلف في اسم أبي هالة، فقيل: مالك، قاله الزبير، وقيل: زرارة، حكاه ابن منده، وقيل: هند، جزم به العسكري، وقيل: اسمه النباش، جزم به أبو عبيد، وابنه هند روى عنه الحسن بن علي فقال: "حدثني خالي" لأنه أخو فاطمة لأمها، ولهند هذا ولد اسمه هند، ذكره الدولابي وغيره، فعلى قول العسكري هو ممن اشترك مع أبيه وجده في الاسم، ومات أبو هالة في الجاهلية!
_________________
(١) انظر: عيون الأثر: ١: ٤٧ وما بعدها، وشرح المواهب: ١: ٢٠٠، والطبقات: ١: ١٣١ وما بعدها، ومصنف عبد الرزاق: ٥: ٣١٩ - ٣٢١.
(٢) فتح الباري: ٧: ١٦٧، الريان ط. ثانية ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
وكانت خديجة قبله عند عتيق بن عائذ الرومي!
وكان النبي - ﷺ - قبل أن يتزوج خديجة قد سافر في مالها مقارضًا إلى الشام!
قال الزبير: وكانت خديجة تدعى في الجاهليّة (الطاهرة)، وماتت على الصحيح بعد المبعث بعشر سنين في شهر رمضان، وقيل بثمان، وقيل بسبع، فأقامت معه - ﷺ - خمسًا وعشرين سنة على الصحيح، وقال ابن عبد البر، أربعًا وعشرين، وأربعة أشهر!
وإذا كان الرسول - ﷺ - قد تزوج خديجة -﵂ - بعد أن بلغ الخامسة والعشرين، فإنه لم يعرف عنه أنه فكر في الزواج من قبل هذه السن (١)؛ لأنه كان عفًّا كريمًا، لم يقع منه في طفولته، ما يشين الكرامة .. وهو ليس حصورًا، كما دلت على ذلك حياته من بعد، وما كان خاملًا في قومه، بل هو الذي إذا خطب لا تُرَدُّ خطبته، وكان فيه خُلُق قويم يجعل القلوب تهفو إليه، وفيه جمال يجعل الأنَظار تتعلق به، وتشرئب الأعناق إليه!
نعم، إنه لم يكن غنيًّا، ولكنه تعود منذ نعومة أظفاره أن يكون عاملًا، فرعى الغنم، ثم اتّجر، وإذا كان الاتجار لم يأت بمال موفور يرفعه إلى الثراء، فقد كان فيه الاكتفاء، فلماذا إذن تأخر في الزواج؟
إن الذي نلمسه من تاريخ حياته في ابتدائها، حتى صار شابًّا ممتلئ الشباب أنه ما كان يعير شهوات البدن اهتمامًا، فليس للنساء موضع في تفكيره .. وما كان محمد في أي دور من أدوار حياته يهتم بما يهتم به الشباب في هذه الفترة من حياتهم، لا عن ضعف في النفس، ولكن عن قوة فيها، وهمة عالية تتجه
_________________
(١) خاتم النبيّين: ١: ١٨٨ بتصرف.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
إلى معالي الأمور، وعزيمة صادقة، وإرادة قوية، لا تجعل للهوى سلطانًا عليها، بل تجعل كل العواطف تحت سلطانها والغايات العليا هي التي تجذبها!
وهنا نبصر بسط الرزق والزواج المبارك، بعد حياة رعي الغنم والعمل في التجارة، وكيف كانت المنحة بعد المحنة، وكيف كان التوافق، فهي امرأة شريفة، ذات ثراء، وهو رجل كامل عامل قوي أمين، أغناها بأمانته، وكفلها برجولته، ووجه مالها إلى الخير، بحسن نيّته، وطيب طويّته!
وقد كان يعمل لها في المال من قبل بأجر، تطيب به نفسها، ويكسب مالها على يديه أضعاف أضعاف ما عند الآخرين .. ولو استمر يعمل في مالها ومال غيرها، لأدرّ عليه الكثير الكثير .. ولو كان يبتغي المال وأعراض هذه الدنيا، لنال الشباب والمال معًا!
ولكنه - ﷺ - رأى أن يعمل في مالها بغير أجر، وأن يضاعفه بغير ثمن، وأن تكون أم ولده، لطيب عرفها، وشرف نسبها، وقد تخيّر لنطفته، فاختار أكمل امرأة في قريش، وأعلاها في المكرمات كعبًا، وقد اختارها الله تعالى لتكون له ردءًا في شدائده، تواسيه بالكلمة والعطف والحنان، في وقت اشتد فيه البلاء، وعظم الابتلاء، فأعنته المخالفون، وكان عزيزًا عليه أن يُعنتهم، فكان في حاجة ماسّة إلى من يأوي إليه، كما هو في حاجة ماسة إلى من يذود عنه!
وإذا كانت امرأة نوح وامرأة لوط قد تخاذلتا عن معاونة النبيّيْن الصالحيْن، فإن خديجة أعلت شأن النساء قاطبة، فكانت الزوج الملهمة المواسية، الودود العطوف الولود، حين يلقى قريشًا وصدودها، وعداوتها وجفوتها، يجد في بيتها بردًا وسلامًا!
[ ٢ / ٥٠١ ]
وإذا كان قد فقد عطف الأم الرؤوم في صدر حياته في وقت الحاجة، فقد عوضه الله تعالى في خديجة زوجًا ورفيقة حياة مباركة طيّبة!
ولنا حديث خاص عن ذلك نفصل القول فيه بعون الله وتوفيقه!
أغنى الله اليتيم:
ويطالعنا قول الحق ﵎: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ (الضحى) فهل طغى واستعلى؟!
وهل عبث وتلهّى؟!
وهل اتخذ الحياة لعبًا ولهوًا؟
وهل أخذ في التكاثر والمكاثرة؟!
لا شيء من ذلك، إنما يفعل ذلك من اتخذ المال غاية، ولم يتخذه سبيلًا للخير، وعون الإنسان لأخيه الإنسان!
والرسول - ﷺ - ما اتخذ المال بغية يبتغيها، ولا غاية يتطلع إليها، وما أراد التكاثر، وما عرفه في أي دور من أدوار حياته!
إنما اتخذه وسيلة للمكرمات يقوم عليها، وللخير يسديه، فكان يطعم الكَلّ، ويعين على نوائب الدهر، ولا يجد ذا حاجة إلى العون إلا أعانه، ولا ذا خصاصة إلا سدها، ولا ذا مسغبة إلا أشبعه، ولا ذا متربة إلا رفعه .. كان - ﷺ - يبحث عن مواضع الحاجة فيرأب ثلمتها!
وكل من حوله كانوا ممدودين بعونه وفضله وخُلُقه، ومن هنا كان الخير في حياته - ﷺ - عميمًا، والفضل كثيرًا!
[ ٢ / ٥٠٢ ]
وهنا نبصر الحياة في سرائها وضرائها، في كريهتها ومنشطها، في ضيقها ورخائها .. ونبصر من عاش مع الضعفاء شاعرًا بضعفهم وبإحساسهم، لا يسير وراء الأماني والأحلام!
ثم جاء المال، فكان الشاكر الذي يفيض بالخير على غيره، ويعلم حق المال في مورده ومصرفه معًا، فلا يكسب إلا من طيب، ولا ينفق إلا في طيب، وهو في كسبه وإنفاقه لا يكون إلا نافعًا، فكسبه طيّب، وصرفه طيّب!
وهكذا نبصر في حياة الرسول - ﷺ - قبل البعثة أنه ضرب للناس أعلى مثل للعامل الصابر، والغني الشاكر الذي عاش كالضعفاء في غناه، فكان غني النفس في الحالتين!
الرسول - ﷺ - يعمل في بناء الكعبة:
والناظر إلى موضع الكعبة المشرفة من مكة المكرمة، يراها في مطمئن من الأرض (١)، تحيط بها الجبال من كل جانب، مما جعلها في الأزمنة الغابرة قبل أن يعمر ما حواليها بالبيوت والمساكن، ومشيد البنيان، عرضة لجوارف السيل، وقد خافت قريش عواقب ذلك على البيت أن تهدمه السيول، فأقامت ردمًا من حوله جعلوه مطلًا على البيت لحمايته، فكانت السيول تأتي من فوق هذا الردم حتى كادت تزيله، وكانت تعلوه حتى تدخل البيت، فتصدع وخافوا أن ينهدم، وكانت أبواب البيت لاطئة بالأرض، فسرقت خزائنه وهداياه التي كانت تهدى إليه، فتلقى في بئر داخله، فاجتمعت قريش وقالوا: لو بنينا بيت ربنا، وكان البيت شرفهم وعزهم، فقسموه أرباعًا واقترعوا عليه!
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ١٨٧ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
ولما أجمعوا أمرهم على بناء الكعبة وبنيانها، قام فيهم أبو وهب ابن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم -كما قال ابن إسحاق- (١) فقال لهم: (يا معشر قريش، لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبًا، لا يدخل فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس)!
وعند موسى بن عقبة: أن الذي أشار عليهم بذلك هو الوليد بن المغيرة المخزومي، وأنه قال فيهم: (لا تجعلوا فيه مالًا أُخذ غصبًا، ولا قطعت فيه رحم، ولا انتهكت فيه ذمة) (٢)!
ثم أخذوا في البناء على مواضعهم، وقد شارك النبي - ﷺ - في البناء (٣)، فلما انتهوا إلى حيث يوضع الركن الأسود من البيت قالت كل قبيلة: (نحن أحق بوضعه، واختلفوا حتى خافوا القتال، ثم جعلوا بينهم حكمًا أول من يدخل من باب بني شيبة، فيكون هو الذي يقضي بينهم، فكان أول داخل عليهم من ذلك الباب محمد بن عبد الله - ﷺ -، فقد روى أحمد من حديث السائب بن عبد الله بسند حسن، وفيه: فقال بطن من قريش: نحن نضعه، وقال آخرون: نحن نضعه، فقالوا: اجعلوا بينكم حكمًا، قالوا: أول رجل يطلع علينا من الفج، فجاء النبي - ﷺ - فقالوا: أتاكم الأمين، فقالوا له، فوضعه في ثوب، ثم دعا بطونهم، فأخذوا بنواحيه، فوضعه هو - ﷺ -) (٤)!
_________________
(١) السيرة النبوية: ابن كثير: ١: ٢٧٧.
(٢) فتح الباري: ٧: ١٨١ دار الريان، ط. ثانية ١٤٠٩ هـ ١٩٨٨ م.
(٣) انظر: البخاري: ٦٣ - مناقب الأنصار (٣٨٢٩)، ومسلم: ٣ - الحيض (٣٤٠)، وعبد الرزاق: ٥: ١٠٢ - ١٠٤، والسيرة: الذهبي: ٣٠.
(٤) أحمد: ٣: ٤٢٥، وانظر: الفتح الرباني: ٢٠: ٢٥٠ - ٢٠١، والسيرة النبوية: ابن كثير: ١: ٢٨١، ومنحة المعبود: ٢: ٨٦ (٢٣١٦).
[ ٢ / ٥٠٤ ]
٤ - التكامل المحمدي:
ورابع ما يطالعنا: التكامل المحمدي، وذلك أن الظاهرة الاجتماعيّة التي كانت تسم البيئة العربيّة بميسمها (١)، وتعنون الحياة فيها بعنوانها، شظف العيش، وخلو اليد من حطام الدنيا، فقد ولد الرسول - ﷺكما أسلفنا- يتيمًا، راعيًا للغنم، عاملًا، ولهذا أثره العميق في تمحيص خصيصة الإنسانيّة العليا في الأفراد الذين تلزمهم أيام شبابهم، وهي أيام اجتماع قوى الاندفاع، وعناصر الهوى النفسي، ونزغات المراهقات، ومنافذ الغرائز الماديّة النهمة، ومسارب استطالة الشباب وطموحه .. وهو تمحيص سياق أشد المشقة، ولا تبصر له إلا نفس قوية التركيب البنائي في تكوينها، ومن ثم كانت مثله التاريخية آحادًا من الأفذاذ في القرون والحقب .. ومن عجائبه أنه يتجاوب في يسر مع النزعات الدينيّة الداعية إلى الإيمان بالغيب، فتكثر نسبيًّا أمثلته من النماذج الحيّة في أوقات تسود فيها الروحانيّة .. فإذا عاشت شخصيّة الممحّص، وخرجت منه كما خرج محمد - ﷺ - في شبابه، أكمل الناس إنسانيّة، وأعظمهم خلقًا، وأضخمهم أمانة، وأبعدهم عما يشين مروءة الرجال، حتى ما يستطيع عدو بَلْه وليًا أن يقول فيه، لو، ولا، وليت، ومن ثم كانت شخصيّة محمد خاتم النبيّن - ﷺ - هي النموذج الأعلى لكمال خصيصة الإنسانيّة العليا في فرد من بني الإنسان!
تكافؤ الخلق:
وهنا نبصر ظاهرة التكافؤ الخلقي في شخصية الرسول - ﷺ -، ونعني بالتكافؤ
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٢٠٩ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
الخلقي أن أخلاق الرسول - ﷺ - كانت تنبع من فطرته بنسب متفقة، فصبره مثل شجاعته، وشجاعته مثل كرمه، وكرمه مثل حلمه، وحلمه مثل رحمته، ورحمته مثل مروءته .. وهكذا لا تجد له خُلقًا في موضعه من الحياة يزيد أو ينقص على خلق آخر في موضعه منها، ومن هنا كان جماع أمره عند قومه (الأمين)، وهذا يمثل التكافؤ الخلقي، أصدق تمثيل!
هذا التكافؤ الخلقي في وجوده الواقعي، في شخصيّة محمد خاتم النبيّين - ﷺ - يوشك أن يكون معجزة الحياة في الإنسان .. لأن التاريخ لم يذكر من النماذج العليا للبشريّة من كان هذا التكافؤ الخلقي خليقته العامة سوى محمد خاتم النبيّين - ﷺ -!
وإذا ذكر غيره من النماذج العليا ذكره عنوانًا لتبرير جزئي في بعض الأخلاق والفضائل، فهذا مثل مضروب في الصبر، وذاك في الحلم، وثالث في الكرم، ورابع في الشجاعة .. وهكذا تتفرق النهايات في الأخلاق والفضائل في نماذج متعددة .. ولكنها تجتمع متكافئة في شخصية محمد خاتم النبيّين - ﷺ -، وهذا هو سر الإعجاز الإنساني في حياته - ﷺ -!
وهذا التكافؤ الخلقي في وجوده الواقعي في شباب الرسول - ﷺ - معجزة الإنسان في الحياة؛ لأن الشباب معترك الغرائز، وهي مختلفة الأغراض والغايات، فالتكافؤ الخلقي في الشباب ضرب من المحالات في متعارف الحياة، فإذا حققه الوجود الواقعي في شباب محمد خاتم النبيّين - ﷺ - كان وجوده معجزة الإنسان في الحياة!
وهذا التكافؤ الخلقي في وجوده الواقعي في شباب الرسول - ﷺ - مع ملازمة الظاهرة الاجتماعيّة الأولى لحياته في شبابه من شظف العيش -كما أسلفنا-
[ ٢ / ٥٠٦ ]
ضرب آخر من الإعجاز الإنساني في الحياة؛ لأن تلك الظاهرة الاجتماعيّة كانت قمينة أن تدعو الشباب إلى طيش الغرائز، فتنقلب به الفضائل إلى رذائل جامحة، فوجود ضابط نفسي يعصم الإنسان من الانزلاق وراء تيّارات الغرائز في إبان قوتها العارمة هو الآية الكبرى على أن التكافؤ الخلقي الذي ينبع منه ذلك الضابط النفسي ليس من صنع الإنسان!
والتكافؤ الخلقي بهذا المقياس لم تعرفه الحياة الواقعيّة لإنسان غير محمد خاتم النبيّين - ﷺ -، وهو في ذاته مفطور مجبول، لم يصنعه علم ولا تثقيف؛ لأن بيئته في شبابه لم تكن بيئة علم وثقافة!
ومن الطبيعي أن تكون ثمرات هذا التكافؤ الخلقي محدودة بحدود البيئة التي عاش فيها .. حتى إذا أتيح له أن يمتد ويتسع مع الرسالة العامة الخالدة امتد واتسع، فكان هو العنوان الذي رسم به القرآن الكريم الفضيلة العليا في حياة الرسول - ﷺ -، فقال في معرض الرد عنه مدافعًا ومادحًا:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (القلم).
وهذا التعبير في موضعه يكافئ تعبير الفطرة الملقى على ألسنة قومه في تسميته (الأمين) فكما مثل (الأمين) التكافؤ الخلقي هناك أصدق تمثيل مثّله هنا في دور الرسالة العامة الخالدة (الخلق العظيم) أصدق تمثيل!
والفرق بين التعبيرين هو الفرق بين (محمد المرسل رحمة للعالمين)، و(محمد الشاب الأمين)!
وفي تعبير القرآن الكريم، إشارة إلى عمل في التكافؤ فوق عمل الفطرة والجبلة، وهو أثر النبوة والرسالة!
والخلق الأصيل النابع من الفطرة لا تملك المؤثرات الطارئة أن تغيّره، فهو
[ ٢ / ٥٠٧ ]
يستطيع أن يتغلب على الظواهر الاجتماعيّة ويوجهها في طريق الفضيلة، حتى تصبح تلك الظواهر عند صاحب هذا الخلق الأصيل النابع من الفطرة فضيلة من فضائله!
هكذا يصور التاريخ الواقعي شخصية محمد خاتم النبيين - ﷺ - في شبابه، حتى تزوج خديجة -﵂ - وهي امرأة حسيبة شريفة كثيرة المال، عرفت محمدًا - ﷺ - في شظف عيشه وقلة ذات يده، وعرفته في تكافئه الخلقي، فرغبت فيه لهذه المعرفة، وتزوجته بعد هذه المعرفة!
ولكن الرسول - ﷺ - ظل بعد هذا الزواج كما كان منذ وُلد ونهد وشب، يعيش في شظف عيشه، لا من قلة المال في يده؛ بل لأن خصّيصة التكافؤ الخلقي عنده طبعته على الزهادة في الحياة الماديّة المترهلة التي كانت تحياها مكة وتعيش فيها قريش، وطبعته على التسامي بنفسه عن المطامع التي تتحلّب لها أشداق الماديّين إذا هبط عليهم الثراء من غير كدّ ولا تعب!
فعمل التكافؤ الخلقي هنا أبلغ من عمله هناك؛ لأن حياة الرسول - ﷺ -، قبل زواجه خديجة -رضي الله تعالى عنها - كانت حياة تقلل من الدنيا؛ لأنها كانت في يده قليلة، أو لأنه لم يكن في يده منها شيء، فالفضيلة فيها في قوة الصبر على عدم التطلع إليها، وتطلبها بما يميل بميزان التكافؤ الخلقي فيبطل عمله، وحياته بعد زواجه حياة تقلل من الدنيا وهي ملء يده، فالفضيلة فيها في قوة الصبر معها على الانزلاق في غمرات المادية التي تدفع إلى الانزلاق فيها البيئة ومؤثراتها!
ومضى محمد خاتم النبيّين - ﷺ - في حياته الجديدة أمينًا مع نفسه، أمينًا مع قومه، أمينًا مع زوجه، أمينًا لماضيه، أمينًا لمستقبله .. وبقي يعيش في
[ ٢ / ٥٠٨ ]
ظاهرتيه من شظف العيش والتكافؤ الخلقي، حتى كأن آخر حياة شبابه منها صورة من أولها!
ولنا حديث خاص عن ذلك نفصل القول فيه بعون الله وتوفيقه!
خصال الكمال:
وخصال الجمال والكمال في البشر -كما قال القاضي عياض- نوعان (١):
(ضروري دنيوي، اقتضته الجبلّة، وضرورة الحياة الدنيا!
ومكتسب ديني، وهو ما يحمد فاعله، ويقرّب إلى الله تعالى زلفى!
ثم هي على فئتين أيضًا:
منها ما يتخلص لأحد الوصفين!
وما يتمازج ويتداخل!
فأما الضروري المحض، فما ليس للمرء فيه اختيار، ولا اكتساب، مثل ما كان في جبلته -﵊- من كمال خِلْقته، وجمال صورته، وقوة عقله، وصحة فهمه، وفصاحة لسانه، وقوة حَواسه وأعضائه، واعتدال حركاته، وشرف نسبه، وعزة قومه، وكرم أرضه، ويلحق به ما تدعوه ضرورة حياته إليه من غذائه ونومه، وملبسه ومسكنه، ومنكحه وماله وجاهه!
وأما المكتسبة الأخرويّة، فسائر الأخلاق العليّة، والفضائل الشرعيّة، من الدين والعلم والحلم، والصبر والشكر، والعدل والزهد، والصمت والتؤدة، والوقار والرَّحمة، وحسن الخُلق والمعاشرة وأخواتها، وهي التي جماعها حسن الخلق)!
_________________
(١) خاتم النبيّين: ١: ٢١٩ بتصرف.
[ ٢ / ٥٠٩ ]
يقول الشيخ أبو زهرة
يقول الشيخ أبو زهرة: ونرى من هذا أن القاضي عياض قد قسّم الأوصاف التي تحلّى بها النبي -﵊ - إلى قسمين:
أحدهما: كان بالفطرة الإنسانيّة، وهي كمال الفطرة، ويلحق بها أوصافه الجسمية - ﷺ -!
وثانيهما: ما اكتسبه بمقتضى التعاليم الشرعيّة، وذكر منها التواضع والحلم، والصبر والشكر، وحسن المعاملة، وبشكل عام ما يتعلق بحسن الأخلاق الذي هو جماع الفضائل الإنسانية، ويذكر أن من هذه الصفات المكتسبة بحكم الشرع الشريف والوحي إليه، مما تلتقي فيه الفطرة المستقيمة مع الوحي، فالجود والتواضع، والصبر، والفصاحة، والتأني، وحسن التأتي للأمور، والرفق في القول والعمل، ولين الجانب من غير ضعف، والقول الحق من غير عنف، كل هذه الصفات كانت في محمد بن عبد الله - ﷺ -، كانت فيه بفطرته المستقيمة وبتهيئة الله تعالى قبل الرسالة، إعدادًا لهذا المنصب الخطير، وهو رسالة الله تعالى إلى خلقه!
العقل المحمدي:
ولم يتوافر العقل الإنساني كما توافر في الرسول - ﷺ -، ولو لم ينزل عليه الوحي ويخاطب من السماء لكان عقله وحده كافيًا لأن ينشئ دولة، ويقيم مجتمعًا طيّبًا فاضلًا، ولكن أتمّ الله عليه نعمته، فجعله نبيًا مرسلًا، فاجتمع له الكسب الذاتي بالإدراك بالفطرة الإنسانية العالية المكتملة بالتكوين الإنساني، والرسالة الإلهيّة الهادية المرشدة، وكانت الأولى مقدمة للثانية، وما كانت إحداهما لتغني عن الأخرى!
[ ٢ / ٥١٠ ]
فما كانت الرسالة تجيء لغير عقل كامل، وفكر مدرك، وشخصيّة كريمة اختارها الله تعالى لموضع رسالته وحمل أمانته!
وما كانت الكفاية العقليّة في أسمى علوها بمغنية عن الرسالة؛ لأن العقل لا يمكن أن يكون وحده كافيًا في تدبير الحاضر والقابل إلى يوم الدين، إنما العقل يدبّر ما يحيط به، وهو من غير هداية الوحي لا يفكر إلا فيما بين يديه، ولا يخترق الحجُب والأستار إلى ما وراء ما لديه، فلابد من علم الله يمده بعلم القابل، وهو عالم الغيب والشهادة، فمهما تكن قوة العقل، فإنه لا يستطيع أن يصلح غير زمانه، وكل شيء عند ربك بمقدار!
ومنذ نشأ الرسول - ﷺ - والعقل المكتمل حليته العليا التي سما بها على الغلمان أترابه، ومنذ استوى غلامًا والعقل يزينه، ولقد بدا ذلك واضحًا لكل من عرفه، وسبق أن ذكرنا طرفًا من ذلك!
ونحن حين نتكلم على قوته العقلية النافذة إلى الحقائق، لا إلى المظاهر وحدها، نتعرض لنفوره من التقليد من غير دليل، حيث نفر من عادات الجاهليّة التي كانت تحرم وتحلل من غير بيّنة، ولا علم قائم على الحقائق المقررة الثابتة، ومن ثم لم يسجد لصنم قط؛ لأن حكم العقل يتقاضاه ألا يسجد لمن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ويكره ذكر الأصنام وعبادتها!
وحسبنا أن قريشًا قد علمت بكمال عقله، وقوة إدراكه، فرضيت به حكمًا، ساعة أن احتدم الجدل، وكادت المعارك أن تنصب -كما عرفنا- في شأن وضع الحجر!
وحسبنا -أيضًا- أنه - ﷺ - لم يخض مع الخائضين في العصبيّة الجاهليّة، فلم ينطق بها، ولم يجادل حولها، وأنه كان يحب الوئام والسلام!
[ ٢ / ٥١١ ]
قال القاضي عياض:
(وأما وفور عقله، وذكاء لبّه، وقوة حواسه، وفصاحة لسانه، واعتدال حركاته، وحسن شمائله، فلا مرية أنه كان أعقل الناس وأذكاهم، ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلْق وظواهرهم، وسياسة العامة والخاصة، مع عجيب شمائله، وبديع سيره، فضلًا عما أفاضه من العلم وقرره من الشرع، دون تعلم سابق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب منه، لم يمتر في رجحان عقله، وثقوب فهمه، لأول بديهة، وهذا مما لا يحتاج إلى تقريره لتحققه)!
ولقد قال وهب بن منبه:
(قرأت في إحدى وسبعين كتابًا، فوجدت في جميعها أن النبي - ﷺ - أرجحُ الناس عقلًا، وأفضلهم رأيًا، وفي رواية أخرى: فوجدت في جميعها أن الله لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله - ﷺ - إلا كحبة رمل من بين رمال الدنيا) (١)!
وقال ابن كثير:
(معلوم لكل ذي لب أن محمدًا - ﷺ - من أعقل خلق الله، بل أعقلهم وأكملهم على الإطلاق في نفس الأمر) (٢)!
وقد بدت مظاهر عقله واضحة بعد البعثة في سياسة رعيته، وهكذا كان وفور العقل قبل البعثة وبعدها!
_________________
(١) المرجع السابق، نقلًا عن: الشفاء: ١: ٤٣ ط. الحلبي.
(٢) البداية والنهاية: ٦: ٦٥.
[ ٢ / ٥١٢ ]
بلاغة الرسول - ﷺ -:
(وأما عن بلاغته - ﷺ -، فحسبنا أن فصاحته من السمت الذي لا يؤخذ فيه على حقه، ولا يتعلق بأسبابه متعلق -كما يقول الرافعي- (١) فإن العرب وإن هذبوا الكلام وحذقوه، وبالغوا في إحكامه وتجويده، إلا أن ذلك قد كان منهم عن نظر متقدم، وروية مقصودة، وكان عن تكلف يستعان له بأسباب الإجادة التي تسمو إليها الفطرة اللغويّة فيهم، فيشبه أن يكون القول مصنوعًا مقدرًا، على أنهم مع ذلك لا يسلمون من عيوب الاستكراه والزلل والاضطراب، ومن حذف في موضع إطناب، وإطناب في موضع إيجاز، ومن كلمة غيرُها أليق، ومعنى غيره أردُّ، ثم هم في باب المعاني ليس لهم إلا حكمة التجربة، وإلا فضل ما يأخذ بعضهم عن بعض، قلّ ذلك أو كثر، والمعاني هي التي تعمر الكلام، وتستتبع ألفاظه، وبحسبها يكون ماؤه ورونقه، وعلى مقدارها وعلى وجه تأديتها. يكون مقدار الرأي فيه ووجه القطع به!
بيد أن الرسول - ﷺ - كان أفصح العرب؛ على أنه لا يتكلّف القول، ولا يقصد إلى تزيينه، ولا يبغي إليه وسيلة من وسائل الصنعة، ولا يجاوز به مقدار الإبلاغ في المعنى الذي يريده، ثم لا يعرض له في ذلك سقَط ولا استكراه، ولا تستزله الفجاءة وما يبده من أغراض الكلام عن الأسلوب الرائع، وعن النمط الغريب والطريقة المحكمة، بحيث لا يجد الناظر إلى كلامه طريقًا يتصفح منه صاعدًا أو منحدرًا، ثم أنت لا تعرف له إلا المعاني التي هي إلهام النبوة، ونتاج الحكمة، وغاية العقل، وما إلى ذلك مما يخرج به الكلام وليس فوقه مقدار إنساني من البلاغة والتسديد وبراعة القصد والمجيء في كل ذلك من وراء الغاية!
_________________
(١) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: ٢٨١ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٥١٣ ]
وإن كان كلام الرسول - ﷺ - لكما قال الجاحظ:
(هو الكلام الذي قل عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وجل عن الصنعة، ونزه عن التكلف .. استعمل المبسوط في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجرَ الغريب الوحشيّ، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا (١) عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشد بالتأييد، ويسر بالتوفيق، وهذا الكلام الذي ألقى الله تعالى المحبة عليه، وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حُسن الإفهام، وقلة عدد الكلام، هو مع استغنائه عن إعاداته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته، لم تسقط له كلمة، ولا زلّت له قدم، ولا بارتْ له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذّ (٢) الخطب الطوال بالكلام القصير، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلَج (٣) إلا بالحق، ولا يستعن بالخلابة، ولا يستعمل المواربة، ولا يهمز ولا يلمز، ولا يبطئ ولا يعجل، ولا يسهب ولا يحصر، ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعًا، ولا أصدق لسانًا لفظًا، ولا أعدل وزنًا، ولا أجمل مذهبًا، ولا أكرم مطلبًا، ولا أحسن موقعًا، ولا أسهل مخرجًا، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين عن فحواه، من كلامه - ﷺ -)!
(ولا نعلم أن هذه الفصاحة قد كانت له - ﷺ - إلا توفيقًا من الله وتوقيفًا، إذ ابتعثه للعرب، وهم قوم يقادون من ألسنتهم، ولهم المقامات المشهورة في
_________________
(١) في المرجع السابق بدون (إلا) وهي في: خاتم النبيّين: ١: ٢٢٧ ونقلنا منه زيادات في بعض الألفاظ.
(٢) في خاتم النبيّين: (بل يبدأ) انظر: المرجع السابق.
(٣) الفلج: الظّفَر، يقال: فلك بحاجته وبحجته: أحسن الإدلاء بها فغلب خصمه: المعجم الوسيط (فلج).
[ ٢ / ٥١٤ ]
البيان والفصاحة، ثم هم مختلفون في ذلك، على تفاوت ما بين طبقاتهم في اللغات، وعلى اختلاف مواطنهم، فمنهم الفصيح والأفصح، ومنهم الجافي والمضطرب، ومنهم ذو اللوثة والخالص في منطقه، إلى ما كان من اشتراك اللغات وانفرادها بينهم، وتخصص بعض القبائل بأوضاع وصيغ مقصورة عليهم، لا يساهم فيها غيرهم من العرب، إلا من خالطهم أو دنا منهم دنو المأخذ)!
(فكان - ﷺ - يعلم كل ذلك على حقه، كأنما تكاشفه أوضاع اللغة بأسرارها وتبادره بحقائقها، فيخاطب كل قوم بلحنهم وعلى مذهبهم، ثم لا يكون إلا أفصحهم خطابًا، وأسدّهم لفظًا، وأبينهم عبارة، ولم يُعرف ذلك لغيره من العرب، ولو عُرف لقد كانوا نقلوه وتحدّثوا به واستفاض فيهم)!
(ومثل هذا لا يكون لرجل من العرب إلا عن تعليم أو تلقين أو رواية عن أحياء العرب حيًّا بعد حي، وقبيلًا بعد قبيل، حتى يَفْلى (١) لغاتهم، وبتتبع مناطقهم، مستفرغًا في ذلك متوفّرًا عليه، وقد علمنا أنه - ﷺ - لم يتهيّأ له شيء مما وصفنا، ولا تهيأ لأحد من سائر قومه على ذلك الوجه، علمًا ليس بالظن، ويقينًا لا مساغ للشبهة فيه، إذا ترادفت به طرق الأخبار المتواترة، وكان مصداقه من أحوال العرب أنفسهم، فما عُرف أن أحدًا منهم تقصص اللغات، وحفظ ما بينها من فروق الأوضاع، واختلاف الصيغ، وأنواع الأبنية، واستقصى لذلك يستظهر به عليهم، أو ينتحله فيهم، بل كانت هذه الأسباب مقطوعة منهم؛ لا تجد في الطبيعة ما يمتد بها أو ينمّيها، أو يجعل لها عندهم شأنًا، أو يبغيها حاجة من الحاجات الباعثة عليها، فليس إلا أن يكون ما خص به النبي - ﷺ - من ذلك قد
_________________
(١) يقال: فلى الأمر: تدبره، والقضية: أطال التأمل فيها والنظر: المرجع السابق.
[ ٢ / ٥١٥ ]
كان توفيقًا وإلهامًا من الله، أو ما هذه سبيله، مما لا ننفذ في أسبابه، ولا نقضي فيه بالظن، فقد علمه الله من أشياء كثيرة ما لم يكن يعلم، حتى لا يعيا بقوم إن وردوا عليه، ولا يحصر إن سألوه، ولا يكون في كل قبيل إلا منهم، لتكون الحجة به أظهر، والبرهان على رسالته أوضح، وليعلم أن ذلك له خاصة من دون العرب، فهو يفي بهم في هذه الخصلة البيِّنة، كما يفي بهم في خصال أخرى كثيرة .. فهذه واحدة!
وأما الثانية فقد كان الرسول - ﷺ - في اللغة القرشيّة التي هي أفصح اللغات وألينها، بالمنزلة التي لا يدافع عليها، ولا ينافس فيها، وكان من ذلك في أقصى النهاية، وإنما فضلهم بقوة الفطرة واستمرارها وتمكنها، مع صفاء الحس ونفاذ البصيرة، واستقامة الأمر كله، بحيث يصرف اللغة تصريفًا، ويديرها على أوضاعها، ويشقق منها في أساليبها ومفرداتها ما لا يكون لهم إلا القليل منه؛ لأن القوة على الوضع والكفاية في تشقيق اللغة وتصاريف الكلام، لا تكون في أهل الفطرة مزاولةً ومعاناةً، ولا بعد نظر فيها وارتياض لها، إنما هي إلهام بمقدار، تهيئ له الفطرة القوية، وتعين عليه النفس المجتمعة، والذهن الحاد، والبصر النفاذ، فعلى حسب ما يكون للعربي في هذه المعاني تكون كفايته ومقدار تسديده في باب الوضع)!
(وليس في العرب قاطبة من جمع الله فيه هذه الصفات، وأعطاه الخالص منها، وخصه بجملتها، وأسلس له مآخذها، وأخلص له أسبابها، كالرسول - ﷺ -، فهو اصطنعه لوحيه، ونصَبه لبيانه، وخصه بكتابه، واصطفاه لرسالته، وماذا عسى أن يكون وراء ذلك في باب الإلهام، وجمال الطبيعة، وصفاء
[ ٢ / ٥١٦ ]
الحاسة، وثقوب الذهن، واجتماع النفس، وقوة الفطرة، ووثاقة الأمر كله بعضه إلى بعض)!
(ولا يذهبن عنك أن للنشأة اللغويّة في هذا الأمر ما بعدها، وأن أكبر الشأن في اكتساب المنطق واللغة، للطبيعة والمخالطة والمحاكاة، ثم ما يكون من سمو الفطرة وقوتها، فإنما هذه سبيله: يأتي من ورائها، وهي الأسباب إليه، وقد نشأ الرسول - ﷺ - وتقلّب في أفصح القبائل وأخلصها منطقًا، وأعذبها بيانًا، فكان مولده -كلما أسلفنا- في بني هاشم، وأخواله في بني زهرة، ورضاعه في سعد بن بكر، ومنشؤه في قريش، ومتزوجه في بني أسد، ومهاجرته إلى بني عمرو، وهم الأوس والخزرج من الأنصار، لم يخرج عن هؤلاء في النشأة واللغة، ولقد كان في قريش وبني سعد وحدهم ما يقوم بالعرب جملة)!
(والفصاحة أكبر أمر العرب -كما عرفنا-، والكلام سيد عملهم، فما دخلتهم له حمية، ولا تعاظمهم ولا ردوه، ولا غضّوا منه، ولا وجدوا إلى نقضه سبيلًا، ولا أصابوا للتهمة عليه طريقًا، ولو كان فيهم أفصح منه لعارضوه به، ولأقاموه في وزنه، ولجعلوا من ذلك سببًا لنقض دعوته، والإنكار عليه، غير أنهم عرفوا من الرسول - ﷺ - الفصاحة على أتم وجوهها، وأشرف مذاهبها، ورأوا له في أسبابها ما ليس لهم، ولا يتعلقون به ولا يطيقونه، وأدنى ذلك أن يكون قوي العارضة، مستجيب الفطرة، ملهم الضمير، متصرف اللسان، يضعه من الكلام حيث شاء، لا يستكره في بيانه معنى، ولا يندُّ في لسانه لفظ، ولا تغيب عنه لغة، ولا تضرب له عبارة، ولا ينقطع له نظم، ولا يشوبه تكلف، ولا يشق عليه مَنْزْعٌ، ولا يعتريه مما يعتري البلغاء في وجوه الخطاب وفنون الأقاويل من التخاذل، وتراجع الطبع، وتفاوت ما بين العبارة والعبارة، والتكثر لمعنى بما
[ ٢ / ٥١٧ ]
ليس منه، والتحيّف لمعنى آخر بالنقض فيه، والعلو في موضع والنزول في موضع، إلى أمثال أخرى، لا نرى العرب قد أقروا له بالفصاحة إلا وقد نزه -ﷺ- عن جميعها، وسلم كلامه منها، وخرج سبكه خالصًا ينبض تحت أصابعه، ولو هم اطّلعوا منه على غير ذلك، أو ترامى كلامه إلى شيء من أضداد هذه المعاني، لقد كانوا أطالوا في رد فصاحته وعرّضوا، ولكان ذلك مأثورًا عنهم، دائرًا على ألسنتهم، مستفيضًا في مجالسهم ومناقلاتهم، ثم لردّوا عليه القرآن، ولم يستطع أن يقوم لهم في تلاوته وتبيينه، ثم لكان فيهم من يعيب عليه في مجلسه حديثه ومحاضرة أصحابه، أو ينتقص أمره ويغض من شأنه، فإن القوم خُلَّص، لا يستجيبون إلا لأفصحهم لسانًا، وأبينهم بيانًا، وخاصة في أول النبوة، وحدثان العهد بالرسالة، فلما لم يعترضه شيء من ذلك، وهو لم يخرج من بين أظهرهم، ولا جلا عن أرضهم، ورأينا هذا الأمر قد استمر على سنته، واطّرد إلى غايته، وقام عليه الشاهد القاطع من أخبارهم .. علمنا قطعًا وضرورة أن الرسول -ﷺ- كان أفصح العرب، وافيًا بغيره، كافيًا من سواه، وأنه في ذلك آية من آيات الله لأولئك القوم)!
لقد كان الرسول -ﷺ- من فصاحة اللسان وبلاغة القول -كما يقول القاضي عياض- (١) بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يُجهل، سلامة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معانٍ، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، فكان يخاطب كل أمة بلسانها، ويحاورها بلغتها، ويباريها في منزع بلاغتها، حتى كان كثيرًا من أصحابه يسألونه في موطن عن شرح كلامه، وتفسير قوله!
_________________
(١) خاتم النبيين: ١: ٢٢٩ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٥١٨ ]
يقول الشيخ أبو زهرة: وإن هذا يدل على أنه ﵇ كان يعلم كل لهجات العرب، وقد أتاه ذلك من إقامته بمكة التي كان يلتقي فيها بقبائل العرب، في موسم الحج، مع حرص على تعرفها، وذكاء مدرك لها، وتحصيل واعٍ لكل ما يسمع، وحفظ لكل ما يجري حوله!
وإن تعلمه لهجات العرب، وفوارق لغاتهم، يدل على أن الله تعالى كان يعده لهذه الرسالة الإلهية العامة!
وساق القاضي عياض شواهد من كتب الرسول - ﷺ - .. ثم قال:
وأما كلامه المعتاد، وفصاحته المعلومة، وحكمه المأثورة، فقد ألّفت فيها الكتاب، ومنها ما لا يُوازى فصاحة، ولا يبارى بلاغة .. وذكر بعض الأحاديث .. وبعض العبارات التي لم يسبق بها (١)!
وإننا إن تركنا أقوال الذين شاهدوا وعاينوا من صحابته، والذين رأوا المنقول في سيرته، وعمدنا إلى الأحاديث المدونة الصادقة النسبة، والتي رواها العدول طبقة بعد طبقة، وأردنا أن نتعرف نسق بيانها عن عباراتها، ومحكم معانيها من ألفاظها!
فإننا نجد أن اللفظ يجيء سهلًا، وفيه الجمال الطبيعي، والألفاظ المتناسقة، مع الإيجاز، وإحكام المعاني، والاتجاه إلى مقصد القول وتصوره أحيانًا، بالحقيقة وبكون لها جمال كجمال الطبيعة!
ونجد من خصائص البلاغة النبويّة أنها لا تعلو على العقول الفطريّة، فهي تدركها في أيسر كلفة، مع جلال المعنى وعمقه وقوة نفوذه في النفوس، والخاصة يجدون فيه علم ما لم يعلموا!
_________________
(١) انظر: الشفاء: ١: ٤٦.
[ ٢ / ٥١٩ ]
ونجد أن كلامه -﵊- من جوامع الكلم، التي تجمع بين الحكم الكثيرة والألفاظ القليلة والمعاني الجديدة التي لم تكن معروفة!
ونجد من الظواهر العامة أنه يخاطب العقل والوجدان، من غير استكراه للألفاظ، أو تكلف في المعاني، وأن قوله يجري سهلًا طيبًا قيّمًا!
ونجد أن كلامه بديع في ذاته من غير صناعة، وجميل في نسق محكم .. ولهذا أثره البالغ في الدعوة!
حقًا، إن بلاغة الرسول - ﷺ - من صنع الله، وما كان من صنع الله تضيق موازين الإنسان عن وزنه، وتقصر مقاييسه عن قياسه، فنحن لا ندرك كنهه، وإنما ندرك أثره، ونحن لا نعلم إنشاءه، وإنما تعلم خبره!
وهل يدرك المرء من آثار الشمس غير الضوء والحرارة؟!
وهل يُعلم من أسرار الروض غير العطر والنضارة؟!
وهل يجد في نفسه (١) من أغوار البحر غير الشعور بالجلالة والروعة؟!
إن البلاغة النبوية هي المثل الأعلى للبلاغة العربيّة، وإذا كان كلام الله كتاب البيان المعجز، فإن كلام الرسول سنة هذا البيان، وإذا كان البلاغ صفة كل رسول، فإن البلاغة صفة خاتم النبيين، حيث تجمعت فيه - ﷺ - خصائص البلاغة بالفطرة، وتهيأت له أسباب الفصاحة بالضرورة -كما أسلفنا- وإن أخص ما يميز الأسلوب النبوي الأصالة والإيجاز!
فالأصالة وهي خصوصية اللفظ وطرافة العبارة تتجلى فيما كان ينهجه الرسول من المذاهب البيانيّة، ويرتجله من الأوضاع التركيبيّة، ويضعه من الألفاظ الاصطلاحيّة!
_________________
(١) وحي الرسالة: ٣: ١٠٥ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
ولتمكن الأصالة فيه كان يقتضب ويتجوز ويشتق ويبتدع، فيصبح ما أمضاه من ذلك حسنة من حسنات البيان، وسرًا من أسرار اللسان، يزيد في ميراث اللغة، ويرفع من قدر الأدب!
والإيجاز وهو تأدية المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة، غالب على أسلوب الرسول - ﷺ -؛ لأن الإيجاز قوة في التعبير، وامتلاء في اللفظ، وشدة في التماسك، وهذه صفات تلازم قوة العقل، وقوة الروح، وقوة الشعور، وقوة الذهن، وهذه القوى كلها، على أكمل ما تكون في الرسول - ﷺ -، ومن هنا شاعت جوامع الكلم في خطبه وأحاديثه، حتى عدّت من خصائصه!
على أن الرسول - ﷺ - كان يعطي لكل حالة ما يناسبها .. ومن ثم فإن كلامه يتسم بالإلهام والإبداع والعبقريّة الفذّة، ويمتاز بالجزالة والجلالة والسبك!
وتلك هي بلاغة الإلهام والفيض، تكشف الحجب بنور الحق، وترسل الكلمة من فيض الخاطر، وعفو البديهة، فتكون حكمة الحاضر ونبوة المستقبل!
الخلق الكامل:
والخلق الكامل يشمل الفضيلة (١)، والتمسك بها، والالتزام بحقها، ويشمل حسن العشرة ولطف المودة، ويشمل صلة الرحم والإحسان إلى الجار القريب والبعيد، ويشمل حب الناس والرفق بهم، ويشمل التواضع، ويشمل الأناة والحلم، ومنع الجفوة، ويشمل كظم النفس واجتناب الغيظ، ويشمل الحياء، وإقراء السلام على من عرف ومن لم يعرف، ويشمل الجود بما عنده،
_________________
(١) خاتم النبيّين: ١: ٢٣٨ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٥٢١ ]
والزهد فيما ليس عنده، ويمنع الغلظ والفظاظة، ويشمل العفو عن المسيء، وإقالة عثرته، ويشمل الرد على المسيء بالإحسان، ويشمل تخليص القلب من الإحن، ويشمل الإعراض عن الجاهليّة، وترك المهاترة، والمماراة والمجادلة، ويشمل التيسير وترك التعسير، ويشمل التبشير دون التنفير!
وفي الجملة يشمل تهذيب النفس، وتربية الوجدان، والتآلف مع الناس، والقرب إليهم، والتواضع والرفق بالضعفاء، والقرب منهم، والألم لآلامهم، والسرور لسرورهم، والاندماج فيهم من غير تأثر، ولا تجانف لإثم!
وكل هذا يؤثر في الدعوة إلى الحق، بما لا تؤثر البراهين وضروب الأقيسة!
لقد هيأ الله تعالى الرسول - ﷺ - ليكون الهادي إلى الحق، وإلى صراط مستقيم، فوهبه الخلق الكامل، الذي يؤلف القلوب، ويجمع النفوس، إلا من طغى واستكبر، وآثر الهوى على الحق .. وقد كان الرسول - ﷺ - قبل البعثة يحب العشير، ويقرب الصديق، ولا يعنت أحدًا بعداوة، بل كان يعفّ عن قول الخنا وفعله، ويبتعد عن الهوى وجموحه، لا يعادي، ولا يصخب، ولا يفحش في قول أو عمل، وهو الصادق، وهو الأمين وهو الذي يعين الكلّ، ويغيث الضعيف، ويعين على نوائب الدهر!
وصف هند بن أبا هالة:
ونقبس من حديث هند بن أبي هالة، وهو ابن أم المؤمنين خديجة -من غير النبي- ما يتصل بخلق الرسول - ﷺ -، حيث قال:
(كان رسول الله - ﷺ - يخزن لسانه إلا فيما يعنيه، ويؤلّفهم ولا ينفّرهم، ويكرم كريم كل قوم ويولّيه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم، من غير
[ ٢ / ٥٢٢ ]
أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا خُلقه (١)، يتفقّد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسّنَ الحسن ويقوّيه، ويقبّح القبيح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا، لكل حال عنده عَتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجوزه، الذين يلُونه من الناس خيارهم، أفضلُهم عنده أعمُّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة!
وقال: وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، يُعطي كل جُلسائه نصيبَه، لا يحسب جليسُه أن أحدًا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منه بسطُه وخلقه، فصار لهم أبًا وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن (٢) فيه الحُرم، ولا تُنْثَى (٣) فلتاته، متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب!
وقال: كان رسول الله - ﷺ - دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخّاب، ولا فحّاش ولا عيّاب، ولا مدّاح (٤)، يتغافل عمّا لا يشتهي، ولا يؤِيس منه، ولا يخيِّب فيه (٥)، قد ترك نفسه
_________________
(١) شمائل الرسول: ابن كثير: ٥٣ تحقيق الدكتور مصطفى عبد الواحد. دار المعرفة، بيروت.
(٢) تؤبن: تنتهك أو تعاب.
(٣) تنثى: تشاع أو تذاع. والفلتات: جمع فلتة. وهي الزلة. أراد أنه لم يكن لمجلسه فلتات فتثنى: النهاية: ٢: ١٣٣.
(٤) في البداية: ٦: ٣٣ "ولا مزاح".
(٥) في البداية: ٦: ٣٣ ولا يؤيس منه (راجيه) وفي الهامش: هذه الزيادة من الشمائل، وفي =
[ ٢ / ٥٢٣ ]
من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدًا، ولا يعيّره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده (١)، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه يستجلبونه (٢) في المنطق، ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة فارفدوه (٣)، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ (٤)، ولا يقطع على أحد حديثه، حتى يجوز فيقطعه بانتهاء (٥)، أو قيام!
ويقول: كان سكوته على أربع: الحلم! والحذر! والتقدير! والتفكر! فأما تقديره ففي تسويته النظر والاستماع بين الناس! وأما تذكّره، أو قال تفكّره ففيما يبقى ويفنى!
وجمع له - ﷺ - الحلم والصبر، فكان لا يغضبه شيء، ولا يستفزه!
_________________
(١) = شمائل الرسول لابن كثير: ٥٤ في الشمائل للترمذي: ٢: ١٤٥ "ولا يجيبه"، وقد ذكر شارحها الرواية المذكورة، وقال: والظاهر أنه سهو؛ لأن الخيبة مصدر اللازم، ولا يظهر معناه في هذا المقام.
(٢) في شمائل الترمذي: لا يتنازعون عنده الحديث.
(٣) في المرجع السابق: يستجلبونهم، والمعنى يأتون بهم إلى مجلسه ليستفيدوا من أسئلتهم. وفي التيمورية: يستحلونه: البداية: ٦: ٣٣ هامش.
(٤) ارفدوه: أي أعينوه بالعطاء والصلة أو بالشفاعة.
(٥) المكافئ: المقتصد في ثنائه المقارب في مدحه، أو المكافئ بالثناء على نعمة أنعمها عليه، لا المبتدئ بالثناء.
(٦) كذا، والرواية في الشمائل: بنهي، ومعنى يجوز: يجاوز الحق.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
وجمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسنى، والقيام لهم فيما جمع لهم الدنيا والآخرة - ﷺ -) (١)!
ويقول الشيخ أبو زهرة (٢):
ولنقف وقفة في تجزئة ذلك القول البليغ، ودلالته على ما رواءه، مما ينبغي أن تكون عليه أخلاق الداعي إلى الحق، وصاحب الرسالة، وأثر ذلك في الإجابة!
لقد قال بعض الكتاب معددًا الخوارق التي صاحبت الدعوة المحمديّة، فقال: إن أعظم الخوارق التي كانت لمحمد - ﷺ - الأخلاق، فكانت في ذاتها أمرًا خارقًا للعادة بين بني الإنسان، فهي أعلى من أخلاق الملائكة؛ لأن الملائكة حسنت أخلاقهم بمقتضى كونهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (التحريم)!
وليس فيه روحانيّة عيسى -﵇- المجردة، بل كانت فيه الروحانيّة الإنسانيّة، بما في الإنسان من مطالب الجسم، وتجرد الروح، فحمد - ﷺ - بين الناس الإنسان الذي تتجلى فيه الإنسانيّة الكاملة، وفي طبعه روحانيّة إراديّة، فكل ما فيه من أخلاق للتربية والإرادة دخل في تكوينه، فهو ليس حصورًا، ولكنه عفيف لم يتدل إلى خنا قط، ففضيلته كف للشر، وتجنب له، والعفة من حصور ليست كالعفة ممن له شهوات تغالبه، وأهواء تعاوده، وبمعركة بين القوتين تكون النصرة للعفة، والغلبة للفضيلة، وما يكون الوصول إليه بغلاب يكون أعلى وأنفس، مما يجيء رخيصًا سهلًا!
_________________
(١) الحديث رواه الترمذي في الشمائل، والبيهقي في "الدلائل": انظر: شمائل الرسول: ابن كثير: ٥٤ وما بعدها.
(٢) خاتم النبيين: ١: ٢٤٢ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
الصفة الأولى:
وإن من أول صفات الرسول - ﷺ - التي ذكرها ربيبه هند -كما أسلفنا-: أنه كان يخزن لسانه، أي يكون لسانه كأنه في خزانة قد ستر، لا يظهر إلا لخير يرتجيه، فلا يشجع على نفرة؛ بل إنه لا ينطلق إلا فيما يعني الذين يخاطبهم ويفيدهم، ويكون فيه تأليف لقلوبهم، وتقريب لنفوسهم، وتأنيس غريبتهم، ويأمر بإعطاء ذي الحق، ولا يتكلم في مراء، ولا يذم أحدًا، ولا يُكثر في قول، خشية سقوط اللسان، لا يعيب الحرمات، ولا يقطع على أحد حديثه، فإذا تكلم هو كان كلامه فصلًا، وكان قوله حكمًا!
وجملة القول في ذلك أنه قد استولى على لسانه، فلا يتكلم إلا إذا لزم الكلام لرفع حق، أو خفض باطل، أو تأليف، أو زرع مودة، أو إسداء معروف، فلسانه ليس خارجًا على إرادته، ولكنه مكملها، ويسير تحت سلطانها، وإرادته للحق!
الصفة الثانية:
والصفة الثانية من أخلاق الرسول - ﷺ - أنه يأتلف مع أصحابه، ويمتزج إحساسه الفاضل بإحساسهم، لينساب إلى نفوسهم، يكرم كريمهم، ويرفع خسيسة صغيرهم، حتى يحسّ بأنه منه، ويوزع محبته بينهم، ويعطي نفسه لكل واحد منهم، لدرجة أن كل واحد منهم يشعر أنه موضع الرعاية منه، وإذا رأى أمرًا حسنًا أعلن حسنه، وإن رأى أمرًا قبيحًا نبه إليه في رفق الهادي الأمين الذي يجمع ولا يفرق، ثم هو لا يسكت عن باطل!
وهو بينهم اليقظ الذي لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا، لا يطوي نفسه
[ ٢ / ٥٢٦ ]
لأحد على شر، وينقذهم، وكان حريصًا يحذر من يتوهّم منه شرًا، ويحترس منه، من غير تقطيب وجه، أو غلظ في قول، بل هو في كل أحواله الأليف المألوف، يفتح قلبه لهم، ليقول خيارهم ما تنطوي عليه نفوسهم، ويستحي غيرهم من أن يظهر خبيئة نفسه، بل يبقى حبيسًا لا يظهر، وربما خبا فيزول، ويستقيم أمره .. !
الصفة الثالثة:
والصفة الثالثة التواضع الكريم الذي لا ضعة فيه ولا ذلة، فهو إذا دخل على جماعة جلس حيث ينتهي المجلس، وحث أصحابه على ذلك، ويتطامن لهم في المجلس، ويمسهم بجناح الرحمة، ويسوّي بينهم، ويغض الطرف عما لا يحسن، إلا أن يكون في السكوت ترك لواجب الإرشاد، وإن أرشد ففي رفق يكتفي بالإشارة، وبعد ذلك التعريض، ثم التنبيه في تعميم، فإذا رأى من يسيء كان يقول: "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا"
وفي هذا أدب رفيع وخلق كامل، ولا يمزح إلا قليلًا، وإن كان ولابد فبعبارة فيها حكمة!
الصفة الرابعة:
والصفة الرابعة بعده عن الغلظة والجفوة، ليس بفظ ولا غليظ ولا عيّاب، ولا متتبّع للعورات، ولا صخاب ولا فحاش، فلا يفحش في القول وإن كان صدقًا، فإن النطق بهجر القول، ولو كان وصفًا صادقًا لمن يرمى به، لا يصح إلا إذا ترتب عليه ضياع حق أو نصر باطل، فإنه يذكر موضوعه!
[ ٢ / ٥٢٧ ]
الصفة الخامسة:
واصفة الخامسة الامتناع عن الذم امتناعًا مطلقًا، إلا في حال الاضطرار، فإنه يتكلم بالكناية، ولا يرتضي العبارة سترًا، وإبعادًا عن الفحش، فلا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وما يجلب خيرًا للناس!
الصفة السادسة:
والصفة السادسة التي يدل عليها هذا الكلام من ذكر أخلاقه أنه - ﷺ - كان يلتزم السكوت -كما أشرنا- ولكنه كان سكوت من يفكر في القول قبل أن ينطق، ومن ثم يكون سكوته حلمًا وعقلًا، وإغضاء، وإعفاء عمن يكون في قوله سوء!
الصفة السابعة:
والصفة السابعة أن الرسول - ﷺ - لا يغضب لشيء يتصل بذاته، ولا يستفزه شيء يتعلق به، بل لا يغضب إلا لله أن تُنتهك حرماتُه، فإذا كان ذلك لا يسكت حتى يقام حد الله!
ويطول بنا الحديث لو حاولنا الوقوف أمام ما وصفه به الواصفون، وأنه - ﷺ - مع هذا التواضع الكريم غير الذليل، ومع هذا الخلق الكريم، كانت هيبته في القلوب أشد ما تكون هيبة من اختاره الله تعالى رحمة للعالمين .. إلى غير ذلك من معالم الخلق الكامل، فقد هيأه الله تعالى قبل البعثة، ليكون العفوّ عن هفوات الناس، المتجاوز عن أخطائهم، وإن العفو والسماحة لا يسكنان إلا قلبًا خاليًا من الأحقاد والأضغان، ومن يعمل ليقود الخلق إلى الحق لا بد أن
[ ٢ / ٥٢٨ ]
يكون نظره إلى ما هو أمامه، ولا ينظر إلى الوراء والأحقاد والأضغان، ولم يُعلم في تاريخ حياته أنه شغل نفسه بأحقاد الجاهليّة وما كانت تبث من عداوات!
الرسول - ﷺ - في غار حراء:
وخامس ما يطالعنا: غار حراء، بعد أن عرفنا دلائل الاصطفاء في النسب الشريف، وشق الصدر، ومرارة اليتم، والتربية الإلهيّة، وكيف قبس الصلابة والاستقلال والقدرة والتحمل، والإرادة النافذة، والتحدي الذي لا تنكسر له قناة، حيث نشأ ونما بعيدًا عن ترف الغنى، وميوعة الدلال، واتكاليّة الواجدين، وكيف فتح بصره ووعيه تجاه العالم الذي يتجاوز حدود الصحراء وسكونها إلى حيث المجتمعات المدنيّة التي تضطرب نشاطًا وقلقًا، والجماعات العربيّة التي فصلتها عن شقيقاتها في الصحراء الأم سلطات أجنبيّة أحكمت قبضتها على الأعناق .. وكيف كان مسؤولًا عن تجارة أيضًا (١)!
وكل هذا أعطاه تجارب عمليّة حية معاشة، وقد عمق في حسه معطيات كثيرة، وزاده إدراكًا أكثر لما يحدث في أطراف العالم العربي من علاقات بين الغالب والمغلوب، وزاده إفادة أغنى من كل ما يتعلمه الذين يرحلون من مكان إلى مكان، فيتعلمون من رحيلهم طبائع الجماعات والشعوب، وكنه العلاقات بينها، واختلاف البيئات والأوضاع، وزاده قدرة على التعامل المنفتح الذي لا ينقطع له خيط مع شتى الطبائع، وفهمًا لما يتطلبه الإنسان في عصر من العصور بعد اطلاع مباشر على نماذج من أحوال الإنسان في سعادته أو تعاسته!
وفوق هذا وذاك، فقد أُتيح للرسول -ﷺ- قبل البعثة في هذا الترحال امتحان
_________________
(١) دراسة في السيرة: ٤٧ بتصرف.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
وتنمية قدراته الخاصة التي عرفها أيام الرعي صبيًّا، وتدرج في تحمل المسؤوليّة إلى أن يدير تجارة، ويصمد إزاء إغراء الذهب والفضة أمينًا لا تلحق أمانته ذرة من غبار .. قديرًا على الارتفاع فوق مستويات الإغراء إلى آخر لحظة!
وجاء إسهامه في القضايا الكبرى التي عاشتها مكة آنذاك -كما عرفنا- جاء متنوعًا شاملًا مغطيًا شتى مساحات العمل البشري الجماعي، وكأنما أُريد له أن يجرب كل شيء، وأن يسهم عاملًا في كل اتجاه، وأن يتبنى عبر إسهامه في القضايا الكبرى شخصيّة قادرة على التصدي لكل مشكلة .. والإسهام الإيجابي الفعال في كل ما من شأنه يعين حقًا أو يقيم عدلًا، وأعرب عن بداهته المثيرة للإعجاب في حل المشكلات التي تقوم فيها المعتقدات والقيم بدور كبير، وتأتي كبرى التجارب في الحياة، وتقف السيدة التي شاء الله أن تكون سندًا قويًا في السنين الصعبة الطويلة التي تطيش معها ألباب الثائرين!
هكذا تبدو حياة الرسول - ﷺ - قبل البعثة .. سلسلة مترابطة الحلقات والتجارب والخبرات في شتى الجهات:
عائليّة ونفسيّة!
واقتصاديّة وحركيّة!
وسياسيّة واجتماعيّة!
ودينيّة وفكريّة!
البعد الأخلاقي:
أما البعد الأخلاقي في حياة الرسول - ﷺ - المديدة هذه، فيتمثل واضحًا نقيًّا في انسلاخه الحاسم عن كل ممارسات الجاهليّين الباطلة، التي كانت تعج بها
[ ٢ / ٥٣٠ ]
الحياة العربيّة .. بمارسات شتى لا يحصيها العد .. كانت تجري على مسرح الجزيرة العربيّة، ومثلتها مكة ليل نهار .. ويغدو من تعاقبها وتكرارها أن تصبح إلفًا وعادة، ثم تتجاوز هذا إلى أن تصبح مفاخر ومكرمات، يتبارى العرب في الإتيان بالمزيد منها!
والرسول - ﷺ - بعيد عن هذا كله، منسلخ منه، خارج عليه، ولقد منحه موقفه النبيل هذا -كما أسلفنا- نظافة وطهرًا لم يعرفهما إنسان قط، وعلمه في الوقت نفسه كيف يكون الرفض الحاسم للباطل في شتى صوره وأشكاله، مهما حمل هذا الباطل من تبريرات انتقلت به من كونه إثمًا وفسوقًا وفجورًا إلى مرتبة الإلف والعادة، ثم إلى مصاف القيم والمفاخر والمعتقدات!
ولم يبق ثمة إلا البعد الروحي الفكري، وهو أشد الأبعاد ثقلًا وخطرًا في حياة الإنسان .. والروايات التي تحدثنا عن انقطاع الرسول - ﷺ - بعيدًا عن صخب الباطل وضجيجه، حينًا بعد حين، إلى الصحراء وحيدًا فريدًا، باحثًا مفكرًا، الليالي ذوات العدد، كما سنعرف في حديثنا عن أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي .. هذه الروايات تكفي لالتقاط الإشارة الأخيرة الحاسمة المتممة للصورة التي يجب أن نعرفها عن حياة الرسول - ﷺ - قبل مبعثه!
وإذا ما كان الانسلاخ الحاسم عن كل ممارسات الجاهليّة، قد أعطى القدرة العمليّة على الرفض الحاسم لكل ممارسات الجاهليّن الباطلة، فإن البعد الروحي قد أعطى امتدادًا نفسيًّا متممًا لا يمكن أن يؤدي دوره الحاسم الكبير بدونه!
إنه امتداد باتجاه الاندماج والاتصال، بمواجهة رفض الجاهليّة وقيادتها وأعرافها وسلطانها .. اندماج بالكون على انفساحه بالعالم الجديد الذي جاء
[ ٢ / ٥٣١ ]
لكي ينقل البشر إليه بالناموس الذي سيأتي عما قريب لجعل الإنسان في كل زمان ومكان موقنًا به، مستمسكًا بمنهجه، مغادرًا مواضعه المنحرفة الخاطئة التي ساقته إليها زعامات جائرة، وسلطات مستبدة، وأعراف مليئة بالدنس والرجس، والوحل والخطيئة!
أرأيت كيف كان طريق البناء النفسي، والتكوين العملي بمثابة إرهاص حركيّ حيّ؟!
أرأيت كيف كان الانقطاع، عكسًا إزاء طغيان الجاهليّة، وطردًا تجاه يوم الوحي، بمثابة الإرهاص الأكبر، إلى أن هذه الشخصيّة التي ربّتها عناية الله في مدى أربعين سنة، قد غدت على استعداد تام للتلقي؟!
وإزاء هذا الهيكل المرئي من حياة الرسول - ﷺ - قبل مبعثه، يقف عدد من الإشارات والأحداث، لافتًا الأنظار في ذلك الحين، وفي كل حين، إلى أن الرسول - ﷺ - قد اصطفاه الله .. وإلى أن تدفق الخير على مضارب القبيلة التي احتضنت محمدًا، بعد أيام العسر والجفاف، يوحي فيما يوحي إلى أن مجاعة العالم كله، وجفاف الروح الإنسانيّة، وعسر الحضارة البشريّة في تمخضها الدائم، تنتظر من يعيد توجيهها وصياغتها من جديد فيحيل الجوع شبعًا وريًّا، وجفاف الروح امتلاء وانطلاقًا، وعسر الحركة الحضارية تدفقًا وإبداعًا .. وبشارةً وإنذارًا!
بشارة لكل الذين بعدوا عن دنس الجاهليّة ورجسها، واستعلوا على كل صور الضلال، وآلوا على أنفسهم أن يتحملوا المسؤوليّة، وأن يسيروا في طريق الحق، وأن يسيروا بالناس من عبادة العباد إلى عبادة الله!
[ ٢ / ٥٣٢ ]
وإنذارًا إلى أن هذا العفن الذي يغمر العالم إنما هو من صنع الناس أنفسهم، وأنهم يغرقون إلى أذقانهم بما صنعوا!
وقد يسأل سائل: أتنقدح المعارف المتصلة بالكون وما وراءه، والناس وما يفيضون فيه، في نفوس المرسلين فجأة، دون إعداد سابق أو تهيئة حكيمة؟
والجواب، كلا، فالأنبياء، وإن لم يتعلموا بالطرق والقوانين التي يتعلم بها أمثالنا (١)، لهم من سلامة فكرهم واستقامة نظرهم ما يجعلهم في الطليعة وإن لم يتعلموا بما نعهد من أساليب!
ما العلم الذي تربَّى به النفس؟! أهو حفظ الدروس واستيعاب القواعد والقوانين؟
إن هناك ببغاوات كثيرة تردد ما تسمع دون وعي، ولقد نرى أطفالًا يلقون - بإتقان وتمثيل- خطبًا دقيقة لأشهر الساسة والقادة!
فلا الأطفال -بما استحفظوا من كلام هؤلاء- أصبحوا رجالًا، ولا الببغاوات تحولت بشرًا .. وقد تجد من يحفظ، ويجادل ويغلب، ولكن العلم في نفسه كعروق الذهب في الصخور المهملة، لا يبعث على خير، ولا يزجر عن شر!
وشبه القرآن اليهود الذين يحملون التوراة ولا يتأدبون بها بالحمير!
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾ (الجمعة)!
إنهم حمّلوا التوراة (٢) وكلفوا أمانة العقيدة والشريعة!
_________________
(١) فقه السيرة: ٧٠ وما بعدها بتصرف.
(٢) في ظلال القرآن: ٦: ٣٥٦٧ بتصرف.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾!
وحملها يبدأ بالإدراك والفهم والفقه، وينتهي بالعمل لتحقيق مدلولها في عالم الضمير وعالم الواقع، ولكن سيرة بني إسرائيل كما عرضها القرآن الكريم، وكما هي في حقيقتها، لا تدل على أنهم قدروا هذه الأمانة، ولا أنهم فقهوا حقيقتها، ولا أنهم عملوا بها، ومن ثم كانوا كالحمار يحمل الكتب الضخام!
صورة زرية بائسة، ومثل سيء شائن، ولكنها صورة معبرة عن حقيقة صادقة!
والذين يعيشون في هذا الزمان، وهم يحملون أسماء وشهادات، ولا يعملون عمل المسلمين، وبخاصة أولئك الذين يقرؤون ولا ينهضون، أولئك مثلهم كهؤلاء، وهم كثيرون!
فليست المسألة مسألة كتب تحمل وتدرس، إنما هي مسألة فقه وعمل!
وهذه الطبائع التي تحمل العلم بهذه الصورة المزرية البائسة، لا تصلح به، إنما تسيء!
وهناك من آتاه الله آياته، ولكنه انسلخ منها، وتعرّى عنها، ولصق بالأرض، واتبع الهوى، فأمسى مطرودًا من حمى الله، لا يهدأ ولا يطمئن، نبصر مثله في مشهد حيّ متحرّك، عنيف الحركة، شاخص السمات، بارز الملامح، واضح الانفعالات، يحمل كل إيقاعات الحياة الواقعيّة، إلى جانب العبارة الموحية (١)، ونحن نقرأ قوله الله تعالى:
_________________
(١) المرجع السابق: ٣: ١٣٩٦ بتصرف.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾ (الأعراف)!
إنه مشهد من المشاهد العجيبة، الجديدة كل الجدة على ذخيرة العربيّة من التصوّرات والتصديقات .. إنسان يؤتيه الله آياته، ويخلع عليه من فضله، ويكسوه من علمه، ويعطيه الفرصة كاملة للهدى والاتصال والارتفاع .. ولكن ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخًا .. ينسلخ كأنما الآيات أديم له متلبّس بلحمه، فهو ينسلخ منها بعنف وجهد ومشقة، انسلاخ الحيّ من أديمه اللاصق بالكيان؟!
ها هو ذا ينسلخ من آيات الله، ويتجرّد من الغطاء الواقي، والدرع الحامي، وينحرف عن الهدى ليتبع الهوى، ويهبط من الأفق المشرق فيلتصق بالطين المعتم، فيصبح غرضًا للشيطان لا يقيه منه واق، ولا يحميه منه حام، فيتبعه ويلزمه ويستحوذ عليه!
ثم إذا نحن أولاء أمام مشهد مفزع بائس نكد .. إذا نحن بهذا الخلوق لاصقًا بالأرض، ملوّثًا بالطين .. ثم إذا هو مسخ في هيئة الكلب، يلهث إن طورد ويلهث إن لم يطارد!
كل هذه المشاهد المتحرّكة تتتابع وتتوالى، والخيال شاخص يتبعها في انفعال وانبهار وتأثّر .. فإذا انتهى إلى المشهد الأخير منها .. مشهد اللهاث الذي لا ينقطع .. سمع التعليق المرهوب الموحي، على المشهد كله:
[ ٢ / ٥٣٥ ]
﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾!
ذلك مثلهم!
فلقد كانت آيات الهدى وموحيات الإيمان متلبّسة بفطرتهم وكيانهم وبالوجود كله من حولهم .. ثم إذا هم ينسلخون منها انسلاخًا .. ثم إذا هم أمساخ شائهو الكيان، هابطون عن مكان الإنسان إلى مكان الكلب الذي يتمرّغ في الظن .. وكان لهم من الإيمان جناح يرفون به إلى عليّين، وكانوا من فطرتهم الأولى في أحسن تقويم، فإذا هم ينحطون منها إلى أسفل سافلين!
﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾
وهل أسوأ من هذا المثل مثلًا؟!
وهل أسوأ من الانسلاخ والتعرّي من الهدى؟!
وهل أسوأ من اللصوق بالأرض واتباع الهوى؟!
وهل يظلم إنسان نفسه كما يظلمها من يصنع بها هكذا؟!
من يعرّيها من الغطاء الواقي والدرع الحامي، ويدعها غرضًا للشيطان يلزمها ويركبها، ويهبط بها إلى عالم الحيوان اللاصق بالأرض، الحائر القلق، اللاهث لهاث الكلب أبدًا!!
وهل يبلغ قول قائل في وصف هذه الحالة وتصويرها على هذا النحو العجيب الفريد، إلا هذا القرآن الكريم؟!
وهناك الأمثال التي يضيق المقام عن ذكرها، في آيات هذا الكتاب!
وهناك الخرافيّون الذين يغالطون في هذه الحقائق أنفسهم، كأن عقولهم
[ ٢ / ٥٣٦ ]
ميزان ثقلت إحدى كفتيه -لغير سبب- ينبسطون للمستحيلات ويقبلونها، ويتهجمون للوقائع ويرفضونها!
ونحن موقنون من مطالعة سيرة الرسول - ﷺ - بأنه طراز رفيع من الفكر الصائب، والنظر السديد، وأنه -قبل رعي الغنم وبعده، وقبل احتراف التجارة وبعدها- كان يعيش الحياة في أعماق الصحراء، صاحيًا بين السكارى والغافلين!
وجو الجزيرة العربيّة يزيد خمول الخامل وحدة اليقظان، كالشعاع الذي ينمي الأشواك والورد معًا .. وقد كان الرسول - ﷺ - يستعين بصمته الطويل، صمته الموصول بالليل والنهار .. صمته المطبق على الرمال الممتدة، والعمران القليل!
كان يستعين بهذا الصمت الطويل الموصول المطبق على طول التأمل، وإدمان الفكر، واستنكاه الحق!
ودرجة الارتقاء النفسي التي بلغها من النظر الدائم أرجح يقينًا من حفظ لا فهم فيه، أو فهم لا أدب معه، ومثله في احترام حقائق الكون والحياة أولى بالتقديم من أولئك الذين اعتنقوا الأوهام وعاشوا بها ولها!
ولاشك أن الله حاطه بما يحفظ عليه هذا الاتجاه الفذ!
مراتب التعليم:
إن مراتب التعليم المختلفة هي مراحل جهاد متصل لتهذيب العقل وتقوية ملكاته، وتصويب نظرته إلى الكون والحياة والأحياء، فكل تعليم يقصر بأصحابه عن هذا الشأو لا يؤبه له، مهما وسم بالشهادات والإجازات!
[ ٢ / ٥٣٧ ]
وأحق منه بالحفاوة، وأسبق إلى الغاية المنشودة، أن ينال المرء حظًا وافرًا من حسن الفطرة وأصالة الفكرة، وسداد الوسيلة والهدف!
وقد أشار القرآن الكريم إلى نصيب إبراهيم -﵇- من هذه الخصال عندما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾ (الأَنبياء)!
ومحمد - ﷺ - في هذا كجده إبراهيم، إنه لم يتلق علمًا على راهب أو كاهن أو فيلسوف ممن ظهروا في عهده، ولكنه بعقله الخصب، وفطرته الصافية، طالع صحائف الحياة، وشؤون الناس وأحوال الجماعات، فعاف منها ما عرف من خرافة ونأى عنها، ثم عاشر الناس على بصيرة من أمره وأمرهم، فما وجده حسنًا شارك فيه بقدر -كما عرفنا- وإلا عاد إلى عزلته العتيدة، يتابع النظر الدائم في ملكوت السموات والأرض، وذلك أجدى عليه من علوم هي بالجهل المركب أشبه، ومن مجتمع فقد الهداة من قرون، فهو يضم ضلالًا جديدًا إلى الضلال القديم كلما مر عليه ليل وجاء صباح!
إن الوثنيّة تزيّن باطلها بطلاء من التمويه، ليسهل على النفوس ازدراد ما فيها من مرارة!
وإن العامة بهم أحلاس ما توارثوا، ففقدوا نعمة العقل المدرك، وعاشوا يهرفون بما لا يعرفون!
وأما الذين أوتوا حظًا من التفكير، فإن تفكيرهم يرتطم بحدود شهواتهم، وربما كتموا ما عرفوا، بل ربما حاربوا ما عرفوا، وقليل من الناس من يتجرأ على التقاليد الباطلة المستحكمة ويجهر بالحق، وأقل من ذلك من يعيش له ويضحي في سبيله!
[ ٢ / ٥٣٨ ]
وهيأ الله للبشرية رجلًا يبصر الحق، ويملك من الطاقة ما يدفعه إلى آفاق العالمين!
وفي الغار المهيب المحجّب، كانت نفس كبيرة تطل من عليائها على ما تموج به الدنيا من فتن ومغارم واعتداء وانحدار، ثم تتألم حسرة وحيرة؛ لأنها لا تدري من ذلك مخرجًا!
في هذا الغار النائي المهيب المحجّب كانت عين نافذة محصية تستعرض تراث الهداة الأولين من رسل الله، فتجده كالمنجم العتم لا يستخلص منه المعدن النفيس إلا بعد جهد جهيد، وقد يختلط التراب بالتبر فما يستطيع بشر فصله عنه!
في غار حراء المهيب المحجّب كان الرسول - ﷺ - يتعبّد، حتى وصل من الصفاء إلى مرتبة عالية انعكست فيها أشعة الغيوب على صفحته المجلوة، فأصبح لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح -كما سيأتي- ومن قبله شهد بطن الصحراء أخًا لمحمد - ﷺ - يخرج من مصر ويجتاز القفار متلمسًا الأمن والسكينة والهدى، لنفسه وقومه، فبرقت له من شاطئ الوادي الأيمن نار مؤنسة، فلما تيممها إذا النداء الأقدس يغمر مسامعه ويتخلل مشاعره:
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ (طه)!
إن شعلة من هذه النار اجتازت القرون لتتقد مرة أخرى في جوانب الغار المهيب المحجّب الذي حوى خير الخلق يتعبّد، نائيًا بجسمه وروحه عن أرجاس الجاهليّة ومساوئها وأدناسها، لكن الشعلة لم تكن نارًا تستدرج الناظر، بل
[ ٢ / ٥٣٩ ]
كانت نورًا ينبسط بين يدي وحي مبارك يسطع على القلب العاني بالإلهام والهداية والتثبيت والعناية!
هذا حراء:
وصدق الشاعر (١):
هذا حراء سائلوه يجيبكم فلعله سفر من الأسفارِ
واستلهموه مواقف الوحي التي شعّ الهدى منها على الأقطارِ
وسلوه: ماذا قد أقل من البطو لة والحجا؟ أعظم به من غارِ
أخلق بغار حراء أن يزهو على الـ أهرام والإِيوان والآثارِ
كم بين صاحبه وبين بناتها من فارق أربى على الأقدارِ
شتان بين محرر الأقوام والـ مس تعبدين سلائل الأحرارِ
_________________
(١) القول المبين في سيرة سيد المرسلين: ٨٣.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
معالم على الطريق:
وبهذا نكون قد ألقينا الضوء على معالم الطريق إلى النبوة .. وهي تزداد إيحاء ووضوحًا، وعرفنا كيف أعطى الانسلاخ الحاسم عن كل ممارسات الجاهليّة القدرة العمليّة على الرفض لكل ممارسات الجاهليّين الباطلة، وكيف كان البعد الروحي والإمداد النفسي باتجاه الاندماج والاتصال، ومواجهة رفض الجاهلية وقياداتها وأعرافها وسلطاتها، بمثابة إرهاص حيّ حركيّ، فكريّ عمليّ، إلى أن هذه الشخصية التي ربتها عناية الله في مدى أربعين سنة قد غدت على استعداد تام للتلقي!
ونبصر خلوات الرسول - ﷺ - .. ونبصر انعزاله عن مجرى الحياة المكية الصاخب، وهو يقترب من الأربعين .. حيث أعده الله سبحانه لأول لقاء مع وحيه الأمين، ليخرج الناس من ظلمات الجاهليّة ودنسها إلى نور الإِسلام ونقائه، فكان يغادر مكة بين الحين والحين، مجتازًا أسوارها الجبليّة، منقلًا خطواته الثابتة الواسعة عبر رمال الصحراء المترامية حتى تحجب به حياة الجاهليّة، وتستقبله شعاب مكة، وبطون أوديتها، ثم يلج بعيدًا إلى (جبل النور)، حيث ينتهي به المطاف إلى (غار حراء)، فيمكث فيه ما شاء الله أن يمكث!
واستغرق الرسول - ﷺ - في تفكير عميق، كان يشغله أمدًا طويلًا .. تفكير عميق في أحوال قومه، وفي أوضاعهم، وفي الكون والحياة، ومصير الإنسان، والموت وما بعد الموت، وفيما شاكل ذلك من أمور تطوف برأس المفكر المتبصر في هذه الحياة فتصرفه إلى النظر فيها، وتبعده عن التفكير في غيرها، مما يكون في هذه السن على المعتاد! إنه يريد الوصول إلى الحقيقة!
[ ٢ / ٥٤١ ]
وأخذت ملامح الطريق إلى النبوة تزداد إيحاءً ووضوحًا، وتقترب بالرسول - ﷺ - يومًا بعد يوم!
والذي يلفت النظر (١)، ويدعو إلى التأمل، أن تتضافر روايات التاريخ بالحديث عن ورقة بن نوفل وتنصّره، وزيد بن عمرو وتحنّفه، وقس ابن ساعدة وترهّبه، وأميّة بن أبي الصلت وتطلعه .. ولكنها تسكت عن الرسول - ﷺ - في هذه الفترة من شبابه، فلا تذكر عنه إلَّا أنه كان يخلو بغار حراء يتعبّد فيه الليالي ذوات العدد!
ومن هنا تعددت الأقاويل في تعبّده على أي نهج كان (٢)؟!
ولم يأت تصريح -كما قال الزرقاني (٣) - بصفة تعبّده بحراء، فيحتمل أنه أطلق على الخلوة بمجردها تعبدًا، فإن الانعزال عن الناس ولا سيما من كان على باطل عبادة، وعن ابن المرابط وغيره: كان يتعبّد بالفكر، وهذا على قول الجمهور!
وعلى كل فإن العقل في منطقه بمعزل عن إدراك شرعيّة هذا التعبّد، ما دام لم يأت نص قاطع في ذلك، فهو إذن تعبّد على ملة إبراهيم -كما سيأتي في حديث بدء الوحي- وهو إذن مطلع الوحي، بحقائقه ودلالاته!
لقد تكرم الحق -﵎- فكرّم هذه الخليقة باختيار واحد منها، اصطفاه ليكون ملتقى النور الإلهي، ومهبط الوحي، وخاتم النبيّين، وخير الخلق أجمعين!
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٢١٦ وما بعدها بتصرف.
(٢) انظر: البداية: ٣: ٦، وشرح الزرقاني: ١: ٢١٠.
(٣) شرح الزرقاني: ١: ٢١٠.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
وتتكشف جوانب من عظمة هذه الحقيقة حين نتصوّر جهد الطاقة حقيقة الاصطفاء، ونتصور في ظلها حقيقة العبوديّة، بما نعرف وبما لا سبيل إلى معرفته .. ثم نستشعر وقع هذا التكريم وتلك العناية بنا، ونتذوق حلاوة المعرفة والفهم، وحقيقة التكريم والعناية، ونتلّقى هذا الشعور بالشكر والخشوع، والابتهال والخضوع .. ثم لا نلبث أن نجد أنفسنا نحلّق في سماء الحمد، ونتصور جنبات الوجود، وهي تتجاوب مع هذا التكريم وتلك العناية!
لقد بدأت آثار مطلع الوحي منذ اللحظة الأولى في تحويل خط التاريخ البشري كله .. منذ أن بدأت في تحويل خط الضمير الإنساني .. منذ أن تحددت الجهة التي يتطلع إليها الإنسان، ويتلقى عنها تصوراته وموازينه!
وهنا شعر السلف الصالح الذين استقرت في أرواحهم ومشاعرهم وأحاسيسهم هذه الحقيقة بأنهم في كنف الله -﷿- ورعايته، ورحمته وعنايته!
ومن ثم ظهرت آثار هذه الحقيقة في صلتهم المباشرة بالحق .. فهم قد تحولوا إلى الإيمان الكامل في الفكر والسلوك .. اتصلوا بالحق في كل أحوالهم، كبيرها وصغيرها، يبيتون ويصبحون، وهم في صلة كاملة بالحق، واستمرت هذه الفترة مدة نزول الوحي مباركة طيّبة، لا يتصور حقيقتها كما يجب أن يكون التصور إلا الذين عاشوها وذاقوا حلاوة الاتصال!
لقد ولد الإنسان من جديد، ولقد تحول خط التاريخ .. ولقد قام في الضمير الإنساني التصور المثالي للوجود وللحياة .. ولقد استقرت هذه التصورات بمعالمها في واقع الحياة!
[ ٢ / ٥٤٣ ]
بين ميلادين:
وهنا نجد أنفسنا أمام ميلادين: ميلاد بشرية الرسول - ﷺ -، وميلاد رسالته، ونبصر هذا حين نتصور الجو الذي بدأت فيه نبوة الرسول - ﷺ -، وأشرقت في أفقه رسالته (١)، بكل ما حوى من بيئة على حالها التي كانت عليها من طبيعة جبليّة صحراوية جافة قاسية، يعيش فيها مجتمع بشري بأخلاقه وعاداته، وجهالاته، وبؤس عيشه، وضيق الحياة في وجهه، وتمزق وشائجه الاجتماعيّة، وتفاهة تفكيره، وبلادة حسّه، وجمود مشاعره العقليّة، وانغماسه في حمأة وثنيّات مزرية .. وانصرافه عن النظر في العلم والمعرفة، وإخلاده إلى الأرض، يتعبد لأحجارها، ويهيم في جنبات وديانها ومفاوزها، ويتوثّب ذرا جبالها تطلعًا إلى أقصى آماله، وأعظم أمانيه، إلى نبع ماء أو منبت كلأ، لا يجاوز نظره مواطئ أقدامه، ولا يحس بأحداث الحياة بعيدة عن أرضه ومضارب خيامه، ولا يشعر بتقلبات التطور في الأمم والشعوب من حوله .. تشغله الحروب الداخليّة المتواصلة، تسفك فيها الدماء، وتنهب الأموال، وترمل النساء سبايا، وتيتم الأطفال حيارى .. وتتفانى القبائل، وتعيش فيها بقية السيف متربصة للآثار، ويفقد الأمن مع فقد الاستقرار!
هذا الجو هو الذي ولد فيه الرسول - ﷺ - قبل أربعين سنة من بعثته نبيًّا ورسولًا، من أبوين في أعز أرومة قرشيّة، بكل ما لهذا الجو من خصائص طبيعيّة واجتماعية وفكريّة وخلقيّة في جماعاته وأفراده، في مجموعه وجميعه!
هذا الجو الذي يضطرب في رقّ المادة، وعبوديّة الشهوة، وسلطان
_________________
(١) انظر: محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٢٣٨ وما بعدها.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
البطش، ليس للمثل الأعلى وجود في ذهنه، ولا للغرض النبيل أثر في سعيه، ولا للشعور الإنساني مجرى في حسه، ولا للسموّ معنى في نفسه!
كان هذا الجو حيوانيًّا شهوته الغلب، ماديًّا غايته الجشع، أنانيًّا شريعته الطمع، شيطانيًّا سبيله الهوى، ومآله الردى، والنالس عدا هؤلاء أوزاع شتى، بين الوان كسرى، وبلاط قيصر!
هذا الجو الذي ولد فيه الرسول - ﷺ -، حيث انبثق النور في أرض مكة، فتصدع لمولده الإيوان، وتطامن لأشعته القصر، وهتف من الغيب هاتف:
اليوم ينتهي تاريخ، ويبتدئ تاريخ، ليس بعد اليوم سادة وعبيد، إنما الناس سواء، والعبادة لله، والقيادة لخاتم رسل الله، والأمر كله لله!
وبين عرش قيصر وعرش كسرى قام منبر الحق، فتضاءل لجلاله عرش، وتقوض لدعائه عرش، وانبثق النور!
هنالك بدت طوالع الوحدانيّة على الوثنيّة، والإنسانيّة على العصبيّة، وظهرت معالم ومعالم .. ووجَدت قافلة الحياة طريقها المقاصد، وأبصرت الإنسانيّة نورًا سرى في الكون، وروحًا سرت في الهيكل المنحل، والجسد المعتل، فنفخت فيه سر الحياة، حتى شعر أن له أسبابًا إلى الحق رثت على طول غفلته، وأن له حياة مباركة طيبة، خيرًا من هذه الحياة استسر علمها في جهالته، فتشوف إلى الأفق البعيد، واستنار بالضوء الجديد، وأدرك بعث الحرية من قبرها، وإطلاق العقول من أسارها!
[ ٢ / ٥٤٥ ]
قبس من الإيمان:
وصدق القائل:
قبسٌ من الإِيمان لاح فلم يدع لألاؤه فوق البسيطة موضعا
ما كان ميلاد الرسول المصطفى إِلا الربيع نضارة وتضوّعا
يوم أغر كفاك منه أنه يوم كأن الدهر فيه تجمّعا
ويكاد غابر كل يوم قبله يثني إِليه بجيده متطلِّعا
فلو استطاع لكر من أحقابه وثبًا على هام السنين ليرجعا
ويكاد مقبل كل يوم بعده ينسل من خلف الزمان ليشرعا
فلو استطاع لجاد قبل أوانه وانساب يخترق السنين وأتلعا
تتنافس الأيام في الشرف الذي ملأ الوجود فلم يغادر إِصبعا
[ ٢ / ٥٤٦ ]
خير أفاض الله منه على الورى أنى جرى ترك الجنان المرعا
وسنا جلاه لتعمر الدنيا به من بعدها كانت خرابا بلقعا (١)
هذا الجو الذي كانت قافلة الحياة فيه جائرة السبيل، حائرة الدليل، خائرة العزيمة، وكانت الدنيا تئن وتشكو، وجراحها تشجب دمًا، والشيطان يعيث في الأرض فسادًا!
هو الجو الذي نبصر فيه الدنيا جاثية بين يدي الرسالة والرسول، ونحس الفضائل كلها مجتمعة تروح وتغدو لتعيش الحقيقة في رحاب النور، ولا نكاد نرى من حولنا شيئًا من معاني السمو والجلال، والعظمة والجمال، والرفعة والكمال، يتحرك إلا بين يدي الرسالة والرسول، وقد خلع بسماته ومعالمه ومظاهر الحياة فيه على ميلاد النبي الكثير من الروايات التي سبق أن ذكرنا ما صح منها رواية ودراية، ففيما صح غنية عما سواه .. وهذا هو منهجنا في هذه الدراسات -كما سبق- والرسول - ﷺ -، أكمل البشريّة إنسانيّة، وأرفعهم في فضائلها فضيلة، وأشرفهم في أمجادها مجدًا وشرفًا، وأزكاهم نفسًا، وأطهرهم قلبًا، وأصفاهم روحًا، وأعلاهم في المكارم كعبًا!
ووحدة الجو (٢) بكل ما حوى من خصائص في زمن ميلاد بشريّة الرسول - ﷺ - وزمن ميلاد رسالته، وبدء نبوّته، أضفى على ميلاد رسالته، وأحداث بدء
_________________
(١) الرسالة: السنة الخامسة: العدد ٢٠٣ ص ٨٦٨ بتصرف.
(٢) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٢٣٨ وما بعدها بتصرف.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
الوحي بنبوّته أمورًا شبيهة بما أضفاه على ميلاد بشريّته، ومن ثم فقد التزمنا بما صح رواية ودراية من هذه الروايات!
وأحداث ميلاد الرسالة وبدء الوحي أساس النبوّة ودعائم الرسالة .. والنبوّة هي الحقيقة الكبرى في ميلاد جديد للرسول - ﷺ -، ميلاد روحاني يصور -أساسًا- شخصية النبي بوصفه الجديد، ويصور حياته مع ربّه الذي اختاره لتلقّي كلماته والوحي، ويصور حياته مع نفسه التي اصطفاها الله لتكون منزل أمره ونهيه!
والرسالة هي الحقيقة العظمى في ميلاد جديد للرسول، فوق ميلاد روحانيّة النبي، يصور شخصية الرسول - ﷺ - بمظهر ولادته الجديدة، ويصوّر حياته مع ربّه الذي اختاره رسولًا بينه وبين من شاء من عباده، يبلّغهم عنه ضروب هدايته، ويصوّر حياته مع نفسه رسولًا، يخرج الناس من ظلمات الجهل والضلالة، إلى نور العلم والهداية، ويصوّر حياته مع الناس في طرائق دعوتهم إلى الله، ودعوتهم إلى الحق والخير!
وإشراق الوجود البشري كان ميلادًا لمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب، في مهد أمّه آمنة بنت وهب .. وإشراق الوجود النبوي ببدء الوحي كان ميلادًا لمحمد رسول الله خاتم النبيّين!
وبن الميلادين في الفضل والشرف ما بين طفل خرج إلى الدنيا كما يولد أيّ طفل -في أشرف وأكرم بيت من بيوتات أعزّ قبيلة في العرب- ثكل أباه قبل أن يتشرّف الوجود بطلعته، وكان هذا الثكل جرحًا في قلب جده عبد المطلب، فكان الرسول - ﷺ - بلسمًا لجرح الثكل في قلب هذا الجد الذي أخذت منه السنون، فلم تبق له إلا قلبًا يعمره حب بنيه الذين عزّ بهم!
[ ٢ / ٥٤٨ ]
وقد استقبل عبد المطلب حفيده- الذي ملأ فراغ قلبه من مكان أبيه إذ بشر به، ومعه بنوه بالحب والبهجة، فاغتبط بميلاده شاكرًا!
وبين ميلاد رسالة عامة خالدة، اختار الله تعالى رسولها بعلمه وحكمته، وخلعَ عليه رداء تعظيمه، فجعله خير رسول لـ (خير أمّة أخرجت للناس)، وختم به نبوّته، وعمّم برسالته شرائع وحيه، وخلّد بدعوته الدعوة إلى وحدانيّته، وشرف به ملكه وملكوته، وأفاض عليه من خواص غيبه في أخلاقه وخلائقه ما تعجز الأقلام والألسن عن الإحاطة بشيء من فضله، والله ذو الفضل العظيم!
* * *
[ ٢ / ٥٤٩ ]
الجامع الصحيح للسيرة النبوية [٣]